فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الطرفة والانتقاد الساخر.. زادُ سكان كفرنبل في مواجهة كل شيء

حسن كنهر الحسين

رافقت الروح المرحة سكان كفرنبل دائماً، من خلال اجتماعاتهم وزياراتهم، وحتى في البرامج الساخرة التي قدموها عبر الراديو التي أنشؤوها في المدينة (فريش)، ومع نزوح السكان نتيجة سيطرة قوات الأسد منذ أشهر، وتفرقهم في مختلف المناطق، وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي متنفساً لتفريغ ما يعتمل في صدورهم من قهر وانتقاد عبر “منشورات على الفيس بوك”، تمزج بين المتعة والسخرية والإسقاط على الواقع، لتشكل معاً لوحة متناغمة.

سرعة البديهة وخفة الدم أسرع الطرق للوصول إلى قلوب الناس، ولا يمكن أن يتعلمها الإنسان بالممارسة، هي حالة فطرية مكتسبة يتمايز بها أشخاص محددون، وفي بعض الأحيان بلدات أو مدن معينة، في سوريا تعد كفرنبل بريف إدلب أكثر المدن الذي يشتهر سكانها بالطرافة، وهو ما دفع السكان لتسميتها بـ “حمص الصغرى”، في إشارة للمحافظة التي يتربع سكانها على عرش “النكتة” والابتسامة.

التزم كثير من سكان كفرنبل بخلق الابتسامة في الظروف كافة، الحزن والفرح، الانتصار والهزيمة، النزوح والألم، ومع انطلاقة الثورة السورية رسموا لأنفسهم خطاً واضحاً يعرفه معظم جمهور الثورة، ويتناقلونه بينهم، بل وينتظرونه في كل مظاهرة، من خلال اللافتات واللوحات الكاريكاتورية والعبارات التي مزجت بين السخرية والواقع في التعبير عن المطالب والاحتجاج، وكذلك المواقف من قضية أو حادثة. يقول أحمد جلل أحد خطاطي تلك اللوحات وصاحب الرسوم الكاريكاتيرية إن طابع الفكاهة الذي وسم رسومه الكاريكاتورية كان أفضل وسيلة لطرح الأفكار والتعليق على الأحداث التي اتخذت طابعاً مأساوياً في غالب الأحيان، فالأسلوب الساخر، على حد قوله، يفسح المجال بشكل أوسع وبحرية أكبر للتعبير عن ما تريد قوله، إضافة لانتشاره الأسرع بين السكان وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وهو ما تراه الدكتورة شيماء الهواري، والتي تقول إن السخرية تقف على رأس الأساليب الفنية الصعبة، إذ تتطلب التلاعب بمقاييس الأشياء تضخيماً أو تصغيراً، ويتم هذا التلاعب ضمن معايير فنية، وهي تقديم النقد اللاذع في جو من الفكاهة والإمتاع. الأمر الذي لم يعجب النظام وبعض الفصائل، بحسب الجلل الذي قال إن هذا الأسلوب جزء أصيل في طبيعة سكان مدينته الذين يتمتعون بالبساطة والمباشرة، وهو ما جعل أصحاب هذه الأسلوب عرضة للاعتقال أو التهديد والملاحقة.

رافقت الروح المرحة سكان كفرنبل دائماً، من خلال اجتماعاتهم وزياراتهم، وحتى في البرامج الساخرة التي قدموها عبر الراديو التي أنشؤوها في المدينة (فريش)، ومع نزوح السكان نتيجة سيطرة قوات الأسد منذ أشهر، وتفرقهم في مختلف المناطق، وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي متنفساً لتفريغ ما يعتمل في صدورهم من قهر وانتقاد عبر “منشورات على الفيس بوك”، تمزج بين المتعة والسخرية والإسقاط على الواقع، لتشكل معاً لوحة متناغمة.

تتنوع الموضوعات في هذه المنشورات، وجميعها على اختلاف مواضيعها لا تخلو من فكاهة ترسم البسمة على ثغور المتابعين. ويعتمد كتابها على ذكر قصة أو موقف سابق من الحياة، يختلط بالطرافة ويحمل ضمن طياته السخرية على واقع أو قرار حديث، حيث يقوم الكاتب بإسقاط تلك القصة على كيان أو فصيل أو جهة مسؤولة أو تصرف خاطئ بحسب رؤيته، دون التجريح، وبهدف التنصل من ذلك الانتقاد، حيث تتنوع تلك القصص فبعضها من الحقيقة وبعضها يتم نسجه من الخيال لمواكبة الحدث.

“عهد الحنتش” أحد كتاب الكوميديا الساخرة في كفرنبل، يقول إنه يميل لذلك النوع من المنشورات، لأنها تحمل روح مدينته، إذ تعتبر الطرفة “طبعاً متوارثاً” فيها، وخاصة في عائلته “حنتش” المعروف عنهم سرعة البديهة والقدرة على خلق الابتسامة، وهو ما ورثه شخصياً عن والده، على حد قوله.

ويتم إيراد القصص أو التعليقات بما يتناسب مع الحدث أو المنشور، تغلف بطرفة عن شخص معين يعرفه أهالي المدينة وتُحمّل في داخلها الرسالة المراد إيصالها، بحسب الحنتش الذي يقول إنه يتلقى “المعاتبات” من أصحاب بعض القصص التي تسبب بعض الإحراج لهم، مؤكداً أن أغلب قصصه تعود للأهل والأقارب، أو لمواقف مرت معه شخصياً.

تلك المنشورات جعلت من أصحابها محط إعجاب المتابعين، إذ يتم استدعاؤهم للتعليق من قبل أصدقائهم، يقول عهد إن ذلك يسبب له نوعاً من الإحراج في بعض الأحيان، لعدم توفر التعليق المناسب، أو لفارق في السن بينه وبين المتابعين الذين يطلبون منه التعليق، إلا أن ذلك لا يلغي، بحسب من تحثنا معهم، انتظارهم له دائماً ليدلي بدلوه في كل قصة وبفارغ الصبر، خاصة أن هذه التعليقات تجمع بين الحكمة والابتسامة.

“مصطفى القدح” كاتب آخر تنتظر منشوراته من قبل كثير من متابعيه، يقول إن ما يكتبه قصص من نسج الخيال أو استحضار لقصص تاريخية والتغيير في وقائعها لتصبح ذات طابع فكاهي، وينتقل بها من الخيال ليسقطها على حدث أو قصة في الزمن الحالي لتبسيط وصولها الى ذهن القارئ، ويخبرنا أن معظم القراء اليوم يميلون إلى هذا النوع من الكتابة للهروب من واقعهم الذي وصفه بـ “المرير”، لما يعيشونه من نزوح وقهر وألم.

تلك المناشير بقصصها الطريفة وإسقاطاتها التي تحمل بين طياتها النقد الساخر والتسخيف والاستهجان من بعض القرارات أو أحد الأطراف، أصبحت مقصداً للقراء ومصدر إعجابهم، إلا أنها لم تنل إعجاب بعض الأطراف التي يستهدفها المنشور، ما اضطر القدح لحذف مناشيره أكثر من مرة وإغلاق حسابه في بعض الأحيان، يقول مصطفى “كل ما كان المنشور يستهدف قراراً خاطئاً أو تصرفاً سلبياً، يأخذ تفاعلاً من شريحة كبيرة من المواطنين، إلا أن صاحبه يتعرض للتهديد بطريقة غير مباشرة من الجهة التي ينتقدها المنشور، إما من خلال التعليقات أو من خلال المراسلة على الخاص، ما يضطر الكاتب لحذف المنشور خوفاً من الضغوطات والرقابة الأمنية وهذا ما أكده الحنتش إذ طالما تعرض لمواقف مشابهة.

إيصال الفكرة وتوجيه النقد الساخر مصبوغاً بالفكاهة، طريقة اعتمدها كثير من أهالي كفرنبل، إلا أنهم يرون أن متبع هذا الأسلوب يجب أن يتمتع بحس فكاهي وسرعة في البديهة والحذر الشديد أثناء كتابة المنشور لتفادي الوقوع في أخطاء قد تقتل روح المنشور وتفقده قيمته، أو تعرض كاتبه للخطر.

 

دور الأيتام في إدلب.. نقص في الدعم وزيادة في الأعداد

نور المحمد

يقول محمد عمر مدير المعهد إنه وبعد جهود حثيثة من المتطوعين قمنا بتأمين خيمتين من فريق الاستجابة الطارئة وتم بناء الخيام على أرض زراعية تم دفع ثمن استئجارها من تبرعات شخصية من القائمين على المعهد ليتلقى التعليم داخل المعهد مئة وستين طفلاً من عمر سنتين وحتى خمسة عشر عاماً.

وثق فريق منسقو استجابة سوريا وجود نحو مئة وسبعة وتسعين ألف يتيم، من أصل مليون وثلاثمئة وواحد وثمانين ألف طفل يعيشون في إدلب، بحسب إحصائية صدرت في أواخر شهر نيسان الماضي، ما يعني أن 14% من أطفال إدلب أصبحوا أيتاماً نتيجة سنوات الحرب الطويلة التي عاشتها البلاد.
يعيش كثير من هؤلاء الأطفال دون أدنى رعاية، وانتقل بعضهم للعيش في دور للأيتام، بسبب زواج أحد الأبويين أو عجزهم عن تأمين متطلباته اليومية، إذ تعتبر دور الأيتام نموذجاً عن المشاريع الضرورية في مناطق المعارضة، حيث يعمل القائمون على تلك المشاريع على تطوير خدماتها لتستوعب أعداداً أكبر وتمنحهم رعاية أفضل.

في ميتم “بيت العيلة” بمدينة إدلب يعيش ستة عشر طفلاً مع أمهاتهم، حيث تم إنشاء هذا المكان وتأهيله بما يتناسب مع الأطفال من قبل فريق المجد للأعمال الإنسانية بهدف تأمين الرعاية والتعليم ومستلزمات الحياة لهؤلاء الأطفال.
تعيش رنا الحلبي مع أطفالها الثلاثة في هذا الميتم منذ أشهر، وتتحدث عن تجربتها فتقول “استشهد زوجي بقصف استهدف منزلنا في ريف إدلب الجنوبي، فنزحت مع أطفالي باتجاه إدلب المدينة، لكن غلاء إيجار المنازل والمسؤولية التي وقعت على كاهلي دفعتني للإقامة في هذه الدار التي أمنت لي سكناً جيداً وساعدتني بالبقاء قرب أطفالي”.

تعمل فاطمة الحمود كمشرفة في دار “فاقدي الأبوين” في إدلب والتي تأسست في آب 2015 وتقسم إلى قسمين دار الأميرات للفتيات ودار السفراء للذكور، وتضم اثنين وأربعين طفلاً بينهم ثلاثة عشر طفلاً مقيمين ضمن الدار وتسعة وعشرين طفلاً خارجها تتم كفالتهم بدعم من جمعية شام لرعاية وكفالة الأيتام، وتقول “الحمود” إن أكثر ما يحتاجه الطفل اليتيم هو الاحتواء النفسي والاجتماعي نتيجة للاضطرابات المعنوية التي كابدها بعد خسارته لأحد الوالدين أو كليهما، إضافة لتوفير التعليم والتدريب الذي يتناسب مع عمره ليستطيع الاعتماد على نفسه.

يحتاج الانضمام لدور الأيتام لشروط يتم الاتفاق عليها مع إدارة الدار كفقدان الأب بصرف النظر عن طبيعة الوفاة، وألا يكون لدى الطفل إعاقة جسدية أو عقلية، وغياب أي معيل للأم، وأن يكون بلا مأوى، وألا يتجاوز عمر الذكر عشر سنوات والأنثى خمسة عشر سنة عند دخولهم للدار.

تنوعت الدور السكنية لرعاية الأيتام في مدينة إدلب والتي خصص بعضها لفاقدي أحد الأبوين أو كليهما، في حين كانت الأخرى على شكل مدارس خاصة للأيتام يتلقوا بها التعليمات والإرشادات والعناية الصحية فقط لتخفيف العبء عن الأم ومشاركتها مسؤولية تربية الأطفال، حيث أنشأت في مدينة سرمدا دار Child Houses الخاصة بفاقدي الأبوين في الأول من نيسان الماضي، ويقول يامن أبو الوليد المدير الإداري في الدار إن عدد الكوادر التطوعية المشرفة على العملية التعليمية بلغ ثلاثة عشر شخصاً متطوعاً، ويتم الاعتماد بشكل عام على دعم من مغتربين سوريين  ودعم جزئي من شركة وايت روم والتي تكفلت برعاية اثني عشر طفلاً يتيماً .

