يرى الأهالي أن هذه الفواتير فرضت للثأر من أهالي المنطقة الذين كانوا يعتمدون على “الليدات وبطاريات الشحن” لتأمين الكهرباء، وهم الآن يدفعون ثمن خدمة لم تكن تصلهم، الأمر نفسه فرض على مناطق درعا بعد مطالبة النظام لأهاليها بدفع فواتير الكهرباء المتراكمة طيلة السنوات الماضية، كذلك طالبت مؤسسة الكهرباء المدارس الحكومية التابعة لمديرية تربية محافظة القنيطرة والمساجد فيها بدفع الفواتير المترتبة عليهم خلال فترة سيطرة المعارضة على المنطقة.
أصدرت مؤسسة الكهرباء التابعة لحكومة النظام مؤخراً فواتير بعشرات الملايين مترتبة على العدادات المنزلية طوال فترة خروج جنوب دمشق عن سيطرة النظام، رغم انقطاع الكهرباء بشكل شبه كلي عن المنطقة، ومع دخول بلدات (يلدا وببيلا وبيت سحم) ضمن تيار المصالحات منتصف عام 2014، سمح النظام بإيصال الكهرباء للبلدات الثلاث بواقع أربع ساعات يومياً وباستطاعة مئة أمبير متوسط مع استمرار انقطاعها عن باقي بلدات جنوب دمشق.
في بداية المصالحة كانت المجالس المحلية تدفع مبلغ مليون ونصف مليون ليرة سورية مقسمة على البلدات الثلاث كبدل لاستجرار الكهرباء، وبعد رفض النظام التعامل مع المجالس المحلية انتقل ملف الكهرباء إلى ما يعرف (باللجنة المركزية) ضمن كل بلدة، وتدفع من أرباح البضائع التي تدخل عبر حواجز النظام.
أبو خالد أحد سكان بلدة يلدا يقول إن قيمة فاتورة الكهرباء الصادرة بحق عداد منزله بلغت 45ألف ليرة، ومع عدم القدرة على دفع المبلغ بشكل كامل تم تقسيمه على أقساط تدفع شهرياً.
ويكمل أبو خالد إن الفواتير الصادرة بحق الأهالي تراوحت بين (25 -100) ليرة سورية، ولا يملك الأهالي حق الاعتراض على هذه الفواتير أو عدم دفعها، وإنما يمكن تقسيطها فقط لمن يرغب.
يحمل أبو خالد المسؤولية إلى شيوخ المصالحات الذين “ورطوا المنطقة باتفاقيات المصالحة” التي لم ينفذ منها سوى الدعاء لعساكر النظام في خطب الجمعة الجاهزة”، تاركين الأهالي لقدرهم دون أي جهة تدافع عن حقوقهم.
تيسير محمد (ناشط مهجر من جنوب دمشق) وصف ما يتم فرضه على الأهالي من أموال بـ “التشبيح والسرقة”، إذ يعتمد النظام سياسة جديدة في تحصيل الأموال من الأهالي بهدف تأمين “رواتب ميليشياته”، خاصة وأن قيمة فواتير الكهرباء وحدها تتجاوز عشرات الملايين، وستتبعها فواتير أخرى كالمياه والهاتف وغيرها
ويقول تيسير إن المطالبة بفاتورة الكهرباء باتت شرطاً لازماً لإجراء أي معاملة في الدولة لإجبار الأهالي على دفعها، علماً أن جنوب دمشق ما زال فعلياً تحت الحصار، إذ أخذنا بالاعتبار الواقع السيء للكهرباء والمياه والقبضة الأمنية التي لا تسمح بمرور الأهالي من وإلى دمشق إلّا من معابر محددة أهمها “معبر سيدي مقداد”، والرقابة الشديدة التي تفرضها الحواجز المحيطة بالمنطقة، خاصة على الشبان في عمر الخدمة الإلزامية وسن الاحتياط، كما منعت قوات النظام عودة الأهالي إلى مناطق الحجر الأسود ومخيم اليرموك والتضامن وحي القدم والعسالي.
أهالي البلدات الثلاث يقولون إن هذه الفواتير تعود لسنوات الثورة الأولى والتي قطعت فيها الكهرباء بشكل شبه كلي عن المنطقة، خاصة بعد شهر كانون الأول من عام 2012، وبعد استهداف قوات النظام لمحطة الكهرباء الرئيسية في مدينة الحجر الأسود والتي تعتبر المغذي الرئيسي لنحو خمسين بالمئة من مناطق جنوب دمشق ومنها بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم التي قطعت عنها الكهرباء إلّا لساعات قليلة كانت تأتيهم عبر محطات الكهرباء المتواجدة في مناطق التماس مثل السبينة، لتقطع نهائياً منذ آذار 2013.
يرى الأهالي أن هذه الفواتير فرضت للثأر من أهالي المنطقة الذين كانوا يعتمدون على “الليدات وبطاريات الشحن” لتأمين الكهرباء، وهم الآن يدفعون ثمن خدمة لم تكن تصلهم، الأمر نفسه فرض على مناطق درعا بعد مطالبة النظام لأهاليها بدفع فواتير الكهرباء المتراكمة طيلة السنوات الماضية، كذلك طالبت مؤسسة الكهرباء المدارس الحكومية التابعة لمديرية تربية محافظة القنيطرة والمساجد فيها بدفع الفواتير المترتبة عليهم خلال فترة سيطرة المعارضة على المنطقة.
سلاسل حديدية وأرضية من التراب وأراجيح بلا مقاعد، هو كل ما يمكن أن يصلح كوصف للمكان، لا ألوان زاهية أو مقاعد بلاستيكية أو أراض مطاطية أو من الفلين، أما “المزحلقات” الحديدية هي الأخرى فبلا أي سور وبحديد صدئ يحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء واتساخ الملابس إن لم نقل تمزيقها.
تقول عفراء إن هذه الفسحة الترابية تحتوي طفولة أطفالها المسروقة، هم يصرخون ويضحكون وينسون أصوات الطائرات والحرب، بينما يهرب الأطفال من أسئلتنا عن المكان، يقولون إن حديقتهم لا تشبه ما يشاهدونه على التلفاز والصور، إلّا أنهم لا يتركون فرصة لخلق جو من الحياة وإيجاد حلول من أكوام الحديد تلك لتكون مصدر سعادة لهم.
“ليس فقط على الهاتف يقول أحد الأطفال”، ويشير بيده إلى مكان قريب عرفنا أنه مدينة ألعاب “ديزني لاند” في إدلب، والتي يحتاج دخولهم إليها إلى نقود كثيرة لا تملكها معظم العائلات في المدينة التي تغص بالوافدين والمهجرين والفقراء، يجره صديق له لإكمال حياتهم التي قاطعناها بأسئلتنا، يضحكان “هي ديزني لاند /نا”، يلتفت إلينا من جديد يبدو أنه يريد البوح بسر آخر “فيه كمان الأرض السعيدة عند الكورنيش”.
تهرب عفراء رفقة أطفالها الأربعة في كل يوم جمعة من عتمة القبو الذي يسكنون فيه إلى حديقة الجلاء المجاورة لمنزلها في إدلب، تقول إن أطفالها يحلمون بهذا اليوم طيلة الأسبوع، يركضون كالمجانين وهم يتسابقون للوصول، ترسم على وجهها ابتسامة وهي تخبرنا عن جو المرح واللعب الذي يصنعونه في الهواء الطلق بعيداً عما وصفته بـ “المكان الخانق الذي يضمهم”.
على المقعد المكسر أمام ألعاب الأطفال تختار عفراء أن تريح جسدها وهي تراقب أطفالها يتنقلون بأجسادهم الغضة على ما تبقى من ألعاب حديدية، تحاول جاهدة أن تتمسك برباطة جأشها وهي تلوح لهم بيديها، تلتقط لفرحهم صوراً تذكارية، والجملة الوحيدة التي ترافقها دائماً “ديروا بالكون لا توقعوا”.
سلاسل حديدية وأرضية من التراب وأراجيح بلا مقاعد، هو كل ما يمكن أن يصلح كوصف للمكان، لا ألوان زاهية أو مقاعد بلاستيكية أو أراض مطاطية أو من الفلين، أما “المزحلقات” الحديدية هي الأخرى فبلا أي سور وبحديد صدئ يحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء واتساخ الملابس إن لم نقل تمزيقها.
تقول عفراء إن هذه الفسحة الترابية تحتوي طفولة أطفالها المسروقة، هم يصرخون ويضحكون وينسون أصوات الطائرات والحرب، بينما يهرب الأطفال من أسئلتنا عن المكان، يقولون إن حديقتهم لا تشبه ما يشاهدونه على التلفاز والصور، إلّا أنهم لا يتركون فرصة لخلق جو من الحياة وإيجاد حلول من أكوام الحديد تلك لتكون مصدر سعادة لهم.
ديزني لاند في إدلب -إنترنيت
“ليس فقط على الهاتف يقول أحد الأطفال”، ويشير بيده إلى مكان قريب عرفنا أنه مدينة ألعاب “ديزني لاند” في إدلب، والتي يحتاج دخولهم إليها إلى نقود كثيرة لا تملكها معظم العائلات في المدينة التي تغص بالوافدين والمهجرين والفقراء، يجره صديق له لإكمال حياتهم التي قاطعناها بأسئلتنا، يضحكان “هي ديزني لاند /نا”، يلتفت إلينا من جديد يبدو أنه يريد البوح بسر آخر “فيه كمان الأرض السعيدة عند الكورنيش”.
على كرسي في طرف حديقة الزير بحي الثورة في إدلب يجلس الحاج “أبو حسن” ويدير وجهه بعيداً عن الكاميرا التي نحملها، يقول إنه يجلس في الحديقة دون أن يدفع ضريبة! ويتابع كل شيء اليوم يخضع للنظام الضريبي “رغيف الخبز، نقطة المياه، الوقود، أمبيرات الكهرباء، والقائمة تطول”، يشير بيديه بحركة اعتدنا استخدامها كدليل على العجز ليكمل “أداوم على القدوم إلى هنا لساعات يومية، أحاول الهرب من كل شيء”.
حدائق إدلب العامة تشترك فيما بينها بـ “الإهمال وانتشار القمامة وغياب العناية”، لا فارق بين حديقة الجلاء أو الزير وألماظة والذرة والحديقة العامة أو “المشتل” كما يطلق عليها الأهالي، إلّا أن الأخيرة تمتاز بأشجارها العالية ووجود أنواع مختلفة من الزهور وأشجار الياسمين، بعضها ما زال مزهراً إلّا أن اليباس طال قسماً كبيراً منها، أما بحرات المياه المعطلة في داخلها فقد جفت منذ زمن، تبدو وكأنها “بئر معطلة مهجورة”، يقول أبو حسن.
“أفضل الموجود”، “الي جابرك على المر”، “ما بعرف” أكثر الإجابات التي تلقيناها من رواد الحدائق للسؤال عن سبب لجوئهم إلى هذه الحدائق غير المخدمة، يقول أبو عمر (مهجر من حمص) إنه يزور الحديقة بشكل أسبوعي فلا “قدرة لي على الذهاب للمطاعم الخاصة، لست حمل فاتورة إضافية تلاحقني كيفما اتجهت”، تبتسم زوجته لتخبرنا عن طقس تحمل فيه ما تحضره في المنزل من أطعمة لأطفالها بدلاً من شراء الطعام الجاهز.
داخل حديقة “المشتل” تتوزع العائلات فوق “حصر عتيقة” يفترشونها على بقايا العشب الأصفر، يشربون الشاي الساخن ويتبادلون الحديث والتدخين، بينما تنشغل النساء بتبادل الأحاديث وأكل البزر والتقاط صور لتفاصيل أطفالهن.
في شوارع الحديقة عربات لباعة جوالين يجرونها في أنحاء الحديقة، تمتلئ بأنواع من مأكولات الأطفال والبسكويت والموالح، ينادون على بضائعهم للفت انتباه الأطفال، يقول أحدهم لنا إن الحديقة مصدر رزقه منذ تهجيره من ريف دمشق قبل سنوات ثلاث، يصف ما يجنيه من عمله بـ “المستورة”، ويخبرنا أنه يصطحب زوجته وطفليه في أيام الجمعة إلى الحديقة ليستمتعوا بوقتهم فيما يمارس عمله.
