فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بـ “عكازين” وعزيمة.. يحصد محمد الإعجاب بدلاً من التعاطف

 محمود يوسف السويد

بتشجيع من الأهل، وبالاعتماد على زوج من العكازات الطبية، عاد محمد ليعيش حياته الطبيعية، ولم يسمح محمد لنظرات العطف التي كان يراها في عيون الناس أن تقتل طموحه يقول محمد: “كنت ألمح في عيون الناس نظرات الشفقة أثناء تنقلي على العكازين، لكن نظراتهم تلك لم تضعفني بل دفعتني للمضي قدماً والعمل على تحويل نظرتهم لإعجاب وفخر، وهذا ما نجحت في تحقيقه”.

بابتسامةٍ لطيفةٍ يستقبلنا محمد، بعد انتهائه من أداء عدة حركاتٍ بهلوانيةٍ، نالت إعجاب الحاضرين الذين أبدوا إعجابهم بمحمد الذي لم تمنعه إعاقته من ممارسة حياته بالشكل الذي يحب.
محمد العثمان، شاب عشريني من أبناء بلدة زردنا بريف إدلب الشمالي، مثالٌ حيٌّ عن قدرة الإنسان على تخطي المصاعب التي تعترضه حتى وإن تمثلت بفقد أحد الأطراف، في حال قرر ذلك وامتلك الإرادة إذ تتحول الإعاقة لشكلٍ آخر من أشكال النجاح والتميز.

محمد العثمان وهو يمارس هوايته بلعب كرة القدم
محمد العثمان وهو يمارس هوايته بلعب كرة القدم

فقد محمد ساقه اليمنى بعد بترها نتيجة إصابته بمرضٍ عضال، يومها كان في السابعة عشر من عمره، شعر محمد بداية الأمر بشيء من الإحباط والضعف، فبتر ساقه يعني دخوله في عالم “الإعاقة” وتحول مسار حياته بشكل كامل ناهيك عن حرمانه من ممارسة هوايته بلعب كرة القدم التي يعشقها، أو السباحة بشكل طبيعي كما كان يفعل رفقة أقرانه في مسبح البلدة.
لم يستسلم محمد لليأس وقرر أن يتغلب على واقعه، ويتعايش معه بكثير من الرضا والحمد، ليتحول الإحباط إلى عزيمة والضعف إلى قوة، مكنت محمد من العودة للحياة بشكل طبيعيٍ ليمارس نشاطاته بقوةٍ أكبر، وينضم لفريق كرة القدم شكله ذوو الاحتياجات الخاصة من المبتورين.

يقول محمد إن والدته كانت السند الأقوى في محنته، وساعدته بتشجيعها لينهض من جديد إذ زرعت برأسه أن “المستقبل الذي أمامه لا ينتظر الضعفاء”، كما كان لقريبه عبد الكريم الأخرس، مساهمة إيجابية في دفعه للتغلب على إعاقته وممارسة حياته كما الأصحاء، إن لم يتفوق على بعضهم أحياناً.

بتشجيع من الأهل، وبالاعتماد على زوج من العكازات الطبية، عاد محمد ليعيش حياته الطبيعية، ولم يسمح محمد لنظرات العطف التي كان يراها في عيون الناس أن تقتل طموحه يقول محمد: “كنت ألمح في عيون الناس نظرات الشفقة أثناء تنقلي على العكازين، لكن نظراتهم تلك لم تضعفني بل دفعتني للمضي قدماً والعمل على تحويل نظرتهم لإعجاب وفخر، وهذا ما نجحت في تحقيقه”.

محمد العثمان وهو يمارس هوايته بلعب كرة القدم
محمد العثمان وهو يمارس هوايته بلعب كرة القدم

إذا ما توجهت اليوم إلى بلدة زردنا، وعرجت في طريقك على (نادي الأمل الرياضي) فيها، فستشاهد محمد بين زملائه في الفريق، يمارس لعبة كرة القدم بصورة طبيعية، وينفذ تدريبات وتعليمات مدربه، (محمد شيخ الحدادين)، والذي كان له الفضل في شحذ همة محمد والأخذ بيده ليصبح لاعباً متميزاً ضمن الفريق، يصف محمد مدربه “بالمعلم والقائد وصاحب الفضل فيما وصل إليه من مهارة في اللعب”.

لم يتوقف حلم محمد عند حدود عودته ليمارس رياضته المفضلة فحسب، بل اكتشف مواهب جديدة لديه، ما كان له أن يعلم بوجودها لولا وضعه الصحي الحالي، فالعكازين لم يظلا وسيلة تنقل فقط، فمع إصرار محمد وعزيمته وبكثير من التدريب، تمكن محمد من تأدية مجموعة من الحركات البهلوانية التي تصعب على الأصحاء، كأن يرفع جسده بالكامل بشكل عامودي مستنداً على العكازين بكلتا يديه، ويسير خطوات وراسه نحو الأسفل محققاً توازناً وثباتاً لافتين.

الأمل والفرح لم يغادرا حياة محمد، وابتسامته تبدو في ملامحه وهو يسرد أحد المواقف الطريفة التي مر بها، فيقول: “نشب تحدّ  بيني وبين أحد رفاقي الرياضيين الأصحاء جسدياً، وفي سباق جري لمسافة مئة متر، تمكنت من التغلب عليه ما شكل مفاجأةً له وللحاضرين”.

“الحياة لن تتوقف عند الإصابة ولا تسمح لليأس بالتسلل إليك” بهذه الكلمات توجه  محمد لكل إنسانٍ مرّ أو يمر بحالة مشابهة لحاله، وطالبه بأن يحول تلك الإعاقة لحافزٍ يدفعه لمزيد من النجاح، ويشحذ همته أكثر ليكشف مكامن القوة لديه، وما عليه إلا أن يتحلى بالشجاعة والإصرار، ولا يستكين لإعاقته مهما كانت، ما دام ذهنه يعمل وفكره متقد، فالإعاقة كما يراها محمد: “إعاقة الفكر لا الجسد”.

“عيد السوريين”…طقوسٌ حاضرة في ذاكرة أصحابها وواقعٌ أليم يسرق الفرحة

هاني العبدالله

وأضافت أم عبدو “أما اليوم تقلّصت الضيافة كثيراً، ففي هذا العيد لم نقدّم سوى الكعك الأصفر السادة الذي قمت بتحضيره في البيت، إلى جانب فنجان القهوة، فالأسعار الباهظة في الأسواق منعتنا من شراء أي حلويات أو فاكهة، فكيلو المعمول بالفستق بـ 18 ألف ليرة سورية، المعمول بالجوز بـ 12 ألف، المعمول بالعجوة بـ 8 آلاف، كما أن أغلب أنواع الفواكه كالكرز والمشمش والجارنك والفريز باهظة الثمن، ولا يقل سعر الكيلو منها عن ألفي ليرة”.

استقبل السوريون العيد هذه السنة بغصةٍ ممزوجةٍ بالحزن والمعاناة، فعيد الفطر لم يكن سعيداً بالنسبة لهم، وسط ظروف الفقر وارتفاع الأسعار، التي حرمت كثيراً منهم من شراء مستلزمات العيد، في حين وقف كورونا حائلاً أمام آخرين فمنعهم من ممارسة طقوس العيد التي اعتادوها.

طقوسٌ مختلفة

تفاوتت أجواء العيد بين مناطق النظام والمعارضة، يقول أبو رضا من أهالي دمشق “أي عيدٍ أطلّ علينا، وقد افتقدنا لأول طقوسه وهي صلاة العيد، والتي لم نتمكن من إقامتها هذا العام لأول مرةٍ خوفاً من انتشار كورونا، فحين استيقظت في صباح أول أيام العيد، وقفت على شرفة المنزل واستذكرت بحرقةٍ الأعياد الماضية، حيث كنت أبدأ يومي بالذهاب للمسجد وتبادل التهاني مع المصلين، ومن ثم زيارة مقبرة العائلة، وبعدها الانطلاق لزيارة الأهل والأقارب”.

وكان المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف في حكومة النظام قد أعلن عن  تعليق صلاة عيد الفطر في المساجد، بعد أن تجاوزت أعداد الإصابات حاجز المئة، إضافةً لفرض حظر تجوالٍ كاملٍ منذ الساعة السابعة والنصف مساءً حتى السادسة صباحاً.

وأضاف أبو رضا لفوكس حلب “أجمل ما في العيد أنه موعد لزيارة الأحبة، ولاسيما أول يوم والذي يكون فرصةً للاجتماع في بيت العائلة، لكن مع تفشي وباء كورونا، لم نعد نجرؤ على زيارة الأقارب، وأصبحنا نكتفي بتبادل التهاني عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي”.

