فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

المحاصيل العطرية أو البهارية فائدة للمزارع وإرهاق للتربة والسكان

فريق التحرير

يكمن الخطر الأهم لزراعة النباتات العطرية في انخفاض الإنتاج السنوي بعد تكرار زراعتها لمواسم متتالية

تنشط زراعة النباتات العطرية في الشمال السوري خلال السنوات الثلاث الماضية، كـ “الكمون واليانسون والحبة السوداء والكزبرة..”، ساهم في ذلك ارتفاع أسعارها بعد السماح بتصديرها عبر المعابر الحدودية، كذلك قلة حاجتها للمياه واعتمادها على مياه الأمطار، ناهيك عن ضعف تسويق المحاصيل الرئيسية في المنطقة كالقمح والشعير وخسارة الأراضي المزروعة بتلك الأصناف ما دفع المزارعين إلى التوقف عن زراعتها وتعويضها بأخرى ذات جدوى اقتصادية مرتفعة.

زيادة المساحات المزروعة بالنباتات العطرية

يقدّر المهندس عبد الرزاق طالب (مدير دائرة الزراعة في الزربة بريف حلب الجنوبي) حجم الزيادة بالمساحات المزروعة بالنباتات العطرية في ريف حلب الجنوبي بـ 20%، بينما وصلت حجم المساحات المزروعة بها في إدلب إلى 15 ألف هكتار بالنباتات العطرية و26 ألف هكتار للبقوليات (في العام 2012 بلغت 12 ألف هكتار)، بحسب مدير الإرشاد الزراعي السابق في محافظة إدلب المهندس عمر البدوي.

ويشهد العام الحالي توجهاً أكبر نحو هذه الزراعات يقدره المهندس محمد الموسى بنسبة تفوق 30% من مساحة الأراضي المزروعة وذلك لأسباب كثيرة أهمها تراجع المساحات المروية وانخفاض أسعار المحاصيل النجيلية (القمح والشعير)، وفتح باب التصدير لهذه المنتجات ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ويقول المهندس الموسى إن مزارعي المنطقة سابقاً، كانوا يزرعون بعض “الدونمات” من النباتات العطرية تكفي للسوق المحلية كمؤن للمنازل، إلّا أنه ومنذ العام 2010 شهدت هذه الزراعة تطوراً ملحوظاً لجدواها الاقتصادية والطلب العالمي عليها.

تجهيز الأراضي الزراعية في ريف حلب الجنوبي
تجهيز الأراضي الزراعية في ريف حلب الجنوبي

المزارعون يؤكدون

المزارع عبد الستار محمد ديب حلاق (من قرية الجينة) قال إنه بدلاً من زراعة القمح والشعير هذا العام سيقوم بزراعة الكمون والحبة سوداء، كونها محاصيل ذات سعر مبيع جيد في السوق، حاله كحال عدد من مزارعي المنطقة. يقول عمر شحادة (مساعد مهندس ورئيس المكتب الزراعي في الأتارب) إن تغيرات السوق بما يخص أسعار المحاصيل الزراعية دفعت المزارعين لتتبع هذه الأسعار وزراعة المواد التي وصفها بـ “مرتفعة الأثمان في العام السابق”.

وبتتبع الأسعار، من قبل فريق فوكس حلب، وجدنا أن مبيع الطن الواحد من الكمون وصل في العام الحالي إلى 2400 دولاراً، والحبة السوداء 1000 دولار، والكزبرة 750 دولار واليانسون 2000 دولار، مقارنة بطن القمح الذي لم تتجاوز أسعاره حاجز الـ 200 دولار في أفضل الأحوال.

الحاج مصطفى الإسماعيل من ريف إدلب يقول إن كلفة الهكتار الواحد من الكمون لا تتجاوز 400 دولاراً، في حين يبلغ متوسط الإنتاج ما بين طن وطن ونصف للهكتار، وهو ما يعني دخلاً جيداً للمزارع مقارنة بأصناف أخرى، ما دفعه لزراعة خمسة هكتارات يملكها بالنباتات العطرية، بالتحديد الكمون واليانسون.

المزارع علي الأحمد من الزربة قال إن الدورة الزراعية التي تحتاجها الأرض تفرض التنويع بالمحاصيل المزروعة، وهو ما يؤدي إلى زيادة نسبة زراعة النباتات العطرية في عام من الأعوام عن سابقه، محدداً الفارق الموسمي في الزراعة بثلاث سنوات (تزرع الأرض بالقمح ثم الكمون ثم الشعير لتعود إلى القمح على سبيل المثال).

المهندس الطالب يقول إن هذه الزيادة تتعلق بازدياد الطلب العالمي على النباتات العطرية، وبيعها بـ “الدولار” ما يضمن ربح المزارع، كذلك قلة تكاليف الإنتاج وعدم حاجتها للمياه (معظمها زراعات بعلية بنحو 90%)، مقللاً من دورها في الأمن الغذائي، إذ تستخدم كتوابل للأطعمة مع غياب المعامل الطبية في المنطقة التي تعتمد على هذه المحاصيل، وهو ما يؤدي إلى تصدير معظم الإنتاج السنوي.

الشلل والذبول يصيب الأراضي بريف حلب الجنوبي
الشلل والذبول يصيب الأراضي بريف حلب الجنوبي

مخاطر على التربة الزراعية

يكمن الخطر الأهم لزراعة النباتات العطرية في انخفاض الإنتاج السنوي بعد تكرار زراعتها لمواسم متتالية، وذلك لما يسببه هذا التكرار من أمراض للنباتات كـ “الشلل والذبول“، بحسب المهندس البدوي.

ويقصد بالزراعة المتكررة “تكرار زراعة محصول معين في نفس الحقل عاماً بعد آخر أو زراعة المحصول في نفس المكان”، وتؤدي إلى استنزاف المادة العضوية من التربة ما يقلل من خصوبتها، واستنزاف عنصر هام أو مجموعة من العناصر بصفة مستمرة من الأرض ما يؤدي إلى ضعف التربة إن لم يتم تعويضها، كذلك يؤدي عدم مرور التربة خلال الدورة الزراعية بمحصول بقولي إلى فقرها بعنصر الآزوت، وازدياد الأمراض كتعفن الجذور وانتشار الحشرات والحشائش، والإخلال بالتوازن البيولوجي في الأرض نتيجة عدم تنوع المحاصيل وكـذلك بمحتوى الأرض من العناصر الثانوية والعناصر الدقيقة، بحسب المهندس الموسى.

المهندس مجد حاج عمر وصف زراعة النباتات العطرية في المنطقة بـ “غير الناجحة”، إذ تعرض قسم كبير منها للأمراض (الذبول والبياض الدقيقي والشلل..)، إلّا أن أسعارها المرتفعة شجعت المزارعين على زراعتها في الأعوام السابقة، ويرى أن المزارعين سيعودون إلى زراعة القمح والبقوليات نتيجة عدم نجاح زراعة النباتات العطرية والأضرار التي طالت التربة، مؤكداً على خسارة المزارعين إن لم يتبعوا الدورة الزراعية، لضعف الإنتاج المرجو وكثرة الأمراض.

الشلل والذبول يصيب الأراضي بريف حلب الجنوبي
الشلل والذبول يصيب الأراضي بريف حلب الجنوبي

سوق سوداء

تباع النباتات العطرية للتجار وفق قانون “العرض والطلب”، يقول المهندس علي الناجي، ويتحكم التجار بأسعارها وفقاً للأسعار العالمية والكميات المطلوبة للتصدير، وهو ما يفسر تذبذب أسعارها في الأسواق.

ويرى شحادة إن توجه المزارعين لزراعة النباتات العطرية سيؤدي إلى انخفاض سعرها في الأسواق مع ازدياد كميات الإنتاج، وهو ما سيتسبب بخسارة المزارع على المدى المتوسط والطويل سواء من الناحية الاقتصادية أو الأضرار في التربة.

زراعة اليانسون في ريف إدلب الجنوبي
زراعة اليانسون في ريف إدلب الجنوبي

التاجر سعيد المصطفى من أريحا يقول إن الكميات المطلوبة من هذه النباتات تختلف بين عام وآخر، وتصدر معظمها إلى تركيا والعراق، بعضها يمر عبر مناطق النظام، مؤكداً أن تجار الجملة يوكلون المهمة إلى تجار المنطقة بشراء الكميات اللازمة وفق أسعار محددة، وتختلف هذه الأسعار في كل عام، مؤكداً أن الكميات المطلوبة كبيرة وتكفي لاستيعاب كل إنتاج المزارعين.

ويربط المصطفى التصريف بالمعابر، ففي حال تم إغلاق باب التصدير ستكون الخسارة كبيرة، وهو ما يسعى التجار للتأكد منه قبل شراء المحاصيل من المزارعين تجنباً للخسارة، ويعتبر أن ما يحصل عليه المزارع من سعر “منصف”، وهو يزيد عن الكلفة بخمسة أضعاف على الأقل في بعض المحاصيل وبضعفين في محاصيل أخرى.

المزارع علي الأحمد يقول إنه يلتزم بالدورة الزراعية، ويقسم المساحة التي يمتلكها بين أنواع عديدة من المحاصيل، ليضمن بقاء جزء من النباتات العطرية في مواسمه لتعويض خسارة باقي المحاصيل، وتأمين لقمة العيش، في حين يتجه بعض المزارعين للزراعة المتكررة دون توجيه أو إرشاد من المؤسسات الزراعية، أو دعم للزراعات التي يصفها المزارعون بـ “الخاسرة”، في ظل الظروف الحياتية القاسية التي يعيشونها.

“شركة وتد”.. احتكار للمحروقات يخنق الشمال السوري

قبل أكثر من عامين كانت أسعار المحروقات منتظمة ومقبولة، لكن عقب احتكار وتد بيع المحروقات منذ مطلع 2018 ارتفعت أسعارها

شهدت مناطق الشمال المحرر خلال الأسابيع الماضية ارتفاعاً كبيراً في أسعار المحروقات، ما أثار حالةً من الاستياء لدى السكان لاسيما مع دخول فصل الشتاء وزيادة الحاجة لمادة المازوت، لتزداد التساؤلات حول مدى مسؤولية شركة “وتد” عن أزمة المحروقات، كونها تحتكر عمليات الاستيراد والبيع في المناطق المحررة.

منذ سيطرة “هيئة تحرير الشام” على (معبر الغزاوية – دارة عزة) الذي يصل بين عفرين وإدلب، تأسست شركة “وتد” للبترول بداية عام 2018 من قبل بعض تجار المحروقات والمهندسين ومعظمهم من الشمال السوري، وتركز عملها في المناطق الحدودية ومدينة إدلب ومعرة مصرين وحارم ومناطق ريف حلب الغربي، والتي تعتبر تحت سيطرة “تحرير الشام”.

وتعاني المناطق المحررة من ارتفاع أسعار المحروقات، ووصل سعر ليتر المازوت الأوكراني المستورد إلى 555 ليرة سورية، والبنزين المستورد 565 ليرة، في حين وصل سعر أسطوانة الغاز إلى سبعة آلاف ليرة سورية.

أما أسعار المحروقات بالجملة: سعر برميل البنزين المستورد 119000 ليرة، برميل المازوت المستورد 117000 ليرة، مازوت محلي نوع (قرحة الرويس) 78000 ليرة، مازوت (زهرة رويس خفيف) 75000 ليرة، (زهرة رويس ثقيل) 73000 ليرة، (بقايا رميلان) 72500 ليرة، (عسلي فاتح) 68000 ليرة.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

وقال المحلل الاقتصادي محمد بكور لفوكس حلب: إن “تراجع قيمة الليرة السورية والتي وصلت إلى 750 ليرة مقابل الدولار، انعكس سلباً على أسعار المحروقات المستوردة من تركيا، كما ارتفعت أسعار المحروقات المحلية القادمة من شرق الفرات، في ظل انقطاع الطرقات عقب بدء عملية نبع السلام في التاسع من تشرين الأول الماضي، ومما زاد الأمر سوء احتكار بعض التجار المرتبطين بشركة وتد للمحروقات، بالتزامن مع زيادة الطلب مع دخول فصل الشتاء”.

