فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الولادات السوريّة في لبنان.. تكاليف مرتفعة وصعوبة في تسجيل المواليد

محمد كنعان

تثقل إجراءات الولادة وتسجيل المواليد كاهل اللاجئين السوريين في لبنان، فتكاليف مراقبة الحمل وأسعار الأدوية والفيتامينات وأجور الولادة مرتفعة، إضافة إلى صعوبة تسجيل الولادة والتكاليف المرتبطة بها، واستحالتها في بعض […]

تثقل إجراءات الولادة وتسجيل المواليد كاهل اللاجئين السوريين في لبنان، فتكاليف مراقبة الحمل وأسعار الأدوية والفيتامينات وأجور الولادة مرتفعة، إضافة إلى صعوبة تسجيل الولادة والتكاليف المرتبطة بها، واستحالتها في بعض الحالات بسبب العراقيل الإدارية.

فواتير المستشفيات ورسوم الولادة ترهق اللاجئين
تعتمد المشافي اللبنانية نظام دفع التكاليف قبل إجراء الولادة، كما تفرض دفع مبلغ تأميني في حال مكوث المولود أو أمه لسبب صحي بعد الولادة.

أجبر خالد الأحمد وهو “لاجئ سوري” على دفع مبلغ مليون ومئتي ألف لمستشفى الراعي التخصصي مقابل قيامهم بتوليد زوجته، وهو ما يعادل أجرة عمل شهرين لعامل يومي، بذريعة أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تغطي تكاليف الولادة الأولى للعائلة وتغطي الولادات الأخرى بنسبة 75% سواء طبيعية أو قيصرية.
دفع الأحمد ستمئة ألف وترك زوجته في المشفى وذهب لتأمين المبلغ المتبقي من بعض الأقرباء والأصدقاء والجمعيات الخيرية في حين تعاطفت معهم الطبيبة النسائية وقدمت ضمانة خطية  للمشفى تتكفل بسداد الأجور في حال لم يدفعها خالد ليسمح لها إجراء العملية.
تقول أم خالد إن المشفى طلب بعد الولادة مبلغ مليوني ليرة لبنانية، من أجل وضع الطفل في الحضانة ” الكوفاز”، لأنه يعاني من نقص أكسجة ويجب أن يتلقى الرعاية لمدة أسبوع على الأقل، علماً أن المفوضية تغطي هذه الحالات بنسبة تتراوح بين 70 إلى 80 %، شريطة إضافة الطفل إلى ملف اللجوء الخاص بالعائلة وفق ما أخبرها به موظف الأمم في المستشفى.

بدروه يرى عبد المحسن جابر “لاجئ سوري” أن تكاليف الولادة وما بعدها في المستشفيات العامة والخاصة مرتفعة قياساً للقدرات الماديّة للاجئين، حتى وإن تفاوتت الأرقام بينها.
خضعت زوجة الجابر لعملية ولادة قيصرية في المشفى الحكومي بمدينة صيدا، دفع أربعمئة وخمسة عشر ألف ليرة بينما تكفلت المفوضية بدفع أربعمئة وخمسة وثمانين ألف ليرة.

بعملية حسابيّة بسيطة نجد أن المبلغ الكلّي تسعمائة ألف، ونسبة خالد من الدفع 46% ونسبة المفوضيّة 54%، وهذا يخالف ما تروّجه المستشفيات أن المفوضية تدفع 75% واللاجئ25%. 

وعن حالات ما بعد الولادة يخبرنا عبد المحسن أن ابنته وضعت في الحضّانة بسبب مرض التهاب الكبد الوبائي “أبو صفار” مدّة ثمانية أيام، حيث بلغت الفاتورة ثلاث ملايين ليرة، تكفّلت المفوضيّة بدفع مليونين ومئة وأربعين ألف، ويجب عليه دفع ثمانمائة وستون ألف، يقول “عبد المحسن” بدت التكلفة خارج نطاق استطاعتي أخبرت مدير المشفى أنني غير قادر على الدفع، فامتنع المشفى عن منحه إفادة الولادة قبل الدفع.

في حزيران عام 2017 أفاد موقع “أورينت نت ” أن سيّدة سوريّة أنجبت طفلها على باب مشفى سيدة لبنان الخاص، بعد منعها من الدخول لعدم امتلاكها مصاريف عمليّة الولادة، الأمر الذي لاقى استغراباً وامتعاضاً لدى اللاجئين السوريين، نظراً للمسافة القريبة بين غرفة الولادة والمكان الذي أنجبت فيه المرأة.

نشرت المفوضيّة التحديثات الأخيرة لأسعار الولادة “قيصريّة وطبيعيّة” على صفحتها الخاصة في شباط 2019، في المشافي العامّة والخاصّة، وبمجرد الاطّلاع نجد أن الأسعار في المشافي الحكوميّة لا تختلف عن الخاصّة بل على العكس، نجد من يفوقها سعراً كمستشفى رفيق الحريري الحكومي الذي يتقدم بالسعر على كثير من المشافي الخاصة، فمثلاً تكلفة القيصرية فيه ضعف مشفى عين وزين الخاص.

مخاوف من التغيير الديموغرافي عند بعض اللبنانيين

أفادت المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين في آخر بيان لها في حزيران 2019 إلى ولادة مئة وثمانية وثمانين ألف طفل سوري على الأراضي اللبنانية من كانون الثاني 2011 حتى تاريخ البيان، الأمر الذي جعل الإعلام اللبناني يسلط الضوء على هذه الناحية بشكل مكثف، حيث أشار تقرير إعلامي بثته إحدى القنوات التلفزيونية اللبنانيّة، بحسب موقع “لبنان 24″، إلى أنّ الولادات اللبنانية  بلغت اثنتان وستين ألفاً عام 2017، فيما بلغت لدى اللاجئين اثنتان وأربعين ألفاً، وحذّر التقرير من ارتفاع النسبة عام 2018 ببلوغها تسعة وستين ألف ولادة لدى اللبنانيين، مقابل تسعة وأربعين ألف ولادة سورية، وبحسب “لبنان 24”  هناك مبالغة بالهلع بمقارنة الأعداد السورية واللبنانية، وأنّ هذه التقارير تأتي ضمن حملة ممنهجة للتحريض على السوريين.

وفي السياق نفسه في أوائل 2019 صرّح رئيس التيّار الوطني الحر ووزير الخارجية وقتها جبران باسيل، في جلسة مجلس الوزراء بحسب موقع “ليبانون ديبايت” أن عدد الولادات أكثر من مئة وثمانية وثمانين ألفاً بكثير، وأن عدّاد الولادات السورية مرعب، علماً ستة وعشرين ألف ملف ولادة من أصل مئة وثمانية وثمانين ألف ولادة هي من سجلت في الخارجية، حسب إحصائيات المفوضية، وهذا بحد ذاته قنبلة اجتماعيّة موقوتة بحسب تعبيره.

يعتبر بعض المسؤولين في التيار الوطني الحر وغيره أن حالة الهلع الديمغرافي وهاجس التوطين أمر مشروع عرقياً وطائفياً، خاصة أنّ نسبة مكتومي القيد أكثر من 70 % والقانون اللبناني يعطي الحق لمكتوم القيد بالمطالبة بالجنسيّة وفق بعض الشروط والآليّات.
آليّة تسجيل الولادات

تمنح الحكومة اللبنانية مهلة عام واحد للاجئ لتسجيل ولده، وإلا سيضطر لرفع دعوى أمام القضاء المدني، مرفقة بإفادة من الأمن العام، وفحص الحمض النووي على نفقته الخاصة من مستشفى بيروت الحكومي فقط، وكانت الحكومة قد أقرت قانوناً يقضي بتعديل آلية تسجيل الولادات السورية في شباط ٢٠١٩، تعفيهم منه من مهلة السنة، إلا أن هذه مهلة الإعفاء قد انقضت حالياً.

وأشارت المفوضيّة في صفحتها الخاصة على الانترنيت، أنه يجب اتخاذ إجراءات فوريّة لتسجيل ولادة الطفل لدى السلطات اللبنانيّة في أسرع وقت وفق خطوات تبدأ بالحصول على شهادة ولادة لبنانيّة من الطبيب المختص أو من المشفى أو القابلة القانونيّة، ثم الحصول على وثيقة ولادة موقعة من أحد مخاتير المنطقة التي ولد فيها الطفل، ثم تسجيل وثيقة الولادة في دائرة الأحوال الشخصيّة، ليليها تسجيل الوثيقة لدى دائرة وقوعات الأجانب على مستوى المحافظة “كل شخص غير لبناني يولد في لبنان يسجل لدى وزارة الخارجية كأجنبي”، ولن تعتبر السلطات اللبنانية التسجيل كاملاً حتى إكمال هذه الخطوة.

من ناحية أخرى يرى بعض من التقيناهم من اللاجئين أن القرار جيد، لكنه لا يخدم فئات كثيرة منهم خاصّة أنه محدود المدة “لسنة فقط”،

فلا زالت العراقيل والعقبات الإدارية موجودة ما يمنع اللاجئ من إكمال عملية التسجيل، كالكلفة العالية للقضاء وإجراء فحص الحمض النووي، وفقدان الأهل لأوراقهم الثبوتية جراء الحرب، وصعوبة الاستحصال على أوراق جديدة، ودخول بعض اللاجئين بصورة غير شرعية، ناهيك عن أنّ 70% من اللاجئين بدون إقامات قانونية “بحسب المفوضيّة”، فقانونيّة الأوراق مطلوبة في الخطوة الرابعة.
فاطمة إحدى اللاجئات التي ولّدتها  قابلة سورية في مخيم تعلبايا في البقاع، وهي واحدة من نساء كثيرات لم تتمكن من تسجيل أولادهن، فالقانون اللبناني الصادر عام 1970 المتعلق بالقبالة يلزم أن تكون جنسية القابلة لبنانية، إضافة إلى حيازتها على شهادة قبالة من جامعة حكومية أو مدرسة قبالة أو جامعة معترف بها في لبنان، كما يشترط أن تملك شهادة مزاولة مهنة حسب المادة 5 و13 من القانون، ودون هذه الشروط لا يحق لأي قابلة إعطاء إفادة ولادة، ما حرم كثير من النساء السوريات حق تسجيل أولادهن لأن إفادة الولادة شرط أساسي للتسجيل.

