فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عن النزوح في إدلب

 محمود البكور

يقول محمد الحلاج مدير فريق “منسقو الاستجابة” في إدلب إن أعداد العائلات التي اضطرت للنزوح خلال شهر تشرين الثاني الماضي وصل إلى 61229 نسمة من العوائل التي خرجت من منازلها في محافظة ادلب، وشهدت منطقة ريف إدلب الجنوبي الشرقي قصفاً وصفه بـ “غير المسبوق” من قبل قوات النظام والطيران الروسي وبشكل يومي ومتواصل، بنحو ١٠٠ غارة جوية بالصواريخ شديدة الانفجار تستهدف منازل المدنيين والبنى التحتية والمرافق العامة، إضافة لاستمرار القصف أيضاً على ريف إدلب الجنوبي، ما أدى لموجة نزوح جديدة وكبيرة، أذ وثق فريق الاستجابة نحو 2000 عائلة نزحت ما يعادل 11الف نسمة، خلال الأسبوع الأخير من شهر تشرين لثاني 2019، وهناك مخاوف كبيرة من نزوح سكان ريف معرة النعمان الشرقي بشكل كامل، والتي تضم نحو 150 الف نسمة في هذه المنطقة، وهذا سوف يتسبب بـ “كارثة إنسانية جديدة”، مما يزيد الوضع سوء على ما هو عليه لقلة الاستجابات من المنظمات الإنسانية، بحسب الحلاج.

تشهد مناطق ريف إدلب الجنوبي حركة نزوح جديدة مع تكثيف قوات النظام وروسيا لضرباتها الجوية والمدفعية على المنطقة، ترافق نزوح آلاف الأشخاص مع بداية فصل الشتاء والأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها السكان، وعجز في استجابة المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية للوافدين الجدد.

ساعات محددة للنزوح  

يقول من التقيناهم إن طائرات الاستطلاع لا تفارق أجواء المنطقة، وترصد معظم الطرق الرئيسية المستهدفة من قبل الطائرات، ما يدفع الأهالي لاختيار أوقات وطرقات فرعية أكثر أمناً حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم. يضاف إلى ذلك إمكانية وجود وسائط لنقل الوافدين، فمعظم أصحاب السيارات يتجنبون المرور في هذه المناطق باستثناء بعض الأشخاص من أبناء المنطقة، وبكلفة عالية بسبب ارتفاع سعر الوقود من جهة والخطر الذي يرافق عملية النزوح من جهة أخرى.

معظم الوافدين فضلوا النجاة بأنفسهم دون اصطحاب أمتعتهم، يقولون إنهم غير قادرين على دفع كلفة النقل إضافة لجهلهم بالمكان الذي سيقصدونه، خاصة مع عدم وجود أي جهة داعمة تستضيفهم، أو تؤمن مخيمات تحتويهم “ريثما يتدبرون أمورهم”، ناهيك عن ندرة وجود بيوت للإيجار في المناطق الشمالية من إدلب، وارتفاع بدل إيجارها في حال وجدت إلى الحد الذي لا يستطيع الأهالي دفعه، ما دفعهم للنزوح إلى بيوت أقربائهم أو السكن في الأراضي الزراعية تحت الأشجار.

ريف إدلب خالٍ من سكانه

تخلو قرى وبلدات في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي من سكانها، كـ “جرجناز والغدفة والبرسة وكفرنبل”، ويقدَر عدد النازحين في المنطقة بـ “٨٥٪” من الأهالي بسبب الغارات الجوية والمدفعية، واحتمالية التقدم البري، كذلك يشكل غياب الخدمات كـ “المشافي والمدارس” عاملاً مهماً في نزوح السكان، إضافة لصعوبة وصول المواد الغذائية والخبز ومياه الشرب وانعدام الكهرباء.

لا يملك من بقي في هذه القرى خياراً آخر، ويعود السبب الرئيسي لعدم نزوحهم إلى الكلفة المادية العالية للنقل والتي تقدر بنحو ١٥٠ ألف ليرة، وعدم وجود بدائل للسكن، ما أدى لبقاء مئات العوائل تحت خطر القصف والموت.

يقول محمد الحلاج مدير فريق “منسقو الاستجابة” في إدلب إن أعداد العائلات التي اضطرت للنزوح خلال شهر تشرين الثاني الماضي  وصل إلى 61229 نسمة من العوائل التي خرجت من منازلها في محافظة ادلب، وشهدت منطقة ريف إدلب الجنوبي الشرقي قصفاً وصفه بـ “غير المسبوق” من قبل قوات النظام والطيران الروسي وبشكل يومي ومتواصل، بنحو ١٠٠ غارة جوية بالصواريخ شديدة الانفجار تستهدف منازل المدنيين والبنى التحتية والمرافق العامة، إضافة لاستمرار القصف أيضاً على ريف إدلب الجنوبي، ما أدى لموجة نزوح جديدة وكبيرة، أذ وثق فريق الاستجابة نحو 2000 عائلة نزحت ما يعادل 11الف نسمة، خلال الأسبوع الأخير من شهر تشرين لثاني 2019، وهناك مخاوف كبيرة من نزوح سكان ريف معرة النعمان الشرقي بشكل كامل، والتي تضم نحو 150 الف نسمة في هذه المنطقة، وهذا سوف يتسبب بـ “كارثة إنسانية جديدة”، مما يزيد الوضع سوء على ما هو عليه لقلة الاستجابات من المنظمات الإنسانية، بحسب الحلاج.

القرى الحدودية تغص بالوافدين

يقول قصي الحسين (ناشط إعلامي من ريف إدلب الشرقي) إن وجهة الأهالي النازحين نتيجة القصف تركزت إلى حد كبير في القرى الحدودية مع تركيا، إضافة

إلى القرى (الأقل عرضة للاستهداف) في ريف إدلب الشمالي ومنها كللي حزانو والدانا، والقرى الحدودية مثل راس الحصن وحارم وسلقين، كما توجه جزء من الوافدين إلى ريف حلب الغربي جبل سمعان ودارة عزة والأتارب والشيخ علي.

ويضيف الحسين أن ما يزيد عن50% من الوافدين كانت وجهتهم المخيمات الحدودية التركية، وما تزال حركة النزوح مستمرة بشكل يومي من ريفي إدلب الجنوبي الشرقي والريف الجنوبي، بسبب استمرار القصف المتواصل بشكل يومي على المنطقة.

تواصل قوات الأسد المتمركزة في مطار أبو ظهور العسكري استهداف الريف الشرقي لمحافظة إدلب حيث شهدت الأيام الماضية إستهداف قرية ريان والشيخ إدريس وجزرايا وقرية زمار بقصف مدفعي مكثف، واستهداف المدن الحيوية في محافظة إدلب والأسواق الشعبية بالتحديد ومنها السوق الشعبي في مدينة سراقب وسوق الهال في معرة النعمان مما أدى الى وقوع قتلى وجرحى من المدنيين وتوقف الحياة بشكل شبه كامل في هذه المدن والبلدات، وتوقف العملية التعليمة في معظم المجمعات التربوية والنقاط والمراكز الصحية.

تقليص الدعم الزراعي في الشمال السوري والمؤسسات المحلية تحت خطر الإفلاس

فريق التحرير

يقتصر دعم المنظمات المحدود على بعض المناطق السورية، في الوقت الذي يغيب عن معظمها، يقول “طاهر هنانو” مدير مكتب العلاقات العامة في مجلس منطقة معرة مصرين التابعة لمركز إدلب، والذي أكد خلو البلدة من أي مشروع زراعي أو دعم، مع تدهور القطاع الزراعي واعتماد المزارعين على المواسم البعلية مثل الشعير والجلبان. وبالرغم من المناشدات والتواصل مع المنظمات التي كان ردها بتوجه العمل نحو المناطق الخصبة في سهل الغاب.
ويرى هنانو أن دعم المزارعين أولى من توزيع السلل الإغاثية، لأن ذلك سينعكس إيجاباً على جميع سكان المنطقة ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل.

 

يعاني سبعة ملايين سوري من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO)، مع تقديرات بتعرض مليوني شخص آخرين لانعدام الأمن الغذائي الذي أجبر نصف سكان سوريا على النزوح من بيوتهم لمرات عديدة. وتشكل محافظة إدلب وأرياف حلب وحماه والتي تخضع لسيطرة المعارضة السورية أكثر المناطق المتضررة بفعل القصف والمعارك الدائرة، وتحتوي على 1039 مخيماً يقطنها أكثر من 778 ألف نازح ومهجر قسرياً، كما أجبرت الحملة العسكرية الأخيرة أكثر من مليون شخص من هذه المناطق على النزوح إلى مناطق أخرى في الشمال السوري، بعيداً عن أراضيهم التي كانت المصدر الرئيسي لدخل مئات الآلاف من الأسر. كل ذلك ترافق مع الدعم الخجول من قبل المؤسسات الحكومية والأهلية المحلية، والمنظمات التي تعنى بدعم القطاع الزراعي ليقتصر على بضعة آلاف من المستفيدين وفي مناطق معينة.

إيكاردا النازحة 

منذ بداية عام 2012 قام المسؤولون في المنظمة الدولية للبحوث الزراعية “إيكاردا” بنقل جميع المعدات والمخابر الزراعية المتواجدة في مقرها بريف حلب الجنوبي إلى دول أخرى، ونقل بنك الجينات التي تخص البذور إلى “سفالبارد” في النرويج، كما تم نقل المركز الرئيسي للمنظمة إلى مدينة الرباط في المغرب، وإطلاق بنك “تربل” في لبنان 2016 ليكون بديلاً عن بنك البذور السوري.

مبنى إيكاردا في ريف حلب الجنوبي -إنترنيت
مبنى إيكاردا في ريف حلب الجنوبي -إنترنيت

سيطرت فصائل المعارضة على المنطقة منذ أواخر عام 2012، إلّا أن المنطقة لم تشهد أي خطوة عملية في سبيل العودة إلى الدعم الزراعي حتى مطلع العام الحالي، إذ قام عدد من المهندسين الزراعيين بإنشاء تجمع للتنسيق الزراعي في ريف حلب الجنوبي، بهدف تفعيل القطاع الزراعي في المنطقة ليكون نواة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتحسين سبل العيش في المخيمات المحيطة بالمنطقة، من خلال التواصل مع الهيئات والمنظمات والفعاليات المدنية وتوجيه أنظارهم نحو المنطقة لدعمها وتنشيط وتطوير الزراعة فيها، ما يساهم بتحقيق الأمن الغذائي، بحسب المهندس مجد حج عمر (مدير التجمع).

تجمع التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا -إنترنيت
تجمع التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا -إنترنيت

يفتقر المشروع للأجهزة والمخابر الحديثة لفحص البذار والاسمدة، ولم تنجح محاولاته بالتواصل مع مركز إيكاردا الرئيسي بحسب المهندس حاج عمر، الذي أشار في حديثه لفوكس حلب إلى الدور السابق الذي كانت تلعبه المنظمة في تحسين الأصناف واستنباط أصناف جديدة مقاومة ذات إنتاج عالٍ، ما سينعكس، إن تم إعادة تفعيلها، بشكل إيجابي على الزراعة في المنطقة ككل، ويوفر العديد من فرص العمل ويدفع نحو التنمية الزراعية والاقتصادية.

إكثار البذار خاسرة وفي طريقها للإفلاس

تتعرض مؤسسة إكثار البذار التي تأسست في العام 2013، وهي أول كيان مؤسساتي زراعي في مناطق المعارضة السورية، لخسارة سنوية يقدرها المهندس الزراعي “جمعة لولة” مسؤول التواصل في المؤسسة بـ 30% من رأس مالها، بعد توقف معظم الدعم عنها، وهو ما سيؤدي إلى إفلاسها، إضافة لتعرض مقراتها ومستودعاتها للقصف والتهديدات الأمنية المستمرة، ومنافسة المنظمات المحلية التي قال إنها لا تمتلك كوادر مختصة وتعمل بسياسة الدعم المجاني ما أدى إلى خلق حالة من الكسل بالاعتماد على السلة الغذائية لدى المزارعين وفقدان الاهتمام بالزراعة.

مشاتل مؤسسة إكثار البذار
مشاتل مؤسسة إكثار البذار

يقول المهندس “لولة” إن العام 2019 شهد تراجعاً كبيراً في عمل المؤسسة لقلة الدعم، إذ تقلصت مساحة مشروع القمح من ثمانية آلاف هكتار في عام 2018 إلى ألف هكتار في العام الحالي، وبتمويل من المؤسسة وحدها بعد أن كانت تتلقى في العام الماضي دعماً من الهلال الأحمر القطري ووحدة تنسيق الدعم ACU. كذلك انخفضت كمية بذار البطاطا الأجنبية إلى خمسمائة طن، بعد أن كانت تقدم ومنذ عام 2013 نحو ألف وخمسمائة طن سنوياً لـ (1376 مستفيداً).

