فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

معهد عطاء المهني لتدريب وتمكين الشباب في إدلب

محمد الأسمر

يستقطب “معهد عطاء” عدداً من الشباب غير الأكاديمي لرفع كفاءته المهنية والتقنية والحرفية في بعض الأعمال، وتمكينهم من الخوض في سوق العمل. إذ تم تسجيل نحو ثلاثمائة طالب وطالبة في […]

يستقطب “معهد عطاء” عدداً من الشباب غير الأكاديمي لرفع كفاءته المهنية والتقنية والحرفية في بعض الأعمال، وتمكينهم من الخوض في سوق العمل.

إذ تم تسجيل نحو ثلاثمائة طالب وطالبة في مختلف أقسامه، لتدريبهم بواسطة مختصين وأكاديميين، بحسب ميولهم، وتحويلهم من عاطلين عن العمل إلى منتجين، وتحسين أدائهم بغية الوصول إلى درجة عالية من الإنتاج.

وكانت جمعية عطاء، وهي منظمة إنسانية غير ربحية مسجلة في تركيا، قد أطلقت، منذ نحو شهر، العمل في المعهد المهني الذي يعد الأول من نوعه في مناطق المعارضة السورية بالتعاون مع جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية، وهي جمعية خيرية كويتية تسعى لتنمية المجتمعات الفقيرة،إضافة لسبارك.

وأنشى المعهد في قرية قاح بريف إدلب الشمالي بهدف تأهيل وتدريب كوادر شابة للعمل ضمن مهن مطلوبة في مناطق المعارضة، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل ممن لم يستطيعوا إكمال تحصيلهم الدراسي، كذلك المساهمة في زيادة الدخل وسد الاحتياجات الشخصية للأشخاص والعائلات، بحسب منسقة المشروع المهني والتعليم.

جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب
جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب

وتقول منسقة المشروع “برهان بيازيد” إن المعهد يتضمن التدريب على مهن “التمديدات الكهربائية والصحية، وصيانة الأجهزة الكهربائية والدراجات النارية والهواتف الذكية والحواسيب، وصناعة الحلويات والمعجنات، إضافة للف المحركات وصيانة وتركيب الطاقة الشمسية، كذلك الحلاقة الرجالية والنسائية”، ويقوم بالتدريب عدد من الأكاديميين وذوي الخبرة العملية الطويلة، ويشرف عليهم موجه مهني مختص لمتابعة التدريبات والمدربين وتقديم المساعدة والتوجيه اللازمين.

جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب
جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب
تدريبات المعهد

يقسم التدريب إلى حصص مدتها ساعتان ونصف الساعة لخمسة أيام أسبوعياً، يقول أحمد رعدون (أحد المتدربين في المعهد) إنه يسعى لإتقان مهنة صيانة الدراجات النارية التي اختارها، ويشعر بعد مرور شهر على التدريب بأنه اكتسب خبرة جيدة، خاصة بوجود المشرفين الاختصاصيين، وبينهم مهندس ميكانيك، ويأمل بتقوية خبرته ليتمكن من فتح ورشة خاصة به نظراً لاعتماد معظم السكان في إدلب على هذا النوع من وسائط النقل، ما يتيح فرصة عمل جيدة للعاملين بإصلاحها.

مدربة الحلاقة النسائية مها درويش والمشرفة على اثنتي عشرة فتاة من المقبولات في المعهد ترى أن المدة التي أفردت لها (ثلاثة أشهر) كافية لتعليم المتدربات وتخريجهن للدخول في ميدان العمل، وتقول إن هذه الدورات “هامة” في الوقت الحالي كحل بديل لتأهيل الشباب العاطل عن العمل ودفعه لإتقان حرفة تستهويه وتؤمن له دخلاً يعيش من خلاله، وهو ما حصل مع المتدربة “هزار عبد السلام”، التي قالت إنها بدأت العمل بعد شهر من التدريب كونها كانت تملك خبرة جيدة في هذه المهنة، لكن الدورة زادت من مهارتها نتيجة الشروح التفصيلية التي تقوم بها المدربة.

ومع انتشار فايروس كورونا قامت إدارة المعهد بتقسيم المتدربين إلى فئتين، مراعاة للتباعد الاجتماعي، تحصل كل منهما على حصة تدريبية كاملة، بحسب عدي حمداوي والذي اختار التدرب على صيانة الهواتف الذكية، يقول حمداوي إنه سمع بالمعهد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ليختار المهنة التي يحبها ويرغب بتطوير مهاراته للعمل بها.

وتتفاوت مدة الدراسة في المعهد بين ثلاثة إلى ستة أشهر، بحسب القسم، ويحصل الطالب فيها على تدريب في المهنة التي اختارها، وممارسة هذا التدريب عملياً، إذ يضم كل قسم كافة التجهيزات والتقنيات اللازمة لتدريب أي مهنة أو حرفة. ويتم قبول المتدربين من خلال تسجيل طلبات الانتساب عبر الرابط الإلكتروني أو في مركز المعهد، ويختار المقبولون وفق عدة نقاط مثل “العمر، المرحلة الدراسية، الأيتام، المعيلين، عدد أفراد الاسرة، وذوي الاحتياجات الخاصة”، بحسب “بيازيد”.

جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب
جانب من التدريبات في معهد عطاء المهني -فوكس حلب

يقدم المعهد للمتدربين منحة شهرية بقيمة أربعين دولاراً، لمساعدتهم على متابعة التعلم والتخفيف من التحديات الاقتصادية التي يعيشونها، ويخضعون خلال التدريب لدورات داعمة، مثل القيادة والإدارة ومهارات الحياة والدعم النفسي الاجتماعي، في حين سيحصل الطلاب الأوائل على تدريب لمدة شهر ضمن إحدى الورش العملية الخاصة بالمجال الذي اختاروا التدريب فيه.

يصنف التدريب المهني كأحد أساليب التطور المعرفي والتقني، لما يعنى به من معلومات تعطى للأفراد لتمكينه من مزاولة عمل معين وإتقانه ومعاونته على إيجاد فرصة لتطبيق هذه المهارات التي تعلمها، سواء في المؤسسات العامة والخاصة أو من خلال مشاريع شخصية، وتكمن أهميته من تأهيل أشخاص يرفدون المجتمع بما يحتاجه من أساسيات، خاصة ضمن بيئة الحرب التي يعيشها السوريون منذ عشر سنوات، والتي أسهمت في هجرة الكثير من أصحاب الحرف والمهن إلى البلدان المجاورة، وهو ما يمكن للمعهد تعويضه بالكوادر الجديدة التي يخرجها، واستقطاب أعداد جديدة.

“دبس البندورة البلدي” تراث تنتهك مذاقه المعلبات التركية

حسن كنهر الحسين

مع ارتفاع ثمن دبس البندورة البلدي الجاهز، وارتفاع كلفة صناعته منزلياً لجأ الأهالي للتحايل على المعلبات التركية لتعديل نكهتها بما يتوافق مع ما ألفوه من طعم، تقول أم حسين إنها تقوم بشراء خمس كيلو غرامات من معلبات الدبس التركي وتخلطه باثنين كيلو غرام من الدبس البلدي ضمن قدر، وتعمد على تحريكهما ودمجهما بشكل جيد مع إضافة القليل من السماق المطحون وحمض الليمون المذاب وبتلك الطريقة تصبح نكهة الدبس قريبة بشكل كبير إلى نكهة الدبس البلدي وبتكلفة أقل.

لم يعد رغيف الخبز المدهون بـ دبس البندورة أكلة “أبو عمر” المفضلة والتي رافقته لسنوات أثناء عمله كمعمار في ريف إدلب الشمالي.

إذ فرض النزوح على زوجته استعمال معلبات دبس البندورة التي تدخل من تركيا، وهو مالم يستسغه أبو عمر حيث فقد النكهة المميزة لهذه الأكلة وبات يطالب زوجته بتحضير أي أكلة “كزوادة” باستثناء دبس البندورة التركي.

