إن محدودية مياه الري المتوافرة بريف حلب الجنوبي بعد إيقاف تدفق مياه نهر قويق، وارتفاع أكلافها بالاعتماد على مياه الآبار حتّم على المزارعين البحث عن محاصيل بديلة ذات قيمة اقتصادية جيدة، وهو ما دفعهم للاعتماد على زراعة “الذرة البيضاء” بالدرجة الأولى في مواسمهم الصيفية، والثانية على مستوى المحاصيل الشتوية بعد القمح في المنطقة.

يصف المزارعون الذين التقيناهم المواسم الزراعية في العام الحالي بـ “السيئة”، خاصة مع الأمراض التي أصابت محاصيلهم الشتوية بفعل الرطوبة العالية في المناخ والتي تسببت بمرض الصدأ الذي طال الأصناف الطرية من محصول القمح، كذلك مرض الشلل والذبول الذي أصاب محصول الكمون وقضى على ما يزيد عن 60% منه خلال العام الحالي، ناهيك عن الحرائق التي قضت على ما يقارب 400 هكتاراً من محاصيل القمح والشعير بريف حلب الجنوبي، والتي سببتها المعارك الدائرة في المنطقة واستهداف المحاصيل من قبل قوات النظام.

كل تلك الأسباب دفعت المزارعين لاجتراح حلول بديلة لتعويض بعض خسائرهم في الموسم الشتوي، فلجؤوا إلى زراعة الذرة البيضاء أو ما يعرف بـ “الذرة الرفيعة” والتي شكّلت الموسم الصيفي الأهم في المنطقة، كذلك الاعتماد عليه كموسم شتوي يأتي في الدرجة الثانية من حيث المساحات المزروعة بعد محصول القمح الاستراتيجي.

وبحسب إحصائيات صادرة عن وزارة الزراعة في الحكومة السورية في العام 2011، فإن مدينة حلب تأتي بالمرتبة الأولى بين المحافظات السورية في إنتاج الذرة البيضاء بواقع 420 هكتاراً تنتج ما يزيد عن 840 طناً سنوياً، إلّا أن هذه النسبة زادت في العام الحالي مع لجوء مزارعي الريف الجنوبي للاعتماد على زراعتها بشكل رئيسي في حقولهم.

وتعود أسباب الاعتماد على زراعة الذرة البيضاء إلى قلة احتياجها للماء، إذ تبلغ (3924 متراً مكعباً للهكتار) وهو أقل بـ 40% من قيمة الاحتياج المائي لأغلب المحاصيل الأخرى، وانخفاض احتياجها للأسمدة، تبلغ بالحد الأعلى (50 كغ آزوت، و40 فوسفور للهكتار)، وقابليتها للمكننة باستخدام لآلات الزراعية وحصادات ودراسات القمح في زراعتها وجنيها، إضافة لقصر عمر النبات (يتراوح متوسط عمر الذرة البيضاء بين 115-120 يوماً) وقدرتها على النمو في ظل ظروف بيئية صعبة وتحملها للجفاف والملوحة، وإمكانية زراعتها في الأراضي التي لا يتوافر فيها المقنن المائي، وارتفاع قيمتها الاقتصادية، خاصة خلال السنوات الأخيرة.

وعن آلية زراعتها يقول المزارع أحمد حاج حميدي (من بلدة العيس بريف حلب الجنوبي)، إنه وبعد الانتهاء من حصاد محصول القمح أو الفول في الموسم الشتوي يقوم المزارع بسقاية الأرض “تربيص التربة” وفلاحتها لمرة أو اثنتين، بحسب نعومة التربة، ثم تبذر الذرة البيضاء بعد وضعها في المياه لعدة ساعات فيما يطلق عليه “التنقيع”، ليتم وعن طريق استخدام المحراث بـ “الدوس” فوق مكان بذار الذرة، وهي عملية يتم فيها التحام الذرة المنقوعة بالتربة الرطبة ما يسهل عملية إنباتها وخروجها فوق التربة وتستغرق ما بين خمسة إلى سبعة أيام.

يكمل الحميدي إن عملية الري تكون بعد خروج نبات الذرة بمعدل مرة أو مرتين بحسب توافر المياه، وتسميدها بالسماد، وعند نضج الذرة تحصد بحصادات القمح بعد إجراء عملية تعديل عليها، وتنشر الذرة الرطبة على الطرقات والساحات العامة لتيبيسها، ومن ثم تعبئتها بأكياس لتصبح جاهزة للبيع.

يباع محصول الذرة للتجار وتستخدم كعلف للحيوانات والطيور، ويتم تصديرها إلى بعض الدول العربية وخاصة العراق، كما تستخدم كمادة لصناعة الخبز وبعض الأطعمة، وكمادة أولية لصناعة الكحول الطبية. وتصل كلفة زراعة هكتار واحد من الذرة البيضاء إلى سبعين ألف ليرة سورية أي ما يعادل (110$)، بحسب علي التركي (مزارع في بلدة العيس) الذي قال إن إنتاج الهكتار الواحد “المخدوم بشكل جيد” يصل إلى ثلاثة أطنان، ويصل سعر الطن الواحد إلى مئة وسبعين ألف ليرة أي ما يعادل (300$)، وهو ما يعتبر ربحاً جيداً يصل إلى ثلاثة أضعاف الكلفة تقريباً، وخلال مدة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، إضافة للاستفادة من الأرض بزراعة موسم شتوي آخر.

والذرة البيضاء نوع من أنواع الذرة التي تتبع للفصيلة النجيليّة، إلى جنس “سورغم”، وهي من النباتات الحوليّة، والموطن الأصلي للذرة البيضاء هو مصر، والسودان، وشبه القارة الهنديّة، والعراق وفي سوريا مؤخراً، وتستخدم على شكل أعلاف للطيور والحيوانات ومادة أوليّة لصناعة الكحول، حيث يتمّ استخلاص النشاء والسليلوز منها، وتدخل في صناعة المكانس، والسّلال، والعديد من المشغولات اليدويّة.