بالقرب من أكوام الحديد أو الألعاب المجانية نصب الشاب عامر ثلاثة ألعاب مأجورة، لوّنها بألوان زاهية لجذب الأطفال، سيما “القليبة والأرجوحة الكبيرة ذات المقعدين”، يقول عامر إنه يسمح للأطفال باللعب لمدة دقيقتين مقابل أجرة بسيطة، ويصف الإقبال على ألعابه بـ “الجيد” في فصل الصيف، أما في الشتاء ومع قلة رواد الحديقة فيبيع “عرانيس الذرة” الساخنة لتعويض نقص ما يجنبه من تأجير الألعاب.
لا يوجد عمال في الحديقة مسؤولون عن خدمتها أو نظافتها، يدلك على ذلك الأكياس المرمية وبقايا الأطعمة والقشور والقمامة المنتشرة في أنحاء الحديقة كافة، وعند البحث عن موظف لسؤاله بعض أن رفضت الجهات الحكومية الإجابة عن أسئلتنا، وجدنا رجلاً، بالقرب من كشك صغير يبيع المشروبات الساخنة أمام باب الحديقة، قال إنه يعمل كحارس في الحديقة ويتناوب على عمله مع شخص آخر لحماية أشجار الحديقة من القطع والاحتطاب لا سيما وأننا في الشتاء، وقد شهدت الحدائق سابقاً قطعاً لبعض أشجارها بغرض التدفئة، يقول بسام كما عرف عن نفسه إن مهمته تقتصر على الحراسة ولا دخل له بالتنظيف أو العناية بالحديقة.
الأرض السعيدة في إدلب -إنترنيت
بالقرب من حديقة المشتل يطل عليك مطعم “ديزني لاند” في إدلب، سيارات بماركات عالمية مختلفة تملأ المكان، أطفال بلباس دافئ ورجال ونساء تبدو عليهم علامات الراحة المادية، في الصالة الداخلية ركن خاص لألعاب الفيديو الحديثة، وألعاب العالم الافتراضي بتقنية “ثري دي”. خمس دقائق من اللعب في واحدة منها تحتاج لأربع أو خمس قطع معدنية سعر كل منها 200 ليرة، أي ما يعادل نصف ما يجنيه العامل في إدلب ليوم كامل، وهو كل ما يجنيه البائع الجوال في الحديقة العامة.
لا يزور غالبية أطفال إدلب ديزني لاند أو الأرض السعيدة التي تضم الألعاب الكبيرة كـ “السفينة والأراجيح العالية والسيارات الالكترونية وألعاب الفيديو وصالة سينما الأطفال” ، يقول من التقيناهم لا “ديزني لاند” للفقراء في مدينة إدلب سوى الحدائق العامة، التي أصبحت النادي العائلي الأول، لغالبية الأسر الفقيرة والمتوسطة الحال، حيث تفتح أبوابها بالمجان لهم وتؤمن لأطفالهم فسحة لعب واسعة في الهواء الطلق لتفريغ طاقتهم، يركبون ما بقي من المراجيح الحديدية وبعض الألعاب التي بقيت صامدة إلى اليوم رغم ما لحقها من تخريب وتكسير ودمار، لتصبح مجرد هياكل حديدية، في انتظار من يعيد تأهيلها من جديد.
تدهورت أحوال السكان بسبب جفاف السد الذي كان يغذي سهل الروج البالغ مساحته قرابة 13100 هكتاراً، والذي يعتبر السلة الغذائية لأرياف إدلب الجنوبية والغربية، ما دفع بمعظم مزارعي المنطقة للتوجه نحو المحاصيل البعلية كـ الحنطة والشعير وحبة البركة والحمّص والذرة البيضاء، وبمردود يقل بـ 80% عنه في السقاية المروية، بحسب المهندس الزراعي محمد الموسى والذي قال إن إنتاج الأراضي البعلية من القمح أو الشعير في أفضل أحواله يمثل نسبة من 2إلى 3 بالعشرة من المروية، وينسحب الأمر وبنسب متفاوته على باقي المحاصيل، والتوقف عن تربية المواشي والأغنام التي كانت تتغذى بعد انتهاء الموسم الزراعي من بقاياه كالقطن والخضروات.
وأكد المهندس عبد الخالق رئيس دائرة الموارد المائية في إدلب، أن السبب الأساسي لجفاف السد هو اتباع المزارعين الطرق التقليدية في الري بالجريان، وعدم اتباعهم أنواع السقاية الحديثة كالتنقيط والرذاذ الذي يخفض نسبة هدر المياه بشكل كبير، وكذلك ضعف الإمكانيات المالية التي حالت دون إقامة مشاريع لإيصال مياه عين الزرقاء إلى سهل الروج، والتي إن وصلت ستكفي سكان الشمال السوري غذائياً، وتصدير الفائض من إنتاجها والذي تراجع بسبب عدم التخطيط الزراعي الصحيح والحاجة الماسة لتشكيل مجلس زراعي يعمل على ذلك التخطيط عبر توجيه الفلاحين إلى نوع الزراعات الواجب تنفيذها من حيث الكمية، بحيث لا يمكن زراعة القمح لوحده دون غيره، وزراعة محاصيل بكميات كبيرة في ظل غياب سوق تصريف لها، مما يؤثر سلباً على السعر كما أن انعدام زراعة المحاصيل المختلفة أدّى لارتفاع سعر بعض المحاصيل بشكل مضاعف
يعتمد محمد عبد الوهاب من بلدة قسطون (68 كم شمال غرب حماه) على ما تبقى من مياه السد الواقع شرق البلدة لري أرضه الزراعية، يقول إن قرب المكان (700 متر عن السد) يساعده في سقاية محاصيله ويعبر عن مخاوفه من جفاف بقعة المياه الأخيرة والتي تشكلت من الهطولات المطرية في العام الماضي، بشكل كامل. ليلتحق بمعظم مزارعي البلدة الذين تحوّلوا إلى الزراعة البعلية بعد انقطاع ضخ مياه نهر العاصي عنه منذ ما يزيد عن سبع سنوات.
أزمة مياه في السدود التخزينية على حوض العاصي
تفاقمت أزمة جفاف السدود خلال السنوات الأخيرة على حوض نهر العاصي بعد توقف ضخ المياه إليها منذ عام 2011، وانقطاع كامل للتيار الكهربائي ما أدى إلى انخفاض منسوب المياه في السدود التجميعية كـ “سد قسطون” والذي بني في العام 1992 بغرض الري، بحسب دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO))، وتقدر مساحته بـ 2700 دونم وسعته التخزينية 28 مليون مكعب، بحسب محمد مصطفى عيسى نائب رئيس المجلس المحلي لـ قسطون في كلامه لصحيفة عنب بلدي.
سد قسطون
انخفض منسوب المياه في السد خلال العام الحالي إلى مليون متر مكعب ليقتصر دوره على سقاية الأراضي المحيطة به بعد أن كان يغذي بالمياه 25 قرية في سهل الغاب الشمالي، بحسب ما قاله مهند النعسان رئيس المجلس المحلي في البلدة لفوكس حلب.
يقول النعسان إن السد تحول إلى بحيرة صغيرة بمساحة 2 كيلو متر مربع، تمتلئ من مياه الأمطار الشتوية وتغذيها أربعة ينابيع مجاورة لا يتجاوز ضخها أربع (بوصات) في الساعة وتغذي الأراضي المحيطة بها، وذلك نتيجة لتعطل أغلب محطات الضخ في السد بعد القصف المباشر له من قوات النظام. وكانت تبلغ مساحة السد سابقاً 1000 هكتار، أما طوله 3.5 كم، ويتراوح عمقه من 40 حتى 80 متراً، يمتد من قرية قسطون غرباً حتى قرية شاغوريت شرقاً، كان يفيد في ري حوالي40 ألف دونم، موزعة على أراضي 16 قرية.
تراجع المياه في سد قسطون
ويكمل النعسان أن السد يعتمد بشكل رئيسي في تزويده بالمياه على مضخات قرى القرقور والزيادية ومضخة قسطون التي تعمل على سحب المياه من نهر العاصي المار من قرية القرقور، إلا انها توقفت منذ قرابة 7 سنوات بعد استهدافها بشكل مباشر من قبل قوات النظام وسرقة ما تبقى منها من قبل بعض الأشخاص في المنطقة، ما أدى لبدء انخفاض مستوى المياه تدريجياً بسبب عدم تعويض ما يتم سحبه. وقدّر نسبة الانخفاض بـ 90 بالمئة ما أثر سلباً على مئات المزارعين الذين يعتمدون في معيشتهم على الخضراوات في الصيف، وعلى القمح في المواسم الشتوية، لتصبح هذه الأراضي بعلية بشكل كامل وتستثنى منها المزروعات الصيفية بسبب عدم وجود الماء.
وتهدف السدود التخزينية إلى تجميع المياه شتاء والاستفادة منها في موسم الري عبر الضخ في أقنية ري معدة مسبقاً لتوزيعها على الأراضي، كـ سد البالعة، يقع قرب قرية البالعة بريف جسر الشغور بسهل الروج، غربي إدلب، والذي أُنشئ في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بسعة تخزينية تزيد عن 14مليون م3، والذي يعمل عبر ضخ المياه من محطة عين الزرقاء التي تضخ المياه بغزارة 5.5 متر مكعب في الثانية، عبر نفق البالعة.
جفاف سد البالعة بشكل كامل
وبحسب المهندس أحمد رشواني، يبلغ محيط السد خمسة كيلو مترات ومساحته 150 هكتاراً وارتفاعه حوالي عشرة أمتار، وتبلغ سعته التخزينية 15 مليون متراً مكعباً، كان السد يساهم بري سهل الروج شهري تموز وآب، وهو من السهول الهامة في إدلب، ويحتاج سنوياً لنحو 90 مليون متراً مكعباً، وكان يعتمد بريه على مياه تضخ من نبعة عين الزرقاء بدركوش، ونهر العاصي، عبر قناة رئيسية تصب بقنوات ري فرعية في السهل، إلا أن هذه المياه لا تكفي بشهري الصيف تموز وآب، ليستكمل الري من سد البالعة.
يغذى السد بطريقتين في فصل الشتاء، الأولى بمصرف سيول أمطار غالب سهل الروج، وضخها للسد، حيث يضخ سنويا حوالي (2-3) مليون متراً مكعباً منها، ويستكمل تعبئة السد من مياه عين الزرقاء.
مجرى سد البالعة وقد جف بشكل كامل
ونتيجة انقطاع الكهرباء عن أرياف إدلب بداية عام 2013 توقف العمل في السد نهائياً، وأخذت المياه المخزنة داخل السد بالتناقص عاماً بعد عام حتى ظهرت أرضية السد في بعض المناطق، وكثرت فيه الحشائش الضارة، وتشققت جدرانه بسبب الجفاف ما اضطر بعض الأهالي للاعتماد على الآبار الجوفية التي يتم سحب المياه منها عبر مولدات وغطاسات تعمل على مادة المازوت بكلفة 2000 ليرة للساعة الواحدة، بينما اعتمد آخرون على الطاقة الشمسية في الري وسحب المياه من الآبار والتي تحتاج قرابة ٣٠ لوح طاقة تكفي لسقاية ٥ دنم يومياً.
تدهورت أحوال السكان بسبب جفاف السد الذي كان يغذي سهل الروج البالغ مساحته قرابة 13100 هكتاراً، والذي يعتبر السلة الغذائية لأرياف إدلب الجنوبية والغربية، ما دفع بمعظم مزارعي المنطقة للتوجه نحو المحاصيل البعلية كـ الحنطة والشعير وحبة البركة والحمّص والذرة البيضاء، وبمردود يقل بـ 80% عنه في السقاية المروية، بحسب المهندس الزراعي محمد الموسى والذي قال إن إنتاج الأراضي البعلية من القمح أو الشعير في أفضل أحواله يمثل نسبة من 2إلى 3 بالعشرة من المروية، وينسحب الأمر وبنسب متفاوته على باقي المحاصيل، والتوقف عن تربية المواشي والأغنام التي كانت تتغذى بعد انتهاء الموسم الزراعي من بقاياه كالقطن والخضروات.
يقول المزارع عبد الرحمن السطم من سهل الروج إنه لجأ لحفر بير ارتوازي وتشغيله على ألواح الطاقة الشمسية التي ساعدته على سقاية 5 دنمات فقط من أرضه البالغة مساحتها 20 دنماً بسبب معاناته من كثرة الاعطال وغياب ضوء الشمس في معظم الأيام، وأكد أن معظم المزارعين الذين جازفوا وقاموا بزراعة أراضيهم بالمحاصيل البعلية كالحنطة والشعير لم تنتج “حتى طن واحد” بسبب تكرار زراعة المحاصيل ذاتها التي أثرت بشكل سلبي على التربة.