دبس البندورة مكون أساسي في المطبخ السوري

يدخل دبس البندورة في إعداد كثير من الأكلات السورية مثل المحاشي وبعض أكلات الخضار والمعكرونة وغيرها.

وبالاعتماد على المعلبات التركية وندرة البلدي، فقدت هذه الأكلات مذاقها المألوف والمميز الذي كان يمنحه لها الأخير.

كذلك فقد البنية المتماسكة للأول والتي كانت تسهم في التوفير، فملعقة واحدة من البلدي تغني عن أربعة ملاعق من التركي، تقول من التقيناهن من ربات المنازل.

ويحضر دبس البندورة كأكلة رئيسية على موائد الإفطار في إدلب، ويعتبر الخبز المدهون به من أبرز الأكلات الشعبية، خاصة في مساءات الشتاء، و”زوادة” يصحبها العمال والمزارعين والطلاب إلى مدارسهم، إلا أن تحول المصدر وتغير اللون وفقدان ذلك الطعم المميز لم يجد طريقه الى أولئك الأشخاص اللذين تعتق في ذاكرتهم طعمة الدبس المحلي الذي يصنعونه بأيديهم كل عام.

تقول أم عمر” تعتبر أكلة دبس البندورة الأكلة المفضلة لأبو عمر، إلا أن ذلك التفضيل انقلب بعد نزوحنا حيث لم تسعفنا ظروف النزوح من تحضير دبس البندورة البلدي بسبب ارتفاع تكاليف صناعتها وغياب المساحات المكشوفة التي تحتاجها لتجفيفها، ما دفعنا للجوء إلى معلبات دبس البندورة من محلات الإغاثة، إلا أن طعمها يختلف بشكل كلي عن الدبس البلدي الذي يتميز بنكهته اللذيذة ولونه الأحمر القاني المخالف لمعلبات الدبس التركية المستوردة والتي تتميز بلونها البني الداكن وطعمها المالح.

أنواع مختلفة في الأسواق

يقول شاكر السلوب تاجر مواد غذائية في مدينة سلقين “تختلف أنواع الدبس المستورد فمنها المعلبات التي يتم بيعها في محلات الإغاثة حيث تزن الواحدة ثمانمائة غرام ويساوي سعر العلبة الواحدة ألف وستمائة ليرة.

مجمل تلك المعلبات تدخل ضمن سلل الإغاثات التي تقدمها المنظمات والجمعيات للأهالي، يقوم بعض الأهالي ببيع الفائض منها لتلك المحلات، وغالباً ما تكون تلك المعلبات قد شارفت على انتهاء صلاحيتها، في حين قد يصل بعضها مغشوشاً عبر إضافة بطاطا مسلوقة وصباغ أحمر للعلب.

كما يوجد نوع آخر يتم استيراده بشكل رسمي ويأتي غالبها ضمن “مرطبانات” كبيرة بوزن 4 كغ وبسعر 10000ليرة سورية، كما يوجد نوع آخر يتم استيراده ضمن عبوات كبيرة حيث يتم بيعه بحسب الكمية التي يريدها الزبون، ويعتبر ذلك النوع من أفضل الأصناف نظراً لطعمه القريب من الدبس البلدي وحداثة صنعه”.

صناعة الدبس البلدي مصدر رزق

يبيع حاتم الأخرس (أحد العاملين بصناعة الدبس البلدي) الكيلو غرام حالياً، بـ ثلاثة آلاف وثمانمائة ليرة سورية بعد التجفيف، ويعتبر هذا العمل مصدر رزق إضافي لحاتم، يشجعه على الاستمرار به طلب الأهالي المتزايد على هذه المادة.
وعن الطريقة التي يتبعها الأخرس بصناعة منتجاته يقول: “يتم تقطيع كمية البندورة المراد عصرها إلى قطع صغيرة بعد غسلها وفرز التالف منها، ويتم تمليحها بشكل جيد ونشرها ضمن أوانٍ كبيرة تحت أشعة الشمس لمدة يوم كامل.

وفي اليوم التالي يتم تصفيتها من الماء بواسطة مصافٍ كبيرة، حيث يتم فيما بعد عجنها بشكل جيد ووضعها على النار لفترة من الوقت ليتم تنشيفها ثم يتم صبها ضمن قوالب خاصة تحت أشعة الشمس ويتم تحريكها بواسطة ملعقة كبيرة كل نصف ساعة حتى تتعرض جميع الأجزاء للتنشيف، ويتم تغطيته بواسطة سطح بلاستيكي لمنع ملامسة الحشرات والغبار له، وبعد أن ينشف الدبس يتم إفراغه ضمن عبوات خاصة وتباع للأهالي الذين يقومون  بتخزينه لباقي العام واستخدامه في تحضير العديد من المأكولات”.

تعديلات على المعلبات التركية لاستعادة المذاق

ومع ارتفاع ثمن دبس البندورة البلدي الجاهز، وارتفاع كلفة صناعته منزلياً لجأ الأهالي للتحايل على المعلبات التركية لتعديل نكهتها بما يتوافق مع ما ألفوه من طعم.

تقول أم حسين إنها تقوم بشراء خمس كيلو غرامات من معلبات الدبس التركي وتخلطه باثنين كيلو غرام من الدبس البلدي ضمن قدر، وتعمد على تحريكهما ودمجهما بشكل جيد مع إضافة القليل من السماق المطحون وحمض الليمون المذاب وبتلك الطريقة تصبح نكهة الدبس قريبة بشكل كبير إلى نكهة الدبس البلدي وبتكلفة أقل.
في حين تعمد بعض السيدات لفتح معلبات الدبس، ونشرها ضمن أوعية في الشمس مع إضافة ملح الليمون المذاب والملح إلى الدبس وخلطه جيداً لتعديل نكهته قبل أن تعيد تعبئته في عبوات بلاستيكية لضمان الحفاظ عليها مدة أطول.

وتخبرنا أم حسين أن الفائدة الأكبر التي تجنيها من معلبات الدبس التركية، هي من العبوات الفارغة التي تحولها لأصص زريعة على شرفتها لتزيينها بالورد، بعد أن بات استخدام محتواها “اضطراراً لا محبة”، نظراً للواقع الاقتصادي الذي يعيشه السكان.

لكل بيئة اجتماعية سماتها العامة، وتختلف المطابخ بين مدينة وأخرى، كذلك بين دولة وثانية، إلا أن الدبس البلدي في سوريا، وإن اختلفت طريقة تصنيعه بين من يغليه على النار أو ينشفه تحت أشعة الشمس، وكذلك اعتماد مقدار الحموضة والملوحة، يبقى مختلفاً عن غيره من البلدان، ويدخل في كثير من أكلات ربات المنازل، إضافة لكونه وسيلة “إسعاف” لعشاء سريع، وفطور صباحي لطلاب المدارس.

الخوف يسكن عيدنا السوري

مصطفى أبو شمس

بين الحق والرفض يعيش سوريون حرموا من عيدهم، يحاولون جاهدين إخفاء ما يعتمل في صدورهم وتجهيز أنفسهم لفرح طارئ يتمنون فيه لأنفسهم ولمن حولهم خيراً يخافون التفكير فيه، إلا أنه […]

بين الحق والرفض يعيش سوريون حرموا من عيدهم، يحاولون جاهدين إخفاء ما يعتمل في صدورهم وتجهيز أنفسهم لفرح طارئ يتمنون فيه لأنفسهم ولمن حولهم خيراً يخافون التفكير فيه، إلا أنه يرافقهم كلازمة دون أن يشعروا بفقدان معانيها التي بدأت تتفلت من بين أيديهم، يرتقون أيامهم بعد فتق، يليها فتق بعد رتق لأحزان ترافقهم منذ سماع التكبيرات الأولى.

