الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية “الفستق الحلبي” ذهب سوريا الأحمر الضائع

“الفستق الحلبي” ذهب سوريا الأحمر الضائع

تراجعت المساحات المزروعة بشجر الفستق الحلبي في سوريا خلال الأعوام السابقة، مع تعرض قسم كبير منها لليباس والحرق والإهمال، إذ احتلت سوريا المرتبة الرابعة عالمياً منذ العام 2008 بإنتاج الأنواع المختلفة من الفستق (العاشوري -العليمي -البياضي -ناب الجمل –البندقي -رأس الخاروف -أبو ريحة -بيض الحمام…)، وبلغت المساحات المزروعة، بحسب إحصائيات وزارة الزراعة، 57 ألف هكتاراً منها 6123 مروية و51 ألف هكتار بعلي، تضم 927 ألف شجرة مروية و8.5 مليون شجرة بعلية، ويقدر متوسط انتاجها بـ 65 ألف طن سنوياً.

ومع اقتراب موسم قطاف الفستق الحلبي يعجز معظم المزارعين عن الوصول إلى أراضيهم في أرياف حماه وريف إدلب (في حماه يوجد 3 ملايين شجرة فستق حلبي)، بسبب سيطرة قوات الأسد عليها، أو رصدها لهذه المناطق من خلال الحواجز المنتشرة، إضافة لحرق مساحات كبيرة من الأراضي وتعرض أعداد كبيرة من الأشجار للآفات الزراعية بسبب الإهمال وعدم قدرة المزارعين على العناية بأراضيهم، بحسب المزارع والناشط الإعلامي أحمد الياسين (من قرية عطشان بريف حماه الشرقي) والذي قال إن قوات الأسد حرمته وأبناء قريته من جني محصولهم لعامين متتالين، منذ سيطرتها على القرية ورصدها للأراضي المجاورة لها “على الرغم من وجود قسم جيد من حقولنا خارج سيطرة قوات النظام إلا أننا لا نستطيع الوصول إليه نتيجة وقوعه بين الطرفين و عدم سماح أي طرف بدخول المزارعين، خاصة أن قوات النظام تعمدت استهدافهم في كل مرة تلمحهم فيها يعملون في حقولهم الأمر الذي حمل الثوار على منع هؤلاء المزارعين من الاقتراب من هذه المناطق حفاظا على سلامتهم “.

لا يقتصر الأمر على خسارة المواسم بالنسبة للمزارعين، بل تعدّى ذلك لموت قسم كبير من الأشجار بسبب انتشار الأمراض، وعدم القدرة على مكافحتها لصعوبة الوصول، يقول الياسين “إن تعب وجهد السنين ذهب سدى”، ناهيك عن الحرائق التي طالت الأشجار في الموسم الحالي، والتي سيمتد أثرها لسنوات عديدة، فـ “شجر الفستق الحلبي يحتاج لفترة زمنية طويلة ليبدأ بطرح الثمار، هذا في حال توفرت له أفضل الظروف”.

ويعزو “الياسين” احتراق الأراضي الزراعية وانتشار النيران الواسع والسريع الذي التهم مساحات كبيرة إلى انتشار الأعشاب اليابسة في الأراضي الزراعية بشكل كثيف، والذي أدى إلى تشكل شبكة من الأعشاب قادرة على حرق أي حقل بمجرد وجود سبب للاشتعال، كما حمل قوات النظام السوري المسؤولية الأولى والكبرى في حصول هذه الحرائق بعد أن استهدفت الأراضي الزراعية بشكل مباشر بالقذائف والصواريخ بعضها يحتوي مواد حارقة حسب قوله.

يقدّر المهندس الزراعي محمد كمال الحلاق (من ريف حماه الشرقي) بحسب إحصائيات أجراها في المناطق الواصلة بين مورك (في ريف حماه الشمالي) وقريتي عطشان ومعان (بريف حماه الشرقي) مساحة الأراضي المزروعة بالفستق الحلبي بـ 12000 دونم، يقترب حجم الضرر فيها بسبب الحرائق من نسبة 90% من الأشجار، تتراوح أعمارها بين (15 -40) عاماً، معظمها من الأشجار التي حظيت بعناية فائقة وتنظيم جيد، على حد قوله.