وأضاف أبو الوليد: “اقتصر دعم بعض المنظمات الإنسانية والجهات الداعمة على أنشطة الدعم النفسي وبعض المساعدات الغذائية العادية إلا أن الأطفال بحاجة شديدة لمواد غذائية صحية وفاكهة بالإضافة للفيتامينات.
وتخوف من المخاطر المحتملة والتي قد تهدد الأيتام المتواجدين في مناطق المعارضة مثل ترك الدراسة والتوجه إلى سوق العمل في سن مبكرة، واستغلالهم من قبل ضعاف النفوس مقابل إعطائهم لقمة عيش، موضحاً أن فقدان الأبوين في عمر صغير يجعل الأطفال عرضة للخطر والضياع.

خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت
خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت

في كفريحمول وتحت شعار for an orphan ” لأجل اليتيم” تم تأسس معهد الرعاية التعليمية للأيتام في آذار الماضي بمساعدة كادر من المعلمين والمعلمات من ذوي الاختصاص، بهدف رفع مستوى الأطفال علمياً، وبناء كوادر وقيادات وأشخاص مسؤولين لتطوير المجتمع.

يقول محمد عمر مدير المعهد إنه وبعد جهود حثيثة من المتطوعين قمنا بتأمين خيمتين من فريق الاستجابة الطارئة وتم بناء الخيام على أرض زراعية تم دفع ثمن استئجارها من تبرعات شخصية من القائمين على المعهد ليتلقى التعليم داخل المعهد مئة وستين طفلاً من عمر سنتين وحتى خمسة عشر عاماً.

وللحفاظ على سلامة الأطفال ضمن الخيام “قمنا بتأمين حقيبة طبية تحوي مستلزمات طبية كاملة يشرف عليها ممرضون متطوعون في حال تعرض أحد الاطفال لخدوش أو جروح أثناء فقرة أو نشاط ترفيهي، كما يتم الكشف الطبي الدوري للأطفال في حال حدوث عوارض مرضية”.
الأم عاجزة عن تحمل نفقات الأطفال ورعايتهم

الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها الناس في إدلب، صعّبت مهمة تربية الأولاد وألقت مسؤولية كبرى على كاهل الأم التي تبحث عن أي عمل لتعيل به أطفالها، ما أدى لانشغالها التام عن الرعاية والتعليم وتربية الأطفال.
تقول أم سعيد وهي أم لخمسة أيتام من ريف حلب إنه يتوجب على مؤسسات المجتمع المدني والعاملين فيها تقديم المساعدة الإنسانية للأرامل والأيتام عبر إجراء دراسة ميدانية للحاجات وترتيب أولوياتها، الأمر الذي يخفف معاناة تلك الفئة ويتيح لها الوقت اللازم للاهتمام بأطفالها، إضافة لتوعية السيدات حول الأزمات النفسية التي يمر بها الأطفال في هذه المرحلة لتعرف كيفية التعامل مع أطفالها.

خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت
خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت

عملت بعض الجمعيات الخيرية على تأسيس دور لرعاية الأيتام المتواجدين في تركيا مثل جمعية شام لرعاية الأيتام والتي تأسست عام 2012 في مدينة غازي عينتاب التركية، وتقدم خدماتها لمجموعة من الأيتام المتواجدين هناك، كما أنشأت الجمعية نفسها ستة عشر قرية ودار للأيتام في مناطق المعارضة مثل قرية شام ودار الأميرات وتقدم الجمعية الرعاية الصحية لنحو ألف وسبعمئة طفل، والرعاية النفسية لنحو ألف ومئتي طفل، إضافة لتوفير فرص التعليم للأيتام من الروضة وحتى الجامعة وإقامة المشاريع تنموية إنتاجية لعوائل الأيتام لتحويلهم من مستهلكين إلى منتجين بحسب ما أوردت الجمعية على موقعها.
يرى من التقيناهم من الناشطين المشرفين على عمل دور الأيتام، أن الدعم الحالي المقدم من قبل المنظمات، لا يكفي لسد احتياجات أعداد قليلة من الأطفال المتواجدين في إدلب، والوضع اليوم بحاجة لتحرك أكبر لاحتواء تلك الفئة من الأطفال في مراكز إقامة جيدة وتقديم الخدمات الطبية والتعليمية اللازمة لها.

 

 

“ماء الحصرم وملح الليمون” بديلاً عن الحمضيات.. وتجار النظام يتحكمون بالسوق

هاني العبدالله

بدوره أفاد مزارع من بانياس بريف طرطوس فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: “أصبحت زراعة الحمضيات لا تؤمن مصدر دخل لأصحابها، ولاسيما في ظل ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات التي تباع وفق سعر صرف الدولار، إضافةً إلى الإتاوات التي تتقاضاها الحواجز خلال الذهاب إلى سوق الهال لبيع الإنتاج”.
وأضاف أن “تجار الحمضيات مرتبطون بمخابرات النظام وهم من يتحكم بسوق الهال، حيث يشترون من الفلاح الحمضيات بنحو 20% من سعرها المطروح حالياً، ومن ثم يقومون باحتكارها وبيعها في الأسواق على دفعات، إضافةً إلى قيام بعض التجار بتهريب كميات كبيرة من الليمون إلى لبنان”.

 

“السكافي حافي والخياط عريان”، هي مقولةٌ شعبية لا يمكن أن نغفلها حين نتحدث عن الحال الذي وصلت اليه سوريا، لدرجة أن البلد الذي لطالما اشتُهر بغناه بالحمضيات بكافة أنواعها، بات أهله اليوم محرمون من خيراتهم، وأصبحت من الرفاهيات بعد أن كانت أساسيةً على الموائد السورية.

ولطالما كانت أسعار الحمضيات في سوريا رخيصة الثمن، نتيجة الانتاج الوفير في الساحل السوري، حيث أن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، منحت سوريا عام 2017 المرتبة الأولى في إنتاج الليمون الحامض على مستوى دول حوض المتوسط، رغم أن تلك الدول تعد من أهم مصدري الحمضيات للعالم، وعلى رأسها تركيا إلى جانب (الأردن-مصر-تونس الجزائر-اليونان-إيطاليا).

أنتجت سوريا من الحمضيات هذا العام نحو مليون طن، إذ بلغ انتاج الليمون الحامض ١٤١ ألف طن، البرتقال ٦٥٠ ألف طن، اليوسفي ١٨٠ ألف طن، والكريفون والبوملي ١١٠ ألف طن، وفق احصائيات مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة بحكومة النظام.

لماذا وصل كيلو الليمون لـ 5 آلاف؟!

ورغم الفائض الكبير في الإنتاج، نتيجة تراجع حجم التصدير إلى الخارج، إلا أن أسعار الحمضيات شهدت ارتفاعاً غير مسبوق، ما دفع السكان للعزوف عن شراء بعض الأنواع وعلى رأسها الليمون.

وكان سعر كيلو البرتقال بـ 200 ليرة، والليمون بـ 325 ليرة فقط منتصف كانون الثاني الماضي، ومع تفشي فيروس كورونا في سوريا، زاد إقبال السوريين على الحمضيات لغناها بفيتامين (سي)، ليصل سعر كيلو البرتقال إلى 500 ليرة، والليمون إلى 1000 ليرة، واستمرت “بورصة” الليمون بالارتفاع الى أن وصل سعره في الأيام الماضية ما بين 5-6 آلاف ليرة حسب نوعيته ضمن مناطق النظام.

وبرر مدير مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة بحكومة النظام سهيل حمدان لصحيفة “الوطن” الموالية، عدم توفّر الليمون وغلاء سعره، بأن الموسم الحالي انتهى ولا يوجد إنتاج محلي، وسيبدأ الموسم القادم بالنضج في أوائل أيلول ويستمر حتى شهر أيار القادم.

ارتفاع أسعار الحمضيات وعلى رأسها الليمون، خلق حالة من الاستياء الكبير لدى السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، والذين تساءلوا لماذا كل هذا الارتفاع في الأسعار ونحن بلد الحمضيات ونصدر لدول العالم؟!، ساخرين من تصريحات مسؤولي النظام حول عدم وجود إنتاج حالياً، وقال أحدهم: “من يوم يومنا نشتري ليمون بالصيف وبسعر رخيص، ليش هالسنة بالذات صار الليمون بالنار؟!”

وفي هذا الإطار قال الباحث الاقتصادي يونس الكريم: “هناك تفاوت كبير في أسعار الحمضيات بين مناطق الإنتاج في الساحل وسوق الاستهلاك في باقي المحافظات، ويعود ذلك لعدة أسباب منها الأتاوات المفروضة من الحواجز على سيارات الحمضيات، وارتفاع تكاليف التوضيب والشحن، كما أن هناك تجار مرتبطين بالنظام يقومون باحتكار الحمضيات بغية تهريبها الى الدول المجاورة أو تصديرها بغية الحصول على الدولار “.

وأضاف الكريم لفوكس حلب “باتت الحمضيات وسيلة ليحصل الأسد على القطع الأجنبي، حيث كان يصدرها إلى الإمارات وروسيا وإيران ودول أخرى، لدرجة أن النظام بات يبيع الحمضيات في الخارج بأسعارٍ أرخص من السوق المحلية كي يحصل على القطع الأجنبي، ثم يقوم بتعويض خسائر التصدير، من خلال بيع الدولار في السوق السوداء ورفع أسعار الحمضيات في الأسواق، ليكون المواطن هو الخاسر الأكبر”.

وتعرضت مزارع الساحل السوري مطلع العام الحالي إلى عواصف قوية، أدت إلى تساقط آلاف الأطنان من ثمار البرتقال على الأرض وفقدانها لقيمتها النقدية، كما فاضت الأراضي الزراعية بمياه السيول والأمطار نتيجة سوء البنية التحتية، ما أثر بشكلٍ كبير على الإنتاج.

النظام يحارب مزارعي الحمضيات

بدوره قال الناشط الإعلامي فهد الشمالي إن “النظام تعمد خلال السنوات الماضية محاربة مزارعي الحمضيات لدفعهم لترك عملهم والالتحاق بصفوف ميليشياته، فقام باهمال تقديم الأسمدة والمبيدات والغراس، ورفض الاستجابة لنداءات الفلاحين، خاصةً فيما يخص صيانة مجاري التصريف بحجة عدم توفر الآليات واليد العاملة والمحروقات، ما تسبّب بتشكّل السيول وغرق المزروعات والأشجار”.

وأضاف الشمالي أن “بعض الفلاحين سارعوا إلى قطاف الليمون قبل نضوجه لتجنب تعرضه للسرقة، ومن ثم تخميره حتى يصبح أصفراً وبيعه في الأسواق، وهذا يعتبر نوعاً من الغش، لأن الليمون في هذه الحالة سيصبح قليل الحموضة والعصير”.

بدوره أفاد مزارع من بانياس بريف طرطوس فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: “أصبحت زراعة الحمضيات لا تؤمن مصدر دخل لأصحابها، ولاسيما في ظل ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات التي تباع وفق سعر صرف الدولار، إضافةً إلى الإتاوات التي تتقاضاها الحواجز خلال الذهاب إلى سوق الهال لبيع الإنتاج”.

وأضاف أن “تجار الحمضيات مرتبطون بمخابرات النظام وهم من يتحكم بسوق الهال، حيث يشترون من الفلاح الحمضيات بنحو 20% من سعرها المطروح حالياً، ومن ثم يقومون باحتكارها وبيعها في الأسواق على دفعات، إضافةً إلى قيام بعض التجار بتهريب كميات كبيرة من الليمون إلى لبنان”.

وتداولت صفحات موالية منشوراً على “الفيس بوك”، يتضمن مناشدات من أحد مزارعي الحمضيات لرئيس النظام، يطالبه بإيجاد حل لتسويق الانتاج، بعد أن تحول سوق الهال في اللاذقية لسوق مافيات احتكره عدد من التجار الذين يمنعون أي تاجر من شحن إنتاجه الى المناطق الشرقية، فضلاً عن إجبار الفلاح على بيع محصوله بسعرٍ رخيص.