التسجيل في السفارة آخر الخطوات وأخطرها

لا يكتمل تسجيل الولادات فعلياً دون تثبيت الولادة في السفارة السوريّة، الأمر الذي شكل تحدياً جديداً أمام اللاجئين، فالتسجيل إلزامي قبل مضي شهرين على الولادة، و إلّا ستترتّب عليه غرامات إضافيّة إن انقضت المدّة، خمسون دولاراً بعد الشهرين ومئة دولار بعد مضي سنة”، ما عدا رسوم التسجيل “خمسة وعشرين دولاراً”، إضافة إلى شرعية أوراق الأب والأم (يتطلب الحصول على هذه الأوراق دفع مبالغ مالية كبيرة سنوياً لتجديد الإقامة للأمن العام اللبناني، كذلك استخراج أوراق جديدة بدل التالفة كجوازات السفر أو الهويات الشخصية وإخراجات القيد)، هذه الشروط حالت دون تسجيل قسم كبير من السوريين في سفارة بلادهم، ما يحرمهم من الحصول على أوراق ثبوتية فيما بعد “كإخراج قيد أو هويّة”، أو التصريح بهويتهم أثناء العودة الأمر الذي قد يحرمهم من دخول سورية برفقة ذويهم.

في حين يرى بعض من تحدثنا معهم أن دخول السفارة يتسبب لهم بمخاطر عديدة، فأغلبهم مطلوب للخدمة الإلزاميّة أو الاحتياط أو لأسباب أمنية، ولا توجد أي تطمينات أو ضمانات من المفوضيّة أو السلطات اللبنانيّة بعدم التعرّض لهم.

كما يتحدث بعضهم عن مبالغ مالية كبيرة بالدولار تدفع للسفارة السورية سنوياً، وتصل إلى ملايين الدولارات، للتسجيل أو تصديق الشهادات وجوازات السفر وغيرها من الأوراق الثبوتية، رغم وجودهم كلاجئين يهرب معظمهم من بطش النظام السوري والملاحقة الأمنية، في الوقت الذي يطلب منهم دفع “الدولارات” لمن يقتلهم.

محمد كنعان

الدولار يتراجع في إدلب والتجار يتمسكون بليرتهم

ٲسامة الشامي

يشكو أهالي إدلب من ثبات أسعار غالبية المواد التجارية على الحد القديم وارتفاع بعضها رغم انخفاض قيمة سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية اليوم إلى ألف وستمئة ليرة سورية، ويحمّلون الجهات المسؤولة أسباب ذلك، لعدم تفعيل دور الرقابة التموينية، ومتابعة اللوائح بأسعار المواد كافة التي فرضتها بالليرة التركية وإلزام الباعة على العمل بها، ووضع قوائم جديدة لأسعار المواد التي لم تستهدفها في اللوائح السابقة.

يشكو أهالي إدلب من ثبات أسعار غالبية المواد التجارية على الحد القديم وارتفاع بعضها رغم انخفاض قيمة سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية اليوم إلى ألف وستمئة ليرة سورية، ويحمّلون الجهات المسؤولة أسباب ذلك، لعدم تفعيل دور الرقابة التموينية، ومتابعة اللوائح بأسعار المواد كافة التي فرضتها بالليرة التركية وإلزام الباعة على العمل بها، ووضع قوائم جديدة لأسعار المواد التي لم تستهدفها في اللوائح السابقة.

ويقول سامي الحسين، أحد المواطنين في إدلب، في الوقت الذي انهارت به قيمة الليرة السورية اعتمد الباعة على تسعير بضائعهم بالدولار، ومتابعة سعر الصرف بهدف التحديث أولاً بأول، لكن بعد هبوط سعر الدولار اختفت الآلات الحاسبة من المحلات وبات البيع بالليرة السوري فبقيت أسعار المواد على حالها دون أي انخفاض.

أما بلال العمر، وهو من سكان إدلب، فقال إن البيع على مزاج التاجر وكل صاحب محل يفرض الأسعار التي تناسبه دون رقيب، وبجولة بسيطة على عدة محلات سمانة بمدينة إدلب، تشاهد تفاوتاً بسعر المواد الغذائية، فمثلا يباع كيلو غرام السكر بفارق يصل بين مئة إلى مئتين ليرة بين دكان وآخر.

ويشكو معظم من التقيناهم من هذه الظاهرة، ويعتبرون أن أسعار أغلب المواد مشابهة لسعرها القديم حين وصل سعر صرف الدولار لثلاثة آلاف ليرة.

ومنذ صدور اللوائح السعرية بالليرة التركية بعد بدء العمل بها منذ شهرين تقريباً، لم يلتزم التجار بهذه اللوائح التي رفع التجار أسعارها، كيفياً، وبناء على سعر الصرف الجديد لليرة السورية للحفاظ على ربحهم، علماً أنهم يستوردون بضائعهم بالدولار أو الليرة التركية.

ويرى من التقيناهم أن التجار قللوا من أهمية مبادرة وزارة الاقتصاد في حكومة الإنقاذ بضبط الوضع، حيث وجهت الوزارة في الرابع والعشرين من حزيران الجاري مديرية التجارة والتموين لتسير دوريات على الأسواق والمحال التجارية، متوعدة بإجراءات صارمة تصل عقوبتها للسجن مع تشميع المحال المتلاعبة بأسعار المواد، ونشرت المديرية أرقام الشكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي، لاستقبال اتصالات المواطنين، دون جدوى.

متابعات على مصادر البضائع وأسعارها في إدلب

تعتمد إدلب في بضائعها على ثلاثة مصادر (إنتاج محلي -بضائع مستوردة من السوق التركية -بضائع مهربة من مناطق النظام)، وتمر البضائع المستوردة بسلسلة “جملة الجملة”، ثم محلات الجملة، ثم المحلات العادية، ليضيف كل تاجر من هؤلاء نسبة ربحه عليها بحسب من التقيناهم من تجار.

ويقول صافي الماجد “تاجر مواد غذائية” إن البضائع التركية حافظت على أسعارها ولم ترتفع من المصدر كما يدعي كثير من التجار، موضحاً أن جملة الجملة في مدينة سرمدا مازالت تبيعهم المواد بذات الأسعار ما قبل تراجع صرف الدولار، باستثناء مادة السكر التي رُفع سعر الكيس فيها حوالي ربع دولار، وعلى ذلك فالتلاعب بالأسعار يبدأ من محلات الجملة ومحلات المفرق.

في حين ارتفع سعر البضائع السورية من مصادرها ارتفاعاً طفيفاً، لأن تجارها يدعون أنهم يشترون بسعر صرف السوري، ويبيعون بالدولار، ومع تراجع سعر الأخير رفعوا قيمة المواد بما يتناسب مع السعر السوري الذي اشتروا به، بحسب الماجد، حيث ارتفع سعر طرد “الأندومي” خمسة وسبعين سنتاً، وارتفع سعر عبوة الشاي بوزن خمسة كيلو غرامات نصف دولار، وارتفع سعر عبوة سمنة الخير دولاراً واحداً.

وعلى صعيد الأدوية، أخبرنا الصيدلاني مصطفى الإبراهيم، أن أسعار الأدوية التركية لم ترتفع من مصادرها، ولا الأدوية السورية المتوفرة، باستثناء بعض أصناف الدواء السوري، التي تأتي عن طرق التهريب، كدواء ايتوكسيا 90، مضاد التهابات المفاصل والفقرات، والذي يسعر بخمسة وتسعين سنتاً في مستودعات الأدوية، لكن بسبب ادخاله عبر التهريب يباع بدولار ونصف.

بضائع ومواد محلية ارتفعت أسعارها رغم انخفاض الدولار

ارتفعت أسعار بعض المواد بالفترة الحالية لتتجاوز الأسعار التي بيعت بها حين وصل سعر الدولار

لـ ثلاثة آلاف ومئتين ليرة سورية، حيث ارتفع سعر طبق البيض نحو 50% من ألف وخمسمئة ليرة، لثلاثة آلاف ويقول تاجر البيض مهدي أبو العز، إن أصحاب المداجن باعوا أعداداً كبيرة من الطيور للذبح بالفترة التي ارتفع فيها سعر صرف الدولار نتيجة الخسارات التي لحقت تربيتها ما أدى لانخفاض كبير في الإنتاج المحلي والذي انعكس بشكل مباشر على الأسعار.

كما ارتفعت أسعار الخضار تزامناً مع انخفاض سعر الدولار، وقدر من التقيناهم من التجار نسبة ارتفاع أسعارها بأكثر من 40%، مقارنةً بسعرها  في الفترة التي ارتفع فيها الدولار، ويعود السبب برأيهم لإغلاق المعابر مع ريف حلب الشمالي، بعد ظهور حالات كورونا في إدلب، إذ كان ريف حلب الشمالي يزود إدلب بكميات كبيرة من الخضروات، في حين تغطي المساحات المزروعة في إدلب حاجة 50% فقط من احتياجات السكان في المحافظة، بسبب امتناع كثير من الفلاحين عن الزراعة نتيجة ارتفاع التكاليف، مقارنة بمناطق ريف حلب، بحسب التاجر أسعد المشهور.

ومن جانب آخر ارتفعت أسعار لحوم الأغنام ، من سبعة آلاف ليرة للكيلو “واقف” إلى ثمانية آلاف، ومن خمسة عشر إلى ثمانية عشر ألف عند الجزارين، بحسب تاجر الأغنام مفضي المحمد، والذي قال إن أسعار الأغنام لم ترتبط بسعر الدولار، في حين يلعب التهريب دوراً كبيراً في ارتفاع أسعارها بالإضافة لزيادة الطلب عليها مع اقتراب عيد الأضحى.

التسعير بالليرة التركية لم ينهِ الاحتكار
فرضت حكومة الإنقاذ على غالبية القطاعات التعامل بالليرة التركية للحد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار، لكن هذا القرار لم ينه المشكلة، يقول محمد العمر إن غالب التجار لديهم إجابات جاهزة لاستفساراتك حول غلاء سعر إحدى المواد، بذريعة فقدان المادة أو الغلاء من المصدر أو إغلاق المعابر.
اعتاد العمر على شراء كروز الدخان من نوع “كاريزما” بـ عشرين ليرة تركية خلال أكثر من شهر ونصف الشهر، لكن في المرة الأخيرة بلغ ثمن الكروز ثلاثة وعشرين ليرة بذريعة أن جميع أسعار الدخان طالها الغلاء بسبب إغلاق الطرق.
في حين عمد كثير من التجار للتعامل بالليرة السورية من جديد، نتيجة انهيار سعر صرف الدولار ما يترك لهم هوامش ربح أكبر، ويشرح العمر هذه الآلية بمثال: يقول التاجر إن سعر هذه المادة عشرون ليرة تركية أو خمسة آلاف ليرة سورية، في الوقت الذي تكون فيه قيمة الخمسة آلاف تساوي إحدى وعشرين ليرة تركية.