وشجرة الفستق الحلبي من الأشجار الحساسة التي تحتاج لعناية فائقة ومستمرة، ويؤدي إهمالها إلى تراجع في الإنتاج والإصابة بالآفات وأهمها “حشرة الثاقبة والكابنودس”، وهما من الحشرات التي تصيب الأشجار المهملة، كذلك تلعب الظروف المناخية دوراً هاماً في انتشار الأمراض الفطرية، أما ارتفاع درجات الحرارة، والذي سببته الحرائق، فقد أثر سلباً على الأشجار الصغيرة (دون عمر الخمس سنوات)، يقول الحلاق “يتوجب على المزارعين اقتلاع هذه الأشجار وإعادة زراعة الحقل من جديد”.

تزيد كلفة العناية بـ “الدونم الواحد” من أشجار الفستق الحلبي، دون القطاف عن 35 ألف ليرة سورية، يقول المزارع وتاجر الفستق خالد أبو كرمو (من مدينة مورك)، يفصلها لنا في حال استطاع الفلاح الوصول إلى أرضه بـ (8000 حراثة وجهين -3000 تقليم –بين 2500 إلى 5000 مبيد وقائي وعلاجي -10000 أسمدة طبيعية وكيماوية -10000 سقاية) يضاف إلى ذلك أجرة القطاف المرتفعة جداً مقارنة مع العام الماضي، (كانت أجرة العامل الواحد في موسم القطاف بسبب الوضع الأكثر أمنا مقارنة مع هذا العام (2000) ل.س و العمل لمدة خمس ساعات  في اليوم)، وتوقع (أبو كرمو) أن تتضاعف الأجرة لتتراوح بين (1000-2000) ليرة في الساعة الواحدة بسبب تعرض المنطقة للقصف وعزوف الورشات عن العمل. ناهيك عن صعوبة التصريف في السوق المحلي للظروف الاقتصادية السيئة، وإغلاق معابر التصدير، والإتاوات التي تفرضها حواجز قوات الأسد على المعابر الداخلية للسماح بمرور المحصول إلى الأسواق والتي أدّت في الأعوام السابقة إلى خروج المزارعين “صفر اليدين” بحسب تعبير “أبو كرمو”.

أم عمر (من مدينة خان شيخون) والتي نزحت إلى ريف إدلب الشمالي فقدت مصدر الدخل الوحيد لعائلتها، تقول “إن قطاف الفستق كان مصدر رزقها وعائلتها والذي تعتمد عليه بشكل أساسي في إيفاء الديون المتراكمة عليها خلال العام”.

تبحث أم عمر كغيرها من أبناء المنطقة عن عمل آخر، تقول إنه من المستحيل قطاف الفستق في هذه الأوضاع الأمنية وفي ظل القصف والمعارك الدائرة، بعد أن كان يؤمن لها (عشرة آلاف يومياً هي وأفراد عائلتها الخمسة) طوال موسم القطاف الذي يستمر لما يزيد عن شهرين، تقول “في حال سلمنا من القصف فهناك القنابل العنقودية التي لم تنفجر والمنتشرة في الحقول”.

 

ليس حال أصحاب قشارات الفستق وكساراته بأفضل من المزارعين وعمّال الورشات، والتي كانت تؤمن فرصة عمل لعدد لا بأس به من أبناء المنطقة، بعضها توقف عن العمل للظروف السابقة ذاتها، أما ما تبقى فقد تراجع عملها بسبب قلة الإنتاج، ليغدو موسم “الذهب الأحمر” كما يطلق عليه أبناء المنطقة ضائعاً وسط حسرة المزارعين وذكرياتهم عن أيام ازدهاره ومواسمه الخيرة.

محمد أبو سيف