وتابع أبو رضا قائلاً: “الحظر المفروض مساءً، سيمنع الناس حتى من زيارة الأشخاص المقربين كالأهل والأخوة، لاسيما من يقيمون في الضواحي والأرياف، إذ لن يكون هناك وقتٌ كافٍ للذهاب إليهم والعودة في يوم واحدٍ قبل بدءِ موعد الحجر، كما أن أغلب الأشخاص يُفضّلون إجراء زيارات العيد في الفترة المسائية، وخاصةً مع ارتفاع درجات الحرارة”.

كما اعتاد السوريون خلال الأيام الأخيرة من رمضان، على الخروج إلى الأسواق بعد الإفطار لشراء الألبسة والحلويات، إلا أن الحظر المفروض مساءً في مناطق النظام، جعل الأسواق فارغة، إضافةً إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار، دفع كثيرين منهم للامتناع عن الخروج إلى الأسواق قبل فترة الحظر.

في مناطق المعارضة لم يمنع الواقع الاقتصادي السيء وغلاء الأسعار إقامة طقوس العيد، وانتشرت مقاطع فيديو وصور على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر الازدحام الكبير في الأسواق خلال يوم الوقفة وخاصةً في مدينة إدلب، كما كانت أصوات التكبيرات تصدح في أول أيام العيد، حيث اتجه الأهالي إلى المساجد التي اكتظت بالمصلين لأداء صلاة العيد، والتي لم تغب عن مناطق المعارضة على عكس مناطق النظام.

وقال أمجد واحدي من سكان مدينة إدلب ” لم يُعلن عن أي إصابة كورونا في مناطق المعارضة، وهذا ما شجّع الأهالي لاصطحاب أطفالهم إلى ألعاب العيد ليزرعوا جزء من الفرحة في قلوبهم، لاسيما أن ارتفاع الأسعار منعهم شراء بعض المستلزمات”.
كما كان للوضع الأمني الذي تعيشه إدلب بعد توقف إطلاق النار وغياب القصف دورُ كبيرُ في ممارسة بعض طقوس العيد المختلفة، مثل الذهاب إلى صلاة العيد أو زيارة الأقارب والأهل، واصطحاب الأطفال إلى الحدائق والألعاب، في حين افتقدوا لبعض تلك الطقوس خلال الأعوام الفائتة في ظل القصف المتواصل.

وأردف “واحدي” لفوكس حلب، “كانت التجمعات كثيفةُ في الأسواق يوم الوقفة، وهو سلوك خاطئٌ قد يُساهم في انتشار كورونا، لكن أغلب السكان والنازحين في وضع مادي سيء أجبرهم على فتح محالهم وبسطاتهم لتأمين قوت عيالهم”.

ألبسة البالة تزيّن العيد

عمد الأهالي للتفتيش عن حلولٍ بديلةٍ ليتمكنوا من إسعاد أطفالهم، وقال غزوان هاشم مهجّر من زملكا إلى عفرين “وضعنا المادي سيء، لكن لم اتقبّل أن يمر العيد دون شراء ألبسةٍ وحلويات لأولادي فالعيد للأطفال، لذلك اضطررت لبيع بعض قطع الأثاث في المنزل لأستطيع شراء ألعاب ولباس العيد”.

وأضاف غزوان “بعض الناس اضطروا لشراء ألبسةٍ من محلات البالة، أو ألبسةٍ بجودةٍ رديئةٍ من البسطات على الأرصفة، بينما لم يتمكن آخرون من شراء أي لباس، وفضّلوا تأمين مستلزمات البيت الأساسية، فبالنسبة لهم ليس هناك عيد هذا العام، في ظل الارتفاع الكبير بالأسعار”.

وشهدت أسعار الألبسة في مناطق النظام، ارتفاعاً كبيراً مقارنةً بمناطق المعارضة، حيث بلغ سعر الطقم الولادي 22 ألف ليرة سورية، فستان بناتي 25-35 ألف، حذاء ولادي 12 ألف، الطقم الرجالي 50-100 ألف حسب الماركة والقماش، عباءة نسائية 50-75 ألف، بنطال جينز 15-25 ألف، قميص أو كنزة رجالي 10-15 ألف.

وقال أبو رضا من أهالي دمشق: “لديّ أربعة أولاد، وشراء ألبسة لهم في العيد يُكلّف 100 ألف ليرة على الأقل، عدا تكاليف الألبسة لي ولزوجتي وضيافة العيد، في حين لا يتجاوز راتبي ٧٥ ألف ليرة، لذا طلبت من زوجتي شراء ألبسةٍ من سوق البالة في منطقة القنوات، فسعر القميص الرجالي 1500 ليرة من البالة، بينما يبدأ سعره في المحال الجاهزة من تسعة آلاف”.

وطال ارتفاع الأسعار هذا العام ألبسة البالة أيضاً، نتيجة تراجع قيمة الليرة مقابل العملات الأجنبية، إضافةً إلى زيادة الطلب عليها، لكنها مع ذلك تبقى بالنسبة لكثير من الأهالي والنازحين، أرخص بكثير من الملابس الجديدة الموجودة في المولات والمحال التجارية.

صحن كعك وفنجان قهوة

وعُرف السوريون خلال أيام العيد بالسخاء في تقديم الضيافة، وقالت أم عبدو نازحة في جرمانا “أذكر أننا قبل بدء الثورة حين كانت الأسعار رخيصة، كنا معتادين على تقديم ضيافة متنوعة، ففي بداية الزيارة نقدّم الموالح مع الشاي، ومن ثم حلويات العيد الفاخرة، وبعدها البوظة أو العصير، وثم الفواكه وفي النهاية فنجان القهوة، إضافةً إلى تقديم القهوة المرّة أكثر من مرة، وعند مغادرة الضيوف يأتي وقت ضيافة العيد من شوكولا وراحة وبسكوت وسكاكر”.

 

وأضافت أم عبدو “أما اليوم تقلّصت الضيافة كثيراً، ففي هذا العيد لم نقدّم سوى الكعك الأصفر السادة الذي قمت بتحضيره في البيت، إلى جانب فنجان القهوة، فالأسعار الباهظة في الأسواق منعتنا من شراء أي حلويات أو فاكهة، فكيلو المعمول بالفستق بـ 18 ألف ليرة سورية، المعمول بالجوز بـ 12 ألف، المعمول بالعجوة بـ 8 آلاف، كما أن أغلب أنواع الفواكه كالكرز والمشمش والجارنك والفريز باهظة الثمن، ولا يقل سعر الكيلو منها عن ألفي ليرة”.

وأشارت أم عبدو إلى أن “أغلب العوائل اكتفت بتحضير الكعك الأصفر، خاصةً أن مكوناته رخيصة وطريقة تحضيره سهلة، وهي الدقيق الأبيض والسكر والشمرة وقليل من الزيت والعصفر والحبة السوداء، وكذلك الكركم الذي يُكسبه اللون الأصفر، حيث تعجن هذه المكونات مع الماء وتترك لساعات، وبعدها تقطّع لقطعٍ صغيرة وتُعمل على شكل حلقات صغيرة وتُضع في الفرن، بينما استغنت كثير من ربات المنازل عن تحضير معمول الجوز والفستق لغلاء مكوناته، والبعض حضّر المعمول بفستق العبيد لانخفاض سعره”.

كما ارتفعت أسعار الموالح بشكلٍ كبيرٍ، ما دفع أغلب العوائل للاستغناء عنها من ضيافة العيد، وبلغ سعر كيلو الفستق الحلبي 25 ألف، الموالح المشكلة 10 آلاف ليرة، الموالح المشكلة بدون قلوبات 3 آلاف، الكاجو المالح أو اللوز المدخن 15 ألف، بزر دوار الشمس 3500، البزر الأبيض 7 آلاف، الفستق المالح أو البزر الأسود 3 آلاف، والبزر المصري 4 آلاف.

وشهدت الليرة السورية خلال الأيام الماضية تراجعاً كبيراً مقابل الدولار، ووصلت  حاجز ألفي ليرة، ثم تحسنت قليلاً واستقرت عند 1700، ما سبّب ارتفاعاً في الأسعار، إضافةً إلى تعمّد بعض التجار وأصحاب المحلات لرفع أسعار بعض السلع مع قدوم العيد نتيجة الإقبال على شرائها.

عندما كانت أمي تصبغ أيادينا بالحناء

فريق التحرير

ليلاً تدخلنا فرادى وجماعات إلى الحمام، تقسو علينا بـ “كيس حمام صنعته أيضاً بنفسها” وصابون الغار، وقبل أن ننام تكون قد جهزت خلطة من الحناء تضعه في أيدينا وتربطه بقماشة كيلا يتسخ الفراش.

