حقول التفاح التي لم نستطع حملها معنا، ذلك أن الجذور لا تعيش بعيداً عن تربتها احتجت بطريقة أخرى، لم يعد يعنيها البقاء مع كل هذا الجراد الأسدي الذي اغتصب وجودها
مرَ أمامي مشهد البقاء كغريزة احتفظت بها منذ ثلاث سنوات دون إفراغها على الورق. الرجال الباحثون عن مكان يستر عجزهم أمام نسائهم اللاتي حملن ما وقعت عليه أيديهن كيفما اتفق، ليتركن مكاناً واسعاً لحلم أطفالهن من قسوة “كوانين الباردة” أجبرني على استحضار مشهد حاولت كثيراً ألا أعبث به، كنت أريده ميراثاً لوجع دائم سأورثه لأطفالي عندما تخونهم الذاكرة. الحقائب المغبرة وبقايا الأثاث المنزلي حظ النساء في اللجوء، أما الدموع فكانت رفاهية تنهمر دون إذن من أحد وتلتقطها يد افتقرت للدفء واستعاضت عنه بزيت الزيتون سمة النزوح الأخير ولونه.
قبل ست سنوات التقى القصف والنزوح ليكمل سيرة البرد والجوع خلال الرحلة التي عشتها ومن هُجر معي من القلمون الغربي، كانت المسافة إلى وادي بردى وجهتنا الجديدة تقاس بالزمن بعد أن أصبحت الجغرافيا لا تقاس بالشوارع بل بالحواجز، الزمن نصف ساعة والمسافة بعيدة جداً، بعيدة كحلم محمول في شاحنة هاربة، وخذلان يعتلي الوجوه السائرة بغير وجهة، والخيبات التي تنهار أمام برودة مفتاح البيت في جيب أم أبت إلا أن تغلق تفاصيلها أمام القادمين الجدد، كل ذلك الألم كان ينهار أمام كلمتين تحولتا إلى لازمة “يومين ومنرجع”.
حقول التفاح التي لم نستطع حملها معنا، ذلك أن الجذور لا تعيش بعيداً عن تربتها احتجت بطريقة أخرى، لم يعد يعنيها البقاء مع كل هذا الجراد الأسدي الذي اغتصب وجودها.
مياه عين الفيجة خففت حدة المرارة في حلوقنا، ثلاث سنوات قضيناها بجانبها، كان تفاح وادي بردى يستقبلنا هو الآخر، بتنا نعرف أصحابه وترابه، حفظنا الشوارع المؤدية إليه قبل أن نتركه وحيداً هذه المرة نحو الشمال السوري، النزوح تحول إلى تهجير، والحقيبة الصغيرة اتسعت، ومفاتيح المنازل سقطت مع مياه الفيجة، قلنا “نرميها ونستعير الأمنيات”.
البقاء هو ما كان يشغل سكان القرى الوادعة على كتف بردى، والتهجير أصبح منحة لا محنة لارتباطه بالنجاة، وجوه شاحبة ملأت الساحات، نساء اتشحن بالقهر يمسكن أيدي أطفالهن المرتجفة بقسوة كيلا تتوه في الزحام.
لا نهرب من الموت قالت واحدة من الأمهات اللاتي ما زالت عبارتها ترن في أذني كلما تشابهت الصور أو تطابقت، “الموت لا يخيفنا، هو شريك اعتدنا الحياة بقربه، ما يشغلنا حقاً هو النجاة”، وأشارت بيدها إلى طفلها الذي رجت له إكمال عقد الطفولة في بيت دافئ ومدرسة وألعاب، دون دم وصور أشلاء وقذائف.
لحظة وداع المنازل كانت قاسية على الجميع، أُنسنت الحجارة وعانقها أصحابها، ملؤوا ذاكرتهم بصور دمارها، تنفسوا رائحتها ثم لوحوا لها من بعيد.
في إدلب وجهة النازحين والمهجرين يتكرر المشهد دائماً، من نافذة منزلي كنت أشاهد أرتال السيارات تملأ الطرقات، تكدس الأطفال والنساء في صناديقها رفقة بعض الأثاث والحقائب، لا يمكن لشاحنة أن تنقل مدينة قلت في نفسي وأنا أراقب أنين الشاحنات تحت حمل الأمتعة، صوت آخر رافقني ليقول “كذلك قبور الشهداء لا يمكن نقلها، ولا رائحة الأسواق والشوارع”.
لست بحاجة إلى هاتفي الجوال لأعيش ما يحدث في منفانا الجديد، كل شيء كان واضحاً، كنت أستطيع قراءة حالة الذهول في وجه الرجال الهائمين في الطرقات بحثاً عن مأوى، وأفهم نظرة سيدة تجلس معاكسة وجهها لأمتعتها كي لا تمارس عادتها في تذكر التفاصيل، الأطفال الذين يحضنون بقايا ألعابهم ويغيبون تحت أغطية تقيهم برد الصناديق المفتوحة، على جوانب الشاحنات نسقت النساء أصص الزرع، قلت مرة أخرى في نفسي “لا تترك النساء أناقتهن”، يرافقني صوت آخر “كذلك البكاء رفيق دربهن”.
يعبث مشهد النزوح الجديد بذاكرتي/نا، لا يسمح لنا مجدداً بتأجيل الحزن، يريده كبيراً بحجم الألم والقهر ودعاء العجائز وشتائمهن، يريد لجرحنا أن يستمر بالنزف، ذلك أن العلاقة بين النسيان والتفاح لا يمكن أن تمرَ دون الوقوف على شجر الزيتون، عمر التفاح قصير قلت في نفسي وأنا أتخيل كيف يمكن للزيتون أن يحيا دون أصحابه حزيناً وليناً.
لم تكن آثار النزوح حكراً على الوافدين الجدد، في كل مرة كانت شاحنة تمر في شوارع المدينة كانت آلاف الصور والمشاهد تقفز في ذاكرتي/نا، للمنازل القديمة، البساتين التي يصعب اليوم استعادة مشهديتها، القبور التي ودعناها دون “فاتحة”، عناوين الأخبار المتصدرة على القنوات والتي تحمل أسماءنا وتجلدنا، ضحايانا الذين تحولوا إلى أرقام يصعب الوصول إلى أسمائها من جديد، الإحصائيات وقلق الأمم المتحدة، فرشات الإسفنج والأغطية والسلال الإغاثية والخيم والشوادر الزرقاء، الأوطان الجديدة المغموسة بالطين، والكاميرات التي تنتظر دموع طفل أو امرأة ببرودة الزاوية الصحفية، وحرارة من يريد للعالم أن يستفيق.
أفيق أنا الأخرى من وقوفي الطويل أمام النافذة، أقلب الصور ومقاطع الفيديو على هاتفي المحمول، يقتلني مشهد رجل يودع منزله “بخاطرك يا هالدار”، يقول الصوت الذي رافقني في غيابي أمام النافذة “تلك منحة أخرى من التذكر، لا نريد لجرحنا أن يندمل”.
تراهن الديكتاتورية على النسيان، يساعدها في ذلك كثرة واختلاط الأيام التي عشناها، أحياناً وربما دائماً نختلف حول مشهد واحد. “تتذكر” نبدأ أي حديث مع صديق قديم أو عابر سبيل يحمل لغتنا ذاتها ووجعنا نفسه، يجاملك بـ “إي”، ويحاول جاهداً أن يوافقك الرأي دون جدوى، قبل أن يعيد عليك الجملة ذاتها “تتذكر” مرة أخرى، وعليك وقتها أن ترد الدين وتهز رأسك بالموافقة.
منذ أيام توقف صفحة الفيس بوك خاصتنا، كانت تضم مئات العناوين والتقارير والتحقيقات والصور التي وثقت الثورة السورية عامة، وحلب بشكل خاص، رافقها توقف مفاجئ لجهاز الكمبيوتر خاصتي، هو الآخر كان يحتوي على أرشيف هذه المواد نفسها، إضافة لصور ومواد لم تنشر بعد.
لم تعد الذاكرة تتسع لتلك التواريخ التي بدأت تضيع ملامحها في زحمة كل شيء، شوارع انقطعت عنها سبل العودة، بيوت تهدمت وأخرى احتلت أو عفشت، صور لوجوه غابت تحت برد المقابر بعد أن غيبها الموت، وأخرى نزحت أو هاجرت وضاعت أرقامها مع تحول الهواتف المحمولة إلى عقل يتسع لنا نعود إليه في كل لحظة حنين، ومع كل تغيير لها كان تنقص أيامنا في لحظات “غير مهمة” نرتبها بحسب سلم الأولويات، أو كلما غص كرت الذاكرة وطلب منا برسالة باردة إفراغ بعض أرواحنا من أشيائها الكثيرة.
تحولنا دون رغبة منا إلى “سحابات الكترونية” معرضة للتلف، ننقلها مراراً على “هاردات” خارجية، يجيبنا بعض العارفين بالتقنية الحديثة بوجوب أن نحجز مكاناً لنا في العالم الافتراضي، العالم المستباح والذي تتحكم به تقنيات لا تجيد التقاط الرائحة، وتفهم جيداً بحساب المساحة.