مشاتل مؤسسة إكثار البذار
مشاتل مؤسسة إكثار البذار

وحافظت المؤسسة على مشروع إنتاج بذار البطاطا الذي انطلق في العام 2015 ضمن البيوت الشبكية في حلب وإدلب، والذي يبلغ متوسط إنتاجه 175 طناً، تكفي لزراعة 150 هكتاراً تنتج نحو خمسة آلاف طن من بطاطا الطعام، ومشروع محطات إكثار البذار الذي جاء نتيجة تدهور أصناف القمح المحلية بهدف الحفاظ عليها واستعادة النقاوة الصنفية للقمح، وبلغت كمية القمح من الأصناف النقية المنتجة في العام الماضي نحو 40 طناً، إضافة لإنشاء مشتل لإنتاج وإكثار الغراس الحراجية والمثمرة في الجهة الشمالية الغربية من حلب. وتهدف خطة المشتل في العام الحالي إلى إنتاج 40 ألف غرسة من الأشجار الحراجية والمثمرة و700 ألف غرسة زيتون ومليون شتلة من الخضراوات جميعها من الأصناف الهجينة عالية الإنتاج، يقول مسؤول التواصل في المؤسسة.

مشاتل مؤسسة إكثار البذار
مشاتل مؤسسة إكثار البذار

وتوفر المؤسسة مستلزمات الإنتاج الزراعي الموثوقة من “بذار وأسمدة ومبيدات حشرية” بأسعار مدعومة، إضافة لتقديم الخبرات الفنية المجانية للمزارعين، إذ بلغ عدد المستفيدين من خدمات المؤسسة في الأعوام الماضية نحو 25 ألف مستفيد، وأسهمت في منع التلاعب بأسعار المواد وتوفيرها بمصداقية ومواصفات عالية.

يجمل “لولة” أهم الاحتياجات في المؤسسة باستثناء الدعم، فيقول إنهم بحاجة إلى “مخابر زراعة الأنسجة واختبارات الأمراض الفيروسية وبنك وراثي لحفظ البذور من التدهور والانقراض، وتوسيع عمل المشروع الوطني لإنتاج البذار واستيراد البطاطا، ومشروع دعم المؤسسة بالآلات والمعدات الزراعية لتطوير عملها”.

منظمة ACTED أنشط المنظمات في الشمال السوري

أنجزت منظمة ACTED المعروفة سابقًا باسم “وكالة التعاون التقني والتنمية”، وهي منظمة إنسانية فرنسية غير حكومية تأسست عام 1993، عدداً من المشاريع الزراعية في الشمال السوري، وقدّمت دعماً محدوداً لبعض المزارعين.

 

يقول المهندس “إياد رضا يسوف” رئيس المجلس الزراعي في قرية زردنا (شمال شرق إدلب) إن منظمة ACTED أنجزت بالتعاون مع منظمة إحسان (وتعرف عن نفسها بتجمع لمنظمات سورية غير حكومية تعمل في المجال الإنساني وتلتزم بمعايير العمل الإنساني الدولية) مشروعاً زراعياً دعم نحو 800 مزارع في البلدة، وذلك عبر توزيع قسائم شرائية من فئة (100-200-300 دولاراً) لدعم المستفيدين بتقديم أوراق لنماذج تحتوي على محاصيل مصنفة (قمح –عدس –شعير –فول –حمص)، إضافة لنوعين من السماد (سوبر فوسفات –اليوريا 46)، أما منظمة “إحسان” فقدمت دعماً لنحو 125 مزارعاً اقتصر على زراعة الحدائق المنزلية للخضار في الشتاء مثل (السبانخ والخس والملوخية).

وفي مدينة حارم بريف إدلب قامت منظمة ACTED بدعم نحو ألفي مزارع، يمتلكون ما يعادل 80% من أراضي المدينة، من خلال تزويدهم بمياه الري وتخديم الطرق الترابية.

جانب من الدعم الزراعي الذي قدمته منظمة ACTED
جانب من الدعم الزراعي الذي قدمته منظمة ACTED

يقول المهندس “سليمان عدلة” مدير المكتب الزراعي في حارم إن المشروع الأول أنجز في العام 2018 بالتعاون مع شركة الأمين للمقاولات، تم فيه مدّ سواقي من الإسمنت المسلح لنحو 1300 متر (سماكة الأرض 10 سم، العرض 50 سم، الارتفاع 40 سم)، خدّمت نحو ألفي دونم وما يزيد عن مئتي مزارع. كذلك تم تجهيز طرق زراعية بطول 500 متر وعرض 4 أمتار، خدّمت نحو ألف مزارع، إضافة لتصليح وترميم القنوات المتكسرة بطول (260-300 م)، وتغطية “سكورة المياه” بأبواب حديدية لسهولة فتح المياه على الأراضي وتوزيعها.

جانب من الدعم الزراعي الذي قدمته منظمة ACTED
جانب من الدعم الزراعي الذي قدمته منظمة ACTED

أما في العام الحالي فقد قامت المنظمة وبالتعاون مع شركة “الفرحات” ببناء سواقي من الإسمنت المسلح بطول 1500م، وطرقاً زراعية بطول 750م، دون إسفلت (بحص مع دحل)، وإصلاح قنوات المياه لنحو 250م.

كما قامت المنظمة ببناء جسر فوق مهرب مائي بطول 8م، وعرض 4م وارتفاع متر واحد، وتجهيزه ببواري إسمنتية تضمن مرور المياه، وإنشاء جسر “النجاة” للمارة، والذي يفصل بين قسمي حارم الشمالي والشرقي.

يقول عدلة إن المنظمة وفي حال استكملت خطة مشاريعها ستغطي المدينة بشكل كامل، مؤكداً أنها المنظمة الوحيدة التي ساهمت بتقديم المشاريع الزراعية في المدينة، إضافة لمنظمة إحسان التي أجرت مؤخراً استبياناً في حارم، دون أن يتم إنجاز أي مشروع حتى اللحظة من قبلها.

سهل الروج دعم مالي وزراعي من منظمة HIHFAD

قدمت منظمة HIHFAD “يداً بيد للإغاثة والتنمية”، وهي مؤسسة خيرية سورية مسجلة في المملكة المتحدة، منذ بداية العام الحالي الدعم لمزارعي سهل الروج بريف إدلب.

 

يقول عدنان سعيد (المسؤول الإعلامي لقطاع المياه والإصلاح والمشاريع الزراعية في المنظمة) لفوكس حلب إن المنظمة أنجزت في بداية العام الماضي مشروعاً للمياه والصرف الصحي في سهل الروج وما حولها، تضمن تأهيل محطات الضخ وتزويدها بمولدات ولوحات كهربائية وباقي الأجهزة اللازمة، إضافة لتأهيل سبعة آبار بالمضخات والغطاسات لضخ المياه في القناة الرئيسية التي تم تجهيزها بطول عشرة كيلومترات مع القنوات الفرعية، واستهدفت 480 مزارعاً.

جانب من الدعم الزراعي المقدم من منظمة HIHFAD
جانب من الدعم الزراعي المقدم من منظمة HIHFAD

وفي الصيف الماضي قامت المنظمة وضمن المشروع الصيفي باستهداف 900 مزارعاً، بتقديم قسائم مادية بقيمة 120 دولاراً على دفعتين، الأولى 60 دولاراً لتغطية نفقات المحروقات وتشغيل المحطات لتأمين مياه الري للأراضي الزراعية، والثانية 60 دولاراً يصرفها المزارع من الصيدليات الزراعية لشراء الأسمدة والمبيدات، بحسب الحاجة.

في المشروع الخريفي قدّمت المنظمة لنحو 470 مزارعاً قسائم شرائية لمئة لتر من المازوت لري المحاصيل في الخريف. أما المشروع الشتوي “مشروع القمح” فقد تضمن قسيمة شرائية بقيمة 400 دولاراً لأربعمائة مزارع، وستتضمن ثمن بذار وأسمدة ومبيدات خلال مرحلة الزراعة في الشتاء، وسيكون هناك دعم للري ولمرة واحدة في نيسان القادم للمحصول نفسه.

ويتم اختيار المستفيدين من الذين يمتلكون أراض صالحة للزراعة مساحتها بين (2-10 دونم)، بهدف زيادة المساحات المزروعة، وكميات الخضار والمحاصيل في الأسواق واستقرار أسعارها، وتشجيع المزارعين على معاودة العمل ضمن أراضيهم التي تغنيهم عن السلة الغذائية، كذلك توفير فرص عمل للشباب واليافعين ضمن ورشات القطاف، بحسب السعيد.

جانب من الدعم الزراعي المقدم من منظمة HIHFAD
جانب من الدعم الزراعي المقدم من منظمة HIHFAD

المزارع “أبو إبراهيم” من قرية عرة بسهل الروج قال لفوكس حلب إن عدداً كبيراً من المزارعين في السهل استفادوا من خدمات المنظمة، وأن المحاصيل المروية عادت إلى المنطقة بعد اعتمادهم على الزراعة البعلية نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات لتشغيل الآبار، وتنظيف المضخات والسواقي وصيانة الآبار والجسور وترميمها، بالإضافة لتقدم الدعم المادي لشراء السماد وخراطيم الري والمبيدات. وأكمل المزارع أن المنظمة وبالإضافة للدعم المادي قدّمت الإرشادات الزراعية عبر دروس خاصة بالزراعة كل أسبوعين.

دعم متفرق

يقول المهندس اليسوف إن منظمة people in Need  و “هي منظمة غير ربحية تشيكية مقرها براغ” قدمت في قرية زردنا دعماً زراعياً لنحو 250 مستفيداً، وذلك من خلال قسيمة بقيمة مئة دولار على قسمين، يصرف القسم الأول منها 80 دولاراً ثمناً للبذار في الشتاء لما يطلق عليه الحدائق المنزلية (سبانخ –خس –ثوم –بصل –ملفوف..) إضافة للسماد، أما الدفعة الثانية بقيمة 20 دولاراً، تصرف على المرشات الظهرية للمبيدات الحشرية. كما زودت هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية – IHR وهي منظمة إنسانية غير ربحية، وغير حكومية، وغير سياسية نحو 120 مزارعاً في زردنا بمبلغ مئة ليرة تركية على شكل قسائم لبذار القمح والفول والعدس والحمص والأسمدة.

ويكمل اليسوف إن المجلس المحلي في زردنا وقع مذكرة تفاهم مع منظمة مسرات وهي (مؤسسة مجتمع مدني)، لتسجيل المزارعين الذين يمتلكون آباراً لتجهيزها بمعدات التشغيل، وتم رفع أسماء نحو مئتي مستفيد بعد الإجابة عن أسئلة محددة وزعت عليهم، ولم تأت بعد أسماء المقبولين حتى اللحظة.

من جهته يقول “قيس منون”  مدير المجلس المحلي في مدينة أريحا لفوكس حلب إن مؤسسة بناء للتنمية  وهي (منظمة غير ربحية غير حكومية) قدمت تجهيزات لبئر الماء الذي كان محفوراً لتزويد مدينة أريحا بمياه الشرب، أما منظمة القلب الكبير دعمت المشروع عينه بالوقود ليبدأ الضخ من محطة سيجر غرب إدلب لسكان مدينة أريحا، وقامت بتصليح خطوط الصرف الصحي بالمدينة.

يكمل منون أن المشروع قائم منذ شهرين وينتهي العقد بعد أربعة أشهر ومن الممكن أن يتجدد، ويستهدف المشروع جميع سكان أريحا والمهجرين إليها أي نحو 102 ألف نسمة. وفي حال عدم التجديد سيضطر سكان مدينة أريحا للعودة إلى شراء الصهاريج بشكل دائم ولا تكون المياه المقدمة مساندة لهم رغم قلتها، ويبلغ سعر برميل الماء حالياً 150 ليرة سورية في حال سيتم شراؤها عند توقف الدعم.

معظم المناطق لا يصلها دعم المنظمات

يقتصر دعم المنظمات المحدود على بعض المناطق السورية، في الوقت الذي يغيب عن معظمها، يقول “طاهر هنانو” مدير مكتب العلاقات العامة في مجلس منطقة معرة مصرين التابعة لمركز إدلب، والذي أكد خلو البلدة من أي مشروع زراعي أو دعم، مع تدهور القطاع الزراعي واعتماد المزارعين على المواسم البعلية مثل الشعير والجلبان. وبالرغم من المناشدات والتواصل مع المنظمات التي كان ردها بتوجه العمل نحو المناطق الخصبة في سهل الغاب.

ويرى هنانو أن دعم المزارعين أولى من توزيع السلل الإغاثية، لأن ذلك سينعكس إيجاباً على جميع سكان المنطقة ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل.