عجز في التصدير

ويعاني النظام من صعوبة في تسويق الحمضيات التي تزيد عن حاجته كل عام ويعجز عن تصديرها، ما يتسبّب في تلف كميات كبيرة.

وتوضح أرقام وزارة الزراعة في حكومة النظام أنّ “مجموع ما تم تصديره إلى روسيا لا يتجاوز 10 آلاف طن”، أي أن تلك الكمية لا تشكّل أكثر من 1% من فائض الإنتاج، كما أنّ الكميات التي اشترتها إيران من النظام هي أرقام ضئيلة جداً، حيث أنّ الدولتان تقومان باستيراد كميات كبيرة من الحمضيات من تركيا

وقال المحلل الاقتصادي محمد بكور: إن “النظام لا يمتلك المقومات اللازمة لتصدير إنتاجه بشكل مثالي، ولاسيما في ظل سوء عمليات الفرز والتغليف والتوضيب الحراري والشحن، إضافةً لعدم امتلاكه استراتيجية واضحة في التصدير، حيث يُفترض أن يكون هناك فريق يقوم بعمليات دراسة الأسواق التي يتم التصدير اليها لمعرفة احتياجاتها، وهذا يُفسّر رفض روسيا الحمضيات السورية في السنوات السابقة، كونها لم تناسب أذواق السوق، لاحتوائها على البذور بداخلها بينما المرغوبة خارجياً ثمار بلا بذور، لهذا تفضّل موسكو الحمضيات التركية”.

حلول بديلة

الارتفاع الكبير بأسعار الليمون دفع أغلب السكان للاستغناء عنه، وقالت أم عبدو من سكان جرمانا: “كيلو الليمون الواحد يعادل ست ليمونات، يعني صارت الليمونة الوحدة بألف ليرة، لأي حال وصلنا، يعني بدو الموظف يحط ربع راتبو حق 2 كيلو ليمون، لهيك استغنينا عنو”.

وأضافت أم عبدو “أغلب الناس لجؤوا لشراء ملح الليمون، فإذابة ربع معلقة صغيرة منه في ربع كوب ماء كفيل بمنح الحموضة المطلوبة لأي طبخة، إلا أن سعره تضاعف خلال الأيام الماضية بسبب زيادة الطلب عليه، فيعد أن كان سعر كيلو ملح الليمون الشهر الماضي بألفي ليرة، وصل سعره خلال الأيام الماضية الى 4 آلاف ليرة، لكن يبقى أوفر بكثير من الليمون”.

من جهتها قالت ياسمين من سكان مدينة حلب: “قرأت عن الأضرار الكبيرة التي يمكن أن يسببها ملح الليمون، وخاصةً تأثيره على صحة العظام والأسنان والمعدة، لذلك قررت الاستعاضة عن الليمون باهظ الثمن بالحصرم، حيث يبلغ سعر الكيلو منه 800-900 ليرة، لذا يمكن عصر الحصرم وتصفيته من البذور، وبالتالي يصبح لدينا عصير حامض وطبيعي يمكن استخدامه في تحضير السلطات والطبخات”.

في المقابل دعا رئيس “اتحاد الفلاحين في اللاذقية” حكمت صقر في حديثه لوسائل اعلام النظام، السكان لاتباع سياسة الاكتفاء المنزلي، أي على كل شخص أن يضع “الفلّين” على الشرفات وأسطح المنازل، من أجل زراعة الليمون، لتؤمن كل أسرة حاجتها المنزلية بشكل خاص!

وتتركز زراعة الليمون في سوريا، ضمن المناطق الساحلية “اللاذقية -طرطوس” بشكلٍ كبير، ويبلغ عدد أشجارها نحو 14 مليون على امتداد 43 ألف هكتار، بنسبة تبلغ 35% من الأراضي الزراعية فيهما.

 

 

 

 

في الشمال السوري: “الحالات الباردة” خارج التزامات المكتب الطبي و”الحرجة” دون مرافق

 محمود البكور

يعمل الفيصل مع مجموعة من الناشطين على تتبع الحالات الإنسانية التي تحتاج لدخول عاجل إلى تركيا وتصويرها بهدف إيصال الحالة للجهات التركية التي قد تستجيب في مثل هذه الحالات، لكن كثير من الحالات لم تتم الاستجابة لها، على حد قوله، مؤكداً أن التأخر في العلاج قد يهدد حياة المرضى، وهو ما أدى لوفاة طفلين خلال الأسبوع الماضي، حيث تمكن الطفل أبو بكر عباس بعد خمس محاولات من الدخول للأراضي التركية لكنه توفي بعد أسبوع نتيجة تفاقم إصابته بالسرطان. في حين توفي الطفل خالد زمزم نتيجة تأخر تحويله إلى تركيا للعلاج من مرض في قلبه

ظهرت الطفلة نور محاميد/ عشر سنوات/ في فيديو بثه ناشطون وهي تبكي وتطالب الحكومة التركية بالسماح لوالديها بالدخول إلى الأراضي التركية ليكونا معها أثناء تلقيها العلاج في مشفى أضنة.
سمحت الحكومة التركية للمحاميد  بدخول الأراضي التركية لتلقي العلاج من مرض السرطان الذي تعاني منه في السادس والعشرين من حزيران الماضي، لكنها لم تسمح لأحد أبويها بمرافقتها، الأمر الذي سبب لها أزمة نفسية أثناء العلاج.
حالة نور واحدة من حالات كثيرة لأطفال مرضى دخلوا الأراضي التركية دون أهاليهم بعد قرار الحكومة التركية الذي يمنع دخول مرافق مع أي حالة مرضية.
وكانت الحكومة التركية قد أغلقت معبر باب الهوى بشكل كامل منذ أربعة أشهر، ثم أعادت فتحه بشكل جزئي لتسمح بدخول عشر حالات يومياً مقسمة ما بين حالات ساخنة يكون المريض فيها بحاجة لتلقي العلاج بشكل فوري، وقد صنفت حالته ضمن الحالات المهددة بالوفاة، وحالات باردة اقتصرت على مرضى السرطان.
السماح بدخول أعداد قليلة من مرضى السرطان
أعلن معبر باب الهوى في الأول من حزيران الماضي عن توصله لاتفاق مع الجانب التركي يسمح بدخول خمسة مرضى من مصابي السرطان يومياً، وطالب المرضى بضرورة مراجعة المكتب الطبي في معبر باب الهوى مصطحبين معهم أوراقهم الطبية والثبوتية. الأمر الذي زاد من معاناة طوابير المرضى، إذ يتحتم عليهم الانتظار لفترات طويلة ليتمكنوا من الدخول إلى الأراضي التركية وتلقي العلاج من مرض لا يحتمل التأخير.
وقال مدير العلاقات الإعلامية في معبر باب الهوى مازن علوش “في الفترات السابقة وقبل جائحة كورونا، كان الجانب التركي يسمح بعبور ثلاثين حالة باردة يومياً، أما اليوم فقد اقتصر العدد على خمسة خلال الشهر الماضي وتم رفعه مؤخراً لعشر حالات من مرضى السرطان، في حين ينتظر عشرات المرضى من أصحاب الأمراض العصبية وأمراض القلب صدور قرار يسمح بدخولهم إلى تركيا”.
يضيف العلوش  إنه وخلال شهر حزيران الماضي وصل إلى المعبر نحو خمسمئة وخمسة عشر تحويلة من العيادات الخارجية لمشفى باب الهوى جميعه من مرضى السرطان، وسمح لمئة وتسعة وخمسين مريضاً فقط بالدخول، بينما ينتظر باقي الأشخاص دورهم والذي من الممكن أن يطول لما يزيد عن شهرين ما يزيد من مخاطر انتشار المرض وتفاقمه.
وتعمل فرق التتبع الخاصة بالمعبر على مرافقة المرضى داخل تركيا بهدف التواصل مع أهل المريض ومساعدته في المشفى، بعد قرار السلطات التركية بمنع دخول أي مرافق مع المرضى باستثناء الأطفال دون ثمان سنوات، بحسب العلوش.
أمراض نوعية لا تسمح تركيا بإدخالها ولا يتوافر لها علاج في إدلب
ارتفعت في الآونة الأخيرة مناشدات عديدة لمرضى طالبوا الجانب التركي باستقبالهم لتعذر علاجهم في الداخل السوري. منهم الطفلة راما بكور من مدينة سراقب والتي تعيش مع أهلها في ريف إدلب الشمالي، تعاني راما من تشوه خلقي في الإذنين مع تقرير سلبي لمجرى السمع حيث أثبت التصوير انسداده بشكل كامل من الطرفين.
يقول محمد بكور والد راما إنه راجع العيادات الخارجية في مشفى باب الهوى ومشفى “هاند” في أطمة، وكان الرد بأن الجانب التركي لا يسمح بدخول هذه الحالات الباردة!
وكان عدد من الناشطين قد نشروا مناشدات إنسانية لاستقبال حالة راما، دون جدوى، يقول والد الطفلة إنه يخشى فقدان الفرصة لإجراء التدخل الجراحي في الوقت المناسب، ما يعني أن تفقد راما سمعها.

ويشرح الدكتور محمد عبيدان مدير مشفى “هاند اطمه للأطفال” والمسؤول عن تحويل حالات الاطفال للمكتب الطبي في معبر باب الهوى أن الحالات الإسعافية أو الساخنة التي كانت تركيا تستقبلها قبل جائحة كورونا، هي الحالات الموضوعة على جهاز تنفس صناعي أو حالات القصور الكلوي الشديد أو المريض الذي يكون على وشك الوفاة والذي تستدعي حالته الدخول بشكل مباشر لإنقاذ حياته.

أما الحالات الباردة فهي للمرضى الذين لا تتوفر الإمكانيات لعلاجهم في المشافي داخل المنطقة أو الحالات التي تمت دراستها ولم يتمكن الأطباء من تشخصيها في حين قد يكون لها تشخيص في تركيا، لذلك تقوم المشافي بإرسالها إلى المكتب الطبي والذي يقوم بدوره بإرسالها إلى الجانب التركي الذي يعتمد في إدخالها على عدة أولويات، إذ يسمح بدخول مرضى السرطان بالدرجة الأولى ثم بقية الحالة بحسب خطورتها.
ويتحدث عبيدان عن أعداد كبيرة من المرضى تراجع المشفى بشكل يومي بهدف تحويلها إلى معبر باب الهوى، لكن سياسة الجانب التركي لا تسمح بهذا الإجراء في الوقت الحالي، ويأمل عبيدان بعودة الأمور لسابق عهدها، ليتمكن المرضى من الحصول على علاجاتهم في تركيا.

المناشدات تجدي نفعاً في بعض الحالات

يسلط عدد من الناشطين والصحفيين الضوء على بعض الحالات المرضية، ويكثفون الحديث عنها في وسائل الإعلام، كحل وحيد لنقل معاناة الأهالي على أمل أن تصل للسلطات التركية. يقول الصحفي محمد الفيصل إن المرضى يعانون بشكر كبير من أزمة إغلاق المعابر، وتسمح تركيا لأعداد قليلة بالدخول شريطة أن يدخل دون مرافق ما شكل معاناة جديدة للمرضى، ويتساءل الفيصل كيف سيتمكن طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره تولي أموره بنفسه في بلد يجهل أي طريقة للتواصل فيه مع من حوله، ويستشهد بقصة الطفلة هبة كفرطوني والتي  دخلت الأراضي التركية رفقة والدها بعد معاناة من تشمع بالكبد، لكن والدتها بقيت مع أخويها التوأم الذين يحتاجون للدخول إلى تركيا لإجراء التحاليل الطبية بهدف التبرع لإنقاذ شقيقتهم.
ويرى الفيصل أن هذه الحالات بحاجة لمتابعة مستمرة وضخ إعلامي عسى أن يستجيب الجانب التركي ويسمح بدخول مرافقي المريض بشكل طبيعي.

