فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ما رسالة روسيا لـ تركيا في قصف “درع الفرات”.. ولماذا الباب؟

سعد أبو حنين

لكن السبب الأقرب لاستهداف مدينة الباب، أو تقصّد استهدافها عبر افتعال بعض التفجيرات في أماكن تشعر فيها تركيا بالحرج، هو الطريق الدولي ذاته حلب – اللاذقية (M4) الذي تسيّر عليها تركيا وروسيا دوريات مشتركة على قسمه الممتد مِن مدينة سراقب شرق إدلب إلى منطقة جسر الشغور غرباً على تخوم الحدود الإدارية لمحافظة اللاذقية، ولم تصل الدوريات إلى تخوم منطقة الجسر إلا في الدورية رقم 19، مطلع شهر تموز الجاري، حيث كانت تقتصر على مسافات قصيرة بسبب اعتراضها مِن قبل الأهالي وتعرّضها لـ تفجيرات مِن قبل مجهولين.

في مساء يوم الأربعاء، 15 تموز 2020، شنّت طائرات حربية مجهولة ثلاث غارات على أحياء سكنية وسط مدينة الباب أكبر معاقل منطقة عملية “درع الفرات”، أول عملية عسكرية لـ تركيا في سوريا والتي طردت مِن خلالها تنظيم “داعش” مِن ريفي حلب الشمالي والشرقي.

أدّت الغارات الثلاث التي استهدفت الحيين الشرقي والغربي قرب “السرايا” وجامعي الإيمان والفاروق وسط مدينة الباب، إلى إصابة عشرة مدنيين بينهم ثمانية أطفال، فضلاً عن دمار كبير في المنطقة، وسط ترجيحات الدفاع المدني والمراصد العسكرية بأن الغارات نفّذتها طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الروسي.

وجاءت الضربة الجوية على مدينة الباب بعد يومٍ واحد مِن انفجار سيارة مفخخة استهدفت عربة عسكرية روسية (ضمن دورية مشتركة مع القوات التركية) على الطريق الدولي حلب – اللاذقية (M4) قرب قرية مصيبين التابعة لمدينة أريحا جنوب إدلب، وأسفر الانفجار حينها عن إصابة ثلاثة جنود روس وإعطاب العربة.

وتبنّى التفجير حينها فصيل مجهول ظهر لأول مرة في محافظة إدلب يطلق على نفسه اسم “كتائب خطاب الشيشاني”، حيث نشر على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لموقع التفجير تحمل شعار الفصيل، وذلك بعد ساعات مِن اتهام روسيا لمِا أسمتهم “جماعات إرهابية” بالمسؤولية عن التفجير.

ورغم أن الدورية الروسيّة على طريق الـ M4 تعرّضت لهجمات متكرّرة منذ اتفاق الأتراك والروس، يوم 5 آذار 2020، على وقف إطلاق النار في منطقة إدلب وتسيير دوريات مشتركة على الطريق، إلّا أن العديد مِن المحللين السياسيين والعسكريين يرون أن الهجوم الأخير كان مفتعلاً – وربما الهجمات التي سبقته أيضاً -، خاصةً أن مَن تبنّى التفجير الأخير فصيل مجهول ظهر لأول مرة في المنطقة، ولأن التفجير يصب في مصلحة روسيا ونظام الأسد بالضغط على تركيا، وما يرجّح ذلك أنها اختارت مدينة الباب مجدّداً، ولم ترد في إدلب، التي تشهد أساساً خروقات مستمرة للاتفاق مِن قبل روسيا ونظام الأسد.

قد يكون فحوى الرسالة التي أرادت روسيا إيصالها لـ تركيا عبر ضرب مدينة الباب، بأن القوات التركية غير قادرة على ضمان سلامة الدوريات المشتركة على طريق الـ M4 في منطقة إدلب، أو ربما ينسحب الأمر إلى ملف آخر تتخبط فيه المصالح الروسية والتركية وهي الملف الليبي، حيث تسعى تركيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني (الحكومة المعترف بها دولياً) بشن عملية عسكرية للسيطرة على مدينة سرت الساحلية وقاعدة الجفرة.

ولكن بغض النظر عن فحوى الرسالة، لماذا اختارت روسيا مدينة الباب تحديداً لـ استهدافها وللمرة الثانية، حيث سبق أن استهدفتها، في اليوم الأول مِن شهر شباط 2020، وشنّت عليها خمس غارات أدّت إلى إصابة مدنيين وإحراق جامع “الشيخ دوشل” وتدمير عددٍ مِن المنازل، وكان هذا الاستهداف هو الأول منذ طرد تنظيم “داعش” مِن المدينة، مطلع العام 2017، وجاء بعد يومٍ واحد مِن إطلاق الفصائل عملية عسكرية تحت اسم “العزم المتوقّد” ضد قوات النظام في محاور تادف جنوبي الباب وأبو الزندين والدغلباش غرباً، إلّا أنها توقّفت بعد ساعات بأوامر تركية، ودون نتائج تذكر.

لماذا مدينة الباب؟

تعدّ مدينة الباب أكبر مدن “درع الفرات”، العملية العسكرية الأولى لـ تركيا التي أطلقتها ضد تنظيم “داعش” شمال وشرق حلب، وذلك بالاشتراك مع فصائل الجيش السوري الحر، التي اندمجت ضمن الجيش الوطني السوري فيما بعد، كما تعتبر المدينة معقل منطقة تركيا الآمنة التي سعت مِراراً لإقامتها في الشمال السوري وعلى طول حدودها مع سوريا، فضلاً عن وجود أكبر القواعد العسكرية التركيّة في جبل “الشيخ عقيل”، خاصرة مدينة الباب والتي يشرف عليها كلّها مِن الجهةِ الغربية. إضافة لأن مدينة الباب تعتبر التجمع السكّاني الأكبر في ريف حلب حيث يقطن المدينة -عدا عن سكّانها الأصليين- مئات الآلاف مِن النازحين والمهجّرين مِن مختلف المناطق السوريّة.

ولكن يبدو أن هناك أمر آخر يتعلّق باستهداف مدينة الباب تحديداً لغير الأسباب المذكورة أعلاه، خاصة أن أي مِن مناطق “درع الفرات” الواقعة ضمن النفوذ التركي تتعرض لـ غارات جوّية، ستشكّل صدمة في أوساط المعارضة، على اعتبار أن تلك المناطق تعتبر “آمنة” وبمنأى تام عن القصف الجوي والعمليات العسكرية، وإن حدثت بعض المناوشات مع قوات النظام على أطراف بلدة تادف في مدينة الباب، أو محاولات تسلل لـ قسد في مناطق أخرى بريف حلب، فلا أثر كبير لذلك.

لكن السبب الأقرب لاستهداف مدينة الباب، أو تقصّد استهدافها عبر افتعال بعض التفجيرات في أماكن تشعر فيها تركيا بالحرج، هو الطريق الدولي ذاته حلب – اللاذقية (M4) الذي تسيّر عليها تركيا وروسيا دوريات مشتركة على قسمه الممتد مِن مدينة سراقب شرق إدلب إلى منطقة جسر الشغور غرباً على تخوم الحدود الإدارية لمحافظة اللاذقية، ولم تصل الدوريات إلى تخوم منطقة الجسر إلا في الدورية رقم 19، مطلع شهر تموز الجاري، حيث كانت تقتصر على مسافات قصيرة بسبب اعتراضها مِن قبل الأهالي وتعرّضها لـ تفجيرات مِن قبل مجهولين.

الطريق الدولي ذاته (M4) ولكن هذه المرة مِن الجهة الشرقية لمحافظة حلب والذي يمتد إلى محافظة الحسكة وينتهي عند معبر اليعربية الحدودي مع العراق شمال شرق المحافظة، حيث يتقاسم السيطرة على هذا الطريق قوات “قسد” التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية، والقوات الروسية التي استدعتها “قسد” عقب العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، قبل أن تُعلن تركيا وقفها بعد اتفاق مع روسيا، يوم 22 تشرين الأول 2019، جاء بعد سيطرة الجيشين التركي والوطني السوري على مدينتي رأس العين في ريف الحسكة وتل أبيض في ريف الرقة وعشرات البلدات والقرى بينهما على الحدود السورية – التركية وعمقاً حتى طريق الـ M4.

ويشهد الطريق الدولي حلب –الحسكة (M4) دوريات روسيّة بشكل يومي تعترضها أحياناً القوات الأميركية، ولكن يمكن لروسيا أن تقّعل الطريق للحركة التجارية والعبور المدني أيضاً –بالاتفاق مع الأميركان -، في حال تمكّنت مِن الاستحواذ على قطعة طريق يبلغ طولها نحو “20 كليومتراً” تسيطر عليها فصائل الجيش الوطني ضمن مناطق مدينة الباب، وهي المساحة الممتدة بطول تسعة كيلومترات تقريباً مِن قرية “البويهج” جنوبي غربي بلدة العريمة التابعة لمدينة الباب وقرية “أبو الزندين” التابعة للباب أيضاً مِن الجهة الغربية.

وإن تمكّنت روسيا مِن السيطرة على قطعة الطريق هذه فإنها غالباً تستطيع تفعيل الطريق الدولي حلب –الحسكة (M4) والتحكم بقوافل تجارية تنطلق مِن محافظة درعا في الجنوب السوري (عبر الطريق الدولي حلب – دمشق M5، الذي باتت تسيطر عليه بشكل كامل تقريباً)، إلى معبر اليعربية في محافظة الحسكة شرقي البلاد، وبمسافة تقدّر بنحو 890 كم.

وربما ما يؤكّد ذلك، أن روسيا تولي اهتماماً كبيراً للطرق الدولية الممتدة على طول وعرض الأراضي السورية التي باتت تسيطر على مساحات واسعة منها، خاصة جنوبي ووسط سوريا، وأهم تلك الطرق وأبرزها طريق الـ M5 الذي يصل شمالي سوريا بجنوبها، وطريق الـ M4 الذي يصل شرقي سوريا بغربها، ويتجلّى هذا الاهتمام –حسب محللين سياسيين وعسكريين –بإقحام ملف الطرق في جميع الاتفاقات السياسية والمعارك العسكرية التي يخوضها الروس لصالح نظام الأسد.