يرى غالب من التقيناهم أن على الحكومة تفعيل دور الرقابة التموينية بشكل أكبر، ودراسة تكلفة المواد المستوردة وفرض قوائم أسعار تناسب التجار والزبائن، في حين رأى البعض أن محاولات ضبط الاستقرار السعري ليست سهلة إن لم يحكمها الضمير والتعامل بإنسانية لازمة.

 

“الرطوبة لكم والبحر لنا”.. القواعد الروسية والشبيحة يحرمون السوريين من شواطئهم

هاني العبدالله

تضاعفت إيجارات الفنادق والشاليهات في الشواطئ السورية خلال السنتين الأخيرتين، ليصل حجز يوم واحد في فندق سياحي بطرطوس إلى ستة أضعاف راتب موظف حكومي، وراتب شهرين للشاليهات متوسطة الجودة في اللاذقية، وذلك بعد سيطرة الضباط والتجار المقربين من نظام الأسد وروسيا على تلك الشواطئ، وانعدام الرقابة عليها، ليصبح الاصطياف حكراً على فئة محددة من الأغنياء والمتنفذين، ولم يعد بمقدور الموظفين وأصحاب الدخل المحدود.

تضاعفت إيجارات الفنادق والشاليهات في الشواطئ السورية خلال السنتين الأخيرتين، ليصل حجز يوم واحد في فندق سياحي بطرطوس إلى ستة أضعاف راتب موظف حكومي، وراتب شهرين للشاليهات متوسطة الجودة في اللاذقية، وذلك بعد سيطرة الضباط والتجار المقربين من نظام الأسد وروسيا على تلك الشواطئ، وانعدام الرقابة عليها، ليصبح الاصطياف حكراً على فئة محددة من الأغنياء والمتنفذين، ولم يعد بمقدور الموظفين وأصحاب الدخل المحدود.

ووصل سعر استئجار أحد “الشاليهات” على ساحل طرطوس هذا العام نحو ثلاثمئة ألف ليرة سورية لليوم الواحد، بحسب تقريرٍ لصحيفة “تشرين” الموالية، والتي أشارت إلى أن ارتفاع الأسعار جعل السياحة و”شم الهوا” خارج اهتمامات أكثر من 80% من السوريين.

“البحر ليس لنا”

رفعت حكومة الأسد إجراءات الإغلاق التي فرضتها على مختلف الفعاليات السياحية بعد انتشار كورونا، وأعلنت منتجعات الساحل السوري عن بدء استقبالها النزلاء بأسعارٍ وصفها البعض بغير المناسبة لشريحة واسعة من السوريين، الذين يعانون أصلاً من تدني مستوى الدخل، بالتزامن مع الارتفاع الكبير بالأسعار عقب انهيار الليرة السورية.

اعتاد أبو محسن من مدينة حلب على الاصطياف مع عائلته في شواطئ اللاذقية قبل انطلاق الثورة السورية، لكنه قلّص رحلاته خلال السنوات الماضية، مع ارتفاع أسعار الشاليهات وطول الوقت المستغرق للوصول من حلب إلى اللاذقية نتيجة انتشار الحواجز الأمنية على الطرقات.

قرر أبو محسن اصطحاب عائلته للشاطئ الأزرق في اللاذقية هذا العام، لكنه أصيب بالصدمة حين استفسر عن أسعار الشاليهات التي تراوحت ما بين خمسين إلى تسعين ألف ليرة سورية.

يقول أبو محسن إنه “استأجر شاليه بـ خمسين ألف ليرة لمدة يومين، لكنه وصفه بـ “السيء جداً” من ناحية الإكساء والنظافة، كما أنك تحتاج للمشي ربع ساعة حتى تصل إلى الشاطئ، أما الشاليهات المطلة على البحر تماماً، فتتراوح أجرتها ما بين “خمسة وسبعين إلى تسعين ألف ليرة”، مشيراً إلى أن “الجلوس على الشاطئ كذلك يتطلب دفع تكاليف استئجار الكراسي والطاولات والمظلةً”.

وتتضاعف الأسعار أكثر في المنتجعات السياحية، حيث تصل تكلفة غرفة لشخصين إلى مئة ألف في الليلة الواحدة، بينما تبلغ أجرة الجناح (السويت) نحو مئة وخمسين ألفاً.

ويبلغ متوسط راتب الموظف في سوريا نحو خمسين ألف ليرة، ما يعني أن عليه دفع راتب شهر كامل لقضاء ليلة واحدة في أسوأ الشاليهات، عدا عن مصاريف السفر والطعام والترفيه، وبالتالي بات الذهاب للاصطياف في سواحل سوريا حكراً على الأغنياء والتجار ومسؤولي النظام.

شاليهات النقابات لا تخدم أولادها

تمتلك كافة النقابات المهنية مجموعة من الشاليهات على شواطئ سوريا، حيث يحق لكل موظف منتسب لتلك النقابات استئجار شاليه بسعرٍ مقبول مقارنة بالشاليهات الخاصة، إلا أن الحصول على شاليه من مخصصات النقابة بات أمراً صعباً وتحكمه المحسوبيات.

وقال مهندس من مدينة دمشق فضّل عدم ذكر اسمه: “أنا منتسب لنقابة المهندسين، وعلمت أن كل مهندس يحق له استئجار شاليه في طرطوس أو اللاذقية، لذا سجلت في بداية الصيف الماضي على دور لحجز شاليه، حيث تبلغ أجرة ثلاثة أيام خمسة وثلاثين ألف ليرة، وهو مبلغ جيد مقارنةً بأسعار الشاليهات الخاصة التي لا يستطيع أي موظف على تحملها”.

وأضاف “انتهى الصيف وجاء الخريف ولم أحصل على دور في أحد الشاليهات، بينما حصل أصحاب “الواسطات” على شاليه جيد وبأسرع وقت، ومع قدوم هذا الصيف فكرت باصطحاب أطفالي إلى الساحل وعلى نفقتي الخاصة، فليس هناك أمل بالحصول على الشاليه عبر النقابة، لكن صدمتني الأسعار المرتفعة هذا العام، لذا عزفت عن الفكرة متجاهلاً طلبات أطفالي المتكررة، وعلمت أن البحر لم يعد لنا”.

فخ سياحي

ارتفاع أسعار الشاليهات والفنادق، دفع بعض العائلات وخاصةً من أبناء الساحل أو النازحين المقيمين في تلك المناطق، للذهاب إلى الشواطئ المفتوحة للسباحة فقط، إلا أنهم اكتشفوا أن تلك الشواطئ عبارة عن فخّ سياحي.

وقال “مصطفى” نازح من بلدة الحمامة بجسر الشغور: “أقيم مع عائلتي في اللاذقية منذ ثلاث سنوات، وفي كل عام ترتفع أسعار الشاليهات أكثر، لكن الأمر لم يتوقف على هذه الأجور فقط إذ يلزمك للجلوس أمام البحر دفع أجرة ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية كأجرة طاولة، وأربعة آلاف عن كل كرسي، وألف وخمسمئة لقاء استئجار مظلة تقي حر الشمس، عدا عن حالات الاستغلال في أسعار المواد مثل المشروبات والأطعمة”.

تقسم الشواطئ المفتوحة على الساحل السوري إلى نوعين: شواطئ مجانية لكنها مستثمرة من قبل التجار وتدفع ثمن استعمال الكراسي والطاولات الخاصة بهم، وشواطئ مأجورة وتدخلها مقابل رسم يتراوح ما بين ثلاثمئة إلى خمسمئة ليرة سورية للشخص بالإضافة إلى رسوم استئجار الطاولة والكراسي، وأي خدمات أخرى يحتكرها المستثمر، وأغلب الشواطئ المفتوحة صغيرة وصخرية، وبعيدة عن مراكز المدن أو الشواطئ الرئيسية، بينما الشواطئ الرملية الواسعة فهي من حصة المنتجعات والشاليهات باهظة الثمن.

حلول بديلة

وفي المقابل لجأ أصحاب الدخل المتوسط أو المحدود إلى حلولٍ بديلة، وقال أبو أشرف من سكان حي الصليبة باللاذقية: “لجأت كثير من العائلات الراغبة بالاصطياف على البحر إلى الشواطئ البعيدة عن اللاذقية، ولاسيما منطقة رأس ابن هاني، حيث يتواجد على الشاطئ خيم، وتستطيع العائلة استئجار خيمة بمبلغ خمسة آلاف ليرة لليلة الواحدة، علماً أن الشاطئ متسخ للغاية والخدمات غير متوفرة”.

وتابع أبو أشرف: “كما لجأت بعض العائلات الفقيرة، لدفع أجرة الدخول إلى الشاطئ فقط، بينما أحضرت طعامها معها و فضّلت الجلوس على الرمل وتحت أشعة الشمس، بدلاً من استئجار طاولات وكراسي كي لا تضطر لدفع مبالغ إضافية”.

وفي السياق ذاته يسعى بعض السوريون للهرب من حر الصيف، إلى استئجار المزارع بدلاً من التوجه إلى الساحل، كونها تعتبر أقل تكلفة، حيث تراوحت إيجاراتها اليومية في ريف دمشق ما بين خمسة وعشرين إلى مئة ألف ليرة تبعاً للحجم والمكان والإكساء والمسبح.

اعتادت أم عبدو من سكان جرمانا بريف دمشق على الاصطياف في شواطئ اللاذقية كل عام، لكن مع ارتفاع أجرة الشاليهات ومشقة السفر، أصبحت تفضّل استئجار مزرعة مزودة بمسبح على أطراف جرمانا”.

تقول أم عبدو غالباً يتم استئجار تلك المزارع من أكثر من عائلة، حيث يتم تقسيم أجرتها مع تكاليف الطعام والشراب على الجميع لتنخفض التكلفة على الأسرة الواحدة، كما يعمد البعض لاستئجار المزرعة ضمن أيام الأسبوع، حيث تكون أجرتها أقل مقارنةً بيوميّ الخميس والجمعة”.

سعى النظام للترويج عبر إعلامه في الصيف الماضي، إلى افتتاحه شاطئاً لذوي الدخل المحدود في منطقة وادي قنديل بمحافظة اللاذقية، يضم الشاطئ أربعة وعشرين شاليه خشبي يتسع كل منها لعائلة من أربعة أشخاص، وتبلغ أجرة الشاليه عشرة آلاف ليرة.