يعمل الفيصل مع مجموعة من الناشطين على تتبع الحالات الإنسانية التي تحتاج لدخول عاجل إلى تركيا وتصويرها بهدف إيصال الحالة للجهات التركية التي قد تستجيب في مثل هذه الحالات، لكن كثير من الحالات لم تتم الاستجابة لها، على حد قوله، مؤكداً أن التأخر في العلاج قد يهدد حياة المرضى، وهو ما أدى لوفاة طفلين خلال الأسبوع الماضي، حيث تمكن الطفل أبو بكر عباس بعد خمس محاولات من الدخول للأراضي التركية لكنه توفي بعد أسبوع نتيجة تفاقم إصابته بالسرطان. في حين توفي الطفل خالد زمزم نتيجة تأخر تحويله إلى تركيا للعلاج من مرض في قلبه.
وبحسب إحصائية ٢٠١٩ لمعبر باب الهوى، فقد سمحت الحكومة التركية بدخول ستة آلاف حالة باردة، بينها ألفي حالة قلبية، ومثلها من السرطان، وكذلك حالات لأمراض مختلفة، إضافة إلى أربعة آلاف حالة ساخنة لأشخاص أصيبوا نتيجة القصف الجوي للنظام وروسيا أو تعرضوا لحوادث مختلفة، وبحسب هذه الأرقام فإننا نقف أمام كارثة إنسانية تستدعي التدخل العاجل لإنقاذ المرضى الذين لا يجدون مكاناً للعلاج ولا تتوفر الأدوية والمعدات اللازمة لإنقاذهم.

 

 

شركات التسويق الشبكي تبيع “الخسارة” لسكان إدلب

فاطمة حاج موسى

“دجاجة تبيض ذهباً”، “تتغير حياتك وتصبح صاحب مؤسسة ومال دون تعب”، “جد نفسك وعزز ثقتك بها فأنت تمتلك المهارة”، ليست هذه الجمل الرنانة من وحي الخيال أو مكتوبة على صفحات الانترنيت، ولكنها تدور على ألسنة كثير من أبناء إدلب، خاصة من فئة الشباب، وهم يحاولون إقناعك بالانضمام إلى مؤسساتهم بما يعرف بالتسويق الهرمي أو الشبكي، والتي زاد نشاطها في السنة الأخيرة، مستغلة أحوال السكان الاقتصادية السيئة، وانعدام فرص العمل، لتلعب دور المخلص من خلال بيع “الوهم”، ومستفيدة من خبرة “رؤوس الهرم” الطويلة في الإقناع واللعب على وتر أحلام اليقظة.

“دجاجة تبيض ذهباً”، “تتغير حياتك وتصبح صاحب مؤسسة ومال دون تعب”، “جد نفسك وعزز ثقتك بها فأنت تمتلك المهارة”، ليست هذه الجمل الرنانة من وحي الخيال أو مكتوبة على صفحات الانترنيت، ولكنها تدور على ألسنة كثير من أبناء إدلب، خاصة من فئة الشباب، وهم يحاولون إقناعك بالانضمام إلى مؤسساتهم بما يعرف بالتسويق الهرمي أو الشبكي، والتي زاد نشاطها في السنة الأخيرة، مستغلة أحوال السكان الاقتصادية السيئة، وانعدام فرص العمل، لتلعب دور المخلص من خلال بيع “الوهم”، ومستفيدة من خبرة “رؤوس الهرم” الطويلة في الإقناع واللعب على وتر أحلام اليقظة.

منذ سماعنا بهذه الشركات، ومحاولة بعض الأشخاص المنتسبين لها من إقناعنا أو مقربين لنا بالدخول فيها، تعمدنا المضي نحو النهاية ومسايرة المشرفين للبحث عن الحقيقة، وإيضاحها للأهالي، من خلال (التعريف -وجهتي النظر القانونية والدينية -الأساليب المتبعة).

تعريف التسويق الشبكي

يعرف التسويق الشبكي ببرنامج تسويقي يمنح المشاركين فيه حق التوظيف لمزيد من المشاركين، وبيع المنتجات أو الخدمات مع تقاضي عمولات مالية مقابل كل من يشتري، كذلك الترويج للمنتج عن طريق المشترين، ويصنف كأحد أنظمة التسويق المباشر.

ويلخصه سالم زاهر بلفقيه في كتابه التسويق الشبكي تحت المجهر بعبارة “اشتر لتسوق.. فقد تكسب”، شارحاً العبارة بأن الأساس في هذه الشركات يكمن في شراء حق “التسويق أو التوظيف”، فجميع الشركات القائمة على هذا النظام تشترط شراء منتج لها حتى تتمكن من الاشتراك في شبكة التسويق، وبالتالي الحصول على عمولات التسويق وحوافزه.

ويتفق الكتابان في محاكاتهما لهذا النوع من الشركات بالضبابية حول عملهما، ووقوعه بعيداً عن الأساليب الاقتصادية المعروفة والقائمة على “المنتج -المسوق -المستهلك”، إذ يصبح في هذا النوع من الشركات المسوق هو المستفيد من المنتج الذي لا يصل إلى المستهلك، كذلك تغدو عملية التسويق هي الأساس وليست الوسيلة، إذ يحدد الربح للمسوق من خلال إقناع الآخرين بالانضمام إلى الشبكات وليس من خلال بيع منتج محدد، يخالف بسعره الحقيقي ما هو موجود في الحقيقة، ويخالف سياسة العرض والطلب.

وتعرف ويكيبيديا التسويق الهرمي بمشروع احتيال ونموذج عمل غير مستقر هدفه جمع المال من أكبر عدد من المشتركين، يكون المستفيد الأكبر فيه الشخص المتواجد في رأس الهرم. ولا فارق بين التسويق الهرمي والشبكي، إن كان في الأخير سلعة يتم شراؤها للدخول ضمن الشبكة.

تجارة الوهم

(أبو عمر) لقب للشخص الذي تتبعنا معه عملية الدخول في الشركات المنتشرة في إدلب، وهو شاب في العشرين من عمره أخبرنا بمحاولة أحد أقربائه ضمه لواحدة من الشركات الشبكية، وبدافع الفضول وكثرة الإغراءات التي طرحها قريبه أمامه توجه للاجتماع مع مسؤول الترويج فيها.

سجل أبو عمر عبر هاتفه ما جرى خلال الاجتماع مع مسؤول الترويج وهو كما عرف عن نفسه أحد السوريين الذين يعيشون في تركيا، تغيرت أوضاعه المالية بعد انضمامه للشركة منذ سنتين، وهو اليوم يدير شبكة كبيرة من المشتركين.

ويشرح المسؤول الذي يقول إنه رأس الشركة في أعلى الهرم طبيعة الشركة التي تتلخص بضم مشتركين جدد وإضافتهم لقائمة الأعضاء، ويصبح لكل منهم مؤسسته الخاصة التي يسعى من خلالها لضم مشتركين جدد، بشرط عدم التعارف فيما بينهم، وفي حال فشله بذلك تبقى الأموال محجوزة لدى الشركة الأم دون أي أرباح، ويتم الانضمام عبر شراء منتج يصفه بـ “الفريد” وبمبالغ كبيرة (في حالة أبو عمر كان المنتج بسعر ٢٢٠٠ دولار)

عبر سكايب يجيب المسؤول عن استفسارات العميل، ويخبره أنه المخول بالإجابة، في حالة أبو عمر كانت الشركة الأم باسم (كيو آي)، ولا يمكن لأي شخص غير مدعو من أحد الانضمام لها والتعرف على أنشطتها، وهي بحسب ما ورد في التسجيل “شركة ماليزية” تأسست في العام ١٩٩٨ وتملك نحو خمسة وخمسين مكتباً ومقراً حول العالم، أهمها في هونغ كونغ والصين وتركيا وألمانيا وماليزيا ودبي وسنغافورة..

بأسلوب مقنع ومليء بالأرقام والإحصائيات يبدد مسؤول الترويج مخاوف من يرغبون بالانضمام، ويستغل نقاط الضعف في الباحثين عن عمل أو تحسين ظروفهم المعاشية، بإيراد متواليات حسابية لجذب الانتباه للأرباح التي من الممكن تحصيلها، طالباً منه فصل العلاقة الشخصية مع العملاء عن العمل.

لكل سؤال جواب في هذه العملية، وميزات يستطيع المسؤول تقديمها كحسم جزء من المبلغ المدفوع ليغدو في حالة أبو عمر (٢٠٥٠ -بدلاً من ٢٢٠٠ دولار)، والتركيز على بعض العبارات التي سيستخدمها العميل لاحقاً في ضم المشتركين الجدد، والعمولات التي سيتقاضاها.

ويخضع العميل بالتسويق التواصلي إلى تدريب، بحسب التسجيلات الصوتية لمسؤول الترويج، يؤهله للمرور بمراحل الشبكة (مستهلك -وكيل -معلن)، دون إغفال وضع أعداد كبيرة من الوكلاء العاملين في هذه الشبكات، ولم نستطع التأكد من صحتها، إذ يقول مسؤول الترويج إن هناك ٢٤ مليون وكيل لترويج منتجات شركتهم فقط في العالم، وإن هناك نحو ٩٦٠٠ شركة للبيع المباشر في مختلف الدول، وبخصوص شركته فيصفها بالقانونية والمرخصة، وإن لديها تعهدات مع أهم الشركات والمنظمات العالمية كالأمم المتحدة والاتحاد الدولي للفيفا وبعض الأندية العالمية، كذلك هناك تعاقد مع الانتربول الدولي وميكروسوفت لحماية العملاء من الاحتيال والهكر.

المنتج الخارق

يرد في كتاب التسويق الشبكي تحت المجهر وهو ما تجده أيضاً على أرض الواقع من خلال من تحدثنا معهم من مشتركين في هذه الشبكات أن السمة الغالبة خلال تسويق المنتج تكون بإظهار “تعظيم للمنتج وصفات عالية” لتبرير الزيادة السعرية المفروضة من قبل هذه الشركات، يتحدثون عن الفرادة والابتكار والتميز، وصناعته من قبل أمهر الشركات أو أفضل الأطباء، وغالباً ما يكون على شكل “ساعة أو ميدالية تذكارية، وفي الآونة الأخيرة تم طرح بعض الأدوات الكهربائية كفلاتر المياه، إضافة لرحلات سياحية إلى بلدان أوروبية (لا يوجد هذا العرض بالنسبة للسوريين في الداخل)، والتعلم الذي يمكن للعميل أن يحصل عليه بالفرع الذي يريد في جامعة كوالا لامبور بماليزيا بفرع خاص للشركة، و منتجات خاصة بالنساء أدوات وأجهزة للتجميل وإكسسوار بماركات عالمية ليست من  المعدن النفيس لكنها للاستعمال الشخصي باهظة الثمن، ويوجد طاقة حيوية وتغذية تمنع الذبذبات السرطانية وعليها عروض دائمة تصل العميل على عنوانه بعد شحنها إلى تركيا ثم إرسالها إلى منزل العميل إذا كان بسوريا لعدم وجود شحن للداخل السوري، وكل تلك المميزات فقط للعميل والأسعار تضعها الشركة وما على العميل سوى أن ويشتري”.

يتساءل مؤلف الكتاب، إن كانت هذه المنتجات تمتاز بهذه القيمة العالية والجودة فلماذا لا تطرح بأسلوب التواصل المباشر؟ وهو ما حاولنا البحث فيه.

بسؤالنا بعض الذين حصلوا على هذه المنتجات، أجابوا بأنهم قاموا بعرض المنتج في السوق على أصحاب الاختصاص، وإنهم تفاجؤوا بالثمن الزهيد الذي قدم لهم، وهو ما يعادل (٥-١٠٪) من القيمة الإجمالية.

وتوضح الدراسات والتقارير السابقة، أن المنتج خلق ليكون أداة فقط لتعزيز ثقة المشتركين بالدخول إلى هذه الشركات، بينما الغاية الرئيسية هي الحصول على عملاء جدد، وبذلك تكون فائدة رؤوس الهرم مضاعفة، بينما يخسر العملاء في أسفل الهرم بالمنتج الذي لا يساوي عشر قيمته في السوق، إضافة للعمولة لفشلهم بضم عملاء جدد، ما يدفعهم لمحاولة إقناع أشخاص آخرين بالانضمام لتعويض خسارتهم.

ويقوم هذا المشروع بالتركيز على عملية الانخراط وربطها بالبيع المباشر، بغض النظر عن نوعية المنتج نفسه، وهذه الشركات الهرمية أو ما تسمى بخدعة الأرباح في التسويق الشبكي الهرمي هي خدعة كلما تغيب تعود للظهور مرة أخرى بهدف الاحتيال عبر تجميع رؤوس الأموال من عامة الناس.

