فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“جيل الثورة”.. آباء صغار يجرفهم تيار الحرب

أما لعبة “ملك –مفتش –جلاد -حرامي” والتي تضم أربعة أطفال، يُعاقب فيها الحرامي عند إمساكه، فقد أصبحت تُلعب على طاولة ويمثل أحد الأطفال القاضي مع مساعدين له، ويتولى طفل دور الجلاد وآخر دور المتهم، الذي يقف أمام القاضي فيوجه له تهمة التشبيح والتعامل مع النظام، ويأمر الجلاد بضربه أو شنقه، فيقوم الأخير بتنفيذ الحكم مباشرةً في مشهدٍ تمثيلي يبدو العنف سمةً بارزةً فيه.

ألعاب الأطفال في الأعياد ظلت حاضرةً، لكن الملفت في بعضها أنها مصنوعة من مخلَّفات الحرب، بعد أن قام بعض الحدادين بإعادة تدوير بقايا القنابل والصواريخ وتحويلها إلى ألعاب، وطلائها بألوان زاهية تعطي البهجة للأطفال، حيث تركّب عدة صواريخ أعيد تدويرها على قاعدة، ويصعد بها الأطفال، ويقوم شخص بدفعها ليجعلها تدور.

72 ساعة أخيرة من حياة زكية المعتقلة في سجون الأسد

تخلت زكية عن عملها بـ “السخرة” داخل المهجع قبل يومين، والذي كانت تتقاضى عليه مبلغاً لا يزيد عن ألف وخمسمائة ليرة، فهي من “المحرومات من الزيارة” لوجود اسمها ضمن لوائح المحاكمة الميدانية العسكرية.

باتت كثيرة الكلام والضحك، قلما أفرجت زكية سابقاً عن ابتسامة، رأيناها تدندن ببعض الأغنيات وتتمايل معها بما يشبه الرقص. في الصباح سرّحت شعرها، ارتدت ثوباً أنيقاً على غير عادتها، خاصة وأن عملها السابق في السخرة كان يزيد من عزلتها ولا مبالاتها.

جميع نزيلات المهجع، وأنا أولهن، شعرنا بالدهشة لما يحدث، لم يكن الأمر مفهوماً. هناك تغير طرأ على حياتها في الأيام الثلاثة الأخيرة لوجودها بيننا، كثيراً ما كانت المعتقلات يتبدلن بحسب الظروف والحنين والذاكرة والألم، إلّا أن زكية وطيلة فترة اعتقالنا كانت تتمتع برتابة لا تحيد عنها، كلمات ضنينة تتبادلها مع الجميع، هدوء (كنا نظن أنها تبالغ في افتعاله)، عمل دؤوب تؤديه دون امتعاض، رغبة بالعزلة لم تفلح جميع محاولاتنا بكسرها، والأهم من ذلك ارتباط بأطفالها الذين كانوا محور يومها وجملها القليلة.

ثلاث روايات للموت

في واحدة من رحلات عودتها وجدت هدى (رشا وعقبة وإبراهيم وحسن)، أطفال من قريتها تجمعوا في غرفة صغيرة، ظنوا أن صغر حجمها يحميهم من الموت القادم من سماء الصواريخ، عيونهم الصغيرة كانت تلمع في عتم تلك الليلة، خلف الجدار كانت أناملهم ترتعش، وتصطك أسنانهم، حاول عقبة (أكبرهم سناً) أن يجمع فكيه بيديه الصغيرتين، علّها تتوقف عن الرجفان والطقطقة والخوف في آن معاً، أثقل المشهد قلب هدى، “من يهتم!” سألت نفسها وهي تحاول تخفيف هول ما يحدث في قلوب الصغار البريئة، في الصباح سلكت بأطفالها طريق النزوح من جديد.

أنا “العانس”

راودتها فكرة الخروج للمشي في الحارة، إلّا أن وجه جارتها أم عماد والذي بات يشكل كابوساً لها كلما مرّت به أثناء ذهابها إلى المدرسة، منعها من إكمال ما خططت له، أكيد أنها ستجدها مفترشة دكة الباب أما منزلها، وبعد إلقاء التحية ستكرر السؤال القاتل “إيمت بدنا نفرح فيكي”، هذه المرأة لا تكلّ ولا تملّ!
في كل مرة كانت تحاول جمانة تجنب السؤال والمرور سريعاً، كانت تعاجلها بالسؤال ذاته، فيتكسر قلبها كقطع الزجاج، وتلكم دموعها كي لا تظهر ضعفها، لتعيد رسم ابتسامة جافة مكتفية بالحوقلة والنصيب. كثيراً ما رغبت بالإجابة أو حتى بصفع أم عماد إلّا أنها كانت تتراجع عن ذلك مكتفية بالعجز، ولطم نفسها في غرفتها وحيدة، هي التي أمضت ست عشرة سنة، إضافة لسنة دبلوم تجيب عن كافة الأسئلة بإسهاب، تقف عاجزة عن ردّ حشرية نساء الحارة وعرّابتهم أم عماد.

