هناك أشياء لا تغيرها الحرب، فالطبيعة تفرض نفسها على المكان الذي بات قبلة لمصطافي الشمال السوري الباحثين عن يوم للفرح في بلدة دركوش التابعة لمدينة جسر الشغور شمالي سوريا، خاصة مع انعدام الأماكن السياحية واستحالة الوصول إلى الشريط الساحلي.

ازدادت الأهمية السياحية لبلدة دركوش (وتعني الطريق الصغير أو مهد الطفل بحسب موسوعة الأسدي والأب شلحا) خلال السنوات الماضية، ساعد في ذلك موقعها الجغرافي المميز والذي يخترقه نهر العاصي إذ تتوزع البيوت على ضفتيه في منحدر سحيق بين جيلي الوسطاني والدويلي وجبل القصير، إضافة لأزقة البلدة القديمة وسوقها الأثري، ناهيك عن المنتزهات السياحية والمسابح والشاليهات الخاصة المتوزعة على طريق عين الزرقا، والحمام والجسر الرومانيان والجامع القديم والطاحونة التي تضم عدة نواعير وينابيع المياه العذبة والمغاور أهمها (الحكيم والعبد والجارية).

وعمد الأهالي الذين كانوا يعملون في الزراعة لخصوبة أراضيهم التي تشتهر بزراعة والرمان والزيتون والخوخ والمشمش والتين صبار والعديد من الفواكه والخضروات إلى استثمار الموقع السياحي لجذب المصطافين إلى بلدتهم عبر بناء المقاهي والمطاعم والشاليهات لتحقيق مصدر دخل جديد، إلّا أن هذه الاستثمارات لم تصل إلى بناء فنادق بخدمات مميزة أو مشاريع سياحية كبيرة واقتصرت على مشاريع فردية يقوم بها الأهالي.

يقول محمد جازة “صاحب إحدى الشاليهات” إن والده عمد إلى تحويل بركة المياه التي كان يستخدمها لسقاية الأشجار منذ خمسة عشر عاماً إلى “شاليه سياحي” يقصده السياح وأهالي المنطقة للترويح عن أنفسهم، وبمرور الزمن تطورت هذه الشاليهات ودخلت إليها بعض الخدمات اللازمة لتتماشى مع متطلبات المستأجرين الباحثين عن تمضية يومهم في ظروف خدمية جيدة.

يكاد يتطابق الشكل العام للشاليهات في دركوش، إذ غالباً ما يتألف من غرفة أو غرفتين للسكن، وشرفة للمصطافين، إضافة لحوض السباحة الذي يعتبر أهم العناصر التي يجب أن تتواجد في المكان.
وتختلف الأجور التي يتقاضاها صاحب الشاليه بحسب الخدمات التي يقدمها والتجهيزات الموجودة في الشاليه، بالإضافة لحجم المسبح وتتراوح تلك الأجور مابين10آلاف ليرة سورية إلى 15 ألف لمدة 24 ساعة، وهو ما يعتبره المصطافون أجراً كبيراً، إلا أن جازه يراه مناسباً، نظراً لارتفاع كلفة استخراج المياه من الآبار وثمن الكهرباء وأجور التنظيف والعناية بالمكان، ناهيك عن أكلاف بناء الشاليه.

ويستفيد ملّاك الشاليهات من مياه حوض السباحة عند تغييره لسقاية مزروعاتهم، كما تؤجر خلال فصل الشتاء (لانعدام السياحة) بعقود شهرية للراغبين، خاصة من الوافدين أو المهجرين إلى المكان، وأحياناً يتم تقديم هذه الغرف مجاناً قبل أن يبدأ موسم الاصطياف.

تتنوع درجات السياحة في دركوش بحسب القدرة المادية للزائرين، حيث يتوزع المصطافون على الخيام المنتشرة على شاطئ النهر أو على المسابح والشاليهات.
يرى أبو خالد “زائر للمدينة” أن تكاليف الرحلة والإقامة بشاليه مرتفعة بشكل كبير ولا تتناسب مع دخل الفرد في الشمال السوري، فمتوسط تكلفة الرحلة إلى تلك الأماكن تقارب 30 ألف ليرة سورية للعائلة الصغيرة، وهو ما دفع الكثير من الأهالي لصرف النظر عن تلك الرحلات، بينما يستعيض بعضهم باستئجار خيمة يستظلون بها على ضفاف العاصي حيث تنتشر عشرات الخيام التي شيدها أصحاب المزارع على ضفاف العاصي هناك، بما يقارب 3000 ليرة لليوم.

تغيب الرقابة من قبل المؤسسات الحكومية أو المجالس المحلية على الأسعار التي يفرضها أصحاب المنشآت السياحية وذلك “بسبب فقدان الاستقرار في المنطقة، ويكون لصاحب المنشأة الدور الأبرز في تحديد الأسعار بما يتناسب مع مشروعه والتكلفة التي تكبدها والخدمات التي يقدمها” بحسب رئيس المجلس المجلي برهان كعدة، والذي أضاف “يتجاوز عدد المنشآت السياحية الموجودة في دركوش 100 منشأة أغلبها غير مرخصة بسبب غياب مديرية السياحة، بينما يعمل المجلس المحلي على تنفيذ التراخيص الإدارية.
كما يعمل المجلس على تقديم خدمات النظافة لتلك الشاليهات حسب إمكانياته ولا يتقاضى أي ضرائب أو رسوم سياحية في الوقت الحالي بينما اعتاد أصحاب تلك المنشآت على دفع الضرائب قبل سنوات الثورة”.

لم تتأثر الأحياء السكنية البعيدة عن النهر بواقع المدينة السياحي وحافظت تلك الأحياء على أسعارها وإيجارات المنازل الموجودة بها بحسب أحد النازحين إلى المدينة، والذي يرى أن أسعار مدينة دركوش أفضل بكثير من بقية المناطق الحدودية بينما تتميز دركوش بانخفاض أسعار الخضروات الموجودة بها أثناء الموسم بسبب وفرة الأراضي الزراعية .