وبحسب القسم الخدمي في مجلس “الفوعة” لم ينجز أي مشروع زراعي في القرية حتى الآن، فمعظم سكان القرية من المهجرين (النازحين إليها) لا يملكون أراض زراعية، بل يقومون باستئجارها من الفصائل العسكرية المسيطرة عليها بقيمة 18 ألف ليرة للدونم الواحد، ويقومون بزراعتها بعلياً، ما يتسبب بضعف الإنتاج وزيادة الكلفة. ويأمل المزارعون الحصول على دعم أسوة بباقي المناطق المجاورة لتأمين مصدر دخل لهم بعد تهجيرهم من أراضيهم في غوطة دمشق، وغياب فرص العمل.

ستضطر أعداد أكبر إلى النزوح من القرى والبلدات في المنطقة إن لم يتم تدارك ومراجعة السياسات الدولية لتحقيق الأمن الغذائي، الذي يقوم في بنائه الأساسي على دعم القطاع الزراعي، ما سيحد من الهجرة وكذلك عودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطقهم، بحسب تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO)، يرى أن إهمال المناطق الزراعية المنتجة، سيضطر عدداً أكبر من الناس إلى مغادرة المناطق الريفية المكتظة بالسكان بالفعل، مما يجعل إعادة الحياة لهذه المناطق في نهاية المطاف أكثر صعوبة وأطول مدةً وأكثر تكلفة.

 

“عليَ الطلاق”

منيرة بالوش

لا تعني هذه المناسبة العالمية شيئاً بالنسبة لـ “أبو عمر” من مدينة كفرنبل، الذي يعرف بخفة ظله، وروحه الفكاهية بين معارفه، حتى في يمين الطلاق الذي لا يفارق لسانه، والذي قابلنا بالضحك عندما أخبرناه أن “عليّ الطلاق” تعتبر نوعاً من أنواع العنف ضد المرأة ليجيبنا ساخراً: “عليّا مليون طلاق ماها عنف، وين العنف بالموضوع”

تحاول أم غالب “سيدة من ريف إدلب” وهي تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في جوالها البحث عن تصنيف للعنف الذي تشعر به والذي يغيب في كل مرة الحديث عنه خلال حملات “العنف ضد المرأة” التي تبدأ في كل عام في الخامس والعشرين من تشرين الثاني لتستمر حتى العاشر من كانون الأول، تبتسم وهي تخبرنا بأن ما تتعرض له لم يصنف عالمياً كأنواع العنف المتعارف عليها، بل بقي حبيس بيوت النساء اللاتي اعتدن عليه، سواء تقبلنه أم لم يفعلن.

تقول السيدة إنها لم تتعرض لأي أذى جسدي خلال سنوات زواجها العشرة، إلا أن زوجها وكثر من الرجال الذين تعرفهم في محافظة إدلب دائمي التلفظ بـ “يمين الطلاق” عشرات المرات في اليوم، ليتحول إلى لازمة لا تفارق ألسنتهم، الأمر الذي تعتبره “لا مبالاة من قبل الرجل” لما يتركه هذا اللفظ من أثر سلبي سيء في نفوس النساء وحياتهم، معتبرة هذا التصرف “عنفاً لا يقل عن الأنواع الأخرى من التعنيف الذي تتعرض له النساء في المجتمع”.

“دائماً ما يبرر أبو غالب لزوجته تصرفه بأنه غير مخطئ بحقها، فلا دخل لها بما يقول أو يحلف، بل هو مجرد لازمة لغوية اعتاد تطقها حتى قبل زواجه منها” بحسب أم غالب التي قالت إنها لم تعد تصغي “لأيمانه الكثيرة” كما كانت تفعل في السابق، حين كانت تنصاع لأمره وتلاحقه في كل مرة يتلفظ بها بقول “عليَ الطلاق” لفعل ما يمكن خشية طلاقها و”خربان بيتها”.

“أحيانا كثيرة أتساءل إن كنت حقاً زوجته أم لا!! فهذه الكلمة تشعرني بعدم أهميتي عند زوجي”، تضيف  “أم غالب” هذه الجملة لتؤكد أنها عانت كثيراً بداية زواجها من هذه المشكلة، ولاسيما أنها تربّت في بيئة محافظة لا تتلفظ بكلمة الطلاق أبداً، فالزواج كما خبرته عند أهلها ، علاقة وثيقة ومصونة بين الرجل والمرأة لا تحتمل الهزار والاستخفاف بل يجب على الطرفين المحافظة عليها لتسير مركبة الأسرة دون غرق.

“عليّ الطلاق” تكاد تكون أكثر الجمل المستخدمة في مدينة إدلب، يقول بعض الرجال ممن التقيناهم أن يمين الطلاق هو أحد الألفاظ المتداولة على الألسن الذي قد يتلفظ به الرجل في مختلف حالاته عندما يفرح أو يغضب، وعندما يذم أو يمدح أحدهم، وقد لا تفارقه أثناء لعب ورق الشدة في سهرة مع بعض أصدقائه، أوفي تشديد عزيمته لشخص ما، ناهيك عن عدة حالات لابد من تكرار هذه العبارة بلا أي سبب كان..

ما يعتبره بعض الرجال مساحة شخصية لهم للتهكم والسخرية من بعض المواقف يترك آثاره السلبية على النساء، فـ “التهديد بالطلاق” عبر اللفظ المتداول هو نوع من أنواع العنف والاضطهاد الممارس ضد المرأة والتي هي عنصر أساسي في ذلك اليمين. وبحسب تعريف الأمم المتحدة “العنف ضد المرأة هو السلوك المُمارس ضدها، سواءً العنف اللفظي أو النفسي، أو الجسدي..”، وعليه فإنه يأخذ أشكال عدة كالألفاظ المُهينة أو الشتائم التي تنتقص من قدرِها، بالإضافة إلى التهديد اللفظي وسوء المعاملة، ويشمل ذلك التهديد بالطلاق.

تقول من التقيناهن إن “يمين الطلاق” يترك آثاراً سلبية على نفسية المرأة وحياتها، بالرغم من عدم وجود آثار واضحة، وقد يؤدي إلى حالات من الاكتئاب ويهدد العلاقة الأسرية.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد حددت يوم 25 من تشرين الثاني يوماً دولياً للقضاء على العنف ضد المرأة، وسعت من خلال ذلك إلى رفع مستوى الوعي العالمي حول ما تتعرض له المرأة من اضطهاد، حيث نشطت في الشمال السوري مجموعة من المنظمات الدولية المَعنية بحقوق الإنسان من خلال تنظيم فعاليات تعزز مفهوم محاربة العنف ضد المرأة ضمن حملة 16 يوم لمناهضة العنف المتعارف عليها دولياً.

 

لا تعني هذه المناسبة العالمية شيئاً بالنسبة لـ “أبو عمر” من مدينة كفرنبل، الذي يعرف بخفة ظله، وروحه الفكاهية بين معارفه، حتى في يمين الطلاق الذي لا يفارق لسانه، والذي قابلنا بالضحك عندما أخبرناه أن “عليّ الطلاق” تعتبر نوعاً من أنواع العنف ضد المرأة ليجيبنا ساخراً: “عليّا مليون طلاق ماها عنف، وين العنف بالموضوع”

فهي بالنسبة إليه كما أخبرنا، أحب جملة ورثها من أبيه وأعمامه، وكان يحلف بها قبل أن يتزوج حتى، لذلك لا يعتبره طلاقاً بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ماهي عادة متأصلة في لغة المجتمع المحكي، ولاسيما في مدينته كفرنبل.

تقاسمه الرأي “سلوى” من مدينة إدلب وقد شارفت على الأربعين من عمرها، بأنها لا تأخذ يمين الطلاق الصادر من زوجها يومياً عدة مرات على محمل الجد، بل لا يعنيها أبداً، فهو معتاد على هذه العبارة منذ صغره، وهي اعتادت عليها أيضاً، لدرجة أنها ترددها أحياناً كثيرة مع جاراتها بداعي الضحك والدعابة كما أخبرتنا.

شرعاً لا يوجد شيء بالعرف الإسلامي اسمه “يمين الطلاق” وقد ذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة على أن من قال “علي الطلاق ” على أمر ما وقد خالفه فإن الطلاق يلزمه. وورد ذكر العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة في إطار الزواج بالقرآن الكريم “بالميثاق الغليظ ” لما له من قدسية في الإسلام ولم يشرع الحلف بالطلاق أو الظهار على النساء واعتبر ذلك جرماً محرماً استوجب كفارة محددة.

بينما ترى السيدة “نجاح محمود” وهي مرشدة نفسية واجتماعية أن المرأة عضو فاعل في المجتمع، وكل ما تمر به ينعكس على أُسرتها ومُحيطها الاجتماعي بشكل كبير، حيث يسبب العنف ضد المرأة اضطرابات أسرية تنعكس على الأطفال أيضاً.

وتعتبر “محمود” أن حلفان الطلاق المكرر إنما هو استهتار من قبل الرجل برابط الزواج، ويجعل العلاقة بينهما على شفا هاوية الطلاق فعلياً، بعد استساغة اللفظ بينهما فيصبح تطبيق الكلام فعلياً ليس بالأمر السهل.

الطفل جلال (١٢ عاماً) يقلد والده في كلماته وتصرفاته، بل ويحلف بالطلاق مثله، حتى أثناء لعبه مع إخوته ، فهي تشعره بالرجولة كما يقول.

بينما ترفض “شادية” وهي طالبة جامعية فكرة الارتباط بشاب لا يقدس الحياة الزوجية بكل جوانبها بدء من الكلمة ووصولاً للفعل، وتقول “إنها لن تبقى رهينة مزاجه السيء الذي يسمح له برمي يمين الطلاق عليها لأتفه الأسباب أو لمجرد لغوة اعتادها في سلوكه اللفظي”

وبين متساهل مع الكلمة ومتحامل عليها تبقى “علي الطلاق” متأرجحة بين الطرفين ويصعب القضاء عليها لتأصلها في موروث المدينة الشعبي. 

 

البذار السيء والأسمدة والمبيدات غير المراقبة تؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي والتربة في الشمال السوري

فريق التحرير

المهندس الزراعي أنس الرحمون قال إن كافة الإجراءات المتخذة للعناية بالأرض ستكون دون أي قيمة في حال استعمال البذار السيء، لافتاً إلى أن الكثير من الفيروسات والأبواغ الفطرية تنتقل بواسطة هذه البذور إلى التربة والمحاصيل الزراعية، وهو ما أكده المهندس مجد حاج عمر (مدير التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا، وهو تجمع يضم عدداً من المهندسين والفنيين المستقلين) إن البذار المستورد “غير الخاضع للرقابة” يؤثر على كميات الإنتاج ويعطي محاصيل رديئة من حيث النوعية التصنيفية والصنفية، وعادة ما يكون أقل مقاومة للأمراض الفيروسية والفطرية والبكتيرية مما يؤدي إلى سرعة إصابة النبات بهذه الأمراض، وظهور أمراض جديدة غير مألوفة في المنطقة.

 

تحوّلت الزراعة من عمل يدوي فردي لإنتاج الكفاف إلى نشاط تجاري وصناعي مدروس خلال العقود الماضية، وفق سلسلة مترابطة تجمع العملية الزراعية بكاملها، بدءً من اختيار الأرض المناسبة ونوعية البذار الملائم، وانتهاء بالوقت الأفضل لجني المحصول مروراً بالتسميد والمكافحة الدوائية للأمراض والعناية بالأرض، وإن أي خلل في هذه السلسلة سيترك أثره السلبي على الإنتاج ولاحقاً على التربة، وهو ما تشهده الأراضي الزراعية في الشمال السوري، نظراً لضعف الإمكانيات وغياب الرقابة عن أنواع البذار والأسمدة ما أدى لخسائر كبيرة لدى المزارعين.

يقول أسعد الزيني (مزارع بريف إدلب) إنه لا يعرف سبب انخفاض كمية الإنتاج في حقله (2 هكتاراً) بالرغم من اتباعه كافة النصائح والإرشادات التي كان يعتمدها سابقاً. يشرح لنا إن محصول القمح تراجع خلال السنتين الماضيتين بنسبة تزيد عن 70%، عنه في الأعوام السابقة. كما يخبرنا المزارع علي المصطفى أن محصوله من القمح والشعير بريف حلب الغربي لم يكتمل، كما أن الزرع لم يحمل بأي إنتاج رغم تسميده وريّه في الأوقات المناسبة، ما تسبب بخسارته نحو أربعة آلاف دولار. الأمر عينه لوحظ على باقي المحاصيل في الصيف، إذ يقول المصطفى إن إنتاج الخضراوات “المقاتي” قد تراجع إلى النصف، إضافة لانتشار الأمراض في كثير منها وذبولها.

البذار السيء أحد أهم الأسباب في تراجع الزراعة

يحصل المزارعون على البذار لأراضيهم من مصادر متنوعة، منها ما يأتي عن طريق التجار عبر استيرادها من تركيا، أو من مناطق النظام، كما يعتمدون على مؤسسة إكثار البذار للحصول على بعض الأصناف المتوفرة، أو من خلال توليدها من محاصيلهم.