أخيراً، مدينة الباب هي التي صرّحت حولها وزارة الدفاع الروسيّة، يوم 18 كانون الثاني 2017، بأنها شهدت أول عملية جوية مشتركة بين روسيا وتركيا ضد تنظيم “داعش”، حيث قالت حينها “إنّ سلاحي الجو الروسي والتركي نفذا لأول مرة عملية مشتركة ضد مسلحي تنظيم الدولة في مدينة الباب بريف حلب”، مضيفةً أن “العملية كانت فعّالة وجرت بموافقة نظام الأسد”، على حدِّ قولها.

سعد أبو حنين 

الأزمة اللبنانيّة تهدم جسور المساعدة بين العمال اللاجئين في لبنان وذويهم في الشمال السوري

محمد كنعان

بدّل كثير من السوريين أماكن سكنهم بأخرى أقل كلفة، بعضهم سكن في خرابات أو غرف حديدة أو دكاكين أو مرآب السيارات، وتخلى كثير منهم خلال الأشهر الماضية عن الكهرباء والهواتف والانترنيت، وقننوا من الغذاء في سبيل تأمين لقمة العيش لهم ولعائلاتهم في الشمال السوري.

تمثل المساعدات المالية التي يرسلها العمال السوريون في لبنان إلى ذويهم صمام الأمان ووسيلة عيش لكثير من العائلات في مناطق المعارضة السورية، بعد فقدانها لموارد الحياة نتيجة القصف والنزوح، خاصة المواسم الزراعية، وقلة فرص العمل، ومع ارتفاع أسعار الصرف للدولار مقابل الليرة السورية شكلت تلك الحوالات حلّاً لتأمين المستلزمات اليومية التي ترتفع أسعارها في كل يوم، لكن ومع الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان انقطعت تلك الحوالات، وبات العامل السوري هناك يحتاج للمساعدة، بعد تسريح آلاف اللاجئين من أماكن عملهم، وارتفاع الأسعار في لبنان الذي رافقه هبوط في سعر الليرة اللبنانية إلى مستويات غير مسبوقة.

الانهيار الاقتصادي وأزمة الأجور

أفادت وكالة فرانس برس، في مقال نشرته في الثامن من حزيران الماضي، أن لبنان يشهد أسوأ انهيار اقتصادي منذ عقود، بالتزامن مع شح الدولار وخسارة العملة المحلية لقيمتها، كما أكد الخبير الاقتصادي اللبناني باسل الخطيب أن الأزمة هي أسوأ وضع يعيشه لبنان منذ تاريخ تأسيسه، وأن الأوضاع تزداد سوءً يوماً بعد يوم في ظل فقدان الخطط الاقتصادية والتخبط السياسي الذي يعيشه.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور لدى وزارة العمل اللبنانية ستمائة وخمسة وسبعين ألف ليرة لبنانية أي نحو أربعمائة وخمسين دولاراً حسب سعر الصرف الرسمي للمصرف المركزي، في حين باتت تساوي في السوق السوداء أربعة وثمانين دولاراً ، بعد انخفاض قيمة الدولار الواحد من ألف وخمسمائة ليرة لبنانية إلى تسعة آلاف خلال الأسابيع الماضية.

رافق ذلك الانهيار في سعر الصرف شلل اقتصادي في معظم القطاعات الصناعية والزراعية وأعمال البناء، وتم تسريح آلاف العمال الذين كانوا يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، إذ كان العمال السوريون يشكلون العمود الفقري للعمالة في هذه القطاعات، يقول صابر أحمد والذي يملك متجراً لبيع أدوات البناء والعدد الزراعية والصناعية في مدينة صيدا: “إنه ومنذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان اعتمدت الشركات والمتعهدون على العمال السوريين في مجالات البناء والعمران والقطاع الزراعي والصناعات اليدوية، وذلك لقدرتهم على تحمل المشاق وبنيتهم الجسدية القوية والرضا بالأجور القليلة، ويصفهم الأحمد بـ “النشيطين دون تعب، بيشتغلو كتير وبيرضو بالقليل”.

كذلك زادت جائحة كورونا من أزمة العمالة في لبنان، بعد توقف قسم كبير من المعامل والورشات، وكذلك المطاعم والمقاهي والتي كانت تستقطب السوريين للعمل فيها.

لم نعد نرسل دولاراً واحداً.. وبتنا نبحث عن المساعدة

تحول آلاف السوريين إلى عاطلين عن العمل، في بلد لا يحظى فيه اللاجئون بدعم يعينهم على تحمل أعباء الحياة، يقول عمر عبد المحسن (من مدينة بنش بريف إدلب -٢٩ عاماً) ويعمل في ورشة بناء في بيروت إنه لم يرسل دولاراً واحداً منذ أشهر لوالده الذي يعاني من إعاقة جسدية ويعيش مع والدته وأخواته الثلاث بريف إدلب.

عمال سوريون بينهم عمر عبد المحسن يعملون في ورشة بناء -فوكس حلب
عمال سوريون بينهم عمر عبد المحسن يعملون في ورشة بناء -فوكس حلب

ويخبرنا عبد المحسن أنه كان يوفر شهرياً ما بين  مئة وخمسين ومئتي دولار خلال فصل الصيف، ونحو مئة دولار من عمله في الشتاء ويرسلها لعائلته ليتمكنوا من تأمين الاحتياجات الأساسية لقوت يومهم، إذ يعمل والده كبائع للكعك والمعروك على بسطة،  وما يجنيه لا يكفي لإطعام شخص واحد على حد قوله.

لا يلقي عبد المحسن بالاً لصعوبات العمل الشاق تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي ظل جائحة كورونا، يقول إنه مستعد للعمل في الظروف كافة لمساعدة عائلته، لكن لبنان في حالة شلل، وما يجنيه لا يكفي لتأمين غذائه وإيجار منزله والفواتير الكثيرة المفروضة عليه، يقول “صرت أبحث عن المساعدة لأعمل، أي شيء وفي أي شيء”.

الدولار وكورونا يفتكان بأجور العمال

بسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، سرّح  مطعم الوجبات السريعة في بلدة الغازية جنوب لبنان نحو ٣٠٪ من عماله، وخفض رواتب باقي العمال ومنهم طارق النجار من قرية مرعيان بريف إدلب والذي قال إن قيمة التخفيض بلغت نحو ٢٥٪، إذ يتقاضى اليوم خمسمائة وخمسين ألف ليرة لبنانية بدلاً من سبعمائة وخمسين ألف، وانخفضت قيمتها الشرائية (تبلغ اليوم نحو سبعين دولاراً بدلاً من خمسمائة دولار سابقاً)، وهو ما حال دون قدرته على إرسال أي حوالة مالية لعائلته التي تسكن في أحد المخيمات شمال إدلب، يخبرنا النجار أن حياته وأقرانه اليوم “تحت الصفر”، في إشارة لعدم قدرتهم على تأمين الاحتياجات الأساسية.

وتشترط الحكومة اللبنانية على الشركات ألا يقل عدد العاملين اللبنانيين فيها عن ٦٠٪ من إجمالي الموظفين، وهو ما دفع معظم الشركات للتخلي عن العمالة السورية كخيار أول، يقول محمد علوان والذي سرح من عمله في صناعة المواد البلاستيكية بخبرة تزيد عن خمس وعشرين سنة، إن الشركة التي يعمل بها تخلت عن السوريين وهو ما أشعره بالعجز لعدم قدرته على مساعدة نفسه وعائلته، إضافة لوالديه المسنين، ورفض مفوضية اللاجئين في لبنان مساعدته بحجة أنه “غير مخول لأي أنواع المساعدة”، ويصف هذا الرد بـ “المضحك المبكي في آن معاً”.

ويقول علوان إن أجرة يوم كامل، في حال الحصول على عمل، لا تكفي لشراء نصف كيلو غرام من اللحم على سبيل المثال، أو بعض الخضار التي لا تكفي لصناعة طبق ليوم واحد، فكيف يمكن “لميت أن يحمل ميتاً!”.

كابوس أول الشهر.. نعيش في أماكن لا تصلح للبشر

بدّل كثير من السوريين أماكن سكنهم بأخرى أقل كلفة، بعضهم سكن في خرابات أو غرف حديدة أو دكاكين أو مرآب السيارات، وتخلى كثير منهم خلال الأشهر الماضية عن الكهرباء والهواتف والانترنيت، وقننوا من الغذاء في سبيل تأمين لقمة العيش لهم ولعائلاتهم في الشمال السوري.

"شبه الغرفة" التي يعيش فيها أحمد جمعة في لبنان -فوكس حلب
“شبه الغرفة” التي يعيش فيها أحمد جمعة في لبنان -فوكس حلب

ويقول أحمد جمعة إنه انفصل عن عائلته المقيمة في ضواحي بيروت ليقيم في “العاقبية” جنوباً بعد أن وجد فرصة عمل هناك، يعيش حالياً في “شبه غرفة” ويحاول التأقلم مع وضعه الجديد، فـ “أبو علي الي بيلاقي شغل هالأيام”.

ويخبرنا أبو علي أنه يكره الأيام التي تمر بسرعة وصولاً لـ “رأس الشهر” الذي يحمل فواتير كبيرة بدءً من الإيجار وليس انتهاء بأقساط المدارس، وهو ما دفعه لما أطلق عليه “غربلة الحياة”، ويشرحها بالاستغناء عن اشتراك الكهرباء (مئة وخمسون ألف ليرة لبنانية)، واللحم والفروج وكل أنواع الفاكهة، حتى الشاي أحب المشروبات إلى قلبه بات يكرهها، على حد قوله، ويجمل ما يحدث بمقولة “كل شي صار عدو لجيوبنا”.

كل تلك الأشياء التي استغنى عنها الجمعة لم تؤثر في حياته بقدر اضطرار ابنته للعمل بعد عجزه عن مساعدتها، يقول إنها “غصته الكبيرة”، فبعد أن بترت ساق زوجها بإصابة حربية بات غير قادر على العمل، وتكفل بإعانتها على الحياة في مدينة الباب شرق حلب، ومع الظروف الحالية وعدم قدرته على ذلك اضطرت للعمل فـ “المعونة التي تحصل عليها لا تسمن ولا تغني من جوع”، يخبرنا إنه يعرف أن العمل ليس عيباً، لكن عائلتها تحتاجها وهو ما يزيد من ألمه.