يريح بعضهم ذاكرته، ليمر العيد دون أي مظهر من مظاهره، كيوم عادي يمضونه رافضين الرد على رسائل المعايدة الجاهزة، أو تلك المفعمة بالحنين، عشرات من العلامات الخضراء على تطبيق الواتس آب يرافقها تحدّ بعدم فتحها والاطلاع عليها، يسوقون لذلك حججاً كثيرة، مثل فقدان البهجة، لا عيد دون ذاكرة، أصحاب العيد القدامى والذين توزعوا في قبورهم أو في بلدان العام المختلفة، العيد المسروق مع ضياع المدن والبلدات ونزوح سكانها، الخيام التي تحولت لمساكن مؤقتة لا تصلح لعيد، وما يرافق ذلك المنفى الجديد من فقدان لمتطلبات العيد، فلا كهرباء تشوي أقراص الكعك والعجوة والمعمول والغريبة، ولا نقود تكفي لصناعة طبق رئيسي من الكبة السماقية او السفرجلية، لا فرح بألبسة جديدة للأطفال، لا حدائق تغطي النقص والغلاء بأسعار الملاهي، والأهم من ذلك الكثير الكثير من الغيّاب.

يحاول آخرون، العض على الجرح، يقولون إنه شعيرة دينية علينا التعلق بها، هي خير وفرح وهدية من الله، وعلينا أن نعيشها أياً كانت الظروف، دقائق تمر على تلك الصلابة المصطنعة قبل أن يدخلوا في نوبة حنين، إذ تغدو كل الأحاديث عن أعياد ورفاق وأهل سابقين، محلات وأطعمة وشوارع بعينها هي من تلح على الألسن والعقل، وتحمل معها مسح كامل لكل ما هو مؤقت، يضيع أصحاب هذا الرأي بين عيدين، عيد مرسوم منذ أعوام كثيرة مضت، وعيد يدق الأبواب ولا يترك أي تفصيل من الممكن إضافته لأحاديث سابقة لا بدّ ستأتي.

بين هاتين الفئتين من يجتزئ بعض السمات من الطرفين، يرسل على عجل رسائل خجولة ومتشابهة، ويرد على المعايدات، يحتضن أطفاله صباحاً في عيدهم ويسعى لإسعادهم، في الوقت الذي يصدر لنا في أحاديثه العامة وكتاباته على وسائل التواصل الاجتماعي شعوراً بالقهر والحزن، وكأنه يحملنا على الابتعاد عن العيد الذي غدا تهمة، والاحتفال به سيرافقه تصعيداً للشعور بالذنب والاتهام بانعدام الإحساس، خاصة إن كان المحتفلون بالعيد يعيشون خارج سوريا، الأمر الذي سيشعرهم بالخجل من التصريح بمظاهر عيدهم، وإخفاء مظاهره، حتى وإن كان بمستوى صورة لأطفاله الفرحين في حديقة أو خلال لعبة ما، وإن كان من سترسل له أم أو أخ أو أخت.

اللغة الجديدة للتواصل أصبحت تحتاج للشرح، هناك لغة غير مفهومة بين الطرفين، اللاجئ الذي يحتاج دوماً لإثبات ولائه لذويه وأصدقائه ولثورته أيضاً، والمقيم في الداخل والذي ينقسم في داخله بين شعورين “الضحية والجلاد في آن معاً”.

يعيش المغتربون إحساساً مضاعفاً بالقهر، رغم استقرارهم الحياتي بنسبة جيدة، خاصة في مناسبات معينة كالعيد. تقهرهم الوحدة والغربة التي يعيشونها بعيداً عن الحياة الاجتماعية التي يشترط وجودها لتحقيق السعادة، ويقهرهم الشعور بالذنب لغياب مظاهر العيد عن أحبائهم، يرجو معظم الحصول على فرصة لتقبيل يد أمهاتهم، على سبيل المثال، ولا يمكن هنا المفاضلة بين الامتيازات التي يعيشونها وحالة الاكتئاب التي ترافقهم بغياب “اللمة”، وزيارة المقابر وطقوس العيد وتكبيراته، كذلك الزيارات الجماعية وفناجين القهوة المرة والحلويات المركونة في أرضية منزل “الجد أو الوالد”، ذلك الشعور بأنك “مقطوع من شجرة”، كان يشعر به من يعيش في المدن بعد هجرانهم لقراهم، وهو ما كان يدفعهم لتمضية أيام العيد فيها، وتنمية الشعور بـ “العائلة”، العائلة التي باتت في الغربة تقتصر على شخص واحد، وفي أحسن الأحوال، على من يسكنون في بيت واحد.

يحتاج المتزوجون من اللاجئين لساعات طويلة صباح يوم العيد للتخفيف من نوبات البكاء على الهاتف، والتي ترافق الاتصال بالأمهات، كذلك الزوجات اللواتي يعش أسوأ أيامهن، ليصبح هذا اليوم عبئاً إضافياً يتسبب بالكآبة، أو يعززها بنسبة كبيرة.

ليس هناك “حلويات عيد” على طاولات اللاجئين، ولا يوجد في كثير من المناطق تلك الأنواع المألوفة في مثل هذه المناسبات، وكل ما يمكن أن يضاف إلى هذه اليوم خلافاً للأيام العادية، هو تلك الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والكثير من الغضب والحنق.

ليس هناك حالة من الترقب لأيام العيد، بل هي حالة من الخوف والتمني بمروره سريعاً، ذلك أن كلاً منا يتسبب بألم الآخر دون أن يدري، دعاء الأمهات باللقاء، و “آمين” أبنائهن الذي يرافقه خوف من فكرة العودة بالأصل، وما يرافقه هذا الخوف من أمنيات باهته بالعودة المشروطة، العودة مع عودة الزمن، الحياة ضمن ذاكرة لن تعود أيضاً، البحث عن رفاق لم تتغير ملامحهم، والأهم من ذلك، التفكير بلغة مشتركة لا تكون الذاكرة كلها، بل جزء يسيراً منها، مقابل تفاصيل جديدة ستأتي، وهو أمر لا يمكن تصوره أو تحقيقه حالياً.

يشبه عيدنا اليوم، لازمة بـ “الخلاص” التي يتداولها المعتقلون والسجناء، بما تحتويه من رفض للواقع الحالي، والأمنيات بقادم حرّ بعيداً عن الجدران والزنازين ووجوه الجلادين، مع التركيز على وجود من ينتظرك خارج هذه الجدران ليحتويك لا ليقرعك في كل مناسبة، ليضمك إلى صدره لا ليركلك بعيداً، ذاك أنك لم تعد جزء من حياته وتفاصيله، ليمسك بيدك ويدلك على الشوارع والمحلات والأشخاص التي تغيرت بعد غيابك، لا أن يقيدك بطعوم وأشخاص لا يمكن استعادتها أو استعادتهم.

 

المغطوطة.. تراث حمصي ينتشر في إدلب

سوسن الحسين

ولتحضير المغطوطة يقوم أبو أحمد بشراء الحليب الطازج غير المغلي، ويتركه لمدة ثمان ساعات بدرجة حرارة الغرفة لتتشكل طبقة من وجه الحليب على السطح والتي تسمى “الأيما أو القيمر” وهي طبقة دسمة تكون أكثر كثافة من القشطة وتختلف عنها، بعد ذلك يتم إحضار خبز تنور أو صاج ساخن لوضعه على هذه الطبقة ويترك حتى يمتص طبقة “الأيما” بشكل كامل، ثم تنقل أرغفة الخبز المشربة بهذه الطبقة إلى صينية أخرى ويضاف إليها العسل ويرش عليها حبة البركة وتقطع ويقدم كل رغيف في صحن، إذ يبلغ سعر الوجبة اليوم ثمان مئة ليرة سورية، ما دفع كثير من محبيها للامتناع عن تناولها في حين كانت تشكل بالماضي إحدى الأكلات اليومية لأهالي حمص

انتقلت المغطوطة الحمصية مع أهلها إلى مناطق المعارضة شمال غرب سوريا بعد تهجيرهم إليها، لكن ارتفاع أسعار الحليب وصعوبة العثور على حليب طازج، دفعا بعض العاملين بإنتاجها للانتقال لتصنيع أنواع أخرى من الحلويات للحفاظ على استمرار عملهم.
بالقرب من ساحة الساعة في مركز مدينة إدلب توجد لافتة كتب عليها مغطوطة الحمصي، الاسم الغريب يدفع بعض الزبائن لدخول المحل والتعرف على هذه الوجبة والتي تصنف ضمن أنواع الحلوى ويعتبر الحليب أحد مكوناتها الرئيسية.