يقول بسام عز الدين (رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية بمديرية زراعة إدلب) إن مؤسسة إكثار البذار تمكنت من الحفاظ على بعض الأصناف الموجودة من القمح وكاثرتها وعملت على توزيعها على الفلاحين، كما أسهمت بعض المنظمات باستجرار بذور القمح وتوزيعها، إلّا أنها لم تكن بالجودة المطلوبة وهو ما أدى إلى عزوف الفلاحين عن استخدامها.

ويظهر تقرير نشر في العام 2018، توزيع أنواع من البذار “المعفن” في مدينة الباب شرقي حلب ما أدى إلى خسارة إنتاج 600 دونماً من الأراضي فيها، وجرى التحقق من سوء البذار عبر لجنة من المهندسين الزراعيين قاموا بإجراء التجارب على تلك البذور والتأكد من عدم صلاحيتها.

ويقول عز الدين إن مديرية الزراعة لاحظت تراجعاً في الإنتاج والمواصفات التسويقية وضعفاً في مقاومة الخضار الصيفية للآفات في الحقول التي اعتمدت على البذار المقدم من قبل بعض المنظمات هذا العام، رفض تسميتها، مرجحاً أن يكون السبب الأهم في هذه المشكلات نوعية البذار الذي اعتبره “أساس العملية الزراعية كونه يحدد كمية الإنتاج الصادرة عن هذا البذار ونوعيته “، واصفاً إياه بـ “غير المناسب”.

ويرى عزالدين أن المزارعين فقدوا ثقتهم بأنواع البذار المستوردة من تركيا، والتي لم تحقق إنتاجاً جيداً، وهو ما دفعهم لاستيراد بذور الخضراوات من مناطق النظام، في حين غابت البذور البلدية التي اعتاد المزارع على توليدها من مواسمه عن أغلب الزراعات باستثناء بعض الخضراوات كالباذنجان والفليفلة والبامياء.

المهندس الزراعي أنس الرحمون قال إن كافة الإجراءات المتخذة للعناية بالأرض ستكون دون أي قيمة في حال استعمال البذار السيء، لافتاً إلى أن الكثير من الفيروسات والأبواغ الفطرية تنتقل بواسطة هذه البذور إلى التربة والمحاصيل الزراعية، وهو ما أكده المهندس مجد حاج عمر (مدير التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا، وهو تجمع يضم عدداً من المهندسين  والفنيين المستقلين) إن البذار المستورد “غير الخاضع للرقابة” يؤثر على كميات الإنتاج ويعطي محاصيل رديئة من حيث النوعية التصنيفية والصنفية، وعادة ما يكون أقل مقاومة للأمراض الفيروسية والفطرية والبكتيرية مما يؤدي إلى سرعة إصابة النبات بهذه الأمراض، وظهور أمراض جديدة غير مألوفة في المنطقة.

مؤسسة إكثار البذار والحجر الزراعي

يقول المهندس حاج عمر إنه ولضمان الحصول على بذار جيد لا بد من وجود حجْر زراعي (عمليات الكشف على البذور والثمار ومقارنتها بالمواصفات العالمية قبل السماح بدخولها) في المعابر، واعتماد الشراء من مؤسسات عالمية موثوقة لاستيراد البذار.

هذا الأمر لا يتم حالياً وفق الظروف المتاحة وعدم توافر الإمكانيات، لذلك يعتمد حالياً على الاستيراد وفق الشروط والمواصفات المرافقة للشحنة.

 

يرجع المهندس الرحمون ضرورة ذلك إلى أن الشركات الموثوقة تقوم بتعقيم البذور بمبيدات فطرية مديدة تقضي على الفيروسات، وهو ما يفسر تفاوت الأسعار بين البذار القادم من مناطق النظام (مصدره البذور الهجينة الفرنسية أو الأمريكية)، وتلك المستوردة من تركيا. والتي يستوردها التجار وغالباً ما يتم الاتفاق على أنواع رديئة أو منخفضة الجودة مراعاة للسعر ولتحقيق ربح مضاعف.

وتعمل مؤسسة إكثار البذار على إنتاج بذور عالية الجودة من خلال النقاوة الصنفية والإنتاجية مثل أصناف القمح ومختلف أصناف البطاطا المقاومة للأمراض الفيروسية عن طريق المشروع الوطني في البيوت الشبكية.

وتعمد المؤسسة على دعم المزارعين بقروض يطلق عليها اسم “القرض الحسن” ويقوم على تقديم البذار ومستلزمات الزراعة من محروقات (تكاليف الري) ومبيدات وأكياس الخيش للمزارع في بداية الموسم، واستردادها في نهاية الموسم على شكل بذار قمح، تقوم المؤسسة باستلامه وتخزينه في مستودعات خاصة، ومعالجته وتعقيمه وغربلته وبيعه للمزارعين بأسعار مدعومة.

توقف الدعم عن المؤسسة منذ عام 2018، إذ تقلصت مشاريع الدعم في العام الحالي إلى ألف هكتار بعد أن كانت ثمانية آلاف هكتار من محصول القمح وحده في العام 2018، بحسب الحاج عمر الذي قال إن مناطق الشمال خالية مما يسمى بنك البذور وخاصة بعد قيام نظام الأسد بقصف البنك الوراثي المتواجد في إيكاردا، لذلك لابد من الاعتماد على المؤسسات الفاعلة بهذا المجال.

الأسمدة غير المراقبة تؤثر على التربة والإنتاج

توضح دراسة للأرشيف العربي العلمي إن استخدام الأسمدة والمكننة الزراعية يزيد الإنتاج الزراعي بما يعادل خمسة أضعاف، إلّا أن هذه الأسمدة تترك أثراً سلبياً إن لم تكن مطابقة للمواصفات العالمية على المحاصيل والتربة والمجال الحيوي والمياه الجوفية.

يقول الرحمون إن أثر الأسمدة غير المطابقة للمواصفات لا يقتصر على ضعف الإنتاج فحسب، بل يتعدى ذلك إلى أضرار على التربة بسبب زيادة الكميات المستخدمة من قبل المزارعين عن الحد المسموح به لضمان إنتاج جيد، وهو ما أكدته الدراسة السابقة.

“فالتسميد النتروجيني، على سبيل المثال، يعد أحد أهم التطبيقات الزراعية التي تساهم في تلويث الماء والغذاء والهواء. أما التسميد الفوسفاتي، على المدى الطويل، فيزيد من المخاطر البيئية والتلوث ببقايا بعض العناصر المعدنية السامة كالرصاص والزرنيخ والكادميوم، ويساهم أيضاً في تعديل الكثير من الخصائص الكيميائية والفيزيائية للتربة كدرجة الحموضة، والتي بدورها تؤثر على كمية ونوعية الكائنات الحية المفيدة. كما أن لدرجة حموضة التربة، تأثير تضادي أو تآزري بين العناصر الغذائية”.

وعن مصادر الأسمدة التي تدخل إلى الشمال السوري يقول المهندس غانم أبو حذيفة (مسؤول قسم التراخيص والمبيعات في شركة المستلزمات التابعة لوزارة الاقتصاد في إدلب) “تتعدد مصادر الأسمدة التي يعتمد عليها المزارع في الشمال السوري مثل “أوكرانيا، أوزباكستان، تركمانستان، مصر، ليبيا، تركيا” وجميعها تدخل عن طريق معبر باب الهوى، وبدورنا قمنا بوضع معايير معينة لكل نوع من أنواع الأسمدة حتى يتمكن التاجر من إدخالها ” مثل النسبة المئوية للمادة الفعالة واللون والحجم، ونسبة المواد الناعمة الموجودة ضمن السماد”.

يقوم فريق مختص من قبل المؤسسة بالتعاون مع مديرية الزراعة بجولات دورية على المراكز والصيدليات الزراعية الموجودة العاملة في الشمال، لكنهم يعتمدون على “تحاليل بدائية بسيطة للتأكد من مطابقة الأسمدة للمعايير والشروط العالمية، بسبب غياب المخابر الالكترونية الحديثة”. والفحص الذي نقوم به يمكنها من تمييز الأسمدة المغشوشة من غيرها لكنه لا يمنح نتائج دقيقة.

ويؤكد أبو حذيفة أن الأسمدة السيئة ستؤثر على المردود الزراعي من ناحيتين اثنتين أولاهما أن المزارع سيدفع تكلفة إضافية على مواد لم يستفد منها، والأمر الآخر تأثير تلك الأسمدة على خواص التربة ورفع درجة ملوحتها وبالتالي سيؤثر السماد السيئ على نمو المحصول الحالي ونمو المحاصيل القادمة.

مبيدات حشرية سيئة

يرى مختصون أن خطر المبيدات الكيماوية السيئة وتأثيرها المباشر أكبر من خطر الأسمدة والبذور الفاسدة. يقول الرحمون “إن الخطر الأكبر يكمن في موضوع المبيدات الكيماوية والتي تدخل بشكل عشوائي دون أي رقابة، والكثير من تلك الأدوية تعتبر من المبيدات المحظورة عالمياً بسبب خطرها على الصحة العامة، وتصدر (منظمة الأغذية والزراعة – الفاو) نشرات دورية كل عام تحظر فيها عدد من المبيدات، لكن بكل أسف يوجد لدينا الكثير من المبيدات المحظورة والتي تستعمل حتى اللحظة”.

تستشري الكثير من الأمراض والأوبئة نتيجة الاستعمال المتكرر للأدوية السيئة ذات الفعالية الضعيفة. وهذا ما أكده “عزالدين” إذ تلعب المبيدات السيئة والمغشوشة أثرها السلبي على الواقع الزراعي نتيجة تأثيرها على الحشرات بنسب مخففة جداً، ما يسهل على الحشرات والآفات بشكل عام إنتاج سلالات مقاومة لتراكيب المبيدات المختلفة، وبالتالي تصعب مكافحتها في المستقبل القريب. من ناحية أخرى تؤثر تلك المبيدات على الحشرات النافعة وتقضي عليها مثل النحل والفراش الذي يلعب دوراً رئيسيا بعملية اللقاح بالإضافة لدورها الكبير في المكافحة الحيوية والقضاء على الآفات مثل أسد المن والدعسوقة ”

اختلفت أنواع المبيدات والأسمدة بشكل كبير عن الأنواع المعروفة قبل 2011، إذ كانت تلك المبيدات تخضع لتحاليل وفحوصات عديدة وتجرى عليها العديد من التجارب قبل دخولها الأسواق، أما اليوم فالعامل التجاري هو اللاعب الأكبر في الواقع الزراعي، يضيف عز الدين أن أسعار الأدوية الزراعية والمبيدات الموجودة في الشمال السوري تختلف بشكل كبير عن أسعار المواد الموجودة في مناطق النظام، نتيجة تردي الأنواع الداخلة إلى الشمال السوري والتي تكون في الأغلب ذات منشأ صيني أو تركي. فعلى سبيل المثال أصناف المبيد الحشري “الديسيس” أو اللينترات سعرها في الشمال السوري أرخص بنسبة تتجاوز 75% من مناطق النظام بسبب استيراد تلك الأصناف من شركات غير معروفة وغير موثوقة.

كوارث عديدة طالت المحاصيل الزراعية نتيجة جشع التجار واستيرادهم أدوية سيئة، مثل دواء “هالوكسي توب” وهو دواء مخصص للقضاء على الأعشاب الرفيعة المتواجدة في حقول الأعشاب العريضة، وتعرضت الكثير من حقول القطن في الرقة للتلف بعد استعمال هذا المبيد ما دفع الجهات المعنية لمنع استيراد هذا الصنف، في حين لم يترك هذا المستحضر أثراً كبيراً على الحقول في إدلب بسبب افتقارها للمزروعات ذات الأوراق العريضة.

معبر باب الهوى “فحص الشحنات ظاهرياً”

يفتقر معبر باب الهوى للمخابر المختصة التي تمكّن من فحص المواد الزراعية الداخلة إلى المنطقة. والأسمدة والبذور تدخل إلى البلد نتيجة الحصول على موافقة مسبقة من مديرية الزراعة ويتم فحصها ظاهرياً ضمن لجنة مشتركة مع مديرية الزراعة، وفي حال تم اكتشاف شحنة مغشوشة تعمل إدارة المعبر على إتلافها أو إعادة الشحنة لمصدرها ومنعها من الدخول. وتسعى إدارة المعبر لاستيراد أجهزة ومخابر حديثة تمكنها من القيام بعملها بشكل أفضل خلال الأيام القادمة، بحسب المسؤول الإعلامي في المعبر.

إتلاف شحنة بطاطا في معبر باب الهوى
إتلاف شحنة بطاطا في معبر باب الهوى

ويرى المزارعون الذين التقيناهم أنه ينبغي على الجهات الفاعلة العمل بشكل جدي على التوعية والتوجيه إلى أصناف البذار والأسمدة الجيدة عن طريق الورشات التثقيفية والبروشرات التوعوية والزيارات الحقلية، كما ينبغي تفعيل دور وزارة الزراعة وتزويدها بالمخابر العلمية اللازمة لمراقبة سير العملية الزراعية في حقول المنطقة والتي تشكل سلة غذائية مهمة للشمال السوري.

