فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“محلب” جبل الزاوية معاناة في القطاف وصعوبة في التصريف

ٲسامة الشامي

وبسبب قطاف المحلب، أجبر أصحاب الأراضي الزراعية على العودة المؤقتة إلى قراهم لجمع المواسم، وهو ما زاد من أكلاف القطاف، يقول
محمد قنطار، ٲحد مالكي حقول المحلب في قرية عين لاروز “اضطررنا للعودة إلى جبل الزاوية من أجل الموسم، عودة تفتقد لكل ظروف الاستقرار مع الاحتفاظ بأماكن سكننا في المناطق الحدودية”.

يسعى أهالي جبل الزاوية لإنهاء قطاف موسم المحلب، هذا العام، في ظروف صعبة لا تخلو من مخاطر تعرضهم للقصف، إضافة لتخوفهم من نشوب معركة في المنطقة بعد الحشود التي جمعها نظام الأسد في المنطقة والمصير المجهول للقرى التي تقع جنوب الطريق الدولي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في الخامس من آذار الماضي.

ويصنف المحلب (الكرز البري) من الأشجار المثمرة مستورة النواة، يتبع جنس البرقوق (الخوخ) وينتمي للفصيلة الوردية، ويعد من أهم الأشجار التي تستعمل كأصول لتطعيم اللوزيات (وبخاصة الكرز)، موطنه الأصلي وسط وجنوب غربي آسيا، ويزرع في المغرب العربي وبلاد الشافي المناطق الجبلية الباردة، وتتركز زراعته في سورية في جبل الزاوية جنوبي محافظة إدلب.

منذ خمسينات القرن الماضي، عرف أهالي جبل الزاوية شجرة المحلب، وانتشرت زراعته بكثرة في الفترة الممتدة بين عامي (١٩٨٠ -١٩٩٠)، إذ قدرت المجموعة الإحصائية السورية في تقرير لها نشر في عام ٢٠٠٩ المساحة المزروعة بالمحلب بنحو (٣٣٣٥ هكتاراً)، ومع بداية الثورة السورية استبدل عدد من المزارعين أشجارهم المثمرة، خاصة الكرز، بالمحلب، وذلك لمقاومة شجرته للظروف المناخية وقلة العناية، كذلك مواسمه التي بالإمكان الحفاظ عليها لفترة طويلة بعد تجفيفها، ناهيك عن أسعاره الجيدة، إذ ارتفعت المساحات المزروعة به لنحو ٥٧٣٨ هكتاراً تضم نحو ١.٣ مليون شجرة، وبمتوسط إنتاج يبلغ نحو ٢٥ طناً، بحسب إحصائية نشرتها مديرية الزراعة في إدلب عام ٢٠١٢.

اتساع رقعة زراعة المحلب حولت هذه الشجرة إلى أحد أهم المواسم التي يعتمد عليها السكان في جبل الزاوية، إلا أن قطافه في الموسم الحالي لم يكن يسيراً، كما تمنى الأهالي، إذ تعرض السكان في القرى التابعة لجبل الزاوية لحملة تهجير واسعة بسبب المعارك منذ بداية العام الحالي، وخلت معظم القرى والبلدات من أهلها وتوجهوا إلى مناطق أكثر أمناً في الشمال السوري بعد وصول قوات الأسد إلى تخوم جبل الزاوية وسيطرتها على بعض من قراه.

وبسبب قطاف المحلب، أجبر أصحاب الأراضي الزراعية على العودة المؤقتة إلى قراهم لجمع المواسم، وهو ما زاد من أكلاف القطاف، يقول محمد قنطار، ٲحد مالكي حقول المحلب في قرية عين لاروز “اضطررنا للعودة إلى جبل الزاوية من أجل الموسم، عودة تفتقد لكل ظروف الاستقرار مع الاحتفاظ بأماكن سكننا في المناطق الحدودية”.
اصطحب محمد معه إلى الحقل كل من يستطيع مساعدته بجني المحصول من أفراد عائلته، في محاولة لإنهاء العمل بأسرع وقت خوفاً من نشوب معركة تمنعهم من الدخول إلى المنطقة بسبب القصف.

عبد الله الحلاق صاحب بستان محلب في جبل الزاوية، وافق القنطار بتخوفه من نشوب معركة، لكن مخلفات القصف تشكل الخطر الأكبر بالنسبة له لاسيما أن منطقة جبل الزاوية تعرضت لقصف متكرر بالقنابل العنقودية وتركز في كثير من الأوقات على البساتين الموجودة في الجبل ما يشكل خطراً على العاملين في القطاف.
يشكو الحلاق من قلة الأيدي العاملة بعد نزوح أهالي المنطقة، ورفض كثير من الشبان العمل في منطقة خطرة ما دفعه للاعتماد على عائلته الأمر الذي يؤخر عملية القطاف.

يبيع جميع أصحاب الحقول نتاجهم من المحلب مباشرةً، كل يوم في يومه، معتمدين على الطريقة الأولى في بيعه (البيع أخضراً)، والتي يكون السعر فيها أقل بكثير من طريقة البيع يابساً، إذ يباع الكيلو غرام الأخضر حالياً بنحو 2000 ليرة سورية وهو ما يعادل تسعون سنتاً، في حين كان يباع الأخضر بنحو خمسمائة وخمسين ليرة سورية وهو ما يعادل بالدولار نفس السعر الحالي، بينما وصل سعر المحلب اليابس إلى نحو تسع دولارات للكيلو غرام الواحد.

يرى من التقيناهم من المزارعين أنهم لا يملكون الوقت أو الأجواء المناسبة لتجفيف المحلب، إذ تحتاج العملية لنشره في مساحات مكشوفة لمدة تتراوح بين عشرين يوماً حتى الشهر، ثم يدق بالعصي لفصل الثمار عن الأوراق والأغصان، وبعدها تبدأ مرحلة الغربلة لفصل الثمار عن بقية مخلفات القطاف، وهذا كله يحتاج لوقت واستقرار وأمان يفتقده سكان الجبل.

يتسم موسم هذا العام بنظر المهندس الزراعي خضر أبو حسن بعدة مشاكل، أهمها سوء الوضع الأمني، وعدم توفر أسواق عالمية للتصريف بسبب إغلاق المعابر والاعتماد فقط على التجار المحليين، ما أدى لانخفاض أسعار هذا المنتج لأقل من دولار واحد، في حين بلغ سعره في عامي ٢٠١٧، ٢٠١٨ نحو دولارين ونصف الدولار، كما تضرر مزارعو قرى كنصفرة، وأرنبة، والموزرة، وعين لاروز، ومعراته، وجوزف، وانخفض إنتاجهم، بسبب موجة الصقيع الذي تعرضت له أشجار المحلب هذا الشتاء والتي أدت لخفض نسبة الإخصاب، وأثرت على نوعية الثمار.

تنتج شجرة المحلب نحو خمسة وعشرين كيلو غراماً بشكل متوسط ويزرع في الدونم الواحد نحو أربعين شجرةً تنتج نحو طن واحد، بحسب المهندس خضر، والذي قال إن المزارع يتكلف على الدونم نحو أربعمائة ألف ليرة سورية موزعة بين “حراثة وتقليم وأسمدة ورش مبيدات، إضافة لأجور عمال المياومة في القطاف”

وعن أهمية زراعة المحلب، قال المهندس الزراعي خالد طقو لفوكس حلب، إن شجرة المحلب هي النبات الأصل الذي يطعّم منه نبات الكرز، وهي شجرة قوية الإنبات تقاوم الظروف الطبيعية، وتحتمل العطش، وثمارها مرة ما يجعلها أقل عرضة للأمراض وغالباً ما تتجنبها الحشرات، و لثمارها أهمية كبيرة، حيث تدخل في كثير من الاستخدامات الطبية، لعلاج أمراض جهاز الهضم، وجهاز التنفس، وتساهم بتنقية الجسم من السموم ، وتساعد في معالجة مشاكل جهاز البول كتفتيت الحصى، كما يدخل المحلب في العديد من الصناعات الغذائية، كـ “منكّه” مميز، وأحد  أبرز أنواع التوابل ، لصناعة  المعجنات والحلويات وغيرها.

والمحلب شجرة متساقطة الأوراق، تاجها كروي الشكل كثيف ذو فروع منفرجة، يتراوح ارتفاعها بين 2-10م، أوراقها خضراء بيضاوية مدببة قليلاً تحمل البراعم الزهرية جانبياً، في فترة ما بين منتصف آذار لأواخر نيسان، يعطي البرعم الزهري عند تفتحه 3 ـ 5 زهرات بيضاء اللون، ثمارها خضراء يتدرج لونها إلى الأحمر ثم الأسود عند النضج، وللبذرة شكل بيضوي خشبي يحيط بنواتها.

 

“الدايّة” بين الماضي والحاضر (جيبو المي السخنة)

زهرة محمد

لا يقتصر عمل الدايّة على الولادة، كشائع الفهم، إلا أن عملها كان أكثر من ذلك بكثير، إذ تعتبر من الشخصيات الموثوقة ذات المكانة الكبيرة في المدن السورية كافة، وكان عمل الداّية يشمل الكشف عن المرأة قبل الحمل، ووصف الأعشاب اللازمة لزيادة الخصوبة لديها، أيضاً إحضار وصفات للعلاقات الزوجية، والتوليد ومراقبة الحامل في كافة مراحل حملها، وكان للداية صيت كبير ونفوذ، حيث يمكن أن تسمعها ربات البيوت، وكانت النسوة تتباهين عندما يكون منزلهن بقربها (أنا بيتي جنب الداية. إلي شباك بنفد الداية).

كرست العديد من الأعمال السورية شخصية الداّية، والتي تطرق الباب بعشم كبير، وتدخل للمنازل بقوة وثقة وتطلب الطعام بشكل فج والتي تكون منفرة ومتكلفة في بعض الأحيان، التصور عن الدايّة بأنها امرأة فضولية، تبحث عن الطعام كأشعب! ولديها من الفضول الكثير والكثير، حيث يستنكر عليها ذلك من يراها ويجالسها. ولكن الواقع غير ذلك على الإطلاق، فالداية هي السيدة التي تعتبر ملاذاً لكل حاجات النساء في العقود المنصرمة، والمرأة التي لا يستغني عنها، حيث كان يحرج على النساء الذهاب للطبيب.