صرافو “الأسود” في إجازة

معظم التحويلات المالية كانت تتم عبر وسطاء سوريين بعد تعذر إرسال هذه الحوالات بالطرق الرسمية، ويقدر عبد الحميد موفق (يعمل بتحويل الأموال إلى إدلب) انخفاض نسبة التحويلات المالية بـ ٨٠٪، عما كانت عليه في السابق، بينما يقدرها آخرون ممن تحدثنا معهم بـ٩٠٪.

يقول عبد الحميد إن تحويل مئة دولار يومياً بات “غنيمة”، بعد أن كان يحول آلاف الدولارات يومياً، وتحدث عن مصطلح جديد أطلق عليه “التضامن العوزي” ويشرحه باشتراك عدة أشخاص لإرسال حوالة مالية قدرها مئة دولار يوزعونها على أهاليهم في الشمال السوري.

ولم ترتفع أجور التحويلات المالية وفقاً لغلاء كل شيء، إذ تتقاضى المكاتب نحو ست دولارات عن كل مئة دولار، وتتناقص بحسب حجم المبلغ لتبلغ خمسة وعشرين دولار عن كل ألف دولار.

المفوضيّة تفوّض أمرها، والحل عند الكبار

أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان، وتقدر الحكومة اللبنانية عددهم بنحو 1.5 مليون لاجئ، وتتوقع ليزا أبو خالد(المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين) أنّ 75 % من اللاجئين السوريين في لبنان باتوا تحت خط الفقر المدقع، غير قادرين على تلبية احتياجاتهم من الغذاء والدواء والملجأ، مما دفع بعضهم للسكن في المباني غير المكتملة، وأماكن غير صالحة للسكن “غرف حديد، خرابات ومرائب ومنازل مهجورة”، ما دفعها لتوجيه نداء للمجتمع الدولي والدول المانحة للتعاضد مع المفوضية، وتحمل مسؤولياتهم تجاه اللاجئين، وتشكيل هيئة إنقاذ أممية للعمل على احتواء الوضع.

غرفة حديدية تعيش فيها واحدة من العائلات السورية في لبنان -فوكس حلب
غرفة حديدية تعيش فيها واحدة من العائلات السورية في لبنان -فوكس حلب

الحكومة لا ترحمنا، ولا بتخلي الرحمة تنزل علينا

نفذ اللاجئون السوريون عدة وقفات احتجاجية على تردي أوضاعهم، وحرمانهم من المساعدات المالية والعينية، أمام مراكز المفوضية في طرابلس وبيروت وصور، دون أي نتائج ملموسة حتى الآن، ويتذرع مسؤولو المفوضيّة بحجة أن الأمور خارج نطاق قدرتنا وأن الحل بيد المجتمع الدولي كدول مانحة، ناهيك عن قمع الحكومة لاحتجاجاتهم بحجة الوقاية من كورونا، ولمنع إحداث بلبلة على حد زعمها كي لا يصل صوتهم، لتكتمل قائمة المعاناة.

محمد كنعان 

 

لعبة “الجودو” في إدلب تدافع عن نفسها

منيرة بالوش

وضم نادي دمشق الرياضي نحو مئة لاعب في الفئات العمرية كافة، وأحرز لاعبوه عدة بطولات منذ افتتاحه، ويغطي نفقاته من رسم الاشتراك الذي يبلغ عشرين ليرة تركية لتسديد أجر الصالة وتغطية النفقات الأخرى وتأمين دخل شخصي للمدرب، إلا أن غالبية اللاعبين لا يدفعون ما يترتب عليهم لظروفهم المادية، وهو ما يزيد من معاناة اللعبة، ويقول الخطيب إنه من الواجب تأمين الصالات الرياضية مجاناً للأندية، كذلك رواتب للمدربين ليتمكنوا من التفرغ للتدريب وتطوير اللاعبين

بدلات من الجودو البيضاء بأحزمة متنوعة تمرّ من أمامك يرتديها أطفال بأعمار مختلفة استهوتهم هذه اللعبة، وباتت جزء من نشاطهم الأسبوعي يلعبونها داخل الناديين الوحيدين في إدلب، وتستقطب الأطفال الذين يجدون فيها متنفساً يساعدهم على تفريغ طاقاتهم، وإخراجهم من أجواء الحرب، وتعزز فيهم روح المنافسة، ما يترك أثره الإيجابي على صحتهم النفسية والجسدية.

عدنان بالوش (تسع سنوات) أحد هؤلاء الأطفال الذين التحقوا بهذه اللعبة منذ عامين، يخبرنا بعض الأشياء عن طرق احتساب النقاط في الجودو، وهو يمارس حركاتها أمامنا، يقول إن أعلى نقطة في اللعبة هي “الإيبون” ويتم منحها عندما يتمكن أحد اللاعبين من تثبيت خصمه على الأرض لمدة خمسة وعشرين ثانية، أو عندما يتمكن من رمي خصمه على الأرض بحركة خاطفة وقوية بحيث تكون الرمية على ظهره، ومن يحقق نقطة الإيبون أولاً يربح الجولة، حتى وإن لم ينته وقتها، وتوجد حركات أخرى مثل “وزاري” التي تعادل نصف أبون.
وكانت لعبة الجودو وهي فن قتالي ياباني يعني “الطريقة اللينة” قد تطورت في ثمانينات القرن التاسع عشر، مع القواعد الخاصة التي وضعها “جيغورو كانو” والتي ألغى منها الحركات الخطرة، بحيث باتت تعتمد السيطرة على الخضم وشل حركته بضربات معينة وفق أساليب التربية البدنية الأخلاقية والفكرية.
غياب الدعم المادي أثر على عمل الأندية

في إدلب ناديان لرياضة الجودو (دمشق الرياضي -أمية)، وهي أندية أنشئت بجهود فردية من محبي اللعبة والمدربين، ويقتصر دعم المؤسسات والمنظمات الداعمة لها على رعاية بعض البطولات.  ومنها بطولة الجمهورية الأخيرة التي أقامها اتحاد لعبة الجودو والسامبو والكوراش في السادس عشر من حزيران الماضي، للصغار والناشئين والأشبال في مدينة إدلب، برعاية المديرية العامة للرياضة والشباب بحكومة الإنقاذ، وشارك في البطولة مئة وثلاثين لاعباً من عشر محافظات.

يقول خالد الخطيب وهو مدرب جودو في نادي دمشق الرياضي، نال بطول الجمهورية وحاز على ميداليتين فضيتين في الدورتين العربيتين (١٩٩٧-١٩٩٩)، إن تبني هذه الأندية والمواهب الناشئة ضروري لتقديم صورة مشرقة عن الرياضة السورية في المنطقة التي تعاني من القصف والدمار، وكذلك لاستغلال الطاقات الكامنة عند اللاعبين وإشراكهم في البطولات.

ويرى اللاعب الخطيب الذي تابع مسيرته الرياضية بعد تهجيره من دمشق في العام ٢٠١٦ ضمن النادي الذي أنشأه أن الصعوبات المادية هي أهم ما يواجه الأندية، خاصة مع ارتفاع كلفة إيجار الصالات الرياضية، إذ يدفع نحو ستين دولاراً أجرة للصالة التي يقوم بالتدريب فيها، كذلك أسعار المستلزمات كالبساط الخاص باللعبة والذي يبلغ سعره نحو ألف دولار، بينما يعجز الخطيب ومن معه على تأمين بدلات الجودو لكل المتدربين ودفع بدل الاشتراك للعاجزين عن دفعه.

ويضم نادي دمشق الرياضي نحو مئة لاعب في الفئات العمرية كافة، وأحرز لاعبوه عدة بطولات منذ افتتاحه، ويغطي نفقاته من رسم الاشتراك الذي يبلغ عشرين ليرة تركية (يبلغ رسم الاشتراك في نادي أمية نحو خمسة آلاف ليرة سورية =15 ليرة تركية تقريباً) لتسديد أجر الصالة وتغطية النفقات الأخرى وتأمين دخل شخصي للمدرب، إلا أن غالبية اللاعبين لا يدفعون ما يترتب عليهم لظروفهم المادية، وهو ما يزيد من معاناة اللعبة، ويقول الخطيب إنه من الواجب تأمين الصالات الرياضية مجاناً للأندية، كذلك رواتب للمدربين ليتمكنوا من التفرغ للتدريب وتطوير اللاعبين.

حال نادي دمشق لا يختلف عن نادي أمية الذي يخبرنا مدربه “محمد ديب رضوان بلشة” بآنه يضطر للعمل في مهنة أخرى لتأمين نفقاته اليومية، والبلشة مدرب جودو من مواليد إدلب، نال المركز الثالث ببطولة الجمهورية عام ١٩٩٤، وحصل على المركز الثاني في العام ١٩٩٥.

يقول “بلشة” إن الحرب والقصف والنزوح تسببت بتراجع الألعاب الرياضية بشكل عام، كما أن المنشآت الرياضية تعرضت للقصف والخروج عن العمل، يخبرنا عن عدة حوادث منها سقوط صاروخين خلف الصالة الرياضية، إضافة لتفجير بعد مدة بالقرب من الصالة التي يقوم بالتدريب فيها، ما دفع النادي لإيقاف التدريب لفترة طويلة.

يحرص بلشة والخطيب على الاستمرار بتدريب الأطفال، يقولان إنها تمنحهم الثقة والقوة والقدرة على الدفاع عن النفس، وتزيل عنهم الضغوط النفسية العالقة بسبب ظروف الحرب.
غياب الهيكلية الموحدة يترك أثره على الأندية

لا تتبع أندية الجودو في إدلب لإدارة موحدة، بل يوجد ثلاثة أجسام رياضية في المدينة (اتحاد تابع للمكتب الرياضي لحكومة الإنقاذ، واتحاد تابع للهيئة العامة للرياضة والشباب، واتحاد تابع للجنة الأولمبية). ويقول المدرب “الخطيب” إن غياب الجسم الرياضي الموحد في مناطق المعارضة، أثر بشكل سلبي على الرياضة وخاصة ألعاب القوة، وحال دون تمثيل المنطقة رياضياً أمام الدول الأخرى.
وعن هذه الموضوع يقول رئيس مكتب ألعاب القوى عبد القادر الحجازي: “مؤخراً تم تشكيل الاتحاد الرياضي السوري الحر بإدارة الدكتور “طاهر حميدة “، وهو ما يزال في مراحله الأولى، ولم تتشكل بعد هيكلية كاملة له، باستثناء مكتب اتحاد القوى الذي تشكل منذ خمسة أشهر”.