بدورها تعمل العديد من المنظمات على تنفيذ مشاريع تنموية من خلال دعم المزارعين بالبذار والأسمدة اللازمة حتى انتهاء الموسم، حيث نفذت منظمة إيلاف العديد من المشاريع الزراعية في ريفي حماة وإدلب شملت تلك المشاريع حقول القمح والشعير والعدس، وقدرت المساحة المزروعة بـ 5 آلاف دونم بحسب مدير المشاريع في المنظمة عبد الرزاق الجواش، والذي أكد أن جميع المستلزمات الزراعية التي قدمتها المنظمة كانت خاضعة لمراقبة المكتب الزراعي في المنظمة، وتمت مراقبة المشروع بشكل كامل عن طريق جولات مستمرة في الحقول خلال فترات النمو حتى انتهاء الموسم، ناهيك عن تحليل التربة والبذار ضمن مخابر المنظمة، وحصل المزارع في نهاية الموسم على نتائج ممتازة من حيث جودة المحصول وكميته.

يعتمد مزارعو الشمال السوري على ما يتوافر في السوق من بذار وأسمدة ومبيدات حشرية، دون وجود رقابة من مديريات الزراعة والمعابر، أو بدائل محلية تنافس الأنواع الموجودة في الأسواق وهو ما أدى إلى ضعف في الإنتاج وتضرر في المحاصيل، ناهيك عن الآثار التي ستسببها الأنواع السيئة والرديئة من هذه المستلزمات على التربة الزراعية ما سيفقدها كثيراً من خصائصها والعناصر المغذية ويرفع من درجة ملوحة التربة ما سيؤدي إلى تأخر في نمو المحاصيل إن لم يكن انعدام نموها في المستقبل القريب.

النزوح إلى المخيمات والإهمال يزيدان من مأساة سيدات من ذوي الاحتياجات الخاصة

تقدّر “وحدة تنسيق الدعم” التابعة للمعارضة في تقرير أصدرته في نوفمبر / تشرين الثاني الحالي عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في مخيمات محافظة إدلب بما يقارب 1783، لكن تبقى هذه الأرقام غير دقيقة بسبب صعوبة الوصول إلى جميع الحالات، والحظر الذي تفرضه “إدارة شؤون المخيمات” التابعة لـ”حكومة الإنقاذ” على معظم تلك المخيمات.

فرحات أحمد – جابر عويد
تحمل أم موسى (60 عاماً) إبريقاً بلاستيكياً وترافق إحدى بناتها المصابة بمرض وراثي إلى مرحاض بجانب خيمتها، هو عبارة عن قطعة قماشية كبيرة معلقة بوتدين، لا سقف لها ولا جدران ولا مقعد، لتعود وتأخذ أخرى من بناتها الأربع، اللاتي حرمهن المرض  من النطق، وأثقل حركتهن.

“وفدية” أم موسى من قرية الصيادي بريف معرة النعمان الشرقي، نزحت إلى مخيم “المنصور” قرب قرية البردغلي شمالي إدلب، برفقة بناتها الأربع وابن خامس من ذوي الاحتياجات الخاصة أيضاً، بعد أن تقدمت قوات النظام إلى المنطقة مطلع عام 2018، وسيطرت على عشرات القرى والبلدات هناك.

تقول أم موسى إن، النزوح ضاعف من مأساتها ومأساة بناتها، فالخيمة التي حصلت عليها لا تمنع عنهن مطر الشتاء ولا البرد، والطرقات غير معبدة، فمتى ما تساقط المطر أوحلت، وازدادت المعاناة مع الطين، ما يصعّب التنقل حتى بين الخيمة والمرحاض القماشي.

أضطر إلى حمل إحداهن إلى المرحاض أحياناً” تضيف أم موسى، وتشير إلى أنها لا تستطيع الغياب عنهن ولو للحظات، فقد يضعن منها، وإذا ابتعدن عن الخيمة لا يستطعن العودة، فأنا بينهن وبين أخيهن المريض أيضاً، ولا معيل لنا، ونعتمد في حاجياتنا على المساعدات المقدمة للنازحين.

وعن الخدمات المقدّمة، تقول أم موسى إنها، غير كافية، فبناتها بحاجة للعلاج والمستلزمات الخاصة وكل هذا غير متوفر، كما أن وجود كراسي لذوي الاحتياجات الخاصة، ومرحاض مجهّز قد يقلّل من معاناتها ومعاناة الفتيات، وهو أمر طالبت به عشرات المرات على حد قولها، لكن دون مجيب.

قصة أم موسى في النزوح لا تختلف كثيراً عن قصص غيرها من السوريين، غير أن ما زاد معاناتها وجود خمسة من ذوي الاحتياجات الخاصة برفقتها، تؤكّد أن القصف الذي دمّر منزلها في القرية أدى إلى هروب الفتيات الأربع، فسقطن في حفرة مجاورة لها، فأخرجتهن وبدأت مسيرة النزوح بحملهن بالتداور إلى قرية قريبة تدعى “الصقيعة”.

عبد الكريم أبو حمود مدير المخيم الذي تقطن فيه أم موسى يؤكد أن، الوضع مأساوي، فلا خيم مجهزة ولا طرقات ولا مراحيض خاصة، على الرغم من تكرار طلب ذلك من المنظمات الإنسانية، “لكن لا مجيب” على حد قوله.

ويشير “أبو حمود” إلى أن، عدد العائلات في المخيم الذي يديره يتجاوز الـ125، بينهم 13 شخصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، منهم ثماني إناث وخمسة ذكور.

أما سمية محمد شيحان (47 عاماً) من بلدة الشريعة بسهل الغاب في ريف حماة، فهي معيلة لأربعة أطفال، أكبرهم يبلغ 14 عاماً، قطعت إحدى ساقيها بقصف لقوات النظام، وفقدت الحركة في الثانية نتيجة لذات القصف، تقيم في مخيم “الصديق” قرب أطمة شمالي إدلب، اضطّرها الإهمال من قبل المنظمات إلى اختراع “زحّافة” تعينها على الحركة داخل خيمتها.

تقول سمية لم أخرج من الخيمة منذ أكثر من عام، بسبب عدم وجود كرسي متحرك، والأمراض التي تراكمت عليّ بسبب قلة الحركة، ومحيط خيمتي مليء بالحفر، وهذا ما يمنعني من الخروج أيضاً.

أصيبت سمية بطلقة من رشاش “دوشكا” لقوات النظام في حاجز “تل عثمان” شمال غربي حماة قبل سبع سنوات، عندما كانت ذاهبة لشراء “جوارب” و”بنزين” من مدينة حماة، كي تبيعها وتعيل أطفالها، ما أدي لقطع رجلها اليسرى على الفور، ونقلها إلى تركيا للعلاج.

“حاول الأطباء وصل الأوتار والأعصاب التي قطعت، لكن دون جدوى ففقدت الحركة وأصبحت مقعدة لا أستطيع الوقوف منذ ذلك اليوم، وفي الحملة التي شنّتها قوات النظام أخيراً على ريف حماة وبعد أن سيطرت على البلدة، نزحنا إلى ريف إدلب الشمالي، واستقرّ بنا الحال في هذا المخيم” تكمل سمية.

تؤكد سمية أن لجأت إلى العديد من الجهات التي تعنى بشؤون المخيمات، وأنها طالبت بكرسي متحرك ومرحاض مجهّز لذوي الاحتياجات الخاصة، لكنّها لم تجد إلا الوعود.

الوضع المأساوي الذي تعيشه بنات أم موسى وسمية لا يعكس إلا جزءاً بسيطاً من المعاناة التي تعاني منها السيدات من ذوي الاحتياجات الخاصة في المخيمات التي يقدّر عددها بالمئات، وتنتشر على الشريط الحدودي مع تركيا، ما بين منطقة عفرين بريف حلب، ودركوش شمال غربي إدلب.

المصدر وحدة تنسيق الدعم ACU
المصدر وحدة تنسيق الدعم ACU

تقدّر “وحدة تنسيق الدعم” التابعة للمعارضة في تقرير أصدرته في نوفمبر / تشرين الثاني الحالي عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في مخيمات محافظة إدلب بما يقارب 1783، لكن تبقى هذه الأرقام غير دقيقة بسبب صعوبة الوصول إلى جميع الحالات، والحظر الذي تفرضه “إدارة شؤون المخيمات” التابعة لـ”حكومة الإنقاذ” التي تعتبر الجناح السياسي لـ”هيئة تحرير الشام” على معظم تلك المخيمات.

تمَّ إنتاج هذه القصّة الحقوقيّة بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR وصندوق الأمم المتحدة لدعم الديمقراطيّة.

زيادة المساحات المزروعة بعلياً يفقد الشمال السوري أمنه الغذائي (القمح والبطاطا مثالاً)

فريق التحرير

يقدر المهندس الحسين خسارة المزارع في الهكتار الواحد من البطاطا في العام الماضي بنحو مليون ليرة سورية، إذ بيع الكيلو غرام بين (40-45 ليرة). ويرجع الحسين الخسارة وانخفاض السعر إلى زيادة المحصول وعدم استيعابه في السوق المحلية، وغياب الجهات الحكومية لتحديد الأسعار وتركها لسياسة العرض والطلب، خاصة وأن انقطاع الكهرباء أدى إلى توقف معظم “برادات التخزين عن العمل”، وهو ما دفع المزارعين لبيع محصولهم خوفاً من التلف.

 

تناقصت مساحة الأراضي الزراعية المروية خلال العام الحالي لصالح الزراعة البعلية، وذلك لأسباب تتعلق بتوافر مياه الري وزيادة كلفة المحروقات والمستلزمات الزراعية، وغياب آلية محددة لتسويق الإنتاج مع غياب القدرة على التصدير، وانخفاض دعم المنظمات.

نزوح أعداد كبيرة من سكان المناطق الزراعية بفعل الحملة العسكرية الأخيرة لقوات النظام على ريفي إدلب وحماه أدى إلى تخليهم عن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية (معظمها مروية) لصعوبة الوصول إليها، وصلت إلى 170 ألف دونم في ريف حماه كانت تغطي 60% من حاجة السوق المحلي، بحسب غسان عبود (مدير زراعة حماه)، كذلك نحو 200 ألف دونم في أرياف إدلب، ناهيك عن الأراضي المتاخمة والتي هجرها سكانها بسبب قرب المعارك منها، والقصف المتواصل عليها.

 

100 ألف دونم في حماه تحتاج للدعم

يقول عبود إن نحو 100 ألف دونم من الأراضي الزراعية في ريف حماه (من قرية الحويجة جنوباً وحتى قرية القرقور شمالاً) تحتاج إلى الدعم بالمستلزمات الزراعية والري. فالمزارعون لا يملكون القدرة على تغطية تكاليفها مما قد يؤدي إلى تحولهم للزراعة البعلية، أو ترك أراضيهم تجنباً للخسارة، ويكمل العبود أن هذه الأراضي كانت تنتج آلافاً من أطنان القمح والبطاطا، وهما المحصولان الاستراتيجيان في المنطقة، إذ يعتبران المصدر الأهم لغذاء السكان، إضافة لجدواهما الاقتصادية بالنسبة للفلاحين. 

في إدلب الزراعة المروية خسارة للفلاح

يفسرّ المهندس علي الناجي أسباب تراجع الزراعة المروية بعدة أسباب أجملها بـ “قلة مياه مصادر الري بعد توقف عدد من مشاريع الضخ عبر نهر العاصي وارتفاع أسعار المحروقات، وغلاء شبكات الري، إضافة لزيادة كلفة الأراضي المروية عن البعلية سواء من الأسمدة أو البذار أو المستلزمات الأخرى كالفلاحة والمبيدات الحشرية، وضعف التسويق بسبب غياب المؤسسات الحكومية والاعتماد على قانون العرض والطلب الذي يتحكم به التجار، ما أدى إلى بيع المحاصيل بأسعار زهيدة في مواسمها”.

وبحسب المهندس عمر بدوي مدير الإرشاد الزراعي في محافظة إدلب فإن مساحة الأراضي الزراعية المستثمرة سابقاً في المحافظة تبلغ  35٨ألف هكتار، المروي منها نحو ٥٦ ألف هكتار للمحاصيل الزراعية و11 ألف هكتار من الأشجار المثمرة، بينما البعلية للمحاصيل الزراعية 144 ألف هكتاراً، ومثلها للأشجار المثمرة.