لا يقتصر عمل الدايّة على الولادة، كشائع الفهم، إلا أن عملها كان أكثر من ذلك بكثير، إذ تعتبر من الشخصيات الموثوقة ذات المكانة الكبيرة في المدن السورية كافة، وكان عمل الداّية يشمل الكشف عن المرأة قبل الحمل، ووصف الأعشاب اللازمة لزيادة الخصوبة لديها، أيضاً إحضار وصفات للعلاقات الزوجية، والتوليد ومراقبة الحامل في كافة مراحل حملها، وكان للداية صيت كبير ونفوذ، حيث يمكن أن تسمعها ربات البيوت، وكانت النسوة تتباهين عندما يكون منزلهن بقربها (أنا بيتي جنب الداية. إلي شباك بنفد الداية).

وكانت الداية تبشر بقدوم المولود، وتعمل بالتنبؤ على العلامات الموجودة في المرأة الحامل لمعرفة جنس الجنين، فمثلا إذا كانت المرأة “بشعة في الحمل وأنفها كبير وبطنها مكوز” تكون حاملاً بذكر، أما صاحبة الوجه الجميل والبطن المستدير فهي حامل بأنثى.

وكانت تكشف عن فترة الولادة بـ “قياس الأصابع” عبر وضع اليد على أسفل البطن فإن كانت المسافة قليلة والبطن (هابط)، كما كان يتداول بين النساء، فالحامل على وشك الولادة، وإن كان مرتفعاً فهناك وقت أو عدة ايام قبل الولادة، أيضا تعرف إن كان هناك مشكلة لدى الحامل من حالة الدوار الكثير والغثيان وتصف لها بعض الأطعمة التي تساعدها وتسهم في تحسين صحة الجنين

عند المخاض، كانت الدايّة تأتي لبيت (الولاّدة) وهذا المصطلح كان يطلق على المرأة التي بدأ مخاضها، وكانت تصف لها الماء الساخن والسكر لتسريع عملية المخاض، ولكن يجب أن تكون كمية السكر كبيرة جداً، فقد تملأ نصف كمية الماء ونصفها سكر!

أيضا من الاختبارات شرب النعناع الساخن، كي يتم تمييز المخاض عن “مغص البطن” العادي، فإن توقف الألم فليس هناك مخاض والعكس صحيح.

هذه العادات اكتسبتها وتعلمتها النساء السوريات منذ قرون، وما زلن يتبعنها إلى يومنا هذا، وأصبحت عادة دائمة ومتوارثة لدى الأم لابنتها وهكذا..

أيضا كانت الدايّة تصطحب المرأة بعد الولادة بأسبوع إلى حمام السوق، كي ينزل من ثدييها الحليب (الدّرة) بعد (الصمغة). وكانت الدايّة تعرف تماما حالة كل امرأة على حدة، ولم تكن نساء الحي أو الحارة يبتعدن عن مشورتها في أمور الزواج والولادة والحمل بشكل عام. أيضا كانت ترافق النساء اللاتي يردن الخطبة، فتختبر الفتاة وتراها إن كانت مناسبة للزواج أم لا.

الداية في يومنا هذا

انحسرت مهنة الداية تدريجياً  مع انتشار الوعي لدى غالبية الناس في سوريا، وأصبح أغلب الناس يعتمدون على الأطباء مع تقدم العلم والتطور، وقلت الثقة في المرأة التي تدخل البيوت وتتعلم المهنة عن أمها دون دراية كافية، ومع التطور أصبح الناس أكثر دراية وعلماً بمخاطر الولادة في المنزل دون اهتمام طبي، لأن الداية لا تستطيع حماية المرأة في الحالات الصعبة ولا إسعافها، ففي حالات كثيرة في الماضي كانت المرأة تموت دون معرفة السبب وذلك نتيجة عدم معرفة الداية بأنها قد تحتاج لعملية قيصرية، أيضا عدم التدخل السريع لإنقاذ المولود في الحالات المتعسرة، وإيقاف النزيف المفاجئ .

كما يعتمد الناس بدرجة كبيرة على “القابلات القانونيات” واللواتي يدرسن مدة من الزمن في معاهد مختصة، ويتعلمن “التوليد” و الإسعافات الأولية ويعتمد عليهن في الولادات الطبيعية سواء في المنازل أو المشافي، في حين تقتصر مهمة الولادة الجراحية “القيصرية” على الأطباء والطبيبات ولا يسمح للقابلات بإجرائها.

في ذكرى مجزرة أطفال الحرية.. ساحة العاصي على مدرج الحديقة العامة بإدلب  

محمد الأسمر

كانت جمعة أطفال الحرية نقطة فاصلة بمسيرة الاحتجاجات في حماة، وقدم النظام على إثرها عدداً من التنازلات كان أولها إزالة أكبر تمثال لحافظ الأسد من دوار النسر جنوبي حماة وسحب العناصر الأمنية من الشوارع فبدأت أعداد المتظاهرين تتضاعف لتصل في الجمعة التي تلت المجزرة لأكثر من 300 ألف حسب تقديرات المشاركين

 بدعوة من الحراك الثوري في حماة شارك مجموعة من المدنيين بإحياء ذكرى مجزرة أطفال الحرية، والتي وافقت يوم أمس الثالث من حزيران الجاري، عبر فعالية تم تنفيذها في مدينة إدلب بمشاركة عدد من الناشطين الذين تصدروا المشهد الثوري بحماة في تلك الفترة
تخلل الفعالية مجموعة من الأناشيد الثورية وبياناً للحراك الثوري يشرح أهمية المناسبة وضرورة ترسيخ مثل هذه الأحداث في أذهان السوريين لتبقى شاهداً على انتهاكات قوات الأسد، إضافة لبعض الفقرات الشعرية، وفقرة مسرحية جسّد فيها مجموعة من الأطفال مجزرة أطفال الحرية.

يقول أحمد صباح منسق الأنشطة في الحراك الثوري إن “الهدف من الفعالية تسليط الضوء على المجازر التي ارتكبتها قوات الأسد في حماة خلال مجزرة أطفال الحرية والمجازر الأخرى، مثل العقيربات وكفرطون والقبير والتريمسة واللطامنة”.

من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب
من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب

وعن اختيار الثالث من حزيران للفعالية يقول الصباح إن هذا الاختيار تم لما تعنيه ذكرى مجزرة أطفال الحرية ودورها الرئيسي في تحريك الشارع الحموي، ناهيك عن كونها المجزرة الأولى التي تم قمع فيها المتظاهرون بهذه الوحشية.
في الثالث من حزيران سنة 2011 توجه عدد من أهالي مدينة حماة إلى ساحة العاصي، وذلك لموقعها الوسطي في المدينة ومساحتها الواسعة والتي تسمح بتجمع أعداد كبيرة، بعد اتفاقهم على أن تكون مركزاً للمظاهرة التي دعت لها تنسيقيات الثورة في جميع المناطق السورية تحت اسم “أطفال الحرية”، إثر استشهاد الطفلين “حمزة الخطيب وتامر الشرعي”، على يد قوات الأمن في نهاية شهر أيار من العام ٢٠١١.

عبد الحميد الشحنة (واحد من أبناء مدينة حماة) والذي كان حاضراً في المظاهرة، وما يزال يذكر تفاصيل ما حدث وقتها روى لنا في شهادته “توجهت إلى أحد مراكز التجمع بعيداً عن الحي الذي أسكن فيه خوفاً من الوشاية بي لأحد الأفرع الأمنية، خاصة وأن المخبرين كانوا يملؤون الأحياء”.

يخبرنا الشحنة أن التجمعات كانت تخرج من أمام المساجد بعد انتهاء الصلاة، ليتوجه المتظاهرون عبر طرقات متنوعة ومعروفة من قبل الأهالي لدخول ساحة العاصي بشكل جماعي، وفي يوم مظاهرة أطفال الحرية يقول “سرت رفقة أصدقائي باتجاه حي الحميدية لإخراج اللافتات التي كنا قد جهزناها قبل يومين من المظاهرة، وعند وصولنا كان المتظاهرون قد نصبوا مشنقة علقوا عليها تمثالاً لبشار الأسد كرد رمزي على قتل أبناء الشعب السوري، وكان آخرهم في ذلك الوقت حمزة الخطيب”.

والطفل حمزة الخطيب هو من أبناء بلدة الجيزة في محافظة درعا، يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، اعتقلته قوات الأمن خلال مظاهرة خرج بها رفقة أهله لفك الحصار عن مدينة درعا، لتسلمه بعد فترة لأهله “جثة هامدة”، وأظهرت مقاطع الفيديو جثة الطفل الذي تعرض للتعذيب بوحشية، كان وجهه منتفخاً وعلى جسده ثقوباً من آثار التعذيب والحرق بالسجائر. شكل قتل حمزة وتعذيبه نقطة تحول في الثورة السورية، لترتفع حدة الاحتجاجات التي عمت معظم المناطق.

من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب
من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب

يقول الشحنة إن الجموع سلكت طريق حلب، لتدخل منطقة الحاضر، شارع سعيد العاص وهو الطريق الذي ينتهي بساحة العاصي ويحوي عدداً من المؤسسات الحكومية كمبنى قيادة الشرطة وفرع حزب البعث الذي بني في حارة فرعية باتجاه فندق أفاميا، ويبعد عن الطريق نحو مئتي متر، على أنقاض منازل حارة الكيلانية التي دمرها الأسد الأب في العام ١٩٨٢، وكان يتوجب على المتظاهرين المرور بها للوصول إلى الساحة. وكان عناصر الأمن يحيطون بالمبنى ويعتلون أسطحه في ذلك الوقت.
قام عدد من الشباب المتظاهرين بالوقوف كسد بشري على الطريق المؤدي للفرع لمنع أي تصرف فردي قد ينتج من أحد المتظاهرين تجاه عناصر الأمن المتواجدين أمام الفرع تجنباً لرفع حدة التوتر، كانت الغاية يومها الوصول لساحة العاصي دون أي احتكاك مع القوى الأمنية والتي كانت قد فتحت الطرقات باتجاه الساحة بشكل طبيعي في الجمعة الماضية أمام المتظاهرين الذين وصولوا إلى ساحة العاصي وقتها.

كانت الآمال أكبر هذه الجمعة وتوقع المتظاهرون أن يصل عدد المشاركين إلى مئة ألف شخص، ما يعني دخول مرحلة جديدة من  الاحتجاج في سوريا، عن طريق تشكيل مظاهرات حاشدة ومنظمة على غرار مظاهرات مصر وخلافاً للمظاهرات السابقة التي عرفت بـ “الطيارة”.