نصب واحتيال

تخبرنا أم صالح وهي (سيدة ثلاثينية تعمل بالخياطة) إنها استدانت مبلغاً من المال بعد اقتناعها بالانضمام إلى التسويق الشبكي من قبل واحدة من زبائنها، تقول إن الزبونة أتت إليها باكية بعد أيام لتخبرها أنها تعرضت للنصب والاحتيال، هي ومن وظفتهم في مؤسستها بعد أن اختفى الشخص الذي جند زوجها حاملاً معه المبالغ المالية التي جمعها له.

تحاول أم صالح اليوم رد الدين لأصحابه، تقول إنها لم تلجأ للشكوى على السيدة لعلمها بصدقها وإنها كانت ضحية مثلها تماماً ومثل مئات العائلات الأخرى.

الأمر ذاته كاد أن يطبق على عائشة (من ريف حلب الغربي وتعمل كمصففة شعر)، إلا أن إخوتها الذين يعيشون في تركيا أخبروها بحالات نصب مشابهة ما دفعها للرفض، تقول إنها “نجت رغم اقتناعها في البداية”.

وتنشط هذه الشبكات في الشمال السوري، خلال الآونة الأخيرة، مستغلة فقر الناس واحتياجاتهم بعد انتشار البطالة ورغبة الناس بالحصول على المال من أجل تحسين واقعهم المعيشي بعد سنوات الحرب، لذلك يحاول بعض الأشخاص استدانة المبلغ المطلوب أو رهن منازلهم وبيع ذهب زوجاتهم إن وجد أو أثاث منازلهم لتأمين المبلغ المطلوب والاشتراك بهذه الشركات، وتأمين أشخاص غالباً ما يكونوا من العائلة أو الأصدقاء المقربين للانضمام معه.

يقول (محمد أحد العملاء) إنه دخل إلى المشروع وقد وضع الخسارة نصب عينيه، يعتبر الأمر “مغامرة”، فإما أن ينجح وينتشل حياته من الفقر، أو يفشل، ويبني محمد في خياله أحلاماً بالسفر إلى تركيا بعد حصوله على الأرباح والتفرغ لهذا العمل، وإنشاء شركته الخاصة. كما يخبرنا عن صديقه الذي قرر الذهاب إلى ليبيا للقتال، وأن السبب الرئيسي لذلك كان الحصول على مبلغ الاشتراك للانضمام في الشركة، يقول إنه سيأتي قريباً في إجازة وسيكون أحد عملاء مؤسسته.

الشرع والقانون

ظهر التسويق الشبكي في منتصف القرن الماضي، على يد كارل ريهنبرج في أوروبا، لينتقل إلى أمريكا وتضاعف عدد الشركات العاملة به، ولكن عدداً من الدول ما زالت تتوجس من هذه الشركات، وتحذر المستهلكين من عواقب التعامل معها، وتصنف دول أخرى نشاطها ضمن “الغش والاحتيال” وتحظر التعامل معها.

وتعتبر سوريا من الدول التي تحظر نشاط هذه الشبكات، يقول المحامي (عبد المنعم قشقش) إن التسويق الهرمي “عملية نصب وبيع للخسائر” يحرمها الشرع والقانون. ويصفها المحامي بـ “الفخ” لإيقاع العملاء وإجبارهم على الاستمرار لتعويض الخسارة، دون أن يكون هناك أي عقود ملزمة للشركة، وفق القوانين، لتحصيل حقوق المشتركين. وتكون العقوبات حسب القانون ضمن جرم الاحتيال دون وجود نص يحدد العقوبة لعدم وجود دليل قاطع ومادي لإثبات وقوع الجرم، مثل الشهود والدليل الملموس الخطي بالإضافة لعدم وجود ثقة بين الناس والحاكم، وتصنف كجنحة وفق المادة ٦٤١ من القانون السوري، أما في إدلب فالأمر مختلف لتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في محاكمها.

وتوضح المصادر والتقارير المنتشرة رفع مجموعة من القضايا والملاحقات ضد شركات للتشويق الشبكي ومنها “كيو آي” الناشطة في الشمال السوري، في مختلف أنحاء العالم، أدت لحظر الشركة ونشاطها ومعاقبة العاملين بها في بعض الدول، وقد وصفت سياسية استرالية (كاميرون طومسون) من وزارة الداخلية النيبالية الشركة بـ “واحدة من المخططات الهرمية المزعومة” وحظرت وزارة الداخلية النيبالية الشركة من العمل في نيبال في عام 2003، وحظرت الحكومة السريلانكية الشركة في عام 2005 ، وفي العام نفسه حظرت الحكومة الإيرانية الشركة بعد نشاطها وتسببها بإخراج نصف مليار دولار من البلاد.

وبحسب المجلس الإسلامي السوري فإن الدخول بعضوية هذه الشركات والتسويق لمنتجاتها لا يجوز لما تتضمنه من محاذير شرعية واجتماعية، واحتواء العقود فيها على المقامرة واشتمالها على التغرير والخداع، وأكل لأموال الناس بالباطل، إضافة لشبهة الوقوع في الربا واحتواء العقد على شروط غير مشروعة، كما تحتوي على مخاطر اجتماعية واقتصادية ومخاطر صحية تتمثل في تناول مواد يزعم أنها منتجات غذائية أو صحية أو طبيعية بعيداً عن الإشراف الطبي.

وهناك بعض من أفتى بجوازها ضمن شروط، إلا أن الراجح تحريمها لأن السلعة غير مقصودة لذاتها، وإنها قائمة على “الغرر والمقامرة”، بحسب كتاب “التسويق الشبكي من وجهة نظر إسلامية”.

اعتذر (أبو عمر) عن الانضمام للشركة بعد أن حصلنا على التسجيلات اللازمة، ليبقى السؤال المطروح حول تزايد نشاط هذه الشبكات في إدلب، رغم المحاذير العالمية والتحريم الديني، في مكان تغلب على محاكمه القوانين الإسلامية المستمدة من الشرع، دون أن تتحرك هذه الأجهزة لمحاربة بائعي الوهم لسكان يعيشون على الحلم بعد أن فقدوا إمكانية الحصول على فرصة عمل لتأمين لقمة العيش.

 

 

تداعيات استبدال العملة على حياة السكان في إدلب

حسن كنهر الحسين

يرى غالبية من التقيناهم إن مشكلة السكان الرئيسية تكمن في تدني أجور العاملين مقارنة بسعر الدولار، وهذه المشكلة لا يمكن حلها باستبدال العملة، بل يكون الحل بالضغط على أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، لرفع أجور عمالهم ما ينعكس على حياتهم بشكل مباشر، وخلق فرص عمل جديدة، ومراقبة الأسواق لمنع الاحتكار وزيادة الأسعار.

يتنقل الشاب عبد الرحمن العمر (عامل حفريات) بين محلات الصرافة القريبة من المخيم الذي يقطن به في منطقة باريشا للحصول على أنسب سعر يمكنه من تحويل أجرته التي يتقاضاها بالليرة السورية إلى عملة تركية.
يقول العمر إنه مجبر على هذه الخطوة فقد تم تسعير غالبية المواد الرئيسية بالعملة التركية، ما يضطره لدفع تكاليف إضافية إذا أراد الدفع بالليرة السورية، لأن التاجر سيترك هامشاً كبيراً في حسابه لسعر الليرة السورية مقارنةً بالتركي لضمان مرابحه، ولشرح هذه الآلية يضرب العمر مثالاً فيقول: سعر كيس الخبز ليرتان تركيتان، لكن في حال قررت الدفع بالعملة السورية ينبغي علي دفع ألف ليرة سورية، علماً أن سعر الليرة التركية اليوم يساوي ثلاثمئة وستين ليرةً سورية.
مضى نحو عشرين يوماً على استبدال العملة السورية بعملة تركية في إدلب، ولمعرفة انعكاسات هذا القرار على المدنيين قمنا برصد آرائهم، إذ انتقدت شريحة واسعة ممن التقيناهم هذا القرار، واعتبروه يخدم أجندة صغيرة ومساحة ضيقة من المستفيدين والتجار، في حين كان الخاسر الوحيد هو الشعب وخاصة بعد القرارات التي تبعت قرار التداول بالعملة التركية وعلى رأسها تحديد الأسعار بالليرة التركية.

يقول محمد دندوش (نازح من بلدة كفرنبل) الشعب ليس في حاجة لتبديل العملة “هو في الأصل لم يعد يملك ثمن الخبز ليأكل حتى يسعى للادخار”، عندما يتم إصدار مثل هذا القرار ينبغي أن تسبقه مجموعة من الخطوات التي تهتم بتأمين فرص العمل لآلاف الشباب، كما ينبغي إجبار التجار وأصحاب المعامل والمصالح اليومية على رفع أجورهم بما يتلاءم مع ارتفاع الأسعار.
وكان المركز السوري لبحوث السياسة قد أصدر دراسة بعنوان “سوريا العدالة لتجاوز النزاع” قال فيها إن٨٦٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، منهم ٣٧٪ تحت خط “الفقر المدقع”.

كذلك، انتقد عبد القادر سليمان (مدرس متقاعد) هذا القرار، واعتبره يستهدف الأهالي ولن يكون له أي تبعات سلبية على نظام الأسد، يقول “يوجد شريحة واسعة من الموظفين المتقاعدين في مناطق المعارضة، ولا تتعدى رواتب هذه الفئة خمسين ألف ليرة سورية، ولم يراعي القرار أحوال هذه الفئة من الناس، فلو افترضنا أنني قمت بتصريف راتبي والذي قدره أربعة وأربعين ألف ليرة سورية إلى الليرة التركية فسوف أحصل على مئة وعشرين ليرة تركية، والتي تساوي سعر اسطوانتي غاز، بعد قرار تحديد الأسعار الحالي، ناهيك عن خسارة فرق التصريف”.

في الوقت ذاته أبدى أصحاب الحرف والعمال والمزارعين واللذين يعتبرون الشريحة الأكبر في مناطق إدلب استياءهم من هذا القرار مبررين موقفهم بأن جميع مواردهم وتعاملاتهم يتم تداولها بالليرة السورية.

ويقول عبد الرزاق فتوح “مزارع” لا يمكننا كمزارعين اعتماد الليرة التركية في مداولاتنا التجارية، فجميع التجار الذين نقوم ببيعهم محاصيلنا يرفضون شراءها بالليرة التركية، لأنهم يعملون على تهريب تلك المنتجات إلى مناطق النظام وبالتالي سيتقاضون ثمنها بالليرة السورية، حيث نضطر للبيع بالليرة السورية ثم نقوم بتحويلها للتركية ما يعرضنا لخسارة فرق التصريف”.

تعليقات وردود أفعال كثيرة توالت عقب إصدار قرار التعامل بالليرة التركية، وعلت بعض أصوات المؤيدين له، بذريعة أن هذه الخطوة قد تشكل ضغطاً على نظام الأسد الذي يعاني من أزمة اقتصادية وحصار.

يقول غيث الشيخ أحد الصرافين في مدينة سلقين “انعكس تدهور الليرة السورية سلباً على محلات الصرافة، إذ تعرض كثير من أصحابها لخسارات متتالية”، في حين يرى الشيخ أن تصريف الدولار للتركي أفضل بالنسبة للعاملين في سوق الأوراق المالية، لأن سعر صرف الليرة التركية أكثر ثباتاً، ومرابح تحويلها مضمونة على خلاف الليرة السورية التي يلعب عامل الحظ دوراً كبيراً فيها.
كما يرى الشيخ بأن هذه الخطوة ستشكل ضغطاً على نظام الأسد لأنها ستحرمه من أحد أهم مصادر القطع الأجنبي التي كان يعتمد عليها عن طريق مبادلتها بالعملة السورية.
قام تاجر المنظفات أحمد الحلاق بتسعير كافة أنواع البضائع الموجودة في المحل بالليرة التركية، وتم اعتماد الليرة التركية كوحدة نقد وحيدة في عملية البيع والشراء، يقول الحلاق إن خساراته المتوالية في الفترة التي تدهور فيها سعر صرف الليرة السورية دفعته لاتخاذ هذه الخطوة كون غالبية البضائع يتم استيرادها من تركيا”.
وعن الأسباب التي دفعت لاتخاذ هذا القرار يقول الدكتور عبد الحكيم المصري وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة:
“إن الأسباب وراء استبدال العملة تكمن في انعكاس أزمات النظام على مناطق المعارضة، ما أدى  لارتفاع الأسعار بشكل جنوني نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها الشرائية بشكل كبير، حيث جاءت تلك الخطوة بالتزامن مع بدء سريان قانون قيصر والذي ينبئ بانهيارات جديدة لليرة السورية”.