أزمة وقود تعصف بالمياه والكهرباء والتدفئة

ارتفاع أسعار المحروقات كان له تأثير كبير على السكان في المناطق المحررة، وقال أبو فهد من أهالي مدينة إدلب: “أصبح الواقع لا يطاق، كيف سيعيش الناس ويقضون هذا الشتاء لا أدري، ليتر المازوت وصل إلى 600-650 ليرة سورية في السوق السوداء فالتجار لا يلتزمون بأسعار شركة وتد”، مشيراً الى أن “تشغيل المدفأة في اليوم بات يُكلّف 3 آلاف ليرة سورية (5 ليتر)، كما أن أسعار الأمبيرات ارتفعت ووصل سعر الأمبير إلى 3 آلاف ليرة وتم تخفيض ساعات التشغيل في اليوم إلى 3 ساعات، ما يعني أن من يود تشغيل الأدوات الكهربائية يحتاج إلى 3 أمبيرات بتكلفة تصل إلى 9 آلاف ليرة شهرياً”.

وأضاف أبو فهد لفوكس حلب “ارتفعت أيضاً أسعار صهاريج المياه، حيث بات سعر ألف ليتر 1800 ليرة، بعد أن كان بـ ألف ليرة، إضافةً إلى زيادة أجور المواصلات، فمثلاً استئجار سيارة من أريحا إلى إدلب وصل لحدود 6 آلاف ليرة، بعد أن كان 3 آلاف”.

احتكار شركة “وتد” تجارة النفط في الشمال المحرر أثر أيضاً على التجار المحليين، حيث كان التاجر يشتري المحروقات بأسعارٍ مناسبة وبجودة عالية، ولكن بعد دخول الشركة للسوق، أُجبر التجار على شراء المادة بأسعار مرتفعة من (وتد) وبجودة سيئة مع أرباح ضئيلة جداً، وأحياناً يتعرضون للخسارة بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار، الأمر الذي أجبر معظم التجار المحليين لترك المهنة.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

وقال أحد تجار المحروقات في سرمدا فضّل عدم ذكر اسمه: “قبل أكثر من عامين كانت أسعار المحروقات منتظمة ومقبولة، لكن عقب احتكار وتد بيع المحروقات منذ مطلع 2018 ارتفعت أسعارها، فكون وتد الجهة الوحيدة المخوّلة ببيع الوقود، فإنها تضع الأسعار التي تريدها لغياب أي منافس لها يخلق مضاربة في السوق، وهذا أثّر بشكل كبير على التجار والسكان في نفس الوقت”.

وأضاف “عندما تنقطع المحروقات عن الشمال المحرر، لا تقوم وتد بتعويض النقص الحاصل في الوقود للمحافظة على السعر كما هو، وإنما تقوم بتخزينه للحصول على أرباح ضخمة متذرعةً بارتفاع سعر الصرف، وحتى حين ينخفض سعر الدولار لا تقوم وتد بخفض الأسعار بحجة أنها اشترت المحروقات حين كان سعر الصرف مرتفعاً”.

لكن أحد مسؤولي شركة “وتد” أفاد لـ “وكالة إباء”، أن “حصرية استيراد المحروقات والغاز عند شركة (وتد) هو ما ساهم في ضبط السعر وتخفيضه وليس العكس، لأنه منع بعض ضعاف النفوس من التجار من احتكار المواد وبيعها بأسعار مرتفعة في السوق، كما كان الحال سابقاً، حيث كانت تعمل شبكة من التجار على رفع مقدار العروض المقدمة لمصدر المحروقات، مما يؤدي إلى التنافس بين التجار في إدلب على السعر الأعلى والذي سيدفعه المستهلك في النهاية، فكان حصر استيراد تلك المواد في شركة وتد فقط، عاملاً مهماً لمنع الاحتكار واستغلال حاجة الناس”.

كيف يحصل الشمال المحرر على المحروقات؟

تولت شركة “وتد” استيراد النفط الأوكراني من تركيا، إذ تقوم شركات خاصة باستيراد النفط وبيعه لـ “وتد” عن طريق معبر باب الهوى، حيث تم تخفيض الرسوم الجمركية إلى 3 دولار للطن الواحد بعد أن كان 10 دولاراً، إضافةَ لاحتكار “وتد” تجارة النفط القادم من شرقي الفرات، حيث يتولى تجار مرتبطين بها تهريب النفط الخام من حقول رميلان شرقي سوريا، باتجاه مدينة عين العرب ثم منبج فجرابلس إلى محافظة إدلب، لتقوم الشركة بتكريره ضمن حرّاقات بدائية.

افتتحت “وتد” سوقاً لبيع المازوت والبنزين الأوكراني في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي في الخامس من كانون الثاني 2018، ويقع السوق شرقي سرمدا وتبلغ مساحته أكثر من كيلو متر مربع، إذ يقوم التجار والناس بشكل عام بالذهاب إليه بشكل يومي من أجل شراء الوقود بسعر الجملة.

وتقسم شركة “وتد” إلى أربعة أقسام، مهمة القسم الأول المسمّى محروقات وتد، استيراد المحروقات التي تشمل البنزين والمازوت من تركيا بالإضافة إلى المناطق الشرقية، فيما يقوم القسم الثاني للشركة بتحويل النفط الخام إلى مازوت وبنزين عبر محطات التكرير التابعة للشركة، التي تنتشر على طريق حزانو بريف إدلب الشمالي ومنطقة ملس بريف إدلب الغربي، حيث قامت ببناء المصافي من أجل تكرير النفط.

فيما يتضمن القسم الثالث مراكز للغاز تتوزع على ثلاثة مراكز: في منطقة أورم الكبرى بريف حلب، وخان شيخون بريف إدلب الجنوبي (سابقاً)، ومدينة إدلب، وتعتبر مهامه الأساسية استقبال شحنات الغاز وتنظيم توزيعه على المراكز، بينما يتضمن القسم الرابع للشركة سلسلة أسواق وتد التي شكلتها في مدينة سرمدا لضمان وصول المحروقات إلى الشمال السوري، خصوصاً بعد أن اعتمد الجانب التركي “وتد” كمسؤول حصري عن استيراد النفط الأوكراني وبيعه في المناطق المحررة.

هل تتعاون “وتد” مع النظام؟

عقب وقف قوات النظام إمداد المناطق المحررة بالغاز عبر معبر مورك في 13 آذار 2018، بدأت شركة “وتد” إدخال الغاز المنزلي إلى الشمال المحرر عبر معبر باب الهوى، ويتم نقل الصهاريج المحملة بالغاز إلى مصانع تعبئة تابعة لـ “وتد” في ريف إدلب، ومن ثم توزّعُ للمتعاقدين مع الشركة في مختلف قرى وبلدات إدلب وسهل الغاب وغربي حلب.

وبنفس الوقت تحدثت بعض المواقع الإعلامية أن شركة “وتد” قامت بتوريد الغاز بشكل سري إلى مناطق النظام، بعد أن عانى الأخير من أزمة غاز خانقة قبل عدة أشهر، وذلك عبر معبر العيس في ريف حلب الجنوبي، ومعبر مورك في ريف حماة الشمالي، وبأن “وتد” تقصّدت تسيير قوافل نقل الغاز ليلاً لمناطق النظام كي لا تثير الانتباه.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

لكن “وتد” أكدت في بيان على صفحتها، عدم صحة الشائعات التي تتحدث عن تصدير الغاز إلى مناطق النظام عبر المعابر التي تسيطر عليها “تحرير الشام”، وطالبت من يُروّج لتلك الشائعات إثبات ذلك من خلال الصور أو الفيديوهات التي توثق خروج قوافل الشاحنات المحملة بالغاز باتجاه مناطق سيطرة النظام.

وتعمل شركة “وتد” ضمن المناطق التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”، وبالتالي ساد الحديث أن تلك الشركة تتبع لتحرير الشام، ولاسيما أن “وتد” تتولى إدخال المحروقات عبر معبر باب الهوى الذي تسيطرعليه الهيئة التي تتولى تسهيل عملية دخول الصهاريج من تركيا إلى المناطق المحررة.

لكن شركة “وتد” نفت عبر معرفاتها الرسمية ارتباطها بـ “هيئة تحرير الشام”، مشيرةً الى أنها شركة مدنية خاصة يديرها ناصر الشوى، وهي الوكيل الحصري لمادة البنزين والمازوت المستورد، والمعروف بالأوروبي، وتهتم بحركة المعابر وأسعار المحروقات بشكل عام فقط.

توقفت مشاريع إحيائه منذ مدة: نهر قويق ..مستنقع للمياه العادمة ومقر للقواعد العسكرية

فريق التحرير

                                                      توقفت عملية ضخ المياه إلى نهر قويق منذ عام 2011 من محطة الجرّ القادمة من نهر الفرات، كذلك تغذيته بالمياه المعالجة من محطة الشيخ سعيد، إضافة إلى جفاف […]

                                                     

توقفت عملية ضخ المياه إلى نهر قويق منذ عام 2011 من محطة الجرّ القادمة من نهر الفرات، كذلك تغذيته بالمياه المعالجة من محطة الشيخ سعيد، إضافة إلى جفاف الينابيع التي كانت أحد مصادر جريانه، ليعود النهر إلى سابق عهده قبل عام 2008، كمصب للمياه العادمة من الصرف الصحي ومخلفات المعامل، ما أدى إلى توقف المشاريع الزراعية في ري واستصلاح نحو (197 ألف هكتاراً) من سهول ريف حلب الجنوبي، وتراجع الزراعة المروية فيها وغمر قسم كبير منها بمياه الصرف الصحي في نقطه مصبه المعروفة بـ “السيحة”، وانتشار الأمراض والأوبئة.

الحكومة التركية والمسؤولية التاريخية

ينبع نهر قويق من مدينة عينتاب التركية، ويمر في أراضيها بمسافة 19 كيلو متراً، قبل دخوله إلى الأراضي السورية بمسافة 110 كيلو مترات، وهو المصدر الأهم لمياه الشرب والصرف الصحي في مدينة حلب، إلّا أن الحكومة التركية ومنذ عام 1950 أوقفت ضخ المياه إلى الأراضي السورية بعد إنشائها لسد على مجراه بالقرب من عينتاب وتحويل مجراه إلى أراضيها، وذلك خلافاً لاتفاق (فرانكلين – بويون) والذي أقر في 20 تشرين الثاني 1921 بين تركيا وفرنسا (خلال حقبة الانتداب السورية)، والذي نص توزيع مياه نهر قويق بين مدينة حلب والمنطقة الشمالية الجديدة التي آلت إلى تركيا توزيعاً عادلاً ومتساوياً يرضى عنه الجانبان.
كذلك ساهم جفاف الينابيع، وأهمها (العين البيضا –عين التل –والعين المباركة)، في تحول النهر المصنف من (أنهار الأحواض المغلقة) إلى انعدام جريانه بشكل شبه كلي، إذ أصبح عبارة عن واد سيلي يعتمد على مياه الأمطار ومخلفات الصرف الصحي يصب في سبخة المتخ الواقعة في الجنوب الغربي من مدينة حلب بالقرب من قرية العيس.

مجرى نهر قويق
مجرى نهر قويق

مشروع إعادة إحياء وتأهيل نهر قويق

في الخامس من كانون الثاني 2008، تم افتتاح مشروع إعادة وتأهيل نهر قويق وذلك بجرّ 4 م3/ثا عبر قناة “شبة منحرفة مكسوة بالبيتون”، ذات تدفق يصل إلى حوالي 90م3/ثا تستجر مياهها من بحيرة الأسد (خلف سد الفرات)، تروي بنحو 100 مليون م3 سنوياً سهول ريف حلب الجنوبي، كما تضمن المشروع إنشاء سد تخزيني في موقع خزان خان طومان بسعة (70 مليون م3) لاستصلاح 20 ألف هكتاراً من أراضي جنوب حلب، وتجفيف 22 ألف هكتاراً في منطقة “السيحة” المغمورة بالمياه، واستصلاح 65 ألف  هكتاراً من سهول القرى الجنوبية، و 10 آلاف هكتار بالقرب من خزان مويلح.

ويتألف المشروع من محطة ضخ “البابيري”، وقناة من الاسمنت المسلح بطول 245 كم، ومحطة للضخ بطول 6.6كم قطرها 1.7، وخط لإسالة المياه بطول 12.5 كم، ومنشأة قريبة من حي حندرات لإسقاط المياه بشكل شلالي.

عودة النهر إلى سابق عهده وانحسار الزراعة

توقف الضخ عبر المشروع منذ عام 2011، وذلك بسبب تغير السيطرة العسكرية في هذه المناطق، خاصة في محطة ضخ البابيري (في مسكنة شرق حلب) والتي سيطرت عليها الفصائل المسلحة التابعة للمعارضة ثم داعش تلتها قوات سوريا الديمقراطية، وتخضع منذ عامين لسيطرة قوات النظام السوري. كذلك توقف الضخ على النهر من محطة الشيخ سعيد لمعالجة مياه الصرف الصحي والتي بنيت في العام 2002 وتسيطر عليها قوات النظام أيضاً.