لا يمرّ عيد دون إخضاع الوقت للذاكرة، يتداخل فيها مزيج من الحزن والفرح، تذكّر للأيام الماضية والأشخاص الذين فقدناهم أو المظاهر التي تلاشت والتي كانت يوماً نكهة العيد ولونه.

على باب المنزل وفوق “مصطبة” من الاسمنت بدرجات ثلاث كنا ننتظر قدوم والدنا، يحمل في يديه المتعبتين حقيبتين قماشيتين صنعتهما أمي من أكياس الطحين، ككل شيء في المنزل كان من صناعتها، ستائر النوافذ، أصص الزريعة، رفوف المطبخ، حمالات الطعام القماشية كيلا تحترق أصابعنا، أغطية الطاولات من “الكناويشة”، الآيات القرآنية المشغولة بالخرز الأصفر والتي تتصدر الجدران، أغطية الفرش المنضدة على المحمل عليها أشكال لحيوانات متقابلة وفرسان وأميرات بألوان حمراء وخضراء، دهان البيت، والأهم من ذلك صناعة العيد.

في حقائب والدي، طحين وبعض اللحم وكيس من الجوز وتوابل بأسماء شهية -يانسون وشمرا وعصفر وحبة سودا وجوزة الطيب، تبدو كقصائد- وبعض الألبسة والأحذية التي يتفق على شرائها مع والدتي، وقطع من القماش، وبعض الفاكهة، وضيافة العيد التي كانت تقتصر على ثلاثة أنواع رافقتنا طويلاً (شوكولا ميليا -وأكياس من كرميلا ناشد أخوان، وبسكويت مغطس بالشوكولا أيضاً).

تبدو تلك الأشياء وكأنها “مواد خام” لا يمكن بها ومعها صناعة العيد، قبل أن تبدأ أمي بتنفيذ ما خططت له، صباحاً تبدأ بأخذ القياسات بالشبر والأصابع، كان طول تنورتي عندها (ثلاثة أشبار وأربعة أصابع).

في مخيلة أمي ترتسم المقاسات والتفصيلات لتبدأ بقص القماش وخياطته على ماكينتها اليدوية “سينجر”، بغطائها الخشبي، ونحن حولها ننتظر ما ستفعل بنا، وفي كل مرة كانت تخبرنا إنها كانت تضم الإبرة وهي “مغمضة”، وتشكو الزمن الذي اضطرها للتدقيق مرات عديدة قبل أن تضم الخيط، نحاول أن نساعدها بذلك وغالباً ما كنا نفشل. تصنع أمي لنا لباساً جديداً للعيد، تضيف عليه بعض الرتوش أو ما كانت تطلق عليه “التحلايات”، وتعيد تدوير بعض الألبسة القديمة التي ضاقت على مقاساتنا، قسم منها نورثه بحسب تراتبية الأعمار، أما القسم الآخر فتستفيد أمي منه باستخلاص “الاكسسوارات من أزرار وسحابات..”.

مساء تبدأ أمي بصناعة كميات كبيرة من “الكعك والمعمول والبرازق”، بعضه محشو بعجوة وآخر بالجوز، أما “كعك الزرد” غير المحشو، فسيبقى رفيقنا لأيام طويلة بعد أن تضعه على شكل قلائد وتعلقه على الجدران لصباحات الشتاء القادم.

ليلاً تدخلنا فرادى وجماعات إلى الحمام، تقسو علينا بـ “كيس حمام صنعته أيضاً بنفسها” وصابون الغار، وقبل أن ننام تكون قد جهزت خلطة من الحناء تضعه في أيدينا وتربطه بقماشة كيلا يتسخ الفراش.

قبل أن نستيقظ تكون “حلة =وعاء كبير” من “الرز بحليب” على النار، وصحون كثيرة فارغة في انتظار أن تسكبه ووضعه في الثلاجة، نسيت أن أخبركم عن حملة التنظيف الكبيرة التي نخوض غمارها قبل أيام من العيد، والتي تشمل غسيل كل شيء تقريباً، من الأسقف والجدران وحتى وجوه الوسائد.

في غرفة الضيوف تصف أمي صحون العيد، تلك الغرفة التي لا يسمح لنا بدخولها إلا إن تم استدعاؤنا إليها لتلبية خدمة ما، تمتد سفرة العيد بشكل مربع مفتوح من جهة باب الغرفة فقط، وفي وسط المنزل دلة القهوة المرة وثلاثة فناجين، وأباريق من المياه، تلقي النظرة الأخيرة قبل أن توقظنا وهي مطمئنة أن صناعة العيد قد انتهت.

بعد عودة والدي من صلاة العيد رفقة أخوتي الذكور، نكون قد ارتدينا ثيابنا قبل أن نبدأ بمعايدتهما، يجلس على فراشه وتكون “متربعة” بالقرب منه كحارسة لكل شيء، نقبل يده ويعطينا عيديتنا بـ “الأكبرية”، نادراً ما كان يقبلنا ويكتفي فقط بالدعاء لنا، أما أمي فكانت ترسم ابتسامة على وجهها كلما مررنا بها، لعلها تريد أن تقول “هذه صناعتي”.

لم تعد أمي تصنع العيد، أمي تبعد عنا اليوم مئات الكيلو مترات. تحوّلنا جميعاً إلى أمهات، يمكنني القول “كسولات” أو “قليلات الحرفة”، نحتج على ظروفنا القاسية بغياب مظاهر العيد، ومن كان منا بواقع اقتصادي جيد تحول إلى شراء كل شيء جاهز، حتى الكعك والمعمول، وتضاعفت كآبتنا عند كل عيد ونحن نمني أطفالنا بالوعود، دون أن نخبرهم عن “عيدنا” وعن جداتهم اللواتي كنّ يعرفن كيف يدبرن حياتهن تحت أي ظرف.

أنظر إلى يدي علّي استرجع نقش الحناء ووالدتي، قبل أن أغرق بالصمت، فلا حناء في المدينة، ولا صدراً أرتمي فيه يصنع أعيادنا من جديد.

أمل عبد النور 

 

 

الحياة تدب في أوصال بلدة تفتناز من جديد

رؤى زيدان

ماتزال الخدمات في بلدة تفتناز ضعيفة خاصة في مجال الكهرباء والمياه إلا أن 70% من أهالي البلدة قد عادوا إليها، وتم افتتاح مشفى النور من جديد، ومركز الرعاية الأولية، وصالات الإنترنت، ومحلات الألبسة وأكثر من عشرين محلاً لبيع الخضار والفاكهة كما عاد مخبز البلدة للعمل بحسب رئيس المجلس المحلي منير الخطيب والذي قال إن المجلس المحلي يعمل على تقديم خدمات النظافة للبلدة وتأمين الخبز للعائلات التي تعجز عن تأمينه، كما تعمل منظمة نسائم الخير على تقديم سلال غذائية لبعض السكان.

عاد نحو ٧٠٪ من سكان تفتناز شمال شرق مدينة إدلب إلى بلدتهم بعد نزوح استمر أكثر من ثلاثة أشهر نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة.

يقول خير الدين الأسدي إن  اسم “تفتناز” مكون من شقين (تفتا) وتعني النسيج أو الحرير و(ناز) وتعني بلد، وبذلك يصبح معنى اسمها بلد الحرير، بينما يرى آخرون أن كلمة تفتناز منقسمة إلى قسمين: الأولى (تفت) وتعني الشرق و(ناز) السوق وعلى هذا يتم تركيبها بالسوق الشرقي مقارنة مع أرمناز السوق الغربي على اعتبار أن معنى (أر) الغرب. وبلدة تفتناز بلدة قديمة تحكي قصة قرون مضت على أرضها فهي تقع على طريق الحرير الذي يأتي من الجنوب الشرقي ماراً في وسطها حتى يصل إلى شواطئ البحر المتوسط وإلى ميناء أنطاكية.
تضم بلدة تفتناز اليوم أربع مدارس ابتدائية ومدرستين ثانويتين، وفيها مشفى النور التخصصي للأطفال والنسائية ومشفى الحكمة العيني ومركز الرعاية الأولية للإسعافات. كما تملك أحد أهم المطارات العسكرية في سوريا، والذي تمكنت فصائل الثوار من السيطرة عليه سنة 2013، ما دفع قوات الأسد لمحاولة التقدم نحوه خلال الحملة الأخيرة، حتى وصلت منطقة “الأربيخ” شرق بلدة تفتناز بـ 2كم، الأمر الذي دفع أهالي المدينة للنزوح عنها بشكل كامل لاسيما بعد تعرض البلدة لحملة قصف أدت لدمار 10% من منازلها بحسب مجلسها المحلي.