مغطوطة حمصية في إدلب

يقول صاحب المحل أبو أحمد إنه يختص بصناعة المغطوطة منذ سنوات طويلة إلا أن ضعف الطلب على هذا الصنف في الآونة الأخيرة دفعه لبيع أصناف أخرى من الحلوى ليحافظ على مدخول محلّه.
ولتحضير المغطوطة يقوم أبو أحمد بشراء الحليب الطازج غير المغلي، ويتركه لمدة ثمان ساعات بدرجة حرارة الغرفة لتتشكل طبقة من وجه الحليب على السطح والتي تسمى “الأيما أو القيمر” وهي طبقة دسمة تكون أكثر كثافة من القشطة وتختلف عنها، بعد ذلك يتم إحضار خبز تنور أو صاج ساخن لوضعه على هذه الطبقة ويترك حتى يمتص طبقة “الأيما” بشكل كامل، ثم تنقل أرغفة الخبز المشربة بهذه الطبقة إلى صينية أخرى ويضاف إليها العسل ويرش عليها حبة البركة وتقطع ويقدم كل رغيف في صحن، إذ يبلغ سعر الوجبة اليوم ثمان مئة ليرة سورية، ما دفع كثير من محبيها للامتناع عن تناولها في حين كانت تشكل بالماضي إحدى الأكلات اليومية لأهالي حمص.
يقول أبو أحمد إن عمله تراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وتقتصر صناعته على التوصية بسبب ارتفاع سعر الحليب وصعوبة تأمينه مساء كل يوم وهو الوقت المناسب لتحضير الوجبة التي يجب أن تكون جاهزة في الصباح الباكر.
كما أن أنواع الحليب المنتشرة لا تتناسب بشكل جيد مع المغطوطة التي تحتاج حليباً دسماً حتى ينجح في تحضيرها.

الجلبجي شيخ الكار في هذه المهنة
يحن معن بكور “مهجر من مدينة حمص” لزيارة محل “الجلبجي” الكائن في شارع الحميدية وسط مدينته، إذ كان هذا المحل مقصداً لأهالي حمص ولزوارها من المحافظات نتيجة شهرته بصناعة المغطوطة.

و”الجلبجي” كلمة تركية الأصل وتعني “جالب الحليب”، وقد أطلق هذا اللقب على عائلة “الحجار” في “حمص” بسبب مزاولتها لمهنة بيع الحليب والمشتقات المصنعة منه.

وكان تأسيس المحل على يد “توفيق الحجار” الملقب “بأبي عادل الجلبجي” عام /1859/، وكان المحل بجانب جامع “الدالاتي” الكائن في شارع” الحميدية” قبل أن ينتقل إلى شارع “أسعد حداد” عام /1991/ في الحي نفسه، وذلك بعد هدم المحل القديم.

وصف “معن” المغطوطة بالأكلة الحمصية بامتياز، وهي من التراث الحمصي، كما أنها موسمية وغالباً ما تؤكل في الصباح الباكر خلال فصل الشتاء لأن نسبة الدسم والسكريات الموجودة فيها تمنح الجسم طاقة جيدة لوقت طويل.

بدوره يقول رامي العلي “مهجر”  إن الجلبجي  أشهر من صنع هذا الصنف من الطعام و لا تعجبه نكهة المغطوطة إلا إذا كانت من محله، (النفس اله دور كبير بشغلها)، اعتاد رامي أثناء إقامته في حمص على السهر مع أصحابه حتى وقت الفجر، ثم يتوجهوا لمحل الجلبجي لتناول وجبتهم المفضلة ” والمحظوظ مين بصير له دور”.

“معتز الحمصي” شاب من زبائن الجلبجي في حمص سابقا وجاره في مدينة الباب شرقي حلب بعد نقل المحل إليها، يلاحظ “معتز” أن الإقبال الذي كان عليه المحل في حمص يختلف عما هو عليه الآن، ويرى أن ضعف الطلب على المغطوطة يعود لتوزع أهالي حمص في عموم مناطق المعارضة، ويعتبر أن أكل المغطوطة بات رفاهية لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية التي تعيشها الناس، إلا أنه يؤكد على أن افتتاح محل الجلبجي في مدينة الباب هو بمثابة كنز ثمين تمت استعادته بعد فقدانه.

تحضير المغطوطة في المنزل

تنتشر المغطوطة الحمصية اليوم في مدن وبلدات ريفي حلب وإدلب وتباع ضمن المحال التي تقدم حلاوة الجبن وغيرها من الأصناف التي تعتمد على الحليب ومشتقاته، في حين يعمد بعض أهالي حمص على تحضيرها في المنزل.

تعمل سميرة الحمصي على تحضر المغطوطة في منزلها، لكنها تستعيض عن خبز التنور بخبز الأفران، كما تستعيض عن العسل بالسكر وهذا ما يفعله معظم من تعرفهم من الذين يحضّرون هذه الوجبة في المنزل، تقول إن زوجها وأهله من مدينة إدلب لم يكونوا يعرفون المغطوطة وصارت من الوجبات المفضلة لديهم خاصة في فصل الشتاء، تعتبر سميرة أن تناول هذه الوجبة في المنزل أوفر من المحال كما أنها تستفيد من الحليب المتبقي بعد الانتهاء من تحضير المغطوطة في صنع الجبن أو اللبن.

يضم المطبخ السوري قائمة طويلة من الأطعمة المميزة وتشتهر كل محافظة بما يميزها من الوجبات والنكهات، ويتنافس أبناء تلك المحافظة في صناعة وجباتهم وإظهار النكهة المميزة التي اشتهروا بها، فترى بوظة الحموي وكنافة الدمشقي ومشاوي الحلبي وغيرها من الأكلات التي اشتهرت بها المحافظات السورية.

مواقد طهي جديدة بعد ارتفاع أسعار الغاز المنزلي في إدلب

ٲسامة الشامي

انقطاع الغاز الذي كان يحصل عليه الأهالي المقيمون في مناطق المعارضة من مناطق النظام في السابق، وارتفاع سعره بعد الاعتماد على شركة “وتد” في إدلب والتي تقوم بتسعيره حالياً بالليرة التركية، دون دعم من حكومة الإنقاذ للسلعة الأساسية، دفع بعض الأشخاص لابتكار مواقد طهي جديدة، أو الاعتماد على وسائل قديمة كانت تستخدمها النساء في المناطق الريفية كـ “التنور -والموقد الطيني -والدفية الطينية” والتي تعتمد على الحطب وروث الحيوانات كوقود لها.

تباع أسطوانة الغاز بسبع وخمسين ليرة تركية في الشمال السوري، وهو ما يعادل خمس راتب عامل مياومة، وتحتاج الأسرة الكبيرة لأسطوانتين شهرياً، ما يشكل كابوساً لدي السكان، خاصة في المخيمات التي يعيش معظم قاطنيها على المساعدات الإنسانية بعد انعدام فرص العمل، وتمسك السيدات “قلوبهن بأيديهن”، بحسب التعبير الشائع الذي استخدمنه، في كل مرة يردن فيها مفاتحة أزواجهن بانتهاء “جرة الغاز”.

انقطاع الغاز الذي كان يحصل عليه الأهالي المقيمون في مناطق المعارضة من مناطق النظام في السابق، وارتفاع سعره بعد الاعتماد على شركة “وتد” في إدلب والتي تقوم بتسعيره حالياً بالليرة التركية، دون دعم من حكومة الإنقاذ للسلعة الأساسية، دفع بعض الأشخاص لابتكار مواقد طهي جديدة، أو الاعتماد على وسائل قديمة كانت تستخدمها النساء في المناطق الريفية كـ “التنور -والموقد الطيني -والدفية الطينية” والتي تعتمد على الحطب وروث الحيوانات كوقود لها.