ويخبرنا الحجازي وهو مدرب وحكم دولي من مدينة دمشق، يعتبر من مؤسسي لعبة الجودو في إدلب بعد انتقاله إليها في العام 1987 بطلب من اتحاد الجودو أنه لا يوجد تراخيص للأندية الرياضية الحالية، وفضل أن يسميها بيوت رياضية لأن الأندية تكون على مستوى كبير وتستوعب كل الرياضات، وهو ما يغيب عن تلك البيوت.
وأكد أنه سيتم ترخيص جميع تلك الصالات واعتمادها بشكل رسمي بحيث يتم النظر في المدرب ومدى خبرته وعلمه في اللعبة وشهادته، إذ يوجد في مدينة إدلب مركزين للتدريب هما “نادي أمية ، ونادي دمشق الرياضي” وكذلك عدة مراكز متفرقة في الدانا وحفسرجة وكللي والأتارب وعفرين وقبل سيطرة النظام على الريف الجنوبي كان هناك عدة مراكز في المعرة و سراقب وخان شيخون.
يخبرنا الحجازي أن الاتحاد الحالي لم يتلق أي دعم مادي من أي جهة، غير أن حكومة الإنقاذ وعدتهم بتبني الرياضة وتحديد ميزانية معينة لذلك، وكل البطولات التي كانت تنظم كانت تدعمها منظمة معينة و لفترة محددة فقط.

أثر الحرب على القطاع الرياضي
تأثر القطاع الرياضي خلال سنوات الثورة، بسبب تدمير عدد كبير من البنى التحتية والمرافق الرياضية كالصالات والملاعب، وكذلك غياب بعض المدربين واللاعبين الرياضيين، بسبب القتل والاعتقال و الهجرة إلى الخارج ما أدى لتراجع واضح في مختلف الألعاب الرياضية.
ولم تخلُ سنوات الثورة من محاولات وتجارب لإنشاء اتحادات رياضية تضم مختلف الألعاب يقول الحجازي : ” إنه منذ بداية الثورة بدأت تتشكل نواة الاتحاد الرياضي الحر وتم تشكيل اتحادات لألعاب القوة على رأسها اتحاد الجودو الذي تأسس 2012″، غير أن التدريب حينها كان على مستوى ضيق.
وفي 2015 بعد تحرير محافظة إدلب تشكل “الاتحاد الرياضي السوري الحر”، وبدأت بعض الألعاب تتقدم، وتشكلت الهيئة السورية للرياضة والشباب في مدنية إدلب بالداخل السوري، وبعدها انتقل مقرها إلى تركيا. ليطلق عدداً من البطولات والمسابقات والمهرجانات الرياضية في مختلف المناطق السورية آنذاك كالغوطة والوعر وحلب وإدلب. وفي عام 2017 أعاد الاتحاد هيكلة مكاتبه ولجانه للعمل بشكل أكبر وأقوى وعادت المراكز التدريبية إلى مزاولة نشاطها من خلال دورات الصقل وإعداد مدربين ولاعبين جدد.
ينهي عدنان تدريبه ويربط حزامه جيداً ليعود إلى منزله بعد ساعتين من التدريب قضاها رفقة مدربه ورفاقه غير مكترثين بوجود اتحاد من عدمه، فالمهم أنهم يمارسون اللعبة على أرض الواقع ويتنافسون فيما بينهم ويطورون خبراتهم القتالية في اللعبة التي يحبونها.

رحلة السرطان والطرق الموجعة

فاطمة حاج موسى

بقيت عائلة آسيا في منطقة العون دون مأوى رغم ظروف الشتاء القاسية، مع تقييد في حركتهم إذ يحتاجون للحصول على إذن لأي حركة حتى لو كان العثور على الطعام، إضافة لجملة من الابتزازات التي تعرضت لها العائلة مع العالقين في المنطقة ولا سيما السيدات، ما دفع عائلة آسيا لدفع مبلغ ٣٠٠ ألف ليرة سورية للسماح لهم بالعودة إلى مدينة منبج.

منذ أيام أنهت آسيا أصعب رحلة من رحلات علاجها من مرض السرطان والتي بدأت قبل ثلاث سنوات، لتطوي فصلاً جديداً من فصول معانتها الطويلة.

زواج مبكر وحظ عاثر
تركت “آسيا عثمان” 28 عاماً مدرستها منذ المرحلة الابتدائية، وخرجت للعمل بالمياومة “الفاعل”، مثل عشرات الفتيات اللواتي فرضت عليهن الحياة دخول مجال العمل مبكراً، نتيجة ظروف الحياة الصعبة التي تعيشها عوائلهن، بعد فترة انتقلت للعمل في أحد معامل المواد الغذائية، على أمل أن تساعد عائلتها الفقيرة التي تضم أحد عشر فرداً.
تزوجت آسيا حين بلغت ثلاثة عشر عاماً من رجل يكبرها بخمسة عشر سنة، لكنها وجدت في هذا الزواج فرصة للخلاص من العمل المتعب الذي أرهق طفولتها. تقول آسيا إنها كانت سعيدة بعريسها “عبدو” فقد كان أباً و حبيباً و زوجاً عوضها عن طفولتها المفقودة، عاشت معه سبع سنوات كانت سعيدة خلالها وأنجبت ثلاثة أطفال، لكن معاناتها عادت لتظهر من جديد، فالطفلة التي كانت تعمل لتساعد عائلتها تحولت اليوم لأم مسؤولة عن إعالة أطفالها، بعد فقدان زوجها الذي وجد مقتولاً على طريق جبل “باش مشلش” بمدينة حارم سنة 2013.
أنهت آسيا عدتها على زوجها وبدأ والدها بإقناعها بالزواج من شقيق زوجها “بسام” لأن وجودها وإياه في منزل واحد غير مقبول من وجهة نظر المجتمع المحيط، رفضت آسيا هذا الزواج في بداية الأمر لكن ضغوط العائلة ومسؤولية الأولاد الصعبة دفعاها للقبول، إذ يعاني أولادها الثلاثة من أمراض مختلفة، “جمانة” أكبرهم سناً تعاني من زيادة شحنات كهربائية، وأختها “بيسان” مريضة بضمور في الدماغ ولديها فتحة في القلب لا أمل في علاجها، أما أخوها الأصغر “أحمد” فيتعرض من فترة لأخرى لنوبات صرع (الوقوع في الساعة).
عاشت آسيا مع زوجها الجديد أكثر من سنتين، حملت معها كثيراً من المتاعب إذا اعتادت على تصرفات زوجها السابق الذي كان يستوعبها ويتحمل معاناتها وهذا مالم  يتمتع به بسام. وبعد مضي سنة ونصف السنة من زواجهما حملت “آسيا” من “بسام”، لكنه توفي بعد ثمانية أشهر من حملها، لتنجب بعد وفاته طفلتها الجديدة “بسمة” والتي كانت الذكرى الباسمة الوحيدة في تجربتها الثانية والتي تأملت أن تتبدل حياتها بعد قدومها.

معاناة آسيا تكتمل بإصابتها بالسرطان
في الثالث عشر من كانون الثاني عام ٢٠١٧م تعرض سوق الأتارب لثلاث غارات جوية، قتل وجرح فيها نحو مئة وستين مدنياً، وأصيبت “آسيا الأمين” يومها بنوبة هلع نتيجة استهداف الطيران الحربي لمكان قريب من منزلها، إضافة للأثر الذي تركته مشاهد الضحايا وأجسادهم المتناثرة في المكان.
لم تقتل تلك الغارة روح آسيا لكنها تركت لديها كثيراً من الأوجاع التي تعيشها حتى اليوم، إذ أصابها تسرع في عدد ضربات القلب ثم انخفاض في الوزن، ونزيف متقطع، وآلام مستمرة في الظهر، ناهيك عن الكوابيس التي باتت رفيقاً لها في كل ليلة.

عوارض التعب والمرض المستمر دفعت آسيا للخضوع لفحص طبي، في مشفى بلدة “كفر كرمين” قرب الأتارب للكشف عند الطبيبة النسائية، وبالمصادفة كانت الطبيبة “سناء المعري” التي تعمل بمركز علاج السرطان في مشفى “كفرلاته” بجبل الزاوية متواجدة في المشفى، كشفت عن آسيا وبعد إجراء عدة تحاليل طبية تبين وجود كتلة سرطانية بالرحم، إضافة لإصابتها بمرض فطري أدى لانتشار فيروس خطير بجسدها نتيجة الإهمال الصحي.
خضعت آسيا بعد الفحص لعملية استئصال وتجريف للكتلة وما حولها. لكنها لم تتمكن من الخضوع لجرعات العلاج الكيميائي لأن الفايروس قتل واحداً وعشرين عنصراً من الفيتامينات والمعادن الأساسية في جسدها، ويجب أن تستعيض عن الجرعات بثمانين حبة من أحد أنواع الأدوية والتي لم يكن تأمينها سهلاً على آسيا، لكن أحد أصدقاء زوجها تمكن من تأمين عشرين حبة عن طريق إحدى المنظمات، وتبرع بثمن جزء آخر من الحبوب، في حين نجحت آسيا بتأمين ثمن باقي الحبوب، التي لم يكن تناولها أمراً سهلاً، إذ كانت آسيا تفقد الوعي بعد كل حبة، ويجب أن يبقى أحد بجوارها حتى تصحو.
أكد الأطباء الذين قاموا بفحص آسيا على شفائها لكن جميع الأعراض السابقة  ماتزال موجودة، ما دفعها لإجراء فحوصات جديدة ليتبين أن الورم  أعاد انتشاره في الرحم، وهنا كانت آسيا أمام خيارين إما أن تنتقل للعلاج في تركيا أو إلى دمشق، وهو الخيار الذي اتفقت عليه مع أقاربها.

مواجع وخطورة ترافق كل رحلة علاج

في دمشق أعاد الطبيب المعالج الصور والتحاليل الطبية ليتمكن من تشخيص المرض بصورة أدق، ثم قرر أن تخضع آسيا لتسع جرعات كيميائية، لكن جسدها الضعيف لم يحتمل تلك الجرعات ونقلت بعد أول جرعة إلى قسم الإنعاش، ما دفع الطبيب للاعتماد على جلسات الأشعة وبدأت بالخضوع لجلسة كل ثلاثة أشهر، ما يعني السفر إلى دمشق بشكل متكرر وتحمل تكاليف ومخاطر الطريق.