ويرى البدوي أن الزراعات المروية تسببت بخسارة للفلاح خلال الأعوام الماضية، ما أدى إلى عزوف قسم من المزارعين عن زراعتها والتحول إلى الزراعة البعلية بكلفة أقل، إذ يقدّر البدوي أن المواسم المروية لم تعد تغطي التكاليف، وفي أفضل الأحوال لا يتجاوز ربح المزارع 15% من قيمة الكلفة.

في ريف حلب تراجع طفيف للزراعات المروية والخسارة على حساب المزارع

يقول المهندس مجد حاج عمر (مدير تجمع التنسيق الزراعي في منطقة إيكاردا) إن الزراعة المروية تراجعت بنسبة 10% في أرياف حلب لصالح البعلية، خاصة وأن المزارع في المنطقة لا يعتمد على الري بشكل كامل، وإنما الري التكميلي بسبب الأمطار التي تغطي قسماً من حاجة الأرض للمياه، كذلك عدم نجاح الزراعة البعلية في المنطقة ما يضطر الفلاح إلى الري أيّاً كانت الكلفة.

المهندس حسن الحسن (مدير زراعة حلب التابعة للحكومة المؤقتة، وأعمالها متوقفة حالياً بعد سيطرة حكومة الإنقاذ على المنطقة) يخالف هذا الرأي، ويرى أن هناك تحولاً نحو الزراعة البعلية من قبل المزارعين، خاصة مع تعرض قسم كبير من معدات الآبار الجوفية للتلف “بسبب القصف”، أو السرقة، إضافة إلى الأسباب الأخرى التي تشترك بها المناطق السورية كافة من غلاء الوقود والأسمدة والمستلزمات الزراعية.

ويحدد الحسن السبب الرئيسي بغياب الإدارة الزراعية المتكاملة لتنسيق الجهود بين الأطراف الفاعلة (منظمات – مؤسسات حكومية)، وضعف التمويل لدى مديريات الزراعة لسدّ جزء من احتياجات المزارعين، وتعويضهم عن الخسارة، ودعم مشاريع الري والتسويق.

زراعة القمح في طريقها للانهيار

يقول المهندس البدوي إن زراعة القمح (المحصول الاستراتيجي الأهم في المنطقة) ستتعرض لـ “دمار كبير” إن لم تعدّل السياسة السعرية ويتم دعم المزارعين لإنتاجه. ويقدر البدوي مساحة الأراضي المزروعة بالقمح المروي في إدلب بـ 31424 هكتاراً، والبعلي بـ 36683 هكتاراً تنتجان وسطياً نحو 188697 طناً، أما في ريف حماه فتبلغ المساحات البعلية للقمح 10 آلاف هكتار، مقابل ألف هكتار مروي، في المناطق التي بقيت تحت سيطرة المعارضة، أما في ريفي حلب (الغربي والجنوبي) فيقدر المهندس الحسين مساحة الأراضي المروية بـ 7145 هكتاراً و5320 هكتاراً تنتج وسطياً 32 ألف طن و19950 طن على الترتيب، معظمها مروية.

الفارق بين القمح المروي والبعلي في الكلفة والإنتاج

تتباين كلفة زراعة القمح في المنطقة بحسب الأرض وحاجتها للمياه والبذار وأسعار الوقود والمبيدات والأسمدة، ويقدر المهندس عمر الراعي كلفة هكتار القمح المروي بـ 400 دولار، مقابل 280 دولاراً للبعلي في إدلب، في حين يرى المهندس البدوي أن الهكتار المخدم جيداً من القمح المروي يحتاج بين (700-750 دولاراً)، وفي حلب يقدر حاج عمر الكلفة بين (1000-1200 دولاراً) للهكتار المروي، و (600 دولاراً) للبعلي، أما المزارعون الذين التقيناهم فقدروا كلفة البعلي بنحو (80-100 دولار)، “غالباً لا تقدم الكميات اللازمة من الأسمدة والمبيدات، ولا يتم الالتزام بمتطلبات الدورة الزراعية من حراثة الأرض..”.

ويبلغ متوسط إنتاج الهكتار من القمح المروي بين (4-5 طن، قد تصل إلى 7 في بعض الأراضي) بينما متوسط إنتاج القمح البعلي (1-3 طن) بحسب عبد الرزاق طالب (مدير دائرة الزراعة بالزربة).

القمح أسعار مختلفة وخسارة الفلاح

يقول البدوي إن حكومة الإنقاذ حددت سعر كيلو غرام القمح في الموسم الماضي بـ (135 ليرة سورية للقمح القاسي و128 ليرة سورية للقمح الطري) يتم استلامها عبر المنافذ التي حددتها وزارة الاقتصاد، في حين حددت حكومة النظام السعر بـ 180 ليرة، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بـ 165 ليرة.

يرى البدوي أن هذا السعر “جائر”، وإن استمرت السياسة السعرية في الموسم القادم على هذا النحو مع غياب الدعم سيعزف المزارعون عن زراعة القمح إلى أصناف أخرى تحقق أرباحاً اقتصادية أفضل، ما سيؤدي إلى “دمار” في المحصول الاستراتيجي.

من جهته يقول الحاج عمر إن مؤسسة إكثار البذار استلمت القمح فقط من المزارعين الذين تعاقدت معهم، وتبلغ مساحة أراضيهم 250 هكتاراً فقط تم دعمها بالكلفة التشغيلية والبذار والأسمدة والري، يكمل العمر إنه لا توجد مؤسسات معتمدة أو صوامع حبوب لتخزين محاصيل القمح، وهو ما يؤثر على سعرها في الأسواق.

ويقول الحسين إن انقطاع الطرق بين المناطق ووجود المعابر الداخلية (بين مناطق النظام والمعارضة وقوات سوريا الديمقراطية، وبين مناطق المعارضة ذاتها)، كذلك الاستيراد عبر تركيا ومنع التصدير ساهم إلى حدّ كبير في زيادة الكلفة، وانخفاض سعر القمح.

مساعد المهندس عمر شحادة (رئيس المكتب الزراعي في الأتارب) يقول إن التجار هم المتحكم الرئيسي بالأسعار، لحاجة المزارعين لبيع منتجاتهم مباشرة بعد الحصاد لتغطية ديونهم، ولعدم وجود الأماكن المخصصة لتخزين المحصول خوفاً من الآفات والحشرات، وكذلك القصف والاستهداف على المنطقة، وبلغ سعر الكيلو غرام في الموسم الماضي بين (100-105 ليرة سورية).

ويضيف شحادة إن سعر بذار القمح يحدده التجار بنحو 200 ليرة، في حين يشترونه عند الموسم بالسعر السابق، وهو ما يشكل فارقاً كبيراً، خاصة وأن حكومة الإنقاذ تفرض رسماً إضافياً على المحاصيل وهو “الزكاة” والتي تبلغ نسبتها 20% من ثمن المحصول.

يقول شحادة إن عدداً كبيراً من المزارعين تخلّوا عن زراعة القمح المروي إلى البعلي، أو الزراعات البديلة، كما أن قسماً منها قام ببيع أرضه إلى أصحاب رؤوس الأموال لتحويلها إلى منشآت سكنية بعد نزوح قسم كبير من أهالي إدلب وحماه إلى المدينة.

يقول المهندس الطالب إن وزارة الاقتصاد في حكومة الإنقاذ حددت سعر القمح في العام 2019، بناء على دراسة تكاليف الإنتاج ووضع هامش ربحي للمزارعين، وهو ما أدى لوقف احتكار التجار للمزارعين، إلّا أن من التقيناهم من الفلاحين، يرون أن هذا السعر لا يتناسب مع الكلفة، ويؤدي إلى خسارة الفلاح، متسائلين عن الجهة التي قامت بدراسة الكلفة، بافتراض الإنتاج الأعظمي (3 طن للهكتار البعلي) سيكون ثمن المحصول 506 دولاراً، أي أقل من الكلفة في حلب بـ 94 دولاراً بحسب المهندس حاج عمر.

أما في المروي فيقول البدوي إنه وفي حال الإنتاج الأعظمي (5 طن للهكتار) سيكون ثمن المحصول 843 دولاراً، وبربح لا يتجاوز 93 دولاراً سنوياً في إدلب، وبخسارة تصل إلى 157 دولار في حلب بحسب الحاج عمر.

المزارعون يؤكدون

المزارع عبد الستار محمد ديب حلاق، من قرية الجينة بريف حلب، يقول إنه زرع في الموسم الماضي سبعة هكتارات من القمح لم تغط كلفتها، ما جعله يتحول إلى الزراعة البعلية وبمحاصيل أخرى غير القمح لهذا العام، بينما يقول أبو مصطفى أن زراعة القمح تناقصت في الجينة من 500 إلى 150 هكتاراً، ويتوقع في ظل الظروف الحالية أن تتراجع المساحات بشكل أكبر، فـ “زراعة القمح خاسرة للفلاح أياً كان الإنتاج”، إن لم يتم دعمها وتحسين أسعارها.

بينما تخلّى المزارع زياد حلاق عن زراعة أرضه نهائياً، يقول إنه “لا يمتلك مصاريف الزراعة في انتظار الخسارة آخر الموسم”.

البطاطا في المرتبة الثانية من الخسارة

يقدر المهندس الحسين خسارة المزارع في الهكتار الواحد من البطاطا في العام الماضي بنحو مليون ليرة سورية، إذ بيع الكيلو غرام بين (40-45 ليرة). ويرجع الحسين الخسارة وانخفاض السعر إلى زيادة المحصول وعدم استيعابه في السوق المحلية، وغياب الجهات الحكومية لتحديد الأسعار وتركها لسياسة العرض والطلب، خاصة وأن انقطاع الكهرباء أدى إلى توقف معظم “برادات التخزين عن العمل”، وهو ما دفع المزارعين لبيع محصولهم خوفاً من التلف.

يقول المزارع صالح السعيد إن سعر الطن من البطاطا لم يتجاوز 80 دولاراً، مقدراً كمية انتاج الهكتار وسطياً بـ (17 طن)، أي (1360 دولاراً) بينما تزيد كلفة زراعة الهكتار عن (3000 دولاراً).

ويضيف السعيد أن سعر طن البطاطا في العام السابق بلغ نحو (210 دولار)، وفي العام 2017 وصل إلى (240 دولاراً)، وذلك بسبب الطرق التي كانت مفتوحة تجاه المحافظات الأخرى، وإلى تركيا، إضافة لتفاوت سعر الدولار، وهو ما دفع التجار لشراء كافة الإنتاج، في حين شهد العام الحالي زيادة في المحصول وضعفاً في التصريف ما أدى إلى بيع المنتج للتجار في السوق المحلي، والذين سيطرحونه في الشتاء بأسعار مرتفعة.

التاجر أبو أحمد من مدينة أريحا قال إن كلفة التخزين الباهظة وغياب التصدير أدى إلى فرض السعر المنخفض في الأسواق، مؤكداً أن برادات التخزين تحتاج نحو ألف دولار شهرياً كمصاريف تشغيلية، وهو ما سيؤدي حتى في حال ارتفعت الأسعار إلى خسارتهم.

من الممكن أن نقارن كل المحاصيل المروية في الشمال السوري بالمثالين السابقين، بحسب المهندس الزراعي محمد الموسى، باستثناء بعض الأصناف العطرية والبهارية كـ “الكزبرة والكمون واليانسون والحبة السوداء”، إلّا أنها لا تحقق أمناً غذائياً مقابل القمح والبطاطا والخضراوات، ما سيؤدي إلى ارتفاع أثمان الأخيرة في الأعوام القادمة لتشكل عبئاً على السكان والمؤسسات الحكومية، وزيادة مساحة الأراضي البعلية بإنتاجها القليل الذي لن يكفي لسد الاحتياجات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أكثر من أربعة ملايين إنسان في المنطقة.

هذه ليست صحافة

فريق التحرير

. يقول أحمد إنه لن يضيف روابط عمله إلى بطاقته التعريفية، سيكتب صحفي يمتلك علاقات واسعة مع المسؤولين والمنظمات الإنسانية في الداخل، يجيد البحث في المصادر المفتوحة ولديه دليل هاتفي يضم أكثر من ألف رقم لأشخاص في مناطق مختلفة من الممكن الاعتماد عليهم كشاهد عيان ومحلل سياسي وإحصائي في آن معاً.

يبحث أحمد في أرشيفه عن روابط لبعض مواده المنشورة في المواقع الإلكترونية لإضافتها إلى بطاقته التعريفية، يقول إنه تفاجأ بأنه يحمل خمسة أسماء مستعارة، إضافة لأسماء نسيها بمرور الوقت كذلك ما ينشر تحت اسم الموقع نفسه، بعض هذه المواقع أغلقت وبات من المستحيل الحصول على تأكيد بملكيته لهذه المواد.

يحاول كثر من الإعلاميين تطبيق ما تعلموه نظرياً لكتابة موادهم، يقول من تحدثنا معهم إن صياغة المواد بالطريقة المناسبة يصطدم دائماً بامتناع المؤسسات المدنية والحكومية والمنظمات عن تزويدهم بالمعلومات اللازمة، ما يضطرهم للتحايل على الموضوع بالاعتماد على الشهود والناشطين والمصادر المفتوحة، وأحياناً التخلي عن فكرة المادة بالكامل لضعف المعلومات وصعوبة التأكد منها.