وقال أبو أشرف إن “الشاطئ غير مناسب أبداً للاصطياف، حيث صممت أكواخه من الخشب ولم تزود بأي مكيفات، كما أن الجرذان والفئران والحشرات تتواجد داخلها بشكل كبير، إضافةً إلى اتساخ الشاطئ وعدم اهتمام البلدية بتنظيفه، كما أنه يبعد عن مدينة اللاذقية نحو خمسة وعشرين كم”.

الشواطئ ملك النظام

من جهةٍ أخرى استاء من تحدثنا معهم من غياب أي رقابة من حكومة النظام على أسعار الشاليهات والفنادق، وقال الناشط الاعلامي أبو شادي الحموي، إن جميع الشاليهات والفنادق والمنتزهات السياحية في الساحل ملك لضباط وشبيحة الأسد، وبالتالي فإن مديريات النظام المسؤولة عن الرقابة وضبط الأسعار، غير قادرة على إلزام أصحاب تلك الشاليهات بسعر محدد أو معاقبتها، وتغض الطرف عنها، رغم ورود العديد من الشكاوى لها”.

وأضاف الحموي أن “شبيحة النظام المسؤولين عن تأجير الشاليهات، يتعمدون رفع الأسعار خاصةً حين قدوم نازحين من مناطق أخرى كنوع من العقاب لهم، وفي بعض الحالات التي وردت قام شبيحة النظام بطرد نازحين من إدلب وهددوهم بالاعتقال في حال دخول الشاطئ”، كذلك قاموا باستثمار الشواطئ التي كانت متاحة للعموم وحولوها إلى مطاعم ومنتجعات سياحية مأجورة، إضافةً إلى استيلاء روسيا على مساحات واسعة منها لقواعدها العسكرية.

وتذكر دراسة نشرها مركز حرمون بعنوان المشروع الروسي في سوريا إن القواعد الروسية منتشرة بكثافة في الساحل السوري، ولا تخلو دائرة بقطر ٢٠ كم من نقطة عسكرية روسية تسيطر عليها سيطرة كاملة، إضافة للقواعد البحرية الكبرى. وكانت تقارير صحفية قد تحدثت عن توسع للقواعد الروسية في الشاطئ الأزرق باللاذقية، وبذلك تنتهي معظم المساحات المجانية المخصصة للعموم فيه، بعد أن قامت حكومة النظام باجتزاء ٢٨٥٠٠ متراً مربعاً منه  لبناء منتجع (الغولدن بيتش).

تغول الشبيحة والامتداد الروسي يظهر شكل سوريا بعد سنوات من الحرب، وفي أهم معاقل موالي الأسد، إذ لا يملك معظم سكان هذه المناطق القدرة على السباحة المجانية في المدن التي لا يبعد البحر عنها سوى أمتار قليلة.

خالد شلاش.. مستودع للفن والجمال والثورة

فاطمة حاج موسى

غنى شلاش وإنانا قبل استشهادها ووالدتها في العام ٢٠١٥ بقصف للطيران على منزلهم، للشهداء وحراس الطرقات، لمحمد حاف الذي هو “محمدنا”، لسراقب وتراثها، لصوت الرحى التي “تجرش البرغل” معلنة بدء موسم القمح. يخبرنا شلاش أن للثورة قرابين وعلينا أن ندفعها، كان صوت إنانا وحده “ثورة” في زمن يخاف “الجمال” فيقتله.

يعلم أنه عائد، يقول إن “للبيت حدس لا يخيب”، في الصورة عود ونوتة موسيقية ودماء، وفيها سراقبه التي لا تغيب، سراقب مَن غنى لهم وغناهم، من محمد حاف وحتى إنانا ابنته الشهيدة، وفاطمة رفيقة الدرب وشريكة الحياة، ومن رسوماته على فوارغ الرصاص إلى كتابة مواقفه بجمال الخط العربي، موقفه من الثورة وللثورة، وضد العتمة أياً كانت. ما زال صوته في كل يوم يوقظ مشاعر محبيه دون خوف، فبيته كما يقول “ليس مستودعاً للبرغل والبصل، بل مستودعاً للجمل الموسيقية وللوحات الياسمين الزيتية”.

وتر من “سبحة” وشهيد يرثي شهيداً

على نغم العتابا الحزينة والموليّة فتح الطفل خالد شلاش عينيه، دندنت له خالته حزنها بعد مرض أمه وهو في الثانية والنصف من عمره، وتركت موسيقاها في قلبه الذي راح يبحث عن الفن، وفي سنوات الدراسة الابتدائية جمع خيطاناً من نايلون “السبحات”، تبتها بمسامير على لوح خشبي وراح يدندن أولى النغمات، ومعها كان يبني أحلامه التي يخبرنا أنها لم تتحقق.

لم يدرس شلاش الموسيقا، يرجع ذلك للظروف، والتحق بقسم الفلسفة في جامعة دمشق، إلا أنه تابع موسيقاه كهاوٍ، وكمتدرب على يد أخيه الأكبر (أسعد) الذي علمه الطريقة الصحيحة للضغط على الأوتار بعد أن حصل على عوده الأول من عمله بصناعة “البلاط” خلال العطلة الصيفية، وقتها كان في المرحلة الثانوية كما يقول.

الشهيدة إنانا شلاش -إنترنيت
الشهيدة إنانا شلاش -إنترنيت

ثلاث عشرة سنة قضاها شلاش يغني تراث سراقب في الأعراس الشعبية، ضمن عائلته التي تعشق الفن، إذ كان والده عازف ربابة، بينما أخويه يعزفان على الناي والعود، لينقل ذلك الحب للموسيقا رفقة زوجته المدرسة فاطمة، والتي ارتبط بها في العام ١٩٨٦، إلى بناته الثلاث، الطبيبة “سنابل”، وخريجة معهد الموسيقا “سلامة”، وشبيهته في الحلم والغناء والعزف والخط العربي “إنانا” التي كان يرى فيها امتداداً لروحه.

غنى شلاش وإنانا قبل استشهادها ووالدتها في العام ٢٠١٥ بقصف للطيران على منزلهم، للشهداء وحراس الطرقات، لمحمد حاف الذي هو “محمدنا”، لسراقب وتراثها، لصوت الرحى التي “تجرش البرغل” معلنة بدء موسم القمح. يخبرنا شلاش أن للثورة قرابين وعلينا أن ندفعها، كان صوت إنانا وحده “ثورة” في زمن يخاف “الجمال” فيقتله.

ما يزال عوده يعزف، وصوته يصدح، لا يمكن للموت والظلم أن يقتل روح الفنان، يخبرنا أنه تماسك من أجل بناته وأحفاده، وأطفال أخرين يريدون الحياة، تعليمهم يستحق أن نقف، وما زال يعثر على الأمل في عيون طلابه، يقول إنه يرى إنانا تلعب بينهم. تتعلم وتبتسم، وهو ما يدفع دوماً للاستمرار بأداء رسالته.

يقول عنه ساهر حج علي “خريج معهد حلب للموسيقا”، لقد جمع خالد في حقيبته فنون عدة، دائماً ما يكون ظاهراً في الصورة رغم اعتزال معظم الفنانين وسفرهم، ما ترك الساحة فارغة، وهو ما يجعل من عمل خالد إنجازاً، خاصة بما ينقله لنا الهاوي خالد من تراث أقرب إلى اللهجة البدوية.

صندوق زفاف وطلقة بندقية

فتقت طفولة خالد “التعيسة” كما وصفها مكامن الجمال في روحه، واحتفظ في داخله بتفاصيل الأمكنة التي ستشكل فيما بعد مواضيع رسوماته، بدء من عالمه الذي يحيط بذاكرته “البيت الطيني -فانوس الكاز -صندوق العرس -كؤوس وإبريق للشاي -صينية الألمنيوم”.

لوحة للفنان خالد شلاش
لوحة للفنان خالد شلاش

قصته بدأت مع الألوان الزيتية لرسم مناظر طبيعية خلال المرحلة الإعدادية، لينتقل إلى تفاصيل الوجوه ورسم الشخصيات بالفحم والألوان، عميقاً انتقل إلى اللوحات التعبيرية، وجميعها كان تشترك بالتفاصيل التي يجيد التقاطها، وفي العام ٢٠١٤ بدأ مشروعه بالرسم على مخلفات وفوارغ المقذوفات والطلقات النارية، كان ينقش الورد والياسمين والسلام كما يقول، للتعبير عن سلمية الحراك الثوري الذي سرق.

من مشروع النقش على فوارغ الطلقات -خالد شلاش
من مشروع النقش على فوارغ الطلقات -خالد شلاش

بين الرسم والعزف، كان شلاش يخط كلماته بمختلف أنواع الخط العربي وأشكاله، ومنذ بداية الشهر الحالي بدأ بدورة لتعليم هذا الفن للطلاب، يقول مرة أخرى أنه سيستمر رغم كل شيء، ما زال الفن غالباً.

خط الفنان خالد شلاش
خط الفنان خالد شلاش

ولد خالد شلاش في مدينة سراقب عام ١٩٦٠، وعمل، إضافة لهواياته في الموسيقا والرسم، كمدرس للفلسفة في الثانوية العامة، قبل أن ينتقل لتعليم الأطفال في المراحل الابتدائية، لنحو عشرين عاماً، التحق بركب الثورة، كما مدينته، منذ بدايتها، وعلى هاتفه المحمول سجل كلماته وعزفه وأغانيه، يعبر عن قضيته ويحرك مشاعر الحب والجمال في نفوس متابعيه، ذلك قبل أن يهجّر من مدينته بعد سيطرة قوات الأسد عليها، حينها أصبح الحزن مضاعفاً، يقول، فالأماكن خذلتنا جميعاً، ليست تلك النهاية فما زالت هناك موسيقا في المدينة.

 

 

 

البدو الرحل نازحون بلا حقوق أو مساعدات

ٲسامة الشامي

يقطع البدو مسافات طويلة على الأقدام، يمنعهم سعر الوقود المرتفع من تحريك سياراتهم المخصصة لنقل الأغنام، يقولون إن كل شيء حولهم يحاصرهم، هم يتنقلون في مساحات ضيقة ويعيشون بعيداً عما ألفوه من أمكنة ومناخ ويمنعون من التنقل في رحلاتهم الصيفية والشتوية رفقة قطعانهم، يأكلون خبز الأفران ويطالبون بالمعونة والمساعدة ويبيعون آخر ما يميز حياتهم يوماً بعد آخر، بينما يتجاهلهم الجميع ويتركونهم لقدرهم.