لحظة واحدة بإمكانها أن تلغي عمراً كاملاً، طفل صغير يعبث بهاتف والدته علَه يسكت من نوبة بكاء حادة، انفعال حاد تجاه حدث يستوجب الشتم والحذف لكل ما هو أمامك، سقوط ذاكرتك في كأس ماء. أن يسرق أحدهم هاتفك ليبيعه في سوق الخردة بعد أن يعيد ضبط المصنع ليعود كما “ولدته أمه”. أنت مرهون بكل ذلك للحفاظ على ما تبقى منك.
الأوراق المتناثرة هنا وهناك والتي حملناها معنا في نزوحنا المتكرر، ملاحظات وهوامش وتواريخ نحاول جاهدين ترتيبها كلما أسعفنا الوقت لندخل في نوبة اشتياق، وبعد ساعات من الغوص فيها نعيد وضعها كيفما اتفق في كيس آخر، ودون ترتيب أيضاً، بعد أن نؤجل ترتيب حياتنا ليوم آخر.
تراهن الديكتاتورية على النسيان، يساعدها في ذلك كثرة واختلاط الأيام التي عشناها، أحياناً وربما دائماً نختلف حول مشهد واحد. “تتذكر” نبدأ أي حديث مع صديق قديم أو عابر سبيل يحمل لغتنا ذاتها ووجعنا نفسه، يجاملك بـ “إي”، ويحاول جاهداً أن يوافقك الرأي دون جدوى، قبل أن يعيد عليك الجملة ذاتها “تتذكر” مرة أخرى، وعليك وقتها أن ترد الدين وتهز رأسك بالموافقة.
أحاول مراراً الاستعانة بعمنا “جوجل” لاستعادة شارع ما في المدينة القديمة، أو حدث أو انتهاك، تصلك عشرات الفيديوهات المحذوفة وصور لصفحات هجرها أصحابها أو تركوها للغبار يعلوها، أرسل رسالة علَ في الطرف المقابل من يرد الصوت، كمية الفرح التي تنتابني عند رؤية النقاط التي توحي بأن أصابعاً ما تكتب على الكيبورد، يوازيها ويزيد عنها شعور بالإحباط وأنا أراجع عشرات الرسائل اليتيمة المعلقة.
ينتهي اليوم عام جديد من عمر الثورة السورية، أكبر اليائسين لم يكن ليتوقع دخولنا فيه بكل تلك الخيبات، عام خسرنا فيه الكثير من المناطق والأراضي والأوراق السياسية، عام سقط فيه الساروت شهيداً، وخان شيخون محتلة ومعرة النعمان جريحة، زادت أعداد النازحين نحو مليون شخص آخر حجزوا لأنفسهم أماكن في الخيام أو العراء، آلاف القتلى والجرحى، مئات المدارس والمشافي والمرافق العامة التي خرجت عن الخدمة، آلاف اللاجئين إلى أوروبا أيضاً، وواقع بائس للاجئين في تركيا، توقف الدعم عن المدارس وانحسر عمل المنظمات الإنسانية والطبية والإغاثية. ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وخسرت الليرة السورية نحو ٨٣٪ من قيمتها.
نحتاج اليوم أكثر من أي يوم مضى لنوثق ذاكرتنا، تزداد الهوة بين ما نعرف وما ننسى، نحتاج أن نجمع كل تلك الجرائم والانتهاكات والصور والفيديوهات والذكريات والبيوت والأشجار وينابيع المياه من جديد، أن نحفظها من الموت لنحاسب مرتكبيها وجزاريها، أو على الأقل لنعود إليها في كل مرة يجذبنا اليأس ونستسلم فيه للكآبة علنا نفيق من الصدمة ونبدأ من جديد.
وعن الآثار النفسية على الأطفال يقول الحسين: من الطبيعي أن يترك الاعتياد على طلب المساعدة آثاراً نفسية على الطفل والمجتمع، ولكن هذه الآثار لا يمكن ضبطها إلا وفق دراسة منهجية تحليلية لهذه الظاهرة، ومع الأسف لا يوجد من قام بمثل هذه الدراسة في مناطقنا حتى اللحظة، غالباً ما يدفع التعاطف والحالة الدينية الفطرية لتشجيع هذا الاعتياد من خلال تقديم المساعدة، كذلك الظروف الاجتماعية (فقر -بطالة -تفكك أسري..)، وهو ما يشجع على قتل الهدف والطموح لدى الطفل من خلال الاستسهال في الحصول على المال أو المعيشة كذلك تعرضه للاستغلال والابتزاز من قبل بعض الأشخاص والتحرش أيضاً وهو ما سيؤثر حتماً على بنيته النفسية، إضافة إلى نمو ظاهرة العداء عند الطفل والذي قد تدفعه نحو السرقة على سبيل المثال أو ارتكاب جرم مع تنامي نظرة الحقد لديه تجاه المجتمع.
تغيَب نادر (تسع سنوات) عن الدورة التعليمية التي تقوم عليها المدرسَة أسماء، بعد مواظبته على الحضور في الأيام السابقة، ذلك قبل أن يطرق باب بيت ليطلب مساعدة مالية من سكانه، ليكتشف أنه منزل مدرسَته ويختفي في شوارع أطمة بريف إدلب الشمالي، دون أن تفلح نداءات أسماء له بالعودة، خاصة مع نظرة الدهشة التي اعتلت وجهيهما في تلك اللحظة.
تقول أسماء إنها تشعر بـ “تأنيب الضمير” تجاه ما حدث، وإنها لم تستطع النوم في تلك الليلة وهي تفكر في بُعد المدرسين عن معرفة ظروف طلابهم. كل ما استطاعت الوصول إليه من خلال سؤالها عن نادر أنه يعيش في أحد مخيمات أطمة، مع والده وزوجة والده في ظروف شديدة القسوة، بعد وفاة والدته.
في ظروف مشابهة يروي فراس وهو مدير لأحد المراكز التي تقدم المساعدة للأطفال في مخيمات مارع بريف حلب الشمالي قصة ثلاثة أخوة لا يتجاوز عمر أكبرهم عشر سنوات، كانوا دائمي الإلحاح والطلب للحصول على مساعدات إضافية من المركز كالحقائب والقرطاسية والألعاب، وخاصة مأكولات الأطفال، قبل أن يتطور الأمر ليتكرر طلبهم للمال من المشرفين.
يقول فراس إنه رأى الأخوة الثلاث يبيعون هذه المأكولات في شوارع مدينة مارع، وهو ما زاد من تأثره، فغالباً ما يتغيبون عن حضور الأنشطة في المركز باستثناء يوم توزيع الهدايا، ويشعر بالخطر من امتهان الأطفال للتسول.
بات مشهد وجود الأطفال الذين يمتهنون التسول أو بيع بعض علب البسكويت لاستعطاف المارة اعتيادياً في المدينة، يكمل فراس، ويفرق بين حالة الأخوة الثلاث ومشهد طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة كان قد عرض عليه ترك باقي المبلغ الذي قدمه له كثمن للخضار التي اشتراها منه، إلا أنه رفض ذلك مشيراً إلى جبينه، فهو لا “يأكل إلا من عرق جبينه”، الإشارة كانت واضحة والرسالة التي أوصلها كانت مثار إعجاب ودهشة فراس، بحسب قوله.
إهمال مؤسساتي لظاهرة طلب الأطفال للمساعدة
يقتصر دور المركز الذي تشرف عليه أسماء على الدورات التعليمية، مهملين الدخول إلى حياة الأطفال وأوضاعهم الاجتماعية والإنسانية ومساعدتهم لحلها، تقول أسماء إن التقصير هو ما منعها من معرفة ما يمر به الطفل نادر لتداركه، حاله كحال مئات الأطفال مع غياب شبه كامل للمؤسسات التي تعنى بهذا الجانب المهم من حياة الأطفال في مختلف مناطق المعارضة.
من جهته يقول فراس إن المشاريع التي تعنى بحماية الطفل محدودة ومقيدة بزمن وكلفة، ما يجعل من احتمالية مساعدة هؤلاء الأطفال أمراً شبه مستحيل، لما يتطلبه من متابعة واستمرار ومستلزمات تبعدهم عن حياة التسول واستجداء المارة.
لا يلقي فراس اللوم في تلك الظاهرة على أحد، الأطفال ضحايا، وأهاليهم أيضاً في ظل ما تعيشه المنطقة من تردَ اقتصادي، أما المنظمات فلا يمكن لها تبني مثل هذه المشاريع المكلفة والتي تحتاج لدعم دولي لإحداث تغيير في حياة الأطفال.
وعن تفشي هذه الظاهرة يرى حسن (نائب مدير في أحد المخيمات سابقاً) أن السبب الرئيسي لانتشارها يكمن في انعدام فرص العمل وانخفاض دخل الفرد مع ارتفاع الأسعار، وهو ما دفع الأهالي للمساح لأبنائهم بطلب المساعدة، خاصة من العاملين في المنظمات. كذلك توقف عدد كبير من المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق المعارضة، ومنعها من ترخيص عملها والدخول إلى المخيمات، خاصة الصغيرة منها، بسبب الشروط التي فرضتها السلطات التركية، ما حرم أعداداً كبيرة من المستفيدين من المساعدات الشهرية التي كانت تغطي جزء من احتياجاتهم، كل ذلك انعكس على حياة الأطفال وقبول الأهالي ببعض الأشياء التي كانت مرفوضة في المجتمع، كعمالة الأطفال وطلبهم للمساعدة، وصولاً لامتهان التسول.