يقول المهندس الزراعي على الناجي لــ “فوكس حلب” إن توقف الضخ أدى إلى تقلص المساحات المزروعة، خاصة في الصيف، والعزوف عن زراعة المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه كـ القطن والشمندر السكري “أهم مزروعات ريف حلب الجنوبي”، وإبدالها بمحاصيل زراعية أخرى “بعلية” لا تحقق الجدوى الاقتصادية للمزارعين التي كانت تقدمها الزراعات السابقة، أو ترك أراضيهم دون زراعتها مطلقاً.

الري من مياه نهر قويق العادمة بريف حلب الجنوبي
الري من مياه نهر قويق العادمة بريف حلب الجنوبي

يكمل المهندس أن 80% من الأراضي في المنطقة كانت تعتمد في ريها على مجرى نهر قويق، وهي الآن متوقفة، ويفرّق بين المحاصيل في الشتاء والتي تأثرت بشكل أقل بسبب تواجد المياه في النهر نتيجة الأمطار، والمحاصيل في الصيف التي تأثرت بنسبة كبيرة كـ (الذرة الصفراء وعباد الشمس والقرع والقثاء والخيار والبطيخ والجبس، والخضروات التي كانت تزرع على نطاق ضيق لتحقيق الاكتفاء الذاتي وليس للتسويق، والبطاطا التي توجه بعض المزارعين بسهل المتخ لزراعتها لتوفر المياه صيفاً وعزفوا عن زراعتها بعد انقطاع الضخ).

انحسرت هذه الزراعات، واقتصر مواسم المزارعين على القمح والشعير والكمون “تزرع بعلياً ويقدر إنتاجها مقارنة بالمروي بنسبة 2 إلى 10″، ما انعكس سلباً على الناتج المحلي ودخل المزارع الذي استغنى عن الزراعة في الصيف إلّا في الأراضي القريبة الواقعة على أطراف النهر في محيط قرى العيس والزربة وزيتان، إذ تتم سقايتها من المياه المتبقية في النهر والمياه العادمة التي أعيد جريان تصريفها فيه عبر “نشالات” تعمل على الجرار الزراعي، كما انتشرت زراعة الذرة البيضاء بكثرة بسبب قلة استهلاكها للمياه إضافة لسعرها الجيد، يقول المهندس الزراعي “محمد عيسى الخلف”.

احدى سواقي نهر قويق
احدى سواقي نهر قويق

يكمل الخلف أن نسبة قليلة من أصحاب الأراضي اتجهوا نحو الري عبر الآبار السطحية كحل بديل بكلفة عالية بسبب غلاء أسعار الوقود، كذلك عدم كفاية مياهها التجميعية لري كل المحصول، وهو ما دفع معظم المزارعين لهجر أراضيهم والبحث عن مصادر دخل جديدة لتأمين قوت يومهم.

المزارعون يؤكدون

يقول علي التركي وهو مزارع في ريف حلب الجنوبي إن الزراعة المروية تراجعت في عموم السهول الجنوبية من حلب، والتي كانت تمثل سلة غذائية للمدينة وما حولها بعد سنوات من الازدهار، فتوفر مياه الري النظيفة عبر مشروع إحياء النهر في السابق ساهمت في إدخال محاصيل وصفها بـ “الاستراتيجية والمربحة”، كـ “القطن والشمندر السكري”، كما ساهمت في رفع الكفاءة الإنتاجية لباقي المحاصيل، واتساع رقعة الأراضي المستصلحة والمستثمرة من قبل الفلاحين.

كان الهكتار الواحد من القطن يطرح نحو ثلاثة إلى خمسة أطنان بتوفر المياه، أما القمح فيصل إلى ستة أو سبعة أطنان، بحسب التركي، ومع انقطاع المياه توقف محصول القطن نهائياً، وتراجع انتاج القمح إلى الثلث.

خليل الشعار (أحد المزارعين وهو مساعد مهندس زراعي ويملك صيدلية في قرية العيس بريف حلب الجنوبي) يقول إن المزارعين استفادوا من مياه النهر خلال تدفقها بدورتين زراعتين، وذلك عبر زراعة المحاصيل في الصيف بعد الانتهاء من حصاد المحاصيل في الشتاء “بعد حصاد القمح باكراً لصناعة الفريكة، والشعير والفول يلجأ معظم الفلاحين لزراعة الخضار والبطاطا، وكذلك القطن التركي المعروف بإنتاجه الجيد ودورته الزراعية القصيرة”، كما أن وجود المياه التي وصفها بـ “النظيفة” خلال فترة جريان النهر وإغلاق تدفق مجارير الصرف الصحي من مدينة حلب إليها، وتحويلها إلى محطات معالجة بالقرب من الشيخ سعيد لتنقية المياه وإعادة طرحها قلل من الأمراض والآفات التي تصيب المحاصيل.

المزارع أحمد الحميدي قال إن الزراعة المروية اليوم تتركز فقط في الأراضي المحاذية للنهر، والتي يروي أصحابها محاصيلهم من هذه المياه المختلطة بالصرف الصحي بعد إعادة صبّها من قبل المؤسسات المعنية في حلب التي تخضع لسيطرة النظام في النهر، كذلك اعتماد القرى التي تسيطر عليها المعارضة على مجرى النهر لتصريف المياه العادمة في مجراه أيضاً.

قويق بين إيران وقوات النظام

منذ شهر تشرين الأول في العام 2015 سيطرت قوات النظام مدعومة بالميليشيات الإيرانية على مناطق واسعة بريف حلب الجنوبي، وبات مجرى النهر الخط الذي يفصلها تقريباً عن مناطق المعارضة، يقول المقدم معتز العبد (وهو ضابط منشق عن قوات النظام ويتبع للمعارضة) إن الميليشيات الإيرانية سيطرت في نهاية عام 2015 على سد خان طومان والمعروف باسم (شغيدلة) الواقع غرب قرية عبطين بالقرب من جبل عزان، والذي أنشئ ضمن مشروع إعادة إحياء النهر بهدف حبس مياه المطار في الشتاء من أجل ري الأراضي الزراعية التي تغمرها “السيحة” وتقدر بعشرين ألف هكتار، كما تعتبر محمية طبيعية للطيور المهاجرة.

 

يتابع العبد إن القوات الإيرانية حولت السد إلى مقر لعملياتها العسكرية، ونشرت في محيطه عدداً من مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ التي تستهدف سكان القرى المجاورة، ما أدى لنزوح قسم كبير منهم.

ويبلغ طول السد ثلاثة كيلو مترات من الشمال إلى الجنوب، وهي منطقة محصنة تحتوي على أبنية من الإسمنت المسلح، وقامت القوات الإيرانية مؤخراً بحفر أنفاق في محيطها، كذلك أقبية تحت الأرض لحماية قواتها المتواجدة هناك، وبذلك توقف العمل في السد وقطعت كافة إمداداته المائية، بحسب العبد.

“علي شلاش” وهو موظف سابق في مشروع التنمية الريفية في جبل الحص جنوب حلب يقول إن القوات الإيرانية سيطرت على مقر المشروع في العام 2018، وحولته إلى قاعدة عسكرية، يتابع شلاش إن قوات النظام قامت بإيقاف ضخ المياه عن طريق عنفات التحويل الموجودة في منطقة عين التل بالقرب من مشفى الكندي منذ عام 2011، والتي أوقفت تدفق النهر إلى سهول ريف حلب الجنوبي، واستخدام المياه كورقة ضغط في الحرب ضد السكان، ما ساهم إلى حدّ كبير في نزوح الفلاحين عن أراضيهم للبحث عن مصدر رزق جديد، واعتماد من بقي منهم على الزراعة البعلية أو الآبار القليلة، كذلك قامت قوات النظام بطرح منجرفات الصرف الصحي في النهر حاملة معها الأوبئة والأمراض سواء للسكان أو المحاصيل الزراعية، ليعود النهر إلى “الذبول” بحسب وصف شلاش و “مرتعاً للحشرات والأوبئة”.

المرة الوحيدة التي أعيد فيها ضخ المياه لنهر قويق من قبل قوات النظام كانت في 29/1/2013 ليحمل مع مياهه نحو 200 جثة لأشخاص كان النظام قد اعتقلهم في مدينة حلب، إذ استخدم النهر كوسيلة لطمس جريمته وإيصال الجثث إلى ذويهم في الطرف الآخر الذي تسيطر عليه قوات المعارضة، يقول عباس الموسى (محامي وأحد الذين وثقوا الحادثة) إن “220 جثة لأشخاص بينهم نساء وأطفال مكبلي الأيدي إلى الخلف بعضهم مقيدي الأرجل ومكممي الأفواه تم انتشالهم من سرير النهر على مدي أيام من قبل فرق الدفاع المدني والمتطوعين وأبناء المنطقة في الفترة الممتدة من نهاية كانون الثاني وحتى آذار من عام 2013”.

تجمع مياه نهر قويق ومصبها في "السيحة"
تجمع مياه نهر قويق ومصبها في “السيحة”

تقلصت المساحات المزروعة في مناطق جنوب حلب لعدة عوامل كان آخرها سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له على مساحات شاسعة من الريف خصوصاً منطقتي تل الضمان والحص، بسبب العمليات العسكرية في مطلع عام 2018 التي عرفت بمعارك شرق السكة، لتبقى قرابة 30 قرية من أصل ما يزيد عن 350 قرية في منطقة جنوب حلب بيد المعارضة، وتقع هذه القرى بين ما يعرف بغرب السكة وأوتوستراد حلب دمشق الدولي ضمن المناطق منزوعة السلاح بحسب اتفاق الدول الضامنة في سوتشي وآستانه، إلّا أنها تشهد استهدافات يومية وتضييقاً على السكان الذي يعمل معظمهم في الزراعة بعد استخدام المياه كورقة ضغط لإجبارهم على المصالحة أو النزوح، وتحويل مجرى النهر إلى مياه عادمة تصب فيها مجارير الصرف الصحي ومخلفات الدباغات ومناشر الحجر والمعامل، والمياه غير المعالجة من محطة الشيخ سعيد بما تحمله من مواد سامة ومعادن ثقيلة تترك أثرها على الواقع الزراعي، كذلك احتمال انهيار السواتر الترابية  التي صنعها المزارعون في منطقة السيحة “مصب النهر” والتي ستغمر في حال انهيارها مساحات شاسعة من أراضي القرى والبلدات المحيطة بها.

“الرامات” حلّ بديل لتعويض مياه الري وسقاية المواشي

فريق التحرير

على عكس رام بزيت والمشيرفة “المُهملين” فإن المجلس المحلي في قرية أرنبة حوّل الرام الموجود فيها إلى استثمار ناجح، يقول فياض اليعقوب (رئيس المجلس) إنهم وفي كل عام يقومون بطرح مياه الرام (سعته التخزينية نحو ثلاثة آلاف صهريج) للاستثمار، وفق شروط أهمها تحديد سعر الصهريج بمبلغ خمسمائة ليرة سورية، والسماح لمربي المواشي بسقايتها دون مقابل، كما يمكن لأي شخص الحصول على 250 لتر مجاناً من المياه يقوم نفسه بتعبئتها ونقلها، ويصرف المجلس المحلي عائدات الاستثمار لتحسين المرافق العامة في القرية.

 

أنشئت منذ القدم أماكن تخزينية لجمع المياه واستخدامها عند الحاجة في الري وسقاية الماشية، وتعتبر “الرامات” أهم هذه الأماكن، وهي عبارة عن حفر أرضية بمساحات مختلفة يصل بعضها إلى آلاف الأمتار، أحيطت لاحقاً بجدران من الإسمنت المسلح، أو تركت محصورة ضمن هياكل مغلقة من التراب والركام المدعوم بأتربة تمنع تسرب المياه، وغالباً ما تحافظ على مياهها حتى موسم الأمطار القادم بالرغم من استخداماتها المتنوعة.

رام بليون
رام بليون -فوكس حلب

لا توجد أرقام دقيقة عن عدد الرامات في الشمال السوري، يقول أحمد الحسين (أحد أبناء جبل الزاوية بريف إدلب)، إذ لا تكاد تخلو قرية من واحد أو أكثر منها، غالباً ما يكون موجوداً في أراض منخفضة لتجميع مياه الأمطار، دُعم محيطها بأحجار كبيرة لتأخذ شكل السدود، كان يعتمد عليها سابقاً بشكل أكبر بسبب فقدان المياه وصعوبة تأمينها، سواء للري وسقاية المواشي أو الاستخدامات المنزلية وغسيل الصوف والسيارات، إضافة لتحولها إلى متنزهات يزورها الأهالي في الصيف للترويح عن النفس والسباحة، وعند جفاف مياهها يقوم سكان القرى بتنظيفها وتجهيزها للشتاء القادم ضمن حملات جماعية.