الأدوية الكثيرة التي تناولتها آسيا أثرت على عمل الكلية نتيجة انخفاض المعادن في جسمها، وخسرت الكيلة 75% من وظائفها، فأخبرها الطبيب بضرورة استئصال الكلية، لكن المريضة لم توافق على اقتراح الطبيب وصبرت على آلامها فترة من الزمن، ليخبرها الطبيب بعد فترة بوجود شريحة يتم زراعتها ضمن الكلية وتعمل على تحسين وظائفها خلال سنة، لكن تكلفة العملية تصل إلى مليون وسبعمئة ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يستحيل على آسيا تأمينه، لكن إحدى الجمعيات أخبرتها بأنها مستعدة لدفع ثمن الشريحة وتبرع الطبيب بإجراء العملية مجاناً ولم يكن على آسيا إلا أن تسافر إلى دمشق.
في هذه الأثناء كانت قوات الأسد قد بدأت حملتها العسكرية الأخيرة على إدلب وكانت آسيا وعائلتها من ضمن مئة وعشرين ألف نازح فروا من ريف حلب الغربي باتجاه مدينة جرابلس “بحسب إحصائية لفريق منسقو الاستجابة”.
تسارع الأحداث دفع آسيا لاتخاذ قرارها بالسفر إلى دمشق رفقة أولادها وشقيقتها وأمها، لتجري العملية وتقيم فترة النقاهة هناك إذ لا تعتبر مناطق المعارضة مناسبة للإقامة في هذه الفترة نتيجة الأعمال العسكرية وضغط النازحين في المناطق شبه الآمنة.
رحلة دمشق الأكثر صعوبة

سافرت آسيا قبل أسرتها لإجراء الفحوصات اللازمة ولتكون مستعدة مع وصولهم لإجراء العملية، لكن وبنفس اليوم الذي وصلت فيه مدينة حلب أغلقت الحدود والمعابر بسبب انتشار وباء كورونا، وتحاصرت العائلة بمنطقة (العون) الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية.

بقيت عائلة آسيا في منطقة العون دون مأوى رغم ظروف الشتاء القاسية، مع تقييد في حركتهم إذ يحتاجون للحصول على إذن لأي حركة حتى لو كان العثور على الطعام، إضافة لجملة من الابتزازات التي تعرضت لها العائلة مع العالقين في المنطقة ولا سيما السيدات، ما دفع عائلة آسيا لدفع مبلغ ٣٠٠ ألف ليرة سورية للسماح لهم بالعودة إلى مدينة منبج.
استمر انتظار آسيا لأهلها شهراً كاملاً وحين يئست من قدومهم قررت إجراء العمل الجراحي بعد أن أخبرها الطبيب بأنها فرصتها الوحيدة للنجاة.
أجرت آسيا عمليتها وخضعت بعدها لثلاثة جلسات أشعة، وعادت إلى حلب لتنتظر فتح المعابر من جديد وتلتقي بعائلتها في منبج.

في تلك الأثناء طلب منها الطبيب إجراء بعض الصور والتحاليل، وكانت المفاجئة كبيرة حين أخبرها أن النتيجة إيجابية وتعداد كريات الدم في جسمها مطابق لجسم أي إنسان سليم، ولم تعد بحاجة لأي علاج.
عودة آسيا لعائلتها
نقلت آسيا خبرها السار لوالدتها، والتي لم تصدق في المرة الأولى لظنها بأن آسيا تمازحها، تقول أم آسيا: لا أتمكن من وصف فرحتي في تلك اللحظات، تمنيت أن تكون بقربي لاحتضنها بعدد الحقن وأكياس السيروم وحبات الدواء التي تجرعتها كل تلك المدة”
كان خبر شفاء آسيا جرعة أمل قوية لعائلتها أنستهم كل المعاناة التي عاشوها على المعابر التي حالت دون وصولهم إلى ابنتهم.

سارعت “آسيا” بتجهيز حقيبتها للعودة لأولادها رغم التهاب مكان العملية لأنها علمت أن معبر الرقة مفتوح لمدة يوم واحد، وصلت لمعبر الفرقة الرابعة ثم معبر الرقة وهناك بين المعبرين احتجزت مع باقي المسافرين لمدة ثلاثة أيام قضتها آسيا على الطرقات وبين الصخور، وفي النهاية تم فتح طريق وعر لتهريبهم إلى مدينة الطبقة في الرقة شريطة دفع25 ألف ليرة عن كل مسافر.
وصلت آسيا إلى الطبقة ونزلت آسيا عند عائلة لا تعرفها، لكنهم عملوا على مساعدتها، وقاموا بتزويدها بأوراق واحدة من نساء العائلة للمرور، وتكفل صاحب البيت بأجرة السيارة التي ستنقلها برفقته إلى منبج في رحلة استمرت ثلاثة أيام، لتحتضن آسيا صغارها بعد غياب طويل وقد تماثلت للشفاء.

تعيش آسيا اليوم مع أطفالها وكلها أمل بحياة أفضل، تخبرنا أن الحياة كانت قاسية وعادلة معها، وإن كانت آسيا قد وجدت علاجاً فما يزال آلاف الأشخاص يعانون من مرض السرطان في مناطق المعارضة، بعضهم يحاول الوصول إلى تركيا، وآخرون يخضعون للابتزاز وتجار الطرق والحواجز العسكرية ودفع الإتاوات للوصول إلى مشافي دمشق، مع غياب إمكانية العلاج في هذه المناطق.

الصابون البلدي .. صناعة تندثر في إدلب

حسن كنهر الحسين

كاملة يقول سليمان الخطيب (أحد العاملين في المهنة) إن سعر تنكة زيت البيرين المخصص لصناعة الصابون ستة عشر ألف ليرة سورية، في حين يستعمل البعض زيت الزيتون القديم ذو الأسيد، ويبلغ سعره نحو ألف وسبعمئة ليرة للكيلو الواحد، ويتم إضافة كميات من زيت الغار بقيمة عشرة آلاف ليرة إضافة لعلبة معطر بألف وخمسمئة ليرة سورية، إضافة لقيمة الصودا وأجور الصناعة إذ يتقاضى العاملون في المهنة نحو ثلاثة عشر ألف ليرة عن طبخ كل تنكة زيت، لتصل الكلفة الكاملة نحو 45 ألف ليرة للطبخة التي ستزن أكثر من عشرين كيلو غراماً، ويعتبر السعر قليلاً إذا ما قورن بصابون المعامل والذي يتراوح سعره بين ثلاثة إلى خمسة ألاف للكيلو الواحد

تجتمع عائلة الحاج أبو محمد حول قدر معدني كبير، لتتناوب على تحريك الزيوت الموجودة داخله والتي ستتحول بعد قليل لألواح من الصابون البلدي الذي اعتاد أبو محمد صناعته في منزله بريف سلقين.
ويتطلب تحضير الصابون المنزلي جهداً جماعياً، وتختلف مقادير تحضيره تبعاً لكمية الزيوت المراد طبخها، إذ يعتمد أبو محمد على عبوة الزيت التي تزن نحو ستة عشر كيلو غراماً لتكون مكيالاً ثابتاً لطبخته.

وعن خطوات تحضير الصابون البلدي يقول “نضع خمسة ليترات من الماء ضمن القدر الذي نطبخ به وننتظر حتى تصبح المياه دافئة ثم نضيف لها اثنان كيلو ونصف من مادة الصودا (القطرونة)، ونبدأ بالتحريك لتذوب بشكل كامل ضمن الماء، ثم يقوم أحدنا بسكب الزيت ببطء فيما يقوم شخص آخر بتحريك تلك الزيوت مع الماء حتى إفراغها بشكل كامل”.

يستمر تقليب المحتوى لمدة خمسة عشر دقيقة بواسطة ملعقة خشبية كبيرة، حتى يصبح الخليط لزجاً، ليتم بعدها إضافة زيت الغار وبعض الزيوت العطرية ونسب قليلة من زيت حبة البركة وجوز الهند وزيت بذور القطن.

تستمر عملية التقليب مدة ساعة حتى لا يحترق الجزء السفلي من الخليط الموجود في أسفل القدر، ويتبادل أبو محمد مع أولاده عملية التحريك لأن الخليط سيصبح سميكاً جداً ويصعب تحريكه لذا يضيف أبو محمد بعض المياه كل فترة لتمنح الخلطة بعض المرونة، وبعد مرور نحو خمسين دقيقة يصبح الخليط جاهزاً للصب حيث يقوم شخصان بحمل الحلة وإفراغها ضمن قالب خشبي بعد فرش أرضه بغطاء بلاستيكي أو أوراق المجلات لمنع التصاق الخليط بالأرض، وضغطه بواسطة أداة ثقيلة لتفريغه من فقاعات الهواء، ثم يعمل أبو محمد على تسوية سطح الخليط بشكل جيد ليكسب الصابون ملمساً ناعماً.

بعد مضي ساعة يبرد الخليط ويتم تقطيعه بواسطة سكين طويلة إلى مكعبات متناسقة، ويترك في مكانه نحو خمس ساعات لتجف بشكل كامل وتصبح جاهزة للاستعمال.

المنظفات الصناعية تسيطر على الأسواق

يقول العاملون في هذه المهنة إن الإقبال على صناعة الصابون بالطريقة التقليدية تراجع بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة بعد تنامي صناعة الصابون الذي يتم إنتاجه في المعامل.

ويرجع أبو محمد الأسباب التي تكمن وراء تراجع تلك المهنة للمنافسة الكبيرة التي فرضتها المعامل الحديثة، إذ يلجأ غالبية الأهالي لاستعمال الشامبوهات والمنظفات السائلة والمعاجين التي تتم صناعتها بمزج مجموعة من المواد الكيميائية على البارد بدون الغلي على النار، والتي زاد عددها بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية ما أدى لتراجع صناعة الصابون التقليدي بنسبة 90%، يقول أبو محمد إنه كان يطبخ خمس عبوات من الزيت بشكل يومي سابقاً، في حين يقوم الآن بطبخ تنكة كل يومين أو ثلاثة.

ويمتاز الصابون المنزلي بسعره الرخيص مقارنة بالأنواع الصناعية، لكن ذلك الانخفاض لم يساعده على المنافسة بالأسواق، لأن المنظفات الصناعية تمكن الزبون من شراء الكمية التي يحتاجها وفي الوقت الذي يريد، على عكس الصابون البلدي الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالتوصية على طبخة كاملة، إذ لا يتوافر في الأسواق ولا يباع بالقطعة أو الكيلو غرام ما يرتب على الأهالي مصاريف زائدة.