موظفو المنظمات حلم قصص الأطفال
يخبرنا فيصل وهو مدرس في واحدة من مدارس مخيم دير بلَوط، والذي اعتاد أن يروي لأطفاله حكاية قبل النوم يومياً، إنهم غالباً ما يطلبون منه حكاية محددة تتحدث عن إنقاذ الأميرة في نهايتها، حيث تقام “الأفراح والاحتفالات”، ويسعفهم خيالهم للربط بين هذه الاحتفالات وما يقوم به فريق ملهم التطوعي في حفلات الأعياد بالمخيم، ويربطون بين أبطال الرواية وأسماء عناصر الفريق، وغالباً ما يطلقون أسماءهم على الحكاية.
يشرح فيصل أن أطفاله يشعرون بـ “الانتصار” في كل مرة يستطيعون فيها الدمج بين الواقع والخيال، ويرجع ذلك للنقص والحرمان الذي يعانيه أطفال المخيمات من وسائل الترفيه والأنشطة والألعاب والحدائق.
ويرى فيصل أن تلك الفجوة بين النقص ومتطلبات الطفل، مع تساهل الآباء بتنمية القيم الأخلاقية والكبرياء لدى الطفل، تدفع الأطفال إلى “اللامبالاة، واستسهال الطلب من الآخرين”، ما سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة التسول. وقد يتعدى ذلك، من خلال حياة هؤلاء الأطفال في الشارع واحتكاكهم ببعض الأشخاص السيئين، إلى الإدمان على بعض المواد المخدرة، والتي تنتشر اليوم في المخيمات كـ “الشعلة والبنزين والتنر”، أو دخولهم في عالم السرقة والجريمة، وتعرضهم للابتزاز أو التحرش الجنسي.
لا فرق بين استدرار العاطفة والتسول
لا يفرق المرشد النفسي أحمد الحسين بين استدرار العاطفة والتسول، ويعتبر الإلحاح بطلب المساعدة تسولاً، وذلك بحسب ما اتفق عليه علم النفس من تعريف التسول بـ “طلب المساعدة والمعونة من الناس باستعمال وسائل وطرق متعددة ومختلفة، الأساس فيها هو محاولة استمالة عطف وشفقة الآخرين، بغية الحصول على مساعدتهم المالية أو العينية، والمتمثلة في مختلف الأطعمة والألبسة وغيرها من الأشياء والحاجات ذات القيمة النفعية”
وعن الآثار النفسية على الأطفال يقول الحسين: من الطبيعي أن يترك الاعتياد على طلب المساعدة آثاراً نفسية على الطفل والمجتمع، ولكن هذه الآثار لا يمكن ضبطها إلا وفق دراسة منهجية تحليلية لهذه الظاهرة، ومع الأسف لا يوجد من قام بمثل هذه الدراسة في مناطقنا حتى اللحظة، غالباً ما يدفع التعاطف والحالة الدينية الفطرية لتشجيع هذا الاعتياد من خلال تقديم المساعدة، كذلك الظروف الاجتماعية (فقر -بطالة -تفكك أسري..)، وهو ما يشجع على قتل الهدف والطموح لدى الطفل من خلال الاستسهال في الحصول على المال أو المعيشة كذلك تعرضه للاستغلال والابتزاز من قبل بعض الأشخاص والتحرش أيضاً وهو ما سيؤثر حتماً على بنيته النفسية، إضافة إلى نمو ظاهرة العداء عند الطفل والذي قد تدفعه نحو السرقة على سبيل المثال أو ارتكاب جرم مع تنامي نظرة الحقد لديه تجاه المجتمع.
وعن نظرة بعض الأهالي لما يقوم به الأطفال من طلب المساعدة من عمال المنظمات باعتباره طلباً لحقهم المسروق من قبل المنظمات يقول الحسين إنه لا يمكن في حال من الأحوال تقديم مبرر للأهالي في ما يلجؤون إليه من تشويه لنفسية الطفل، وتدريبه على امتهان ظاهرة الإلحاح بالطلب أو التسول، ولا يتم هذا الأمر من خلال استدرار العطف والشفقة بل من خلال قنوات رسمية، الطفل يشعر بالخجل والكرامة أيضاً شأنه شأن البالغ ولا يمكن تجاهل ذلك مطلقاً، هو ليس أداة، وعليه، يجب مناقشة الطفل في هذه القضايا بمبدأ أخلاقي وليس بمبدأ “الشطارة” المتبع.
ويرى الحسين أن الحلول تبدأ من الدراسات الإحصائية والمنهجية، كذلك المقارنة مع تجارب ودراسات ناجحة في البلدان الأخرى للحد من هذه الظاهرة. التعليم والالتزام بمقاعد الدراسة مع قوانين صارمة بهذا المجال يكون أول الحلول، إضافة لجمعيات تقوم بندوات ودورات توعوية للأطفال والأهالي. وتفعيل دور الإعلام، فمعظم التقارير الإعلامية تسلط الضوء على المشكلة كحالة تعاطف، وذلك لن يجدي نفعاً على حد قوله، إذ يجب ان يكون الدور الإعلامي مدروساً بعناية، من خلال التقارير البسيطة عن المخاطر والرسوم الكاريكاتورية والصور وكذلك استضافة الخبراء والتركيز على الحل لا المشكلة.
تظهر إحصائية صادرة عن منظمة اليونيسيف في شهر آب/أغسطس الماضي، أن أكثر من 2 مليون طفل –أي أكثر من ثلث الأطفال السوريين- هم خارج المدرسة، ويواجه 1.3مليون طفل خطر التسرب من المدرسة، بينما يعيش أربعة من بين خمسة أشخاص تحت خط الفقر، مما يدفع الأطفال إلى اتخاذ تدابير قصوى للبقاء على قيد الحياة، في حين يعاني 6.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي مما يدفع الأطفال إلى مساعدة عائلاتهم من خلال “عمالة الأطفال والزواج المبكر والتسول”
تبقى الكستناء وجوز الهند وغيرها من الفاكهة الموسمية من “الكماليات” في حياة سكان مدينة إدلب الذين يعانون من تردي الحالة الاقتصادية، يقولون إنها من الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها، أو تذوقها لمرة واحدة، ويتساءلون عن سبب غلاء أصناف أخرى ضرورية مقابل تلك الكماليات، وهو ما يلعب التجار دور حاسم في صناعته بناء على سياسة “العرض والطلب” التي ينتهجونها، يقول من التقيناهم إن الكستناء صارت متاحة لمعرفة مذاقها الشهي، بينما ترد واحدة من السيدات على نداء بائع الكستناء “مو ليكون فيه صوبا لنشتري كستنا”.
ارتبطت الكستناء في ذاكرة السوريين بندرة وجودها وارتفاع أسعارها بعد أن كانت حكراً على أماكن وفئات معينة من السكان، بسعر يساوي “غرام الذهب” تباع فيه بالحبة، وبموسمها الشتوي الذي يضيف على سهرات المدافئ جوَاً من الحميمية والدفء و”احتراق الأصابع”، تلك الذاكرة غابت في أسواق إدلب لهذا العام بعد أن تصدرت أصناف من الفاكهة الموسمية كالكستناء وجوز الهند بسطات البائعين وواجهة المحلات وبأسعار تنافس المواد الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
في سوق الخضار وسط مدينة إدلب، يكاد لا يخلو دكان أو بسطة من البسطات المتوزعة على طرفي السوق بطريقة متتالية من مختلف أنواع الفاكهة، الموسمية منها كالكستناء وجوز الهند والكيوي والفريز المرتبة بسلال كبيرة من القش، أو الدائمة كالتفاح والبرتقال والرمان ضمن صناديق خشبية، إضافة للموز الذي بات الحاضر الدائم في الأسواق، وبأسعار متفاوتة.
يقول وائل صاحب بسطة لبيع الفاكهة يقوم بترتيبها وتنسيقها لتلفت نظر المارة إن الفاكهة الموسمية والغريبة عن المألوف في ثقافة السكان الشرائية تلاقي اليوم رواجاً ومبيعاً أكثر من غيرها في الأسواق.
يبيع وائل نحو خمسة عشر كيلو غرام من الكستناء يومياً، ويزيد الطلب عليها مع اقتراب رأس السنة، إذ يقبل السكان على شرائها كطقس اعتاده بعضهم، أو لتذوقها قبل خلو الأسواق منها خاصة وأن موسمها لا يتجاوز الشهرين من كل عام، وتستورد الكستناء في الأسواق الإدلبية من تركيا التي تشتهر بزراعتها، ويتراوح سعرها بين ألف وألف وخمسمائة ليرة (١-١.٥ دولار) بالرغم من ارتفاع سعر الدولار (٩٠٠ ليرة لكل دولار)، وكانت تباع في العام السابق بنحو ثلاثة آلاف ليرة (٦دولار) للكيلو الواحد.