الدمار الذي طال بلدة تفتناز نتيجة القصف الذي تعرضت له في الحملة العسكرية الأخيرة
الدمار الذي طال بلدة تفتناز نتيجة القصف الذي تعرضت له في الحملة العسكرية الأخيرة

لمس الجانب التركي أهمية مطار تفتناز فنشر جنوده داخله وأقام فيه نقطة مراقبة في السادس من شباط الماضي، الأمر الذي عرضه للاستهداف بشكل متكرر من قبل قوات الأسد، إلى أن تم الاتفاق بين الجانبين الروسي والتركي على وقف إطلاق النار في الخامس من آذار الماضي.
شكّل الاتفاق التركي الروسي الأخير أملاً للأهالي في العودة لممارسة أعمالهم دون تخوف كما في السابق، ما أفسح المجال أمام عودة حركة الأسواق والمنشآت الخدمية.
عادت أم أحمد (54 عاماً) إلى بلدة تفتناز بعد شهرين من نزوحها إلى بلدة باتنته “شمال إدلب” وإقامتها عند أقاربها لعجزها عن استئجار منزل، إذ شكلت حركة النزوح الكثيفة أزمة سكن في محافظة إدلب وارتفعت إيجارات المنازل بشكل كبير، الأمر الذي دفع عشرات المهجرين للإقامة في مخيمات تم إنشاؤها على عجل على الحدود مع تركيا، تقول أم أحمد إنها فضلت العودة إلى بلدتها كي لا تبقى عبئاً على أقاربها.

بائع خضار في تفتناز بعد عودة جزء من سكانها إلى البلدة
بائع خضار في تفتناز بعد عودة جزء من سكانها إلى البلدة

عبر مازن جبان “تاجر خضروات” عن سعادته  برؤية أهالي بلدته يعودون إليها، إذ رفض مازن مغادرتها رغم نزوح معظم أهلها وتحولها لمنطقة عسكرية، إلا أن عمله ببيع الخضار فرض عليه البقاء لتأمين بعض الطعام لمن بقي في البلدة، يخبرنا أن مبيعاته كانت قليلة أما اليوم فقد تحسن السوق بعودة الأهالي. إلا أن ارتفاع الأسعار أثر على القوة الشرائية وهو ما اضطره لبيع بعض الأنواع من الخضار كـ :الفاصولياء والبطاطا والخيار والبصل والكوسا..” والابتعاد عن تسوق أصناف أخرى بسبب أسعارها المرتفعة.

من جهته قام داني زيدان تاجر ألبسة ببيع بضائعه بالأسعار القديمة رغم تضاعف سعرها على الدولار، بهدف تشجيع أهالي البلدة على التسوق ولجمع بعض ديونه المتراكمة، يقول إن كلفة النزوح وانهيار العملة السورية تركا أثرهما على حياة السكان في البلدة.

ماتزال الخدمات في بلدة تفتناز ضعيفة خاصة في مجال الكهرباء والمياه إلا أن 70% من أهالي البلدة قد عادوا إليها، وتم افتتاح مشفى النور من جديد، ومركز الرعاية الأولية، وصالات الإنترنت، ومحلات الألبسة وأكثر من عشرين محلاً لبيع الخضار والفاكهة كما عاد مخبز البلدة للعمل بحسب رئيس المجلس المحلي منير الخطيب والذي قال إن المجلس المحلي يعمل على تقديم خدمات النظافة للبلدة وتأمين الخبز للعائلات التي تعجز عن تأمينه، كما تعمل منظمة نسائم الخير على تقديم سلال غذائية لبعض السكان.

الدمار الذي طال بلدة تفتناز نتيجة القصف الذي تعرضت له في الحملة العسكرية الأخيرة
الدمار الذي طال بلدة تفتناز نتيجة القصف الذي تعرضت له في الحملة العسكرية الأخيرة

يشهد مشفى النور التخصصي للنساء والأطفال إقبالاً جيداً كونه المشفى التخصصي الوحيد في المنطقة، بحسب مديره الإداري بشير العمر. والذي قال إن المشفى يخدم اليوم نحو 150 ألف نسمة، في حين كان يقدم خدماته سابقاً لنحو نصف مليون مدني من مدينة سراقب وريفها الشرقي، ورغم ذلك يشهد المشفى في بعض الأوقات إشغالاً لكافة الأسرّة الموجودة فيه.
تعرض المشفى لبعض الأضرار المادية في النوافذ والأبواب نتيجة القصف الذي استهدف البلدة، لكن كافة أقسام المشفى تعمل وبشكل طبيعي اليوم.

وبحسب بيان أصدره منسقو الاستجابة يوم أمس إن نحو 26.6% من المهجرين عادوا إلى قراهم وبلداتهم بأرياف حلب وإدلب عقب وقف إطلاق النار في شمال غربي سوريا في الخامس من شهر آذار.

مدينة الأتارب: قصة نزوح وعودة

فريق التحرير

يقول عطا إن نسبة الدمار في المدينة بلغت نحو ٦٠٪، وإن المجلس المحلي عمل خلال الشهرين الماضيين على ترحيل الركام وفتح نحو ٥٠٪ من الطرقات، وتفعيل مناهل المياه وإصلاح شبكات الكهرباء المتضررة ومد خطوط جديدة بدلاً من التالفة لتوصيل “الأمبيرات” إلى المنازل.
كما قام المجلس بتغطية الصرف الصحي الذي تكشّف نتيجة استهداف السوق وترحيل الأنقاض تمهيداً لعودة التجار إلى محلاتهم، وتشغيل فرن الخبز في المدينة ودعم النقطة الطبية، أما المشافي فيقتصر عمل مشفى المغارة في المدينة على الخدمات الإسعافية، وما يزال مشفى الأمومة مغلقاً حتى اللحظة.

 

وثق فريق الاستجابة في سوريا، في إحصائية نشرها صباح اليوم، عودة ٢٦.٦٣٪ من نازحي الحملة العسكرية الأخيرة البالغ عددهم نحو مليون شخص. معظم العائدين إلى بيوتهم تركزوا في المدن الكبيرة، إذ شهدت مدينة الأتارب بريف حلب الغربي عودة نحو٦٥٪ من سكانها والمقيمين فيها.

يوسف عبيد هو أحد سكان الأتارب الذين غادروا المدينة خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته روسيا وتركيا في الخامس من آذار الماضي، ليعود في السابع والعشرين من الشهر ذاته بعد نزوحه إلى مدينة مارع بريف حلب الشمالي رفقة أفراد عائلته، الرحلة التي أثقلت كاهله وزادت كلفتها عن ألف وخمسمائة دولار، تضمنت أجور النقل والإيجار وكلفة الطعام والشراب.

وكانت مدينة الأتارب قد تعرضت لتمهيد جوي ومدفعي من قبل قوات الأسد وروسيا منذ منتصف كانون الثاني الماضي، ومنذ الثاني والعشرين من الشهر ذاته شهدت مناطق ريف حلب الغربي نزوحاً كبيراً لآلاف العائلات في المنطقة، معظمهم اتجه نحو ريف إدلب الشمالي وبعضهم إلى منطقتي عفرين وريف حلب الشمالي، وتوزعوا في خيام أو تحت أشجار الزيتون، بينما حصل قسم قليل منهم على بيوت مستأجرة بمبالغ وسطية وصلت لنحو خمسين دولاراً.

يوسف عبيد أمام براكة الإكسبريس التي يملكها بعد عودته من رحلة النزوح
يوسف عبيد أمام براكة الإكسبريس التي يملكها بعد عودته من رحلة النزوح

يعمل يوسف كمستخدم في مدرسة مدعومة من قبل مديرية التربية الحرة بحلب، والتي توقف الدعم عنها. منذ عام كامل لم يتقاضى العبيد أي رواتب وما يزال يمارس عمله كمتطوع حتى اللحظة أملاً بتعويضه، إلا أن الأمر يبدو معقداً في الوقت الحالي ولا أمل بحصوله، نتيجة توقف الاتحاد الأوروبي والمنظمات عن دعم القطاع التعليمي في المنطقة بحجة عدم المساهمة في تمويل الإرهاب، بحسب تقرير نشر على موقع الجمهورية أكد فيه مدير التربية بحلب الأستاذ محمد مصطفى أن المنظمات الداعمة أبلغتهم رسمياً بتوقف الدعم، وتخفيض برنامج مناهل (الاتحاد الأوروبي وكانت تتكفل بدفع ٧٥٪ من الدعم البالغ نحو مليون دولار شهرياً) الدعم بنسبة الثلثين عن مدارس المديرية، ما يعني أن ثلاثمائة مدرسة ستواصل عملها بشكل تطوعي.

يبلغ متوسط الراتب الشهري لموظفي المديرية نحو مئة دولار، ومع توقف الدعم كان لابد للعاملين فيها من البحث عن حلول بديلة، في حالة يوسف قام بافتتاح مشروع صغير لبيع قهوة الإكسبريس والدخان والخبز، ومع نزوحه انقطع المورد الوحيد الذي يؤمن له جزء من قوت عائلته.