وعن تكلفة الطبخة كاملة يقول سليمان الخطيب (أحد العاملين في المهنة) إن سعر تنكة زيت البيرين المخصص لصناعة الصابون ستة عشر ألف ليرة سورية، في حين يستعمل البعض زيت الزيتون القديم ذو الأسيد، ويبلغ سعره نحو ألف وسبعمئة ليرة للكيلو الواحد، ويتم إضافة كميات من زيت الغار بقيمة عشرة آلاف ليرة إضافة لعلبة معطر بألف وخمسمئة ليرة سورية، إضافة لقيمة الصودا وأجور الصناعة إذ يتقاضى العاملون في المهنة نحو ثلاثة عشر ألف ليرة عن طبخ كل تنكة زيت، لتصل الكلفة الكاملة نحو 45 ألف ليرة للطبخة التي ستزن أكثر من عشرين كيلو غراماً، ويعتبر السعر قليلاً إذا ما قورن بصابون المعامل والذي يتراوح سعره بين ثلاثة إلى خمسة ألاف للكيلو الواحد.

تتنوع آراء الأهالي بين الصابون الذي يتم صناعته يدوياً وبين المنظفات الكيميائية الجديدة، إذ يفضل بعض من التقيناهم ومنهم مصطفى العباس الصابون المحلي عن صابون المعامل، لقلة المواد الكيماوية الداخلة في تحضيره، والتي تجنب فروة الرأس الحساسية والقشرة، كما يمنح البشرة نضارة ويقلّل من ظهور الحبوب والبثور والتجاعيد ويساهم في القضاء على البكتيريا لا سيما التي تسبب روائح كريهة للجسم.

بينما يلجأ آخرون للحصول على الصابون الصناعي والاعتماد على المنظفات الأخرى في استخدامهم اليومي، ودلك لتوافرها في الأسواق بالكميات التي يريدونها من جهة، ولاعتيادهم عليها من جهة أخرى، ناهيك عن روائحها العطرة وأنواعها المختلفة.

صنع صابون الغار لأول مرة قبل ما يقارب الألفي عام قبل الميلاد، ولا زالت هذه الصناعة تحافظ على طريقتها التقليديّة حتى يومنا هذا، مع بعض الإضافات البسيطة على تلك المهنة، ورغم عزوف عشرات العاملين بها عن صناعتها وإغلاق الكثير من المصابن إلا أن كثيراً من الناس ما زال يرغب باستعمالها، للابتعاد عن المواد الكيميائية الصناعية والتي يجهل المستهلك طبيعة المواد المستعملة في صناعتها.

 

الدعم النفسي بين الأهمية وعدم الجدوى

سلام زيدان

تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إلى أن أربعة ملايين طفل سوري نشؤوا وهم لا يعرفون إلا العنف، ما أدى لتفاقم المشكلات النفسية والجسدية التي يعانون منها، وقالت منظمة الصحة العالمية في إحصائية لها لعام 2018 إن سورياً واحداً من بين ثلاثين يعاني من حالة صحية نفسية صعبة، في حين يعاني شخص من بين كل عشرة أشخاص من أزمة نفسية تتراوح بين الخفيفة والمعتدلة نتيجة التعرض طويل الأمد للعنف

تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إلى أن أربعة ملايين طفل سوري نشؤوا وهم لا يعرفون إلا العنف، ما أدى لتفاقم المشكلات النفسية والجسدية التي يعانون منها، وقالت منظمة الصحة العالمية في إحصائية لها لعام 2018 إن سورياً واحداً من بين ثلاثين يعاني من حالة صحية نفسية صعبة، في حين يعاني شخص من بين كل عشرة أشخاص من أزمة نفسية تتراوح بين الخفيفة والمعتدلة نتيجة التعرض طويل الأمد للعنف .

لذا تعمل غالبية المنظمات المتواجدة في مناطق المعارضة على تنفيذ مشاريع خاصة بالدعم النفسي وتعزيز الصحة النفسية والوقاية من الاضطرابات، وتدعيم نظم المعلومات في ظل الصراع وذلك بعد موجات النزوح والتهجير التي طالت تلك المناطق وما خلفته الحرب من مآسي.
تتباين آراء الناس حول جدوى تلك المشاريع وما تقدمه من خدمات في ظل ظروف الحرب، فهناك من يرى أن الأموال  المخصصة لهذه المشاريع تذهب في غير طريقها الصحيح، وأن تقديم الاحتياجات الأساسية كالغذاء والمأوى والصحة و النظافة أهم من الدعم النفسي، إضافة إلى قلة كفاءة وخبرة الأشخاص العاملين في هذا المجال، في حين يرى آخرون أن أهمية مشاريع الدعم النفسي لا تقل عن غيرها نتيجة الخدمات الكبيرة التي تقدمها للمتضررين من آثار الحرب والتهجير.

ويعرف الدعم النفسي بأنه سلسلة متصلة من الدعم والرعاية التي تؤثر على الفرد والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد، وتمتد هذه السلسلة من أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية والأصدقاء والجيران والمدرسين إلى العاملين في مجال الصحة وأعضاء المجتمع ضمن علاقات رعاية يومية مستمرة.

أهمية الدعم النفسي في زمن الحرب
تقول عبير الحامد “مستفيدة من مشاريع الدعم النفسي” إنها دخلت بحالة نفسية صعبة بعد النزوح والإقامة في خيمة دون أي مدخول مادي، وتفاقمت مشاكلها مع زوجها وأهله، ما دفعها للجوء إلى أحد مراكز الدعم النفسي، حيث حضرت عدة جلسات توعية لتعزيز معلوماتها في كيفية التعامل مع الطفل والأسرة والتخلص من الضغوط اليومية، وترى الحامد أن مثل هذه المشاريع كانت منقذاً لها ولمثيلاتها ممن يعانين من ضغوط النزوح والأحوال المادية، إذ تعلمن كيفية التعامل مع الظروف والتعافي من الأزمات.

تلقت الحامد تدريباً في مهنة الخياطة لمدة شهرين، عبر أحد مشاريع سبل العيش، تعلمت خلاله مهنة الخياطة التي تساعدها اليوم في تقديم مورد مادي لعائلتها من خلال مزاولتها لهذا العمل في المخيم، حيث قدم لها المركز مجموعة من الأقمشة وأدوات الخياطة لمساعدتها في الانطلاق بمهنتها.

بدورها تقول ياسمين حمدي “مديرة حالة”  ثمة من يرى بأن مشاريع الدعم النفسي والصحة النفسية ليست بالمستوى المطلوب لافتقار الكوادر المؤهلة للشهادات العملية، وأن الدعم المقدم لهذه المشاريع من الجهات المانحة أكبر بكثير من المشاريع الأخرى مثل المشاريع الغذائية والتعليمية، في حين لا يعتبر الدعم النفسي أولوية اليوم ولا يحقق الفائدة المرجوة مقارنة بغيره من الخدمات، إلا أن الحمدي تراها  خدمة لا تقل أهمية عن باقي الخدمات، وأيدت رأيها بدراسة أعدتها جمعية “أنقذوا الطفولة” والتي مقرها بريطانيا، وذكرت بأن أكثر من 70% من الأطفال السوريين الذين تم إجراء مقابلات معهم من قبل الخبراء يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مثل التبول اللاإرادي، وأشارت الدراسة إلى أن فقدان القدرة على النطق والعدوانية والخوف من الأصوات المرتفعة من الظواهر الشائعة بين هؤلاء الأطفال، ما يعكس أهمية مشاريع الدعم النفسي وحاجة المجتمع إليها.

وتقول أحلام الرشيد “منسقة مشاريع الحماية في منظمة الرؤية العالمية” لا يمكن القول بإن هذه المشاريع ليست ذات جدوى فالخدمات التي قدمتها خلال سنوات الحرب واضحة للجميع، وترى بأن أي فرد في المجتمع قد يكون عرضة لاضطراب ما بعد الصدمة، حيث يعاني المصاب فيها من اكتئاب أو عزلة بسبب الضغوطات النفسية الاجتماعية والاقتصادية.

وأكدت “الرشيد” أن وجود هذه المراكز خفف من تلك المعاناة وذلك من خلال تقديمها لمشاريع تدعم الأشخاص المتضررين كأنشطة الدعم النفسي وإدارة الحالة والتوعية والتعليم المسرع والصحة النفسية، ولولا تواجد هذه الخدمات لكان الوضع أسوأ مما هو عليه، لأن ظروف التهجير والنزوح باعدت بين الأهل والأصدقاء، فوجود هذه المراكز عوض بعض النقص ورأب الصدع، وخاصة لدى فئات الأطفال والنساء والتي تعرف بـ” الفئة الأكثر هشاشة” والتي واجهت صعوبة بالتكيف مع الواقع الجديد، لذا تعمل المنظمات المهتمة وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية على تقديم مشاريع الدعم النفسي الاجتماعي في برامج خاصة من قبل المنظمات الدولية والتي تطبق المعايير العالمية، حسب إمكاناتها، وتقوم بتأهيل الكوادر عن طريق جملة من التدريبات الملائمة على اعتبار أن الاختصاص النفسي وشهادات الإرشاد قليلة، مقارنة باتساع المشاريع وحاجة الناس لها.
وفي جواب الرشيد حول نظرة المجتمع السلبية لهذه المشاريع والانتقاص من أهميتها تقول “لا يمكن الحكم على هذه المشاريع من طرف واحد من المجتمع، فغالبية من التقيناهم خلال سنوات العمل التسع يناصرون هذه المشاريع، ويظهر ذلك من خلال تفاعل الأشخاص مع النشاطات والبرامج المتكررة، كما لا يمكن إهمال الدور الكبير الذي تلعبه هذه البرامج في تأمين عشرات فرص العمل. ناهيك عن حاجة الناس للمشاريع التنموية المرتبطة بها مثل “سبل العيش” وأشارت في حديثها لتطور هذه المشاريع بشكل مستمر من ناحية الصحة النفسية ومشاريع الحماية، التي تعتبر العمود الفقري لجميع القطاعات، وذلك من خلال تأهيل الطرق والمأوى والقطاعات الصحية، وهذا يدل على فائدة المشاريع ونجاحاتها كونها عملت على الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوعية الناس من أمور خطيرة قد تكون أكثر ضرراً كالزواج المبكر والزواج القسري وعمالة الأطفال والعنف المنزلي.