ويخبرنا وائل أن انخفاض سعرها مقارنة بالسنوات الماضية هو السبب في رواجها، فـ “ثمن كيلو غرام من الكستناء الجيدة يبلغ نحو ١٥٠٠ ليرة، وهو يعادل سعر ٢ كيلو من البندورة وكيلو من الباذنجان”، كذلك ضعف القوة الشرائية للسكان وهو ما يجبر التجار على تخفيض هامش أرباحهم لضمان بيع الكميات المستوردة.
الكستناء في أسواق إدلب.
هناء (مهجرة من ريف دمشق) تقول إن للكستناء قصة وذاكرة حملتها معها من دمشق، فهي تذكرها بالسهرات التي كانت تجمعها رفقة أهلها وأخوتها حول المدفأة في ليالي دمشق الباردة، تخبرنا أن منافسات كانت تقوم في العائلة حول تقشير حبات الكستناء بعد شيها، تضحك وهي ترينا بقايا حروق على أصابعها سببتها لها سهرات الكستناء تلك، وتحرص على نقل هذه الأجواء لأطفالها في إدلب وهي تروي لهم القصص حول دمشق وحياتهم فيها قبل التهجير، وتؤكد أن سعرها الذي وصفته بـ “المقبول” ساعدها في نقل هذه الأجواء إلى حياتها الجديدة.
لا تعير “وداد” اهتماماً للفاكهة أبداً، فهي خارج قاموس مشترياتها تقول إن مدخولها اليومي لا يكفي لشراء الخبز وبعض البقوليات والسكر والشاي ، فكيف بشراء “الرفاهيات” كما أسمتها من فاكهة ولحمة أو حتى بعض المكسرات والموالح، تحدثنا وتشير لكيس أسودٍ تحمله بيدها فيه “كيلو سكر وعبوة زيت نباتي وكيلو عدس” وتحمل بيدها الأخرى ربطتي خبز، قالت إن كلفتهم 2000 ليرة، وهو ما يجنيه زوجها طيلة اليوم، لتطبخ بالنهاية شوربة عدس لأطفالها الستة !
وأسرَت لنا أنها وأثناء ذهابها للسوق يوم أمس رفقة ابنها الصغير، لفتت حبات الكستناء نظره وألح عليها كثيراً لتذوق طعمها، تقول إنها أشاحت بوجهها عن المكان الذي يشير إليه طفلها والذي يجهل اسم الكستناء، وانغمست بين الخضار لتشتري حزمة سبانخ والكثير من القرنبيط وبعض الليمون.
تبقى الكستناء وجوز الهند وغيرها من الفاكهة الموسمية من “الكماليات” في حياة سكان مدينة إدلب الذين يعانون من تردي الحالة الاقتصادية، يقولون إنها من الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها، أو تذوقها لمرة واحدة، ويتساءلون عن سبب غلاء أصناف أخرى ضرورية مقابل تلك الكماليات، وهو ما يلعب التجار دور حاسم في صناعته بناء على سياسة “العرض والطلب” التي ينتهجونها، يقول من التقيناهم إن الكستناء صارت متاحة لمعرفة مذاقها الشهي، بينما ترد واحدة من السيدات على نداء بائع الكستناء “مو ليكون فيه صوبا لنشتري كستنا”.
تجاوزت أعداد القطط في المحمية حاجز المئة، وتم تشكيل المنظمة السورية لإنقاذ الحيوانات، ورفد العمل بعيادة بيطرية خاصة بإشراف أحد الأطباء البيطرين، كذلك تأمين الأدوية اللازمة واللقاحات والصادات الحيوية، ناهيك عن وجبات يومية خاصة مكونة من المعلبات وبقايا الدجاج المذبوح والمرتديلا واللحوم المجففة، وتأمين جو مناسب لتلك الحيوانات الأليفة.
خلال مرورك في شوارع مدينة كفرنبل تجد عشرات القطط التي تجمعت مع بعضها على شكل مجموعات باحثة عن الطعام والماء، قلة السكان ووحشة المكان فاقمت معاناة هذه القطط التي كانت تقتات على مخلفات ما تتركه الأهالي من أطعمة، إضافة لدكاكين القصابة ومحلات بيع “الفروج”، لتغدو المنازل التي تركها سكانها مأوى لها، وبات من المشاهد المألوفة رؤية بعض هذه الحيوانات النافقة بفعل القصف أو الجوع، بينما يبحث من تبقى منها على ما يبقيه قيد الحياة.
مروان العبيدو (واحد من عناصر الدفاع المدني سابقاً) روى لفوكس حلب تجربته مع هذه الحيوانات الأليفة التي كان يصحبها خلال عمله في إنقاذ المصابين، يقول إنه كان يحملها معه خلال عمله من الأماكن المهدمة والمستهدفة وشوارع المدينة إلى منزله وتقديم العلاج والطعام لها على نفقته الخاصة، ومع ازدياد أعدادها وعدم قدرته على تحمل نفقات رعايتها وضيق منزله بها عمد بمشاركة بعض الأشخاص المهتمين على تأهيل مركز لرعاية القطط في أحد أقبية المدينة.
ويضيف مروان أنه ورفاقه قاموا بجمع ما استطاعوا من هذه القطط، وتقديم الرعاية الصحية والطعام لها، حتى مطلع عام ٢٠١٧، وبعد تلقيه اتصالات هاتفية من بعض المهتمين بتربية القطط حول العالم، يقول إنهم ساندوه في مشروعه وأبدوا رغبتهم وإعجابهم بما يقوم به رفقة أصدقائه، خاصة بعد توثيقه من قبل بعض المنصات الإعلامية وتسليط الضوء على المشروع الذي تحول فيما بعد إلى إنشاء “محمية صغيرة” لرعاية الحيوانات.
تجاوزت أعداد القطط في المحمية حاجز المئة، وتم تشكيل المنظمة السورية لإنقاذ الحيوانات، ورفد العمل بعيادة بيطرية خاصة بإشراف أحد الأطباء البيطرين، كذلك تأمين الأدوية اللازمة واللقاحات والصادات الحيوية، ناهيك عن وجبات يومية خاصة مكونة من المعلبات وبقايا الدجاج المذبوح والمرتديلا واللحوم المجففة، وتأمين جو مناسب لتلك الحيوانات الأليفة.
ما تزال أعداد كبيرة من هذه الحيوانات تعيش بعيداً عن الرعاية، بالرغم من الحملة التي أطلقتها المنظمة السورية لإنقاذ الحيوانات، ويقتصر دعمها على بعض المبادرات الفردية من الأشخاص، يقول أحمد السلوم (صاحب المحل الوحيد المتبقي لبيع الفروج في بلدة حاس) إن عشرات من هذه الحيوانات الأليفة تتوافد على باب دكانه يومياً، يقوم بإطعامها ببقايا العظام ومخلفات الدجاج بعد ذبحها، ويرى أن ما يقوم به لا يكفي للأعداد الكبيرة التي تزوره، بل يغطي جزء صغيراً من القطط التي يسعفها الحظ بالحصول على الطعام.
بينما وضع محمود المحمد (أحد سكان مدينة كفرنبل) ضمن برنامجه اليومي، في تأمين احتياجات من بقي من سكان المدينة بعد تهجير معظمهم خلال الحملة العسكرية الأخيرة، المرور على دكاكين القصابة والدجاج للحصول على بقايا اللحوم والعظام، وما إن يصل إلى مدينته حتى تلتف حوله القطط للحصول على وجبة تبقيها على قيد الحياة.
الطبيب البيطري عادل الحمود قال إنه ونتيجة التجمع الكبير للقطط في ظل نقص الطعام، وكثرة القطط الميتة في الشوارع أدى لانتشار عدد من الأمراض بين القطط، ويأمل من الجهات المعنية أن تنظر في الأمر قبل أن تبدأ تلك الأمراض بالانتشار بين الأهالي خاصة بعد دخول فصل الشتاء”.
نزحت محمية القطط إلى المناطق الشمالية خوفاً من استهدافها نتيجة كثرة الغارات الجوية على المدينة، يكمل العبيدو الذي يقوم بالتجهيز للعودة إلى كفرنبل لاحتواء العدد الأكبر من القطط التي ما تزال في المدينة ورعايتها.