في الحادي عشر من شباط الماضي بدأت أرتال من الجيش التركي التوجه نحو مدينة الأتارب، وبحسب تقارير إخبارية فإن هذا الانتشار جاء لصد الهجوم البري الذي تقوده قوات الأسد وروسيا على مناطق خفض التصعيد ومنع نزوح المدنيين، إلا أن هذا الانتشار لم يفلح في صد الهجمات الجوية التي طالت منازل المدنيين والأسواق والبنى التحتية، وفي الثالث عشر من شباط كانت الأتارب، والتي تضم نحو مئة ألف مدني من السكان والمهجرين، شبه فارغة، وسجل هذا اليوم مقتل ثلاثة أشخاص من المدنيين خلال نزوحهم، كما شهدت المدينة هجرة جماعية للسكان راجلين على أقدامهم أو فوق الدراجات النارية بعد استحالة مرور السيارات لنقلهم نظراً لاستهدافها.

بدا المشهد وكأنه “يوم القيامة” بحسب وصف السكان، وذلك بعد اقتراب قوات الأسد البرية وسيطرتها على مناطق متاخمة للمدينة كأورم الصغرى وريف المهندسين الثاني والفوج ٤٦، وباتت هذه القوات على بعد ثلاثة كيلو مترات من أكبر مدن ريف حلب الغربي “الأتارب”.

بسطات في سوق الأتارب وتظهر خلفها البيوت المدمرة بفعل القصف
بسطات في سوق الأتارب وتظهر خلفها البيوت المدمرة بفعل القصف

أنشأت الحكومة التركية نقطة مراقبة شرق مدينة الأتارب، ومع اتفاق وقف إطلاق النار شهدت المدينة عودة جزئية لبعض السكان، قدر فريق الاستجابة العائدين إلى مختلف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بـ ٣٤٧٦٦ نازحاً توزعوا على الشكل التالي 58.6% في ريف حلب و41.4% في ريف إدلب وهو ما يعادل 3.34% من نسبة النازحين الذين تم تهجريهم منذ تشرين الثاني 201٩، هذا ما يؤكده عبيد أيضاً والذي عاد إلى مدينته في السابع والعشرين من آذار الماضي ليعاود عمله بـ “براكة الإكسبريس”.

ليس النزوح الأول لسكان المدينة

في شهر آب من العام ٢٠١٢ نزح معظم سكان مدينة الأتارب نتيجة المعارك الدائرة بين قوات النظام وفصائل الجيش الحر، انتهت هذه المعارك بسيطرة الأخيرة على المدينة والفوج ٤٦ بعد دمار هائل سببه القصف عليها بمختلف أنواع الأسلحة.

عادت الحياة إلى المدينة التي شكلت أحد أهم المراكز التجارية فيما بعد، وذلك لوجودها على طريق الشريان الحيوي الرئيسي الذي يصل محافظة حلب بإدلب، وكذلك بريف حلب الغربي، كما تحولت المدينة إلى مركز للنازحين والمهجرين قسرياً، خاصة من أبناء مدينة حلب الذين تم تهجيرهم نهاية العام ٢٠١٦ بعد اتفاق مع قوات الأسد التي كانت تحاصر المدينة، واتسمت الحياة فيها بالنشاط التجاري والأسعار المعقولة، بحسب من التقيناهم من نازحين، إذ كان يضم سوق المدينة ما يزيد عن مئة محل تجاري، بينما بلغ متوسط الإيجارات فيها نحو عشرين ألف ليرة، وهو ما يمثل ربع المبالغ التي كان يدفعها المهجرون في المدن القريبة كـ “الدانا وسرمدا”.

بائع خضار في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع خضار في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

ومثلت المدينة بسكانها والمقيمين فيها حركة نشاط ثوري، بدأت منذ الاحتجاجات الأولى ضد حكم النظام، وسجلت عدداً كبيراً من المظاهرات منذ بداية نيسان ٢٠١١، وتحريرها في تموز ٢٠١٢ على يد فصائل من الجيش الحر بينهم عدد كبير من أبناء المدينة وتصديهم لتنظيم الدولة الإسلامية في العام ٢٠١٣، وجبهة النصرة، إذ شهدت المدينة احتجاجات واسعة ومظاهرات ضد دخول الأخيرة إلى المدينة، كما شهدت المدينة نشاطاً للعمل المدني والثقافي.

سوق الأتارب أول المستهدفين

في الثالث عشر من تشرين الثاني ٢٠١٧ استهدفت الطائرات الحربية الروسية سوق مدينة الأتارب بغارتين جويتين أسفرتا عن مقتل نحو تسعة وستين مدنياً وجرح نحو مئة آخرين، إضافة لدمار كبير وأضرار مادية في المحلات التجارية، وكان الأرشيف السوري قد نشر تحقيقاً رقمياً أثبت فيه صحة الهجوم ونوعه والأضرار التي طالته، قبل ذلك تم استهداف السوق مرتين في العامين ٢٠١٤ و ٢٠١٦، نتج عن الاستهدافين ضحايا من المدنيين وأضرار مادية كبيرة وثقها التحقيق.

سوق الأتارب قبل وبعد الضربة الجوية التي استهدفته في العام ٢٠١٧ -المصدر الأرشيف السوري
سوق الأتارب قبل وبعد الضربة الجوية التي استهدفته في العام ٢٠١٧ -المصدر الأرشيف السوري

وفي شباط ٢٠٢٠ نشرت مواقع إلكترونية فيديوهات للقصف الذي طال المدينة، يظهر فيها كميات كبيرة من الردم والأتربة والدمار الذي طال السوق مجدداً، إضافة لحفر كبيرة أحدثتها الصواريخ التي سقطت في الشارع الرئيسي منه. أضافة لدمار كبير في المنازل والبنى التحتية للمدينة التي خلت من سكانها.

الصورة لسوق الأتارب خلال الاستهداف الأخير في شباط ٢٠٢٠ -المصدر تويتر من صفحة الإعلامي أحمد سعيد
الصورة لسوق الأتارب خلال الاستهداف الأخير في شباط ٢٠٢٠ -المصدر تويتر من صفحة الإعلامي أحمد سعيد

في كل مرة كان السكان والمقيمون في المدينة يعيدون ترميم منازلهم وأسواقهم للبدء من جديد، هذه المرة أيضاً حدث ذلك، إذ أعيد فتح نحو نصف المحال التجارية في السوق بعد ترميمها من قبل الملاك الأصليين أو أشخاص استثمروا في هذه المحلات، إلا أن الواقع هذه المرة لم يصب في خدمتهم، إذ تشهد مناطق المعارضة ركوداً اقتصادياً بشكل عام، وفي الأتارب بشكل خاص بعد خسارة مساحات واسعة من القرى والبلدات بريف حلب الغربي والتي كانت الأتارب مركزاً تجارياً هاماً لها، إضافة لتخوف جزء من السكان من العودة، ناهيك عن انهيار العملة السورية التي ارتفع فيها سعر صرف الدولار لما يزيد عن ألف وسبعمائة ليرة سورية للدولار الواحد وهو ما أضعف القوة الشرائية لدى السكان، كذلك قلة فرص العمل في المدينة التي أسهمت إلى حد كبير في بقاء جزء من السكان خارج مدينتهم.

سوق مدينة الأتارب بعد إعادة ترميمه وعودة قسم من سكان المدينة
سوق مدينة الأتارب بعد إعادة ترميمه وعودة قسم من سكان المدينة

عودة كبيرة للسكان وخدمات متواضعة

يقدر بشار عطا رئيس للمجلس المحلي في مدينة الأتارب عدد العائدين إلى المدينة بنحو خمسة وستين ألف مواطن (نحو ٦٥٪ من السكان قبل النزوح)، منهم نحو عشرين ألف من النازحين الذين كانوا يقيمون في المدينة.

ويقول بعض من التقيناهم إن هذه الأرقام تشمل الزائرين للمدينة وليس من يسكنون بشكل دائم، ويقدرون عدد المقيمين في المدينة بنصف الأرقام التي ذكرها رئيس المجلس، وإن أعداداً كبيرة من السكان يسكنون في القرى أو المخيمات المجاورة للمدينة ويأتون إليها للتسجيل والحصول على المساعدات الإنسانية.

بائع مشبك في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع مشبك في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

ويعتبر توفير الخدمات العامة والبنى التحتية أحد أهم أسباب عودة النازحين، في حين يضطر قسم كبير من المواطنين للعودة نظراً لارتفاع أسعار إيجارات المنازل المرافق لضعف القدرة المادية وقلة فرص العمل.