يلتزم معظم البدو الرحل في سوريا بالتنقل بين المناطق بحثاً عن المراعي، ومع الواقع العسكري المفروض، وسيطرة قوات الأسد على مناطق واسعة في أرياف إدلب (الشرقية والجنوبية) وريف حماه، وجدوا أنفسهم في مناطق محصورة وانتقلوا للحياة في مناطق جبلية جرداء، بدلاً من السهول الخصبة، ما أدى لخسارتهم أعداداً كبيرة من مواشيهم، رافق ذلك إهمال لهذه الفئة من قبل المنظمات الإنسانية وإيجاد مشاريع تساعدهم على البقاء، أو تقديم المساعدات الغذائية لهم، وذلك للصورة النمطية التي يعيشون داخلها كونهم يسكنون “بيوت الشعر” ويتنقلون ويعتمدون على المواشي في رزقهم، وهو ما أبعدهم عن دائرة الاهتمام، باعتبارهم لم يتأثروا بظروف الحرب!

بيت شعر للبدو بالقرب من جبل الشيخ بركات -فوكس حلب
بيت شعر للبدو بالقرب من جبل الشيخ بركات -فوكس حلب

يقول أبو محمد العزام، وهو واحد من البدو الذين يعيشون اليوم في “بيوت شعر” منصوبة على تلة قرب جبل الشيخ بركات، فيما يشبه المخيم إن حياتهم اليوم تغيرت بشكل كامل عنها في الماضي، ولم يبق منها سوى سكنى الخيام، خاصة بعد فقدانهم للمراعي وحرية التنقل الذي تسبب بنفوق أو بيع معظم مواشيهم.

ويخبرنا العزام أنه خسر نحو ٨٠٪ من مواشيه، مصدر رزقه ورزق من يعيشون حياة البدو كافة، بعد أن باعها لعدم توفر المراعي، ولتأمين نفقاته ومصاريف عائلته، يملك العزام اليوم خمسين رأساً من الغنم، ويعتبر من المحظوظين مقارنة بغيره، بينما كان عدد قطيعه قد وصل إلى ثلاثمئة قبل تهجيره من ريف إدلب في العام الماضي.

الكلفة ضعفا الإنتاج

تمثل أشهر الصيف والحصاد الموسم الأهم للبدو، وذلك لاتساع المراعي بعد حصاد الحقول وضمانها من أصحابها، إلا أنهم اليوم يعيشون أسوأ أيامهم، بحسب من التقيناهم في أرياف إدلب وحلب، يقول العزام إن معظمهم يعتمد على شراء العلف لإطعام قطيعه، وهو ما يكبدهم خسائر كبيرة يشرحها بالمثال التالي، يحتاج القطيع المكون من خمسين رأس من الماشية إلى ثلاثة أطنان من العلف، ومثلها من “التبن” خلال شهر واحد، ويبلغ سعر طن الشعير نحو أربعمئة ألف ليرة، والنخالة ثلاثمئة وستين ألف ليرة، والتبن بين مئة وعشرين ألف (الأبيض) ومئتين وخمسين (الأحمر).

معالف لمواشي البدو بعد فقدان المراعي -فوكس حلب
معالف لمواشي البدو بعد فقدان المراعي -فوكس حلب

وبحساب بسيط فإن هذا القطيع يحتاج لنحو مليون ونصف المليون شهرياً، على أقل تقدير، وهو ما دفع قسم كبير منهم للتقنين في الطعام واستبدال الأنواع الجيدة من التبن الأحمر “عيدان الحمص والعدس”، بالأبيض “عيدان القمح والشعير”.

ولا تقتصر الكلفة على الطعام، يقول أبو راتب (بدوي آخر)، بل تحتاج الماشية لعلاجات ولقاحات دوائية بشكل مستمر، وقدرها بنحو سبعين ألف ليرة شهرياً، خاصة إن كانت أمراضاً معدية، ويخبرنا بأنه خلال الشهر الحالي دفع نحو اثنين وسبعين ألف ليرة ثمن دواء لمرض “الباستريلا” ويعني “أنفلونزا الأغنام” الذي تفشى في القطيع.

قطيع من الماشية للبدو -فوكس حلب
قطيع من الماشية للبدو -فوكس حلب

الغذاء العلفي والتقنين بكمياته وأنواعه وحرمان الماشية من المراعي تسبب بانخفاض إنتاجها للحليب، يقول من تحدثنا منهم إنه أمر عرفوه وخبروه، فـ “توفر المراعي يزيد من إدرار الحليب، بينما يعمل العلف على تسمينها للبيع والتجارة، وهو ما لا يدخل في ثقافة البدو”.        مواشي أبو راتب انخفض انتاجها من عشرين لتراً في العام الماضي إلى ثلاثة حالياً، ويرجع السبب لطبيعة المراعي فيما يطلق عليه “رحلة التغريب”، إذ اعتاد البدو على التوجه غرباً في مثل هذه الأوقات إلى سهلي الروج والغاب، طلباً لمراعي القمح وحقول الشمندر والفستق السوداني، والتي كانوا يحصلون فيها على حق الرعي مقابل مبالغ بسيطة، وتسهم بزيادة الإنتاج مقابل كلفة قليلة.

ويبلغ سعر لتر الحليب نحو سبعمئة ليرة أي أن إنتاج القطيع الذي تحدثنا عنه لا يتجاوز ألفين وخمسمئة ليرة يومياً، ويقول صاحبه إن موسم الحليب لا يتجاوز أربعة أشهر ما يعني أنها لن تنتج أكثر من ثلاثمئة ألف ليرة، يضاف إليها  ثمن ما يخلفه القطيع من خراف سنوياً، حيث تباع تلك المواليد بحسب عمرها ويبلغ ثمن  الذكر منها نحو مئتي ألف في حين يبلغ سعر الأنثى مئة وثلاثين ألفاً.
وبمقارنة الإنتاج بالتكاليف يتكلف البدوي ضعفي ما ينتج، ويرى من تحدثنا معهم أن الارتفاع الذي طرأ على سوق الأغنام بعد ارتفاع سعر الدولار لا يتناسب مع ارتفاع التكاليف.

يقول العزام إن الجميع لا يصدقون ما يحصل، فإنتاج قطيعه بالكامل كان يحصل عليه من ثلاثة رؤوس من الغنم سابقاً، وسيتساءلون عن تمسكنا بقطعاننا رغم الخسارة، فـ “لا يمكن لأحد خارج البدو أن يفهم ما الذي تعنيه لنا هذه المواشي، هي باختصار سماتنا وطريقة عيشنا”.

الثروة الحيوانية وخطر الفقدان
فقدان المراعي وحركات النزوح التي أصابت ريف إدلب الجنوبي، والعجز عن تأمين المأوى المناسب للقطعان وارتفاع إيجار الحظائر مناسبة،  دفعت كثيراً من البدو الرحل لبيع جزء من قطعانهم للاستفادة من أسعارها في حياتهم اليومية، وهو ما أدى لتناقص أعداد القطعان بحسب ما ذكر أصحابها، الذين أوضحوا أن استمرار هذا الحال سينهي القطعان،  كما هو الحال لدى عبد الله السيد الذي بقي لديه أربعة رؤوس فقط، من أصل مئة رأس، أبقاها لمؤونة عياله من الحليب ومشتقاته، ومثله أخيه طاهر الذي بقي لديه  خمسة رؤوس، وقدر لنا الذين تحدثنا معهم أن البدو خسروا أكثر من ثلثي قطعانهم خلال السنتين الماضيتين.
في الوقت نفسه يرى من التقيناهم أن أحوال مهجري البدو الذين دخلوا لمناطق عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي أفضل بكثير من الذين بقوا في إدلب، وذلك لتوفر مساحات أوسع من المراعي، وإنهم ما زالوا يحافظون على معظم مواشيهم.

قطعا

ولا يسمح للبدور الرحل بنقل قطعانهم إلى هذه المناطق، بعد أن أصدرت حكومة الإنقاذ قراراً يفيد بذلك، بحجة الخشية من تهريب هذه المواشي إلى مناطق قوات سوريا الديمقراطية أو النظام، ويخبرنا من التقيناهم أنهم فشلوا بإقناع الحكومة بالعدول عن قرارها والسماح لهم بالبحث عن المراعي، مؤكدين أنهم لن يبيعوها ولكنهم يريدون فقط إطعامها للمحافظة عليها وعلى حياتهم.

“كيف يمكن أن تحبس بدوياً عاش حياته متنقلاً، وكيف يمكنك أن تحرم قطيعاً من المراعي”، يقول من تحدثنا معهم، فإن كانت الحكومة ستفرض قراراً غير مدروس فهي بالتالي تتسبب بموت قطعاننا، والذي سيسهم في زيادة فقرنا وعوزنا بعد خسارة مصدر رزقنا الوحيد.

ويطالب من تحدثنا معهم الحكومة والمنظمات المعنية بإيجاد حلول سريعة لمساعدتهم وإغاثة قطعانهم، إن لم يسمحوا لهم بالتنقل، وذلك من خلال مشاريع داعمة للمواشي، تخدمها بالعلف والأدوية، إذ تفتقد المنطقة لأي مشروع ويتجاهل الجميع ما ألت إليه أحوالهم، لافتين إلى أن هذا التجاهل سيؤدي لانقراض الثروة الحيوانية من المواشي لدى أهم شريحة من مالكيها (البدو).

مُهمَلون على طوابير الإغاثة

تتجاهل معظم المجالس المحلية والمنظمات الإنسانية البدو من قوائم الإغاثة، ولا يعاملون كنازحين وذلك لنمط حياتهم القائم على الترحال والسكن في الخيام، وهو ما يعني في فهمهم أن شيئاً لم يطرأ على حياتهم بفعل المعارك والقصف، ويستثنونهم من الخدمات والسلل الغذائية والنظافة، باستثناء بعض الجمعيات التي تؤمن لهم المياه، يقول مهنا الدخيل “كنا سابقاً لا نلتفت للإغاثة، ولا يلتفت أصحابها لنا، ونخجل منها، ونعتبرها شيءً معيباً، ومن غير المقبول عندنا أن نتتبع السلة، ونقف على طوابيرها، أما الآن فقد أصبحت ضرورة نحتاجها ولا تصلنا”.