رام بليون -فوكس حلب
رام بليون -فوكس حلب

ويقول مروان حاج حسين (رئيس المجلس المحلي لقرية بليون بريف إدلب) إن معظم الرامات الموجودة في إدلب تعود إلى العصر الروماني، وأكبرها “رام بليون” الذي تبلغ مساحته نحو عشرة آلاف متر مربع، بسعة تخزينية تزيد عن ألفين وخمسمائة متر مكعب، ويعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من ألفي عام مضت، ويعتبر مقصداً لأهالي البلدة والقرى المجاورة للسباحة والاستجمام في فصل الصيف، ناهيك عن دوره الزراعي في الري والاستخدامات المنزلية وسقاية المواشي.

وليس ببعيد عن رام بليون يقع رام العمارة في الجهة الجنوبية الشرقية لقرية الموزرة بريف إدلب، وهو رام أثري قديم، على شكل حوض تجميعي محاط بحجارة أثرية لتجميع مياه الأمطار، حيث تنحدر المياه في فصل الشتاء من تل قرمان القريب منه وتتجمع في هذا الرام الذي تبلغ مساحته نحو (3-5دنم) بشكل دائري وبعمق يزيد عن مترين، تعرض الرام لأضرار كبير بعد القصف من قبل قوات النظام لأكثر من مرة بالصواريخ والطائرات في السنوات الأربع الأخيرة، بحسب عبد المجيد أبو ابراهيم (رئيس المجلس المحلي في القرية)

رام جدرايا
رام جدرايا -فوكس حلب

يعتمد محمد 36 عام من بلدة جدرايا جنوب غرب إدلب على المياه المحصورة في رام البلدة لسقاية أرضه القريبة منه، وزراعتها بالمواسم في الصيف، وتبلغ مساحة رام جدرايا نحو خمسة آلاف متر مربع، تتجمع فيها مياه الأمطار في فصل الشتاء وتبقى حتى منتصف فصل الصيف. رمم الرام ووسع عمقه وتم بناء حائط يحيط به لزيادة سعته منذ أواخر ٢٠١٦ وحتى منتصف عام 2018 بمساعدة أهالي القرية، بحسب لؤي صالح الجابر (رئيس المجلس المحلي في القرية) الذي أكد تعرض الرام للقصف والاستهداف من طائرات النظام منذ عام 2015 ما أدى لأضرار كبيرة في بنيته.

رام جدرايا
رام جدرايا -فوكس حلب

وتضم محافظة إدلب إضافة للرامات الواسعة أخرى صغيرة كـ “راميّ المشيرفة وبزيت” في الجبل الوسطاني بسهل الروج، وهما رامان تجميعيان تجف مياههما في شهر أيلول من كل عام، ويغطيان حوالي 800 متر مربع بمحيطهما، وتقدر مساحة الرام الواحد بـ 1600 متر مكعب، كما انتشرت الرامات الصغيرة والتي جفت نتيجة الإهمال وباتت غير مؤهلة لتخزين المياه كـ “رام عين الجوزة، ورام عين السلالة” بالمناطق الغربية من ريف إدلب، وتبلغ مساحة كل رام نحو ٥٠٠ متر مربع، كان الأهالي قديماً يعتمدون عليهم في سقاية الأراضي الزراعية المتواجدة بجوار الرام، حيث كان باستطاعتها تخزين نحو٨٠٠ متر مكعب من المياه.

وللرامات الطبيعية التي تشكلت بفعل العوامل المناخية وجود أيضاً، كـ “رام الأسود غرب بلدة كنصفرة 1كم” والذي نشأ منذ قرون من الزمن، يقول عبد الله (أحد أهالي البلدة) إن الرام طبيعي، ولم يقم أحد بتجهيزه، إذ يمتلئ بمياه الأمطار في فصل الشتاء ويعتمد عليه أهالي القرية ومربي الأغنام المقيمين بالقرب منه في سقاية المواشي وبعض الأشجار القريبة منه، وقام المجلس المحلي بترميمه وتوسعته في العام الفائت بغرض زيادة الاستفادة من مياهه لفترة أطول.

ورام بسامس (غرب بلدة جوزف جنوب إدلب) والذي يتم استخدامه حتى الآن، فما يزال بحالة جيدة ويتم الاعتماد عليه في سقاية الأشجار، وتبلغ مساحته (8 دنم)، وقام الأهالي منذ عامين بتوسعته ليستخرج منه نحو ألف صهريج (سعة كل واحد منها 24 برميلاً) سنوياً.

تعرض الجدار الاستنادي الخاص به للكسر في العام الماضي ما أدى إلى تسرب نسبة كبيرة من مياهه وانخفاض السعة الإجمالية لتخزينه بنسبة تجاوزت النصف، وقام المجلس المحلي في البلدة في محاولة منه للحد من فوضى الاستهلاك العشوائي للرام بإصدار قرار بعدم سحب المياه بالصهاريج أو المضخات وتغريم المخالف بمبلغ 20 ألف ليرة بهدف المحافظة على المياه فيه. يقول ابراهيم (عضو المجلس المحلي في بسامس) أن القرار لاقى تجاوباً من قبل الأهالي واحتفظ الرام بمياهه للمرة الأولى في فصل الصيف الماضي، وناشد الابراهيم المنظمات والجهات الداعمة لإصلاح الصدع في الجدار الاستنادي وإعادة ترميمه.

وللرامات فوائد أخرى غير السقاية وتخزين المياه، فـ “رام الجوخي” الواقع على أطراف بلدة ترملا في جبل شحشبو أحد أهم المنتزهات ومتنفساً للأهالي جنوب إدلب في أوقات الصيف الحارة، والرام قديم جداً ويقع على أرض ترابية تحتوي على عنصر الكبريت تساعد على التخلص من مرض اليرقان (أبو صفار)، وتعود تسميته لدفن رجل صالح يسمى الجوخي تحت شجرة تين قريبة منه بحسب أحد المسنين في البلدة.

ويقول المهندس محمود من قرية ترملا إنه ونتيجة الحملة العسكرية الأخيرة على أرياف إدلب، ونزوح أصحاب الآبار الجوفية والسطحية لجأ المزارعين في القرية إلى سحب مياه الرام واستخدامها لسقاية المزروعات والمواشي ما أدى لانخفاض نسبة المياه فيه بشكل كبير.

رام المشيرفة
رام المشيرفة -فوكس حلب

وعلى عكس رام بزيت والمشيرفة “المُهملين” فإن المجلس المحلي في قرية أرنبة حوّل الرام الموجود فيها إلى استثمار ناجح، يقول فياض اليعقوب (رئيس المجلس) إنهم وفي كل عام يقومون بطرح مياه الرام (سعته التخزينية نحو ثلاثة آلاف صهريج) للاستثمار، وفق شروط أهمها تحديد سعر الصهريج بمبلغ خمسمائة ليرة سورية، والسماح لمربي المواشي بسقايتها دون مقابل، كما يمكن لأي شخص الحصول على 250 لتر مجاناً من المياه يقوم نفسه بتعبئتها ونقلها، ويصرف المجلس المحلي عائدات الاستثمار لتحسين المرافق العامة في القرية.

يناشد اليعقوب المنظمات للعناية بتميم وإصلاح رامات المياه لما لها من أهمية، وفي ضوء تراجع مشاريع الري وانخفاض منسوب المياه في الآبار الجوفية كحلّ بديل من شأنه تحسين الواقع الزراعي وتربية الثروة الحيوانية في المنطقة.

تراجع إنتاج الأشجار المثمرة في الشمال السوري نتيجة القصف والنزوح وانخفاض الأسعار

فريق التحرير

بالعودة إلى أرقام وزارة الزراعة لعام 2011، نلاحظ تراجع إنتاج الزيتون في المناطق الثلاثة الخاضعة بأقسام كبيرة منها لسلطة المعارضة السورية بنسب تفوق 50%، إذ سجلت إحصائية 2011 إنتاج 140 ألف طن في إدلب و 57 ألف طن في حماه و 322 ألف طن في حلب، كذلك تراجعاً في إنتاج الكرز في حلب (3.2ألف طن في 2011) مع الحفاظ على الإنتاج في إدلب وحماه، وكذلك في محصول التين بنسب تقدر بـ 15% من الإنتاج، والفستق الحلبي بنسبة تقدر بـ 20% في كافة مناطق الشمال السوري

تغطي الأشجار 78% من المساحة الإجمالية القابلة للزراعة في إدلب التي تقع ضمن منطقة الاستقرار الزراعي الأولى في القطر، ويعتبر الزيتون والكرز والتين والفستق الحلبي أهم هذه الأشجار المثمرة التي تؤمن فرص عمل ومصدر دخل لمعظم سكان المحافظة.

الأشجار المثمرة في الشمال السوري 2018

يقول المهندس عمر بدوي (مدير الإرشاد الزراعي سابقاً في محافظة إدلب) إن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في محافظة إدلب نحو 128 ألف هكتار، وعدد الأشجار المستثمرة منها نحو 13 مليون شجرة، يقدر انتاجها في عام 2018 بـ 75 ألف طن، وفي حلب 190ألف هكتار تحتوي على 19.5 مليون شجرة بمتوسط إنتاج 171 ألف طن، وفي حماه 70 ألف هكتار عدد أشجارها 760 ألف شجرة متوسط إنتاجها 46 ألف طن، بينما تبلغ المساحة المزروعة بالكرز في إدلب 5738 هكتاراً، وعدد الأشجار 1.347 ألف شجرة تنتج سنوياً نحو 20 ألف طن، وفي حلب 411 هكتاراً وعدد اشجارها 120ألف شجرة متوسط إنتاجها 1.5ألف طن، وفي حماه 175 هكتاراً، عدد أشجارها 49 ألف شجرة متوسط إنتاجها 350 طن، وذلك بحسب المجموعة الإحصائية في وزارة الزراعة (2017-2018) .

وتقدّر وزارة الزراعة المساحة المزروعة بأشجار التين في إدلب بـ 3.8 ألف هكتاراً، وعدد الأشجار بنحو 882 ألف شجرة، متوسط إنتاجها 17.5 ألف طن، وفي حلب 779 هكتاراً وعدد الأشجار 120 ألف متوسط انتاجها 1.8 ألف طن، وفي حماه 1.5 ألف هكتار وعدد الأشجار 484 ألف شجرة متوسط إنتاجها 6.8ألف طن.

أما الفستق الحلبي فتضم إدلب 13% (10.5ألف هكتار فيها 1.6 مليون شجرة) من مساحة الأراضي المزروعة بأنواع الفستق في سوريا والتي تبلغ (60ألف هكتاراً تحتوي نحو 10 مليون شجرة)، ويقدر إنتاجها بـ (16.5ألف طن) من الإنتاج السنوي (متوسط الإنتاج 55 ألف طن)، بينما يتوزع في حماه 36% من مساحة أشجار الفستق (21 ألف هكتار فيها 2.7 مليون شجرة)، ويقدر انتاجها بـ  (18.4ألف طن) من الإنتاج السنوي في سوريا، وفي حلب 45% من مساحة الفستق (23.5 ألف هكتار فيها 2.4 مليون شجرة)، ويقدر انتاجها بـ (14.5ألف طن) من الإنتاج العام.

بالعودة إلى أرقام وزارة الزراعة لعام 2011، نلاحظ تراجع إنتاج الزيتون في المناطق الثلاثة الخاضعة بأقسام كبيرة منها لسلطة المعارضة السورية بنسب تفوق 50%، إذ سجلت إحصائية 2011 إنتاج 140 ألف طن في إدلب و 57 ألف طن في حماه و 322 ألف طن في حلب، كذلك تراجعاً في إنتاج الكرز في حلب (3.2ألف طن في 2011) مع الحفاظ على الإنتاج في إدلب وحماه، وكذلك في محصول التين بنسب تقدر بـ 15% من الإنتاج، والفستق الحلبي بنسبة تقدر بـ 20% في كافة مناطق الشمال السوري.