"الكور" موقد طهي جديد في الشمال السوري -فوكس حل
“الكور” موقد طهي جديد في الشمال السوري -فوكس حلب

ومن الأنواع الجديدة لمواقد الطهي ما ابتكره جمعة الأسود أحد سكان المخيمات بريف إدلب وأطلق عليه اسم “الكور”، وهو عبارة عن وعاء أسطواني مفتوح من الأعلى ومغلق من الأسفل، له شبك يرتفع قليلاً عن قاعدته ليسمح بمرور الهواء اللازم لتشغيل النار، ويرتفع الكور نحو عشرين سنتيمتراً ويخرج من طرفه ماسورة معدنية، بطول أربعين سنتيمتراً، وبعرض إنش واحد، في نهايتها مروحة لتنفخ الهواء عبر الماسورة لداخل الكور ما يساعد بإشعال النار.

ويعتمد الكور على فحم الحراقات “بقايا المشتقات النفطية التي تترسب في أرض حراقات النفط” كوقود لتشغيله، وتبلغ كلفة الموقد الذي صممه الأسود نحو عشرين ألف ليرة سورية، أي ما يعادل ثمن أسطوانة غاز واحدة تقريباً.

عشرات السكان في المخيمات وخارجها بدؤوا باستخدام “الكور” للطهي، يقول الحداد محمد أبو عبد الله (أحد مصنعيه) إنه ينتشر بين الأهالي في المخيمات وخارجها، وباتت الناس تطلبه بكثرة.

"تفية التنكة" موقد طهي في الشمال السوري -فوكس حلب
“تفية التنكة” موقد طهي في الشمال السوري -فوكس حلب

“تفية التنكة” موقد مبتكر آخر، طوره بعض الأشخاص عن “الدفية الطينية الثابتة القديمة”، والتي كانت النساء تصنعها بالقرب من منازلهن، ليصبح موقداً متنقلاً يشبه من حيث الشكل “الكور”، إلا أنه يختلف قليلاً في طريقة الصنع.

ويقول طلال أبو أحمد، أحد مصنعي “التفية” إنه عبارة عن “تنكة =عبوة معدنية” في داخلها فرن مدفأة، يوصل بها مروحة تعمل على البطارية، وتعتمد على الحطب والبيرين (بقايا عصر الزيتون المجفف) كوقود لتشغيلها، وتبلغ كلفة تصنيعها نحو خمسة عشر ألف ليرة سورية. ويزيد انتشار هذا النوع في منطقة سلقين والمخيمات المحيطة بها.

"الببورية" موقد طهي جديد في الشمال السوري -فوكس حلب
“الببورية” موقد طهي جديد في الشمال السوري -فوكس حلب

“الببورية” موقد طهي آخر ينتشر بشكل كبير في مخيمات أطمة ومنطقة ريف حلب الشمالي، ويختلف عن تصميم الموقدين الآخرين، إذ يصنع من أسطوانة “قاظان حمام”، ويبلغ ارتفاعه نحو أربعين سنتيمتراً، تغلق الأسطوانة من الأعلى بغطاء معدني مشابه لـ “رأس الغاز المنزلي” وفي داخله أيضاً فرن مدفأة، موصول بماسورة معدنية في نهايتها مروحة لتزويد الموقد بالهواء، تعمل “الببورية” على الحطب، وتمتاز بسهولة استخدامها ما شجع كثير من الناس على استخدامها كبديل رئيسي عن الغاز.

"التفية الطينية" موقد طهي قديم في الشمال السوري يعود لبيوت السكان -فوكس حلب
“التفية الطينية” موقد طهي قديم في الشمال السوري يعود لبيوت السكان -فوكس حلب

إضافة للمواقد الجديدة ما يزال لموقد الطين القديم حضور في منازل الأهالي، تقول الحاجة أم سعيد الشحود إنها عرفت هذا الموقد في ثمانينات القرن الماضي، لكن ظروف الناس المادية دفعتهم للعودة لاستعماله، لاسيما أن تجهيزه سهل وبأدوات بسيطة إذ يعتبر الطين والتبن المادتين الرئيسيتين في بنائه.
توفر المواقد الجديدة وسيلة طهي بمبالغ أقل من أسطوانات الغاز، وهو ما يدفع مستخدميها للتغاضي عن بعض سلبياتها والمخاطر التي قد تنجم عنها، مثل تطاير شرار النار قرب الخيمة ما يهدد باحتراقها ما لم تخضع لمراقبة مستمرة، كما تعتبر الأدخنة الناجمة عن هذه المواقد من أسوء سلبياتها نظراً لخطورتها المباشرة على صحة الناس ما يدفعهم لاستعمالها في مناطق مفتوحة، ويمنعهم من إدخالها للخيمة أو المنزل قبل التأكد من إخمادها بشكل كامل حتى لا يساهم الفحم الموجود فيها بسحب الأوكسجين من الخيمة أو الغرفة.

متطوعون ينشؤون مسابح متنقلة مجانية في مخيمات الشمال السوري وكورونا يقفلها

منيرة بالوش

يقول أبو محمد إن الفكرة راودته بعد سماعه بتأثر الأطفال من موجات الحر والخوف عليهم، وهو ما دفعه لتحويل صندوق شاحنته الكبيرة المخصص لنقل الأغراض إلى مسبح يصفه بـ “المتواضع” بالقرب من خيمته.
ويخبرنا “النهار” إنه قام بتفصيل شادر كبير بطول ثلاثة أمتار ونصف المترو وبعرض مترين وسبعين سنتيمتراً وضعه داخل الصندوق الخارجي وملأه بالمياه الباردة النظيفة، ليصبح المسبح جاهزاً لاستيعاب أطفال المخيم.

ترتفع درجات الحرارة في الشمال السوري، يرافقها انقطاع تام في التيار الكهربائي، باستثناء “الأمبيرات” لساعات محددة يومياً، وبعض الذين يملكون ألواحاً من الطاقة الشمسية تسعفهم في تشغيل وسائل التبريد كالمراوح والثلاجات للحصول على المياه الباردة، بينما يهرب من لا يمتلكها إلى ظلال أشجار الزيتون طمعاً بنسمة هواء تنعشهم في هذه الجو الحار.

وسعى بعض الأشخاص والفرق التطوعية إلى إقامة مسابح متنقلة، خاصة للأطفال، لمساعدتهم على تحمل درجات الحرارة المرتفعة التي تجاوزت أربعين درجة مئوية، يقول أسعد الخطيب أحد ساكني مخيم باتبو قرب مدينة سرمدا “إن درجات الحرارة في الخيام لا تطاق، أصبحنا نخاف على الأطفال في ظل انعدام وسائل التبريد والتكييف و المرواح بالإضافة لقلة المياه في المخيم بشكل عام، لذا نهرب أغلب أوقاتنا من جحيم الخيام إلى ظلال أشجار الزيتون”

الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي
الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي

ويوجد في المخيم نحو خمسمائة عائلة نازحة أغلبهم من ريف إدلب الجنوبي، يخبرنا الخطيب أنه يخاف على طفليه من ضربة الشمس في هذا الجو، فقماش الخيمة يزيد من حرارة الطقس لدرجة الاختناق، حتى مياه الخزانات في المخيم تغلي من الحرارة.
ويقول طبيب الداخلية “وسيم زكريا ” قد تنجم عن موجة الحرارة بالصيف فقدان السوائل خاصة عند الاطفال وكبار السن، كما يتعرض الشخص لخطر ضربة الشمس، والتي من أعراضها: شعور عام بالضعف وارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم التي قد تتجاوز 39.4 درجة مئوية إضافةً لجفاف الجلد واحمراره كما يؤدي لتسرع نبضات القلب والصداع شديد الإغماء
ولتجنب الأعراض السابقة يوصي الطبيب زكريا بعدة نصائح يمكن اتباعها لتبريد جسم الشخص، أهمها تجنب التعرض في أوقات الذروة لحرارة الشمس، والتزام المنزل إضافة لأخذ حمام بارد أو تبليل الشخص لنفسه بالماء مع الحرص على تناول مشروبات باردة باستمرار
هذه التوصيات قد لا تبدو منطقية في المخيم وخاصة الالتزام في خيمة القماش التي لا تغني من حر الشمس، مع انعدام المياه الباردة والعصائر وباقي المشروبات، لذا اجترح العم نهاد النهار “أبو محمد”، الذي يقيم حالياً في مخيم باتبو، حلاً لأطفال المخيم بتحويل شاحنته إلى مسبح صغير للأطفال بعد رفض ملاك الأرض السماح له بإنشائه على أرض المخيم.