وأكد المهندس عبد الخالق رئيس دائرة الموارد المائية في إدلب، أن السبب الأساسي لجفاف السد هو اتباع المزارعين الطرق التقليدية في الري بالجريان، وعدم اتباعهم أنواع السقاية الحديثة كالتنقيط والرذاذ الذي يخفض نسبة هدر المياه بشكل كبير، وكذلك ضعف الإمكانيات المالية التي حالت دون إقامة مشاريع لإيصال مياه عين الزرقاء إلى سهل الروج، والتي إن وصلت ستكفي سكان الشمال السوري غذائياً، وتصدير الفائض من إنتاجها.
الأراضي الزراعية المحيطة بسد البالعة والجفاف الذي أصابها بعد توقف مياهه
ويرى عبد الخالق إن هناك حاجة ماسة لتشكيل مجلس زراعي يعمل على التخطيط وتوجيه الفلاحين إلى نوع الزراعات الواجب تنفيذها من حيث الكمية، بحيث لا يمكن زراعة القمح لوحده دون غيره، وزراعة محاصيل بكميات كبيرة في ظل غياب سوق تصريف لها، مما يؤثر سلباً على السعر كما أن انعدام زراعة المحاصيل المختلفة أدّى لارتفاع سعر بعض المحاصيل بشكل مضاعف.
من جهته طالب المزارع محمود عبد القادر من منطقة سهل الروج المعنيين بإدارة الموارد المائية والمنظمات الإنسانية بإقامة دورات توعية لإرشاد المزارعين القريبين من السدود، وأصحاب الآبار الارتوازية من أجل ترشيد الاستهلاك الزائد من المياه الذي يفتح الباب أمام أخطار حقيقية تهدد الموارد المائية في المحافظة، خاصة الاستهلاك العشوائي للمياه وفتحها على الأودية والأنهار من قبل بعض الأشخاص.
ويغيب عن المنطقة المشاريع الزراعية المقدمة من قبل المنظمات الإنسانية، باستثناء “مشروع صيانة وإعادة تأهيل وري 800 هكتار في سهل الروج” الذي قامت به منظمة يداً بيد من أجل سوريا في العام 2017، عبر إعادة تأهيل سبعة آبار وصيانة المضخات وشبكات الري والتي استهدفت 11 قرية استفاد منه 470 مزارع في المنطقة.
السدود الترشيحية ليست أفضل حالاً
لا يقتصر اعتماد المزارعين في ري أراضيهم على السدود الضخمة كسد قسطون والبالعة سابقاً وزيزون الذي انهار في العام 2002، بل كان للسدود الترشيحية أثر كبير على الزراعة، فبحسب المهندس الزراعي عبد الخالق الشيخ يوجد في المحافظة أربعة سدود ترشيحية تتوزع معظمها جنوب إدلب وهي سد خان شيخون وسد الطويلة في بلدة الهبيط في الجنوب وسد كفروحين والعقرق غرب إدلب. وتكمن الأهمية الأساسية من هذه السدود في درء الفيضانات عن الأراضي الزراعية وترشيح المياه الى باطن الأرض لزيادة منسوب المياه الجوفية وتغذية قرى وبلدات المحافظة بمياه الري.
وتبلع السعة التخزينية لـ سد كفروحين 2.25 مليون متر مكعب، وسد العقرق ومصدره المائي وادي العقرق وسعته التخزينية 600 ألف م3 وإجمالي تخزينه 24 ألف م3، وسد خان شيخون مصدره المياه المتجمعة في وادي خان شيخون وسعته التخزينية 270 ألف متر مكعب بحسب ما نشره موقع دي برس.
أما سد الطويلة (شمال غرب الهبيط 3 كم) كان يتم فيه تجميع مياه الأمطار القادمة عبر أقنية بسيطة تبدأ من بلدة كفرعويد والمناطق المرتفعة المحيطة بها بجبل الزاوية، وتتجه باتجاه بلدة الهبيط مروراً بعابدين والنقير، لتتجمع المياه في جسم السد، وتعتمد نسبة المياه المتجمعة فيه على زخم المطر القادم في الشتاء لتتابع المياه مسيرها عبر “شقق مياه =مجرى مائي صناعي” من كفرنبودة إلى كرناز لينتهي في سد أفاميا (الحجم الأعظمي للتخزين السنوي في أفاميا 27,5 مليون متر مكعب) في مدينة قلعة المضيق الذي يعمل منذ عام 1997، ويؤمن المياه لري مساحة مقدارها6500 هكتاراً في المنطقة بحسب محمود أبو راس أحد أهالي البلدة.
جفاف سد البالعة
يقول المهندس الموسى إن منسوب المياه في هذه السدود قد تتضاءل إلى درجة كبيرة، وبعضها مهدد بالجفاف الكامل خاصة مع التغيرات المناخية وقلة الأمطار والسحب الجائر، إلّا أن الخطر الأكبر يكمن في غياب الرقابة والإدارة العامة للمياه واجتراح الحلول المناسبة من قبل المؤسسات المعنية والمجالس المحلية، وتنفيذ مشاريع تقوم عليها مؤسسات دولية سيؤدي إلى خلل في الأمن الغذائي للمنطقة، خاصة وأن سوريا تصنف من البلدان شبه الجافة، والتي تعتمد في 89% من أراضيها على الزراعات المروية.
من ناحية أخرى ذكرت مديرية زراعة حماة الحرة، أن النظام استغل حاجة الناس للمياه من أجل ري محاصيلهم، حيث قامت “الميلشيات التابعة له والتي تعرف بالدفاع الوطني” بسرقة المضخات والعنفات والمعدات التي تغذي السدود، لينحصر مورد مياهها على الأمطار، التي لا تغذي كل سد إلا بمخزون لا يتجاوز المليون إلى المليون ونصف متر مكعب، بحيث لا تكفي لأكثر من زراعة بضع المئات من الدونمات، والقريبة من السد حصرياً، نتيجة لذلك غابت الكثير من الزراعات الهامة، وأجبر الفلاحون على اعتماد زراعات معينة كالحبوب، وتكرارها مما أدى لخسائر كبيرة عليهم، وعلى قطاع الزراعة، بحسب الحموي.
رئيس المجلس المحلي لقلعة المضيق “ابراهيم الصالح”، قال إن قوات النظام التي كانت تسيطر على قلعة أفاميا الأثرية، المطلة على السد، كانت تمنعهم من تفعيل أو اصلاح الخطوط المائية، على مدى السنوات الماضية، إلا أنهم قاموا في العام الحالي بمشروع بمساعدة الهلال الأحمر القطري، لتأهيل محطة ضخ بركة مياه قلعة المضيق، بهدف تأهيل قناة الري ج3 ، التي تخترق سهل الغاب كله، من قلعة المضيق حتى قرية العنكاوي، وأنجز المشروع، وتم تزويدها بمحركات ضخ، كما تمت صيانة لوحات التحكم، ثم تم تشغيلها وتجريبها، من خلال ضخ المياه لأول مرة بعد توقفها لمدة 8 سنوات. إلا أن قوات النظام تقدمت وسرقت المعدات كاملة، ليتوقف المشروع من جديد، وينقطع وصول المياه للجزء المحرر المستفيد من سهل الغاب. بحسب الصالح.
تبرز قضية المياه، ومنذ عام 2011، كإحدى أهم جوانب المعاناة الإنسانية للسكان في سوريا، بعد أن استخدمت كورقة ضغط لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويمثل حوض نهر العاصي صورة واضحة من صور هذا الصراع تتجلى في قطع مياهه وإيقاف المضخات المغذية للسدود التي تقع في مناطق المعارضة، كذلك حرمان المزارعين الذين يسكنون في مناطق المعارضة من المياه ما أدى إلى جفاف قسم من الأراضي وتحويلها إلى الزراعات البعلية، والذي ترك أثره على الأمن الغذائي والمائي في المنطقة.
الأراضي الزراعية على حوض نهر العاصي
لمحة عن النهر (جريانه وروافده)
سمي العاصي بهذا الاسم لمعاكسته طبيعة الجريان في المنطقة، إذ يتجه من الجنوب للشمال بعكس أنهار المنطقة، ويمر بثلاثة دول (لبنان –سوريا – تركيا)، وينبع من سهل البقاع اللبناني ويدخل الأراضي السورية عند بلدة “ربلة” التابعة لناحية القصير جنوبي حمص، ويمر بثلاث محافظات سورية (حمص – حماه – إدلب) قبل دخوله الأراضي التركية ليصب في خليج “السويدية” على البحر المتوسط.
وتختلف الدراسات حول طول النهر، إلّا أنها أكثرها رواجاً تقول إن مساحة الحوض الصباب (15440 كم²) بطول 571كم، منها 366 في سوريا وبمتوسط تدفق 25.8 م³/ثا، ويبلغ تصريفه السنوي 2000 مليون م³.
تصميم عبد الله خطيب
يدخل نهر العاصي “بحيرة قطينة” في ريف حمص، بعد 20 كيلو متراً من دخوله الأراضي السورية، ويتابع مجراه في محافظة حمص، حتى يصل مدينة الرستن التي أقيم فيها سد على مجرى النهر، يسمى باسمها “سد الرستن”، ليكمل طريقه إلى محافظة حماة، ويمر بالمدينة، والتي توجد فيها على مجراه نواعير خشبية ضخمة، هي الأكبر على مجرى النهر، الذي يشتهر بالنواعير بعدة أماكن، ويتابع النهر مجراه بعد مدينة حماة إلى ريفها الغربي إلى مدينة محردة، حيث أقيم فيها سد أيضاً على النهر، وبعد محردة يتجه غرباً لبلدة العشارنة، التي أقيم عليه فيها سد ضخم يسمى “سد العشارنة”، وبعدها ينحرف شمالاً ليدخل سهل الغاب الهام زراعياً، وينقسم فيه لمجريين، “الألمان” و”الطليان”، وهما فرعان للنهر سميا على أسماء الشركات التي حفرتهما، أثناء تجفيف مستنقع سهل الغاب، الذي بدأ عام 1953 وانتهى عام 1968، وفي سهل الغاب أقيم بالقرب من مجراه ثلاثة سدود تغذى منه، هي “سد قلعة المضيق” و”سد زيزون” و “سد قسطون”، ومن سهل الغاب يكمل العاصي مجراه شمالاً باتجاه إدلب، ليمر بمدينة جسر الشغور، ثم يشكل بعدها حوالي 31 كيلومتراً من الحدود بين تركيا وسوريا، قبل دخوله الأراضي التركية، ومصبه في البحر الأبيض المتوسط.
مجرى مائي لنهر العاصي يستخدم لري المحاصيل الزراعية
يرفد العاصي خلال مجراه عدة روافد، هي نهر الكافات، نهر الساروت، نهر قسطون، نهر سلحب، نهر أبو قبيس، نهر البارد، نهر عفرين، نهر الأسود، ونبع عين الزرقاء، وهي عبارة عن أنهار نبعية وموسمية تغذي مياه النهر.
أهمية العاصي ودوره في الأمن المائي والغذائي
يشكل نهر العاصي الدعم المائي الأهم لعدة سهول في حوضه، ويؤمن مياه الري للزراعة في المحافظات التي يمر بها، خاصة مع افتقار “المنطقة الوسطى مكان مروره) للمجاري المائية بشكل عام، إضافة لقلة المنسوب المطري والينابيع والمياه الجوفية.
ري المحاصيل الزراعية عبر الضخ من مياه العاصي
ويغذي النهر سهل الغاب الخصب زراعياً، والذي تبلغ مساحته 241 ألف هكتاراً مخصصة للزراعة، ويعتبر السلة الزراعية الأهم في الشمال السوري والتي تمتاز بتنوع المزروعات وخصوبة التربة.
يقول المهندس الزراعي غسان عبود مدير (دائرة الزراعة الحرة في سهل الغاب) إن “أهمية العاصي في سهل الغاب تأتي من كونه يغذي ثلاثة سدود رئيسية، تغطي 70 إلى 80 % من الاحتياجات المائية لزراعة المحاصيل الصيفية، بأنواعها مثل القطن، والشمندر، والذرة، والتبغ، والخضروات الصيفية بكل أنواعها، بالإضافة لما يؤمنه النهر عن طريق القنوات الفرعية المنتشرة في ربوع سهل الغاب، والتي تغذي بدورها الأراضي الزراعية”.