وقف “الشحنة” على زاوية الطريق المؤدي إلى فرع الحزب محاولاً التقاط صورة لأب يحمل طفله على كتفه ويحاول أن يجثو على ركبتيه ليصبح الطفل مقابل عنصر الأمن ويقدم له وردة، إذ كان تقديم الورود لعناصر الأمن أحد فعاليات المظاهرة في محاولة للتأكيد على سلمية الثورة، وفي تلك اللحظة سمع المتظاهرون صوت طلقة من الرصاص تلاها عدة رشقات أخرى، لم يتوقع المتظاهرون أن تكون رصاصاً حياً، بحسب الشحنة، لكن أصوات الرصاص كانت تقترب وشاهد الشحنة عدداً من المتظاهرين سقطوا بعد إصابتهم بطلقات نارية، يقول إن المتظاهرين ركضوا في جميع الاتجاهات، هو أيضاً لجأ إلى زاوية أحد الأبنية للاحتماء، كان متوتراً ومتفاجئاً في آن معاً، شأنه شأن من رآهم واعتلت وجوههم علائم الذهول، إذ لم يكن هناك ما يوحي بأي توتر، ولم تحصل أي مشادات كلامية مع عناصر الأمن.

لحظات مرة التقط فيها المتظاهرون أنفاسهم، بعضهم احتموا ببعض عربات الخضار محاولين الرد على قوات الأمن وقذفهم بالحجارة، في الوقت الذي عمل بعض الأشخاص لسحب جثامين الشهداء والإصابات لإسعافهم، ويضيف الشحنة إن أخباراً بدأت تصل إلى مسامع المتظاهرين عن إطلاق نار في الشوارع الأخرى المؤدية إلى ساحة العاصي، خاصة قرب بناء حزب البعث والذي كان يضم التجمع الأكبر لقوات الأمن.

تفرق المتظاهرون في عدة مناطق، وقامت قوات الأمن باعتقال من عثرت عليه من الجرحى أو المتظاهرين الذين لم يسعفهم الحظ بالهرب، كما اصطحبت معها عدداً من جثث الشهداء، لتبدأ بعدها مظاهرات تشييع الشهداء التي خرجت من كل أحياء المدنية، يقول الشحنة إنه شارك بتشيع شهيد من عائلته وشهيد من عائلة الشامي وقدر أعداد المشاركين في هذا التشييع فقط بنحو ستين ألف مشيع.

شكلت هذه الحادثة حالة من الغضب الشعبي، حاول نظام الأسد إثرها بامتصاصها عبر إرسال وفود رسمية في زيارات ترأسها أحمد عبد العزيز محافظ حماه لأهالي الشهداء والجرحى، وتقديم وعود بتعويضهم وتوظيف أبنائهم، إلا أن الأهالي رفضوا ذلك.

والدكتور أحمد خالد عبد العزيز من مواليد النبك (المشرفة) في العام ١٩٥٧ حاصل على شهادته من كلية الحقوق بدمشق عام ١٩٨٤، كما حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة تولوز في فرنسا (١٩٨٦ -١٩٩٠)، وشغل منصب رئاسة الهيئة السورية للاستثمار قبل أن يعين محافظاً لحماه في شباط من العام ٢٠١١، ليعفى من مهامه في الثاني من تموز من العام نفسه إثر خروج أكبر مظاهرة في المدينة في جمعة “ارحل”، والتي قدر عدد المشاركين فيها بنحو نص مليون شخص.

من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب
من ذكرى جمعة أطفال الحرية في إدلب

كانت جمعة أطفال الحرية نقطة فاصلة بمسيرة الاحتجاجات في حماة، وقدم النظام على إثرها عدداً من التنازلات كان أولها إزالة أكبر تمثال لحافظ الأسد من دوار النسر جنوبي حماة وسحب العناصر الأمنية من الشوارع فبدأت أعداد المتظاهرين تتضاعف لتصل في الجمعة التي تلت المجزرة لأكثر من 300 ألف حسب تقديرات المشاركين. وينسب إلى محافظ حماه الفضل في السماح لأهالي حماه بالتظاهر السلمي، والتعهد بحمايتهم من قوات الأمن، وإزالة صور وتماثيل رموز النظام من المدينة مقابل الكف عن تداد هتافات مسيئة لرئيس النظام، وكان عبد العزيز قبل تعيينه كمحافظ قد شارك في واحدة من حلقات برنامج “علامة فارقة” للصحفي والكاتب السوري إبراهيم الجبين في العام ٢٠٠٩، وينقل الجبين إن الحلقة منعت من النشر وتم استدعاؤه لاستضافته الدكتور أحمد عبد العزيز من قبل العميد حافظ مخلوف رئيس فرع أمن الخطيب والتحقيق معه وزجه في زنزانة انفرادية.
تضاربت الأنباء حول أعداد شهداء المجزرة بسبب ضعف عمل لجان التوثيق في ذلك الوقت وخوف أهالي بعض الشهداء من نشر أخبار استشهاد أولادهم خوفاً من تعرضهم للاعتقال من قبل قوات الأمن، وقدرت شبكة شام عدد الشهداء بخمسة وستين شخصاً، دون أن تتمكن من إحصاء عدد الجرحى، بينما تحدثت الشبكة السورية للإعلام المطبوع في تقرير أعدته مع أحد الناجين من المجزرة عن توثيق خمسة وثمانين شهيداً وأكثر من مئة جريح في تلك الحادثة، ووثقت شبكة ثوار على الأرض أسماء ثمانية وسبعين شهيداً، في الوقت الدي تداول فيه الناشطون أعداداً تزيد عن مئة وسبعين شهيداً سقطوا في جمعة أطفال الحرية. 
اليوم وبعد مرور تسع سنوات على المجزرة يعيد المتظاهرون الذي نصبوا وسط التظاهرة في إدلب مجسماً لساعة حماة، تذكر أحداث ذلك اليوم مؤكدين استمرارهم بنضالهم حتى تحقيق أحلام الثورة ومحاسبة المجرمين.

في إدلب.. رفوف فارغة وطوابير على الصيدليات المجانية 

محمد الأسمر

يدفع محمد العمر (أحد سكان مدينة إدلب) أربعة آلاف ليرة سورية ثمن علبة دواء “براندوسين” لوالده المريض بـ “البروستات”، وهو ضعف ما كان يدفعه قبل شهر واحد، هذا في حال […]

يدفع محمد العمر (أحد سكان مدينة إدلب) أربعة آلاف ليرة سورية ثمن علبة دواء “براندوسين” لوالده المريض بـ “البروستات”، وهو ضعف ما كان يدفعه قبل شهر واحد، هذا في حال توافر الدواء.
معظم الصيدليات التي مرّ بها محمد تفتقر لوجود هذا النوع، وعرض عليه أصحابها دواء بديلاً إلا أنه فضّل البحث لإيجاد دواء والده الذي اعتاد عليه، ووصفه له الطبيب، وهو ما سيستدعي في حال فقدانه من السوق مراجعة الطبيب لكتابة بديل مناسب لا يتعارض مع أدوية القلب التي يأخذها 

ليس عقار “البراندوسين” وحده المفقود في الصيدليات، وإنما أصناف كثيرة أخرى باتت مقطوعة، بحسب من التقيناهم، في حين يخبرنا محمد إن رفوف الصيدليات التي مر بها شبه فارغة 

ثلاثة أشهر من بداية أزمة الدواء 

تزامن فقدان الدواء في مناطق المعارضة السورية مع سيطرة قوات الأسد على منطقة المنصورة “غرب حلب” في الثالث عشر من شباط الماضي، والتي كانت أهم مصدر للأدوية في مناطق المعارضة لوجود ما يزيد عن عشرين معملاً فيها، وهو ما أكده مرام الشيخ (وزير الصحة في الحكومة المؤقتة) لموقع اقتصاد في التاسع عشر من شباط الماضي، والذي حذر من فقدان الأدوية بعد توقف هذه المعامل، منوهاً أن مخزون المستودعات لن يكفي سوى لشهرين أو ثلاثة أشهر على الأكثر.

زاد الأمر سوء إغلاق المعابر بسبب ما فرضته إجراءات الحجر الصحي لوباء كورونا، وهو ما حال دون وصول الأدوية وإن بأسعار مرتفعة بعد توقعات بفرض إتاوات على دخولها من الحواجز، ناهيك عن فرض الرسوم عليها في المعابر، وكلفة النقل المرتفعة، ومع انهيار العملة السورية مقابل الدولار تحولت أزمة فقدان الدواء إلى مشكلة عامة في كل المناطق السورية، سواء النظام حيث توجد المعامل أو المعارضة أو تلك التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

توقف دخول الأدوية دفع المستودعات في مناطق المعارضة للاعتماد على مخزونها في الأشهر الماضية، يقول مصطفى الأحمد (واخترنا له هذا الاسم بناء على طلبه بعد أن طلب منا عدم التصريح باسمه، وهو صاحب أحد مستودعات الأدوية في إدلب)، وبيعها بأسعار مرتفعة لتعويض خسارة تأمينها من جديد، والحفاظ على “رأس مالهم”، بحسب قوله.

يشرح الأحمد طريقة التسعير الجديدة، بأن أصحاب المستودعات عمدوا إلى حساب ما يملكونه بالدولار قبل الارتفاع الأخير، ويتم تسعير الدواء بالليرة السورية بناء على سعر الصرف الحالي، وهو ما اعتبره إجراء اضطرارياً ومحقاً، فمن كان يملك سابقاً في مستودعه أدوية بقيمة عشرة آلاف دولار ستغدو اليوم ثلاثة آلاف بحسب سعر الصرف، فمن سيتحمل هذه الخسارة، خاصة مع تداول أخبار تفيد برفع أسعار الدواء في المعامل التي تتبع لوزارة الصحة في حكومة النظام.

يخبرنا الأحمد أن بعض المستودعات، والتي ما تزال تملك مخزوناً من الأدوية، أغلقت أبوابها في انتظار صيغة مقبولة لبيع الأدوية وتسعيرها بالليرة التركية أو الدولار، تجنباً للمساءلة من قبل مديرية الصحة في مناطق المعارضة، وآخرون عمدوا لتحرير سعر أدويتهم وبيعها بحسب سعر الصرف، ما أدى لارتفاع كبير في الأسعار، والذي يتحمل المرضى أعباءه وأكلافه الجديدة.
   
إغلاق المعابر منع وصول شحنات دوائية جديدة

أثرت الإجراءات المتبعة للوقاية من فيروس كورونا على واقع الأدوية في إدلب، بعد إغلاق المعابر التي تربط مناطق المعارضة بقوات الأسد في الخامس عشر من آذار الماضي، إذ تعتبر المصدر الأول للأدوية، ما أدى لارتفاع الأسعار وغياب بعض الأصناف، تقول الصيدلانية سوسن السعيد (تملك صيدلية في مدينة إدلب): ” يعاني الصيدلاني في البحث عن بعض أصناف الأدوية التي باتت تغيب عن رفوفه اليوم، ويتواصل مع عدد من مستودعات المنطقة لتلبية احتياجات مرضاه، إلا أنه يتفاجأ بسعر الأدوية الجديد والذي طال أصنافاً كثيرة”.