يقول أبو محمد إن الفكرة راودته بعد سماعه بتأثر الأطفال من موجات الحر والخوف عليهم، وهو ما دفعه لتحويل صندوق شاحنته الكبيرة المخصص لنقل الأغراض إلى مسبح يصفه بـ “المتواضع” بالقرب من خيمته.

ويخبرنا “النهار” إنه قام بتفصيل شادر كبير بطول ثلاثة أمتار ونصف المترو وبعرض مترين وسبعين سنتيمتراً وضعه داخل الصندوق الخارجي وملأه بالمياه الباردة النظيفة، ليصبح المسبح جاهزاً لاستيعاب أطفال المخيم.
يضحك أبو محمد وهو يخبرنا أن فكرته قوبلت بالاستهزاء من قبل رفاقه في المخيم إلا أنهم أحبوا الفكرة عندما أصبحت على أرض الواقع.
بدا أبو محمد سعيداً أكثر من الأطفال، وقد حقق لهم حلماً لم يتوقعوه في المخيم، بعدما حرموا من أبسط حقوقهم في اللعب كباقي الأطفال، فهم عاشوا أيام الحرب والنزوح منذ ولادتهم

ينظم أبو محمد أدوار السباحة للأطفال بحسب أعمار الأطفال، ويحدد عدداً قليلاً لكل دور، جاعلاً للفتيات الصغيرات نصيباً من السباحة، دون أن يحصل على أي مقابل مادي، يقول “تكفيني فرحة الأطفال ومحبتهم”.

يشير أبو محمد صاحب مبادرة المسبح أنه تكلف عدة مرات أجرة تعبئة المسبح وهي عشرة آلاف ليرة في كل مرة، إلى أن تكفل أحد “أصحاب الخير” حسب ما أخبرنا بثمن عشرة صهاريج، إذ يقوم كل يومين بتغيير المياه حرصاً على نظافة المياه وسلامة الأطفال، ويقوم باستغلال مياه السباحة في ري الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون لبعض العائلات قرب المخيم.
توقف “أبو محمد” عن تعبئة المسبح لمدة أسبوع واحد بعد انتشار أول إصابة بفايروس كورونا في الشمال المحرر في التاسع من الشهر الحالي، لكنه عاد لتعبئته بناءً على طلب الأطفال وعائلاتهم لاسيما في موجة الحر هذه الأيام، مع حرصه على تغير المياه بشكل دائم
يقول الدكتور “زهير فجر” إن السباحة آمنة إن توافرت فيها شروط النظافة والتعقيم من فلترة المياه أو تغييرها باستمرار ووضع الكلور فيها بنسب محددة، ولكنها بالوقت نفسه قد تنقل أمراض فطرية وغير فطرية بين الأطفال لذا يجب توخي الحذر وتعقيم المياه جيداً.
ليس بعيداً عن المخيمات في مبادرة أخرى قام “فريق الاستجابة الطارئة” التطوعي بخطوة مماثلة ولكن بشكل موسع وأكثر تنظيماً، وذلك باستخدام مسابح جاهزة من النايلون، كبيرة الحجم، وتستوعب صهريجاً كاملاً من المياه، يتم تعبئتها في المخيمات العشوائية الصغيرة حيث لا يتجاوز العدد 25 خيمة في كل مخيم.

الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي
الصورة لمسبح متنقل -فريق الاستجابة الطارئة التطوعي

ويقول مدير مكتب المشاريع في الفريق “مالك يحيى” لموقع فوكس حلب إن الفكرة جاءت لتبريد حرارة الجو في المخيمات عن طريق توزيع ألواح البوظ والمرواح وتعبئة خزانات المياه للعائلات الموجودة في المخيم، بالإضافة إلى “المسبح المتنقل” الذي لاقى قبولاً وفرحاً كبيراً من قبل الأطفال، مؤكداً أن هذه الخطوة كانت قبل انتشار وباء كورونا، ليكتفي الفريق بعدها بتوزيع المياه والألعاب على الأطفال بدلاً من المسبح حرصاً على سلامتهم وكانت هذه المبادرة ضمن حملة واحدة وبتكلفة 200 دولار في كل مرة، وتم استهداف حوالي أربعمائة طفل في عدة مخيمات بالإضافة لمئتي طفل يتيم في أحد المخيمات.

لاقت الفكرة قبولاً من عدة فرق في محاولة لتكرار التجربة، غير أن انتشار فايروس كورونا قد حال دون تنفيذها كما أخبرتنا ثراء عبد الله من فريق” أيادي العطاء ” في مخيم ضياء2، وهذا ما يفضله الدكتور “عبد الرؤوف حاج يوسف” اختصاص صدرية وهو إلغاء فكرة المسابح بشكل عام والمتنقلة بشكل خاص، بعد إصابة عدة حالات من الأشخاص بفايروس كورونا لأن تلك المسابح تفتقد لشروط السلامة والنظافة بسبب طبيعة المخيمات المزدحمة وصعوبة تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل كامل سواء للأطفال أو الكبار.

 

مساعدات خجولة للمدنيين داخل مدينة سرمين

محمد جميل

يقول الإعلامي محمد العلي إن جميع المنظمات مقصرة باستثناء فرق الدفاع المدني التي تستجيب ضمن الإمكانيات المتوفرة لديها، بينما كان تحرك باقي المنظمات خجولاً، حيث تم تشكيل خلية لإدارة الأزمة تضم خمسة وثلاثين منظمة لكن تلك المنظمات لم تقدم المأمول منها، وهو ما يترك تخوفات أكبر لدى المدنيين في حال تفشى الفايروس في مناطق أخرى.

يخضع نحو اثنين وثلاثين ألف مدني لحجر صحي في مدينة سرمين “شرق إدلب”، منذ الخامس والعشرين من تموز الجاري، خوفاً من تفشي فايروس كورونا في المحافظة.
وانتقد صحفيون ونشطاء تحدثنا معهم عبر الواتس آب داخل المدينة الوضع الميداني وتقصير بعض المنظمات في الاستجابة لمتطلبات السكان.
ويقول الإعلامي محمد العلي إن جميع المنظمات مقصرة باستثناء فرق الدفاع المدني التي تستجيب ضمن الإمكانيات المتوفرة لديها، بينما كان تحرك باقي المنظمات خجولاً، حيث تم تشكيل خلية لإدارة الأزمة تضم خمسة وثلاثين منظمة لكن تلك المنظمات لم تقدم المأمول منها، وهو ما يترك تخوفات أكبر لدى المدنيين في حال تفشى الفايروس في مناطق أخرى.

وفي ذات السياق قال محمد فاضل أحد العاملين في المشفى الميداني في مدينة سرمين إن حجم المساعدات المقدمة للمدينة قليلة جداً مقارنة بعدد السكان، وأكد أنه تم إجراء ستة وثلاثين مسحة للمصابين والمخالطين من أهالي سرمين، وكانت نتيجة أربع مسحات إيجابية واثنتان وثلاثين مسحة نتيجتها سلبية، مؤكداً أن هناك تعاوناً جيداً بين الجهات العاملة لقطع سلسلة العدوى.

كما يعمل الناشط عبد الله أبو طه ضمن فريق تطوعي مؤلف من خمسة عشر شاباً على تفقد أحوال المحجورين داخل سرمين ليؤمن لهم احتياجاتهم اليومية من الخبز والخضار ومواد النظافة، حيث يتم الأمر بالتنسيق مع المجلس المحلي.