وعن تغذية السدود الثلاثة ودورها، يضيف العبود “كان يغذي نهر العاصي سد أفاميا بحوالي 80% من مخزونه العام، أي حوالي 20 إلى 25 مليون م³، تساهم في ري حوالي 55 ألف دونم، ويغذي سد زيزون بحوالي 45 مليون م³ تروي حوالي 45 ألف دونم بسهل الغاب، ومنطقة جسر الشغور، وكان يغذي النهر سد قسطون أيضاً بحوالي 17 مليون م³تفيد بالري الزراعي لذات المنطقة”.
ويسهم النهر بتأمين المياه التي كان يحتاجها معمل “سكر جسر الشغور”، من أجل عملية تكرير السكر الخام، إضافة لتوفير مياه الشرب للثروة الحيوانية بسهل الغاب (كالمواشي والأبقار وغيرها)، والتي تعد من الثروات الحيوانية الهامة للشمال السوري، إذ يتواجد في سهل الغاب حوالي 178.350 رأس غنم، و12.130 رأس ماعز، و4.435 رأس بقر، حسب ما أوضح عماد الناعس رئيس دائرة الثروة الحيوانية بمديرية “زراعة حماة الحرة “.
بالإضافة إلى ذلك كان مصدر رزق للعديد من السكان، الذين يعملون بصيد وتربية الأسماك بالمزارع الصناعية، التي يبلغ عددها 300 مزرعة، موزعة على 650 هكتاراً، كما أوضحت مدير زراعة الغاب.
مياه النهر “سلاح حرب”
عمدت قوات النظام لاستخدام مياه النهر بالحرب السورية طيلة السنوات الثمان الماضية، ففي ريف حماة الشمالي الذي كان يشهد اشتباكات ومعارك دائمة، شكل النهر بمروره في المنطقة الساخنة من خطوط الاشتباك الدائم فاصلاً جغرافياً بين طرفي الصراع، وتناوبت الفصائل العسكرية وقوات الأسد السيطرة عليه، إذ غالباً ما كان يشهد تقدماً من بلدة اللطامنة وحتى حلفايا، ولذلك عمدت قوات النظام (أكثر من مرة) لفتح سد الرستن بمنسوب ضخم، أدى إلى رفع منسوب النهر بشكل كبير، وغمر حوضه بريف حماة الشمالي، ليقطع على الفصائل طرق التقدم، أو الإمداد، كان آخرها عام 2017، عند سيطرته على بلدة حلفايا، بعدما كانت سيطرت عليها المعارضة.
سد قسطون بعد إيقاف ضخ مياه العاصي إليه من قبل قوات النظام
الناشط “محمود الحموي” ابن ريف حماة الشمالي، ذكر أن قوات النظام أجرت هذه العملية عدة مرات بمعارك ريف حماة، وأن الهدف كان دوماً غمر جسور العبور، المقامة على النهر، لمنع تقدم فصائل المعارضة والسيطرة على مدينة حلفايا، والقرى المحيطة بها، وأحيانا لإيقاعهم بالحصار المائي بعد التقدم.
من ناحية أخرى ذكر العبود، أن النظام استغل حاجة الناس للمياه من أجل ري محاصيلهم، حيث قامت “الميلشيات التابعة له والتي تعرف بالدفاع الوطني” بسرقة المضخات والعنفات والمعدات التي تغذي السدود، لينحصر مورد مياهها على الأمطار، التي لا تغذي كل سد إلا بمخزون لا يتجاوز المليون إلى المليون ونصف متر مكعب، بحيث لا تكفي لأكثر من زراعة بضع المئات من الدونمات، والقريبة من السد حصرياً، نتيجة لذلك غابت الكثير من الزراعات الهامة، وأجبر الفلاحون على اعتماد زراعات معينة كالحبوب، وتكرارها مما أدى لخسائر كبيرة عليهم، وعلى قطاع الزراعة، بحسب الحموي.
رئيس المجلس المحلي لقلعة المضيق “ابراهيم الصالح”، قال إن قوات النظام التي كانت تسيطر على قلعة أفاميا الأثرية، المطلة على السد، كانت تمنعهم من تفعيل أو اصلاح الخطوط المائية، على مدى السنوات الماضية، إلا أنهم قاموا في العام الحالي بمشروع بمساعدة الهلال الأحمر القطري، لتأهيل محطة ضخ بركة مياه قلعة المضيق، بهدف تأهيل قناة الري ج3 ، التي تخترق سهل الغاب كله، من قلعة المضيق حتى قرية العنكاوي، وأنجز المشروع، وتم تزويدها بمحركات ضخ، كما تمت صيانة لوحات التحكم، ثم تم تشغيلها وتجريبها، من خلال ضخ المياه لأول مرة بعد توقفها لمدة 8 سنوات. إلا أن قوات النظام تقدمت وسرقت المعدات كاملة، ليتوقف المشروع من جديد، وينقطع وصول المياه للجزء المحرر المستفيد من سهل الغاب. بحسب الصالح.
نهر العاصي
أما فصائل المعارضة فقد كانت تسيطر على الفرع الشرقي لنهر العاصي، المسمى بالألمان، والذي يغذي الفرع الغربي المسمى بالطليان، الذي يمر بالقرى الموالية للنظام، وقامت أكثر من مرة بإغلاق الفتحة الواصلة للفرع الغربي، بهدف منع وصول المياه للقسم الذي تسيطر عليه قوات النظام، من أجل رفع منسوب مياه الفرع الشرقي، وحصر الاستفادة من المياه للقسم الذي يقع تحت سيطرتها، ولمنع قوات النظام من التقدم بحاجز مائي ذي منسوب مرتفع، بحسب ما أوضح الناشط “محمود اليحيى”، والذي ذكر أن تلك العملية كانت تنفع وتعوض سهل الغاب من جهة، وتضر من جهة أخرى إذ كانت تتسبب برفع منسوب القسم الشرقي، مما يتسبب بغمر مساحات مزروعة لابأس بها أحياناً، وتلحق الضرر بها.
نحن نور ولا نخجل من ذلك، تلك طبيعتنا وحياتنا، ولا نشبه ما يتخيله الآخرون عنا
البشرة السمراء والقامة الرشيقة والشعر الأسود القاتم أكثر السمات الشكلية في مجتمع الغجر المغلق على عاداته ومهنه، والتي ارتبطت به لسنوات طويلة في سوريا وغيرها من دول العالم، يتوارثونها مع الزمن، وتختلف بحسب العمر والجنس، فللأطفال مهنتهم التي غلب عليها في سوريا قبل الحرب “التسول وبيع ورق اليانصيب ومسح الأحذية”.
أما الشباب فيتنقلون بين مهن عديدة أهمها “تركيب الأسنان وصناعة الغرابيل وتبييض الأواني المنزلية وصناعة السكاكين الحادة وجمع الخردوات والبلاستيك وقرع الطبول في المناسبات..”، وللنساء في المجتمع الغجري حضور طاغ يصفه الدكتور علي الجباوي في كتابه “عشائر النور في بلاد الشام” بـ “القوامة” و “عمود البيت” ويعمل قسم منهن بـ “البصارة وقراءة الكف والفنجان والتسول والغناء والرقص”، كما تعمل بعضهن كـ “وناسة”.
والغجر مجموعات بشرية تنحدر من شبه القارة الهندية تعيش في مختلف بقاع العالم، وتنقسم إلى جماعات مهنية متعددة أهمها “القرباط” وتعود تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى قدومهم من جبل “الكاربات في أوروبا”، إضافة لعشائر أخرى يطلق عليها تسمية “النور” مثل “الطبالة والرياس والطنجرلية والسعّادين ومروضي القردة والدببة والسعادين والبهلوانيين والحدادين والصباغ وتجار الخيول والحمير الهزيلة، ونور تلبيس الأسنان بالذهب والمبيضين وأصحاب القدور «الحجيات» والشعّار أو القواصيد”، بحسب كتاب الجباوي.
الغجر في سوريا
يتواجد في سوريا أربعة مجموعات من الغجر هي “النور و الغربتي و الزُط والبراكي” يجيدون اللغة العربية إضافة للغتهم الأم “لغة العصفورة أو لغة الضوم واري”، وتعد سوريا أوسع بلدان الشرق الأوسط التي يسكنها الغجر الذين يقدر عددهم فيه بـ “خمسة ملايين” معظمهم لا يملكون هوية أو قومية بل يعيشون على شكل جماعات وفقاً لـكمال فورال تارلان، مصوّر ومخرج متخصّص في الأفلام الوثائقية.
ويرجع بعضهم نسبه إلى جساس بن مرة الذي قتل “كليباً” أحد ملوك العرب والذي تسبب بحرب البسوس، ومنهم من يعيد نسبه إلى الهند أو بلاد فارس، إلّا أن سوريا كانت ملاذاً لأعداد كبيرة من النور الذي استوطنوا المحافظات السورية كافة، خاصة في حلب ودمشق وأجزاء من حمص، ولهم أحياء وحارات كاملة فيها كما في إدلب وحماه وطريق الرقة ودير الزور. وغالباً ما كانوا من الأشخاص الذين لا يملكون أي أوراق رسمية بل يعيشون حياة من التنقل وعدم والاستقرار، ويتصفون بأصواتهم العالية وميلهم نحو السلم وعدم الاعتداء أو الاشتباك وقدرتهم على تحمل الآخرين، إضافة لجمال النساء يقول مدرس التاريخ أحمد المحمود من مدينة حلب.
وبحسب المحمود فإن أساطير كثيرة حيكت حول حياة الغجر وعاداتهم يصفها بـ “المتخيلة وغير الصحيحة”، ويعزو ذلك لانغلاق مجتمع النور، وتجنبهم الحديث مع الآخرين فيما يخص عاداتهم وحياتهم، كذلك امتناعهم عن الزواج من غير الغجر، إذ غالباً ما يتزاوجون فيما بينهم ويمتازون بأنهم شعب “ولود ومزواج”، إذ من النادر أن يكتفي الغجري بزوجة واحدة.
ويرى المحمود إن السمات العامة التي وسم بها الغجر أتت من الملاحظة السلوكية، خاصة وأن الكتب والدراسات حولهم قليلة، ولا يوجد لهم إحصائية لعدم اهتمام الدولة بتسجيلهم وإحصائهم أو إعطائهم أوراقاً ثبوتية، ومع ذلك تراهم يتنقلون بين المحافظات السورية أو الدول المجاورة، ويتصفون بـ “التنظيم وإطاعة أوامر الكبار من أبناء جنسهم”، ولهم “قوانينهم الاجتماعية والقضائية” الخاصة، في ممارسة حياتهم، ويؤكد المحمود من خلال بعض من التقاهم سابقاً “أن معظم النور في سوريا ديانتهم الإسلام”، إلّا أنهم لا يمارسون التعاليم الدينية بشكل ظاهر ولا يرتادون المساجد”.
الغجر مظلومون اجتماعياً
لا يعتبر النوري “أبو عاصم” كما أفصح لنا عن كنيته رافضاً ذكر اسمه عدم وجوده في السجلات المدنية الحكومية ظلماً، يقول إنه وأبناء عشيرته لا يريدون ذلك أيضاً، يعيشون حياتهم بعيداً عن القيود والأوراق و”الخدمة الإلزامية” التي وصفها بأكثر الأشياء التي يخافونها.
ما يؤرق النور بحسب أبي عاصم هو النظرة الدونية التي يقابلهم بها الآخرون، غالباً ما نستخدم في كلامهم وأمثالهم كدليل على “التحقير والهمجية”، يخبرنا الرجل إنه وخلال سكنه في حي الشيخ خضر بحلب كان يسمع الكثير من الأمثال والأقوال لأمهات وآباء يصفون أبناءهم بـ “القرباطي أو النوري” لتقريعه أو إهانته، كما تعرض لعشرات المواقف المحرجة من شبان الحي، وتتعرض نساؤهم للتحرش من قبل الآخرين، إلّا أنه كان يرد عليهم في كل مرة، وتتعلم النساء كيفية الدفاع عن أنفسهن، ليخلص إلى القول “لنا عاداتنا ونحن مسالمون إلّا أنه لا يجرؤ أحد على المساس بشرفنا ونسائنا، حينها لن نكون كذلك”.