ويضيف المصري “إن القرار كان قيد الدراسة منذ عام 2015، لكنه تعرض لعراقيل حالت دون تطبيقه حتى الآن، نتيجة الانهيارات المتتالية في سعر صرف الليرة والأزمات الكبيرة التي تشهدها مناطق النظام والتي انعكست سلباً على الأسواق المحلية في الشمال السوري، حيث أقدم عدد من التجار على إغلاق محالهم التجارية بالإضافة لعدد من الأفران بسبب الخسائر المتلاحقة، ومن هنا جاء القرار بالعمل على تداول العملة التركية”.

ويتابع “صدر عدد من القرارات مؤخراً بتحديد أسعار المحروقات ومادة الخبز، إضافة لعدد من السلع والمواد الغذائية والتموينية وأجور العمال بالليرة التركية، بعد التنسيق مع الجانب التركي لإدخال القطع النقدية التركية من الفئات الصغيرة إلى مناطق المعارضة “.
الجدوى الاقتصادية من استبدال العملة

تفاوتت آراء الخبراء الاقتصاديين بجدوى القرار ما بين مؤيد ومعارض. ويقول الباحث الاقتصادي أحمد السطيف “تم اختيار الليرة التركية لأن تركيا هي الشريك التجاري الأكبر مع مناطق المعارضة، وأن من السهل تأمين الفئات النقدية عبرها، لاسيما الصغيرة منها، لتسهيل تعامل المواطنين فيما يتعلق بحركة البيع والشراء، ولكنها تحتاج مزيداً من الوقت حتى يتم تثبيت التعامل بها ريثما يتم سحب العملة السورية من مناطق المعارضة، وتثبيت أسعار السلع وأجور العمال بالليرة التركية”.

ويرى “السطيف” أن تلك الخطوة جاءت في طريق الصواب للحفاظ على أموال الشعب السوري من الضياع نتيجة انهيار الليرة السورية، فضلاً عن كونه إجراء يحارب النظام اقتصادياً، وذلك كونه يؤدي إلى إيقاف تدفق القطع النقدية الأجنبية إليه عبر التجار الموجودين في مناطق المعارضة، والتي قدرها شهرياً بـ 75 مليون ليرة تركية ونحو ستين مليون دولار، وباستبدال العملة سيتم حرمان النظام من جزء كبير من هذه الأموال. كما أن القرار قد يخلق جواً من الاستقرار الاقتصادي في أسعار السلع والمواد في الأسواق.

بدوره اعتبر “عبد المحسن السيد” أحد الخبراء الاقتصاديين المعارضين للقرار بأن القرار يخدم أجندة خارجية، بالإضافة لمساحة ضيقة من التجار والمتحكمين بسعر الصرف، الذين يعملون على توزيع الليرة التركية في مناطق المعارضة، وتفردوا بالسيطرة على سوق الأوراق المالية، حيث يتحكم أولئك التجار بتصريف الليرة التركية بفارق كبير عن سعر التصريف في السوق العالمي دون منافس.

وأضاف “إن قرار استبدال العملة إلى الليرة التركية يجب أن يسبقه عدة قرارات في مقدمتها تحديد الحد الأدنى من الأجور بالليرة التركية، كما يتطلب فتح تركيا لمعابرها مع الشمال السوري وفتح مجال الحركة التجارية مع الأهالي في الشمال السوري لتصريف منتجاتهم وإدخال المنتجات التركية ليتمكن الأهالي من الاستغناء عن تعاملاتهم مع النظام”.

وقال إن مشكلة الأهالي لا تكمن باستبدال العملة أو بقائها إنما في كيفية الحصول عليها في ظل انتشار البطالة واستشراء حالة الفقر في الشمال السوري، فغالبية الشعب بات نازحاً في المخيمات.

تلك الاعتراضات ردت عليها الحكومة المؤقتة على لسان وزير الاقتصاد “بأن موضوع البطالة فوق قدرة أي حكومة ومن الصعب حله، إلا أنه يمكن الحد من الفقر عن طريق تشجيع المنظمات على توزيع السلل الغذائية وتقديم الخدمات الطبية المجانية.
في حين طلب وزير الاقتصاد من السوريين المغتربين في الخارج مساعدة أقاربهم بالشمال السوري عبر تأمين مشاريع صغيرة من الممكن أن تؤمن فرص عمل لهم ريثما يتم تحقيق الاستقرار.
توفر العملة التركية لم يحل المشكلة بعد
ورغم رفض شريحة واسعة من الناس لقرار استبدال العملة إلا أن عملية تداولها تنامت بشكل كبير على حساب الليرة السورية، من قبل الأهالي والمحلات التجارية، ورغم توفر العملة التركية في الأسواق إلا أن الأهالي يشتكون من الفارق الكبير في تصريف الليرة التركية مقابل الدولار بالرغم من ثباتهما عالمياً، إلا أن أصحاب محلات الصرافة يرجعون فارق التصريف الكبير للبنوك الرئيسية المتحكمة في السوق والتي يتم شراء العملة التركية منها.

يقول غيث الشيخ “يوجد مراكز معتمدة تسمى بنوك أو مؤسسات تابعة لهيئة تحرير الشام يتم من خلالها توزيع العملة التركية مقابل الدولار أو الليرة السورية، حيث يتوفر في تلك البنوك جميع الفئات النقدية بما فيها “الفراطة”، ولكن عند طلبها مقابل الدولار يتم إلزام الصرافين بقطع نقدية من فئة ال٢٠٠- ١٠٠ ليرة تركية ولكن بأسعار مجحفة بحق المواطنين ومحلات الصرافة الأمر الذي يشتكي منه غالبية الأهالي والصرافين في الشمال السوري، حيث أن قيمة الليرة التركية مقابل الدولار عالميا ٦.٨٥ ولكن يتم توزيعها في البنوك ٦.٦٥ ما يضطرنا إلى بيعها بأقل من خمس نقاط وهذا ينعكس سلباً على المواطن من غلاء في الليرة التركية”.

يرى غالبية من التقيناهم إن مشكلة السكان الرئيسية تكمن في تدني أجور العاملين مقارنة بسعر الدولار، وهذه المشكلة لا يمكن حلها باستبدال العملة، بل يكون الحل بالضغط على أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، لرفع أجور عمالهم ما ينعكس على حياتهم بشكل مباشر، وخلق فرص عمل جديدة، ومراقبة الأسواق لمنع الاحتكار وزيادة الأسعار.

 

مصابو الحرب في الشمال السوري.. مصائر مؤلمة تفتقر للدعم

فاطمة حاج موسى

يخبرنا الفارس إنه لم يشعر إلا بصوت الطبيب ينادي عليه كي يصحو، كان المكان يضج بصوت زملائه ونظراتهم المليئة بـ “العطف والشفقة”، على حد وصفه، يقول إنه استيقظ في المشفى “بيد واحدة”، وهو ما دفعه للبكاء.


خلفت المعارك والقصف في سوريا نحو ست وثمانين ألف إصابة حربية تسببت ببتر أحد الأطراف العلوية أو السفلية، بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية صدر في العام ٢٠١٨، ووفقاً لإحصائية نشرها موقع مع “العدالة” في تموز ٢٠١٩، فإن عدد الجرحى تجاوز ٢.٢٣ مليون شخص، بينهم ثلاثمائة ألف شخص تسبب التأخر في علاجهم بإصابتهم بالشلل. بعض هذه الإصابات تلقت دعماً للعلاج أو تركيب الأطراف، إلا أن القسم الأكبر ما زال ينتظر دوره منذ سنوات، ويعيش معظمهم دون رعاية خاصة (مادية أو نفسية)، وبحسب تقرير لوحدة تنسيق الدعم فإن نحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة مصاب يعيشون في المخيمات التي تمت تغطيتها بالدراسة (٣٢٠ مخيماً). بينهم ما يزيد عن ألف ومئة مصاب بالشلل.

حلول فردية

سنورد في هذا التقرير قصة ثلاثة أشخاص تعرضوا لإصابات حربية، والظروف التي عاشوها في سبيل التغلب على الإعاقة التي سببتها هذه الإصابات، ورحلتهم في انتظار العلاج دون أن يفلحوا في ذلك حتى لحظة إعداد التقرير، رغم مرور سنوات على إصابتهم.

يحاول أنس العوض، وهو شاب من الغوطة الشرقية تعرض لإصابة برصاصة قناص في عموده الفقري أفقدته القدرة على الحركة والمشي منذ العام ٢٠١٥، الدخول إلى تركيا للبحث عن علاج لحالته، دون جدوى.

أنس العوض -إنترنيت
أنس العوض -إنترنيت

ويروي أنس الذي يستعين اليوم بعكازين للحركة، أنه أصيب في زملكا خلال معركة مع قوات النظام، ليقوم أصدقاؤه بإنقاذه خلال انسحابهم، ويخبرنا أن الرصاصة بقيت في ظهره لأشهر، نظراً للحصار الخانق الذي فرضته قوات الأسد على المنطقة، دخل خلالها إلى عدد من المشافي الميدانية في مدينة دوما للعلاج، قبل أن يخضع لعمل جراحي، ليجد نفسه غير قادر على الحركة بعد استيقاظه.

خمسة أشهر قضاها أنس في فراشه، يقول إنه كان يهرب بالنوم والأدوية المسكنة من واقعه الجديد، إلا أنه اتخذ قراره بالاعتماد على الرياضة والعلاج الفيزيائي في المنزل لاستعادة قدرته على الحركة، “حبوت كطفل صغير، وقفت وسقطت مراراً، وتمكنت أخيراً من المشي بواسطة عكازين”، ليبدأ بمساعدة “أهله وأصدقائه” بالتعايش مع وضعه الجديد، وبتشجيع منهم عاد إلى مقاعد الدراسة ليكون أحد الطلبة في كلية الصحافة والإعلام في أكاديمية الغوطة، قبل أن يجبره التهجير القسري على النزوح إلى مدينة إدلب، والتي حاول فيها إكمال علاجه، دون جدوى، بعد أن صنفت حالته من الحالات الباردة.

يقول أنس إنه سعى لبيع ممتلكاته في الغوطة الشرقية لتأمين مصاريف الدخول إلى تركيا وبدء رحلة العلاج، لكن قوات الأسد حجزت على ممتلكاتهم جميعاً، وهو اليوم طالب في قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الدولية للإنقاذ، والتي نزحت هي الأخرى من معرة النعمان إلى إعزاز، حيث التحق بها العوض وكله أمل بإيجاد مركز للعلاج الفيزيائي لمساعدته، أو تحويله إلى المشافي التركية.

أنقذ محمد الفارس ثلاثة أشخاص من تحت الإنقاض في تلك الليلة من رمضان ٢٠١٦، يقول وهو يصف ما يتذكره وقتها إن غمامة من الرماد حجبت الرؤية نتيجة غارة جوية على مطبعة العالمية في أورم الكبرى، ثم اندلعت الحرائق في المكان.

يروي الفارس وهو أب لأربعة أطفال من مدينة الأتارب، يعمل متطوعاً في فرق الدفاع المدني منذ انشقاقه بداية الثورة عن فوج الإطفاء التابع لنظام الأسد في المنطقة الصناعية بحلب، إنه توجه إلى مكان الضربة خلال يوم استراحته لمساعدة رفاقه بإنقاذ الأشخاص وإخماد الحرائق، وخلال عملهم نفذ الطيران الروسي غارة مزدوجة على المكان تسببت بإصابته وفقد أحد ذراعيه.

يخبرنا الفارس إنه لم يشعر إلا بصوت الطبيب ينادي عليه كي يصحو، كان المكان يضج بصوت زملائه ونظراتهم المليئة بـ “العطف والشفقة”، على حد وصفه، يقول إنه استيقظ في المشفى “بيد واحدة”، وهو ما دفعه للبكاء.