غالبية البدو يعتبرون الرعي مهنتهم الأساسية وليس لديهم أي مهنة أخرى يعيشون منها، وبتراجعها وكلفتها العالية بات معظمهم يحتاج للمساعدة لتأمين قوت يومه.

الموقد الذي يستخدمه البدو في الطهي -فوكس حلب
الموقد الذي يستخدمه البدو في الطهي -فوكس حلب

تقول أم جابر (وهي سيدة من البدو تعيش بريف حلب) إنها ومن مثلها من نساء البدو يعتمدون على “الكرس” المصنوع من روث الحيوانات لتأمين الوقود اللازم للطهي في خيامهم، إضافة للحطب الذي يجمعونه من الأراضي، ومع تراجع أعداد الماشية لم يعد ذلك الوقود مؤمناً، بينما يرفض معظم أصحاب البساتين منح الحطب للبدو دون مقابل، كما في السابق.

"الكرس" وقود النار عند البدو -فوكس حلب
“الكرس” وقود النار عند البدو -فوكس حلب

كذلك غاب “خبز الصاج” الذي رافقهم طيلة حياتهم، بسبب غلاء الطحين والحطب، إذ يبلغ سعر كيس الطحين نحو أربعين ألف ليرة، وأصبحت كلفة خبز الصاج أعلى من خبز الأفران، وهو ما دفعهم للاعتماد على الأخير الذي لم يألفوه سابقاً.

يقطع البدو مسافات طويلة على الأقدام، يمنعهم سعر الوقود المرتفع من تحريك سياراتهم المخصصة لنقل الأغنام، يقولون إن كل شيء حولهم يحاصرهم، هم يتنقلون في مساحات ضيقة ويعيشون بعيداً عما ألفوه من أمكنة ومناخ ويمنعون من التنقل في رحلاتهم الصيفية والشتوية رفقة قطعانهم، يأكلون خبز الأفران ويطالبون بالمعونة والمساعدة ويبيعون آخر ما يميز حياتهم يوماً بعد آخر، بينما يتجاهلهم الجميع ويتركونهم لقدرهم.

الموت على الحدود.. طفل سوري آخر ينضم لقائمة القتلى

نايف البيوش

رُحّلت جثة الطفل همام ليدفن في سوريا، بينما تعيش والدته قلق ترحيلها وأطفالها أيضاً، لكنها ستعود، في حال تم ترحيلها، دون طفلها الذي لم تشهد دفنه، وبإعاقة في يدها اليسرى، وحق ضائع يجعل من دم السوريين “رخيصاً” في كل مكان يصلون إليه

تتماثل جروح السيدة رندا الصدير (٣٥ عاماً) للشفاء بعد خضوعها لعملية جراحية في أحد مشافي غازي عينتاب التركية، والتي كانت مهددة ببتر ذزاعها إثر إصابتها بطلق ناري أطلقه عليها حرس الحدود خلال ممحاولتها الدخول إلى تركيا عبر ولاية كلس بطريقة غير شرعية، الجرح الذي لن يندمل أو يتماثل للشفاء هو فقدانها لطفلها همام الذي لقي حتفه خلال عملية التهريب بشظايا رصاصة أخرى.

“قتلوا قلبي” تخبرنا رندا وهي تقلب صور صغيرها همام على هاتفها المحمول، يقول من حولها إنها تقضي معظم الوقت في تأمل صوره وخلال مراحل حياته، “هنا كان طفلاً.. هنا كان يلعب.. هذه في بيتنا الذي تركناه في معرة النعمان.. وهنا جثته بعد تشريحها”، لتدخل في نوبة بكاء.

الحرب والبحث عن مكان آمن ولقمة العيش تفرض نفسها في كل مرة كأسباب للهجرة غير الشرعية نحو الأراضي التركية، ويقامر خلالها الأهالي بحياتهم، فالموت يلاحقهم في كل مكان، وغريزة البقاء وكلام المهربين يكملان القصة لتعزيز الرغبة بالوصول، أياً كانت الكلفة، والكلفة في كل مرة آلاف الدولارات، إن كتب لأصحابها النجاة، أو الترحيل من جديد بعد حفلة من الضرب والشتائم، أو الموت وهو الثمن الذي دفعته رندا بفقدان صغيرها، والذي يبدو أنه لم يكفي لبقائها، بعد التهديدات بترحيلها عند إكمال علاجها.

وهمام الصدير طفل في التاسعة من عمره من مواليد ٢٠١١، وهو الصغير في عائلة تضم إخوته الأربعة وأمه ووالده، ولد مع بداية الثورة السورية وعاش النزوح والقصف والخوف، شأنه شأن معظم الأطفال الذين حرمتهم الحرب من الحياة الأمنة والتعليم، بعد أن خسر مدرسته التي كان يحبها، على حد قول والدته، وبيته خلال تهجيرهم القسري من معرة النعمان نهاية كانون الأول ٢٠١٩، إلى مدينة إدلب، حيث عانت الأسرة كغيرها من العائلات، ظروف الفقر والجوع والبحث عن منزل للإيجار.

في السابع عشر من حزيران الماضي فقد همام حياته بطلقة تصفها أمه بـ “الطائشة”، بعد أن قررت الهروب بأولادها نحو الأراضي التركية، تقول إنها أرادت لهم “مستقبلاً أفضل وحياة أكثر استقراراً”، وأن “تنسيهم ما عاشوه من خوف ورعب لازمهم خلال السنوات الماضية، خاصة بعد استهداف طائرة لمنزل العائلة والحالة النفسية السيئة التي رافقتهم بعدها من خسارة المدينة بأكملها وتحولهم إلى نازحين من جديد”.

وبحسب تحقيق استقصائي بعنوان “ضد مجهول: حدود الدم السورية -التركية” والذي نشر في أيار من العام ٢٠١٩، ونقلاً عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فـ “إن خمسة وسبعين طفلاً قتلوا برصاص حرس الحدود التركي منذ العام ٢٠١١”، وما يزال القتل مستمراً وتوثيق الأعداد الجديدة مستمراً هو الأخر، دون أي محاسبة أو قوانين رادعة.

تروي رندا إن طفلها همام قتل داخل الأراضي التركية، بعيداً عن الشريط الحدودي في ولاية كيليس التركية، وخلال ركوبها رفقة أبنائها بسيارة “المهرب” للوصول إلى مركز المدينة، كان الجو معتماً ولم ترى ما حدث، لكنها سمعت صوت رصاص كثيف ونيران “قدحت” في وجوههم، لتلمح طفلها الصغير همام والدماء تنزف منه، تقول إنها أيضاً أصيبت لكن خوفها على ولدها أفقدها الإحساس بالإصابة.

لم يتوقف سائق السيارة الذي كان يقلهم، بل تابع سيره إلى النقطة المتفق عليها، ليتركهم هناك، تقول رندا إنها اتصلت بالإسعاف إلا أنها انتظرت ساعة ونصف الساعة، هي وصغيرها الذي ينزف قبل وصولها، تصمت قليلاً لتكمل “وصلت بعد فوات الأوان”.

نقلت رندا إلى مشفى كيليس بعد إصابة في يدها اليسرى تسبب بقطع في الأوتار والشرايين، تقول إن الزطباء أخبروها بأنهم سيبترون يدها لكنها رفضت، وتم إحالتها إلى مشفى عينتاب بعد إصرارها على ذلك حيث أجرى لها عملية جراحية  “ناجحة” وتخضع الآن للمراقبة.

وتقول رندا أن الحكومة التركية احتجزت أطفالها الآخرين لثلاثة أيام، لم يسمح لهم أو لها بالزيارة، وإن محققين حاولوا الضغط عليها لإخلاء مسؤولية حرس الحدود عن الحادثة، ما دفعها للبحث عن محام سوري لرفع دعوة قضائية على الدورية التي قتلت طفلها وتسببت بإعاقتها، يقول محمد الصدير شقيق همام الأكبر “واجهنا صعوبات عديدة نتيجة التعقيدات الكبيرة التي فرضتها الحكومة التركية، أهمها وضع إخوتي الصغار في ميتم بغازي عينتاب وسط رقابة شديدة، إذ لم يسمحوا لنا برؤيتهم بالإضافة للاحتفاظ بجثة أخي لأربعة أيام وتشريح جثته”.

ويرد في التحقيق السابق الذي أوردنا ذكره نقلاً عن المحامية التركية جانسو أنيلان المختصة بالاستشارات القانونية “أن القانون التركي فيما يخص الحدود السورية يسمح بدخول اللاجئين الهاربين من الحرب، وذلك وفق القانون وتصنيف سوريا على أنها في حالة حرب، فلا يحق لحرس الحدود إطلاق النار على المدنيين الذين يحق لهم دخول البلاد بطريقة غير شرعية، إلا في حال كان المتوجه من الأراضي السورية يشهر سلاحاً بوجه العناصر الأتراك”، إلا أن هذا الحق، يبدو غير مكفولاً نظراً لأعداد القتلى الذين زادوا عن خمسمائة شخص ووثقوا بالأدلة والصور، يصف المركز السوري لحقوق الإنسان ذلك بـ “الجريمة المستمرة”، وينقل التحقيق عن القانوني السوري غزوان قرنفل “أن القضاء التركي يرجح كفة الجيش ويرفض الدعاوى بسبب اللافتات والشاخصات المنتشرة التي تحذر من الاقتراب أو محاولة اختراق الحدود”.

رُحّلت جثة الطفل همام ليدفن في سوريا، بينما تعيش والدته قلق ترحيلها وأطفالها أيضاً، لكنها ستعود، في حال تم ترحيلها، دون طفلها الذي لم تشهد دفنه، وبإعاقة في يدها اليسرى، وحق ضائع يجعل من دم السوريين “رخيصاً” في كل مكان يصلون إليه.

 

فاقدو الأطراف.. تؤلمهم نظرات الشفقة أكثر من البتر

سيرين مصطفى

تلعب مراكز الأطراف الصناعية دوراً بارزاً في تأهيل أصحاب حالات البتر جسدياً ونفسياً، وتساعدهم بالعودة لممارسة حياتهم بشكل طبيعي، لكن ذلك يختلف من حالة لأخرى، يقول غزال هلال (تقني أطراف صناعية في مركز الخطوات السعيدة): ” نقوم بتركيب الأطراف لجميع حالات البتر، لكن الفرق يكمن في نسبة استعادته لحياته الطبيعية”، ويشرح “الهلال” هذه المسألة عبر إيراد عدة أمثلة “بتر تحت الركبة، يعود لحياته الطبيعية نسبة 90%، بتر فوق الركبة بنسبة 50 أو 60 %، إذا كان البتر فوق الركبة قصير يعود بنسبة 40%، إذا كان لدى المصاب بترين فوق الركبة يعود بنسبة 20%، إذا كان لديه بتر طرفين فوق الركبة والجذمور قصير يعود بنسبة 20%، إذ يحدد نوع البتر وطول الجذمور وعظم الفخذ نسبة نجاح الطرف، وعودة فاقد الطرف لحياته الطبيعية”.