الغجر في سوريا- انترنت
لا يقتصر الظلم الواقع على النور في الطرقات، يقول أبو عاصم، بل يتعدّى ذلك إلى المسلسلات التلفزيونية وبعض من وصفهم بـ “المتعلمين” أيضاً، وغالباً ما كنا نسمع أو نشاهد مثل هذا التقريع على قنوات التلفزيون دون أن يكون لنا الحق بالردّ، ولا يعرف السبب وراء ذلك، يضيف “نحن نور ولا نخجل من ذلك، تلك طبيعتنا وحياتنا، ولا نشبه ما يتخيله الآخرون عنا”.
النور في الحرب السورية
يميل النور إلى “التطير” والتشاؤم من الأمكنة التي تشكل لهم حادثة مؤلمة، وهو ما يدفعهم لمغادرة تلك الأمكنة سريعاً، يقول أبو عاصم الذي غادر حلب منذ منتصف عام 2013 إلى تركيا ويعمل في مهنة تركيب الأسنان، إن بعض النور في المحافظات السورية توجهوا إلى مدينة دمشق، أو إلى الدول المجاورة، يختصر حديثه عن هذا الأمر بأنهم لا يستطيعون الحياة في ظل الحرب، خاصة وأن مهنهم بدأت بالانقراض، كذلك انعدام الأمن في المنطقة، وجهلهم بطبيعة الحياة الجديدة التي فرضتها “داعش” والفصائل الأخرى في بعض المناطق، ناهيك عن المضايقات الكثيرة من قبل “الشبيحة”.
مصطفى (شاب من النور في الثلاثين من عمره يعيش في لبنان) قال إن المضايقات وصلت حداً لا يطاق، هو لا يملك هوية شخصية ولا يستطيع المرور من الحواجز ما جعله يسافر إلى لبنان، وأضاف إن بعض إخوته يعيشون الآن في البادية السورية، آخرون من عائلته يعيشون في الكويت، وغالباً ما يقطعون الحدود عن طريق التهريب، يبتسم وهو يخبرنا عن أصدقاء له حصلوا على جنسيات أوروبية.
يقول المحامي سعيد عبد الله (عمل سابقاً في دائرة نفوس حلب) إنه لا توجد إحصائيات لعدد النور في سوريا إلّا أن أعدادهم تزيد عن نصف مليون شخص قبل الثورة، وتضم حلب وحمص وحماه ودمشق الأعداد الأكبر منهم، وهم يعيشون بجانب المدن الكبيرة لتأدية أعمالهم التي تحتاج لكثافة سكانية، خاصة وأنهم لا يلتزمون بأعمال ثابتة بل مهن متوارثة ويجنون قوت يومهم من السكان.
الغجر في سوريا- انترنت
ويكمل سعيد إن أكثر من 60% منهم غادروا سوريا منذ سنوات الحرب الأولى، بعد التزامهم الحياد، فهم يعيشون حياة مهمشة في كل المناطق التي يسكنونها سواء في مناطق المعارضة أو النظام، ويقدر أن أكثر من نصف هذه النسبة توجهت إلى الأراضي التركية، بعضهم حصل على “الكيملك” البطاقة المؤقتة إلّا أن النسبة الكبيرة ما زالت تعيش دون بطاقات كما اعتادت سابقاً، وتتوزع في مناطق حدودية كأورفه وعينتاب، بينما توجه قسم منهم إلى لبنان والأردن ومصر (سابقاً كان هناك وجود لأعداد كبيرة من النور في هذه البلدان) لوجود أقارب لهم فيها، كما توجه قسم منهم إلى أوروبا.
يقول مصطفى “إن ممتلكاتهم في حلب تعرضت للنهب والقصف، بعضهم أيضاً قتل نتيجة الغارات ما جعلهم يغادرون حلب، ويقدر عدد المتبقين في المدينة بعشرات العائلة بعد أن كانت تضم نحو أربعة آلاف عائلة”، بينما تضاعفت أعدادهم في مدينة دمشق.
مهن الغجريات انقرضت بفعل الحرب
تمتهن النساء الغجريات في سوريا الرقص والغناء ويعرفن بـ “الحجيات”، خاصة في الطريق الذي يصل بين حلب والرقة، وفي مناطق واسعة من غوطة دمشق وبعض أحياء دمشق نفسها، وغالباً ما كانت تقام سهرات الغناء والرقص في خيام خاصة يقول المحمود “إن غالب الزبائن الذين كانوا يقصدون خيام الغجريات من السياح في دول الخليج وسائقي الشاحنات والسيارات”.
وتقول مريم (اسم مستعار) إن هذه المهنة انقرضت بشكل كامل، خاصة مع سيطرة تنظيم الدولة على طريق حلب الرقة منذ العام 2013، وتغير الجوّ العام في سوريا، كما أسهم غياب السياحة بشكل كامل في انتهاء هذه المهنة التي كانت تدرّ دخلاً جيداً لعدد ليس بقليل من العائلات، تقدم النساء فيها الأطعمة والمشاريب والرقص والسمر لمرتاديها “دون التفريط بشرفهن”، تؤكد مريم.
يصف سائق الشاحنة أبو خليل السهر في خيام الغجريات بـ “الصوت الجميل والأجسام الرشيقة والمشروبات اللذيذة”، يمضي السائقون ورواد الخيام فترة من الراحة للطعام والمرح قبل أن يكملوا طريقهم، ويؤكد أن ذلك لم يعد موجوداً منذ ثماني سنوات.
كما غاب حضور “الحجيات” عن الأعراس للرقص والغناء بسبب طبيعة الحياة المفروضة الجديدة في الحرب، تقول مريم إن الخوف من العقاب منعهن من ممارسة المهنة في مناطق المعارضة، أما في مناطق النظام فوجود الشبيحة والتحرش وغياب الحماية دفع معظم الغجريات العاملات في هذه المهنة للتخلي عنها لصالح مهن جديدة أو مغادرة البلاد.
الغجر في سوريا، سوريا 2013- تصوير: جلال مامو.
“الوناسة” مهنة أخرى انقرضت لدى الغجريات، وهي مهنة كانت تواظب عليها فتيات بأعمار تتراوح بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين يرافقن سائقي الشاحنات المسافرين من مدينة لأخرى، يقصصن الحكايا ويغنين لتسلية السائق كيلا ينام أثناء القيادة، وعند آخر محطة ينزلن من الحافلة ويركبن أخرى تعيدهن إلى أماكن سكنهن مقابل مبلغ مالي، وتحمل “الوناسة” سكيناً أو ما أطلقت عليه مريم “موس كباس” للدفاع عن أنفسهن وقت الحاجة، إلّا أن هذه المهنة غابت بشكل كلي أيضاً بسبب الحواجز والطرقات والقوى المسيطرة.
ولجأت الغجريات إلى مهن أخرى، كانت موجودة سابقاً، إلّا أنها ازدادت في الآونة الأخيرة كقراءة الفأل والتبصير بالفنجان، تقول مريم إن هذه المهنة ازدادت لكن أجرها المادي قلّ مع الزمن، سابقاً كان السياح يدفعون بسخاء، أما السكان الحاليون فنادراً ما يدفعون ثمن التبصير، وأحياناً يتعرضون للغجريات بالكلام الفاحش أو التحرش والمطالبة بأمور جسدية، وهو ما يرفضنه نهائياً، ويستخدمن الصراخ لحماية أنفسهن.
وانتشرت الغجريات المتسولات في شوارع المدن الرئيسية، لتغدو المهنة الأكثر حظاً لدى النساء والأطفال في المجتمع الغجري، بعائدات قليلة، إذ تعتمد العائلات على ما يقدم لها من أطعمة وبعض النقود للاستمرار في الحياة.
الرجال أيضاً دون عمل
يعمل بعض رجال الغجر بصناعة الغرابيل والسكاكين وتبييض الأواني المنزلية، وغالباً ما تتركز هذه المهن في القرى والأرياف، وتكون مقابل النقود أو المقايضة بالمواسم، كالقمح والزيت، إلّا أن خوف الغجر من الظروف الأمنية حالت دون وصولهم إلى الأماكن التي اعتادوا زيارتها ونصب خيامهم فيها في كل موسم، ساهم أيضاً الاعتماد على الأواني البلورية والأدوات الحادة المستوردة في تراجع مهنتهم.
كذلك غابت مهن قرع الطبول وتقديم الخدمة في الأعراس أيضاً، يقول “أبو هاني” والذي كان يقدم الخدمة في الأعراس وبيوت العزاء إن الأمر لم يعد مجدياً، فمنذ سنوات لم يتم استدعاؤه إلى حفلة “لم أرى عرساً منذ زمن أو بيت عزاء منصوب”، كذلك تراجع الحالة الاقتصادية والمعيشية للسكان، ما دفعه وعائلته لجمع الخردة وبقايا البلاستيك في ريف حلب وبيعها لتأمين لقمة عيشه.
أما بيع اليانصيب ومسح الأحذية فقد تراجعت هذه المهن، “الناس ما معا تاكل” يقول أبو هاني بلغة عربية مكسرة، إضافة إلى أن المناطق الخاضعة للمعارضة ليس فيها أي مجال لليانصيب، وتعرض صاحبها للعقوبة التي يجهلها على حد قوله، بحسب الفئة المسيطرة.
مهنة تركيب الأسنان تزدهر في الحرب
معظم “أطباء الأسنان”، كما يحلو للبعض تسميتهم أو “أطباء الشنطة” أو “تركيب أسنان العضم والذهب”، وكلها تسميات شائعة لبعض الغجر العاملين في هذه المهنة المتوارثة، غادروا البلاد إلى مناطق جديدة، يقول “أبو مصطفى” أحد العاملين بهذه المهنة إن الغجر لهم “صيت حسن” بهذه المهنة، ويلجأ إليهم أعداد كبيرة من السكان خاصة في القرى والأحياء الفقيرة.
يخبرنا أبو مصطفى إن هذه المهنة تطورت، وكان ممتهنيها سابقاً يمشون بين الحارات والقرى وينادون بأصوات عالية للتعريف بأنفسهم “تركيب سنان، سنان دهب سنان عضم”، وغيرها من العبارات، ثم أصبح لبعضهم أماكن ثابته كبيوت أو خيام يستقبلون المرضى أو يستدعون إلى المنازل، ويمتهنون وضع أسنان من الخزف وتركيب الجسور و “التركيبة” أو كما يطلق عليها الأهالي “البدلة”، إلّا أنهم لا يتدخلون بعمل الأطباء أو إجراء الجراحات أو معالجة اللثة وحفر الأضراس.
ويؤكد أبو مصطفى إن عدداً من أطباء الأسنان كانوا يتعاونون معهم للحصول على التركيبات والجسور، نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة بمخابر الأسنان، مؤكداً على جودتها وسلامتها والتقنية الكبيرة في صنعها، كما كانت تصدر بعض “التلبيسات =غطاء الأسنان” إلى خارج البلاد من أماكن صنعها التي كانت تتركز أهمها في ريف حلب.
معدات الأسنان التي يستخدمها الغجر- انترنت
يحمل ممتهن طب الأسنان حقيبة جلدية سوداء غالباً، يضع فيها عدته، ويرتدي عكس غيره من رجال الغجر ثياباً نظيفة وأنيقة، يزور البيوت التي زاد اعتمادها عليهم بسبب التكاليف الباهظة لأطباء الأسنان، يقول أبو خليل (ستون عاماً من ريف حماه الغربي) إنه لجأ إلى القرباطي لمعالجة أسنانه التي لم يعد يحتمل ألمها، بعد أن حالت ظروفه المادية من الذهاب إلى عيادة طبيب الأسنان.
يحكي أبو خليل تجربته بأن الرجل بعد أن افترش الأرض ووضع عدته قام بتعقيمها بالنار، يقول إنه طمأنه بقوله “بقلعلك ضرسك وعشر تيام برجع بركبلك واحد بدالو أحسن منو” وبالفعل ما هي إلا دقيقتين وإذا بضرسي أمام عيني يلتقطه بـ “بانس” يحمله بيده يتابع أبو خليل. بعد عشرة أيام عاد من تلقاء نفسه ليكمل ما بدأ به وفحص مكان الضرس المقلوع وبدأ بوضع الضرس الذي جهزه مسبقاً، قبل أن يأتي وما هي إلا دقائق قليلة حتى انتهى من عمله ووضع قطعة من القطن على الضرس الجديد وقال لي: “عض عليها بقوة حتى تتأكد” وبالفعل عاد ضرسي كما كان وإلى الآن وبعد مرور أكثر من سنة على تركيبه لم يزل قوياً سليماً ولا أعاني أي أوجاع”.