وتخبرنا السعيد إن قطع الطرقات أدى لفقدان بعض الأدوية، إلا أنها تلقي باللوم على بعض المستودعات في احتكار أصناف محددة، ربما تكون مخزنة أو تأتي عن طريق التهريب، وتستدل على ذلك بظهور الأصناف المفقودة ضمن ما يعرف بـ “سلة الأدوية” والتي تضم أنواعاً مختلفة يتوجب على الصيدلاني شراؤها جميعاً للحصول على الدواء المطلوب، وبأسعار وصفتها بـ “المرتفعة”، ضمن ما يصطلح عليه بمفهوم “التحميل”، وهذه السلال تحتوي على أصناف نادرة الاستعمال وغالباً ما يدفع الصيدلاني ثمنها لتنتهي تواريخ صلاحياتها دون الاستفادة منها.

وتتساءل السعيد عن وجود هذه الأصناف فجأة في السوق رغم الادعاء بفقدانها، وتعتبر سياسة “التحميل” من أهم المشكلات التي يعاني منها الصيادلة، إذ يجبرون على استجرار أدوية بسعر مضاعف يزيد عن سعر المبيع، كذلك كميات قد لا يحتاجونها في صيدلياتهم.

وتقول السعيد إن أحد المستودعات، المتواجد ضمن مناطق المعارضة، ولم تحدد اسمه، أرسل نشرة أسعاره الجديدة بالدولار، وارتفعت غالب أصنافه بشكل كبير، بذريعة أن المواد الأولية التي يستجرها المعمل الذي يتبع له المستودع جميعها بالدولار، ويجب أن يرفع الصيادلة أسعار أدويتهم بما يتناسب مع أسعار المعمل.
رفضت السعيد استجرار الأدوية من هذا المعمل لأنها على يقين بأن أحوال الناس المادية لن تسمح بشراء مثل هذه الأدوية “مين بدو يشتري شراب بروفين ب 1500، وشراب السعلة 1900 ليرة؟”.

وعن سؤالنا عن أسعار أدوية الأمراض المزمنة قالت السعيد” إن الارتفاع طال غالبية الأدوية التي يستعملها أصحاب الأمراض المزمنة وخاصة أمراض القلب والشرايين، إذ ارتفع سعر دواء “كلوبيد وهو موسع وعائي” بنحو أربعمائة ليرة، بينما زاد عن ألف في أدوية “فالسارتان بجميع عياراته”، أما “بيزوكور” فهو مفقود منذ مدة.

لم نعثر خلال بحثنا عن نسبة ثابتة لارتفاع أسعار الدواء فالسوق يعيش حالة من التخبط، والنشرات الدوائية متفاوتة بأسعارها، ومستمرة بالارتفاع تبعاً لسعر صرف الدولار، إلا أن من التقيناهم من صيادلة أكدوا أن نسبة الارتفاع تتراوح بين ٩٠٪ إلى ١٠٠٪.

وكان مجلس نقابة صيادلة الباب في ريف حلب الشرقي قد أصدر قراراً في الحادي والعشرين من أيار الماضي يقضي برفع أسعار الأدوية بنسية 60% على عموم أصناف الأدوية الموجودة ضمن الصيدلية، بهدف تخفيف الخسارة المادية التي يتكبدها الصيدلاني جراء تعامله بالليرة السورية، في حين يضاف على الأدوية الجديدة التي يشتريها الصيدلي، بعد صدور القرار، نسبة 30% بحسب القرار الذي حذر الصيادلة من مغبة خفض أسعارهم والمضاربة ما يعرضهم للعقوبة المالية والتشميع لمدة أسبوع.
مصادر الدواء وأسباب ارتفاع أسعاره
يقول نقيب صيادلة إدلب يحيى نعمة إن السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الأدوية وعدم توفرها في الأسواق يعود لتدهور قيمة الليرة السورية بالدرجة الأولى، وعن مصادر الدواء الرئيسية التي تعتمد عليها مناطق المعارضة يقول “المصدر الرئيسي للسوق الدوائية في مناطق المعارضة هو الدواء السوري الذي يتم انتاجه بمعامل المنصورة “بريف حلب الغربي” ومعامل دمشق وحمص، إضافة لبعض الأدوية التي تدخل عبر المعابر التي تربطنا مع تركيا من الهند والصين، حيث تتماشى تلك الأدوية مع السوق السوري في حين يصعب استيراد الأدوية الأوربية والتركية بسبب ارتفاع أسعارها. كما تشكل الأدوية المجانية التي توزعها المنظمات الإنسانية حيّزاً مهماً من الأدوية المنتشرة في الأسواق
بعد تقدم قوات الأسد على منطقة المنصورة فقدت المعارضة أهم مصدر للأدوية، وإغلاق المعابر تسبب بتأخر وصول شحنات الدواء من مناطق النظام، لكن ارتفاع سعر الدولار بشكل كبير تسبب بتفاقم المشكلة، ما دفع بعض المعامل لإيقاف إنتاج بعض الأصناف، لأن إنتاجها يعتبر خاسراً وفق الأسعار المعمول بها..
وتحدّث نعمة عن ضرورة العمل على مشروع أمن دوائي في مناطق المعارضة، من خلال  تضافر جهود الجهات الصحية والمستودعات الدوائية والصيدليات، خوفاً من فقدان أصناف كثيرة من الأدوية نتيجة عجز المستودعات عن شراء كميات إضافية من الدواء بسعره الجديد، ويضرب مثالاً: المستودع الذي كان يستجر عشرة علب أسبرين بسعر 400 ليرة للعلبة لن يتمكن من استجرار نفس الكمية بعد تضاعف سعر الدواء ل 800 ليرة.
وأضاف “نعمة” تشهد السوق الدوائية حالة تخبط في الأسعار دون صدور نشرات رسمية بارتفاع أسعار الأدوية، وذلك بسبب فقدان بعض الأصناف من الصيدليات، واحتكار الموجود من قبل المستودعات التي بدأت برفع أسعار الأدوية دون قرار رسمي”.

صناعة الأدوية في إدلب
يواصل معمل الأدوية الوحيد الموجود في إدلب إنتاجه رغم الصعوبات التي تعترض عمله، يقول الصيدلاني محمود السبع “مدير المكتب العلمي في المعمل” إن ارتباط الصناعة الدوائية بسعر الدولار كان له الدور الرئيسي في ارتفاع أسعار الأدوية، إذ يتكلف المعمل اليوم على زجاجة الدواء الفارغة والغلاف والنشرة المرفقة ثمانية وعشرين سنتاً وتعادل بسعر التصريف اليوم 600 ليرة سورية، كذلك ارتفعت أسعار المواد الأولية من المصدر، وللشرح أكثر ضرب السبع مثالاً عن عقار البارا سيتامول والذي ارتفع من مصدره بنحو عشرة أضعاف، ومادة الأزترومايسين ارتفعت بنحو ستة أضعاف، ناهيك عن ربط رواتب الموظفين بالدولار والتي شكل مع المحروقات تكاليف إضافية على المعامل.
وعن الأصناف الدوائية التي يتم إنتاجها في مناطق المعارضة يقول السبع: ” ينتج المعمل مضادات الالتهاب غير الستروئيدية ومسكنات الألم وخافضات الحرارة للأطفال والبالغين، والصادات الحيوية والمطهرات المعوية ومضادات الإقياء إضافة لبعض أدوية المعدة ومضادات التشنج وأدوية السعال والأدوية النسائية، في حين يعجز المعمل عن إنتاج بعض الأصناف كالأدوية النفسية لصعوبة الحصول على موادها الأولية، إذ يمنع تسليمها إلا لجهات رسمية معترف بها دولياً.

يغطي المعمل حاجات المرضى في مناطق واسعة من إدلب وريف حلب لكنه عاجز عن صناعة كثير من الأصناف الدواية التي يعتبر وجودها ضرورياً ما يستدعي البحث عن حلول بديلة.
أدوية مزورة وأخرى منخفضة الفعالية
عشوائية الواقع الصحي دفعت بعض التجار وضعاف النفوس خلال الفترات الماضي لاستجرار بعض الأصناف الدوائية والمستلزمات الصيدلانية من دول أخرى بهدف بيعها بأسماء ماركات معروفة لتحقيق هامش ربح أكبر.
يقول الصيدلاني تيسير الموسى: “ينعكس وجود الأدوية المزورة على المريض بشكل رئيس في حين يكون دور الصيدلي كوسيط فقط، تتمثل تلك الأدوية ببعض الأنواع الهندية والصينية، وتحتوي على مادة فعالية أقل بكثير من مثيلاتها”..
ويضطر الصيدلي لاستعمالها في بعض الأوقات نتيجة غياب الأدوية السورية لصعوبة استيراد أدوية مشابهة من تركيا أو دول أخرى نتيجة ارتفاع أسعار تلك الأدوية مقارنة بالدواء السوري.

ويقول الموسى إن بعض الأنواع الهندية أو التركية تدخل بشكل غير قانوني، وبالتالي لا يتم فحصها ما يتركنا أمام خطر مخالفتها للمواصفات، ويصف واقع السوق الدوائية في مناطق المعارضة بـ “المأساوي”، ما يستوجب تحركاً عاجلاً لإيجاد صيغة يتم عن طريقها استيراد الأدوية بدعم من المؤسسات والمنظمات الصحية، لتصل إلى المرضى بأسعار تتناسب مع دخلهم المادي.
بدورها قالت الصيدلانية سوسن السعيد في تقرير نشرته بوابة سوريا، إن المشكلة الأكبر في الأدوية المزورة، تظهر في بعض الأصناف التي تستعمل للبشرة إذ دخلت بعض الأصناف المشابهة لماركات معروفة مثل “ألفا، شفا” لكن بأسعار أقل وفعالية أضعف، واستعمال هذه الأدوية من قبل المرضى سيجبره على دفع تكاليف إضافية دون الحصول على النتائج المتوقعة
ازدياد الضغط على الصيدليات المجانية

تغطي المنظمات الصحية والصيدليات المجانية شريحة من أصحاب الأمراض المزمنة، لكن تلك الشريحة لا تتجاوز نسبتها 30% من المرضى، ما يعني ضرورة التحرك للبحث عن بدائل إما عن طريق تأمين نفس الزمر الدوائية أو مخاطبة المنظمات الصحية لتأمين الأدوية اللازمة عبر استيرادها، بحسب اليحيى
في مدينة إدلب يصطف طابور طويل من المرضى أمام صيدلية آية الخيرية للحصول على وصفاتهم الطبية بشكل مجاني، مؤخراً زاد الضغط على الصيدلية وتضاعفت أرقام المستفيدين نتيجة غلاء الأدوية وغياب بعضها عن الأسواق، يقول أحمد المصطفى مدير صيدلية آية الخيرية: ” اعتدنا سابقاً على توزيع الأدوية لقرابة خمسة وعشرين ألف مريض شهراً، لكن ارتفاع أسعار الأدوية ضاعفت عدد المستفيدين، إذ نقدم اليوم الأدوية لأكثر من ألفي مريض يومياً.