يقول عطا إن نسبة الدمار في المدينة بلغت نحو ٦٠٪، وإن المجلس المحلي عمل خلال الشهرين الماضيين على ترحيل الركام وفتح نحو ٥٠٪ من الطرقات، وتفعيل مناهل المياه وإصلاح شبكات الكهرباء المتضررة ومد خطوط جديدة بدلاً من التالفة لتوصيل “الأمبيرات” إلى المنازل.

كما قام المجلس بتغطية الصرف الصحي الذي تكشّف نتيجة استهداف السوق وترحيل الأنقاض تمهيداً لعودة التجار إلى محلاتهم، وتشغيل فرن الخبز في المدينة ودعم النقطة الطبية، أما المشافي فيقتصر عمل مشفى المغارة في المدينة على الخدمات الإسعافية، وما يزال مشفى الأمومة مغلقاً حتى اللحظة.

يخبرنا رئيس المجلس إن قلة فرص العمل هي السبب الرئيسي لعدم عودة باقي السكان، وإن عودة بعض الخدمات إلى العمل يشجع السكان على العودة، إذ تشهد المدينة قدوم أعداد يومية من النازحين. كذلك عدم استغلال سكان الأتارب لارتفاع الأسعار بزيادة إيجار المنازل ساهم في عودة عدد كبير من المهجرين، إذ يتراوح متوسط سعر الإيجار الحالي بين (٢٤-٤٠ ألف ليرة)، يقول رئيس المجلس “الدولار لم يدخل في قاموس الأتارب”.

بائع سوس في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع سوس في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

فاروق أبو الحكم من مدينة الأتارب قال إنه نزح ثانية خلال الحملة العسكرية ليعود إلى منزله بعد وقت قصير، نظراً لارتفاع الأسعار في المناطق التي توجه إليها النازحون، كذلك يخبرنا أبو الحكم إن الخدمات العامة ضعيفة ولم تلبي جهود المجلس المحلي متطلبات السكان، يقول إن المدينة بلا ماء أو كهرباء ناهيك عن خوف السكان من عودة القصف من قبل قوات النظام المتمركزة بالقرب من المدينة، إلا أن ضعف الإمكانيات الاقتصادية للسكان هو ما يدفعهم للعودة. وهو ما أخبرنا به أيضاً “أبو وليد” المهجر من مدينة حلب والذي أعاد فتح محله للألبان والأجبان الذي أسسه بعيد تهجيره القسري من حلب ٢٠١٦، يصف أبو وليد الواقع الحالي في المدينة بـ “التعبان” في ظل ضعف القوة الشرائية وانهيار الليرة وغياب المؤسسات التي تعنى بضبط الأسعار.

ويقول يوسف عبيد إن “براكة الإكسبريس” خاصته كانت تمثل له ولأطفاله الرابعة مورداً مقبولاً للحياة، يخبرنا إنه كان يبيع يومياً نحو خمسين فنجاناً من القهوة بسعر مئتي ليرة سورية، ونحو مئتي ربطة من الخبز (ربطت حكومة الإنقاذ سعر ربطة الخبز بالدولار وكان متوسط ثمنها نحو أربعمائة ليرة سورية)، إضافة لعشر “كروزات” من الدخان، ومع عودته من النزوح يخبرنا العبيد إنه لا يبيع يومياً سوى نحو عشرين فنجاناً من قهوة الإكسبريس ومثلها من الخبز (ارتفع سعر ربطة الخبز إلى خمسمائة ليرة، وفنجان القهوة إلى ثلاثمائة ليرة”.

وينتظر العبيد مولوده الخامس وسط الواقع الاقتصادي السيئ الذي يعيشه السكان، إذ يحتاج على حد قوله إلى معظم ربحه لتأمين رغيف الخبز لعائلته، في الوقت الذي يعيش معظم سكان مناطق المعارضة أزمة اقتصادية خانقة بعد الارتفاع غير المسبوق للدولار وارتفاع إيجارات المنازل، لتغدو العودة إلى البيوت المهدمة حلاً اضطرارياً لتوفير سقف يقيهم حر الصيف القادم، إذ تشهد المخيمات حرائق يومية للخيام، في حين يبلغ سعر قالب “البوظ” لشرب مياه باردة نحو خمسة آلاف ليرة، أما الظل فتلك نعمة يفتقدها نحو مليوني شخص يسكنون المخيمات أملاً في إيجاد حل لعودتهم إلى منازلهم.

درغام حمادي -مصطفى أبو شمس 

 

 

خسارة سهل الغاب تفقد الثروة الحيوانية مراعيها.. والمواشي للبيع أو القصاب

فريق التحرير

  خسر السكان الذي يعيشون في ريفي إدلب وحماه نحو ثلاثة آلاف كيلو متر مربع من مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة، منذ بداية العام الحالي وحتى اتفاق وقف إطلاق النار […]

 

خسر السكان الذي يعيشون في ريفي إدلب وحماه نحو ثلاثة آلاف كيلو متر مربع من مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة، منذ بداية العام الحالي وحتى اتفاق وقف إطلاق النار في الخامس من آذار الماضي، معظم تلك المساحات كانت مراعٍ للماشية وأراضٍ زراعية ما تسبب بتدهور واقع الثورة الحيوانية في المنطقة.

وكان محمد المزروعي وهو مربي ماشية من بلدة قسطون بسهل الغاب أحد السكان الذين تأثروا بهذه الخسارة بشكل كبير، إذ اعتمد طوال حياته على مهنته في تأمين الدخل اللازم لحياته، ليصل عدد القطيع الذي يملكه خلال السنة الماضية إلى مئتين وستين رأساً من الأغنام.

لا يملك محمد وفرة من المال تغطي احتياجات عائلته وأكلاف تربية قطيعه بعد فقدان المراعي ما اضطره للتخلي عن ثلثي المواشي وبيع نحو مئتي رأس منها، فقوات الأسد تمركزت بالقرب من قريته وفي منطقة واسعة من سهل الغاب الذي يوصف بسلة المنطقة الغذائية والمسرح الأكبر لرعي الماشية.
يعيش محمد اليوم في بلدته قسطون التابعة لناحية الزيارة بريف حماه، ورغم ملكيته لنحو خمسين دونماً من الأراضي الزراعية كان يعتمد عليها بعد حصادها كمرعى لماشيته إلا أنه ترك ما تبقى من قطيعه والبالغ نحو ستين رأساً من الغنم في منطقة بعيدة بالريف الشمالي لإدلب خوفاً من خسارتها نتيجة القصف. يفتقد محمد مهنته وقطيعه وحقله الذي غدا “بوراً= بدون زرع” لصعوبة الوصول إليه، كذلك مراعي ريف معرة النعمان الشرقي والتي كان رعاة الأغنام يطلقون عليها اسم “العزبة” للسبب ذاته.
المزورعي واحد من مئات مربي الماشية الذين تأثرت مهنتهم بفعل الحملة العسكرية التي امتدت منذ شباط ٢٠١٩ وحتى آذار ٢٠٢٠، والذين كانوا يملكون في سهل الغاب نحو (خمسين ألف رأس من الغنم والماعز وستة آلاف وخمسمائة رأساً من البقر، ونحو ثمانمائة رأس من الجاموس)، بينما يملك مربو الماشية في جبل شحشبو نحو (أربعين ألف رأس من الغنم والماعز و ثلاثمائة ألف وخمسمائة رأس من البقر دون تواجد لقطعان الجاموس)، بحسب إحصائيةٍ صادرةٍ عن مديرية زراعة حماة الحرة.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

يقدر أنس أبو طربوش (المهندس والباحث الزراعي، بحسب تعريفه عن نفسه، والذي كان يشغل مدير زراعة حماه خلال العام الماضي) نسبة الخسارة بنحو ٤٠٪ من العدد الكلي خلال فترة المعارك الماضية، ويرجع السبب لـ “ضيق مساحات الرعي في المناطق الشمالية، إضافةً لحاجة المربين لثمن المواشي في مصاريفهم المعيشية، بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية”.
وتبلغ مساحة المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام منذ مطلع العام الماضي وحتى إعلان وقف إطلاق النار في آذار/ مارس من العام الحالي 3050 كم مربعٍ ، تلك الخسارة أدت لفقدان أجزاء واسعة من سهل الغاب والذي يعتبر سلةً غذائيةً مهمةً لمناطق المعارضة، إضافةً لتدهور تربية المواشي والذي يهدد بكارثةٍ في حال لم يقدم الدعم اللازم للمربين للاستمرار بمهنتهم. يقول المهندس أبو طربوش ويشرح ذلك بخسارة “ناحية قلعة المضيق “غرب حماة” بما فيها من قرى وبلدات، و تقدر مساحتها الإجمالية بما يعادل 60 ألف هكتارٍ، بينما تُسيطر المعارضة على ناحية الزيارة، والتي تقدر مساحتها بنحو 47 ألف هكتارٍ ما بين أراض سهليةٍ وسفوحٍ جبليةٍ ملاصقةٍ لمنطقة جبل الزاوية جنوب غرب إدلب”.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