الدعم النفسي يجب ألا يكون أولوية لدى المنظمات

ترى الطبيبة النسائية أميمة حامد “وهي مطلعة على مجال الدعم النفسي” بأن خدمات الغذاء والمأوى والصحة والنظافة أكثر أهمية من الدعم النفسي، ومن المفترض منحها الأولوية مقارنة بغيرها من المشاريع، وتقول الحامد إن العاملين في مجال الدعم النفسي لا يملكون الخبرة الأكاديمية والكفاءة العلمية التي تؤهلهم لمثل هذه الأنشطة والتي قد تتسبب للطفل الناجي أو غيره بمزيد من الأذى بسلوك خاطئ أو غير مقصود.

في حين قال المدير الطبي لإحدى المراكز الصحية والذي رفض ذكر اسمه “إن المبالغ التي تصرف على مشاريع الدعم والصحة النفسية كفيلة بتحسين المشافي ومراكز الرعاية والعيادات المتنقلة بدرجات عالية، ولكن لا أعلم على أي أساس تم وضع الأولويات في المشاريع وتنصيب مشاريع الحماية في البداية، في الوقت الذي تفتقر عشرات العوائل السورية لثمن رغيف الخبز. ويرى بأنه من الأجدى تأمين كفاية الناس من الغذاء والخدمات الصحية والتعليم” .

وأضاف “المدير” بأنه ينبغي مراجعة الوسائل والآليات والتقنيات المستخدمة في مثل هذه المشاريع، منعاً للتسبب بمزيد من الأذيات للسوريين من باب عدم المعرفة وقلة الخبرة.

من جانبها قالت فاطمة زيدان “العاملة في مجال الدعم النفسي ومراكز الحماية لمدة أربع سنوات” إن٨٠%  من الأشخاص الذين التقت بهم في مشاريع الدعم النفسي لا تعنيهم المعلومات المقدمة بقدر ما تعنيهم الاستفادة المادية في حال كانت هذه الجلسات مأجورة، وأما النسبة الباقية المتمثلة بـ ٢٠% من الممكن أن يكون تفاعلهم وقدومهم من أجل تلقي الدعم النفسي حقاً.

كما أضافت أن غالبية القادمين والقادمات لحضور هذه الجلسات يسألون عن المقابل المادي بحجة بدل المواصلات، ومنهم من يتكلم بوضوح إنهم لايحتاجون لهذه الجلسات بقدر حاجتهم للغذاء والكساء والمأوى.

يؤكد غالبية من التقيناهم أن حاجة الناس للمأوى والتعليم أكبر من حاجتهم للدعم النفسي، إذ ينبغي أن تتوجه مصادر الدعم نحو قطاع التعليم الذي يفتقر لكثير من وسائل الدعم هذه الفترة، ناهيك عن ضرورة دعم المخيمات العشوائية التي يعيش سكانها في ظروف إنسانية صعبة.

في موسمه الجديد: السماق يتراجع في جبال حارم

ٲسامة الشامي

يقول من التقينا بهم من العاملين بجمع السماق إن الموسم تراجع بشكل كبير عن السنوات الماضية، نتيجة قطع الأشجار للتدفئة، وخاصة الأشجار الكبيرة التي توفر حطباً أكثر من غيرها. وبلغ التأثر أوجه في العامين الأوليين من الثورة عام 2011 و2012، حيث تراجع الموسم بنسبة 70%خلالهما، بحسب التاجر الجلو، لكن سرعة تكاثر السماق برياً، وإعادة زراعته من قبل الأهالي، ساهمت بتعديل النسبة إلى 50% في السنوات التي تلت، وكان ممكن أن يتعدل الإنتاج أكثر لولا الاستمرار في قطع الأشجار.

 يتنقل عدد كبير من سكان الشمال السوري، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة، بين شجيرات السماق، لجمع عناقيده وبيعها في الأسواق، إذ يشكل هذا الموسم مردوداً إضافياً يساهم بتحسين دخل مزارعي المنطقة، كذلك الأشخاص الذين يسعون لقطافه من شجيراته البرية المتواجدة في أراضي المشاع (غير مملوكة لشخص)، ويعتبر في منطقة حارم بريف إدلب من المواسم الهامة إذ ينتشر وجوده وتكثر زراعته لفائدته المادية وقلة أكلافه.

والسماق نبات بري من أحاديات البذرة من الفصيلة البطمية، يتراوح ارتفاع شجيرته من متر لثلاثة أمتار، أوراقها خضراء متناوبة مركبة بتناسق تقابلي، ريشية الشكل،  تكون ثماره على شكل حبات صغيرة حمراء تغطيها شعيرات وبرية، تتجمع في عناقيد كثيفة.

يمتاز السماق بقدرة عالية على التأقلم مع المناخ وفي مختلف البيئات، وهو ما يفسر نموه على الجبال والتلال و في الأودية وعلى حواف الأنهار، وأحياناً في الصحارى، ولا يصنف ضمن الأشجار الموسمية الجيدة في كل المناطق، إذ يعمد بعض المزارعين لمكافحة نموه واقتلاعه ، كما في جبل الزاوية بإدلب، حيث يؤثر تواجده على موسم الكرز، بحسب المزارع محمود الخطيب،  في حين تهتم به مناطق أخرى وتسعى لزيادة أعداد أشجاره والاستفادة منها، كما في القلمون، وجبال إدلب الغربية في منطقة حارم، والتي تعرف بوعورتها إذ لا تصلح إلا لزراعة أشجار التين والزيتون، ما شجع الأهالي على الاهتمام بشجيرات السماق، التي لمسوا فيها مردوداً جيداً، خاصة مع إمكانية زراعتها على الجروف الصخرية والحواف المنحدرة التي يكثر وجودها في المنطقة.

ولزراعة السماق طريقتان، بحسب زارعيه، حيث يفضل عبد الله الحجي طريقة الشتل، التي تعتمد على اقتلاع نبتة صغيرة من الفسائل التي تنبت قرب الشجرة الأم في شهر كانون الثاني، وزراعتها ضمن أكياس أو عبوات بلاستيكية مليئة بالأتربة والسماد العضوي، والذي سيشكل بيئة جيدة للفسيلة لمدة عام كامل قبل أن يتم نقلها وغرسها في أرضها الجديدة.

أما الطريقة الثانية فتعتمد على زرع البذور، بعد نقعها في الماء، للتخلص من صلابة قشورها، ثم تنشيفها، وزراعتها ضمن أكياس صغيرة، والعناية بها لعمر السنة أو السنتين، قبل نقلها إلى المكان الجديد، بحسب الحجي.

تثمر أشجار السماق بعد ثلاث سنوات من زراعتها، و تنتج الشجرة الواحدة من السماق ما بين ثلاثة إلى خمسة كيلو غرامات ، بحسب حجمها، ويرتبط إنتاج الفلاح بأعداد الأشجار التي يمتلكها، يقول مصطفى الحسن “مزارع ” إن موسم السماق يبدأ في شهر تموز ويستمر لمنتصف شهر آب تقريباً، حيث يقوم الأهالي بقطاف عناقيد السماق غالباً بعد بلوغها اللون الأحمر، ونضجها بشكل كامل، وأحياناً يقطفونها بلون أخضر تشوبه الحمرة قبل النضج حتى لا يسبقهم إليه مزارع آخر، إذ يقطف هذا الصنف من الأماكن الجبلية ذات الملكية العامة، ويباع للتجار على شكل عناقيد خضراء، حيث يعمل التاجر على فرشها وتيبيسها، ثم فرط حبات السماق عن العناقيد، إما عن طريق آلة خاصة مصممة للفرط، أو عبر دقه بالعصي ثم غربلته والتخلص من العيدان، ثم يُعبَأ بأكياس، ويجهز للتصدير الذي سيكون في غالبه إلى تركيا أو إلى لبنان عبر مناطق النظام، ويرغب كثير من التجار بتصديره نحو الأخير لأن أسعاره أفضل، بحسب التاجر أنس جلو، والذي قال: “تختلف أسعار السماق ما بين عام وآخر بحسب الإنتاج وحركة المعابر وإمكانية التصدير”

يباع الكيلو غرام الواحد من عناقيد السماق الأخضر هذا العام بسعر ألف وخمسمئة ليرة سورية، في حين يبلغ سعر الكيلو غرام اليابس المفروط نحو ألفين وخمسمئة، أي أن سعر الطن الواحد لهذا الموسم يبلغ حوالي مليونين ونصف ليرة، وهو ما يعادل نحو ألف دولار بسعر اليوم في حين بلغ سعر الطن في السنوات التي توفر فيها سوق التصريف نحو ألفي دولار.

يقول من التقينا بهم من العاملين بجمع السماق إن الموسم تراجع بشكل كبير عن السنوات الماضية، نتيجة قطع الأشجار للتدفئة، وخاصة الأشجار الكبيرة التي توفر حطباً أكثر من غيرها. وبلغ التأثر أوجه في العامين الأوليين من الثورة عام 2011 و2012، حيث تراجع الموسم بنسبة 70%خلالهما، بحسب التاجر الجلو، لكن سرعة تكاثر السماق برياً، وإعادة زراعته من قبل الأهالي، ساهمت بتعديل النسبة إلى 50% في السنوات التي تلت، وكان ممكن أن يتعدل الإنتاج أكثر لولا الاستمرار في قطع الأشجار.

 

 

 

تأتي أهمية السماق من كونه أحد أهم التوابل الشرقية،  بسبب مذاقه الحامض واللاذع ، إذ يضاف للعديد من المأكولات ، كالمقبلات والسلطات والعديد من الأطعمة الأخرى، كما يستخدم  ببعض الصناعات الغذائية، كصناعة الزعتر والتي يدخل فيها بشكل أساسي، كما يدخل في أنواع الصّباغة والدباغة المختلفة، لأنه يعطي صباغاً جيداً يستخدم في تحضير الجلود، وعلى الصعيد الطبي يعد السماق مضادً قوياً للأكسدة لاحتوائه على فيتامين c، وله خواص مضادة للالتهابات، ومقاوم جيد  للبكتيريا والميكروبات.