تعتمد الصيدلية في تأمين مواردها على عدة جهات مثل المنظمات الصحية والجهات الرسمية أو عن طريق جمع التبرعات النقدية والعينية، وتطلق الصيدلية حملات مناشدة مستمرة للمطالبة بزيادة مواردها بما يتلاءم مع متطلبات المرضى المتزايدة نتيجة الأوضاع المعيشية السيئة التي تعيشها المنطقة، لكن الإجراءات المتبعة بعد انتشار وباء كورونا أثرت على عمل الصيدلية ووارداتها بحسب المصطفى،
والذي أكد أن كل المرضى الذين يحملون وصفات طبية يحصلون على أدويتهم بشكل كامل في حال كانت متوفرة في الصيدلية بغض النظر عن حالتهم الاقتصادية

المواطن الخاسر الأكبر

يرى عدد من المواطنين الذين استطلعنا آرائهم أنهم الخاسر الأكبر في هذه المعادلة يقول خالد عبد الرحمن “مقيم في مدينة إدلب” إن الصيادلة والمستودعات سيرفعون الأسعار بما يتناسب مع الواقع الجديد، في حين سيحتار المواطن بتأمين ثمن هذه الأدوية.

دفع خالد ثمانمائة ليرة سورية ثمن ظرف واحد من دواء “بارازون -مرخي عضلي”، رفعه أمام وجهه وهو يخبرنا أنه ثمن العلبة كاملة “ظرفان”، منذ شهر واحد كانت نحو ستمائة ليرة سورية، في حين قال الصيدلاني إنه اشتراها منذ أيام بسعر ألف وثلاثمائة ليرة سورية.
وأكد بعض من التقيناهم أن غياب التنظيم والرقابة الصحية شجعت بعض ضعاف النفوس على استغلال مثل هذه الأزمات للتلاعب بأسعار الدواء، لتجد الفرق بسعر عبوة الدواء يختلف من صيدلية لأخرى نحو 300 ليرة سورية.

بورصة الدولار الوهمية في مناطق المعارضة السورية.. الجميع خاسرون

فداء الصالح

يدافع من التقيناهم من أصحاب محلات الصيرفة عن هامش الأمان الذي يفرضونه على السكان، يقولون إن مهنتهم مبنية على “التنبؤ والمخاطرة” وهو ما يلزمهم بهذا الهامش الذي يتم تحديده بحسب قراءات سعر السوق والتداول، وتبعاً لها فإنهم يفرضون نقصاً في التصريف بنحو خمسين ليرة إذا كانت المؤشرات تدل على ارتفاع في سعر صرف الليرة، ينخفض هذا الهامش إلى عشرين ليرة في حال هبوط السعر

تتفاوت أسعار صرف الدولار في اللحظة ذاتها بين محلات الصرافة في مناطق المعارضة السورية، وهو ما يستدعي البحث عن أفضل الأسعار وفقاً لسياسة العرض والطلب، كما تشهد الليرة السورية انهيارات متسارعة وتحسناً بين الساعة والأخرى ما يفقد العاملين في هذا المجال القدرة على التنبؤ، ويجبرهم على التزام هامش من التأمين تجنباً للخسارات الكبيرة، أو الإغلاق حتى استقرار سعر الصرف جزئياً.

على من تقع المسؤولية.. “كلو معو حق”

يتنقل الحاج محمد (من سكان مدينة عفرين) بين محلات الصيرفة للحصول على أفضل سعر صرف للمبلغ الذي أرسله له ولده لمساعدته في تدبر مصاريف عائلته المتزايدة، يقول إن الخمسين دولاراً التي يملكها مرّت على عدد من الصرافين، ففارق السعر البسيط قد يؤمن أحد المستلزمات لعائلته.

وكانت الليرة السورية قد شهدت انهياراً سريعاً خلال الأشهر الماضية، إذ يبلغ سعر الصرف الحالي نحو ١٩٠٠ ليرة للدولار الواحد، وبزيادة الضعف عن سعر صرفها بداية العام الحالي ونحو أربعة أضعاف عنه في شهر أيار من العام الماضي ٢٠١٩، إذ تراوح السعر آنذاك بين (٥٥٠ -٥٧٠ ليرة للدولار الواحد).

سعر الصرف المضاعف خلق حالة من التخبط في الأسواق طالت الجميع، (محلات الصرافة -تجار الجملة -بائعو الخضار -دكاكين السمانة..)، ما حول الجميع بما فيهم المواطن إلى “مضاربين” في بورصة وهمية، تبدأ من ربطة الخبز ولا تنتهي بتجارة الأوراق المالية، بحسب من التقيناهم.
يحاول الحاج محمد أن يشرح لنا ما يحدث، يقول إن المشكلة تبدأ منذ لحظة التصريف إذ يعمد الصرافون لتصريف الدولار بأسعار مغايرة عن تلك التي نراها في التطبيقات (والتي أصبحت جزء أساسياً من هواتف السكان المحمولة، وتحولت إلى هاجس، يتفقدونها في كل لحظة ويحسبون من خلالها خساراتهم، وتؤثر في مزاجهم العام)، وبحجة عدم ثبات الأسعار لا يعطى المواطن السعر الحقيقي خوفاً من انخفاض مفاجئ، ويتراوح هذا الهامش بين (٥٠ -١٠٠ ليرة سورية للدولار الواحد).

يدافع من التقيناهم من أصحاب محلات الصيرفة عن هامش الأمان الذي يفرضونه على السكان، يقولون إن مهنتهم مبنية على “التنبؤ والمخاطرة” وهو ما يلزمهم بهذا الهامش الذي يتم تحديده بحسب قراءات سعر السوق والتداول، وتبعاً لها فإنهم يفرضون نقصاً في التصريف بنحو خمسين ليرة إذا كانت المؤشرات تدل على ارتفاع في سعر صرف الليرة، ينخفض هذا الهامش إلى عشرين ليرة في حال هبوط السعر.

ويرى بعض من التقيناهم إن سعر الافتتاح لسوق التداول قد يختلف بنحو مئة ليرة عن سعر الإغلاق، وفي هذه الحال ستسبب بخسارة كبيرة للصرافين الذين لن يستطيعون إعادة رأس مالهم بالدولار، ناهيك عن خسارة المتوافر لديهم من الأوراق النقدية السورية، ما سيؤدي إلى خسارة إضافية.

من يسعر الدولار
وعن آلية تحديد صرف الدولار يقول زاهر الخطيب “صاحب شركة الخطيب للصرافة”: يعتبر موضوع العرض والطلب العامل الأساسي في تحديد سعر صرف الليرة السورية، إذ يرتبط أصحاب مكاتب الصرافة بمجموعات يتم فيها التداول بشكل واسع ومبالغ كبيرة.

يضرب الخطيب مثالاً لشرح هذه الألية: قد يكون سعر صرف الدولار 1850 فيعلن أحد المشتركين عن حاجته لبيع عشرين ألف دولار بقيمة 1840 ما يعني هبوط السعر، وبالتالي سيقوم الصراف بشراء الدولار من المواطن بمبلغ يتراوح بين 1800- 1820 لأن سعر المبيع سيقترن بالسعر الذي تم طرحه منذ قليل، والعملية عكسية.

دولار.. تركي.. سوري
يقوم الحاج محمد بتصريف ما يحتاج من الدولار إلى الليرة السورية، حسب حاجته،  للحفاظ على مدخراته بالعملة الأجنبية، فهبوط سعر الليرة المستمر أفقده الثقة بها، وارتباط أسعار غالبية السلع الموجودة في السوق بسعر الدولار دفعه مع كثير من المدنيين للبحث عن حلول قد تمكنهم من تحجيم خسارتهم عن طريق تصريف مبالغ صغيرة رغم صعوبة العثور على فئات صغيرة من الدولار من فئة عشرة أو عشرين دولاراً، ما يضطر الأهالي في بعض الأحيان لتحويل بقية مبلغه لليرة التركية، وتحمل خسارة فرق التصريف، والتي لا تقارن أبداً بخسارة تحويل كامل المبلغ لليرة السورية في هذه الظروف، بحسب أبي محمد.

يقول أبو محمد “لا أريد أن أخسر مرتين عند التصريف وعند شراء مستلزماتي اليومية، فجميع التجار يبيعون السلعة بسعر الدولار الحالي مع إضافة مبلغ تأمين على السعر المعروف عند الصراف”، ويخبرنا على سبيل المثال إنه قام بتصريف الدولار بقيمة 1700، وبعد التصريف ارتفع السعر لحدود 1900، لترتفع جميع البضائع التي اشتراها وفق السعر الجديد وبالتالي تعرضه لخسارات إضافية.

ناهيك عن الخسارة التي ستلحق بالمواطن عند شراء أي سلعة يتم احتساب سعرها بالدولار، إذ يترك التاجر أو البائع لنفسه هامش ربح إضافي بحجة اضطراب سعر الصرف، ويدفع المواطن الخسارة مرتين، عند البيع والشراء.
العمال يتقاضون أجورهم بالليرة السورية
يتقاضى أغلب عمال المياومة أجورهم بالليرة السورية، ما أضعف قيمة رواتبهم الشهرية بشكل كبير مقارنةً بالأشهر الماضية. يقول شادي العبدالله ( عامل بأجر يومي مهجر من دمشق) حظيت بفرصة عمل خلال شهر رمضان بأجر يومي نحو خمسة آلاف ليرة سورية (ما يعادل أربع دولارات حينها)، ومع الهبوط المستمر لسعر الصرف أصبح أجري اليومي نحو دولارين ونص الدولار، ورفض صاحب العمل رفع أجورنا بما يعادل صرف الدولار الحالي، بذريعة تضرره أيضاً من هبوط سعر الليرة السورية ولن يتمكن من دفع أجور إضافية.
بينما تمكن أحمد العبدو “عامل في متجر مواد غذائية” من إقناع صاحب العمل بزيادة يوميته ألف ليرة سورية لكن تلك الزيادة لم تتناسب مع سعر الدولار الذي فاق التوقعات. إذ اتفق أحمد مع صاحب المتجر على أجرة ألفي ليرة سورية يومياً ( 2 دولار عند بدء العمل)، أما اليوم فيتقاضى أحمد ثلاثة آلاف ليرة سورية لكنها تعادل 1,60 دولار بخسارة تقدر بـ 20% عن أجرته السابقة.
الإغلاق مهرب يلجأ إليه التجار