“ألعاب الموبايل” إدمان خَطِر ومصدر دخل

يقول الباحث الاجتماعي الدكتور محمود الحسن إن “أي سلوك تتوفر فيه ثلاث نقاط يتحول إلى عادة، ومع تكرار هذه العادة تتحول الى إدمان، وهذه النقاط هي المعرفة والمهارة والرغبة، ففي البداية يبدأ الشخص بمعرفة كيفية ممارسة اللعبة عبر الجلوس مع الأصدقاء الذين يعلّمونه طريقة اللعب، ومن ثم يمارسها عدة مرات عندها يصبح ماهراً بها، وبالتالي تتشكل لديه رغبة كبيرة في ممارستها دوماً”.

وأضاف الحسن أن “تكرار ممارسة أي لعبة لمرات عديدة، تحفز الدماغ على إفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن السعادة، وبالتالي تتحول تلك العادة إلى ما يُعرف بالإدمان السلوكي، وهو لا يقل خطورةً عن إدمان التدخين والمخدرات”.

الناجيات من الاعتقال أسيرات من جديد

أبو محمد وجدَ حلّاً مغايراً، فالمعتقلة هذه المرة ابنته وليست زوجته، والعصمة لا تعطيه الحق بطلاقها، اخترع لنفسه قصة وصدقّها، قال إن ابنته خرجت وزوجها لشخص غريب من منطقة بعيدة، بعد أن غاب هو فترة عن القرية لحَبكِ أكذوبته، في الوقت الذي طُردت فيه “مريم” لحظة دخولها على والدتها ناجية من الاعتقال، قالت لها “مريم ماتت.. ما عندي بنت اسمها مريم”، أما هدى فباتت تتجنب المشي في شوارع قريتها، البعيدات منها ينظرن لها نظرة اشمئزاز، أما القريبات فكان سؤالهم الذي لا يفارق لسانهن “اغتصبوكي”.

“خبز التنور” تراث حيّ وسبيل للعيش

تلوّح أم علي برغيف العجين بين يديها ليتسع حجمه، تدهن بعض الأرغفة بمنقوع الفليفلة الحمراء المطحونة مع الزيت والسمسم وبعض أوراق النعناع والبصل المفروم وبعض حبات العطون، وتترك بعضها لتبيعه كخبز عادي، ثم تلصقه بجدران التنور الفخاري بواسطة ما يدعى بـ “الطارة” وهي عبارة عن قطعة قماش مدورة دائرية الشكل محشوة بالإسفنج أو ببعض الأقمشة تستخدمها النساء لتضع الرغيف داخل فوهة التنور تجنباً للاحتراق، نصف دقيقة يحتاج الرغيف للنضج، تستخرجه أم علي لتبريده ثم وضعه في أكياس يتسع كل منها لعشرة أرغفة. تقول أم علي إنها تخبز ما يزيد عن 200 رغيف يومياً وإنها تحصل على ربح يومي يقارب 2000 ليرة.

الصحفي الإنسان حين لا يجيد أعمال “البستنة”

في الفيلم الذي انتشر مؤخراً عن حياة ماري كالفن الصحفية الإنسانة التي قتلت في حي بابا عمرو بسوريا، والتي وثقت جزء من معاناة السوريين وحياتهم، ونقلتها إلى العالم قبل أن تموت، رافق مصطلح “البستنة” البطلة بعد كل مرة كانت تعود فيها من عملها في واحدة من البيئات الخطرة التي غطت أحداثها، من إفريقيا إلى العراق وباكستان وليبيا، الكوابيس التي رافقتها خلال الفيلم، وصور القتلى والجثث والجوع والمعاناة، التأثر الذي ظهر جليّاً في وجهها وبكائها المستمر، والإدمان الذي كان يقودها في كل مرة للعودة إلى هناك، حيث وجدت انسانيتها، حتى بعد فقدانها لعينها، وارتدائها لقطعة قماش أظهرتها بصورة القرصان، والتي زادت من تعلقنا كمشاهدين بصورتها، التي أضاف لها مظهر القرصان هالة من الجمال والكاريزما.