يتفاجأ الإعلاميين بتصريحات لمنظمات أو مؤسسات كانت سابقاً قد اعتذرت أو رفضت تزويدهم بالمعلومات ذاتها، يقول من التقيناهم إن الأمر يتبع لـ “حجم وأهمية الموقع” من جهة، ولعلاقات شخصية من ناحية أخرى.

كل تلك المعوقات يضاف إليها العمل في بيئة خطرة والخوف من التهديد والاعتقال عند الاقتراب من بعض الموضوعات الحساسة في ظل غياب أي جهة تحمي الصحفيين وتنظم عملهم.
المصادر المفتوحة مصدر المعلومات الرئيس لدى الصحفيين

لا توجد إحصائية دقيقة للعاملين في المجال الإعلامي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بعضهم يقدر الأعداد بالمئات، كما لا توجد جهة مسؤولة لضمهم ضمن كيان واحد وفق شروط واضحة، وعند البحث في المصادر المفتوحة تسدَ في طريقك الأبواب جميعها من خلال ما تخلقه الفوضى الإعلامية وتضارب الأرقام، يقول الصحفي محمد الذي وصل إلى خمسة أرقام متباينة، كلها “غير صحيحة” بوجهة نظره، وتكتفي بالأرقام التقريبية.

صعوبة الحصول على المعلومات من مصادرها الرئيسية أو عدم وجود مثل هذه الإحصائيات في الأصل يدفع الصحفي للبحث في المصادر المفتوحة لإغناء المادة الصحفية التي يعمل عليها، وتظهر هذه المشكلة بشكل واضح عند تغطية المواضيع التي تختص بالمعارك أو الفصائل العسكرية، إذ يعتبر الحصول على تصريح رسمي شبه مستحيل في هذه الحالة، ما يدفع الصحفي للبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومة من ناشطين أو إعلاميين من المنطقة أو مقربين من الفصائل، وهو ما يفسر تشابه المواد الصحفية عن حدث معين لدرجة كبيرة تشبه “القص واللصق”، دون إمكانية التأكد من صحتها، ما يؤدي إلي ملل القارئ من جهة، ووقوع الصحفي في الخطأ في كثير من الأحيان.
يقول إبراهيم وهو صحفي يعمل في مدينة إدلب “نتعرض لمواقف مشابهة في كثير من الحوادث مثل حالات القصف وانفجار العبوات الناسفة وغيرها من الحوادث، إذ يستحيل الحصول على تصريح رسمي لمثل هذه الأخبار وإن وصل التصريح فسيصل في وقت متأخر ما يقلل من قيمة الخبر”.
لجأ إبراهيم للناشطين المحليين أو شهود العيان، في كثير من الحوادث “الأمر الذي عرض عمله للخطأ عدة مرات” بحسب قوله، إلا أنه ما يزال يعتمد الطريقة نفسها لغياب البديل.

ويقول الصحفي محمد إن المصادر المفتوحة توقعك بالحيرة، خاصة في الساعات الأولى من الحدث، ويضرب مثالاً عن عدد الضحايا في حادثة استهداف مخيم قاح الأخير، فقد وثق عن عشر مواقع أعداداً متباينة كلها قالت إنها حصلت على الأعداد من جهات رسمية، أو نسبتها لمؤسسات من المفترض أنها تملك الإحصائيات الدقيقة، وبالعودة إلى صفحات هذه المواقع تبين إنها اعتمدت رقماً واحداً ليتساءل محمد عن مصدر هذه الأرقام المكتوبة في التقارير الإخبارية؟

ويرى محمد إنه ومن الضروري الاستئناس بالمصادر المفتوحة، دون الاعتماد عليها بشكل رئيسي، إلا أن من التقيناهم قالوا إن البديل غير متاح، وغالباً ما تنشر المؤسسات المعنية بحادثة معينة تقريرها بعد يوم وأحياناً بعد يومين أو أكثر، وهو ما يفقد الخبر أهميته، كذلك هناك بعض المؤسسات المعنية التي لا تتعاطى مع الخبر مطلقاً وكأن الأمر لا يعنيها!
المصادر المغلقة عقبة كبيرة بوجه الصحفيين
ترفض الكثير من الجهات الرسمية منح المعلومات المطلوبة والتفاصيل الرسمية لأسباب عدة قد يكون بعضها أمنياً وقد يكون الآخر متعلقاً بالمنظمة الداعمة والتي ترفض نشر أي شيء يخصها إلا عن طريق مكاتبها الإعلامية، في حين يسيطر الروتين والتراتبية المؤسساتية على عمل الكثير من المؤسسات، ما يعطل عمل الصحفي في كثير من الأوقات أو يسبب تأخراً في إنجازه.

مرّ الصحفي خالد بتجارب كثيرة كان الروتين المؤسساتي سبباً في توقف وتأخير عدد من التحقيقات، يقول أنه حاول منذ أشهر إنجاز تحقيق يتعلق بالجامعة والطلبة واحتاج لإحصائية عن أعداد الطلاب في إحدى المجالات واختصاصاتهم، وهي معلومة بسيطة ومتوفرة لدى أي موظف في الجامعة، إلا أنه أمضى ثلاثة أيام متنقلاً بين الموظفين حتى وصل للمصدر المطلوب والذي طلب منه الانتظار لأيام إضافية، قبل أن يخبره بضرورة مراجعة المكتب الإعلامي للحصول على المعلومات بشكل حصري، وبسبب استحالة سفر خالد إلى الجامعة تعطل عمل التحقيق وقرر إلغاءه.
من جانبه يرى الناشط الإعلامي إبراهيم أن بعض المؤسسات الخدمية تتعامل مع الصحافة بشكل جيد في المواضيع المتعلقة بتسليط الضوء على عمل المؤسسة وأهميتها بهدف الحصول على الدعم المطلوب لاستمرار عملها، أو بحملات المناصرة التي تقوم بها بهدف إعادة وصول الدعم إلى المؤسسة. ويقدمون كافة التسهيلات لعمل الصحفي، لكن بعد انتهاء الحملة والحصول على الدعم المطلوب تعود معاناة الصحفي من جديد، ويضطر للانتظار لعدة أيام للحصول على أي تصريح أو تعقيب على حادثة ما.
وعن دور المكاتب الإعلامية الموجودة ضمن المديريات في تسهيل عمل الصحافة يقول إبراهيم “كافة المؤسسات لديها مكاتب إعلامية ومن المفروض أن نحصل على المعلومة التي نريد عبر التواصل مع هذه المكاتب، لكن غالبية هذه المكاتب موجودة شكلياً، ويقتصر عملها على نشر البيانات الرسمية وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي وقد لا يملك المسؤول عنها حرية منح التصاريح إلا بعد مراجعة الإدارة، الأمر الذي يدفع الكثير من الصحفيين للتواصل مع الإدارات بشكل مباشر اختصاراً للوقت”.
ويرى بعض الصحفيين الذين التقيناهم أن غياب الفكر الإداري والعمل المؤسساتي الحقيقي انعكس بدوره على عمل الصحفي،
حيث تجهل الكثير من المؤسسات الثورية أن من واجبها التعامل مع الصحافة بشفافية ودون حواجز وأن من حق الصحفي الحصول على المعلومات التي يطلبها لاسيما إن كانت تلك المعلومات تصب بالصالح العام وستجلب نفعاً للمجتمع.
يقول إبراهيم: “كل المؤسسات والمنظمات ترحب بك في حالك أنجزت تقريراً أو عملا يوضح أهمية تلك المؤسسة ومنجزاتها، لكن عند تسليط الضوء على أي خلل أو فساد في مؤسسة ما، يصبح الصحفي موضع إتهام وفي كثير من الأحيان يقطع التعامل معه الأمر الذي يدفع الصحفي لاستعمال أسماء وهمية في المواضيع الحساسة والتي تلامس نقاط الخلل والفساد حفاظاً على مصادره”.

بينما يرى آخرون إن المؤسسات الحكومية لا تمتلك المعلومة بالأصل، ليس هناك إحصائيات جديدة في الدوائر الخدمية أو أرشفة للكثير من الأحداث، وهو ما يمنعهم من التعاون الذي سيظهر ضعف عملهم، والأخطاء الكبيرة فيه، إضافة لخوف المسؤولين من المحاسبة في حال إدلائهم بمعلومات تزعج السلطات في المنطقة، أما بخصوص المنظمات فالأمر مختلف، يرى من التقيناهم إن الأمر شخصي ويتعلق بالشخص المسؤول ومزاجيته، هو يعتقد بأن معلوماته تخص المنظمة فقط والتعتيم عليها، بحسب من التقيناهم، لا يتم من خلال أوامر من المنظمة الأم، فمعظم عملهم يتعلق بالأمور الإنسانية والخدمية فلماذا سيتم إخفاؤه؟

يقول الصحفي محمد إن من يملك المعلومات يفاضل بين الصحفيين ويختار الأشخاص الذين من الممكن التعاون معهم، يتجنب بذلك المواقع المحلية ويتجه نحو القنوات التلفزيونية أو الصحف الأجنبية، والتي سيتفاخر بوجود اسمه فيها. يكمل محمد “كلمة السر اليوم هي الأسماء الشهيرة آما المواقع المحلية فغالباً ما يتم تجاهل رسائلها أو استقبالها”.

بعض من التقيناهم قالوا إنه تم تجاهل طلباتهم عبر الواتس آب آو الإيميل، “ما يزعجك حقاً عدم الرد، هو يستلم الرسائل ولا يرد عليها حتى بالرفض”، وأحياناً يتم رفض الطلب بحجة “أمنية” لتتفاجأ بالمعلومات وقد انتشرت عبر موقع عالمي أو تلفزيوني ومن ذات المصدر.

بعض المصادر تبيع معلوماتها أيضاً، فالصحفي سيتقاضى آلاف الدولارات عن مادته الصحفية! يقول الصحفي عدنان “مضروبين بحجر كبير”، ودائماً ما تبدأ معاناتي عند محاولة الوصول إلى المعلومات، بعضهم يلمح لسوء الأحوال الاقتصادية التي يعيشونها في إشارة يفهم منها “عليك أن تدفع للحصول على المعلومة”.
التراتبية والروتين تقتل الحوار الصحفي مع المؤسسات
تمتنع كافة المؤسسات والمديريات التابعة لحكومة الإنقاذ من منح أي معلومة أو تصريح صحفي إلا عن طريق مديرية الإعلام التابعة للحكومة، إذ ينبغي على الصحفي مراسلة مديرية الإعلام وتزويدها بالأسئلة التي يرغب بالوصول إلى إجاباتها وتعمل المديرية بدورها على التواصل مع المصدر المسؤول والحصول على الإجابات المطلوبة، ثم ترسلها للصحفي.
تلك التراتبية تؤخر عمل الصحافة وتسلب روح الحوار من كثير من الموضوعات، بحسب مؤيد والذي يعاني بشكل مستمر من التأخر في ردود المديرية نظراً لأعداد الصحفيين الكبيرة التي تتواصل مع المديرية بشكل يومي بهدف الحصول على تصاريحهم، ناهيك عن تأخر المصادر في الرد على المديرية ما يفرض عليه الانتظار لوقت إضافي.
يقول مؤيد “في كثير من الأحيان تصل الأجوبة مقتضبة، وقد تهمش بعض الأسئلة التي تكون جوهرية بالنسبة لعملي، ولو كان الحوار مباشراً مع المصدر لتمكنت من الوصول إلى ما أريد بشكل أكبر وزمن أقل”.