أصحاب المحال التجارية لم يكونوا أوفر حظاً من المدنيين وبات بعضهم يفكر بإغلاق محله بشكل مؤقت حتى تستقر أسواق صرف العملات. يقول هافال محمد صاحب بقالية في عفرين: خلال فترة العيد بلغت خسارتي أكثر من مئة وخمسون ألف ليرة سورية وذلك جراء تحويل ثمن المبيعات  إلى الدولار، إذ بلغ فرق السعر مئة وخمسين ليرة سورية بين ليلة العيد ويوم الأربعاء الذي تلى العيد، ومع ضعف حركة البيع وشكوى الناس من ارتفاع الأسعار ولومهم لنا على البيع بناءً على سعر الدولار مع وضع مبلغ تأمين على سعر الصرف، يبقى الحل الوحيد هو الإغلاق وانتظار ثبات الأسعار.
يشتري هافال بضاعته بالدولار ويبيعها بالليرة السورية، ويعمد كل يومين أو ثلاثة لتحويل مبيعاته التي تقارب مئة وسبعين ألفاً مرة أخرى للدولار، خلال هذه الفترة يكون سعر صرف الدولار قد ارتفع مرة أخرى والمبلغ الذي اعتاد على تحويله لمئة دولار تحولت قيمته الشرائية إلى  تسعين دولاراً، وبالتالي يتناقص رأس المال ولن يتمكن من تعويض البضاعة التي باعها خلال الأيام الماضية.  لذلك يسعى “هافال” لبيع بعض المواد التي لا يمكن تخزينها والإغلاق بانتظار ثبات سعر الصرف للعودة للعمل وهو ما يفكر به كثير من أصحاب المحلات.

يتخوف كثير ممن التقيناهم من استمرار تدهور سعر الليرة السورية، مع اقتراب موعد تفعيل قانون قيصر، والتي تواردت أنباء عن بدء سريانه في السابع عشر من حزيران الجاري، ما يضع سكان مناطق المعارض بأزمة اقتصادية جديدة تضاف لأزماتهم السابقة.

بعد تضاعف سعرها: الشاي حكر على موائد الأغنياء في سوريا

محمد الأسمر

مع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية (يبلغ سعر الصرف نحو ١٨٠٠ ليرة لكل دولار واحد وسطياً خلال الشهر الحالي) تضاعف سعر الشاي ليغدو الحصول عليه أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتراوح سعر الكيلو غرام الواحد منها نحو ثلاثة عشر ألف ليرة سورية، وتحتاج العائلة وسطياً لنحو كيلو غرامين شهرياً، وهو يزيد عن ضعف ما كان يباع به قبل أشهر قليلة، إذ كان سعر كيلو غرام الشاي في العام ٢٠١٩ وسطياً نحو أربعة آلاف وخمسمائة ليرة سورية.

يعرف الشاي بحسب معجم المعاني الجامع بـ “نبات يغلى ورقه ويشرب محلّى بالسكر في المعتاد، ينبت في أصقاع من آسيا”، ويمثل في الكثير من البلدان مشروباً شعبياً بعد أن كان حكراً على الأغنياء نتيجة ارتفاع ثمنه في السابق، وتعتبر الصين أكثر الدول المنتجة له وتغطي نحو ٤٠٪ من احتياجات السكان في العالم، أما في سوريا فمعظم الشاي الذي يصلها يستورد من سريلانكا، ويعرف بالشاي السيلاني، وتغيب زراعته فيها رغم ملائمة أراضيها ومناخها لهذا النوع من الزراعة.

مشروب الشاي تاريخه ووصوله إلى البلدان العربية

تورد دراسة اعتمدت على كتاب “حكاية الشاي” إن هذا المشروب لم يدخل البلدان العربية الآسيوية حتى القرن التاسع عشر، رغم أن تاريخه يعود إلى ثلاثة آلاف سنة مضت، وإنه دخل بداية إلى العراق عبر الشركات البريطانية من البصرة، وهو ما يفسر إطلاق العراقيين على كوب الشاي اسم “استكانة” اشتقاقاً عن العبارة الإنجليزية (ايست تي كان)، كذلك في مصر إذ عرفت الشاي مع الضباط البريطانيين في العام ١٨٨٢، وأصبح مشروباً نخبوياً مقصوراً على العائلات الارستقراطية والملكية، قبل أن يتحول بمساع من الشركات البريطانية إلى مشروب شعبي، ويعود لهدايا المبعوثين الفرنسيين التي قدمت كفدية للسلطان المغربي والتي كانت تتضمن أكياساً من الشاي في القرن الثامن عشر الفضل في دخول الشاي إلى المغرب.

وكانت تجارة الشاي محتكرة من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية حتى العام ١٨٣٤، قبل أن تسيطر على هذه التجارة الشركات الأمريكية وكوريا الجنوبية حيث تمتلكان أهم وأكبر ماركات الشاي العالمية، بحسب الدراسة.

ويعود اكتشاف الشاي للصين، وتذكر الدراسات التاريخية أن أحد الأباطرة ويدعى “شن نونغ” اكتشفه عن طريق الصدفة إذ كان ماهراً بزارعة الأعشاب ويجري العديد من التجارب عليها من أجل تمييز الأعشاب الطبية التي يمكن للناس تناولها عن الأعشاب الضارة والسامة، كان شن نونغ يجوب المناطق الجبلية ويختبر الأعشاب بنفسه.

وذات يوم شعر بالتعب بعد أن تناول عشباً ساماً، فجلس تحت ظل شجرة كبيرة للراحة، فرأى أوراقاً قد تساقطت من الشجرة بفعل الرياح فدفعه فضوله لالتقاط ورقيتن منها ومضغهما فوجد طعمها جيداً، وساعدته في الشفاء من آثار التسمم فجمع بعض الأوراق وأجرى عليها بعض الاختبارات ثم أشاع استعمالها بين الناس، بحسب ما أورده موقع الصين اليوم.
وتنتج الصين عدة أنواع من الشاي منها الشاي الأسود والأخضر والداكن والأبيض وتتصدر دول العالم بإنتاج الشاي إذ يبلغ حجم إنتاجها نحو ٢.٥ مليون طنًا سنويًا تليها بالترتيب الهند وكينيا وسريلانكا وتركيا.

خلاف حول شاربي الشاي

لم تحرم الشاي بداية ظهورها كما حدث لشاربي القهوة في البلدان العربية، إلا أن الكنيسة في أوروبا حرمتها في القرن السادس عشر، وهاجم الشعراء والأدباء وأعلنوا الحرب على شرب الشاي الذي يفسد الأخلاق ويضعف اليد العاملة، بحسب ما ورد في كتاب “٢٠٠ يوم حول العالم”، ويورد الكتاب أن المجتمع الإنجليزي وصف أديب إنجلترا  الدكتور “جونسون” بـ “رجل لا يستحي من إدمانه على شرب الشاي وتناوله علناً أمام النساء!”. بينما لم تذكر الكتب خلافاً حول الشاي في البلدان العربية.

الشاي مشروب السوريين الأول

تتقاسم الشاي مع القهوة صدارة المشروبات السورية، إلا أنها تفوق الأخيرة لاعتماد السكان على شربها في مختلف الأوقات، فهي من أساسيات موائد الفطور والعشاء، و”يحبس” بها بعد الغداء وخلال العمل، وتقدم كضيافة واجبة في البيوت، غالباً ما تترافق مع المكسرات أو المعجنات.

وإن كان شرب الشاي قد بدأ عند بعض الطبقات الأرستقراطية في العالم إلا أنها تحولت إلى مشروب عمومي، للكبار والصغار في مختلف البلدان. ويمكن وصفها في سوريا بالشراب الأكثر شهرة، يشربه الكثير من الأشخاص، بنسبة أقل من “الجار التركي”، والذي تحول فيه شرب الشاي إلى علامة فارقة نهل منها كثير من اللاجئيين السوريين خلال سنوات اللجوء في تركيا وتطبعوا بطباعهم.

وللشاي في ذاكرة السوريين أغانِ  وأوصاف تستخدم للتغزل بها كـ “أكرك عجم -شاي خمير -دمعة” وغيرها من الصفات، وتغلى بطرق مختلفة بحسب المناسبة، كشاي الفطور “الخفيف” وشاي السهرات “الثقيل والأسود”، أما في الرحلات و”السيارين” فلا بد من “الشاي المغلي على الفحم أو الحطب”.

ويبلغ استهلاك الفرد السوري من الشاي نحو 1.716 كيلو غرام سنويا، إذ يتصدر قائمة المشروبات الساخنة، بحسب بيانات وزارة الاقتصاد التي نشرها موقع الاقتصادي في العام ٢٠١٠، بينما بلغت واردات سوريا من الشاي في العام ٢٠١٦ نحو ستة آلاف طن تقدر قيمتها بنحو خمسة عشر مليون وثمانمائة ألف يورو.

الشاي يتخلى عن السوريين

يرتبط سعر الشاي في سوريا بالدولار، إذ يأتي عبر الاستيراد من سيرلانكا بنسبة ٩٢٪، بينما تستورد بعض الأصناف من دول عديدة أهمها فيتنام، وتدخل إلى مناطق المعارضة عبر المعابر مع مناطق النظام، في حين تدخل بعض الكميات عبر الحدود التركية.

ومع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية (يبلغ سعر الصرف نحو ١٨٠٠ ليرة لكل دولار واحد وسطياً خلال الشهر الحالي) تضاعف سعر الشاي ليغدو الحصول عليه أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتراوح سعر لكيلو غرام الواحد منها نحو ثلاثة عشر ألف ليرة سورية، وتحتاج العائلة وسطياً لنحو كيلو غرامين شهرياً، وهو يزيد عن ضعف ما كان يباع به قبل أشهر قليلة، إذ كان سعر كيلو غرام الشاي في العام ٢٠١٩ وسطياً نحو أربعة آلاف وخمسمائة ليرة سورية.

الصورة لأبي بسام يشرب الشاي في خيمته -فوكس حلب
الصورة لأبي بسام يشرب الشاي في خيمته -فوكس حلب

يقول أبو بسام وهو أحد عشاق شرب الشاي يسكن في مخيم بلدة كفريحمول (شمال إدلب) إنه يحتاج لنحو كيلو غرامين شهرياً من الشاي له ولعائلته، وفي ظل الأسعار الحالية يعتبر تأمين ثمنها مكلفاً  لمعظم العائلات السورية التي تعيش تحت الفقر.