تقدم قوات الأسد على مناطق واسعةٍ من سهل الغاب منع أهالي الزيارة من زراعة أجزاءٍ واسعةٍ من أراضيهم خوفاً من استهدافها المتكرر من قبل قوات الأسد والتي باتت تكشف تلك الأراضي من معسكراتها الجديدة، وبذلك خسرت المعارضة محاصيلاً مهمةً مثل الخضروات والقمح، كما خسرت الثروة الحيوانية مخلفات تلك المزروعات والتي اعتاد الرعاة على إطعام مواشيهم منها بعد انتهاء الموسم لتكون بديلاً عن الأعلاف، ما انعكس بشكلٍ سلبيٍّ على تربية الماشية في المنطقة، يكمل أبو طربوش الذي أعرب عن قلقه من “ضعف الواقع الاقتصادي للمزارعين في منطقة الزيارة وذلك لاستحالة وصولهم إلى حقولهم التي باتت مكشوفةً على معسكر جورين وعددٍ من الحواجز القريبة الأمر الذي أدى لنزوح أغلب السكان وخسارة المواسم الزراعية وانتهاء عملية رعي المواشي”.

قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه
قطعان من الماشية ترعى في سهل الغاب بريف حماه

ويعتبر سهل الغاب أحد أهم المراعي المتواجدة شمال غرب سوريا، يقصده الرعاة من مناطق بعيدةٍ رغم خطورة الوضع الأمني الذي تشهده المنطقة، للاستفادة من مراعيه الواسعة، يجبرهم على ذلك غياب الدعم عن الثروة الحيوانية، وضعف القوة الشرائية للحوم الماشية في الأسواق إذ باتت تلك العوامل تهدد تربية “المواشي”، والتي تعتبر إحدى المهن  الرئيسية للسكان في شمال غربي سوريا.

محمد الأحمد

الزواج خارج الحدود

فداء الصالح

الخيار المتاح للوصول هو عبر طرق التهريب، تقول الفتيات اللواتي تواصلنا معهن إن الأمر ليس بهذه السهولة حتى لو تمت الموافقة ولكنهن يصطدمن بمعارضة الأهل، فالرحلة الشاقة تتطلب وجودهن بمفردهن في رحلة عبر الحدود يتحملن بموجبها مشاق السفر وقطع الحدود والإمساك بهن من قبل الجندرما أو ربما قتلهن، كما حدث في حالات كثيرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذا إن استثنيا قضية ضياعهن خلال الرحلة أو تعرضهن للتحرش والإساءة.

يفرض الواقع الذي تعيشه الفتيات السوريات نفسه في أحلامهن ومخططاتهن المستقبلية، وينتج عدداً من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات غير موجودة، غالباً ما تتحمل فيه الفتاة الأعباء التي تنتجها الحلول غير المرضية، بينما يقع هم الكلفة المادية على الشبان المفلسين الباحثين عن فرصة عمل، أو الهاربين من الخدمة العسكرية والموت في صفوف قوات الأسد.

في تلك المناطق التي ينقص عدد شبانها بفعل الهجرة والموت، تتجاوز نسبة العنوسة ثلثي عدد الفتيات، وتبلغ نحو ٧٠٪ بحسب إحصائيات النظام، وتنقص عنها قليلاً في مناطق المعارضة للأسباب ذاتها، إذ تغيب فرص العمل ويفرض ارتفاع المهور والاحتياجات الأساسية واقعاً مريراً، خاصة مع وصول سعر “محبس الخطبة” وحده إلى أرقام فلكية بتخطي أخفضه وزناً حاجز ثلاثمائة ألف ليرة، وهي يومية عامل في إدلب لثلاثة أشهر متواصلة من العمل على الأقل، ناهيك عن النزوح وما خلفه من معضلات لا تبدأ عند تأمين خيمة ولا تنتهي بوجود الماء والكهرباء ولقمة العيش.

تقول علياء وهي فتاة مقيمة في مدينة دمشق إن الفتيات اللواتي تعرفهن يحلمن بالحصول على لجوء في واحدة من الدول الأوروبية، هناك بالإمكان أن يستطعن تأسيس عائلة، بينما يغيب هذا الخيار في الداخل السوري، تضحك وهي تخبرنا أن الرجال عازفون عن الزواج وحتى الحب، ليس هناك أسس لبناء شراكة زوجية حقيقية، والحديث عن الحصير والخبز الزيتون لم يعد محض مثل متداول، بات حقيقة لم نعد نستطيع تحقيقها، ناهيك عن باقي التكاليف التي سيقضي أي شاب معظم حياته لتحصيلها دون جدوى.

تخبرنا علياء أن الفتيات يرفضن الزواج من الشباب بأعمار تفرض عليهم السوق للخدمة الإلزامية، هن يعرفن أنهن سيقضين عمرهن في الانتظار، ويتحول هذا الزواج إلى رسائل واتس آب، كما يتخوفن من كونهن أرامل قبل أن يتزوجن.

الزواج خلف الحدود لا يخلو من صعوبات تجعله بحكم المستحيل، تقول أم أحمد والتي أمضت الأيام الماضية في البحث عن زوجة لابنها الذي يعيش في تركيا، تقول إنها عرضت “ملائح” ابنها وصوره على بيوتات كثيرة من أقاربها وجيرانها، وغالباً ما كان السبب الرئيسي للرفض في الطريقة التي ستصل بها الفتاة إلى عريسها.

الخيار المتاح للوصول هو عبر طرق التهريب، تقول الفتيات اللواتي تواصلنا معهن إن الأمر ليس بهذه السهولة حتى لو تمت الموافقة ولكنهن يصطدمن بمعارضة الأهل، فالرحلة الشاقة تتطلب وجودهن بمفردهن في رحلة عبر الحدود يتحملن بموجبها مشاق السفر وقطع الحدود والإمساك بهن من قبل الجندرما أو ربما قتلهن، كما حدث في حالات كثيرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذا إن استثنيا قضية ضياعهن خلال الرحلة أو تعرضهن للتحرش والإساءة.

يصف من تحدثنا معهم الرحلة بـ “المغامرة”، يقول أبو محمد إنه يرفض الدخول فيها، فهو لن يضحي بحياة ابنته أو سمعتها تحت أي ضغط، ورن كان سيحث فلا بد من دخوله برفقتها وهو ما يزيد من الكلفة على العريس، إذ تبلغ كلفة طرق التهريب التي توصف بالجيدة نحو (ألف دولار للشخص الواحد)، ناهيك عن التنقل والإقامة، ليس ذلك كل شيء يقول أبو محمد ففي حال تم الإمساك بهم من قبل الجندرما لا يعرف إن كان سيعيد هذه المحاولة أخرى، أغلب الظن أنه لن يفعل، يقول وهو يشير بيده لنا لتغيير الحديث.

في دمشق تنتظر “بيان” موعد المقابلة في السفارة الألمانية بلبنان لتتمكن من اللحاق بخطيبها منذ خمس سنوات، تقول “الموضوع مليء بالتعقيدات، تبدأ الإجراءات بتوكيل محام لتثبيت الزواج في دوائر النظام بتاريخ قديم يسبق تاريخ لجوء خطيبي إلى ألمانيا لضمان حصولي على لم الشمل وحق اللجوء كزوجة، وقد استغرق الأمر قرابة سنة، في حين توجد طريقة أخرى عبر معاملة خاطب ومخطوب وتحرم فيها الفتاة من مميزات اللجوء، ثم يتم تقديم الأوراق بعد ترجمتها في ألمانيا لأحد المكاتب المختصة في مساعدة اللاجئين لتأمين مقابلة في القنصلية الألمانية للحصول على الموافقة النهائية”.

تأخر معاملات لم الشمل، والقوانين التي تفرضها الدول المضيفة شجعت بعض الفتيات على ركب طريق التهريب براً أو بحراً عبر تركيا، الرحلة تمر بدول عديدة وغالباً ما يكتب لها الفشل أو الغرق، وفي أحسن الأحوال الوصول إلى “كامب” في اليونان والانتظار الذي لا يعرف آخره، تقول من التقيناهن من الفتيات إنهن قد يلجأن إلى هذا الخيار لحصر قرار لم الشمل بوقوع حادثة الزواج قبل لجوء العريس، وهو وإن تم التحايل عليه بتسجيل الزواج وفق تواريخ قديمة يستدعي التواصل مع “سفارة النظام” في البلدان المضيفة، يقلن “إن ذلك مستحيل، إذ لا يسمح للاجئين بدخول هذه السفارات بعد منحهم حق اللجوء”.