“أبو محمود” رجل في النصف الثاني من العقد الثالث من العمر يظهر عليه أنه في العشرينات وسيم المظهر يركب دراجة آلية يضع خلفه حقيبته السوداء ويتجول بين الأحياء والحارات يبحث عن أشخاص يريدون تركيب أو تلبيس أسنانهم، يقول إنه تعلم مهنة تلبيس الأسنان التي ورثها عن والده عن جده.
سابقاً كان عمل والد “أبي محمود” يقتصر على تلبيس الأسنان بالذهب أو الفضة لتزيينها فقط ولكن وبعد أن انعدمت هذه الظاهرة نتيجة تطور الحياة، توجه ممتهنو هذه المهنة إلى تلبيس الأسنان المعالجة عند طبيب الأسنان بالخزف لبعض الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يُلبِّسوها عند الطبيب نظرا لغلائها، فطبيب الأسنان يأخذ أضعاف ما نأخذ نحن رغم أن المواد التي يستخدمها هي نفسها التي نستخدمها نحن أيضا، حسب تعبيره.
أسنان يقوم بتركيبها الغجر -انترنت
ينفى طبيب الأسنان “سليمان الجاسم من ريف حماه الغربي” تعاون أطباء الأسنان مع الغجر، ويؤكد أن لجوء الأهالي لهذا النوع من الأسنان فيه خطورة كبيرة، إذ يعتمد الغجري على استخدام مادة “الإكريل المحمى = مادة تلصق على السن”، دون تحضير أو مراعاة للحالة التشريحية للثة أو العلاجية للسن الذي توضع فوقه التلبيسة، ما يمكن أن يؤدي إلى عفونة السن أو خلل إطباقي بالفك، أو تهتك بالأنسجة اللثوية حول السن المحضر، أحياناً تصل لتآكل بالعظم بالإضافة للآلام الشديدة التي تلحق بالمريض نتيجة هذه الأخطاء.
كما يرفض الجاسم التعقيم بالحرارة ويصفه بـ “غير المجدي” كونه لا يقتل جميع الميكروبات، بالإضافة لتأكسد الأدوات بسبب غاز ثاني أكسد الكربون الذي يتشكل بفعل الاحتراق، وهو ما يؤدي لنقل العديد من الأمراض التي تنتقل عن طريق الفم واللعاب كالتهاب الكبد الوبائي والسل وغيرها.
لا يبدي السكان اهتماماً كبيراً بالصحة الوقائية، فالفارق الكبير في التكاليف يدفعهم لتفضيل المعالجة عند الغجري، أياً كانت الأضرار القادمة. ويشيع هذه الأمر في كافة الدول التي يسكنها الغجر الذين يمارسون مهنتهم هذه دون ترخيص أو عقوبة.
لا وطن للغجر يعودون إليه، ولا طائفة أو قومية تجمعه بالمناطق التي يسكنونها، مجتمعهم المغلق وحياتهم الخاصة تدفعهم إلى الأماكن التي يجدون فيها رزقهم، دون إثارة انتباه الحكومات والمؤسسات الحكومية، فهم أكثر الفئات المهمشة عالمياً، يعيشون بين أسطرة حياتهم وغرابتها يتجولون بين البلدان يعزفون ويغنون ويرقصون في عرباتهم وخيامهم التي ينصبونها أينما تسعفهم الحياة، بثياب متسخة وأقدام أطفالهم الحافية للبحث عن معجزة البقاء.
وعن خطر العشوائية المتبعة في حفر الآبار يقول المهندس الكيميائي أحمد درويش العامل في شبكة الإنذار المبكر للاستجابة للأوبئة “إن حفر الآبار بشكل عشوائي بدون دراسة طبغرافية الأرض وموقع البئر يعرضه لخطر التلوث الحيواني أو البشري أو الصناعي ويهدر المخزون المائي ويهدد أمنه”.
ويتابع إن “الخطر الأكبر يكمن عند قيام البعض بتحويل مياه الصرف الصحي إلى أحد الآبار السطحية أو الجوفية التي فشل في استخراج المياه منها، مما يهدد نوعية المياه وجودتها وينقل الكثير من الأمراض المحمولة في المياه”.
بحلول العام 2025 سيعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني من نقص المياه، إضافة لتلوث المياه الجوفية وازدياد الأمراض الناتجة عنها، وأهمها الإسهالات التي تقتل سنوياً أكثر من ثمانمائة واثنين وأربعين ألف شخص، معظمهم من الأطفال في العالم، والتيفوئيد والكوليرا..، بحسب تقرير للأمم المتحدة.
وتشكل المياه الجوفية 98% من مجموع المياه العذبة في العالم، يظهر منها إلى السطح 0.6% على الكرة الأرضية، تعتمد في مصادرها على مياه الأمطار التي يتبخر في سوريا ما يزيد عن 80% منها أو يرشح إلى الطبقات الداخلية والمياه المعدنية وماء الصهير والماء المقرون، ما يؤدي إلى انخفاض كمية الوارد من المياه الجوفية بنحو 5025 مليون متر مكعب.
سنركز في هذا التقرير على الآبار الجوفية في منطقة إدلب، وستشمل تأثير الحفر الجائر والآبار الارتوازية والعوامل المناخية على حوض نهر العاصي (المغذي الرئيسي للمنطقة)، وعلى الأمن المائي للسكان فيها، إضافة إلى أهم الأمراض وأسباب التلوث، وغياب الرقابة الحكومية.
الحفر الجائر يسبب انخفاضاً في مياه حوض العاصي
تصنف الأراضي السورية على أنها أراض جافة أو شبه جافة بنسبة 60% منها، وتعتمد 89% من أراضيها على الزراعة المروية من المياه السطحية أو الآبار، كما تلوح في الأفق أزمة مائية خانقة بسبب الحرب وعدم التوازن بين مصادر المياه والاستهلاك، وتباين نوع مصادر المياه جغرافياً، إذ يقدر العجز المائي بـ (18.8-40) مليار م³ سنوياً.
ويشكل الحفر الجائر أحد أهم الأسباب في العجز المائي القادم وذلك بعد تراجع المياه في حوض العاصي بنسبة 11.7 م³/ثا خلال الأعوام الماضية (متوسط التدفق 25.8 م³/ثا في العام 2010، 14.1 م³/ثا حالياً) إذ كانت المياه الجوفية ترفد الحوض بـ 1339مليون م³، قبل ازدياد عدد الآبار الجوفية والتغيرات المناخية، إذ بلغت عدد الآبار في المنطقة سبعة عشر ألف بئر منها ثمانية آلاف غير مرخصة. وكانت تبلغ 3158 بئراً غير مرخص و8933 مرخصاً قبل العام 2014.
حفر يئر ارتوازي في ريف إدلب
الآبار الجوفية حلّ لتأمين مياه الشرب والري بعد توقف الشبكات الرئيسية
مع توقف إمدادات مياه الشرب على منطقة إدلب والخاضعة للمعارضة السورية بعد قطعها من قبل قوات النظام، سواء تلك القادمة من حوض نهر العاصي أو من مدينة حلب، كذلك توقف مشاريع الضخ المائي للأراضي الزراعية في الحوضين السابقين كان لا بد من اجتراح حلول جديدة لتعويض النقص المائي الحاصل، ما دفع السكان للجوء إلى حفر الآبار الجوفية، وبشكل عشوائي، لتلبية جزء يسير من احتياجاتهم المائية.
وتنقسم تلك الآبار بحسب عمقها إلى “سطحية” تتفاوت أعماقها بين 5 أمتار في سهل الغاب و150 متراَ في المناطق الشمالية من إدلب، بحسب المهندس عبد الخالق الشيخ (مهندس مياه كان مسؤولاً عن إنتاج مئة بئر في المنطقة خلال عمله في مؤسسة المياه)، والذي أوضح
أن المياه السطحية تكون عادة بين طبقتين صخريتين كتيمتين على شكل أحواض مائية أو أنهار جارية لذا فإن كمياتها محدودة وغزارتها أقل من الآبار الارتوازية التي تكون أعمق بكثير من الآبار السطحية وتبدأ بـ 250 متر إلى 700 متر.
ري الأراضي الزراعية من خلال الآبار في ريف إدلب
خلال السنوات الماضية ازدادت نسبة حفر الآبار بشكل كبير نتيجة حاجة الناس الملحة لتأمين مصادر بديلة عن المضخات الرئيسية التي تعطلت، فارتفع عدد الآبار الموجود بعشوائية (كسرت قوانين الموارد المائية) الأمر الذي سيشكل خطراً في المستقبل على الأحواض المائية الموجودة في المنطقة التي تقع أصلاً ضمن خط الفقر المائي ” حيث صنفت وكالات الأمم المتحدة سوريا منذ العام 2013 من بين الدول التي تعاني العجز المائي، وذلك بسبب انخفاض حصة الفرد من الواردات المائية فيها إلى ما دون 1000 م³ في السنة ” بحسب ما أورد موقع الجمهورية في إحدى دراساته.
قرارات تنظيمية لحفر الآبار وتجاوب ضعيف من المواطنين
يتجاوز عدد الآبار الجوفية المرخصة في إدلب وحدها 4500 بئر تساهم بري أكثر من 40 ألف هكتار، إضافة للآبار العشوائية التي تم حفرها خلال سنوات الثورة، والتي ستشكل لب المشكلة الحقيقة لأنها حفرت دون مراعاة للضوابط القانونية بحسب “المهندس عبد الخالق الشيخ” والذي يرى أن غياب القوانين الملزمة أدى لحدوث تجاوزات كبيرة على الأحواض المائية المغذية للمنطقة مما سيحرم الأجيال القادمة من حقها الطبيعي من المياه، حيث عملت مديرية الموارد المائية مؤخراً على إصدار قرار يطالب بإجراء تراخيص محددة قبل البدء بعملية الحفر بالإضافة لإشراف مديرية الموارد المائية على الحفر، حيث يتم منح التراخيص لكافة الاستعمالات في الوقت الحالي، لكن تم التشديد على مسألة القرب من الآبار العامة والتي تضخ مياهها للناس بشكل مباشر، إذ يجب ترك مسافة أمان للبئر على مساحة دائرة نصف قطرها 1 كم.
ري الأراضي الزراعية من خلال الآبار في ريف إدلب
يضيف “الشيخ”: كان تجاوب المواطنين ضعيفاً مع القرار بداية الأمر، لكن الضغوط التي نفذتها الشرطة الحرة مؤخراً بناء على التعميم الذي أصدرته المديرية دفع الناس للتجاوب مع القرار وبدأت الناس بمراجعتنا بهدف ترخيص آبارهم. إذ تم حتى اليوم منح 50 رخصة حفر وقرابة 12 رخصة تركيب جهاز نضح وتسجيل 14 حفارة. وتتفاوت كلفة الترخيص على المواطن ما بين 30 -40 ألف ليرة سورية متضمنة أجور الكشف الحسي وبيان القيد العقاري.
تسعى مديرية الموارد المائية لتحقيق بعض المكاسب لأصحاب الآبار التي تم ترخيصها حيث تعمل على تأمين محروقات بأسعار مخفضة بالإضافة لأحقيتهم باستلام الدعم المقدم من المنظمات الزراعية، في خطوة يعتبرها القائمون على العمل تشجيعاً للمواطنين على ترخيص الآبار.
تستعمل تلك الآبار بنسب كبيرة في ري الأراضي الزراعية في أغلب مناطق إدلب وريفي حلب الغربي والجنوبي بسبب غياب المسطحات المائية وأقنية الري في حين بدأ الاعتماد عليها بشكل متأخر في سهل الغاب نتيجة توقف أقنية الري.
تشكل الآبار التي حفرت حديثاً مورداً مهما لمياه الشرب مما يحتم على الجهات المعنية تكثيف الجهود في مراقبة تلك المياه وتحليلها بشكل دوري، لاسيما أن الكثير منها حفر ضمن شروط بيئية سيئة، يضيف الشيخ “تختلف تكلفة حفر البئر من منطقة لأخرى بحسب عمق البئر ونوعية الصخور المتواجدة في المنطقة بحيث تتراوح تلك التكلفة ما بين 1500 إلى 5000 ليرة سورية للمتر الواحد، مما شجع البعض على حفر الآبار بهدف استخراج المياه وبيعها للمواطنين بشكل مباشر أو عبر سيارات نقل المياه (يتراوح سعر الصهريج بين 2000-4000 ليرة سورية) متغافلين عن حجم الكارثة المترتبة عن هذا الأمر في المستقبل”.