يقول المهندس الزراعي محمد الموسى إن التراجع في انتاج الأشجار المثمرة ارتفع في العام 2019، وقلّت القوة الشرائية للأهالي بسبب الظروف الأمنية التي تعيشها المنطقة، إذ شهد موسم التين تراجعاً كبيراً قدّره الموسى بـ 60% من الإنتاج، كذلك سيشهد موسم الزيتون الأمر ذاته بعد خسارة مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية سيطرت عليها قوات الأسد مؤخراً منذ نيسان الماضي بريفي إدلب وحماه، ووجود قسم آخر من هذه المساحات في مناطق عسكرية يصعب الوصول إليها، ناهيك عن القصف والنزوح

النزوح وتغير خارطة السيطرة أحد أهم الأسباب في تراجع الإنتاج

وثّق فريق منسقو استجابة سوريا نزوح نحو مليون شخص من أرياف إدلب وحماه خلال الأشهر الستة الماضية خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي سبقها حركة نزوح داخلية مستمرة خلال العام 2018 لمئات الآلاف من العوائل، معظمهم من العاملين في القطاع الزراعي ما تسبب بتركهم لأراضيهم وإهمالهم لها دون رعاية أو عناية، واستحالة قطافها في مواسمها، كذلك عدم قدرتهم للوصول إليها بسبب سيطرة قوات النظام على قسم كبير من قرى وبلدات ريف حماه الشمالي والغربي، وإدلب الجنوبي، كان آخرها مدن خان شيخون واللطامنة وكفرزيتا ومورك، الغنية بالأشجار المثمرة، خاصة الفستق الحلبي والزيتون.

يقول أحمد الخاني إن الحملة العسكرية الأخيرة أجبرت الأهالي على النزوح، كما حرمتهم من قطاف موسم الفستق الحلبي وأدت المعارك إلى احتراق قسم كبير من الأشجار، وإقدام قوات الأسد على قطع مئات الآلاف الأشجار  في المناطق التي سيطر عليها مؤخراً، وفق مذكرة أصدرتها هيئة القانونيين السوريين تحذر من ارتكاب قوات الأسد وإيران وروسيا جريمة حرب بإطلاق يد القوات لقطع الأشجار المثمرة، ونهب معدّات الآبار الارتوازية، ومصادرة الأراضي الزراعية لمن وصفتهم بـ “الإرهابيين”.

ويكمل الخاني أن ما حصل في موسمي الفستق والتين سينسحب أيضاً على مواسم الزيتون، إذ يستحيل الوصول إلى هذه المناطق بعد تغير خارطة السيطرة، خاصة وأن معظم الأهالي قد نزحوا إلى الشمال السوري هرباً من القصف.

من جهته يقول الحاج أبو أحمد إن أهالي هذه القرى والبلدات “مصنفون كإرهابيين” بحسب نظام الأسد، ولا يمكنهم العودة إلى بيوتهم وأراضيهم خوفاً من اعتقالهم أو تجنيد أبنائهم في صفوف الجيش.

ويقول المزارع مصطفى المختار من (قرية كفر رومه بمنطقة معرة النعمان) إن قوات النظام قامت أثناء وجودها في المنطقة عام 2012 بقطع جميع أشجار الزيتون في أرضه التي اتخذوها كحاجز لهم، كما قاموا بنقل قسم كبير من تربتها لرفع السواتر ما أدى إلى تصحر الأرض.

اضطر المختار لشراء كميات كبيرة من التربة الحمراء بعد خروج قوات النظام منها، ليعيد زراعتها بكلفة وصفها بـ “الباهظة”، وتضمنت (شراء التربة والشتل وانتظارها لسنوات كي تصبح قادرة على الإنتاج بما يتطلبه هذا الوقت من رعاية وتسميد وحراثة وري).

ثمار تموت على “أمها”

لم يتمكن أحمد الخطيب (من ريف إدلب الجنوبي) من قطاف موسم التين في العام الحالي فأرضه تقع في منطقة عسكرية تفصل بين قوات النظام وفصائل المعارضة، يقول “احترق قلبي في المرة الوحيدة التي توجهت إلى المكان لأنظر إلى حبات التين الناضجة تتساقط دون قطاف”، ويكمل إنه وغيره من المزارعين الكثر يعتمدون على مواسمهم في تأمين حياتهم السنوية، يحوقل وهو يخبرنا “أن حياة أطفاله أغلى ثمناً من موسمه، وهو لن يخاطر بالذهاب إلى هناك”.

بينما تبحث السيدة “نصرة العلي” عن عمل لها ولطفلها (ثلاثة عشر عاماً) في ورش قطاف الزيتون، تقول إنها تمتلك في قريتها نحو مئة شجرة من الزيتون إلّا أن النزوح أجبرها على تركها دون قطاف، وتتحسر على تلك الأيام التي وصفتها بـ “الخيرة” مع أبناء قريتها وهم يتساعدون في موسم الزيتون على القطاف ويغنون العتابا ويتبادلون المزاح والضحك.

المهندس الزراعي الموسى قال إن عدم جني المحصول سيؤثر سلباً على الإنتاج في الأعوام اللاحقة، خاصة فيما يخص الزيتون، كذلك فقدانه سيتسبب بزيادة معاناة مئات الآلاف من العائلات النازحة التي لا تملك وسيلة أخرى للحياة، مع فقدان فرص العمل وظروف النزوح السيئة.

الإهمال يقتل الأشجار

مئات من الهكتارات المتروكة دون عناية تتوزع في قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، الحشائش اليابسة وأفرع الأغصان غير المقلمة سمة عامة في أراضي أرياف إدلب الجنوبي، وهو ما تسبب بانتشار الحرائق وزيادة أضرارها، كذلك نوعية الثمار ونضجها وكميتها.

وتحتاج الأشجار المثمرة إلى عناية دائمة من الحراثة والري (5% من الأراضي مروية بحسب المهندس البدوي) والأسمدة والمبيدات الحشرية والتقليم، بحسب أبو أحمد مزارع من ريف حلب الجنوبي، والذي فرّق بين أنواع الأشجار من حيث الكلفة، إلّا أنها تشترك في كلفة الحراثة (نحو 100 دولار سنوياً) والري (قيمة صهريج المياه 2200 ليرة يكفي لسقاية دونم واحد ولمرة واحدة)، والسماد العضوي والكيماوي والذي تختلف أسعاره بحسب الأنواع (نحو 30 دولار للدونم) والمبيدات (25-30 دولار للدونم)، ناهيك عن مصاريف القطاف (أجرة العامل في قطاف الزيتون 2500 ليرة يومياً)، والنقل للتسويق (بحسب المسافة)، وكلفة العصر (1000 ليرة لكل 100 كيلو من الزيتون) بحسب المهندس الزراعي أحمد الخلف (من ريف إدلب الجنوبي ويملك صيدلية زراعية في المنطقة).

يقول الخلف إن الطلب على السماد والمبيدات قلّ بنسبة كبيرة من قبل المزارعين، وقدرها بـ (55%) عن الأعوام السابقة، ويرجع السبب إلى خوف الأهالي من التهجير وانعدام الأمن والاستقرار، كذلك الحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها السكان، وانخفاض الأسعار، كما أن القصف الكثيف ساهم في هجر كثير من المزارعين لأراضيهم، سواء الذين نزحوا أو الذين بقوا في قراهم وتركها دون رعاية، وموت قسم كبير من الأشجار الصغيرة.

 

وتتراوح أسعار زيت الزيتون للعام الحالي بين (1-1.5 دولار للكيلو غرام)، بحسب الخلف، وهو ما أكده (أبو محمد تاجر زيت من أريحا)، في حين وصل في الأعوام السابقة إلى (3-3.5 دولار)، كما انخفض سعر الكرز عن دولار واحد للعام الحالي في الأسواق، أما التين ولقلة كمياته فوصل سعر الأخضر منه إلى (نصف دولار) أما المجفف فيتراوح بين (1.5-2 دولار)، أما الفستق الحلبي فيتراوح سعره بين (1.5-2 دولار).

يقول أبو محمد إن سبب تراجع الأسعار يعود إلى ضعف القوة الشرائية في السوق المحلية كذلك منع التصدير الخارجي لبعض الأصناف كالزيت، والإتاوات المفروضة من حواجز النظام عليها (تدفع السيارة الواحدة بين 150 -300 دولار بحسب المنتج كرشى للحواجز)، ناهيك عن أجور النقل إذ يتقاضى أصحاب الشاحنات الصغيرة نحو (400 دولار للوصول إلى حلب، و700 دولار إلى دمشق)، كذلك إغلاق العديد من معاصر الزيتون ما يضطر المزارع لدفع كلفة إضافية لنقلها إلى مناطق أبعد.

كل تلك الأسباب دفعت المزارع إلى تقليص تكاليف العناية بالأرض، يقول مصطفى الإبراهيم (من ريف إدلب) إن هذه الأسعار تسببت بخسارة كبيرة للمزارع الذي لم يعد “محصوله يغطي كلفته”، ما دفع الابراهيم لترك الأرض “كما هي” على حد وصفه، فليس بالإمكان أن “اصرف عليها وعلى أبنائي في وقت واحد دون تعويض للخسارة”، ويوضح الإبراهيم إنه أربعة دونمات من التين يملكها أنتجت في العام الماضي رغم العناية الكبيرة بها والتي زادت كلفتها عن (600 دولار) طناً واحداً من التين باعه بنحو (850 دولار)، بينما أنتجت في العام الحالي (550 كيلو غرام) باعها بنحو (800 دولار) دون أن يعتني بها، فقط قام بحراثتها بكلفة (70 دولاراً).

يقول الخلف إن الأمر لا يحسب بهذه الطريقة، خاصة إذا أخذنا بالحسبان فارق السعر في السنة الحالية، وتضرر الأشجار لاحقاً، وضعف الإنتاج الذي سيتناقص تدريجياً وقلة الأمطار وانتشار الأمراض، والتي ستتسبب في تناقص الإنتاج تدريجياً، وقلة خصوبة التربة ويباس الأشجار.

انخفاض الأسعار والضمان يترك آثاره السلبية على الأشجار

“لا يهتم المتضمنون للأراضي بالأشجار” تقول أم محمد (النازحة إلى مخيمات أطمه)، والضمان هو تسليم الأراضي لأشخاص بغرض جني المحصول وفق اتفاق بنسبة مئوية غالباً ما تكون (الثلث للمتضمن والثلثين لمالك الأرض).

تكمل أم محمد إنها قامت بتضمين أرضها المزروعة بالزيتون في العام الماضي، إلّا أنها فوجئت بعد انتهاء القطاف بتكسير أغصان كثيرة من الأغصان التي تحتاج لسنوات لتعود كما كانت، منها ما تعرض لليباس في العام الحالي، خاصة وأن المتضمنين يعتمدون على ورش من الشباب بأعمار صغيرة لا يدركون أهمية الأغصان ولا يمتلكون الخبرة، ناهيك عن “تقطيع الأوراق خلال عملية التمشيط”، والتي ستؤثر سلباً على المحصول في العام اللاحق.

وليس عرف “الضمان” جديداً في المنطقة، إلّا أن أصحاب الأراضي كانوا يرافقون المتضمن والورشات، ويفرضون عليه المحافظة على الأشجار، أما الآن وبسبب الظروف الحالية فالمتضمن هو من يتحكم بمالك الأرض، إلى الدرجة التي بات يقاسمه المحصول بـ “النصف”، وأحياناً بـ “الثلثين للمتضمن وثلث لصاحب الأرض”.

ويقول جعفر الحسين (أحد متضمني الأراضي بريف إدلب) إن هذا الأمر يحصل ولكن دون تعميم، فهو يبالغ بحرصه على الحقول التي يتضمنها من أصحابها، وعن أسباب تغير شروط الضمان يقول إن الكلفة زادت خلال السنة الحالية، فأجر عامل المياومة يتراوح بين (2500-3000 ليرة) إن وجد، فمعظم العائلات نزحت والشباب هاجر إلى تركيا أو إلى أوروبا، والاعتماد الحالي في معظمه يقوم على النساء.

إن الأشجار المثمرة في الشمال السوري ستشهد أزمة حادة، ستظهر آثارها جلية في المستقبل القريب، مع غياب دور وزارة الزراعة والدعم من قبل المؤسسات والمنظمات، كذلك المراقبة على الأسمدة والمبيدات الحشرية “قليلة الفاعلية”، بحسب المهندس الخلف الذي ناشد المعنيين والمزارعين باتخاذ إجراءات سريعة للحد من المشكلة قبل أن تتفاقم، خاصة وأن أكثر من نصف سكان الشمال السوري يعتمدون على الزراعة في حياتهم، وبخسارتها ستفقد المنطقة مصدراً هاماً من الدخل، إذ كانت منتجات الأشجار المثمرة تصدر لأكثر من أربعين دولة عربية وعالمية، كذلك توسع دائرة البطالة وزيادة الهجرة بحثاً عن مصادر للرزق.