ويشرح السائق أبو خليل إن الرسوم التي تدفع في معبر العيس على المحاصيل الزراعية المسموح بمرورها تتراوح بين (5-10 دولار) للطن الواحد من جانب المعارضة، بينما تزيد تلك الرسوم في الطرف المقابل والتي تسيطر عليه قوات من الفرقة الرابعة في جيش النظام والذين لا يتقاضون رسوماً ثابتة بل تكون على شكل إتاوات، فيدفع السائق رسم ساحة نحو 200 ألف ليرة (وهي الساحة التي يتم تجميع فيها السيارات قبل السماح لها بالمرور) يضاف إليها القسم الأكبر نحو 700 ألف ليرة للشاحنات الكبيرة و 150 ألف للصغيرة، تحت بند (الترفيق وهو اتفاق بين الدول على قانون يعرف باسم الترفيق الجمركي ويقضي بحماية جمارك الدولة للشاحنات التي تمر بها من السرقة والخطف) وهو قانون صادر في سوريا عام 1998 من وزارة المالية برقم 3095، إلّا أن قوات الأسد وسوريا الديمقراطية تستخدمه منذ بداية 2011 بين المدن
تمثل المعابر والنقاط الحدودية شريان حياة للسوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، تمر من خلالها المواد الغذائية والمحروقات والمواد الأولية والألبسة، وتشكل في الوقت ذاته طريقاً للبضائع والمحاصيل الزراعية إلى مناطق سيطرة النظام والدول المجاورة. وبالتالي فإن المعابر تلعب دوراً كبيراً في تحديد أسعار الواردات والصادرات، وكذلك أنواع المزروعات التي يمكن أن تدر عائداً للمزارعين. كما أن المعابر تشكّل مصدر دخل للقوى المسيطرة عليها من خلال فرض الرسوم (والإتاوات) على البضائع التي تمر في الاتجاهين، ما زاد من الأعباء المالية، سواء على المزارع أو المواطنين.
معبر باب الهوى: “الاستيراد على كيفك والتصدير على كيفنا”
يعدّ معبر باب الهوى الطريق الوحيد للتبادل التجاري بين تركيا ومناطق إدلب وريفي حلب الغربي والجنوبي، ويقع في مدينة سرمدا (33كم عن إدلب) وتسيطر عليه المعارضة السورية منذ منتصف عام 2012. ومنذ تموز يوليو من عام 2017، تدير المعبر إدارة مدنية بعد الخلاف الذي دار حول تبعيته بين فصيلي أحرار الشام وهيئة تحرير الشام.
لا توجد آلية واضحة لتحصيل إيرادات المعبر، إلّا أن الخبير الاقتصادي أحمد (رفض ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية) يقول إن نسبة كبيرة من هذه العائدات المالية يحصل عليها المكتب الاقتصادي في هيئة تحرير الشام، ويقدرها بملايين الدولارات سنوياً.
وكان رئيس غرفة التجارة والصناعة في قضاء الريحانية التركية “نجم الدين زار أوغلو” قد صرح بأن قيمة الصادرات التركية من معبر باب الهوى “جليفاكوزو” بلغت 25 مليون و500 ألف دولار خلال النصف الأول من عام 2019 الحالي، بينما أوضحت دراسة إحصائية صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في العام 2015 أن قيمة الصادرات تجاوزت 1.8 مليار دولار، منها 193 مليون دولار لصادرات غذائية كانت تتكون من 39٪ دقيق و 28٪ زيوت نباتية و 12٪ عدس و 8٪ سكر و 8٪ حمص و 7٪ حصص غذائية.
تصريحات أوغلو توضح زيادة بلغت كبيرة في الصادرات عن العام 2016، والتي حددتها تقديرات مشروع حلب وهو مبادرة بحثية لمركز شاتوك، في الجامعة الأوروبية المركزية في هنغاريا، ب 25 مليون دولار سنوياً.
معبر باب الهوى -انترنيت
هذه الصادرات التي لا تخضع من قبل المعبر للائحة المنع، أثرت بشكل سلبي على أسعار المحاصيل الزراعية المنتجة من قبل المزارعين في الشمال السوري، يقول المزارع “أحمد العلي” إن المحاصيل القادمة من تركيا لا تقارن بتلك الموجودة في سوريا من حيث الجودة والأسعار، وهو ما أدى إلى انصراف تجار الجملة إلى استيرادها والعزوف عن شراء المحاصيل المحلية، أو فرض أسعار مجحفة على المزارعين لا توازي سعر التكلفة لشرائها، ومع غياب البرادات للتخزين والكلفة العالية لإنشائها يجبر المزارع على بيع محصوله كيفما اتفق.
وعن الفروق في الأسعار يقول المهندس محمد الموسى إن معظم المحاصيل الزراعية في المنطقة ازدادت كلفتها لأكثر من عشرة أضعاف بسبب غلاء الوقود والمستلزمات الزراعية كالبذار والأسمدة وأجور الحراثة والري، وغالباً لا يقوم الفلاح برعايتها بالشكل الأمثل خلافاً لتركيا التي تدعم القطاع الزراعي بشكل كبير، وتعفي المصدرين من الضرائب.
يؤكد المزارعون الذين التقيناهم ومن بينهم تاجر “الكومسيون” في أريحا أبو خالد أن الحكومة التركية هي من تحدد المواد القابلة للتصدير من الأراضي السورية، بناء على احتياجات السوق المحلية، ما يجعل فرص المنافسة معدومة، وهو ما دفع بعض المزارعين لزراعة الأصناف التي تسمح الحكومة التركية باستيرادها، وفي كثير من الأحيان تتغير هذه اللائحة ما يؤدي إلى خسارة كبيرة، كذلك فإن هذه السياسة الزراعية دفعت التجار لاستيراد ما يحتاجه السكان من تركيا في المقابل وهو ما أنعش الاستيراد وأساء إلى التصدير.
يتساءل المزارعون عن دور المسؤولين عن المعبر في إدارة السياسة الاقتصادية، ولماذا لا يكون التعامل بالمثل، فيمنع الاستيراد إلّا بقدر التصدير، أو اعتماد سياسة الاقتصاد المفتوح لكافة المنتجات!
إدارة باب الهوى توضح
مازن علوش (مدير العلاقات العامة والإعلام في معبر باب الهوى) قال لفوكس حلب إن آلية العمل تدرس وفق القوانين والأنظمة من حيث المنع والتقييد والتشجيع بحسب السوق المحلية وحاجتها، مع الأخذ بعين الاعتبار حماية المنتج الوطني والتشجيع على تسويقه وتسهيل تصدير البضائع بما لا يتعارض مع كفاية المستهلك المحلي من تلك المواد.
ويرى العلوش أن الاستيراد لا يضر بالمزارع ويزيد من خيارات المستهلك من حيث الجودة والسعر، وهناك ضوابط لمواصفات المستوردات، كما أن إدارة المعبر ألغت الرسوم الجمركية على المواد التي لا يؤثر تصديرها على السوق المحلية، وسمحت بتصدير المواد الزراعية الموافقة لشروط التصدير وأعفتها من الرسوم بموجب قرار الإدارة رقم 8 لعام 2019.
في المقابل يتقاضى المعبر رسوماً جمركية على المستوردات من المحاصيل الزراعية (5 دولار لكل طن خضار و7 دولار للفاكهة)، ويتم فحصها في المخابر وفق المواصفات القياسية لقبول استيراد البضائع، ويتم تخيير المستورد بين إتلافها أو إعادتها في حال كانت مخالفة.
ويتم اتخاذ إجراءات عقابية تشمل الغرامات المالية وتصل حدّ الحرمان من الاستيراد والتصدير بحق التاجر المخالف في حال تكرار إدخال مواد فاسدة أو غير مطابقة للمواصفات، بحسب العلوش، الذي قال إن السماح بالاستيراد يأتي لتلبية حاجة المستهلك وتخفيف الأعباء المادية عليه.
المزارعون يشتكون والمواطن غير راضٍ
مئات من برادات المحاصيل الزراعية (الخضار والفواكه) تجد طريقها إلى أسواق الهال في المنطقة يومياً، يقوم المستوردون بتحديد أسعارها دون دور للرقابة التموينية، وتخضع لقوانين العرض والطلب، بحسب احتياجات السوق.
يقول مروان الحمدو (أحد المورّدين من تركيا إلى سوريا) إن نسبة الربح أحياناً تتجاوز الضعفين، وقد نخسر في بعض الأحيان أيضاً، إذ تمثل الكلفة العالية للنقل بالبرادات (تصل إلى 170 دولار للبراد الواحد) والرسوم الجمركية وكذلك انتظار الدور للفحص المخبري أهم العوامل التي تؤثر في تحديد الأسعار.
يكمل مروان أن بعض “الكومسيونية” أو الوسطاء يطلبون استيراد أنواع معينة بعد دراسة احتياجات السوق، ويتم الاتفاق على التوريد، أحياناً يكون هناك خلل في المواصفات ما يتسبب بالخسارة، أو تظهر الفحوصات تلفاً أو فساداً فيها، إلّا أنه يحمل المسؤولية الأكبر في ارتفاع الأسعار للتجار، ويظهر دهشته من الأسعار التي تقارب أو تزيد عن الأسعار في تركيا رغم الفارق بين معدلات الدخل، يضيف “نحن نأخذ أجرتنا والتاجر ينال الربح الأكبر”.
بينما يرى المزارع (أبو خالد من ريف حلب الجنوبي) إنه ومهما بلغت الأسعار للمحاصيل المستوردة، فإنها تبقى المفضلة لدى التجار عن المحلية، وذلك لجودتها، إضافة لمعرفتهم بانعدام فرص التصدير وحاجة المزارع لبيع محصوله قبل التلف، فيشترونها بأسعار زهيدة ويبيعونها بأسعار عالية، سواء في السوق المحلي أو تصديرها إلى مناطق النظام.