تعرض حسام لغارة جوية، قبل عامين، كانت سبباً في بتر رجله من أعلى الفخذ، تعافى حسام من آلام البتر، لكن الأوجاع النفسية التي تتسبب بها نظرة المجتمع لهذه الفئة من الناس باتت الألم الأكبر الذي يعاني منه.
يسعى حسام لتأمين مستلزماته بنفسه، لكن مشيته على عكازين والفراغ الذي شكله فقدان القدم اليسرى، يلفت أنظار الناس أثناء مشيته لتتبعه نظرات الاستغراب الممزوجة بالشفقة، وأثناء تنقله يقع على مسمعه عبارة من حوار بين شابين “ما بتخاف الله يعملك متلو”. يتعجب حسام من نظرة الناس فقد تكيف مع إصابته إلا أنهم لم يتكيفوا معه بعد، وما إن يراه بعضهم حتى يتمتم بألفاظ الحوقلة وتتبدل معالم وجهه.
حالة حسام واحدة من عشرات الحالات التي تعرضت لحوادث بتر أدت لدخولها في سلسلة من الصعوبات قد يبدو أقساها تقبل الوسط المحيط.

يرافق فاقد الطرف مجموعة من الأحداث بعد عملية البتر، تبدأ بـ الآلام الجسدية التي تلي العملية، ثم قد يتبعها صدمة نفسية قد تبقى طويلاً عند البعض قبل الاعتياد على وضعهم الجديد، بينما يستسلم آخرون للكآبة. يعقب ذلك موجة من نظرات الشفقة التي تلاحقه من مكان لآخر سواء في العمل أو في الحي الذي يسكنه، بجانب عبارات الاستعطاف مثل “خطي، ويا حرام”، مع مسميات جديدة تطلق عليه وقد تشكل لاحقة لاسمه مثل (أبو رجل مقطوعة، أبو يد مقطوعة)، كل ذلك من شأنه أن يشعل في نفس فاقد الطرف شعوراً بالاختلاف عن البقية، بحسب من التقيناهم.

الزواج والعمل رحلة شاقة عند المصابين
ترفض كثير من العائلات تزويج بناتها لفاقد الطرف، خوفاً من أن تترك الإصابة آثاراً سلبية على حياة بناتهم بعد الزواج سواءً من الناحية المادية أو المعنوية، كما رصدنا بعض حالات الطلاق عند الأزواج بعد تعرض أحد الزوجين لحادثة بتر.

تجاهلت والدة حسام أسئلته المتكررة عن خطيبته أثناء وجوده في المستشفى، لكنه عرف الحقيقة بعد أن عاد للمنزل إذ وجد خاتم الخطوبة مرفقاً مع الهدايا التي جلبها لخطيبته في غرفته، ما يعني أنها تخلت عنه ووجد نفسه مضطراً لمحادثة والدها ليرمي عليها يمين الطلاق.

أبو عبدو (35) عاماً من ريف حماة الشمالي  حالة أخرى تمثل معاناة بعض الأزواج بعد تعرضه للبتر، يقول : قُطعت رجلي من تحت الركبة في إحدى المعارك، فتركتني زوجتي غير مكترثة بأولادنا الثلاثة.
طالت رحلة أبو عبدو بالعثور على زوجة جديدة فقد رفضه كل من تقدم لهن، ويروي إحدى القصص المؤلمة التي تركت أثراً في نفسه فيقول: زرت إحدى العائلات بقصد الخطبة، وانتظرت وقتاً طويلاً ولم تدخل الخطيبة لأتمكن من رؤيتها حسب التقاليد والأعراف المتبعة، وبعد أكثر من ساعة سمعت صوتاً حاداً يقول :”ما كان ناقصني غير أتزوج شخص رجله مقطوعة” ما دفعني للانسحاب ومغادرة المنزل.

في الوقت نفسه تقبل كثير من الفتيات بالزواج من فاقد الطرف، تقول راوية الأحمد “زوجة مصاب”: “عندما تقدم زوجي لخطبتي وكانت رجله مقطوعة، لم أنظر إليها إطلاقاً، وإنما لفت انتباهي سمعته، وشهادة الهندسة التي يحملها، فتزوجنا وأنجبنا أطفالاً ونعيش حياة جيدة”.

يعاني المصابون من صعوبة في العثور على عمل، خاصة إذا لم ينل المصاب شهادة جامعية، أولم يتقن إحدى المهن الحرة. فقد حسام عمله في السوبر ماركت بعد إصابته لأن صاحب العمل طالبه بالرحيل، ما دفعه لحضور دورات تدريبية ساعدته في تنمية مهاراته ليتمكن مؤخراً من الحصول على فرصة عمل بأجر أفضل بكثير من أجر السوبر ماركت.

الآثار السلبية التي يتعرض لها فاقد الطرف

يقول براء الجمعة (أخصائي نفسي عيادي) إن الآثار السلبية التي تتركها حالة بتر الأطراف تكون أشد تأثيراً من باقي الإصابات، لأن المريض فقد جزءً من أعضاء جسده، إضافة إلى فقدان صورة الكمال لذاته، لذلك تميل تلك الفئة للعزلة، وتمتنع عن الظهور أمام الناس، ومن ضمن ردود الفعل التي قد ترافقه (الإنكار، العزلة ، انخفاض تقدير الذات، الغضب، عدم التقبل، انخفاض الثقة بقدراته، اللامبالاة وعدم الاهتمام بمظهره، بجانب ذلك تصبح الاعتمادية النفسية لديه أكثر من الجسدية، كونه فقد بعض طاقته، ناهيك عن “الألم الشبحي” وهو أمر طبيعي يشعر به بعد البتر بستة أشهر تقريباً، ويعني استمرار شعوره بالطرف المبتور، وما يزيد من هذا الشعور واستمراريته هو عدم تقبله بوضعه الجديد”. ويضيف:” تتكون العزلة من خلال تأثير نظرة المجتمع لذوي البتر بأنه أصبح عاجزاً عن أداء مهامه، وأصبح غير لائق لأي عمل”.

وعن الحلول اللازمة لكسر الصورة النمطية المصاحبة لأصحاب البتر يقول الجمعة ” نحتاج لوعي مجتمعي بالدرجة الأولى، إضافة لتدريب العاملين في مجال البتر على كيفية التعامل السليم مع المصابين. وتنمية المهارات الحرفية لديهم، والعمل على دمجهم معرفياً و حرفياً و نفسياً مع محيطهم كي يصبحوا أشخاصاً فاعلين ومنتجين”.

دور مراكز الأطراف الصناعية
تلعب مراكز الأطراف الصناعية دوراً بارزاً في تأهيل أصحاب حالات البتر جسدياً ونفسياً، وتساعدهم بالعودة لممارسة حياتهم بشكل طبيعي، لكن ذلك يختلف من حالة لأخرى، يقول غزال هلال (تقني أطراف صناعية في مركز الخطوات السعيدة): ” نقوم بتركيب الأطراف لجميع حالات البتر، لكن الفرق يكمن في نسبة استعادته لحياته الطبيعية”، ويشرح “الهلال” هذه المسألة عبر إيراد عدة أمثلة “بتر تحت الركبة، يعود لحياته الطبيعية نسبة 90%، بتر فوق الركبة بنسبة 50 أو 60 %، إذا كان البتر فوق الركبة قصير يعود بنسبة 40%، إذا كان لدى المصاب بترين فوق الركبة يعود بنسبة 20%، إذا كان لديه بتر طرفين فوق الركبة والجذمور قصير يعود بنسبة 20%، إذ يحدد نوع البتر وطول الجذمور وعظم الفخذ نسبة نجاح الطرف، وعودة فاقد الطرف لحياته الطبيعية”.

وهناك حالات لا تستفيد من الطرف الصناعي وإنما تحتاج لطرف إلكتروني “ذكي” مثل حالات البتر من الورك والتي تعتبر حالة حسام واحدة منها، وتصل تكلفة هذا الطرف إلى ثلاثين ألف دولار ما منع حسام من تركيبه.

يتواجد في مناطق المعارضة عدة مراكز تعمل بمجال الأطراف الصناعية مثل مركز خطوة أمل في إعزاز، والمشروع الوطني للأطراف الصناعية في إدلب والباب، ومركز سواسية في عفرين، مع مركز الخطوات السعيدة في إعزاز، ومركز الساير في  الباب، ومركز PALS في إدلب.
قدم مركز خطوة أمل في فرعيه إعزاز وكلس  منذ عام 2013 حتى اليوم ألف وسبعمئة وخمسة وخمسين طرفاً سفلياً ومئتين وأربعة وستين طرفاً علوياً وألف ومئة وثمانية مقومات، بحسب الدكتور علي سرحان مدير المركز، ومن الخدمات التي يقدمها : تركيب وصيانة الأطراف الصناعية والمقومات مع استشارات العلاج الفيزيائي التي يقدمها طبيب مختص،  ناهيك عن تقديم المساعدات الحركية، وجلسات العلاج الفيزيائي.

في الوقت نفسه عمل مركز بلسم على تنفيذ خمسمئة حالة صيانة وتركيب لأطراف سفلية وردت إليه، بحسب فادي عبد الخالق (مدير المركز)، في حين لم يتمكن من الاستجابة لثلاثمئة حالة كانت بالانتظار بسبب عدم توفر الإمكانيات وتوقف الدعم عن مركزهم.

تمكن عشرات المصابين في إدلب من تجاوز معاناتهم وانطلقوا بحياتهم من جديد غير مكترثين بنظرات المجتمع المحيط، فحسام يستيقظ كل صباح ويذهب إلى عمله، ليؤدي واجباته على أكمل وجه، ثم يعود إلى المنزل، فيساعد أمه بواجباتها. دون أن يجد أي صعوبة تعترضه خلال يومه. كما يتابع مهند عمله في محله الصغير لبيع المحروقات محاولاً تلبية طلبات الزبائن بيده اليسرى دون إظهار أي ضعف. أما شادي فقد حصل على الطرف الصناعي وعاد للمشي من جديد وتمكن من قيادة الدراجة النارية بينما تنزل ربيعة من الباص متجهة إلى المدرسة التي تعمل بها، مستندةً على عكازين ومتجاهلةً نظرات الناس لأن تصميمها على الحياة أقوى من شفقتهم.