مياه عين الزرقاء الضائعة تغطي 75% من مياه الشرب في المحافظة ومئات الأراضي الزراعية

فريق التحرير

يقول الرشواني إن محطة عين الزرقاء تضم عشرة محطات لضخ مياه الشرب باستطاعة 6 ميغاواط، وفق خطين، إذ يضخ الخط الأول للمحطة الأعلى منها وبنفس الاستطاعة إلى خزان “المشيرفة” بقمة الجبل، ومن الخزان تسيل المياه بالراحة إلى المحطة الثالثة في كفر تخاريم، أما الخط الآخر فيتجه إلى مارتين غرب إدلب ويضم ثلاث محطات للضخ موزعة على طول الطريق من مارتين وحتى خان شيخون، وتؤمن 75% من مياه الشرب لسكان المحافظة.
يضيف الرشواني: “أغلب المضخات والكابلات والسكورة والمحولات وكافة التجهيزات الكهربائية ولوحات التشغيل تمت سرقتها من مبنى المحطة” دون أن يحدد الفاعل. وهو ما أدى إلى توقف مياه الشرب عن مئات الآلاف من السكان، باستثناء بعض القرى الواقعة بين أم الريش وجب الصفا جنوباً وحتى الفاسوق شمالاً، والذين يتم تزويدهم بالمياه من مشروع الشرب القديم عن طريق آبار تقع بالقرب من عين الزرقاء وتضخ لهم المياه عبر محطتين قديمتين.

 

تسببت سرقة المعدات والمضخات من محطة عين الزرقاء بريف إدلب بتوقف الخط الرئيسي لتزويد مياه الشرب في المحافظة، وتوقف مشاريع الري في القرى المجاورة، ففي الوقت الذي يعيش فيه السكان أزمة مائية حادة تصب مياه النبع في نهر العاصي لتكمل طريقها نحو الأراضي التركية دون أي استفادة منها.


الموقع والأهمية

إلى الشرق من مدينة دركوش بريف إدلب وداخل منطقة جبلية بالقرب من الحدود التركية يقع نبع عين الزرقاء، وهو مجموعة من الينابيع على كتف الجبل في الضفة اليمنى لنهر العاصي، يبلغ تصريفها 5.5 م3/ثا وتصب جميعها في النهر.

حوض نبع عين الزرقاء بدركوش
حوض نبع عين الزرقاء بدركوش

ولنبع عين الزرقاء أهمية كبيرة، إذ يعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب والري في مناطق شاسعة من الأراضي السورية، أهمها سهل الروج (غرب إدلب) وهو امتداد لسهل الغاب في الشمال والذي يرتفع 220 متراً عن سطح البحر وتزيد مساحته عن ثلاثة عشر ألف هكتار.

كما يعتبر النبع رئة المصطافين السوريين في الشمال السوري لطبيعته الجميلة التي تجمع بين المياه والجبال والمساحات الخضراء.

مياه الشرب الضائعة

تم إنجاز القسم الأكبر من مشروع تغذية مياه الشرب في نبع عين الزرقاء والذي امتد من النبع وحتى سلقين شمالاً، وإدلب ومعرة مصرين وسراقب شرقاً، ومعرة النعمان وخان شيخون جنوباً، إلّا أنه توقف منذ العام 2011، بحسب المهندس أحمد رشواني “مشرف ومدير تنفيذ المشاريع في دركوش”.

يقول الرشواني إن محطة عين الزرقاء تضم عشرة محطات لضخ مياه الشرب باستطاعة 6 ميغاواط، وفق خطين، إذ يضخ الخط الأول للمحطة الأعلى منها وبنفس الاستطاعة إلى خزان “المشيرفة” بقمة الجبل، ومن الخزان تسيل المياه بالراحة إلى المحطة الثالثة في كفر تخاريم، أما الخط الآخر فيتجه إلى مارتين غرب إدلب ويضم ثلاث محطات للضخ موزعة على طول الطريق من مارتين وحتى خان شيخون، وتؤمن 75% من مياه الشرب لسكان المحافظة.


يضيف الرشواني: “أغلب المضخات والكابلات والسكورة والمحولات وكافة التجهيزات الكهربائية ولوحات التشغيل تمت سرقتها من مبنى المحطة” دون أن يحدد الفاعل. وهو ما أدى إلى توقف مياه الشرب عن مئات الآلاف من السكان، باستثناء بعض القرى الواقعة بين أم الريش وجب الصفا جنوباً وحتى الفاسوق شمالاً، والذين يتم تزويدهم بالمياه من مشروع الشرب القديم عن طريق آبار تقع بالقرب من عين الزرقاء وتضخ لهم المياه عبر محطتين قديمتين.

“برهان كعدة” رئيس المجلس المحلي في دركوش قال لـ “فوكس حلب” إنه لا يمكن تجزئة مشروع الصيانة وهو ما حال دون إصلاحه، وذلك بسبب الكلفة العالية التي تحتاج إلى دعم دولي، فجميع المناشدات والمشاريع التي رفعت إلى المنظمات الإنسانية قوبلت بالرفض.

الجيولوجي أحمد الفارس قال إنه يجب ألا تعطش منطقة فيها نبع كعين الزرقاء، خاصة وأن منسوب المياه والتدفق فيه عالٍ، ويكفي إن تم استثماره جيداً لتغطية حاجة ما يزيد عن مليوني شخص من مياه الشرب النقية، إلّا أنه وبعد توقف مياه النبع يضطر معظم سكان المحافظة لتوفير المياه عبر الآبار الارتوازية أو السطحية ومن ينابيع أخرى وبكلفة عالية.

مصرف مياه عين الزرقاء
مصرف مياه عين الزرقاء

تضيع معظم المياه المتدفقة عبر النبع دون استثمارها قبل وصولها إلى نهر العاصي الذي تعدّ أهم روافده، يقول علي خطاب من سكان ريف إدلب، بينما يقع على عاتق المواطن دفع  كلفة مياه الصهاريج الشهرية والتي تزيد عن عشرة آلاف ليرة سورية، وهو ما يعادل 20% من متوسط دخل الفرد (يقدر دخل الفرد في سوريا بما يقارب 99 دولار شهرياً)، مؤكداً أن إعادة خطوط المياه من عين الزرقاء يمثل حلّاً لمشكلة المياه الملوثة أيضاً.

بينما ترى أم محمد (وهي أم لسبعة أطفال) أن مياه عين الزرقاء هي الأفضل في المنطقة من حيث النقاء والجودة، وأن الناس كانوا يقطعون مسافات طويلة للحصول على بعض منها، وتتساءل عن دور مديرية المياه في إعادة تأهيلها.

مضخات الري المعطلة

تتألف محطة الري من سبع مضخات وواحدة احتياطية، جميعها ما زال موجوداً، إلّا أنها متوقفة عن العمل لعدم وجود الطاقة الكهربائية المناسبة لتشغيلها، وتحتاج مضخات الشرب والري في المحطة لاستطاعة كهربائية بنحو 13 ميغاواط، بحسب المهندس الرشواني، والذي قال إن تصريف محطة الري نحو 800 ل/ثا، أما تصريف محطة مياه الشرب نحو 350ل/ثا.

يقول سامر اليحيى (مهندس سابق في الموارد المائية): “المضخات في المحطة موجودة إلّا أن خمس منها معطلة بشكل كامل، واثنتان بحاجة إلى الصيانة مع لوحات الطاقة للتشغيل”، ويضيف إن المحطة كانت تعمل في العامين 2014 و2015 بعد تزويدها بالطاقة الكهربائية من محطة الزربة بخط نقل 66 ك.ف.آ، لمحطة أبو كشة حتى عين الزرقة، إلّا أن الأعطال والسرقات وتوقف تزويد النظام لها بالكهرباء أدى إلى توقفها بالكامل.

محطات الري في عين الزرقاء
محطات الري في عين الزرقاء

من جهته يقول المهندس عبد الخالق الشيخ (رئيس رخص الآبار بمديرية الزراعة ومدير الموارد المائية) إن المحطة تحتاج لمختصين وخبراء لمعرفة النواقص في التجهيزات والمعدات التالفة أو المسروقة، مؤكداً على أن المضخات والتمديدات الكهربائية وشبكات الري، خاصة القناة الرئيسية الجنوبية والشمالية تحتاج للترميم والإصلاح، لأن تشغيلها بحاجة إلى “كهرباء وكادر فني وابتعاد القوة العسكرية عن المنطقة بدل تحويلها إلى منتجع سياحي”، وأشار الشيخ إلى أهمية وجود استقلالية لعمل الموارد المائية في إدلب وبالتالي تأمين كادر فني متكامل لبدأ العمل.

توقف مضخات الري أدى إلى جفاف سد البالعة الذي يتغذى من نفق صناعي لعين الزرقاء، ويروي نحو 10 آلاف هكتار في سهل الروج، إضافة لثلاثة آلاف هكتار تغذيها شبكة ري القسم الجنوبي المكشوفة يقول المزارع محمد الخطيب (من الجبل الوسطاني بريف إدلب الغربي) إن الزراعات المروية وخاصة الأشجار المثمرة في المنطقة قد تأثرت بشكل كبير بسبب ضياع مياه عين الزرقاء، مما دفع المزارعين إلى حفر الآبار الارتوازية وبشكل عشوائي يهدد منسوب المياه الجوفية في المنطقة، أو لبناء “آبار عربية” لتجميع مياه الأمطار في الشتاء للاستهلاك المنزلي

قناة مياه تصل بين نبع عين الزرقاء ومحطة الري
قناة مياه تصل بين نبع عين الزرقاء ومحطة الري

وبحسب المهندس رشواني: فإن سكان حوالي أكثر من عشرين قرية كانوا يستفيدون بشكل كامل من مشروع ري قرى سهل الروج وقرى الجبلين الوسطاني والزاوية والقرى المحيطة بعين الزرقاء. فقد كان المشروع سبباً في ازدهار اقتصادي لسكان محافظة إدلب من تشغيلٍ للأيدي العاملة وآليات النقل، وخلق أسواق تصريف للمنتجات بالإضافة لتشغيل معامل الغزل والمحالج بالنسبة للقطن، ومعامل الكونسروة لباقي المنتجات.

ري المزروعات بالقرب من عين الزرقاء
ري المزروعات بالقرب من عين الزرقاء

المزارع “خالد العلي” من قرية الضهر ناحية دركوش قال إن كلفة نقل صهريج الماء بسعة ثلاثين برميل تصل إلى 10 آلاف ليرة سورية، وهو ما حال دون ري قسم كبير من الفلاحين لأراضيهم، بينما ذهب المزارع شادي العكل (من قرية الكريز بسهل الروج) للقول إن 65% من الأراضي المروية سابقاً تحولت للزراعات البعلية، في حين يعتمد 35% من السكان على مياه الآبار، بكلفة يومية تصل إلى 65 ألف ليرة (سعر برميل الوقود إذ يحتاج يوم السقاية إلى 200 لتر من المازوت).

حوض نبع عين الزرقاء يتحول إلى مسبح للزائرين
حوض نبع عين الزرقاء يتحول إلى مسبح للزائرين

يزور عين الزرقاء في فصل الصيف نحو 50 إلى 100 شخص يومياً بعد تحولها إلى مقصد سياحي، ويوجد بالقرب منها ما يزيد عن تسعين “شاليه” بمتوسط إيجار يومي بلغت 15 ألف ليرة لليوم الواحد، يقول الرشواني بعد أن توقفت مشاريع الضخ لم يبق أمام أهل المنطقة سوى السياحة لتأمين لقمة عيشهم. 

مركز سراقب الثقافي في عداد الموتى

عبدالحميد حج محمد

منذ ترميمه في نهاية العام 2018 لم يشهد المركز أي نشاط ثقافي، واقتصر عمله على إقامة التدريبات والاجتماعات، تقول باكير إن السبب يعود إلى “قلة المهتمين بالثقافة”، مؤكدة أن ما يتم في المركز اليوم يخالف “الحلم الذي راود من سعوا إلى ترميمه”، فالمركز اليوم في “عداد الموتى” تصف باكير واقع الحال، وهي تحكي لنا عن أسباب أخرى تتعلق بالظروف والمشاكل التي يعيشها الناس من قصف وموت وسوء في الأحوال الاقتصادية ما أدى إلى تراجع الحركات الثقافية في المنطقة بكاملها.
عبد الرحمن سماق مدير المركز يقول إن الإدارة تسعى لإقامة النشاطات والأمسيات الشعرية في الأيام المقبلة لإحياء الحركة الثقافية، ويرجع تراجعها إلى الوضع الأمني الذي تشهده سراقب ومعظم الشمال السوري خلال السنة الماضية، من استهداف قصف متواصل.
لا يوافق عبد العليم زيدان رئيس المركز فيما ذهب إليه، يقول إن سراقب اليوم تفتقر للأدباء والشعراء، إلّا أن الموجودين منهم كانوا سيلبون أي دعوة لأمسية أو فعل ثقافي لو طلب منهم ذلك، إلا أن “القائمين على المركز لا يريدون أي عمل ثقافي”، بحسب قوله.