بين المزارع والتاجر والمعبر يتحمل المواطن الكلفة الأكبر، تقول منى الخطيب (ربة منزل من إدلب) إن الأسعار تتضاعف في كل يوم، حتى في المواسم “سابقاً كانت المحاصيل الصيفية رخيصة الثمن في مواسمها وهو ما كان يدفع العائلات لتخزينها للشتاء، أما الآن فالصيف مثل الشتاء والأسعار واحدة وكلها بعيدة عن متناول المواطن وقدرته الشرائية”.
الرسوم والإتاوات من جيب المزارع إلى الفصائل وجيش النظام
تسببت المعارك الأخيرة في إغلاق معظم المعابر “المؤقتة” بين قوات النظام والمعارضة كمعبر مورك وقلعة المضيق وقبله معبر أبو دالي، ليبقى معبر العيس بريف حلب الجنوبي المعبر الوحيد الذي تمر من خلاله البضائع ذهاباً وإياباً بين القوتين المسيطرتين.
تأسس معبر العيس في نيسان 2018 ليكون معبراً تجارياً بين مناطق المعارضة والنظام، ويسيطر على المعبر هيئة تحرير الشام التي تتقاضى 65% من عائداته التي تعود إلى المكتب الاقتصادي التابع لها، في حين تسيطر الفرقة الرابعة من قوات النظام على الطرف المقابل في بلدة الحاضر.
تختلف الرسوم بحسب أنواع البضائع المحملة، إلّا أن إدارة المعبر رفضت تزويدنا بلائحة للرسوم واستطعنا من خلال السائقين تحديد الكلفة التقريبية والتي تبلغ 2مليون ليرة سورية للسيارات الكبيرة (تحمل نحو 60 طن) موزعة بين الرسوم وأجرة السائق من سوق الهال في معرتمصرين بالقرب من إدلب المدينة وحتى دمشق، يقول التاجر أبو خالد المعراوي إن الحمولة إلى دمشق تحدد بـنحو (34 ألف ليرة لكل طن) في السيارات الكبيرة، وبمبالغ ثابتة تقدر بحسب نوع الحمولة في الشاحنات الصغيرة (حمولة 5-7 طن).
ويشرح السائق أبو خليل إن الرسوم التي تدفع في معبر العيس على المحاصيل الزراعية المسموح بمرورها تتراوح بين (5-10 دولار) للطن الواحد من جانب المعارضة، بينما تزيد تلك الرسوم في الطرف المقابل والتي تسيطر عليه قوات من الفرقة الرابعة في جيش النظام والذين لا يتقاضون رسوماً ثابتة بل تكون على شكل إتاوات، فيدفع السائق رسم ساحة نحو 200 ألف ليرة (وهي الساحة التي يتم تجميع فيها السيارات قبل السماح لها بالمرور) يضاف إليها القسم الأكبر نحو 700 ألف ليرة للشاحنات الكبيرة و 150 ألف للصغيرة، تحت بند (الترفيق وهو اتفاق بين الدول على قانون يعرف باسم الترفيق الجمركي ويقضي بحماية جمارك الدولة للشاحنات التي تمر بها من السرقة والخطف) وهو قانون صادر في سوريا عام 1998 من وزارة المالية برقم 3095، إلّا أن قوات الأسد وسوريا الديمقراطية تستخدمه منذ بداية 2011 بين المدن!
ولشرح الكلفة يقول أبو خليل إن كل كيلو غرام من البطاطا على سبيل المثال يكلف نحو 35 ليرة حتى يصل إلى دمشق، يدفعها المزارع من سعر المحاصيل التي يسلمها للتجار، وتمثل تقريباً 35% من سعرها في السوق، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعرها عند البيع وارتفاع سعرها في الشراء. ويدفع المواطن في مناطق النظام ثمن هذه الكلفة، إذ تزيد أسعار المواد بعض إضافة الرسوم عليها، والعكس صحيح عند الاستيراد، إذ غالباً ما تشهد تفاوتاً في أسعار المحاصيل الزراعية بين مناطق المعارضة والنظام وبنسبة تصل إلى 60% أحياناً.
ففي الوقت الذي يبلغ فيه سعر البطاطا في إدلب للمواطن 75 ليرة يزيد عن 125 في مناطق النظام، بينما ينقص سعر الموز في مناطق النظام بـ 100 ليرة عن مناطق المعارضة، وهذا الأمر ينسحب على بقية المواد بحسب أبو خليل.
ويشهد معبر العيس حركة تجارية كبيرة يتم استيفاء رسومها بالدولار في مناطق المعارضة، بعد إغلاق معبري مورك وقلعة المضيق، ويقدر السائقون مرور نحو 400 شاحنة يومياً على الأقل من المعبر، برسوم وسطية تزيد عن 30 ألف دولار يومياً.
وعمل فريق فوكس حلب على توضيح عائدات المعابر باعتبارها وسيلة تمويل للقوى المسيطرة على الأرض في العام 2018، تتغير أماكنها بحسب الظروف العسكرية، إلّا أن كل الأطراف مضطرة على إبقائها كنقاط محمية لا يتم استهدافها من الأطراف كافة.
معابر بين طرفي المعارضة
لا تقتصر الوصلات أو نقاط العبور بين الأطراف المتصارعة، بل تعدّت ذلك إلى وجود معابر بين مناطق المعارضة ذاتها، والتي تختلف تبعيتها بحسب الفئات المسيطرة على الأرض، إذ يمثل معبر الغزاوية بالقرب من دارة عزة بريف حلب صلة الوصل بين المنطقة التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام في إدلب وريفي حلب الجنوبي والغربي، وبين عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي والتي تسيطر عليها قوات المعارضة المنضوية تحت الجيش الوطني المدعوم تركياً.
معبر دارة عزة وكالة قاسيون
وبالرغم من مراجعة المكتب الاقتصادي في المعبر للتعرف على الرسوم الجمركية المفروضة إلّا أنهم رفضوا تزويدنا بأي تصريح أو لائحة للأسعار. وبسؤالنا للسائقين والتجار، وجدنا أن الكلفة تتوزع على الرسوم التي تتراوح بين (5-10 دولار) في المحاصيل الزراعية بحسب أنواعها، والإتاوات التي تفرضها الحواجز المنتشرة والتابعة للجيش الوطني من عفرين وحتى الباب، والتي تتقاضى بين (1-2 دولار عن كل سيارة) خلال مرورها بالحواجز على شكل رشى أو إتاوات.
وتتراوح أجرة النقل للسائق بين (100 دولار للوصول إلى مدينة الباب و60 دولار لمنطقة عفرين و80 دولار إلى مدينة اعزاز) لسيارات الأنتر (حمولتها بين 6-9 طن)، تتضاعف هذه الأسعار في السيارات الكبيرة (حمولة 60 طن) وتبلغ نحو (500 دولار).
ويسمح بمرور المحاصيل الزراعية كافة من هذه المعابر، باستثناء “الموز” الذي يمر حصراً عبر معبر العيس، ولا توجد أي آلية لفحص المنتجات القادمة من المعبر أو مخابر لتبيان التلف الحاصل فيها أو تضررها.
يتم استيفاء كافة الرسوم بالدولار، ويوجد في المعبر مكاتب للتصريف، كما تمنع هذه المعابر مرور بعض الأصناف أحياناً، دون إخطار سابق أو لوائح وذلك بحجة “عدم الاكتفاء في السوق المحلية”، وتصدر كميات كبيرة من المحاصيل التي تصل إلى مدينة الباب نحو مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (شرق سوريا)، وهو ما يفسر التفاوت الكبير في حركة المعبر، بحسب الظروف العسكرية، إذ توقفت هذه الحركة بشكل شبه كامل خلال الشهر الحالي بسبب إغلاق المعابر نتيجة معركة “نبع السلام” بين تركيا والجيش الوطني وقوات سوريا الديمقراطية.
يتمسك المزارعون والسكان بوجود المعابر ومتابعة أخبار إغلاقها وفتحها لما تتركه من أثر في حياتهم اليومية، ويأملون بأن تدار بطريقة مدروسة تضمن لهم حرية الاستيراد والتصدير دون فرض رسوم عالية ما سيعود بالفائدة على الفلاح والمواطن معاً، في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها.
وفقاً للتركيب الكيميائي للنبع فإن مياه الحمام كلسية ذات تركيب كيميائي يدخل فيه “الهيدروكربونات” وتحتوي على تركيز عال من شوارد الكلور والفوسفات والصوديوم المعدنية، ولها رائحة كبريتية قوية. كما أنها تفيد كثيراً في حالات الروماتيزم خصوصاً المصحوبة بأورام وكذلك في النقرس والأمراض الجلدية مثل حب الشباب والجرب وبعض أنواع الأكزيما وأمراض النساء والأمراض العصبية، مؤكداً أن نبع حمام الشيخ عيسى من أكثر الينابيع المعدنية في سورية غني بالمياه الكبريتية الساخنة.