محمد الفارس -إنترنيت
محمد الفارس -إنترنيت

“كل شيء غدا صعباً، الطعام، الكتابة، اللعب مع أطفالي وحملهم إلى الأعلى” يكمل الفارس الذي أجبر نفسه على تقبل وضعه الجديد، يستطيع الفارس اليوم قيادة الدراجة وما زال يعمل في معمل بودرة إطفاء الحرائق ضمن صفوف الدفاع المدني.

يشارك “عبد الله الملحم”، ابن مدينته محمد الفارس ألمه ومصيره، وهو شاب عشريني حمل خلال الثورة السورية كاميرته ليوثق جرائم النظام وقتله للمدنيين، وبعد أسبوع من زواجه خرج الملحم لتوثيق مجزرة في قرية عويجل بريف حلب الغربي، في السابع عشر من تشرين الثاني ٢٠١٦، لكن الطيران الحربي نفذ غارة جديدة على المكان أثناء تواجده ما أدى لإصابته بجروح بليغة أدت إحداها لبتر ذراعه الأيمن بينما امتلأ جسده بالشظايا.

عبد الله الملحم -إنترنيت
عبد الله الملحم -إنترنيت

يقول الملحم إنه تنقل بين عدة مشافٍ في سوريا وتركيا، وخضع لعملية استخراج الشظايا من جسده في مشفى أنطاكيا، لينقل بعد خمسة أيام إلى مستشفى خاص في غازي عينتاب، حيث اجريت له عمليات تطعيم في ذراعه وفخذه بسبب ضياع اجزاء من جسده، وبقي هناك نحو شهرين ونصف الشهر، قبل أن يعود إلى مدينته حاملاً كاميرته بذراع واحدة، ليكمل عمله بشكل تطوعي.

وعن الصعوبات التي تواجه الملحم يقول “فقدت معداتي، واقتصر عملي على بعض الصور الفوتوغرافية ضمن المدينة، وغالباً ما أستعين بأحد الأصدقاء حتى نخرج للعمل معاً خارج المدينة، وأيضا توقف الدعم عن الوكالة التي أعمل بها لذلك اعمل بشكل تطوعي”.

الفارس والملحم لم يستطيعا تأمين أطراف صناعية تساعدهما على الاستمرار في حياتهما وعملهما، بينما ينتظر العوض السماح له بالدخول إلى تركيا للعلاج.
مراكز الأطراف الصناعية عاجزة أمام الأعداد الكبيرة
يتواجد في إدلب عدة مراكز لتركيب الأطراف الصناعية التي قد تساعد المصاب على إكمال حياته بشكل شبه طبيعي، لكن المصاب قد ينتظر لشهور طويلة قبل الحصول على الطرف المساعد.

ويقول عدنان جودي “فني وأخصائي بالأطراف الصناعية والأجهزة التأهيلية” في مركز طيبة للعلاج الطبيعي الذي يتبع لمؤسسة شام للأطراف الصناعية إن المركز يختص بإصابات الأطراف السفلية، ويتم استيرادها من تركيا، إلا أن الأعداد الكبيرة لمبتوري الأطراف وقلة الدعم تجبر المرضى على الانتظار لوقت طويل للحصول عليها، أحياناً يزيد عن سنة كاملة. أما بخصوص الأطراف العلوية فيخبرنا الجودي إن المعاناة أكبر لدى مبتوري الأطراف العلوية، وذلك لعدم توافرها وصعوبة تصنيعها محلياً، وعدم دعم المنظمات الإنسانية لهذا النوع من الإصابات.


يعمل الجودي بالإضافة لعمله في مركز طيبة ضمن مركز خاص بذوي الاحتياجات الخاصة في منطقة كفرلوسين، ويستقبل ضمن المركز جميع الحالات ويؤمن احتياجات المرضى من أطراف، بعد حوالي عشرة أيام، حيث  يختار المريض الطرف الذي يناسبه بحسب إمكاناته المادية، ويتراوح  سعر الطرف ما بين أربعمائة دولار إلى عشرة آلاف دولار بحسب نوعه بالنسبة للأطراف تحت الركبة في حين يتجاوز سعر الطرف فوق الركبة عشرين ألف دولار، وهي مبالغ يصعب على معظم المصابين تأمينها. يخبرنا الجودي أن مصاباً واحداً يزور مركزهم الخاص شهرياً على الأكثر.

الأثر النفسي للإصابات الحربية على المريض

تترك الإصابة الحربية أثراً عميقاً على نفسية المصاب قد يتجاوز الأثر الجسدي، وقد تتطور في حال لم تجد الأجواء المناسبة للشفاء، نتيجة غياب العلاج النفسي المختص رغم وجود بعض المراكز المهتمة بالدعم النفسي وبعض المعالجين المهتمين بمساعدة مصابي الحرب.
تقول “فاطمة الصبيح” داعمة نفسية تعمل ضمن عيادات العلاج النفسي في إدلب: يتطور الاضطراب النفسي المعروف بـ”اضطراب ما بعد الصدمة” أو “Post-Traumatic Syndrome Disorder” مع مصابي الحرب وترافقه عدة عوامل يسهل ملاحظتها، مثل صعوبة النوم خوفاً من الكوابيس المتعلقة بالحرب وذكرياتها، إضافة إلى فقدان السيطرة على المشاعر والغضب الشديد و تجنب الحديث عن أحداث الحرب أو الذهاب لأماكن الذكريات المؤلمة، مما يضعف الثقة بالنفس والتواصل الأسري و الاجتماعي إلى جانب اضطراب بعض المعاني الوجودية مثل الإيمان والحياة والموت والتفكير بالانتحار وغيرها من العوامل التي تختلف من شخص  لآخر ومن عمر لآخر.

تخبرنا “الصبيح” إنها، ومن خلال من قابلتهم من مصابي الحرب أثناء عملها، لاحظت عدم قدرة الكثير منهم على التكيف مع إصاباتهم، وتعرضهم للاكتئاب، كما أن بعضهم يمتلك ميولاً انتحارية، آخرون تحولوا إلى مدمنين على بعض العقاقير الدوائية المسكنة والمهدئة كـ “الترامادول”. وتقول الصبيح إن مراكز الدعم النفسي تعمل بتقنيات بسيطة، إضافة لإمكانية ربط المصاب بمنظمات إنسانية خارج سوريا لتقديم الدعم المناسب له، كما لا يوجد في المنطقة مركزاً لعلاج الإدمان، وتفتقر لوجود الأطباء الاختصاصين.

وتنصح الأخصائية النفسية رشا الإسماعيل بتفعيل دور العلاج النفسي، إن وجد، وتشكيل مجموعات خاصة للمصابين يستطيعون من خلالها التعبير عن مشاكلهم والحديث عنها، وتشجيعهم على ممارسة بعض الأنشطة الرياضية ودعمهم للاستمرار في أعمال تناسبهم.

يحتاج مبتورو الأطراف في سوريا لحلول ناجعة تساعدهم على الاستمرار بالحياة، أهمها الحصول على أطراف صناعية من شأنها التخفيف من صعوبة أعباء الأعمال اليومية، وفي ظل الواقع الاقتصادي السيء الذي يعيشه جميع السكان في مناطق المعارضة، يبدو مستحيلاً تأمينها من قبل الأشخاص أنفسهم أو عائلاتهم، في انتظار دعم أكبر من قبل المنظمات الإنسانية والصحية للفئة الأكثر تضرراً من سنوات الحرب، والذين يتحملون ظروف النزوح والتهجير، إضافة للإعاقة ما يجعلهم رهائن للاكتئاب والعجز والقلق.

 

في إدلب: أفواه المرضى تحت رحمة ممتهني الطب وازدحام وكلفة مرتفعة في العيادات العامة والخاصة

محمد جميل

“وجع الضرس قطعة من جهنم”، يتداول السوريون هذا المثل وهم يعضون على ألمهم، بعد أن بات الحصول على علاج لأسنانهم حلماً في طل ارتفاع الأسعار وندرة العيادات، بينما يصف من تحدثنا معهم من رواد المراكز العامة إمكانياتها بـ “القاصرة”، يبتسمون وهم يستعيدون مشهداً من مسلسل “الخربة”، إذ يهرب السكان من طبيب الأسنان الذي “يقلع كل ما يجد في طريقه من أسنانهم”.

 

لجأ محمد الحلبي (٣٣ عاماً) إلى أحد العاملين بمهنة تركيب الأسنان والذين يطلق عليهم اسم “القرباطي” نسبة إلى المكان الذي أتوا منه من جبل “الكاربات” في أوروبا ويتوارثون مهنة تركيب الإسنان، إضافة لمهن أخرى، بعد أن خسر ستة من أسنانه بسبب التهاب حاد في اللثة، يقول محمد إن الكلفة العالية التي قدرها طبيب الأسنان الذي راجعه بنحو ستين دولاراً، أجبرته على اللجوء “للقرباطي” لتعويض أسنانه التي خسرها وبكلفة لا تزيد عن عشر دولارات، مع علمه بفارق الجودة والتعقيم وما يمكن أن تتسبب به هذه العملية من آثار جانبية.

أسعار مرهقة للمرضى
يلجأ كثير من مرتادي العيادات السنية إلى قلع أسنانهم المصابة بالنخر بدلاً من إصلاحها وتلبيسها بتيجان خزفية، نتيجة ارتفاع أسعار العلاجات مقارنة بدخل المواطن في مناطق المعارضة، في حين يلجأ كبار السن إلى قلع أسنانهم وتعويضها بأسنان صناعية “بدلات” والتي أصبحت هي الأخرى تكلف نحو مئتي دولار، وهو مبلغ يعجز عن تأمينه كثير من المرضى الذين يذهبون إلى الطبيب والمخبري عدة مرات، ويضطروا في النهاية للبقاء بدون أسنان.

كذلك سبب الازدحام في عيادات طب الأسنان واضطرار المرضى لقطع عشرات الكيلو مترات للوصول إليها، نظراً لهجرة الأطباء وقلة المختصين بسبب الحرب الدائرة، في زيادة الكلفة المادية وإهدار الوقت وامتناع كثير من المرضى عن علاج أسنانهم ومراقبتها بشكل دوري، إضافة لتضاعف أسعار الأدوية في الأخيرة وفقدان قسم منها كمضادات الوزمة (شفازن فورت) وبدائله، وأدوية الالتهاب (سبيرازول) وبدائلها، و(أوغمنتين)، التي إن وجدت توجد بأسعار مرتفعة جداً (نحو خمسة أضعاف سعرها السابق) بحسب الصيدلاني أسعد سوسي.

 

يتم تسعير العلاجات السنية بالدولار ما شكل صعوبة في تأمين نفقات العلاج بالنسبة للمرضى، يقول محمد الحسين “مخبري أسنان” إن تاج الخزف على معدن تبلغ تسعيرته اليوم نحو (خمسة عشر دولاراً) وتاج السيراميك على زيركون أصبح سعره (خمسين دولاراً)، وأجرة حشو الضرس الواحد نحو (خمسة عشر دولاراً)، وتختلف هذه الأسعار قليلاً من عيادة لأخرى بحسب الطبيب وأنواع المواد المستعملة.

ويضيف الحسين لم يعد هناك إقبال على زراعة الأسنان واقتصر هذا العلاج على المرضى الذين وصفهم بـ “الأثرياء”، إذ تبلغ تكلفة زراعة السن الواحد نحو أربعمئة دولار، في حين لايزال إجراء تقويم للأسنان مستمراً، لكن بنسب أقل، إذ تتراوح تكلفة التقويم الواحد ما بين أربعمئة دولار إلى ستمئة، الأمر الذي نتج عنه ركود وقلة في الطلب على المخابر والعيادات السنية ما أدى إلى إغلاق العديد منها.
عمل عشوائي ولا نقابة لطب الأسنان في المنطقة
لا يوجد في إدلب جهة أو نقابة تحدد أسعار المواد السنية التي باتت تحددها المخابر بالاتفاق فيما بينها، وهو ما شكل عقبة أمام أطباء الأسنان الذين اضطروا لرفع أسعارهم تماشياً مع التكاليف الكبيرة التي يدفعونها للمخبريين، ما انعكس بشكل كبير على المرضى.
يقول طبيب الأسنان علي سمعان “لا يوجد مراكز حكومية لتأمين مستلزمات طب الأسنان، وجميع المراكز خاصة، وتبيع المستلزمات بأسعار متفاوتة، وفي كل مرة نشتريها نجد فارقاً بالأسعار بين موزع وآخر، يقدر بنحو دولارين، إضافة لتغير سعر الصرف وارتفاع أسعار كثير من المواد بعد إغلاق الطرق نتيجة جائحة كورونا”.