لم يعد المركز الثقافي في مدينة سراقب يضج بالحياة والثقافة كسابق عهده، بعد أن تحوّل إلى صالة للاجتماعات وورش التدريب، يقول بعض من التقيناهم إن طول مدة إغلاقه بسبب القصف الذي طاله وهجرة العديد من المثقفين والأدباء والشعراء من أبناء المنطقة إلى الدول المجاورة، والدور الجديد الذي يلعبه المركز حالياً كلها عوامل ساهمت في تراجع دوره بعد ترميم أجزاء منه، بينما يرجع المسؤولون عن المركز السبب في ضعف الحركة الثقافية في المركز إلى غياب الأمن وظروف المنطقة.

مركز سراقب منارة إدلب الثقافية

جنوب شارع السوق أحد أهم أحياء مدينة سراقب وبالقرب من مدرسة أحمد الحسين وفي فسحة مزروعة بالورد والأشجار يطالعك المركز الثقافي في مدينة سراقب، تصفه غادة باكير (ناشطة مدنية وواحدة من رواد المركز في السابق) بـ “رئة سكان المدينة التي كانوا يتنفسون من خلالها”.

تأسس المركز في العام 1992، وهو المركز الثقافي الوحيد في المدينة وما حولها، بحسب ياسر الصوفي (معاون مدير المركز سابقاً، ومدير معهد الثقافة) الذي قال إن عمل المركز اقتصر في البداية على بعض المحاضرات، إلّا أنه وفي السنوات اللاحقة استضاف عدداً من المحاضرين والمثقفين السوريين أمثال عارف دليلة والطيب تيزيني وغيرهم.

يتذكر الصوفي ما وصفه بـ “الزمن الجميل في المركز” يقول إن الإقبال على الفعاليات الثقافية التي كانت تستقطب أعداداً كبيرة من سكان سراقب وما حولها، وكانت تقام في المركز اللقاءات وحفلات إحياء التراث بشكل دوري، كما نظم المركز ولسنوات عديدة مسابقة شعرية سنوية باسم “جائزة عكاظ”، كما كان يضم معهداً للثقافة الشعبية يقيم دورات في مجالات الحياة كافة لأبناء المدنية والريف.

ويكمل الصوفي إن مكتبة المركز الثقافي في سراقب كانت من أهم المكتبات العامة في المنطقة، تضم نحو سبعة آلاف كتاب في مختلف أبواب الثقافة والسياسة والفكر، فيها “أمهات الكتب والعناوين الهامة” حصل عليها القائمون على المركز من خلال الزيارات الدورية لمعارض الكتب، وقدمت خدمة كبيرة للطلبة وهواة القراءة والمهتمين والباحثين.

المركز الثقافي في سراقب
المركز الثقافي في سراقب

 

“كان المركز الثقافي فسحة للحياة واللقاء بالناس ورعاية المواهب” يقول عبد العليم زيدان (أحد الشعراء من مدينة سراقب)، مؤكداً أن لمركز سراقب أهمية كبيرة كونه من أنشط المراكز الثقافية في سوريا، ويرى الصوفي إن المحاضرين والأدباء كانوا يدركون تماماً اهتمام جمهور سراقب بالثقافة وما يتمتع به من ذائقة فنية.

من مركز ثقافي إلى مجلس محلي

تحوّل المركز الثقافي منذ العام 2012 إلى مجلس محلي مع نهاية العام الأول من الثورة السورية، وتعرض قسم من مكتبة المركز للسرقة والاحتراق، قبل أن يتعرض المركز للقصف بالبراميل المتفجرة في تشرين الأول 2013، والذي أدى إلى دمار المبنى بشكل شبه كامل، وقتل نهاد شيخ ديب (رئيس المجلس المحلي آنذاك).

جانب من الدمار في المركز الثقافي بسراقب
جانب من الدمار في المركز الثقافي بسراقب

يقول الصوفي إن المركز بات “مباحاً” بعد القصف، الكتب تفرقت في الشوارع، وتعرض ما نجا منها للسرقة والحرق والتلف، وبعد أيام من استهدافه بادر المهتمون بالتعاون مع فصيل عسكري في المدينة بجمع بعض الكتب وتم إيداعها في مستودع “التوجيه المركزي”. يأسف الصوفي لما حدث من غياب للاهتمام بالكتب، يقول “الاهتمام بالطاولات الخشبية كان أكبر من الاهتمام بالكتب التي كانت موضوعة عليها”.

ست سنوات من الغياب

غابت الأنشطة الثقافية عن مدينة سراقب منذ قصف المركز الثقافي، يقول الأهالي إن ذكريات الأنشطة الماضية التي جمعتهم في صالات المركز الثقافي باتت طي النسيان خلال السنوات الست الماضية.

لم يعد هناك كتب لاستعارتها ولم تعد القراءة مهمة للشباب الحالي تقول باكير إنها وأقرانها من رواد المركز كانوا يتفاخرون بعدد الكتب التي يقرؤونها، مرجعة حالة التراجع الثقافي لغياب الأنشطة والمكتبات العامة في المراكز الثقافية.

ترميم البناء وماذا بشأن الترميم الثقافي

قام المجلس المحلي بترميم الطابق الأول من المركز المؤلف من طابقين، وتم تجهيز ثلاث صالات مخصصة للاجتماعات وصالة الضيافة وصالة الاستقبال، أما الصالة الرئيسية في الطابق الثاني فقد تعرضت للهدم بشكل كامل، ويضم المركز مكتبة وعدداً من الغرف الإدارية، إلّا أن عمليات الترميم توقفت لانقطاع الدعم وعدم قدرة المجلس المحلي على تأمين الكلفة اللازمة.

صالة الاجتماعات في المركز الثقافي بسراقب بعد ترميمها
صالة الاجتماعات في المركز الثقافي بسراقب بعد ترميمها

ومنذ ترميمه في نهاية العام 2018 لم يشهد المركز أي نشاط ثقافي، واقتصر عمله على إقامة التدريبات والاجتماعات، تقول باكير إن السبب يعود إلى “قلة المهتمين بالثقافة”، مؤكدة أن ما يتم في المركز اليوم يخالف “الحلم الذي راود من سعوا إلى ترميمه”، فالمركز اليوم في “عداد الموتى” تصف باكير واقع الحال، وهي تحكي لنا عن أسباب أخرى تتعلق بالظروف والمشاكل التي يعيشها الناس من قصف وموت وسوء في الأحوال الاقتصادية ما أدى إلى تراجع الحركات الثقافية في المنطقة بكاملها.

عبد الرحمن سماق مدير المركز يقول إن الإدارة تسعى لإقامة النشاطات والأمسيات الشعرية في الأيام المقبلة لإحياء الحركة الثقافية، ويرجع تراجعها إلى الوضع الأمني الذي تشهده سراقب ومعظم الشمال السوري خلال السنة الماضية، من استهداف قصف متواصل.

مضافة المركز الثقافي بسراقب
مضافة المركز الثقافي بسراقب

لا يوافق عبد العليم زيدان رئيس المركز فيما ذهب إليه، يقول إن سراقب اليوم تفتقر للأدباء والشعراء، إلّا أن الموجودين منهم كانوا سيلبون أي دعوة لأمسية أو فعل ثقافي لو طلب منهم ذلك، إلا أن “القائمين على المركز لا يريدون أي عمل ثقافي”، بحسب قوله.

أصبح المركز الثقافي صالة للاجتماعات الخاصة بالمجلس المحلي، يقول من التقيناهم من رواد المركز الذين تحدثوا عن فرض مبالغ مالية من قبل المجلس على من يريد القيام بالأنشطة الثقافية، الأمر الذي نفاه رئيس المجلس المحلي في سراقي محمود جرود والذي قال إن هذه المبالغ المالية تؤخذ كرسوم من بعض المنظمات للقيام بأنشطتها وتدريباتها أما التدريبات والأنشطة المحلية والثقافية فتكون مجانية ولا تفرض أي رسوم عليها.

يرى أحمد خطاب (مدير تجمع شباب سراقب الفني، وأحد رواد المركز المهتمين بالثقافة) إن الحرب خلقت حالة من عدم الاهتمام بالجانب الثقافي، إضافة لانقطاع المركز عن الخدمة لسنوات وما تركه غيابه من أثر، ناهيك عن هجرة أعداد كبيرة من السكان، “الفعل الثقافي يندثر شيئاً فشيئاً”، يكمل الخطاب وهو يرثي ما وصلت إليه المراكز الثقافية والتي تحولت من الحياة والخلق والفن والإبداع إلى مراكز تدريبية في أفضل الأحوال.

يمثل واقع المركز الثقافي في سراقب حال معظم المراكز الثقافية والمكتبات العامة في الشمال السوري، بعد أن أهمل دورها ليصبح في نهاية سلم الأولويات. دون تفعيل من المؤسسات والمنظمات المهتمة والتي غالباً ما تركز على الدعم الإغاثي.

مشاريع الري وأثرها على التنمية الزراعية في سوريا

فريق التحرير

  شكلت الزراعة 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا خلال العام 2010، ويعمل فيها نحو 15% من مجموع القوة العاملة أي قرابة 800 ألف عامل وفق دراسة أجراها مركز […]

 

شكلت الزراعة 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا خلال العام 2010، ويعمل فيها نحو 15% من مجموع القوة العاملة أي قرابة 800 ألف عامل وفق دراسة أجراها مركز حرمون. وتحتل الزراعة البعلية المرتبة الأولى فيها، تراجعت تلك النسبة خلال السنوات الثمان الماضية، إلّا أنها ما زالت تقدم ما يقارب نصف الإمدادات الغذائية في البلاد، بحسب “دانيال غوستافسون” نائب المدير العام للبرامج في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، والذي قال في المؤتمر المنعقد في بروكسل 2018 إن الزراعة تشكل سبيل النجاة للملايين من السوريين المستضعفين، وأضاف “من دون مساعدة إضافية لقطاع الزراعة وبرامج القدرة على الصمود في المناطق الريفية، ستستمر الزيادة في انعدام الأمن الغذائي والهجرة، وسيبقى الاستقرار بعيد المنال”.

الري في حوض العاصي

تغطي مياه نهر العاصي 20% من كمية المياه السنوية المستهلكة في سوريا والبالغة نحو 15 مليار م³، منها 2230 مليون م³ للري، إذ تتركز 17% من الأراضي المروية السورية داخل حوض العاصي.

مولدة على بئر ارتوازي في ريف إدلب
مولدة على بئر ارتوازي في ريف إدلب

يقول المهندس الزراعي مهند هلال إن الري في سوريا ينقسم إلى ري طبيعي يعتمد على مياه الأمطار وفيضان الأنهار، وري صناعي يعتمد على مياه الآبار أو تخزين المياه في السدود وشق القنوات المائية واستخدام حصاد المياه. وأضاف هلال إن فجوة مائية تشهدها منطقة الحوض يرجع أسبابها إلى الهدر وسوء استخدام المياه وإدارة الري في الزراعة كالحراثة العميقة والمكررة، والافتقار للغطاء النباتي بسبب استخراج المياه الجوفية بوتيرة عالية عبر الآبار العشوائية، كذلك تغير المناخ العالمي وارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة انبعاث ثاني أوكسيد الكربون.

ويعتبر سهل الروج من أهم المشاريع الزراعية المروية في المنطقة، إذ تستجر مياهه عبر قنوات من مياه عين الزرقاء إلى سد البالعة الذي يغطي نحو 85% من أراضي السهل، نحو 11 ألف هكتار، إلّا أنه توقف عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء وتضرُّر المحطة والمضخات الرئيسية.

ومن مشاريع الري الهامة “سد الدويسات” قرب بلدة دركوش غرب إدلب، والذي يعد من أهم السدود التخزينية إلّا أنه يشهد انخفاضاً بمنسوب المياه نتيجة قلة الأمطار ما انعكس سلباً على مشاريع الأشجار المثمرة، وتهديداً للمساحات الزراعية المجاورة له، بحسب المهندس الزراعي عبد الله عبد الكريم (رئيس المصالح الزراعية السابق بمدينة دركوش).