وتظهر دراسة عن المياه المعدنية والكبريتية في سوريا قام بها الدكتور محمد سعيد المصري والكيميائية هدى عساف وجود عنصر الرادون المشع في مياه حمام الشيخ عيسى الذي يحافظ على درجة حرارة 35.6 درجة مئوية في حمام الرجال و 36.6 درجة مئوية في حمام النساء، ويبلغ تركيز الرادون المشع 222 (هو أكثر نظائر الرادون استقراراً) في مياهه إلى 1476Pci/L في حمام الرجال، و 1142Pci/L في حمام النساء، كما تظهر الدراسة وجود الراديوم 226 في مياه الحمام بنسبة (66.9 للرجال و 66.8 Pci/L للنساء)، وللرادون دور في علاج الأمراض الروماتيزمية وبعض الأمراض الجلدية، إلّا أن الدراسات أثبتت خطورة مياهه وعدم صلاحيتها للشرب، إذ تعتبر من العناصر المشعة التي تسبب السرطانات، في حالة التراكيز العالية.
على قمة جبل الزاوية بين قريتي جوزف وبسامس جنوبي إدلب، وفوق تلة يطلق عليها “النبي أيوب”، وهي من الهضاب البركانية الخامدة، تتواجد بركة مائية تحمل الاسم نفسه، بأرضية وجوانب صخرية وبعمق يبلغ أربعة أمتار، وتقدر مساحتها بخمسة وعشرين متراً مربعاً.
يقول محمد العوض (من جبل الزاوية) إن مياه البركة المائية اكتشفت عن طريق المصادفة بقدرتها على علاج بعض الأمراض الجلدية، فمعظم السكان المحيطين بها كانوا يتخذونها مقصداً للتنزه والسباحة، ولاحظ الأهالي منذ عقود طويلة أن الدخول في مياه البركة يشفي بعض الأمراض الجلدية كـ “الجرب والبثور” ما أدى إلى انتشار شهرتها بين أهالي القرى الذين لجؤوا إليها للاستشفاء.
من جهته يقول عمر الفطراوي (رئيس المجلس المحلي لقرية) إن أهالي سكان المنطقة كانوا قديماً يلجؤون للاستشفاء بالأعشاب الطبية، إلّا أنهم ومنذ اكتشاف خصائص مياه البركة باتوا يتجهون إليها للتداوي، بإخراج بعض الطين الراقد أسفلها ودهن المكان المصاب وتعريضه للشمس لدقائق قليلة، قبل الاغتسال بمياه البركة من جديد، تكرر العملية لمرات عديدة، وهو ما دفع قاصديها لاصطحاب الطين والماء من البركة إلى منازلهم واستخدامها في العلاج.
يفسر الطبيب مصعب الجاسم (من ريف إدلب) ما يحدث، بعيداً عن قناعة الأهالي بالجانب الروحاني الديني للبركة التي يقال إن النبي أيوب مرّ واغتسل بها في طريقه للعلاج، وهذا سبب تسميتها بهذا الاسم، يقول إن الدراسات التي أجريت على المياه والطين المترسب في قاع البحيرة أظهر وجود مادة كبريتية في تربة التل، ما يساعد على الشفاء أو التحسن لدى المرضى المصابين ببعض الآفات الجلدية كالجرب والجدري.
يقول محمد العمر من أهالي القرية إن صعوبة الوصول إلى البركة، بسبب علوها الكبير، دفع بعض أبناء القرية إلى نقل وتعبئة الجرار بمياه البركة وطينها وتوزيعها على المصابين بالأمراض الجلدية من أبناء البلدات المجاورة، دون ثمن.
وليس ببعيد عن بركة النبي أيوب وعلى الضفة الغربية لنهر العاصي من مدينة جسر الشغور، يتواجد حمام “الشيخ عيسى” في بلدة الحمامة، والذي يصفه الأهالي بـ “المستشفى الطبيعي لمعالجة الأمراض الجلدية والعظمية والعصبية”.
يقول حمزة كمال رئيس المجلس المحلي لبلدة الحمامة إن الحمام الأثري يعود للعصور الرومانية، وهو عبارة عن حجر كلسي مقنطر متقن البناء، بجانبه عيون مياه غزيرة أكبرها “عين الورادات” وعين “السبع عيون”، تتجمع في بركتين داخل الحمام، إحداهما مخصصة للرجال وأخرى للنساء، ويصل طول كل بركة إلى ستة أمتار وبعرض خمسة أمتار، وبعمق يصل إلى متر ونصف المتر، تصلها المياه عبر مجرى مائي متصل بالنبع الحار.
وفقاً للتركيب الكيميائي للنبع فإن مياه الحمام كلسية ذات تركيب كيميائي يدخل فيه “الهيدروكربونات” وتحتوي على تركيز عال من شوارد الكلور والفوسفات والصوديوم المعدنية، ولها رائحة كبريتية قوية. كما أنها تفيد كثيراً في حالات الروماتيزم خصوصاً المصحوبة بأورام وكذلك في النقرس والأمراض الجلدية مثل حب الشباب والجرب وبعض أنواع الأكزيما وأمراض النساء والأمراض العصبية، مؤكداً أن نبع حمام الشيخ عيسى من أكثر الينابيع المعدنية في سورية غني بالمياه الكبريتية الساخنة.
وتظهر دراسة عن المياه المعدنية والكبريتية في سوريا قام بها الدكتور محمد سعيد المصري والكيميائية هدى عساف وجود عنصر الرادون المشع في مياه حمام الشيخ عيسى الذي يحافظ على درجة حرارة 35.6 درجة مئوية في حمام الرجال و 36.6 درجة مئوية في حمام النساء، ويبلغ تركيز الرادون المشع 222 (هو أكثر نظائر الرادون استقراراً) في مياهه إلى 1476Pci/L في حمام الرجال، و 1142Pci/L في حمام النساء، كما تظهر الدراسة وجود الراديوم 226 في مياه الحمام بنسبة (66.9 للرجال و 66.8 Pci/L للنساء)، وللرادون دور في علاج الأمراض الروماتيزمية وبعض الأمراض الجلدية، إلّا أن الدراسات أثبتت خطورة مياهه وعدم صلاحيتها للشرب، إذ تعتبر من العناصر المشعة التي تسبب السرطانات، في حالة التراكيز العالية.
ناهد بكري من مدينة جسر الشغور قالت إن حمام الشيخ عيسى كان يشهد زيارات مستمرة ودورية طيلة العام بقصد العلاج والتنزه، كما يتواجد بالقرب منها عدد من الفنادق القديمة والمكونة من طابق واحد وعدد من المطاعم الشعبية التي تقدم الوجبات الشرقية والوجبات السريع، وكان مقصداً لسكان مدينة دمشق في فصل الشتاء ومدينة حلب في الصيف لقرب المسافات، أما سكان المنطقة فيرتادونه في الخريف والربيع.
وبحسب ما قاله أهالي القرية فإن الحمام كان سابقاً يدار من قبل أهله وسكان المنطقة، ولم يتلقى اهتماماً من الجهات الحكومية ما أدى لضياع قسم كبير من معالمه بمرور الزمن والإهمال.
لم تسلم تلك الحمامات في السنوات الأخيرة من القصف بأسلحة النظام الذي بدأ منذ مطلع عام 2013، بعد أن لجأ إليها عدد من النازحين من مختلف القرى المحررة التي تعرضت لتهجير أهلها والقصف بحثاً عن الملاذ الآمن، ومع بداية عام 2016 ازدادت نسبة النازحين إليه خاصة بعد أن جف الحمام بسبب الإهمال الكبير له وعدم ترميمه من القصف، بحسب رئيس المجلس المحلي الذي طالب المنظمات بإعادة تأهيل الحمام وتجهيزه لمساعدتهم والاستفادة منه لإعادة الحياة للمنطقة.
تنتشر الينابيع الكبريتية في سوريا وألفها الناس في تجميل حياتهم والترويح عن النفس واتباع العادات التي اتخذها القدماء في العلاج من الأمراض، ومن أهم تلك الينابيع الكبريتية المتواجدة في سوريا والتي أخذت سمعة شعبية كبيرة من خلال تجارب الزائرين لها و التي تقدم السياحة الطبيعية والعلاج الجسدي والعصبي والنفسي لمن يرغب في الاستفادة من حرارة مياهها وجماليات موقعها، منتجع طريق الحرير جنوب حماة 17 كم، ومنتجع نبع الحياة جنوب دمشق 45 كم، وموقع نبع السفح جنوب غرب مدينة الحسكة 75 كم، وحمامات أبو رباح شرقي حمص، وتحتوي جميعها على مياه كبريتية تصل حرارتها ما بين 30 إلى 40 درجة مئوية.
دمّرت الحرب معظم البنى التحتية الخاصة بعمليات الري، من مضخات ومحطات في السدود، وبعض أقنية الري، وقطعت الطرق الزراعية، كما تعرضت للقصف بعض المنشآت الزراعية والوحدات الإرشادية
يشكل نهر العاصي مع روافده والسدود المقامة عليه شرياناً هاماً للزراعة في المنطقة التي يمر بها، خاصة سهل الغاب ، إذ ينتج حوض العاصي والذي تبلغ مساحته نحو 21.6 ألف كم، 24% من منتجات سوريا الزراعية و16% من المنتجات الصناعية في السابق.