الأجوبة تخضع للرقابة، وهو ما يمنع الصحفي من محاولة الكشف عن الأخطاء، لأن ذلك سيعرضه للخطر بكل تأكيد، وسيعرف اسمه ومكان عمله، كذلك سيمتنع المصدر عن الإدلاء بأي معلومة عن خلل في دائرته خوفاً من المحاسبة، وفي حال وافق المصدر سيتم إقتطاع أجوبته من قبل المكتب الذي سيقدم لك ما يريد، لا ما أنت بحاجة إليه.
بدورها عملت مديرية الإعلام على منح تصاريح إعلامية مؤقتة وبطاقات صحفية تسمح للإعلامي بالعمل ضمن المحافظة، لكن تلك البطاقات لم تقدم الفائدة المرجوة منها للصحفيين الذين حصلوا عليها، ولطالما واجهتهم العراقيل أثناء تنقلهم وعملهم الصحفي.
تعرض سعيد وهو صحفي لمشكلة في أحد المخيمات أثناء محاولته تصوير تقرير عن معاناة سكان المخيم، حيث لم يعترف القائمون على المخيم بالبطاقة الصحفية، وتم منعه من التصوير.
بينما يرى سعيد أن البطاقة تمنح الصحفي بعض الحرية في التصوير في المناطق العامة والطرقات، دون أن يتعرض لمساءلة من الجهات الأمنية.
العلاقات الشخصية نواة العمل الصحفي في إدلب
يواجه الصحفيون صعوبة كبيرة في الحصول على بعض المعلومات والإحصاءات التي تغني التحقيق الذي ينجز، بسبب رفض المصدر المسؤول منح تلك المعلومات، أو بسبب افتقار المؤسسة نفسها للإحصاء المطلوب، وفي كثير من الأحيان لا تقر المؤسسة بعدم وجود الإحصائيات لأن الاعتراف سيكشف الهيكلية الهشة للكثير من المؤسسات التي لا تملك الكوادر اللازمة لتسيير عمل المؤسسة.
يقول الصحفي سامر إنه دائماً يستطيع الوصول إلى المعلومات عن طريق معارفه وأصحابه العاملين في المؤسسات الرسمية، بسبب صعوبة الوصول إليها عن طريق المصادر المختصة، والتي تجهل حقيقة آلية التعامل مع الصحفي وحقه في الوصول إلى المعلومة التي تغني الموضوع الذي يتناوله.
ويضيف سامر” لطالما كانت عقبة الحصول على التصريح من أصعب العقبات التي تعترضني، رغم كونها من الأمور الروتينية في عالم الصحافة ويجب أن تكون متاحة لأي صحفي بشكل كبير وخاصة في المواضيع الخدمية والتي تلامس حياة الناس بشكل مباشر”.
تلعب شبكة العلاقات العامة التي يملكها الصحفي دوراً كبيراً في تسهيل عمله، بالإضافة للجهة التي يعمل بها، في حين لا توجد معايير ثابته للتعامل مع الصحفيين، وتخضع آلية العمل للمعرفة المسبقة أو للمزاجية التي تتحكم بالمصدر الذي نحاول الوصول إلى المعلومة عن طريقه.
يضيف سامر:”قد أحصل على معلومة أو إحصائية ما بغضون خمس دقائق عبر مكالمة هاتفية، في حين يتكبد صحفي آخر متاعب السفر والمراسلات لعدة أيام قبل الحصول عليها”، وهذه المعضلة من أهم المشاكل التي تعيق عمل الصحافة وتؤخر طرح العديد من التحقيقات التي تلامس حياة الناس بشكل مباشر وتقدم لهم خدمة إضافية عبر تسليط الضوء على معاناتهم.
يتفق جميع من التقيناهم على أن غياب الجسم الإعلامي الموحد ساهم بشكل حقيقي في ضياع حقوق الصحفيين وتعرض الكثير منهم للمتاعب والانتهاكات نتيجة غياب أي جهة تدافع عنهم أو ترعى مصالحهم، رغم تشكيل عدة كيانات صحفية لكن لم يكتب لها النجاح والاستمرار، بسبب غياب تبنيها أو دعمها من الجهات الرسمية. يقول أحمد إنه لن يضيف روابط عمله إلى بطاقته التعريفية، سيكتب صحفي يمتلك علاقات واسعة مع المسؤولين والمنظمات الإنسانية في الداخل، يجيد البحث في المصادر المفتوحة ولديه دليل هاتفي يضم أكثر من ألف رقم لأشخاص في مناطق مختلفة من الممكن الاعتماد عليهم كشاهد عيان ومحلل سياسي وإحصائي في آن معاً.

رغيف الخبز “المنتهك” في إدلب

 محمود البكور

ولرغيف الخبز “العمود الفقري للأمن الغذائي في المنطقة” قصته التي تعطي دلالة واضحة عن حياة المواطن السوري الذي يعيش تحت خط الفقر، والتجاذبات السياسية والاقتصادية التي يعيشها في ظل القوى المسيطرة وتبدلها، ودعم المنظمات الإنسانية وتوقفه، يوضح ذلك التسلسل الزمني لما مرَ به رغيف الخبز من وزن وسعر خلال السنتين الماضيتين.
منذ عام ٢٠١٧ وحتى بداية عام ٢٠١٨ استقر سعر ربطة الخبز التي تزن ١٤٠٠ غراماً عند ١٥٠ ليرة، حينها كانت أغلب الأفران مدعومة من المنظمات الإنسانية، خاصة منظمة ihh التركية، والتي كانت تزود المجالس المحلية بمادتي الطحين والخميرة لإنتاج الخبز، قبل أن يتراجع الدعم تدريجياً منذ الشهر الأول من عام ٢٠١٨ ليصبح وزن ربطة الخبز ١٠٠٠ غرام بسعر ١٧٥ ليرة حتى بداية العام ٢٠١٩.
ومع تسلم وزارة الاقتصاد في حكومة الإنقاذ مسؤوليتها عن دعم الأفران في محافظة إدلب ارتفع سعر ربطة الخبز وقلَ وزنها ليصل إلى ٩٥٠ غرام بسعر ٢٠٠ ليرة، إلى أن صدر القرار الأخير في السادس عشر من تشرين الثاني الحالي بتخفيض وزن ربطة الخبز إلى ٧٠٠ غرام مع المحافظة على السعر نفسه

طُبق منذ أيام قرار حكومة الإنقاذ القاضي بتخفيض وزن ربطة الخبز في جميع الأفران العامة والخاصة في المحافظة بمقدار ٢٥٠ غرام، ليصبح وزن ربطة الخبز ٧٠٠غراماً بدلاً من ٩٥٠ غراماً مع المحافظة على سعرها البالغ مئتي ليرة، تحت طائلة العقوبة لمن يخالف تنفيذ القرار والتي تصل حدَ إغلاق الفرن خاصته.
ولرغيف الخبز “العمود الفقري للأمن الغذائي في المنطقة” قصته التي تعطي دلالة واضحة عن حياة المواطن السوري الذي يعيش تحت خط الفقر، والتجاذبات السياسية والاقتصادية التي يعيشها في ظل القوى المسيطرة وتبدلها، ودعم المنظمات الإنسانية وتوقفه، يوضح ذلك التسلسل الزمني لما مرَ به رغيف الخبز من وزن وسعر خلال السنتين الماضيتين.
منذ عام ٢٠١٧ وحتى بداية عام ٢٠١٨ استقر سعر ربطة الخبز التي تزن ١٤٠٠ غراماً عند ١٥٠ ليرة، حينها كانت أغلب الأفران مدعومة من المنظمات الإنسانية، خاصة منظمة ihh التركية، والتي كانت تزود المجالس المحلية بمادتي الطحين والخميرة لإنتاج الخبز، قبل أن يتراجع الدعم تدريجياً منذ الشهر الأول من عام ٢٠١٨ ليصبح وزن ربطة الخبز ١٠٠٠ غرام بسعر ١٧٥ ليرة حتى بداية العام ٢٠١٩.
ومع تسلم وزارة الاقتصاد في حكومة الإنقاذ مسؤوليتها عن دعم الأفران في محافظة إدلب ارتفع سعر ربطة الخبز وقلَ وزنها ليصل إلى ٩٥٠ غرام بسعر ٢٠٠ ليرة، إلى أن صدر القرار الأخير في السادس عشر من تشرين الثاني الحالي بتخفيض وزن ربطة الخبز إلى ٧٠٠ غرام مع المحافظة على السعر نفسه.


القرار الأخير دفع الأهالي لرفض الضرائب المفروضة من قبل حكومة الإنقاذ، واصفين الحكومة بـ “التضييق على المواطنين في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الأهالي، وذلك من خلال فرض ضرائب جديدة في كل مرة وتخفيض الخدمات المقدمة، كذلك الغرامات المالية الكبيرة على مخالفي تنفيذ هذه القرارات”، بحسب من التقيناهم والذين وصفوا قرار تخفيض وزن ربطة الخبز بـ “الجائر” الذي سيزيد عبء الحياة على أربعة ملايين شخص يسكنون المنطقة، عدد كبير منهم من المهجرين قسراً والنازحين.
أبو محمد صاحب أحد الأفران الخاصة في إدلب قال إن هذا القرار جاء كـ “ضريبة جديدة غير مباشرة تفرضها حكومة الإنقاذ على جميع الأهالي”، في ظل ارتفاع الأسعار، وعدم توفر الدعم من المنظمات التي كانت سابقاً تساهم في دعم الأفران العامة لتساعد المواطن في الحصول على ربطة الخبز بسعر مناسب.
وأجبر القرار الأفران الخاصة والعامة على تطبيق القرار تحت طائلة المساءلة، وهو ما سيؤدي إلى تدني جودة الرغيف المقدم للمواطن، ويزيد من حجم المعاناة الموجودة تلقائياً في المحافظة من الارتفاع الكبير لمادة المحروقات والمواد الأساسية أيضاً، خاصة مع ارتباط السلع التي يتم تداولها بين التجار بسعر الدولار وهو ما يفرض أعباء كبيرة جداً على المواطن مع وصول سعر صرف الدولار لنحو ٧٥٠ ليرة سورية.
ويكمل أبو أحمد أن الفرن الآلي ينتج نحو ١٢٨٠٠ ربطة خبز يومياً، فيما تنتج باقي الأفران بين (٤٠٠٠-٨٠٠٠) ربطة، ومع تخفيض الوزن فإن هذه الأفران ستعمل بطاقة إنتاجية أكبر لتعويض النقص، وهو ما يعني زيادة في التكاليف على الأفران من المحروقات واليد العاملة، وسينعكس سلباً على حياة المواطن، إذ تحتاج عائلة مكونة من ست أشخاص إلى أربع ربطات من الخبز يومياً بزيادة سعرية تصل إلى ٢٥٪ عما كانت تحتاجه قبل القرار الأخير.
المواطن يدفع الثمن
أبو يوسف أحد الأهالي من مدينة إدلب قال إنه يحتاج يومياً إلى ثلاث ربطات من الخبز يتمكن بها من سد حاجة عائلته المؤلفة من ستة أشخاص، وذلك بعد أن يقوم بالوقوف لساعات طويلة في الصباح وانتظار دوره للحصول على مادة الخبز، أو أنه سينتظر حتى ساعات بعد الظهر للحصول على مادة الخبز من البقالية المجاورة لمنزله ويكون الخبز قد فقد جودته لعدم وصوله بشكل سريع إلى البائع.
ويضيف أبو يوسف أن سعر ربطة الخبز البالغ 200 ليرة سورية لا يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية ودخله اليومي، فقرار خفض وزن ربطة الخبز، وإبقاء سعرها على وضعه الحالي سبب في زيادة الأعباء المادية، إذ ينفق أبو يوسف حالياً نحو ٢٤ ألف ليرة شهرياً على مادة الخبز، وهو ما يعادل ثلث متوسط دخل الفرد في المنطقة.
ويتابع أبو يوسف أن كل شيء بات مرهوناً بسعر صرف الدولار، فسعر برميل المازوت اقترب من مئتي دولار بعد أن كان حتى وقت قريب لا يتجاوز مئة دولار، الأمر نفسه ينسحب على المواد الغذائية والتنظيف والكهرباء والمياه، دون أن تتدخل حكومة الإنقاذ بالتخفيف عن المواطن، بل على العكس انحصر عملها في فرض الضرائب غير المناسبة لظروف السكان، ودون دراسة لأحوالهم.
مظاهرات شعبية احتجاجاً على قرارات حكومة الانقاذ
شهدت إدلب المدينة ومعرة النعمان ومدينة سراقب ومدينة سلقين والمخيمات الحدودية مع تركيا مظاهرات لمواطنين نددوا بفرض الضرائب من قبل حكومة الإنقاذ وآخرها تخفيض وزن ربطة الخبز، الأمر الذي دفع الأهالي للاحتجاج على هذا القرار الذي يمس قوت المواطن اليومي، إضافة لارتفاع أسعار المحروقات مع قدوم فصل الشتاء.
الناشط الإعلامي محمد أبو وليد يقول إن خروج الأهالي بمظاهرات على ما تقوم به حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام جاء احتجاجاً على ما تفرضه الأخيرة من ضرائب على الخبز وتخفيض ساعات الاشتراك المنزلي لمولدات الكهربائية ليصل إلى 3 ساعات يومياً مقابل رفع سعر الأمبير الواحد ليصل إلى 3500 ليرة سورية، (ارتفع 500 ليرة سورية وتم تخفيض ساعة عمل كاملة من عمل مولدات الكهرباء)، وعدم التدخل للحد من ارتفاع الأسعار واحتكار بعض التجار للمواد الغذائية، كذلك ضعف الخدمات وسوئها كالطرقات والحدائق.
يبقى رغيف الخبز هاجس المواطن الأول واستمرار التدخل والتلاعب بأسعاره سيفتح الباب أمام احتجاجات كبيرة لن تقف عند حدود استقالة الحكومة، كما حدث منذ أيام، خاصة مع قلة فرص العمل والظروف الأمنية السيئة والقصف والدمار الذي تشهده المنطقة منذ نحو ستة أشهر.