مياه ملوثة في الآبار الجوفية والصرف الصحي أهم أسبابها
وعن خطر العشوائية المتبعة في حفر الآبار يقول المهندس الكيميائي أحمد درويش العامل في شبكة الإنذار المبكر للاستجابة للأوبئة “إن حفر الآبار بشكل عشوائي بدون دراسة طبغرافية الأرض وموقع البئر يعرضه لخطر التلوث الحيواني أو البشري أو الصناعي ويهدر المخزون المائي ويهدد أمنه”.
يتابع “الدرويش” إن الخطر الأكبر يكمن عند قيام البعض بتحويل مياه الصرف الصحي إلى أحد الآبار السطحية أو الجوفية التي فشل في استخراج المياه منها، مما يهدد نوعية المياه وجودتها وينقل الكثير من الأمراض المحمولة في المياه”.
وعن آلية تشكل المياه تحت سطح الأرض يقول “الدرويش” تتواجد المياه تحت سطح الأرض ضمن أحواض متصلة أو منفصلة بشكل عشوائي، لذا يساهم الحفر العشوائي في جفاف الحوض أو انخفاض مستوى المياه فيه ويحرم المستفيدين منه. حيث تتجمع تلك المياه ضمن طبقات الأرض نتيجة رشح مياه الأمطار إلى باطن الأرض، بالإضافة لتسرب المياه السطحية بحيث يخضع الحوض لقوانين الدخل والخرج المائي”.
يجري الفريق الذي يعمل به الدرويش مجموعة من الاختبارات الدورية على الآبار العامة التي يشرفون عليها، ومن أهم الاختبارات التي يمكن أن يقومون بها ” الاختبارات الفيزيائية “اللون والطعم والرائحة” بالإضافة للأملاح الكلية المنحلة والناقلية الكهربائية والعكارة.
يتابع “الدرويش” من أهم الاختبارات الكيميائية التي يجب تنفيذها لنوعية المياه وجودتها هي الاختبارات التي نقوم بها نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه أو عند تسرب الأسمدة إلى أحواض المياه حيث نقوم بالبحث عن شوارد النترات والنتريت والأمونيا إن كان هناك تسرب صرف صحي أو الفوسفات إن كان هناك تسرب أسمدة بالإضافة للبحث عن الجراثيم الممرضة وهي ” الأشريشيا كولاي” أو “تعداد الكونيات الكلية”، فوجود أي جرثومة يعني أن المياه غير صالحة للشرب كما أن وجود شوارد النترات بنسبة زائدة يعني أن المياه أصبحت ملوثة.
وتبين معنا خلال العمل بمراقبة نوعية المياه وجود العديد من الآبار غير المراقبة والتي تم حفرها قرب مصبات الصرف الصحي أو الحفر الفنية ما أدى إلى تغير نوعية وجودة المياه حيث دخلت الكثير من الآبار في مرحلة الخطورة، وأمست غير صالحة للشرب، لذا قمنا بالكثير من الندوات والجلسات التعريفية بخطورة هذا الأمر وأهمية تعقيم هذه المياه وفحص نوعيتها فيزيائياً وكيميائياً حتى تصبح صالحة للشرب.
يتابع “الدرويش” : ” نقوم بإجراء تحليلات بشكل دوري بالإضافة لتحاليل يومية وأخرى تتم في حال الاشتباه بحدوث مرض معين على الآبار العامة، حيث نستجيب لطلبات المجالس المحلية الراغبة بمراقبة مياهها، وغالباً ما تكون المياه الجوفية الخارجة من الآبار الارتوازية مياه نقية وخالية من الجراثيم الممرضة، لكن المشكلة تكمن في المياه السطحية القريبة من مصدر تلوث أو المياه المنقولة والمخزنة والتي قد تتعرض لتلوث مائي أو تلوث جرثومي، وخاصة أثناء الضخ على الشبكات، بحيث تتسرب مياه الصرف الصحي نتيجة خلل ما إلى شبكات المياه الرئيسية.
في الوقت ذاته يرى المهندس الكيميائي هنانو السلوم أن الخطر الأكبر في عملية التلوث تتعرض له المياه السطحية نافياً إمكانية تلوث المياه الجوفية “البحرية”. ومهما ارتفعت نسبة التلوث فإنها ستهمل أمام نسبة مياه البحار وأمام عمليات الفلترة والتصفية التي تتم تحت سطح الأرض، على خلاف ما تتعرض له الآبار السطحية من تلوث ناجم عن المخلفات الصناعية والصرف الصحي والأسمدة وغيرها فانعدام الجريان تحت سطح الأرض، أو الجريان البسيط الذي لا يتجاوز 500 متر يمنع فلترة تلك المياه ذاتياً.
تلوث ظاهر بالعين المجردة
في بعض مناطق إدلب تفاقمت مشكلة تلوث الآبار للحد الذي يمكن معاينته بالعين المجردة والفحص الفيزيائي، يقول المهندس “أنس الرحمون” المختص في مجال الأرصاد الجوية وعلم البيئة إن تغيرات في صفات المياه الخارجة من بعض الآبار السطحية كاللون والرائحة وظهور “رغوة” على السطح تظهر خلال استخدام هذه المياه، وعند تحليلها تبين أن مياهها غير صالحة للاستهلاك البشري، بسبب احتوائها على بكتريا السالمونيلا، (التي تنضوي تحت الجراثيم المعوية)، وهي المسبب الرئيسي لـ “الحمى التيفية” التي تصيب الإنسان عن طريق العدوى الفموية بعد شرب الماء الملوث بمخلفات الإنسان، ما يثبت نظرية تلوث مياه البئر بمياه الصرف الصحي.
ري الأراضي الزراعية من خلال الآبار في ريف إدلب
وبعد جولة سريعة في المنطقة ومعاينة عدد من الآبار، وجدنا تسريباً في خط الصرف الصحي جراء قصف سابق للطيران الحربي في الفترات الماضية، ما جعل عدداً كبيراً من الآبار المحيطة بالمنطقة عرضة للتلوث.
الخبرة بديلاً للتراخيص
يتابع الناس حفرهم للآبار بطرق عشوائية بالرغم من قرار مديرية الموارد المائية، ويرى أحمد (صاحب حفارة) إن على المديرية تأمين البديل للناس إن كانت ترغب باستجابتهم لقراراتها، إلّا أن أصحاب الحفارات أنفسهم يراعون بـ “الخبرة” بعض الأشياء الرئيسية كالقرب من مياه الصرف الصحي والمسافة بين الآبار وتجنب الحفر بأعماق كبيرة للتخفيف من أثر الآبار على المياه الرافدة للمجمعات المائية، ويعتبر حفر الآبار السطحية ضرورة لأن هذه الخزانات ستفقد إن لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل، فلماذا لا يتم الاستفادة منها! وهو ما أكده الجيولوجي عبد الله السعيد والذي قال إن الحفر بصورة منتظمة ومراعاة الشروط لا يؤثر على المياه الجوفية التي تحافظ على منسوبها بصفة دائمة كونها مياه متجددة عبر شبكات وأنهار داخل الأرض، في حين ينحصر التأثر في المياه الجوفية غير المتجددة التي ينقص منسوبها بفعل الاستجرار.
ليس الأمر حكراً على المناطق التي تخضع لسلطة المعارضة إذ تقدر وزارة الري في مناطق النظام عدد الآبار غير المرخصة فيها بـ 112074 بئراً من أصل 229195 بئراً في عموم الأراضي السورية، وبحسب المنظمة الأغذية والزراعة (FAO) إن الحكومة سنّت القوانين التي تحظر حفر الآبار وتلويث المياه الجوفية غير أنه لا توجد آليات واضحة لإنفاذها، وهو ما سيؤدي إلى اتساع ظاهرة التصحر والجفاف الناجمة عن نقص الموارد المائية، والتزايد المستطرد في شح مياه الشرب، خاصة وأن أعداداً كبيرة من هذه الآبار تتعرض للجفاف سنوياً ما يدفع أصحابها إلى زيادة عمقها أو استبدالها بآبار عشوائية جديدة.
“العناية بابني الذي أصيب بطلقة قناص في العام 2012 أكسبتني خبرة تمريضية دفعتني للانضمام إلى الخوذ البيضاء لمساعدة مصابي الحرب، والتخفيف عنهم”
“العناية بابني الذي أصيب بطلقة قناص في العام 2012 أكسبتني خبرة تمريضية دفعتني للانضمام إلى الخوذ البيضاء لمساعدة مصابي الحرب، والتخفيف عنهم” بصوت واثق تخبرنا أم مهند عن رحلتها مع فرق الدفاع المدني خلال السنوات الماضية.
أم مهند التي لازمت ابنها المصاب بشلل نصفي نتيجة استهدافه من قوات الأسد برصاص قناصة في حي البياضة بحمص عام 2012، لتجد نفسها متطوعة مع مجموعات الدفاع المدني التي شَكلت فيما بعد، وفي تشرين الأول من عام 2014 منظمة الخوذ البيضاء، تقول إن الحاجة الماسة لخبرتها الطبية والتمريضية والتي نمّتها بدورات تدريبية دفعتها للالتحاق بهذا العمل الإنساني.
تروي أم مهند تفاصيل رحلتها مع الخوذ البيضاء، فمنذ انتقالها من حي البياضة إلى حي الوعر بحمص وجدت نفسها واحدة من المتطوعات اللواتي كن يخرجن في أوقات اليوم كافة (ليلاً ونهاراً) لتقديم بعض الخدمات الإنسانية والطبية، خاصة للنساء بعد أن سيطرت قوات النظام على مشفى البر في الحي ومنعت الأهالي من الاقتراب منه، كذلك قلة أعداد الطبيبات والقابلات في الحي، وامتناع قسم كبير منهن عن الخروج ليلاً.
“كنت أستجيب للحالات الطارئة، أحياناً أقوم بدور القابلة، وفي بعض الأوقات أقوم بتمريض النساء وتركيب القساطر وإعطاء الحقن، وفي العام 2014 انضممت إلى مركز الدفاع المدني الذي تأسس في الحي بعد أن اطلعت على ما يقدمه من أعمال إنسانية، كنت أساهم بتركيب السيروم وتخطيط القلب وغيرها من الخدمات الطبية التي بدأت أطور نفسي بتعلمها”، تقول أم مهند إنها ونساء أخريات انضممن إلى الخوذ البيضاء، وبدأت أعمالهن بالتوسع وتعدّت الخدمات الطبية إلى مرافقة المتطوعين خلال القصف والاستجابة للنداء الإنساني في الغارات الجوية “كنا أيضاً نحمل الأغطية لوضعها على النساء المصابات في القصف، ريثما يتم نقلهن بسيارات الإسعاف إلى المشافي”.
تحمل أم مهند في ذاكرتها قصصاً مؤلمة كثيرة رافقتها خلال عملها، إضافة لثلاث إصابات رافقتها خلال تهجيرها مع أهل الوعر إلى إدلب، إلّا أنها ترفض الركون للحزن، تقول إنها ومنذ وصولها التحقت بمركز الدفاع المدني في إدلب، وما تزال حتى الآن تقدم ما تستطيع من خدمات في صفوفه.
تقول رندة الصغير (مديرة المركز النسائي للخوذ البيضاء في إدلب) إن قصة أم مهند واحدة من بين 240 قصة لمتطوعات في صفوف أكثر من 30 نقطة نسائية تتوزع في (حلب وإدلب وريف اللاذقية)، ولكل منهن حالتها الفريدة يتشاركن معاً بالإرادة وحب الحياة والعمل والتضحية من أجل الإنسانية، يعملن في بيئة خطرة، ويثبتن في كل مرة قدرة المرأة السورية على العمل والعطاء في المجالات كافة.
وتصف رندة المراكز النسائية بـ “الرديف الهام لمراكز البحث والإنقاذ التابعة للدفاع للمدني” بما تقدمه من خدمات الإسعافات الأولية (قياس العلامات الحيوية كالضغط والحرارة وسكر الدم، ومعالجة الحروق والجروح)، وتصوير إيكو السيدات، إضافة لخدمات التوعية الصحية والاجتماعية كمخاطر مخلفات الحرب والذخائر (غير المنفجرة)، وأهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي، والرضاعة الوالدية للأمهات، ورعاية ما بعد الولادة، والاستجابة للصدمات النفسية.