سهل الغاب السلة الغذائية الأهم في حوض العاصي
يعدّ سهل الغاب من أهم سهول سوريا وحوض العاصي وأكثرها خصوبة، وهو سهل منبسط يقع بين جبال اللاذقية غرباً وجبال الزاوية وشحشبو شرقاً، وما بين جشر الشغور شمالاً وتل سلحب جنوباً، يبلغ طوله 80 كيلو متراً، ويتراوح عرضه بين 13-15 كيلو متر، وتزيد مساحته عن 500 ألف هكتار، تسيطر قوات المعارضة على الجزء الأكبر منه ويشكل سلة غذائية لمناطق الشمال السوري، بحسب غسان عبود (مدير زراعة سهل الغاب).
سهل الغاب -فوكس حلب
يقول العبود إن خصوبة التربة في سهل الغاب ساهمت في تنوع محاصيله وجودتها على امتداد العام، إذ تزرع فيه العديد من المحاصيل الزراعية الاقتصادية مثل القطن والشمندر السكري والتبغ والذرة والصفراء، إضافة للنجيليات مثل القمح بصنفيه القاسي والطري والشعير، والبقوليات بأنواعها مثل الفول والحمص والعدس والبازلاء، ويخصص قسم منه لزراعة الخضار الموسمية كالبطاطا والبندورة والباذنجان والفليفلة والفاصولياء والملفوف والقنبيط وغيرها.
وأوضح العبود إن هذه المحاصيل تنظم وفق خطة زراعية كانت تضعها وزارة الزراعة سابقاً، لتحقيق التناسب بين حاجة السوق وطاقة المعامل، مثل معامل السكر والكونسروة، تجنباً للانعكاسات السلبية على أسعارها ما يترك أثره السلبي على المزارع.
سهل الروج -فوكس حلب
وعن الخطة الزراعية في السهل يشرح العبود إن محصول القمح كان يحظى بنسبة 60% من الأراضي المزروعة، يليه القطن بنسبة 20%، والبقوليات 5%، والخضار الصيفية 5%، والشمندر 3%، والخضار الشتوية 2%، بينما تأخذ المحاصيل الأخرى النسبة الباقية كالذرة وغيرها، عدا محصولي التبغ والبصل، واللذين كانا يحظيان بعقود خاصة حسب المساحة المعطاة من وزارة الزراعة بالتعاقد المباشر بين المزارع والمؤسسة أو المعمل المصنع.
وزراعات سهل الغاب مروية عبر نهر العاصي بشبكات ري فرعية موزعة على كامل السهل، كانت تدعمها السدود التخزينية والترشيحية صيفاً، وبعض الينابيع الموجودة في المنطقة مثل نبع باب الطاقة وقسطون والبارد.
أثر الحرب على الزراعة في سهل الغاب
دمّرت الحرب معظم البنى التحتية الخاصة بعمليات الري، من مضخات ومحطات في السدود، وبعض أقنية الري، وقطعت الطرق الزراعية، كما تعرضت للقصف بعض المنشآت الزراعية والوحدات الإرشادية، ناهيك عن السرقات التي طالت مشاريع السدود ومضخاتها.
يقول المهندس أنس أبو طربوش (من مديرية زراعة سهل الغاب) إن نزوح الأهالي بفعل المعارك الدائرة والقصف أدى إلى ترك مساحات كبيرة من الأراضي دون زراعة، كما أدى القصف إلى تعطيل معامل السكر، ومحالج القطن التي تضررت أو نقلت إلى خارج البلاد، وانعدمت زراعة التبغ لعدم وجود طريقة لتسويقه، إذا لا يوجد في المنطقة التي تسيطر عليها لمعارضة أي معمل للتبغ.
كما ساهم ارتفاع أسعارها المستلزمات الزراعية مثل الأسمدة والبذار المحسنة والموثوقة والمبيدات الفعالة والمراقة، ساهم في غياب الكثير من الزراعات خاصة الاقتصادية منها، لينخفض إنتاج سهل الغاب بنحو 80% عنه ما قبل 2011، بحسب طربوش الذي قال إن الزراعة فيه حالياً تقتصر على ثلاثة أصناف بعلية هي (القمح والشعير والبرسيم العلفي)، إضافة لمساحة صغيرة لا تزيد عن أربعة هكتارات خُصصت للمحاصيل في الصيف (خضراوات فقط)، وتزرع في أماكن مصادر الري المتبقية أو بجانب الآبار، أغلبها لا يغطي كلفة النفقات الزراعية بسبب غلاء الوقود والنقل والعبوات والأسمدة والمبيدات الحشرية وشبكات الري الصناعية.
جسر الشغور
تقع منطقة جسر الشغور إلى الشمال من سهل الغاب على حوض نهر العاصي، وتتبع إدارياً لمحافظة إدلب، بريفها الغربي، وأهم مدن وبلدات هذه المنطقة الزراعية، جسر الشغور، ودركوش والعديد من البلدات والقرى التابعة لهما، وتغلب على زراعاتها بساتين الأشجار المثمرة، باستثناء الجزء الجنوبي من ريف جسر الشغور المتاخم لسهل الغاب، وبعض المساحات الصغيرة.
تضرر محصول القطن في جسر الشغور
يقول المهندس الزراعي مفضي الخليل إن نسبة زراعات الأشجار المثمرة بهذه المنطقة، تبلغ 88%، ونسبة المساحات الزراعية الأخرى تبلغ 12 %، حسب إحصائيات مديرية زراعة إدلب عام 2014، حيث تبلغ المساحة المزروعة بالأشجار المثمرة البعلية حوالي 18.4 ألف هكتار، أما مساحة الأشجار المروية تبلغ 2.1 ألف هكتار، وتزرع الخضار بمساحة تقارب 537 هكتاراً، ويتبقى حوالي 1.6ألف هكتار تزرع بالمحاصيل المختلفة الأخرى.
الأشجار المثمرة في جسر الشغور
وأهم مزروعات الأشجار المثمرة هي (المشمش والخوخ والتفاح والرمان واللوز والجوز والزيتون والكرمة والحمضيات)، وتعتمد حالياً غالب زراعتها المروية على نهر العاصي، وسد الدويسات، ويغيب دور سد زيزون بعد خروجه عن الخدمة.
سهل الروج
وهو أحد أهم سهول حوض العاصي، ومن أهم سهول إدلب، يقع غربي إدلب، بين جبلي الزاوية والوسطاني، ويتصل في الجنوب مع سهل الغاب، وهو سهل خصب، وكان يعد من سهول إدلب المغذية للمحافظة وللبلاد بمزروعات متنوعة.
وتبلغ مساحة سهل الروج 12 ألف هكتار، كان يروى من نبع عين زرقا، وسد البالعة بشكل شبه كامل، وتزرع فيه أغلب المحاصيل الزراعية المروية، كالقطن، والشمندر السكري، والبطاطا، وكافة أنواع الخضار، إضافة للحبوب، ويزرع موسمين في العام الواحد، أما حالياً وبسبب توقف مشروع الري فإن 90% من مساحة السهل تزرع بالحبوب والبقوليات (قمح، شعير، حمص، عدس، جلبان، حبة البركة) و10% من مساحته تزرع بالخضار المروية المنوعة، كالطماطم، والخيار، والفاصولياء، بحسب المهندس الزراعي أحمد رشواني.
سلقين إلى الشمال من جسر الشغور، وعلى نهاية حوض العاصي في الأراضي السورية، تأتي منطقة زراعية أخيرة، هي مساحات مدينة سلقين وريفها، والتي تتبع إدارياً لمنطقة حارم بمحافظة إدلب، غالب زراعتها الاشجار المثمرة، وفي مقدمتها الزيتون.
الزيتون في سلقين
يقول المزارع سامي البوبكي (من أبناء سلقين) إن أغلب مساحة المنطقة تزرع بالأشجار المثمرة وأكثرها الزيتون، حيث يوجد صنف زيت يحمل اسم المدينة، تنتجه مزارعها، يسمى الزيت السلقيني وهو صنف مشهور، ومن الأشجار الأخرى التي تزرع فيها الرمان، والجوز، واللوز، والتين، والكرمة، والجارنك، والمشمش، إضافة لمساحات صغيرة تزرع ببعض المحاصيل كالقمح والحبوب، ومساحات أخرى صغيرة بالخضار، كالبندورة، والفليفلة الحمراء، والباذنجان، والخضار الأخرى، كلها تروى من مياه نهر العاصي بـ “النضح” عبر محركات سحب صغيرة تسحب المياه من نهر العاصي للمزارع.
غياب المياه ومشاريع الري سبب في تراجع كبير على مستوى الزراعات الاقتصادية التي غابت بالكامل، والتي كانت تشكل نواة الزراعة في سهل الغاب وبعض من قرى وبلدات ريف حلب الجنوبي، خاصة مع توقف المنشآت التي كانت تحتاج لهذه المنتجات في الصناعة، ما أدى إلى فقدان مئات من العائلات لوظائفهم من جهة، وخسارة الفلاح لقسم رابح من الزراعات التي كانت تتكفل “الحكومة” بدعمها وشرائها وبأسعار مناسبة.