الفنون الجميلة حاضرة بين الناس وغائبة أكاديمياً

سوسن الحسين

للفن علاقة وثيقة بمختلف مناحي الحياة، هو وسيلة تعبير عن الحرب والحب والحزن والألم

تضم جامعة إدلب ثمان عشرة كلية ومعهداً في مختلف التخصصات العلمية، ويغيب فيها الاهتمام بأي معهد أو كلية للفنون الجميلة، وهو ما دفع عدداً من الطلاب والمهتمين للمطالبة بافتتاح فرع خاص بهذه الفنون ليمنحهم دراسة أكاديمية موازية للموهبة التي يتمتعون بها ويرغبون بتنميتها.

ويندرج تحت اسم الفنون الجميلة، بحسب “إيتان سوريو” سبعة فنون تحمل كل منها درجتين (تصويرية وتجريدية) وهي: (العمارة -الموسيقى -الرسم -النحت -الشعر -الرقص -السينما).

خريجو المعاهد يرغبون بإكمال دراستهم

تخرج الشاب جمعة الفشتوك من معهد الفنون التطبيقية بجامعة حلب سنة 2014، ويحلم بإكمال دراسته في كلية للفنون الجميلة، لكن غياب هذا الفرع عن أروقة الجامعة في إدلب يمنعه من تحقيق ذلك.

يمارس “الفشتوك” عمله في المجال الفني، ويقول إنها مرحلة مؤقتة ريثما يتم افتتاح فرع للكلية لصقل موهبته التي ورثها عن عائلته في حبهم للرسم والنحت والتصميم، ساعده في ذلك دراسته في المعهد التي منحت جزء من “الدراسة الأكاديمية”، فالرسم على حد قوله، لغة يفهمها جميع الناس مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم، وهو الحاسة السادسة التي تجمع الحواس الخمس في واحدة، وهذا ما يظهر للمشاهد عند رؤية إحدى اللوحات المميزة التي تصور الحروب، إذ يشعر الناظر بقسوة هذه الحروب وقد يصل لمرحلة تمكنه تخيل صوت القذائف واستنشاق رائحة الدماء والبارود.
يأمل “فشتوك” من المنظمات التي تعنى بالفن والفنانين أن تدعمهم ليستطيعوا إيصال رسالة الشعب السوري إلى العالم، ولكنه وبحكم عمله على تعليم مادة الفنون للأطفال في المدرسة، ومن خلال من يعرفهم من أصحاب المواهب، يجد أن الدعم الأمثل يكمن في توجيه الاهتمام نحو هذه الدراسة وإعطائها حقها، وكذلك تخصيص حصص درسية ومعاهد وكليات تتبنى الموهوبين وتصقل مواهبهم وتضعهم في الطريق الصحيح.

من أعمال الفنان جمعة الفشتوك -وسائل التواصل
من أعمال الفنان جمعة الفشتوك -وسائل التواصل

الحلم الأكاديمي غائب عند عشاق الفنون

لم تتمكن أميرة الداني من تحقيق حلمها ودراسة كلية الفنون الجميلة والتي كانت تحلم بها منذ طفولتها، لعدم توفر هذا الفرع ضمن كليات جامعة إدلب، ما اضطرها للالتحاق بكلية التربية.
تقول أميرة إنها ترى نفسها كرسامة أكثر منها مرشدة نفسية، إذ رافقها الرسم كهواية منذ طفولتها، وترى بأنها تفرغ طاقاتها السلبية على الورق من خلال رسوماتها، التي باتت تحتفظ بصورها على هاتفها خوفاً من تلف الرسومات الأساسية.

تحظى أميرة بتشجيع وإعجاب صديقاتها لما تقوم به من أعمال، لكنها تؤكد بأن تلك الأعمال كانت ستكون أفضل وبأفكار أعمق لو تمكنت من صقل موهبتها بدراسة أكاديمية.

لا تختلف حالة أسماء الحاج عن غيرها فقد حاولت توظيف موهبتها ضمن الفرع الذي تحب “الفنون الجميلة” لكنها أجبرت على دخول كلية التربية، وتستمر “الحاج” بممارسة هوايتها محاولة توظيف قدراتها في تيسير جلسات للأطفال في  مركز بمدينة حارم، وبأدوات بسيطة تستعملها في صنع الزهور لتشكيل مزهريات أو أطواق من الورد وكذلك الرسم على الزجاج أو الخشب، كما تعمل من خلال زهور السيراميك على تزيين الشلالات المصنوعة من الحجارة الصغيرة وتبتكر الكثير من الطرق لأعمالها.
أما شكرية محمد علي بليلو فقد درست في ثانوية للفنون النسوية لمدة سنة ونصف أثناء تواجد قوات النظام في إدلب، لكنها تركت الفنون النسوية رغم حبها لها لأنها أيقنت أن المستقبل لن يكون بهذا المجال متاحاً أمامها، وستكون مجبرة للسفر على مناطق النظام للحصول على الشهادة الثانوية ومتابعة دراستها هناك، لأن الحصول على شهادة الفنون النسوية لن يمكنها من دخول أي فرع في إدلب، وهذا ما حدث مع صديقاتها، لذا تقدمت لشهادة الثانوية العامة وبدأت الدراسة في كلية التربية.

من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب
من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب

وتخبرنا آية ديب وهي رسامة في العشرين من عمدها لم تتح لها ظروف النزوح والتنقل إكمال دراستها التي هَجَرتها منذ هُجّرت من مدينة حلب، أنها تطمح منذ صغرها لدخول كلية الفنون الجميلة، تقول إن هذا الحلم لم يهجرها رغم نجاحها الذي أرجعت سببه الأول لدعم والدها، الذي أمن لها معدات الرسم دائماً، وأقام لها المعارض على نفقته الشخصية وشجها على الاستمرار.

جدران منزلها الأخير الذي تسكنه دليل على تعلقها بالرسم، رذ حولت كل فراغ فيه إلى لوحة، تقول آية، إن الجدار الذي رسمت عليه قلعة حلب (مدينتها) هو الأقرب إلى قلبها، لقد أهدت ما رسم عليه لوالدتها التي عانت كثيراً عند تهجيرهم من المدينة لإسعادها، وهو ما حصل.

الأسباب التي تمنع افتتاح الكلية

يقول عصام خليف أمين سر جامعة إدلب: يجب أن تتوفر عدة معايير واعتبارات عند دراسة أي مشروع يتعلق بافتتاح كلية جديدة، مثل الحاجة المجتمعية وتوفر الكادر التدريسي وإقبال الطلاب، إضافة لحجم الإنفاق الذي يجب أن يتناسب مع المعايير المذكورة.

وأضاف الخليف إن قدرة الجامعة المادية على افتتاح كليات جديدة متواضعة، إذ تعتبر أقساط الدراسة التي تتقاضاها الجامعة من الطلاب هي المورد الأساسي للجامعة، كما أن كلية الفنون الجميلة لا تعتبر من الكليات الأساسية للمجتمع فهي “كلية تكميلية”، حسب وصفه، واعتبر “الخليف” أنه إذا كان ولا بد من افتتاح كلية فالأولى هو افتتاح كلية للهندسة المعمارية لأنها تمثل حاجة أكبر للمجتمع.

يقول من التقيناهم إنهم لا يعرفون من يحدد الأولوية، وإن كانت هذه الأولوية تتم عبر دراسة حقيقية للطلبة والمهتمين، فهناك عشرات إن لم نقل مئات من الموهوبين في الفنون المختلفة، جميعهم يمارسون ما يرغبون بتعلمه على شكل هواية تتطور ببطء، لغياب التوجيه والإمكانيات، أما بخصول الكلفة المادية فليست الجامعات “مشروعاً ربحياً”، والفنون الجميلة كغيرها من الكليات التي ستجد في حال طرحت الكثير من المهتمين والداعمين، خاصة لما تتركه هذه الفنون من أثر وما تحظى به من أهمية لدى شعوب العالم كافة.

من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب
من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب

يخبرنا سامر الأحمد وهو (مدرس للرسم) في واحدة من مدارس ريف حلب إنه ومنذ عقود من الزمن يتم إهمال كل ما يتعلق بالفنون، فالحصص الدرسية والوسائل التعليمية كانت قليلة، وغالباً ما يتم النظر لمادة الرسم أو الموسيقا من قبل إدارة المدرسة وحتى مديريات التربية على أنها وسيلة للهو والرفاهية، لا علماً قائماً بحد ذاته، يترك أهم الأثر في حياة الطلبة.

ويقول الأحمد إنه “حارب لسنوات طويلة تلك الظاهرة دون جدوى”، إذ غالباً ما كانت تعطى حصصه لمدرسين آخرين لم يستطيعوا إكمال مناهجهم، كالرياضيات والفيزياء، يقابله في ذلك رضا الأهالي والإدارة، وهو ما كان يرفضه باستمرار.

ويتحدث الأحمد عن عدم وجود كتب تعنى بالموسيقا والرسم في المدارس، فكيف سيتم افتتاح كلية في مكان لا يهتم بالفنانين، ويعتبرونه مثاراً للتسلية، التسلية وفقط.

دور الفن في تحريك الشعوب

للفن علاقة وثيقة بمختلف مناحي الحياة، هو وسيلة تعبير عن الحرب والحب والحزن والألم والثورة، والفنان غالباً ما يستقي أعماله من الواقع الذي يعيشه ويترجمها إلى رسائل واضحة تنتشر بسرعة أكبر منها في المقالات والروايات والأبحاث والشعر، وتختصر مرحلة أو مشهداً كاملاً.
ويرى من التقيناهم أن إنشاء كلية للفنون الجميلة سيسهم بتنمية عشرات المواهب التي ضيعتها الحرب، والتي ستعمل بدورها على تصدير مأساة الإنسان السوري بأدوات جديدة قد تكون أكثر جدوى ونفعاً. كذلك في تفريغ الشحنات العاطفية والمشاعر، أياً كان نوعها، وتسهم إلى حد كبير في تخفيف الضغوطات النفسية بشكل إبداعي، فالفن هو الهوية التي تقاس الشعوب ورقيها من خلاله.