يشكل السماق مردوداً مادياً جيداً لكثير من المزارعين في جبل حارم، ويقول من التقيناهم إن مقاومة السماق الكبيرة للأمراض ونموه بشكل بري وفر كامل تكاليفه على المزارع ، لذا يبقى مربح الموسم  كاملاً له، كما يشكل مصدر رزق لكثير من العائلات التي لا تمتلك الأشجار لكنها تخرج للجبال والأماكن العامة لقطافه، وهو ما يساعد في تأمين دخل يومي لعدد من السكان طيلة فترة موسمه.

 

الطاقة الشمسية مصدر دخل وطاقة وابتكارات جديدة

محمد جميل

شكلت الطاقة البديلة فرص عمل جيدة للعاملين في مجال “الحدادة” نتيجة الطلب المتزايد على قواعد تثبيت الألواح لا سيما المتحركة، وازدادت نسبة محلات الحدادة، وبحسب من تحثنا معهم فإن هذا العمل ساهم باستثمار رؤوس الأموال في مناطق المعارضة، إذ شهدت الأسواق خلال الأعوام الثلاثة الماضية دخول حاويتين من مستلزمات الطاقة الشمسية بشكل يومي، ما يعكس حجم التجارة اليومية لهذه المواد وأعداد المستفيدين منها.

يتواجد في مناطق المعارضة نحو أربعين معملاً لتصنيع المدخرات الكهربائية والتي بات وجودها من أساسيات كل منزل، نتيجة انقطاع شبكات الكهرباء العامة واعتماد الناس على الحلول البديلة للحصول على الطاقة، إذ تعتبر الألواح الشمسية من أهم مصادرها في شمال غرب سوريا، وساهم انتشارها في توفير فرص العمل لعشرات الشبان العاملين بصيانتها وصناعة الأدوات الملحقة بها.

مناطق المعارضة تنفرد بتصنيع دارات التتبع
يعمل الشاب ” إسماعيل أمون ” من بلدة زردنا، بصناعة دارات “التتبع الشمسي” وهو جهاز يتم تركيبه مع مجموعة الألواح الشمسية ليقوم بتتبع الشمس وتوجيه الألواح نحوها بشكل دائم بهدف الحصول على أفضل مردود.
التحق اسماعيل بدورة تدريبة مهنية في مجال الطاقة الشمسية العام الماضي أطلقتها منظمة أورانج، وحصل بعدها على منحة مالية مكنته من فتح محل لتصنيع وصيانة وتجارة معدات الطاقة الشمسية.
يقول إسماعيل إن هذه الدارة تتألف من حساس ضوئي موصول بدارة إلكترونية تعطي الأوامر للمحرك الذي يقوم بتوجيه ألواح الطاقة باتجاه الشمس، وقد انفردت سوريا بهذه الصناعة لأن مجموعات الطاقة الشمسية في بقية بلدان العالم تبقى ثابتة ولا حاجة لتحريكها، بل يقوم المعتمدون عليها بزيادة عدد الألواح التي تمكنهم من الحصول على المردود اللازم، لكن ضيق الأحوال الاقتصادية دفعت السوريين لابتكار هذه الطريق بهدف توفير ثمن الألواح الإضافية.

دارة التتبع الشمسي المصنعة محلياً -فيس بوك
دارة التتبع الشمسي المصنعة محلياً -فيس بوك

يتم مؤخراً تصدير تلك الدارات لمناطق النظام، إلا أن المهنيين الذين يقومون بتصنيع هذه الدارات في مناطق المعارضة يقومون بإزالة أرقام المعالجات من باب الحفاظ على سر المهنة.

يرى “أمون” أن هذه الصناعة ذات جدوى اقتصادية، لأنها لم تستورد جاهزة حتى اللحظة وجميع الدارات التي تم تركيبها صنعت محلياً، إضافة لمساهمتها بتوفير فرص عمل لليد العاملة التي تصنع القواعد الحديدة اللازمة لهذه الدارات.
روافع الجهد الحل الأمثل للحصول على الكهرباء ومورد جيد للعاملين بها

حاجة الناس للكهرباء دفعتهم للبحث عن حلول متاحة لتأمين ذلك المصدر، فألواح الطاقة الشمسية لا تصدر الكهرباء المتناوبة بل يكمن دورها في شحن المدخرات بالتيّار المستمر، حيث تم الاعتماد على “رافع الجهد” الذي يعمل على تحويل الكهرباء الموجودة ضمن المدخرة إلى كهرباء مستمرة، فنشطت تجارة تلك الأدوات في حين استفاد بعض المهنيين من تصنيعها محلياً.

رافع جهد صناعة محلية -فيس بوك
رافع جهد صناعة محلية -فيس بوك

يقول حسن يسوف تاجر معدات طاقة شمسية “إن مجال الاعتماد على الطاقة الشمسية ساهم بتوفير فرص عمل لكثير من الشبان لاسيما خريجي الثانويات والمعاهد الصناعية وحرفيي الكهرباء والإلكترون، ضمن هذا المجال مثل تصنيع روافع الجهد ودارات الفصل الكهربائي وأجهزة تتبع الشمس والقواعد المعدنية المتحركة، والمدخرات، وفتحت لهم آفاقاً جديدة لتصنيع روافع جهد تضاهي البضائع المستوردة وبأسعار أرخص.

يقول أحمد عبد الرحمن “فني إلكترونيات” إنه استفاد من “الترانسات” التي تحول الجهد (خفض أو رفع)، واستخدم رفع الجهد من 12 إلى 220 بتيار مستمر،  ثم قام بتحويل التيار المستمر إلى متناوب من خلال ابتكار دارات تقطيع الموجة أو تحويلها، ففي بداية الأمر كانت الموجة غير ملائمة للحمل، حيث تصدر تلك الأجهزة موجات مربعة تلحق الأذى بالأجهزة الكهربائية، فتم تحسين الموجة من خلال العناصر الإلكترونية (ومكثفات الـ STR  والترانزستورات والثايروستورات) وبعد عمل مستمر تمكنت من تحويل الموجة إلى “جيبية”، وتم تزويد تلك الأجهزة بحمايات ميزتها عن رافع الجهد الصيني وهي حماية من شبكة الكهرباء والقصر الكهربائي (التماس)، والحمل الزائد وانخفاض مستوى المدخرات (البطاريات) والانعكاس القطبي.
يبيع أحمد، رافع الجهد الذي يقوم بتصنيعه بـ مئة وخمسين دولاراً في حين يبلغ سعر النوع المستورد من نفس المواصفات مئة وثمانين دولاراً.
مدخرات وطنية تضاهي المستورد
اعتماد الناس على المدخرات في الإنارة وتشغيل الأجهزة الكهربائية، ساهم في زيادة الطلب عليها بشكل كبير فنشطت هذه الصناعة وتم افتتاح عدد من المعامل والورشات التي تقوم بصيانتها.

يقول “علي عباس” صاحب معمل بطاريات العلالي في قرية “كفريحمول” إن أعداد معامل المدخرات تضاعفت أكثر من عشرة أضعاف خلال السنوات الأخيرة، ويتواجد نحو أربعين معملاً وشركة لتصنيع المدخرات في مناطق المعارضة، نظراً لكثرة الطلب على الأنواع الوطنية ولسعرها الأقل نسبياً وأدائها الجيد، فسعر المدخرة الوطنية من مقاس مئتين وأربعين أمبيراً يبلغ نحو مئة دولار، بينما يتراوح سعر المدخرة المستوردة من نفس المقاس ما بين مئة وثلاثين إلى مئة وخمسين دولاراً.

بطارية صناعة محلية -فيس بوك
بطارية صناعة محلية -فيس بوك

كما تمتاز المدخرة الوطنية باحتوائها على كفالة لمدة ستة أشهر، ويمكن صيانتها بشكل أكبر من المستوردة. في حين تتميز الأجنبية عن الوطنية بسرعة التدوير وعدم الهبوط السريع للفولت وتحملها لدورات شحن أكبر، كما تتوفر بعض الأنواع الأجنبية (الأنبوبية) والتي تتميز بعدد دورات مضاعف ما يعني أن عمرها أطول مثل “الجل” والتي تعتبر الأفضل في السوق، إلا أن أسعارها مرتفعة ويصل سعر الواحدة منها إلى مئتين وخمسين دولاراً.
يقول العباس إن معامل المدخرات وفرت فرص عمل جيدة، إذ يستوعب المعمل الكبير نحو ستين عاملاً ويصل إنتاجه في اليوم لنحو مئة مدخرة.
دارات الفصل

تحتاج أنظمة الطاقة الشمسية “لدارات الفصل”، ومهمة هذه الدارة أن تفصل التيار الكهربائي الصادر عن ألواح الطاقة الشمسية عن المدخرة بعد امتلائها.
يقول إسماعيل أمون قمنا بتصنيع دارات فصل محلية لتنافس الدارات المستوردة. إذ تتميز الدارة المحلية الصنع بسعرها المنخفض مقارنة بالدارات الجاهزة، وتباع المحلية بسعر ثلاث دولارات، بينما يبلغ سعر المستوردة ثلاثين دولاراً، إضافة لميزات أخرى، فمثلاً الدارة المحلية تتحمل مئة وخمسين أمبيراً بينما الدارة الجاهزة تتحمل خمسين أمبيراً في أحسن الأحوال إلا أن الإلكترونية رغم ذلك تعتبر أكثر جدوى وهي الرائجة في المنازل بحسب إسماعيل الذي أفاد بأنه كان يصنع في البداية هذه الدارات إلا أنه اعتمد مؤخراً على الدارات الجاهزة لما تحتويه من التنظيم والميزات الأخرى كمقياس الفولت والأمبير.

ألواح طاقة شمسية في أحد الحقول بإدلب -فيس بوك
ألواح طاقة شمسية في أحد الحقول بإدلب -فيس بوك

شكلت الطاقة البديلة فرص عمل جيدة للعاملين في مجال “الحدادة” نتيجة الطلب المتزايد على قواعد تثبيت الألواح لا سيما المتحركة، وازدادت نسبة محلات الحدادة، وبحسب من تحثنا معهم فإن هذا العمل ساهم باستثمار رؤوس الأموال في مناطق المعارضة، إذ شهدت الأسواق خلال الأعوام الثلاثة الماضية دخول حاويتين من مستلزمات الطاقة الشمسية بشكل يومي، ما يعكس حجم التجارة اليومية لهذه المواد وأعداد المستفيدين منها.