تشارك المرأة السورية في مفاصل الحياة كافة، وتثبت في كل مرة قدرتها على العمل أيّاً كانت الصعوبات والمخاطر، لتكسب بذلك تقدير واهتمام المنظمات العالمية، إذ نالت متطوعات الخوذ البيضاء جائزة “نساء العالم في تشرين الأول 2017″، خلال حفل أقيم بالعاصمة البريطانية لندن، تقديراً لتضحياتهن التي بذلت في تقديم العون لآلاف الأشخاص السوريين الذين عانوا من ويلات الحرب.
لا تخضع شبكات الصرف الصحي في إدلب وريفي حلب الغربي والجنوبي للشروط المطلوبة، وتغيب الحلول بسبب غياب الدعم عن المجالس المحلية المسؤولة. معظم هذه الشبكات والتي تتراوح أطوالها بين كيلو متر واحد إلى عشرة كيلو مترات قديمة، إلّا أن مصباتها تمثل العائق الأهم في المنطقة، إذ تقترب من المجمعات السكنية لمسافات لا تزيد عن كيلو مترين، وأحياناً تتاخم هذه البيوت، كما تفتقر المنطقة لمحطات معالجة، مما يعني أن المخلّفات تصب في الوديان القريبة أو تشكل بؤراً ومستنقعات، وتتحول في أرياف حلب إلى أنهار وبحيرات من المياه العادمة المكشوفة تاركة آثارها على الصحة العامة لما يزيد عن نصف مليون إنسان، إضافة لانتشار الحشرات الطائرة والزاحفة. إضافة إلى أنها تترك أثرها على الأراضي الزراعية -التي تروى منها- ما يسبب ضرراً على التربة وخطراً على حياة الأشخاص، كما يؤدي زيادة منسوبها في الشتاء لقطع الطرقات وغمر مساحات كبيرة من أراضي القرى والبلدات التي تمر منها، بحسب تقرير وحدة تنسيق الدعم ACU.
لا تخضع شبكات الصرف الصحي في إدلب وريفي حلب الغربي والجنوبي للشروط المطلوبة، وتغيب الحلول بسبب غياب الدعم عن المجالس المحلية المسؤولة. معظم هذه الشبكات والتي تتراوح أطوالها بين كيلو متر واحد إلى عشرة كيلو مترات قديمة، إلّا أن مصباتها تمثل العائق الأهم في المنطقة، إذ تقترب من المجمعات السكنية لمسافات لا تزيد عن كيلو مترين، وأحياناً تتاخم هذه البيوت، كما تفتقر المنطقة لمحطات معالجة، مما يعني أن المخلّفات تصب في الوديان القريبة أو تشكل بؤراً ومستنقعات، وتتحول في أرياف حلب إلى أنهار وبحيرات من المياه العادمة المكشوفة تاركة آثارها على الصحة العامة لما يزيد عن نصف مليون إنسان، إضافة لانتشار الحشرات الطائرة والزاحفة. إضافة إلى أنها تترك أثرها على الأراضي الزراعية -التي تروى منها- ما يسبب ضرراً على التربة وخطراً على حياة الأشخاص، كما يؤدي زيادة منسوبها في الشتاء لقطع الطرقات وغمر مساحات كبيرة من أراضي القرى والبلدات التي تمر منها، بحسب تقرير وحدة تنسيق الدعم ACU.
مرور نهر الصرف الصحي في قرية الجينة بريف حلب
منذ أكثر من أربعين سنة والشمال السوري يعاني من مشكلة شبكات الصرف الصحي، فهناك ما يشبه النهر الممتد من سرمدا (شمال إدلب) وحتى “منطقة السيحة حيث مصب “النهر” الناجم عن منصرفات حلب ومخلفات الصرف الصحي في إدلب”، مروراً بقرى وبلدات ريفي حلب الجنوبي والغربي. غير أن الأزمة تفاقمت في السنوات الأخيرة، وباتت تشكل تهديداً على السكان والأراضي الزراعية.
مجرى النهر الصرفي
يقول خالد شيته (من المجلس المحلي لقرية الجينة بريف حلب) إن “مجرى النهر يبدأ من جنوب سرمدا ويمر بين قريتي البرج والحلزون متوجهاً لقرية بابكة، ثم إلى كفر ناصح وباتبو، ليمر بعدها قرب بلدة الجينة، وتصب فيه شبكات الصرف الصحي للقرى المتاخمة وأهمها الدانا ودير حسان قبل أن ينتهي مجراه الأول بقرية كفرنوران”.
عند كفر نوران تتجمع مياه “نهر الصرف الصحي” مع مخلفات الصرف الصحي في خط “باتبو – كفرنوران” والذي بدأ تنفيذه في العام 1980 بطول 11.6 كم، ويمر في قرى وبلدات كثيرة أهمها “الأتارب والأبزيمو وإبين وسمعان وكفركرمين”.
نهر الصرف الصحي خلال مروره بقرية باتبو
وعن التوجه النهائي لهذا التجمع من مياه الصرف الصحي، يقول عبد الناصر جمال، أحد أبناء مدينة الأتارب: “يتوجه تجمع الصرف شرقاً بعد كفرنوران ليلتقي بمجرور حلب قرب الحاضر، عند قريتي برنة وزيتان بريف حلب الجنوبي، ويصب بمنطقة السيحة قرب تل الطوقان (وهي منطقة منخفضة، يتشكل بها بحيرة ضخمة من مياه الصرف).” وتؤكد ذلك دراسة إقليمية عن منطقة جبل سمعان الإدارية ، توضح أيضاً أن جميع هذه الشبكات مكشوفة ماعدا تلك الممتدة في قرى (إبين وسمعان).
بؤر لانتشار الحشرات والأمراض
تمت تغطية جزء من “نهر الصرف الصحي” ابتداء من سرمدا وحتى قرية البرج، بحسب هاني المصطفى رئيس المجلس المحلي في باتبو ما قلل من الأضرار، إلّا أن المصطفى قال إن النهر يمر في باتبو بطول كيلومترين ويشكل مستنقعاً غرب البلدة تزيد مساحته عن خمسمائة متر مربع، وأن الرائحة السيئة إضافة لمرض اللشمانيا هي أهم ما يعانيه السكان، إذ قدّر إصابة ما يزيد عن 2500 حالة منهم باللشمانيا، وهو ما يعادل أكثر من نصف سكان القرية، مرجعاً السبب لكون المستنقعات بيئة حاضنة لذبابة الرمل الناقلة للمرض، ومكاناً مناسباً لتكاثرها.
مرور نهر الصرف الصحي في قرية الجينة بريف حلب
مجلس الجينة، بحسب رئيسه، حاله كحال بقية المناطق يؤكد على ذات المشكلة، انتشار حالات اللشمانيا وكثرة الحشرات والروائح الكريهة، حيث يمر قرب قريتهم بطول 3 كيلو مترات، بشكل قوس، قبل وصوله كفرنوران.
وذكرت تقارير صحفية إن أكثر من 150 ألف إصابة باللشمانيا تم إحصاؤها في سوريا خلال العام 2017، أكثرها في أرياف حلب وإدلب، زاد من أعدادها نزوح ما يزيد عن مليون شخص جديد خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بحسب منسقو استجابة سوريا، واستقرارهم في القرى المجاورة “لنهر الصرف”، إضافة للمخيمات التي بنيت على جوانب نهر الصرف الصحي أو في مناطق قريبة منه. كما ساهم توقف الدعم العلاجي في تفاقم هذه الحالات وزيادة أعدادها إذ تقدر عدد إصابات اللشمانيا في إدلب بخمس وعشرين ألف حالة، وتزيد في حلب عن ثلاثين ألف إصابة.
كما تنتشر بفعل الحشرات أمراض جلدية أخرى، بحسب الطبيب أحمد الشعباني، الذي قال لفوكس حلب “هناك مراجعات لأمراض جلدية جديدة بسبب الحشرات، بعضها لا يستجيب للعلاج، وتترك ندبات جلدية، بعضها يشبه الحروق”.
أضرار على التربة والمحاصيل الزراعية
تركت مياه “نهر الصرف الصحي” آثاراً ممرضة فارتفعت نسبة الاسهالات وسُجلت ارتفاعات في الإصابات بالحمى التيفية، وذلك نتيجة تناول المحاصيل التي يسقيها المزارعون من هذه المياه والتي يعتمدون عليها بشكل كلي، بسبب غياب مجاري الأنهار وندرة الآبار الجوفية. يقول من التقيناهم إن معظم المزارعين يعتمدون عليه في ري محاصيلهم، ووصفوا ذلك بـ “الأمر الاعتيادي منذ عشرات السنين”، في حين شكا العديد من الأهالي من ذلك، واعتبروا أن ري المحاصيل بالصرف الصحي يشكل خطراً على صحتهم وصحة أطفالهم.
مرور نهر الصرف الصحي في قرية الجينة بريف حلب
وكانت المجالس المحلي قد أصدرت تعاميماً بمنع ري المحاصيل من مياه نهر الصرف الصحي، وفرضت عقوبات على تلك الظاهرة، دون جدوى، فخلال تتبعنا لمجرى “النهر” وجدنا عشرات “مولدات الضخ” المنتشرة على أطراف النهر.
ويرى عبد المغيث الصالح (دكتوراه في الزراعة) أن الري بمياه الصرف يمثل خطراً كبيراً، إذ تكون المياه غنية ببقايا العناصر المعدنية، وتنتقل إلى المزروعات عند ريها من هذه المياه، وبدورها تنتقل وتتراكم في جسم الإنسان، مسببةً العديد من الأمراض على المدى البعيد، كالسرطانات أو حتى الآثار السمية القاتلة بعد تراكمها في الكبد، لتصل إلى حدود عالية يظهر أثرها السام مع مرور الزمن.
كما قال الصالح إن هذه المياه مليئة بالبكتريا والجراثيم الضارة، والتي تنتقل بدورها إلى الخضار والمحاصيل التي سيتناولها الإنسان، وخصوصاً الخضروات الورقية التي تؤكل طازجة دون طبخ، فتصبح بدورها مصدراً للأمراض، وانتقال الأمراض المعدية. وأكد أنه قام بإجراء بحث في جامعة حلب عن أثر الري بمياه الصرف الصحي للخضار والمزروعات، وتبين بنتيجة البحث إن هذه الخضروات غير صالحة للاستهلاك البشري، نتيجة الحمولة الجرثومية العالية، والأنواع الجرثومية الممرضة المتنوعة الموجودة في هذه المياه.
مرور نهر الصرف الصحي في قرية الجينة بريف حلب
ويشرح المهندس سعيد الأحمد أن السبب في هذه الأمراض يعود إلى التراكيز العالية من النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم والأملاح والمعادن الثقيلة السامة كالكادميوم والرصاص والنحاس والزئبق في مياه الصرف الصحي، والتي تدخل السلسلة الغذائية عبر تراكمها في أنسجة النباتات والحيوانات التي تتغذى عليها، ما يهدد سلامة الاستهلاك البشري لهذه المحاصيل.
من ناحية أخرى يرى الأحمد أن كميات الأملاح الكبيرة تسبب ضرراً في المحاصيل وتقلل من إنتاجها. أما المعادن الثقيلة التي تدخل إلى التربة مع مياه الصرف فتؤدي إلى تلف النباتات ولاحقاً تترك آثارها على التربة، خاصة عند زراعتها ببعض المحاصيل الحساسة لوجود هذه المكونات.
المزارعون يشتكون
بالرغم من اعتمادهم على مياه الصرف الصحي في ري محاصيلهم إلّا أن المزارعين يشتكون من الأضرار التي يسببها وجودها، خاصة في فصل الشتاء مع ارتفاع منسوب المياه، ما يؤدي لغرق أراضيهم وتجريف تربتها وتضررها بمخلفات الصرف الصحي، كذلك انقطاع الطرق إلى أراضيهم، خاصة وأن نهر الصرف الصحي يقسم هذه الأراضي بمجراه إلى قسمين، مع عدم وجود الجسور للوصول إلى حقولهم والعناية بها.
مرور نهر الصرف الصحي في قرية الجينة بريف حلب
لا حلول في الأفق
يشتكي رؤساء المجالس المحلية الذين قابلناهم من قلة الدعم، وغياب أي دور للمنظمات الإنسانية في حلّ مشكلة مياه الصرف الصحي بسبب التكلفة العالية، وغياب محطات المعالجة أو توقفها عن العمل، أو لوجودها في مناطق تخضع لسيطرة نظام الأسد. كما تغيب الدراسات الجديدة حول مخاطرها وآثارها، في الوقت الذي يعاني سكان هذه المناطق من كارثة حقيقة متعددة الأبعاد.