من داخل مدينة سرمين -فوكس حلب
من داخل مدينة سرمين -فوكس حلب

وسلمت مديرية الصحة المركز الصحي في مدينة سرمين خمسة آلاف كمامة لتوزيعها على المراجعين، وعملت فرق التوعية التابعة لمديرية الصحة على تزويد الأهالي بالإرشادات الصحية الضرورية الواجب اتباعها أثناء فترة الحجر المنزلي المفروض على أهالي البلدة، وكثفت فرق الدفاع المدني السوري عمليات التطهير للأسواق والمساجد والمرافق العامة داخل المدينة وعملت أيضاً على توعية المدنيين بضرورة الالتزام بالحجر وإجراءات الوقاية.

من جانبه قال وزير الصحة أيمن جبس إن الوزارة تقوم بالتنسيق مع إدارة المشفى في المدينة لتأمين دخول الكوادر الطبية وخروج الحالات الإسعافية الضرورية، واتخاذ الإجراءات الصحية اللازمة، كما تقوم الوزارة بتنسيق دخول المنظمات الإنسانية لتقديم الخدمات داخل المدينة، وإن التنسيق قائم مع الحكومة ووزارة الداخلية ووزارة الإدارة المحلية، لتوفير جميع الخدمات لأهالي سرمين بعد إعلان الحجر الصحي نتيجة اكتشاف إصابة سيدة قادمة من مناطق النظام بفايروس كورونا، ومخالطتها نحو مئة من أهالي المدينة ما استدعى اتخاذ قرار بحجر المدينة.

بائع معجنات وحلويات داخل مدينة سرمين المحجورة صحياً -فوكس حلب
بائع معجنات وحلويات داخل مدينة سرمين المحجورة صحياً -فوكس حلب

وقالت مديرية الصحة في تقريرها الخاص بفايروس كورونا في محافظة إدلب يوم الثلاثاء 28 تموز إنها لم تسجل أي إصابة جديدة خلال الأربعة وعشرين ساعة الماضية، وأن عدد الحالات الإيجابية الاجمالية في إدلب بلغ تسعة عشر حالة منها خمسة عشر ضمن الحجر المنزلي، وواحدة في مشفى كوفيد، وثلاثة في مركز للعزل، وبين التقرير أن حالات الشفاء الجديدة عددها أربعة واجمالي حالات الشفاء بلغت تسعة وأن عدد الحالات المشتبهة خلال 24 ساعة ثلاث حالات، والإجمالية 45 أربعة منها بمشفى كوفيد و41 بمراكز عزل، دون وجود وفيات.

يشار إلى أن مدينة سرمين تحوي نحو 32 ألف مدني ما بين أهل المدينة والنازحين إليها بحسب رئيس المجلس المحلي للمدينة، وتعرضت المدينة بداية العام لقصف من الطيران الروسي والسوري دمر حوالي 25% من منازل المدنيين بينها أحياء بأكملها إضافةً لمدارس ومساجد ومرافق حيوية أخرى.

من داخل مدينة سرمين -فوكس حلب
من داخل مدينة سرمين -فوكس حلب

السبحة في إدلب.. تجارة حاضرة حتى على الإنترنيت

محمد الأسمر

رواج تجارة المسابح وصعوبة الوصول إلى التجار المتوزعين في مختلف المحافظات السورية ودول اللجوء، دفع بعض العاملين بها للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر تجارتهم بشكل أوسع عبر فتح مزادات علنية عن طريق البث المباشر على الفيس بوك، وبذلك تمكن التاجر من توسيع دائرة زبائنه بشكل أكبر بكثير.

“مسبحة سندلس، طقمها فضة، لونها..”، مواصفات يبدأ بتعدادها المزاودين على السبحات عبر البث المباشر في الفيس بوك، بعد أن انتقل قسم من هذه التجارة ليدخل عالم الانترنيت، برواد كثر يتوزعون في مختلف البلدان، يجمعهم حب اقتناء السبحات وأنواعها ويلعب في تحديد سعرها عوامل كثيرة أهمها حرفة الصانع ونوع الحبات والطقم المرافق لها.

وعرفت السبحة منذ عصور قبل الإسلام، بحسب ما نشره الكاتب ماهر فرغلي في موقع حفريات، نقلاً عن عدد من الدراسات والكتب، والذي أعاد وجود السبحة في البلاد العربية إلى القرن الثالث الهجري، وإن أول استعمال لها كان بين أوساط الصوفية في القرن الخامس عشر الميلادي، كما تحدث عن خلافات فقهية ودينية بين مؤيد ومنكر لاستخدامها في أوساط العلماء.

 

وتحدث التقرير المنشور عن قدم استعمال السبحة وقدسيتها لدى بعض الشعوب إذ كانوا يغسلونها بالمياه ثم يشربون تلك المياه لتكون دواء لبعض الأمراض، كما استخدمها اليهود والمسيحيون وخاصة الرهبان منهم، وذلك عبر تعليقها في صوامع العبادة بغية التقرب إلى الله، ناهيك عن استعمالها من قبل بعض الشعوب كتميمة أو تعويذة تحميهم من المخاطر..

السبحة السورية ومواصفاتها
تتألف “السبحة” السورية من مجموعة حبات متطابقة مثقوبة لتسمح للخيط الذي يجمعها بالمرور، ولها نموذجان يتألف الأول من ثلاثة وثلاثين حبة، في حين يتألف الثاني من تسعة وتسعين حبة، تُفصل حباتها عن بعضها البعض بـ “فاصلتين” وهما حبتان من نوع ولون مختلف توضعان بشكل متناظر ليقسما حبات السبحة، التي ستنتهي بـ “الشاهود أو المئذنة”، ويضيف إليها بعض الناس ما يعرف “بالشرابة” وهي أداة للتزيين .

انتقلت صناعة “السبحات” إلى سوريا عبر تركيا التي تميزت بصناعتها منذ بداية القرن الماضي، إذ تعتبر البلد الأول عالمياً بإنتاجها، في حين تميزت محافظة حلب بين المحافظات السورية بهذه الصنعة، بحسب تجارها.
وتقسم السبحة حسب صناعتها إلى قسمين يعتمد الأول على خامات بلاستيكية تستعمل فيها مجموعة من المواد التي يتم خلطها بطريقة ما لتظهر بألوان جميلة ويتم تحويلها لحبيبات تشكل السبحة، مثل الفاتوران والسندلس والعضم والكوك، وتتراوح أسعارها ما بين ثمانية دولارات إلى خمسة عشر دولاراً وهي الأكثر انتشاراً بسبب مناسبة أسعارها لأوضاع الناس في إدلب، في حين يعتمد القسم الثاني على  خامات طبيعية مثل العنبر، الكهرمان، والنارجين والمرجان، واليسر ويعتبر الأخير من أكثرها انتشاراً بين حاملي السبحات المميزة ويتراوح سعرها بين خمسين إلى مئة وخمسين دولاراً مع شرابة الفضة.
البيع الالكتروني

رواج تجارة المسابح وصعوبة الوصول إلى التجار المتوزعين في مختلف المحافظات السورية ودول اللجوء، دفع بعض العاملين بها للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر تجارتهم بشكل أوسع عبر فتح مزادات علنية عن طريق البث المباشر على الفيس بوك، وبذلك تمكن التاجر من توسيع دائرة زبائنه بشكل أكبر بكثير.يعمل أبو عرب بتجارة المسابح والفضيات منذ أكثر من عشر سنوات، ومؤخراً وسع تجارته عبر البث المباشر على الفيس بوك، يقول أبو عرب إن هواية جمع “المسابح” دفعته للعمل بتجارتها، ولأنه فقد كثيراً من زبائنه بعد رحيله من حي صلاح الدين بحلب إلى تركيا، وجد بديلاً مناسباً عبر طرح “السبحة” التي يريد بيعها بمزاد علني، ما جلب له زبائن جدد من كافة أنحاء العالم.