وعن ارتفاع أسعار المواد السنية يقول عبد الناصر عوض “مندوب مبيعات” ساهمت جائحة كورونا برفع  أسعار غالبية المواد السنية، إذ ارتفع سعر عبوة المخدر الوطني من تسعة دولارات إلى اثني عشر دولاراً بعد قطع الطرق، كما ارتفع سعر المخدر الكولومبي من أحد عشر دولاراً إلى ثلاثة عشر دولاراً، لذا نستعين بالمخدر التركي والذي يعتبر أضعف فعالية من الكولومبي، بينما حافظت “الحشوات الضوئية” على أسعارها وتراوح سعر الحشوة بين ستة إلى ستة عشر دولاراً، بحسب الدولة المصنعة لكن سوق الأدوية يشهد قلة في الحشوات الضوئية ما يدفع بعض المستودعات لاحتكارها.
كما ارتفع سعر طقم السيلكون من ستة وعشرين دولاراً إلى اثنين وثلاثين دولاراً، في حين شهدت المعقمات ارتفاعاً كبيراً بالأسعار تجاوز نسبة 400% بالمئة في كثير منها.
وضرب العوض مثالاً بالكحول الإيتيلي الذي ارتفع سعره من ألف ليرة سورية إلى ثمانية آلاف، في حين ارتفع سعر عبوة القناع الطبي من دولارين ونصف للعبوة الواحدة إلى ثلاثة عشر دولار، كذلك ارتفع سعر عبوة القفازات الطبية من ثلاثة دولار إلى ثمانية دولار. وأكد العوض أن كافة مستلزمات طب الأسنان تدخل اليوم عن طريق الجانب التركي بعد إغلاق المعابر مع نظام الأسد.

وفي الحديث عن واقع طب الأسنان والصعوبات التي تواجه الطبيب والمريض، يقول سمعان الوضع يتجه نحو الأسوأ، نتيجة غياب الاهتمام من قبل المنظمات، سواء المحلية أو الدولية العاملة في الشمال السوري بطب الأسنان، وهو ما أوصل هذه المهنة لأدنى مستوى، وأردف بأنه لا توجد رقابة على أسعار المواد ولا على المواد من جهة التأكد من مواصفاتها، إضافةً لدخول بعض مخبريي الأسنان وأشخاص من خارج المهنة وقيامهم بأعمال الطبيب وخفض أسعار المعالجات، التي أدت لفقدان المريض لثقته بالطبيب بحجة (أسعاره المرتفعة).

طبيبة الأسنان “ياسمين العامر” تحدثت عن ضرورة توعية المريض الذي يلجأ، بسبب ظروفه المادية، إلى (القرباطي) الذي يستخدم الأدوات من فم إلى آخر ما يؤدي إلى ظهور بؤر انتانية، ويلحق بالقرباطي دخلاء المهنة الذين يدّعون طب الأسنان، إذ انتشرت مؤخراً عدة عيادات لعاملين في المهنة دون الحصول على شهادة الطب، ناهيك عن قيام بعض مخابر الأسنان بإجراء علاجات للمرضى رغبة بالربح الإضافي، متجاهلين الضرر الذي قد يلحق المريض نتيجة جهلهم بالطب، لكن كثير من المرضى يلجأ إلى تلك المخابر بهدف دفع تكاليف أدنى وإن كان على حساب سلامته.

هذه المخالفات أرجعتها الطبيبة لعدم وجود نقابة لأطباء الأسنان في إدلب، وفشل محاولات مديرية الصحة بمنع العيادات والمخابر المخالفة من العمل، رغم العقوبات التي تفرض عليهم، إضافة لتجاهل العديد من الأطباء والمخابر لاستكمال التراخيص التي طلبتها مديرية الصحة.

 المريض يعض على الألم

يوضح الطبيب “سمعان” أن إقبال المرضى على عيادات الأسنان انخفض إلى النصف تقريباً، بسبب الأحوال الاقتصادية الصعبة للأهالي، واعتبر أن الحل يكمن بدعم قطاع الأسنان وافتتاح مراكز جديدة للمعالجة المجانية تستوعب الناس من أهالي المناطق والنازحين إليها، مؤكداً أن المراكز الموجودة حالياً غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة للمراجعين، ويضرب مثالاً عن مركز زردنا الذي يستقبل أكثر من طاقته الاستيعابية بكثير، فهو يعالج مرضى الأسنان لأكثر من ست قرى عدا النازحين إليها.

وتقدم هذه المراكز العلاجات الطارئة والأولية كالقلع وسحب العصب دون استكمال العلاج كالتلبيس والأجهزة السنية (البدلات) ذات الكلفة العالية على المريض.

من جهتها وصفت طبيبة الأسنان “ياسمين العامر” واقع طب الاسنان في الشمال سوري بالـ “صعب جداً”، لاسيما مع تردي الوضع المعيشي، وأوضحت أن أجر الطبيب السوري ضئيل جداً مقارنةً بالمجهود الذي يبذله، فهو الأقل بين دول العالم ودول الجوار، وقالت إن طبيب الأسنان يحتاج لمبالغ كبيرة لشراء المعدات اللازمة لعيادته، عدا عن غلاء الأدوات والمواد التي أصبحت جودتها أقل وأسعارها أغلى، إضافةً إلى العناء في تأمين الطاقة في ظل غياب الكهرباء، حيث يعتمد الأطباء على الطاقة الشمسية والمولدات لتأمين الكهرباء لتشغيل المعمقة وكرسي الأسنان، ما شكل كلفة إضافية على الطبيب الذي يحتاج لتشغيل المعقمة مرتين أو ثلاث مرات يومياً، وفي كل مرة يستمر تشغيلها لمدة ساعة كاملة حتى تصل لدرجة العقامة التي يحتاجها.
من ناحية أخرى يشكو المخبري من  صعوبة تأمين بعض المواد السنية التي توقف دخولها من مناطق النظام وأصبحت تدخل من تركيا حصراً كالإكريل والخزف التي تصنع منها الأسنان، وأصبحت جودتها أقل من تلك التي كانت تدخل عبر معابر النظام لأن الأخيرة ألمانية المنشأ وتصنف في الدرجة الأولى عالمياً، في حين أغلب المواد المتوفرة اليوم إما تركية أو صينية وهي أقل جودة بحسب مخبري الأسنان محمد جعفر.

المراكز العامة للعلاجات الطبيعية (قلع -سحب عصب)

وعن الخدمات التي تقدمها العيادات السنية المجانية في إدلب قال الدكتور حسام إسماعيل (وهو الطبيب المكلف بتشكيل نقابة أطباء الأسنان في إدلب) إن الخدمات السنية المقدمة في المنطقة تنقسم إلى قسمين، ” الجراحات الفكية، والمعالجات السنية الطبيعية كسحب العصب ومعالجات النخور”، حيث يتواجد في محافظة إدلب خمس عيادات للجراحة الفكية اثنتين منها في مدينة إدلب، إضافة لعيادة في معرتمصرين و باب الهوى ومنطقة حارم، وتكون هذه العيادات ضمن المشافي.

أما عيادات المعالجة السنية والتي تقدم الخدمات الأساسية (سحب العصب، والحشوة، والقلع البسيط)، فهي موجودة بأغلب المراكز الصحية المنتشرة في إدلب، وتكون مزودة بكرسي أو كرسيين بدوام بسيط، إلا أن أعداد المرضى المتزايدة يسبب ازدحاماً كبيراً عليها، وقد يضطر المريض للانتظار نحو شهر كامل لتلقي العلاج، ويستقبل كل طبيب في هذه العيادات نحو ثلاثين مريضاً يومياً ما يقلل من سوية الخدمة الطبية. أما فيما يخص “الترميم أو التعويض” والذي يطلق عليه في العامية “تلبيسة أو تتويج”، والأجهزة المتحركة، فهذه العلاجات غير متوافرة في المراكز العامة، حتى الآن، لكلفتها العالية. وقد حاولت بعض المنظمات الطبية كمؤسسة أورينت افتتاح مثل هذه العيادات، وجهزتها بالمعدات اللازمة منذ نحو عام تقريباً، إلا أنها لم تفتح أبوابها بسبب الكلفة التشغيلية العالية.

وتضم مديرية الصحة نحو خمسة وعشرين مركز رعاية أولية، لكن تلك الأعداد لا تحقق مطالب المرضى، إذ قال بعض من التقيناهم إن أعداد المرضى والازدحام الموجود في العيادات المجانية يفرض على الجهات الصحية إحداث عيادات جديدة، تسهم في حل مشكلة الازدحام، وتشكل مكاناً لخريجي طب الأسنان الجدد من جامعتي إدلب وحلب الحرة.

وعن موضوع تراخيص العيادات السنية يقول الطبيب اسماعيل إن العيادات المرخصة قليلة، ويقدرها بـ٢٥٪ من العيادات السنية في المنطقة، لأن طلب هذه التراخيص جاء من جهتين منفصلتين (مديرية الصحة ووزارة الصحة التابعة لحكومة الإنقاذ)، وليس هناك توافقية بين الجهتين فلكل واحدة منهما ترخيصها الخاص، فالطبيب الذي يريد العمل بمنظمة يحتاج إلى ترخيص من مديرية الصحة، أما الأطباء في العيادات فيحتاجون لترخيص من وزارة الصحة، ما دفع الأطباء لتجاهل طلبات الترخيص.

نقابة لطب الأسنان في الطريق (أن تصل متأخراً)

ويعمل الطبيب إسماعيل رفقة زملائه الآن على تشكيل نقابتهم الخاصة، وهي في مراحلها الأولى على حد وصفه، إذ تم عقد عدة اجتماعات تأسيسية للجان تحضيرية، كان آخرها في مدينة إدلب، وقد انبثق عنها مجلس نقابي مؤقت مؤلف من عشرة أعضاء لتنسيق العمل وتشكيل فرع إدلب، ليشكل هذا الفرع مع فرع حلب المشكل سابقاً نقابة لأطباء الأسنان في مناطق المعارضة.

ويقول الاسماعيل إن نقابة أطباء الأسنان هي الوحيدة التي لم تُشكل حتى الآن، إذ يوجد نقابات للأطباء والصيادلة والمهندسين، والمهندسين الزراعيين والمعلمين..، بسبب بعض الإشكاليات التي تتعلق بطبيعة المهنة، إذ حال دون تشكيل النقابة، رغم طرح الفكرة منذ نحو عامين، وساهم في تأخيرها ظروف الحرب والقصف، ويتم العمل الآن على الإحصاء والبيانات وتحضير النظام الداخلي، وسيتم طرح النظام الداخلي خلال الأسبوعين القادمين، وسيتم بعدها إعلان تشكيل نقابة إدلب، تمهيداً لتشكيل النقابة المركزية الذي سيستغرق نحو شهرين.

ويضيف الطبيب أن مهمة النقابة ستكون تحسين واقع طب الأسنان الذي تراجع في الفترات الأخيرة، ومحاسبة ممتهني هذه المهنة دون شهادة أو ترخيص، ومعاقبتهم، كذلك ستأخذ النقابة على عاتقها مسؤولية تطوير المهنة وتلافي التقصير، عن طريق إقامة المؤتمرات والندوات العلمية التي من شأنها مواكبة التطور الحاصل في العالم.

كما سيكون من مهام النقابة ضبط عمل العيادات وضبط أعداد خريجي الجامعات الموجودة في الشمال السوري، وسيكون للنقابة معايير خاصة بها لقبول الانتساب، وستسهم في حل مشاكل الطلاب الذين كانوا على أبواب التخرج في جامعات النظام، والذين لم يتمكنوا من متابعة دراستهم.

“وجع الضرس قطعة من جهنم”، يتداول السوريون هذا المثل وهم يعضون على ألمهم، بعد أن بات الحصول على علاج لأسنانهم حلماً في طل ارتفاع الأسعار وندرة العيادات، بينما يصف من تحدثنا معهم من رواد المراكز العامة إمكانياتها بـ “القاصرة”، يبتسمون وهم يستعيدون مشهداً من مسلسل “الخربة”، إذ يهرب السكان من طبيب الأسنان الذي “يقلع كل ما يجد في طريقه من أسنانهم”.