تخبرنا علياء إن أهلها رفضوا السماح لها بخوض هذه التجربة، وبحسب تعبيرهم تقول إنهم يرون في الزواج  بهذه الطريقة ” إلقاء ابنتهم إلى المصير المجهول”، تقول إنها لا تملك خياراً سوى الانتظار.
بعيداً عن رحلات التهريب العابر للحدود يعيش الشباب السوري اللاجئ ظروف غلاء المهور في حال طلب الزواج من فتيات لاجئات،
وبحسب موقع تركيا بالعربي فإن المهور في تركيا باتت معروفة ب ثلاث خمسات، أي خمسة آلاف ليرة تركية، نصفها مقدم ونصفها مؤخر، وخمسة آلاف أخرى “ملبوس بدن”، فيما تذهب الخمسة آلاف الأخيرة ثمناً للذهب حسب طلب الأهل، في حين تتراوح المهور في ألمانيا  ما بين 10 آلاف و 25 ألف يورو، وبلغت في مصر نحو ألفي دولار كمقدم ومثلها كمؤخر، وعدة شروط أخرى، وكل ذلك مع انعدام قدرة الشباب على تأمين تلك المبالغ.

“الفريكة” أولى من “الطحين”.. والعمال يشتكون

محمد جميل

حدث بعض من التقيناهم أن الأجور لا تتناسب أبدا مع الجهد المبذول وساعات العمل الطويلة، إذ يعمل عمال “الفريكة” على فترتين تبدأ الأولى من الرابعة صباحاً حتى التاسعة، والفترة الثانية من الساعة الواحدة ظهراً حتى الخامسة، مقابل أجر يتراوح ما بين 2500 ليرة إلى 4000 يحصلون عليها بشكل يومي، وهو ما يرونه “إجحافاً” مقارنة بالجهد المبذول وقيمة الليرة السورية.

 

يشهد موسم “الفريكة” في مناطق المعارضة شمال غرب سوريا ازدهاراً مقارنة بالأعوام السابقة رغم تقلص المساحات الزراعية،

وذلك بسبب توجه المزارعين لتحويل حقول القمح خاصتهم إلى فريكة خوفاً من تعرضها للاحتراق، كما حدث في العام السابق، أو استهدافها من قبل قوات الأسد وحرقها، كذلك امتناع أصحاب الحصادات من دخول تلك المناطق الخطرة،  وبالتالي سيجبر الفلاح على حصادها يدوياً، ما سيكبده أجوراً إضافية.
يبحث أصحاب الحقول القريبة من مناطق النظام عن “ضمّان” ليقوم بجني المحصول وتقسيمه مناصفة مع الفلاح، في حين تتجاوز أجور ضمان الهكتار الواحد من القمح في المناطق الآمنة والبعيدة عن مناطق النظام، مليون ونصف المليون ليرة سورية، مرتفعة بنسبة 100% مقارنة بالعام الماضي بحسب تقرير أعده موقع فوكس حلب في العام الماضي. الأمر الذي يدفع بعض “الضمّانة” للبحث عن حقول قريبة من الجبهات العسكرية للعمل عليها بنظام الحصة ما يوفر عليه دفع مبلغ الضمان الأولي.

حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب
حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب

خوف “الضمّان” من العمل لساعات طويلة في الحقول القريبة من قوات الأسد يدفعه لقطاف سنابل القمح ونقلها بالسيارات إلى أماكن أكثر أمنا، ثم يقوم بتجفيفها وحرقها ودرسها وتحويلها لمراكز البيع والاستهلاك، وتعتبر هذا الطريقة أكثر كلفة من العمل في الحقل لكنها تخفف من المخاطر التي قد يتعرض لها العمال عند إشعال النيران. بينما يعمد آخرون للبحث عن عمال من المخيمات القريبة للعمل في تلك الحقول، الأمر الذي وصفه البعض بالمخاطرة خوفاً من تعرضهم للقصف.
متاعب العاملين بالفريكة

يعمل “أبو خالد “مهجر من ريف حلب الغربي” مع عائلته ضمن تلك الورشات، وتحدث لنا عن تعرضهم للخداع من قبل “الضمان” الذي عملوا معه إذ أكد لهم أن الحقل الذي سيعملون به آمن وبعيد عن قوات الأسد، لكن تلك الوعود تلاشت بعد سقوط أول قذيفة بالقرب منهم.

حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب
حرق القمح وتحويله إلى فريكة في ريف إدلب

يقول أبو خالد إن الخداع يطال أحياناً أجور العمال فبعد أن تم الاتفاق مع أحد “الضمّانة” على أجرة ستة آلاف ليرة سورية لليوم الواحد وأنهينا العمل، تهرب صاحب العمل من دفع المبلغ المتفق عليه ودفع أربعة آلاف بحجة أن الغلة لم تكن وفيرة كما توقع ما عرضه للخسارة، الأمر الذي دفعنا لترك العمل معه والبحث عن غيره.
وذكر أبو خالد أن جهل بعض النازحين العاملين في المهنة بمناطق الحقول عرضهم في أحد المرات للخداع من “الضمان” الذي أخبرهم أن العمل سيكون في حقول “معرة النعسان” شمال شرق إدلب والتي تعتبر بعيدة نسبياً عن أماكن تواجد قوات النظام السوري، لكنه أخذهم إلى حقل لا يبعد عن السواتر الترابية التي رفعها الجيش بمحيط الفوج 46 بريف حلب الغربي مسافة 100 متر، وطالبهم بالاستمرار بالعمل وإشعال النيران لحرق الفريكة حتى الحادية عشر ليلاً، وعند رفضهم تعرضوا للإهانة والشتائم، ما اضطرهم للعودة إلى أقرب قرية مشياً على الأقدام ومن ثم استئجار سيارة للعودة إلى مخيمهم بمحيط بلدة “زردنا” بعد امتناع صاحب العمل عن إيصالهم.
في الوقت نفسه تحدث بعض من التقيناهم أن الأجور لا تتناسب أبدا مع الجهد المبذول وساعات العمل الطويلة، إذ يعمل عمال “الفريكة” على فترتين تبدأ الأولى من الرابعة صباحاً حتى التاسعة، والفترة الثانية من الساعة الواحدة ظهراً حتى الخامسة، مقابل أجر يتراوح ما بين 2500 ليرة إلى 4000 يحصلون عليها بشكل يومي، وهو ما يرونه مجحفاً مقارنة بالجهد المبذول وقيمة الليرة السورية.
تحضير “الفريكة” للمؤونة
يعتمد عبد الحكيم التوفيق”من أهالي بلدة زردنا” على الأسلوب القديم في حرق الفريكة، إذ يقوم بحرق السنابل عن طريق استخدام القش خلافاً للطريقة الرائجة حالياً بحرقها عبر النيران الصادرة عن خراطيم توصل بأسطوانات الغاز، وتعرف بـ “الشلمون” لا يسعى التوفيق لإنتاج كميات كبيرة للتجارة، بل يرغب بتأمين مؤونة بيته ويهتم بأن تكون أكثر لذة.
يقول “التوفيق” إن هذه الطريقة كانت الأكثر رواجاً في السابق ولم يكن موضوع الاتجار بالفريكة منتشراً كما اليوم، إذ اعتاد أصحاب الحقول على تحديد مساحة من الأرض للجيران والأصحاب لحرقها وتحويلها إلى فريكة.

أكوام الفريكة بعد حصادها وحرقها تمهيداً لتحضير الفريكة
أكوام الفريكة بعد حصادها وحرقها تمهيداً لتحضير الفريكة

يعتمد التوفيق على القمح القاسي في إنتاج الفريكة، يقول إنه أجود وله نكهة مميزة بالفريكة، بينما يختار التجار الأنواع الطرية من القمح لأنها تعرف بإنتاجها الأكبر مقارنة بالنوع القاسي، ويعمد التجار إلى طريقة بدائية بتقدير إنتاجية القمح عبر اختيار عدة سنابل وحرقها وعد حباتها للمقارنة مع الحقول الأخرى ومعرفة الحقل الأفضل إنتاجاً بحسب أبو توفيق.

يتراوح إنتاج هكتار القمح من مادة الفريكة بين (٢-٣ طن) ويبلغ سعر الكيلوغرام من الفريكة الخضراء نحو 600 ليرة سورية، في حين تجاوز سعرها يابسة في العام الماضي 1300 ليرة سورية، مع توقعات بزيادة سعرها في العام الحالي نتيجة انخفاض قيمة الليرة السورية ما يجعل الحصول عليها، رغم كثرة انتاجها، حلماً لدى الكثير من العائلات السورية.