يخبرنا أبو بسام أن علاقته مع الشاي مميزة وإنه يستهلكها بمعدل يفوق ماء الشرب، إذ يشرب يومياً نحو أربعين كأساً منها، ليتفوق على معدلات شرب المواطنين الأتراك منها والتي تقدر بعشرة أكواب يومياً بحسب تصريح لرئيس غرفة أصحاب المقاهي الشعبية في مدينة إسطنبول التركية “سردار أرشاهين”.

يقول أبو بسام إنه يشرب الشاي بهذا الشكل منذ أكثر من أربعين عاماً، ولطالما حاول من حوله نصحه بالتخفيف من شرب الشاي خوفاً من تعرضه لأمراض عصبية قد يتسبب بها الإسراف في شرب الشاي إلا أنه لم يستجب لنصائحهم، لكن أبو بسام لا يمكنه الاستغناء عن مشروبه الرسمي.

في شهر رمضان يعمل أبو بسام على تجهيز إبريق الشاي بنفسه ومع أذان المغرب يتناول كوبه الأول فتعلقه به جعله أول متطلباته، وهو ما دفعه للسهر بشهر رمضان حتى ساعات السحور ليستغل وقت الإفطار بشرب الشاي ولينام خلال النهار ولا يشعر بفقدانه والذي يراه أولوية أكثر من السيجارة التي يدخنها.
يستطيع أبو بسام تمييز نوع الشاي الذي يشربه بعد تذوق أول كأس ليحدد إن كان من نوع “الصالحين، عمي الحاج، ليالينا،” أو غيرها من الأنواع الموجودة في إدلب.

وترى نوال العلي من جبل الزاوية أن غلاء الأسعار حال دون قدرتها على شراء الشاي التي تصفه بطعام أطفالها الأول الذي تعتمد عليه في ظل الظروف الحالية، تقول إنها كانت تصنع طبقاً من الخبز والشاي لأطفالها، في كثير من الأحيان، لسد رمقهم، لتنهي حديثها معنا وهي تحوقل “حتى خبز وشاي ما ضل”.

لا تختلف طقوس شرب الشاي في سوريا بشكل كبير عن البلدان المجاورة، وتختلف أذواق السوريين في الشاي إذ يرغب بعضهم بإضافة حب الهال لكأس الشاي في حين يشربه آخرون مع القرفة أو النعناع، وهذا ما رفضه أبو بسام والذي يرى أن أي إضافة للشاي تفقده طعمه الأساسي “فالشاي شاي دون أي إضافات”.

“الطب العربي” بديلاً عن الأدوية وعيادات الأطباء في إدلب

هاني العبدالله

يرى الطبيب المختص بالأمراض الداخلية جابر محمد أن “الطب العربي لديه العديد من الفوائد، وأهمها قلة التأثيرات الجانبية للعلاج، حيث يتم استعمال مستحضرات طبيعية، ولكنه لا ينفع في علاج جميع الأمراض، وقد يكون ضاراً في حال استخدام جرعات زائدة وغير مدروسة من أدوية الأعشاب، والتي قد تؤدي إلى التسمم وتعريض حياة المريض إلى الخطر”.

يجد بعض السكان في إدلب في “الطب العربي” أو البديل حلاً مجدياً للعديد من الشكايات المرضية، مع ارتفاع أجور المعاينات الطبية وقلة الموارد المالية.

مهنة متوارثة

ينتشر في مناطق المعارضة عشرات العاملين بالطب البديل ممن يعرفون بالطبيب العربي، وتشكل الأعشاب التي يجمعونها ركيزة عملهم، إذ يقومون بتركيب خلطات طبيعية لبعض الأمراض بناء على خبرة اكتسبوها من آبائهم وأجدادهم.

يعمل أحمد الشبيب في مجال طب الأعشاب منذ عشرين عاماً وقد ورث المهنة عن أبيه الذي نقلها عن جده، يقول الشبيب “إن جميع المستحضرات الطبية التي يستخدمها في علاج المرضى طبيعية، ويقوم بجمعها من أحراش الأرياف المجاورة، أو عن طريق شرائها من بعض المحال التجارية المختصة ببيع بعض أنواع الأعشاب”.

طبيب الأعشاب أحمد الشبيب وهو يقوم بتحضير علاج لأحد المرضى من الأعشاب -فوكس حلب
طبيب الأعشاب أحمد الشبيب وهو يقوم بتحضير علاج لأحد المرضى من الأعشاب -فوكس حلب

ويرى الشبيب “أن الطب البديل حقق نجاحاً في علاج كثير من الأمراض مثل الصدف، البهاق، الأكزيما، الدسك، مشاكل العقم، اللشمانيا، الشيب، تساقط الشعر، حب الشباب، الكولون، الشقيقة، ارتفاع ضغط الدم، الشحوم والكولسترول، الربو والحساسية “.
وعن طبيعة عمله يقول “الشبيب” “إن تشخيص المرض يكون بالعين المجرّدة دون استخدام أجهزة، أما فيما يتعلق ببعض الأمراض والكسور، فنطلب من المريض إحضار صورة شعاعية، ونستعين بالتقارير الطبية والتحاليل المخبرية، وذلك للاطمئنان على حالة المريض قبل إعطائه العلاج المناسب”.

خلطات طبيعية رخيصة

يقبل بعض الناس على شراء الخلطات العشبية والاعتماد عليها بعلاج بعض الأمراض بعد أن سمعوا روايات عن فعاليتها الجيدة لتكون بديلاً عن بعض الأدوية. يقول أكرم ملندي من سكان الأتارب “يعاني والدي من مشاكل في القلب، وأرهقتنا تكاليف الأدوية والعلاج لدى الأطباء، لذا نصحوني بزيارة طبيب أعشاب، حيث وصف لنا خلطةً بقيمة 1500 ليرة تتضمن الصفصاف، الزعرور، الزنجبيل، زيت بذور الكركم، فول الصويا، بذور العنب، الاستراجالوس، الأولموس، وورق الزيتون”.

وأضاف ملندي “استعمل والدي هذه الخلطة لمدة ثلاثة أشهر، كما استعمل أيضاً خلطة القرنفل مع العسل والخل، وتحسّن نبض قلبه بشكل جيد، وتراجعت نسبة الكوليسترول الضار لديه”.

بدوره قال طبيب الأعشاب أحمد الشبيب: “الجلطات من المشاكل الصحية الشائعة والتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى الوفاة، لذلك من يعاني من نشوء الخثرات الدموية، أصف له خلطة الثوم مع قشر الليمون والزنجبيل الأخضر وزيت الزيتون، وتعطي تلك الخلطة مفعول الأسبيرين، ومن لديه مشاكل في السكر، أصف له خلطة تعتمد بشكل رئيسي على زيت بذر الكتان، فهي تساعد على تنظيم نسبة السكر في الدم”.

ومن الخلطات الشائعة أيضاً أكليل الجبل مع اليانسون والفرسك لعلاج الربو، وعشبة “القرنفل” لتسكين آلام الأسنان، والرمان المحلى بالعسل لعلاج الغثيان المتكرر، كما يستعمل البعض مغلي النعناع والكمون واليانسون لمشاكل المغص وبعض الالتهابات، أو “الزهورات” لتخفيف أوجاع الرئة والتحسس الصدري والرشح والزكام.

“طب الأعشاب” ملاذ قاطني المخيمات

وجد سكان المخيمات في طب الأعشاب أو “الطب العربي” حلاً مجدياً واقتصادياً لهم، نتيجة تدهور أوضاعهم الاقتصادية وقلة النقاط الطبية القادرة على تقديم خدماتها لهم.

لجأ رضوان الشعبان  “من قاطني مخيم أطمة” للطب البديل بعد معاناة استمرت لأكثر من سنتين بسبب كسر أصاب قدمه بعد إصابته بشظية من صاروخٍ ألقته طائرة حربية على منزله.
يقول الشعبان: إنه دفع مبالغ كبيرة ثمن أدوية ومعايناتٍ للأطباء واعتمد على العلاج الفيزيائي لمدةٍ طويلة دون الوصول لنتيجة، ما اضطره لزيارة عيادة طبيب عربي في جبل الزاوية يلقب بـ “ابن أبو علي”، ويُعرف بمهارته وخبرته في تجبير كسور العظام المعقدة، معتمداً على طب الأعشاب والمواد الطبيعية بعيداً عن المواد الكيميائية، ولاحظ الشعبان تحسناً واضحاً في قدمه”.

محلات "البزورية" لبيع الأعشاب الطبية -المصدر: انترنيت
محلات “البزورية” لبيع الأعشاب الطبية -المصدر: انترنيت

من جهته قال أبو علاء الحوراني إنه يحمل شهادة في الهندسة الزراعية، وهو ما ساعده على العمل في مجال الطب العربي بعد أن لمس إقبالاً من الناس عليه، حيث لجأ إلى تركيا وتتلمذ على يد الطبيب المعروف اسماعيل حسين اليوسف، كما حصل على شهادة الطب العربي من جامعة “الفحيل” في الكويت، ومن ثم عاد بعد ذلك للعمل في مخيمات شمال إدلب.

وأضاف أبو علاء “أعمل في هذا المجال منذ أربع سنوات ضمن عيادة خاصة وعالجت العديد من حالات الأمراض السرطانية وأمراض العقم، ولديّ في العيادة مئات الأعشاب التي أقوم بجلبها من الجبال المجاورة للحدود التركية”.

درّب أبو علاء سيدات من الأرامل والعاطلات عن العمل على تلك المهنة، لمساعدتهن على إعالة أنفسهن وعائلاتهن واكتساب العلم والرزق، كما أن قسماً منهن لجأ إلى تركيا وبدأ بالعمل هناك بالطب العربي.

وأشار أبو علاء إلى وجود عدة صيدليات تبيع أدوية الأعشاب في مناطق المخيمات لكن العاملين بها لا يملكون شهادة صيدلة، مستغلين ضعف الرقابة الطبية لمزاولة أعمالهم.

مخاوف وأضرار

أعرب بعض السكان عن تخوفهم من التعامل مع طب الأعشاب، وفي هذا الإطار يرى الطبيب المختص بالأمراض الداخلية جابر محمد أن “الطب العربي لديه العديد من الفوائد، وأهمها قلة التأثيرات الجانبية للعلاج، حيث يتم استعمال مستحضرات طبيعية، ولكنه لا ينفع في علاج جميع الأمراض، وقد يكون ضاراً في حال استخدام جرعات زائدة وغير مدروسة من أدوية الأعشاب، والتي قد تؤدي إلى التسمم وتعريض حياة المريض إلى الخطر”.

ويقول “المحمد” يستحيل القول إن الطب البديل سيحل مكان الطب الحديث، فكثير من الأمراض يحتاج تشخيصها إلى دراسة علمية معمّقة وكشفٍ عبر الأجهزة المتطورة، فضلاً عن أهمية كثير من الأدوية الكيميائية التي تم تركيبها بعد تجارب علمية مدروسة، وبالتالي الطب العربي قد يكون حلاً جزئياً مؤقتاً وليس دائماً.