“قد نتعرض لبعض لعمليات الاحتيال في بعض الوقت لأننا نتعامل مع أشخاص قد لا نعرفهم”، يقول أبو عرب “فقد يدخل ضمن المزاد شخص ما ويشتري البضاعة وعندما يتم شحنها تنقطع وسيلة الاتصال معه، ما يعني أن التاجر دفع تكاليف الشحن دون أن يتمكن من البيع”.
كما تحدث أبو عرب عن بعض عمليات الغش التي يقوم بها بعض التجار أثناء عرضهم على الفيس بوك، إذ يقوم بعضهم بالترويج لبضاعته وذكر مواصفاتها بدقة، وعند إرسال البضاعة للزبون قد يرسل أنواعاً مغايرة.

يعتمد بعض أولئك التجار على البيع والمزاودة عن طريق تسجيل الاسم ورقم الحساب البنكي، إذ يتم البيع والشراء عبر تحويلات مالية، آخرون يعتمدون نظام “ضد الدفع”، إذ لا يتم تسليم البضاعة حتى دفع المبلغ المتفق عليه، كذلك تشهد بعض المزادات نشاطاً كبيراً في بعض الأنواع ما يحقق أرباحاً جيدة، وأخرى تباع بأقل من ثمنها، فبعد فتح المزاد لا يمكن إغلاقه، يقول من تحدثنا معهم من التجار، أما محمد الخالد وهو أحد المشتركين في هذه المزادات ومن محبي اقتناء المسابح فيقول إن مزاودات وهمية تتم عبر البث المباشر، غالباً يتم رفع السعر من قبل أشخاص يتعاملون مع التاجر، ويدلل على كلامه ببيع سبحة ما على سبيل المثال، وبعد أسابيع يعود التاجر لفتح مزاد عليها، ما يعني أن البيع كان وهمياً، والثمن الذي دفع كان لـ “تحمية المزاد”، بحسب اللفظ المتداول.

إلا أن الخالد، ورغم وجود مشكلات عديدة في البيع عبر الانترنيت، يرى أن هذه الطريقة جيدة، خاصة للوصول إلى السبحات النادرة، والتعرف على بضائع جديدة وتقدير ثمنها، كذلك بناء صداقات مع أشخاص مثله من هواة اقتناء وبيع المسابح.
وبمراقبة بسيطة لبعض الفيديوهات تجد أن القائمين عليها لا يلتزمون بأعراف المزادات المعمول بها في الأسواق، وكثيراً ما يلغي صاحب المزاد بيع القطعة التي بين يديه إن لم تصل للسعر الذي يناسبه، وهو ما يراه أبو عرب عيباً كبيراً بحق التاجر، ويؤكد استحالة قيامه بذلك، لأنه على يقين بأن عمله سيتعرض للربح والخسارة ولا مشكلة إن لم يصل المزاد إلى سعر السبحة الحقيقي، ويقول إن التاجر الناجح يجب أن يعرف الوقت المناسب لطرح بضاعته وأن ينتظر دخول الزبائن الراغبين فعلاً بهذه القطعة.
تجارة السبحات في إدلب
مفاخرة حاملي السبحات فيما بينهم عبر طقطقة حباتها و”فركها” لتصدر رائحة زكية وارتباطها بالموروث الشعبي ساهما باستمرار تجارة السبحة لتشكل دخلاً جيداً للعاملين بها في إدلب.
يفصل لنا جمال أبو أحمد (تاجر سبحات في مدينة إدلب) والذي فصّل لنا أنواع المسابح وألوانها وأشكال حبيباتها وأعمارها وأشهر ميزاتها ليقول.

تنقسم تجارة المسابح إلى قسمين، الأول بلاستيكي يصنع في الورشات يعتمد على المسابح الحديثة الصنع والتي تم شراؤها من الورشات، التي تعتمد في غالب إنتاجها على الخامات الصناعية، في حين يعتمد القسم الثاني على شراء المسابح القديمة من أصحابها ويكون هذا القسم أكثر جودة وأغلى سعراً لاعتماد صانعيه على خامات طبيعية من الأحجار الثمينة، وتلعب “الشرابة” دوراً كبيراً في رفع قيمة السبحة وخاصة إذا كنت مشغولة يدوياً ويؤثر قدمها على سعرها، وتعرف بين التجار بمصطلح “كسر جفت” تمتاز بنسبة الفضة العالية فيها واعتماد صانعيها على عملة حقيقية في تزيينها، ناهيك عن دقة صناعتها اليدوية، ومن الأنواع المعروفة “الحبال، العقاد، وعمر” والتي تعتبر أشهرهن وأغلاهن ثمناً وتنسب لصانعها الإدلبي عمر قدور، وقد تباع الواحدة منها بنحو 250 دولاراً بسبب جودة صنعتها واحتوائها على عملة قديمة وترصيعها ببعض الأحجار الثمينة.
يصف أبو أحمد إقبال الناس على هذه التجارة بالجيد رغم الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد، لكنه يؤكد أنه يعتمد بمرابحه على التجارة الخارجية بشكل أكبر، حيث يقوم بإرسال المجموعة التي يريد بيعها إلى تركيا وتشحن إلى أي دولة بالعالم عبر DHL .

أثناء تجوالك في مدينة إدلب ستشاهد عدة “بسطات” لبيع الخردوات والأشياء القديمة، وستجد أن جميعهم يعرضون سبحات مختلفة بين بضائعهم، وعند سؤالهم عنها يسارع البائع لشرح قيمتها وميزاتها محاولاً إقناعك بأن السعر الذي يعرضه هو الأنسب، وأنك قد تربح ضعفه في حال عثرت على تاجر يعرف بقيمة هذه القطعة، ما يعرض كثير من الزبائن للغش والخسارة بعد تأكدهم من أن القطعة التي اشتروها مزيفة ولن تباع بالسعر الذي دفعوه.
يقول أبو أحمد إن هذه المهنة تحتاج لدراية كبيرة ويصعب تعلمها بسنة أو سنتين، ما يعرض كثير من الزبائن لحالات غش نتيجة جهلهم بنوع الحبة التي صنعت منها السبحة.
السبحة متوارثة عبر الأجيال
يقول من التقيناهم من هواة جمع السبحة وتجارها إنها تكاد تكون أكثر أدوات الزينة المنتقلة من الآباء إلى أولادهم، لأن الحجارة التي صنعت منها تمنحها عمراً مديداً. ويتفاخر أبو قاسم أثناء جلساته مع أقرانه بالسبحة التي يملكها والتي ورثها عن والده، يقول: كان والدي محباً لهذا النوع من التحف لذا قمت بإهدائه هذه السبحة من نوع اليسر المكاوي، وبعد وفاة والدي عادت السبحة لي من جديد.
يتجاوز سعر هذه السبحة نحو مئتي دولار، لكن أبو قاسم رفض بيعها رغم رغبة كثير من التجار بشرائها لأنها تمثل حالة معنوية قد تكون أكبر بكثير من قيمتها المادية.

تلك الأهمية تظهر بوضوح عند عودة الحجاج والمعتمرين من السعودية إذ يحرص غالبيتهم على شراء كميات وفيرة من السبحات لتوزيعها على الأهل والأصحاب عند استقبالهم، ما يعكس قيمة تلك السبحة المعنوية بحياة السوريين.
تحافظ تجارة السبحات على أهميتها رغم الواقع الاقتصادي السيء لمعظم السكان في إدلب، إلا أنها ترافقهم لما تعنيه من حالة معنوية لهم، ولاعتيادهم على حملها، ويتنوع التجار في أساليب بيعها واختيار الألفاظ المناسبة لوصفها وطريقة حملها، والتي تصنف من يحملها بين أقرانه بلفظ “غاوي” كدليل على معرفته قيمة ما يحمله ومعناها ومعرفته بأصول نقل حباتها وطريقته في الحفاظ عليها.

ويخبرنا حاملو السبحات بنصيحة علينا أن نتجنبها وهي أن لا ننشغل بأحاديثنا عنها، فيكفي أن يطرق أحدهم على يدك لتقدمها له، وغالباً ما يكون استعادتها أمراً بالغ الصعوبة.