ويضيف المهندس إن منظمة “أكتد” قامت بترميم السد بعد إبعاد القوة العسكرية عنه بموجب اتفاق، وتصليح المعدات وتغيير “السكورة” وتغيير الخط الرئيسي الذي يصل إلى الأراضي. ويحصل المزارعون على المياه دون الحاجة إلى مولدات أو مضخات، وذلك لارتفاع مكان السد عن الأراضي بنحو 100 متر، ما يولد ضغطاً جوياً قدره بـ “10” وحجم اندفاع للمياه بما يزيد عن ثلاثة أمتار.

تبلغ السعة التخزينية للسد نحو ثلاثة ملايين م³، وكان من المقرر أن تروي 290 هكتاراً، إلّا أن الأعطال التي طالت الخط الرئيسي وعدم إصلاحها حال دون ذلك، ما أدى إلى تحول قسم كبير منها إلى أراض بعلية مع جفاف قسم ليس بقليل من الأشجار، أو الاعتماد على حفر الآبار السطحية.

الضمان ساهم في تراجع الإنتاج المروي

يقول المهندس عبد الكريم إن هناك مساحات كبيرة في منطقة الزنبقي والتي تعود ملكيتها لأشخاص يسكنون في مناطق النظام وموالين له تم الاستيلاء عليها من قبل “هيئة تحرير الشام”، وتضمينها لبعض الفلاحين (الضمان ويعني تأجير  مواسم الأراضي الزراعية للأشخاص مقابل بدل مادي يتم الاتفاق عليه قبل القطاف)، وبسبب انقطاع المياه تعرضت هذه الأرضي لليباس، خاصة وأن الضامنين لم يؤمنوا بدائل لريها، إضافة لتضرُّر نحو 390 هكتاراً فيما يعرف بـ “مشروع غزالة”، كما تم اقتلاع الأشجار في المناطق البعيدة عن شبكات المياه وبيعها كحطب، وزراعة محاصيل بعلية مكانها كالحنطة والشعير.

التركستان يحولون سد عزمارين إلى قاعدة عسكرية

لم تفلح الوساطات من قبل المجلس المحلي والممثلين عن هيئة تحرير الشام بإخراج فصيل التركستان من محطة سد عزمارين (عزمارين قرية في إدلب تتبع لمنطقة حارم) لإعادة تأهيله من قبل منظمة أكتد، وهو ما دفعها لإلغاء المشروع. وكان السد قد تحول إلى قاعدة عسكرية بأبواب حديدية مغلقة لم نستطع الوصول إليه أو التحدث مع المسؤولين عنه.

والتركستان أو الحزب الإسلامي التركستاني هم مجموعة من المقاتلين قدموا من إقليم شينجيانغ الصيني وتشير التقديرات أن عددهم يصل إلى بضعة آلاف من المقاتلين مع عائلاتهم ويتحدثون اللغة التركية، وأعلنوا عن وجودهم في العام 2014، ليشاركوا في العمليات القتالية في إدلب ويسيطروا على منطقة جسر الشغور وما حولها (التواجد الأهم لهم) وذلك لطبيعتها الجبلية التي تشكل أفضلية في القتال، ويمتلكون خبرات قتالية جيدة، ويوصفون بـ “الرقم الأول في الجهاد”.

حلول بديلة للري في أراضي قرية عزمارين

يقول المهندس عبد الكريم إن منظمتي شفق وغول زودت مزارعي المنطقة ضمن إطار عملهما الإنساني ، في العام 2018، بعشرين منظومة ري بالطاقة الشمسية، كل منها تخدم بين ستة إلى ثمانية فلاحين، وهي عبارة عن ستة ألواح طاقة مع انفرتر ودينمو (سنطرفيش) لسحب المياه من نهر العاصي مباشرة على مدار الأسبوع.

مضخة مياه لري المزروعات في ريف إدلب
مضخة مياه لري المزروعات في ريف إدلب

وبحسب برهان كعدة (رئيس المجلس المحلي بدركوش) إن هذا المشروع يخدم عدداً قليلاً من الفلاحين، في حين يروي أكثر المزارعين أراضيهم على نفقتهم الخاصة بواسطة محركات تعمل على الديزل، وبتكاليف عالية تستهلك نحو 90% من ثمن محاصيلهم.

يقول أبو عبد الله (مزارع من دركوش) إنه وبعد توقف مشروع عزمارين يعتمد على ري أرضه من نهر العاصي عبر المولدة، بعد أن قام بتمديد “خراطيم الري إليها”، ويبلغ سعر المتر الواحد من هذه الخراطيم نحو ألف ليرة سورية، ناهيك عن أعطال المولدة وتكاليفها التشغيلية، إذ يقدر أبو عبد الله كلفة كل سقاية للدونم الواحد بـ 1500 ليرة، ما استدعى التقليل من ساعات الري الذي أدى إلى ضرر المحاصيل والأشجار، كذلك تجنب زراعة الخضراوات، سوى ما يكفي لمؤونة المنازل يتم زراعتها بين الأشجار.

غياب أنظمة الري والدراسات اللازمة

يقول المهندس مهند هلال إن حوض العاصي يحتاج إلى نظام ري للتخفيف من خطر انجراف وتلوث التربة والمياه الجوفية لرفع كفاءة المياه المتاحة، وإدارة الأملاح بمناطق انتشار الجذور وإدارة المناخ الموضعي تربة وهواء ونبات، وتحدث “هلال” عن ضرورة اختيار الوقت المناسب للري التكميلي ومراعاة مظهر النبات ورطوبة التربة والعمليات الحسابية من معدلات التبخر والنتح.

الري بالجيران في الأراضي الزراعية بإدلب
الري بالجيران في الأراضي الزراعية بإدلب

ويقترح المهندس “علي سلطان” ممثل مديرية الموارد المائية بدركوش “إيجاد جهة معينة لإدارة المشاريع لأن الفلاح بحاجة الكثير من المستلزمات أهمها مياه الري لأنها أساس نجاح أي عمل زراعي”.

حوض نهر قويق ومشاكل الري

توقف جريان النهر منذ بداية الثورة السورية في العام 2011، كما جفت معظم الينابيع المغذية للنهر، ومياهه حاليا تعتمد على الصرف الصحي والهطولات المطرية والقليل من تسريبات نهر الفرات، يقول المهندس أحمد رشواني، ما أثر على الزراعة المروية في أكثر من 300 قرية ممتدة على ضفافه كانت تعتمد على مياهه في سقاية المحاصيل الزراعية، بعد وصله في العام 2008 بقناة مياه للري من نهر الفرات، لتنظيفه من مخلفات الصرف الصحي، وإنشاء سد خان طومان لتخزين المياه القادمة من الصرف الصحي لحلب بعد تنفيذ محطة معالجة له، والاستفادة من مياه صرف حلب المعالجة ومياه الفرات القادمة من مسكنة غرباً ومن مياه السيحة.

الري بالتنقيط في ريف إدلب
الري بالتنقيط في ريف إدلب

وبحسب المزارع “محمد العثمان” من ريف حلب إن أصحاب الأراضي يعتمدون على مياه النهر “الملوثة” لسقاية أراضيهم عبر خراطيم بلاستيكية وبكلفة باهظة، ما دفع المزارعين لتضمين حقولهم بأسعار زهيدة أو زراعتها بالمحاصيل البعلية.

أما المزارع أسامة عبد الرزاق من مدينة الأتارب غرب حلب فقد قدّر كلفة حفر البئر الارتوازي في المنطقة مع تجهيزاته من مولدة وغطاس ومضخات بما يزيد عن 15 مليون ليرة سورية، ناهيك عن الكلفة التشغيلية وإيجار اليد العاملة وأسعار الفلاحة والبذار والأسمدة المرتفعة، وهو ما دفع الفلاحين لهجر أراضيهم أو التخلي عن سقايتها.

محمد عبد الرزاق (أحد المزارعين في ريف حلب ما زال يعتمد على المحاصيل المروية) قدّر كلفة السقاية للأرض بحسب ساعات التشغيل، (كل 24 ساعة تحتاج إلى برميل وقود) إذ يصل سعر برميل المازوت في المنطقة إلى 65 ألف ليرة، ويصف عبد الرزاق الوقود المكرر بدائياً بـ “السيء” ما يؤدي إلى أعطال دائمة في المولدة، مؤكداً خسارة الفلاحين للعام الحالي وذلك لعدم التناسب بين الكلفة والسعر، مع اعتماده على الري بطرق مختلفة ومدروسة كالتنقيط والرش.

من جهتها تقول أم عبد الله (مزارعة من جبل الزاوية) إن بئر الماء خاصتها تجميعي، ويحتاج لساعات طويلة لضخ خمس دقائق من المياه، ما أدى إلى جفاف الأشجار وتعرضها “للتصميغ”، وتقول إنها قطعت عدداً كبيراً من أشجارها لاستخدامها كحطب في الشتاء بعد يباسها.

طرق الري في الشمال السوري

يفرق المهندس عادل هواش بين ثلاثة أنواع من طرق الري في المنطقة، أولها طريقة الري بالغمر، والتي تعتمد على تقسيم الأرض إلى مساكب أو خطوط ومن ثم ملئها بالماء، وتعتبر هذه الطريقة قليلة التكاليف على المزارع ولا تحتاج إلى أنظمة أو عمال متدربين، إلّا أنها تفقد الفلاح القدرة على التحكم بكمية مياه الري المقدمة للنبات، ما يؤدي إلى كميات فائضة عن الحاجة تزيد من تملح التربة.

الري بالرزاز في أحد حقول ريف إدلب
الري بالرزاز في أحد حقول ريف إدلب

أما الطريقة الثانية فهي الري بالرش، وتكون على شكل رذاذ مطري، لا تؤدي هذه الطريقة إلى تملح التربة إلّا أن عيوبها تنحصر في تكاليف إنشاء الشبكة وزيادة الأعشاب بين المحاصيل، وصعوبة نقل الشبكات.

الطريقة الأخيرة هي الري بالتنقيط، وتعد أفضل الطرق وأسهلها وذلك لما تقدمه من توفير في كميات المياه وقلة انتشار الأعشاب، وإمكانية إضافة الأسمدة إلى مياه الري التي تصل إلى الجذر مباشرة.

الري بصهاريج المياه لحقول زيتون في إدلب
الري بصهاريج المياه لحقول زيتون في إدلب

ويعتمد كثر من المزارعين على الري بالصهاريج لعدم توفر المياه في أراضيهم لاعتماد الطرق السابقة، ويتراوح سعر الصهريج (30 برميلاً) بين (1000-1500 ليرة)، يقول المزارع إبراهيم المحمد من قرية (داديخ بريف إدلب) إن كل خمسة أشجار من الزيتون تحتاج إلى صهريج واحد في كل سقاية.

الأدوات بالدولار والمحصول بالليرة

يقول أسامة الرحمون (صاحب شركة الواحة لصناعة التجهيزات الزراعية) إن الخراطيم الزراعية ومن كافة المقاسات تباع بسعر 0.90$ للكيلو غرام، أما خراطيم التنقيط المستوردة من تركيا بطول 400 متر فتباع بـ 28$ للنوع الأول و 22$ للنوع الثاني، وخراطيم التنقيط الشجري (تركي الصناعة) بطول 300 متر فيباع بـ 15$، وخرطوم التنقيط الشجري نوع أول سعودي طوله 200متر وسعره 17$، وخرطوم التنقيط الشجري نوع محسن طوله 200متر سعره خمسة آلاف ليرة سورية، مرش كامل مع العدة سعره 22$، مرش كامل مع العدة من البلاستيك سعره 19$، إضافة لما تحتاجه هذه الخراطيم والمرشات من إكسسوارات.

وتعتبر هذه الأسعار باهظة الثمن على الفلاح السوري الذي يعاني ظروفاً اقتصادية سيئة، خاصة إذا أخذ بالحسبان حاجته لتبديلها خلال فترة قصيرة من الزمن بفعل تغير المناخ، كذلك تعرضها للكسر أو التلف بفعل عوامل بشرية، وهو ما أدى إلى تراجع الزراعات المروية في المنطقة، خاصة وأن المحاصيل تباع في الأسواق المحلية مع انعدام إمكانية تصديرها سواء إلى مناطق النظام أو إلى الدول المجاورة، وهو ما أدى إلى تراجع أسعارها مقارنة بكلفتها، وخسارة الفلاحين عاماً بعد عام، وهو ما دفع القسم الأكبر منهم إلى هجرة أراضيه أو زراعة محاصيل أخرى بأسعار جيدة كالزراعات البهارية والعطرية، إلّا أنها لا توفر أمناً غذائياً لسكان الشمال السوري الذين يعتمدون على القمح والبطاطا والخضراوات في حياتهم اليومية.