تقول أم حسان من سكان اعزاز: “يعاني زوجي من ألم شديدٍ في المعدة، اشتريت أكثر من مرة أدوية من الصيدلية إلا أنها كانت غالية الثمن وغير مجدية، فقررت شراء خلطةٍ طبيعيةٍ من أحد العطارين، والتي تضم أعشاب اليانسون والشمرا المطحونة”.

وأضافت أم حسان “بلغ ثمن خلطة المعدة 800 ليرة سورية فقط، بينما كنت أدفع أربعة آلاف ثمن علبة الدواء من الصيدلية، تحسن زوحي لفترة ومن ثم عاد الألم له مجدداً”، وذكرت أم حسان أن جارتها كانت تعاني من آلام وتشنجات في ساقها، فوصف لها طبيب أعشاب خلطة تحتوي على خل التفاح وقليل من العسل، لكنها تفاجأت بظهور تحسس وطفح جلدي على ساقها، ولم يختفِ الألم”.

ويشكو كثير من الناس المصابين بأمراض متعددة من قلة الأطباء الأخصائيين، لاسيما الاختصاصات النادرة كالعصبية والقلبية والصدرية، إضافةً لغلاء الأدوية والتي ارتفعت بنحو 30-40% مؤخراً.

 

 

إغلاق الحدود ونقص معدات العناية المركزة تزيد من نسب وفيات الأطفال في إدلب

ٲسامة الشامي

تفتقر غرف العناية المركزة في مشافي إدلب لمنافس الأوكسجين، وخاصة منافس الأطفال وحديثي الولادة والخدج، إذ يتواجد ثلاثين “منفسة” للأطفال، وتسعة وعشرين “منفسة” لحديثي الولادة والخدج، بحسب إحصائية مديرية صحة إدلب، تستخدم هذه المنافس في منطقة يبلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين نسمة

 

فشلت المناشدات التي أطلقها ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإنقاذ حياة الطفلة “شام محمد عبد العزيز” التي توفيت صباح اليوم، قبل التمكن من إدخالها إلى المشافي التركية لعلاجها من التهاب الكبد والدماغ لعدم توفر العلاج المناسب لحالتها في مشافي إدلب.

الطفلة شام عبد العزيز -المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي
الطفلة شام عبد العزيز -المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي

وأظهرت عمليات الرصد التي قمنا بها زيادة الوفيات لدى الأطفال الخدج (المولودين قبل إتمام التسعة أشهر) والأطفال المرضى حديثي الولادة، بسبب النقص الكبير في معدات العناية المركزة، والتي تعتبر أساسية في كثير من حالات الولادة المبكرة، إضافة لإغلاق الحدود التركية أمام الحالات المرضية، بعد احتياطات جائحة كورونا.

وقال الدكتور مصطفى العيدو، نائب مدير صحة إدلب، إن محافظة إدلب وما يتبع لها من أرياف اللاذقية وحلب، تعاني أساساً من نقص كبير في معدات العناية المركزة الخاصة بالأطفال. تفاقمت المشكلة بعد إغلاق العديد من المشافي التي كانت تستقبل الأطفال بعد تهجير ريف إدلب الجنوبي، كمشفى السلام بالمعرة، ومشفى المعرة الوطني، ومشفى كفرنبل الجراحي، ومشفى بليون بجبل الزاوية، إذ كانت هذه المشافي تستقبل أعداداً كبيرةً من الأطفال وتغطي مساحة جغرافية واسعة، على حد وصفه.

ومع سيطرة قوات الأسد على بعض هذه المناطق وتهجير السكان من مناطق أخرى إثر تحولها إلى خط (تماس) جنوب الطريق الدولي توقفت هذه المشافي عن العمل وعجزت إداراتها عن تفعيلها في المناطق التي نزحوا إليها من جديد، ما زاد ضغط المرضى على باقي المشافي.

ويرى العيدو وعدد من أطباء الأطفال في الداخل السوري أن إجراءات الحجر للوقاية من كورونا فاقمت من المشكلة الطبية وتركت آثارها على الواقع الصحي، خاصة الأطفال، في إدلب، بعد إغلاق المعبر في وجه دخول الإحالات الطبية نحو تركيا، يقول العيدو” كنا نقوم بتحويل كثيرٍ من الحالات التي لا تستوعبها مشافي إدلب إلى تركيا، ما يتيح لنا تغطية النقص الكبير الذي نعاني منه، لكن ومع توقف هذه الخدمة، بسبب تحذيرات كورونا، أصبح الوضع حرجاً، إضافة  لتقليص عدد من المشافي لبعض خدماتها الطبية، نتيجة المخاوف من انتشار الفيروس”.

طفل في حاضنة أطفال داخل إحدى المشافي في إدلب
طفل في حاضنة أطفال داخل إحدى المشافي في إدلب

تفتقر غرف العناية المركزة في مشافي إدلب لمنافس الأوكسجين، وخاصة منافس الأطفال وحديثي الولادة والخدج، إذ يتواجد ثلاثين “منفسة” للأطفال، وتسعة وعشرين “منفسة” لحديثي الولادة والخدج، بحسب إحصائية مديرية صحة إدلب، وتستخدم هذه المنافس في منطقة يبلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين نسمة.

يقول الطبيب نصر الخلف، مدير مشفى شام التخصصي للأطفال في سرمدا، إن أسباب ما أطلق عليه وصف “المعضلة الطبية الحالية” تكمن بمشاكل عدة بالعناية المركزة، أهمها نقص معدات التهوية الآلية، وما يزيد الأمر سوء أن منافس الأطفال على قلتها لا تتناسب في غالبها مع حديثي الولادة، لان حديثي الولادة يحتاجون إلى منافس تقبل إعدادات صغيرة للأوزان، من واحد كيلو فما فوق، وبعض منافس حديثي الولادة لا تعمل على الخدج، ويقتصر عملها فقط على الأطفال تامي الحمل.

ويضيف الخلف “هناك نقص بأسرة العناية، حيث يبلغ عدد أسرة العناية بالأطفال وحديثي الولادة نحو خمسين سريراً فقط، ثلاثين منها مزودة بمنفسة أو سيباب (جهاز تنفس مساعد يفيد في علاج الحالات البسيطة والمتوسطة)، إضافة لتسعين حاضنة أطفال، تستقبل الحالات البسيطة”.

كذلك يعاني الأطفال من نقص في توافر بعض الخدمات النوعية، والكوادر المدربة على التهوية الآلية بشكل كاف، إذ لا تملك جميع المشافي القدرة على التعامل مع الحالات بالشكل الأمثل، باستثناء قلة من المشافي التي تمتلك أجهزة جيدة، بحسب الطبيب الخلف والذي يرى أن المعاناة الأكبر تخص “العناية بالخدج”، فهي “عناية مرهقةٌ جداً، لأن الأطفال فيها يحتاجون لاستشفاء طويل، قد يمتد من أيام حتى الشهر، ويحتاجون لاهتمام كبير، إضافةً لدواء (سرفكتانت)، وهو دواءٌ غير متوفرٍ، تبلغ كلفة الفلاكونة الواحدة 375 دولاراً، تكفي لطفل واحد، وزنه من كيلو غرام واحد لإثنين كيلو غرام”.

حاضنات الاطفال في إحدى مشافي إدلب
حاضنات الاطفال في إحدى مشافي إدلب

يقدر الطبيب حسان عبيد، مدير مشفى الفردوس، متوسط إبقاء الطفل على المنفسة نحو عشرة أيام، ما يعني أن المنفسة الواحدة لا تخدّم سوى ثلاثة أطفال شهرياً. يقول الطبيب عبيد إن معظم المنافس في المشافي تمتلئ خلال يومين أو ثلاثة أيام بسبب الضغط الكبير عليها، لذلك اعتاد الأطباء، سابقاً (قبل إغلاق المعبر)، على قبول الطفل الذي يحتاج لمدة استشفاء قصيرة، أما من يحتاج لاستشفاء طويل فيتم تحويله إلى تركيا، لمحاولة تقديم الخدمات العلاجية لأكبر عدد ممكن من الأطفال.

يحذر عبيد من انهيار في المنظومة الصحية وزيادة في عدد الوفيات في حال إبقاء المعبر مغلقاً أمام الحالات الطبية والإسعافية، وكان الجانب التركي قد أعلن عن إغلاق معبر باب الهوى في  13/3/2020 ، أمام حركة المسافرين، والمرضى من أصحاب الحالات الباردة، كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا، واقتصر العمل فيه منذ ذلك الوقت على دخول الشحنات التجارية والإغاثية ، والحالات الطبية الساخنة التي توقف دخولها أيضاً بعد عدة أيام.
وقال مازن علوش (مدير المكتب الإعلامي لباب الهوى) لفوكس حلب، كما صرح لموقع بوابة سوريا ” إن الجانب التركي، قبل جائحة كورونا، كان يسمح بدخول ثلاثين حالة مرضية باردة يومياً، إضافة لعدد غير محدود من الحالات الإسعافية يبلغ وسطياً من عشرة إلى خمسة عشر حالةً يومياً، إذ بلغ عدد المرضى الذين دخلوا للعلاج في تركيا خلال العام الماضي أكثر من عشرة آلاف مريض”.

وأضاف العلوش أنه ومنذ مدة انتشرت مناشدات من الأهالي، لإدخال بعض الحالات الخطيرة للعلاج في تركيا، وقام الجانب التركي بالاستجابة لبعض هذه المناشدات، حيث دخلت أول حالةٍ استثنائية يوم 22 نيسان، ومنذ ذلك الوقت أصبح الجانب التركي يقبل بدخول بعض الحالات استثنائياً، شرط وجود خطر على حياتها، وذلك بعد تنسيق مباشر مع إدارة معبر باب الهوى.

تجد بعض الحالات الإسعافية من يروج لها إعلامياً، عبر مناشدات يتناقلها نشطاء إدلب، بغية إيصالها للجانب التركي، حتى يسمح لها بالدخول، كما حدث في الآونة الأخيرة، في حين بقيت كثير من الحالات عاجزة عن إيصالِ صوتها، لتنتظر مصيرها وهي عاجزة عن فعل أي شيء، خاصة في حالات الأطفال حديثي الولادة والخدج التي لا تحتمل وقتاً للمناشدات، لتلقى مصيراً مشابها لمصير الطفلة شام والتي قضت صباح اليوم تاركة أسئلة كثيرة دون إجابات، حول الواقع الصحي والإجراءات الوقائية لضمان حياة الأطفال في المنطقة.