ومن المقرر أن، تبدأ الامتحانات في الثاني عشر من شهر تموز المقبل، وباللغة العربية بشكل كامل، وهي عبارة عن أسئلة مؤتمتة، يتم تجهيزها من قبل أكاديميين سوريين في تركيا، وتتوافق مع المنهاج السوري، المعتمد من قبل الحكومة السورية المؤقتة، وتشرف عليها مديريات التربية التابعة للمجالس المحلية في المنطقة.
يشهد موسم الامتحانات، كل عام، توافد الآلاف من المتقدمين لامتحاني الشهادتين الثانوية والإعدادية إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام، لكنّ هذا العام كان استثنائياً إذ طالبت الأمم المتحدة “المعارضة وسلطات الأمر” الواقع تسهيل عبور الطلاب من أجل تقديم امتحاناتهم، وذلك بعد أن حصلت تجاذبات بين هيئة تحرير الشام التي تسيطر على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في إدلب، وافتتاح الأخير معبراً في سراقب مقابل مناطق نفوذها لهذا الغرض.
لكن العديد من مؤسسات المعارضة السياسية انتقدت بيان الأمم المتحدة، واعتبرت أنه يصب في إطار خدمة النظام، ويتغاضى عن إقدامه وحليفتيه روسيا وإيران على قصف المدارس وقتل الأطفال والطلاب والمعلمات والمعلمين على مقاعد الدراسة.
ويعتبر موضوع الحصول على شهادة تعليمية معترف بها من أبرز المواضيع التي تؤرق السوريين الموجودين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إذ ما زالت الشهادة الصادرة عن الأخير تلقى اعترافاً دولياً، ويقتصر الاعتراف بتلك الصادرة عن الحكومة المؤقتة على بعض الدول، وفي إطار ضيق دون وجود أي اتفاق رسمي بين وزارة التربية في الحكومة المؤقتة والدول التي تعترف بهذه الشهادات، ما يقلق أهالي الطلاب على مصير أبنائهم ويدفع عدداً من الطلبة للتوجه نحو مناطق النظام للامتحان، معرضين أنفسهم لخطر الاعتقال والإساءة.
وفي هذا الصدد أعلنت منظمة “ساعد الخيرية” العاملة في الشمال السوري عن الاتفاق مع وزارة التربية والتعليم التركية، على إقامة امتحانات الشهادة الثانوية التركية بفرعيها العلمي والأدبي لثمانية آلاف طالب في المناطق المسماة “غصن الزيتون” و”درع الفرات” و”نبع السلام” في أرياف حلب والرقة والحسكة.
وبحسب ما أوردت المنظمة فإن، الناجحين سيحصلون على شهادة ثانوية صادرة عن وزارة التربية والتعليم التركية، تخوّل حامليها التسجيل في الجامعات التركية، وجامعات كافة الدول التي تعترف بالشهادات التركية، وأشارت إلى أنها ستنظم دورات “يوس” (yös) للناجحين، – وهو امتحان دخول الجامعات التركية، الذي تطلبه بعض الجامعات – في شهر آب وحتى منتصف أيلول المقبل، باللغة العربية وبشكل مجاني.
ومن المقرر أن، تبدأ الامتحانات في الثاني عشر من شهر تموز المقبل، وباللغة العربية بشكل كامل، وهي عبارة عن أسئلة مؤتمتة، يتم تجهيزها من قبل أكاديميين سوريين في تركيا، وتتوافق مع المنهاج السوري، المعتمد من قبل الحكومة السورية المؤقتة، وتشرف عليها مديريات التربية التابعة للمجالس المحلية في المنطقة.
وقال حسين الموسى المتحدث الإعلامي باسم منظمة ساعد لـ”فوكس حلب” إن، المنظمة ستتكفّل بكافة التجهيزات والمتطلبات، بينما ستتولى العملية التنظيمية المجالس المحلية في مناطق عفرين وإعزاز والباب وجرابلس وتل أبيض، التي تتبع للولايات التركية الحدودية.
وأضاف “الموسى” أن، هذه الدورة ستقتصر على الطلاب المسجليّن في تلك المناطق ولن تشمل المقيمين في إدلب، لكنّه أكد أن، التربية التركية وعدت بإقامة دورة أخرى خاصة بهم بعد انتهاء هذه الدورة، على أن تكون المراكز الامتحانية في مدينة عفرين والمناطق التابعة لها.
وبدوره أكّد عبد خليل رئيس المجلس المحلي في مدينة جرابلس أن، هذه الامتحانات لن تترك عذراً للطلاب بالتوجه إلى مناطق سيطرة النظام، إذ يفوق الاعتراف بالشهادة التركية، الشهادة الصادرة عن النظام السوري، وسيوفّر على الطلاب معاناة السفر والإقامة هناك، إضافة إلى أنه لا يمكن التلاعب بنتائجها على عكس ما يحصل في مناطق النظام.
وأضاف أن، المجالس تعمل على التجهيز للامتحانات، وأوعزت إلى مديريات التربية بتجهيز السجلات والبطاقات الامتحانية، كما ستتولى الشرطة المدنية العاملة في المنطقة حماية تلك المراكز، وستشرف عليها لجان تركية وسورية، بهدف الحفاظ على نزاهتها وتأمين الراحة للطلاب.
ويتعرض الرجل والمرأة للالتهاب الفطرية والجرثومية، إلا أن نسبتها ترتفع عند النساء، وفي السنتين الأخيرتين تشهد العيادات النسائية في إدلب ازدحاماً كبيراً نتيجة زيادة عدد النساء المصابات بالالتهابات النسائية، تقدر الطبيبة النسائية (مرام القاضي) هذه الزيادة بأربعة أضعاف ما كانت عليه، بحسب ملاحظتها الشخصية، وتقول إن عدة أسباب ساعدت في هذا الارتفاع، أهمها: صعوبة الالتزام بالنظافة الشخصية، كصعوبة الوصول إلى مياه نقية وارتفاع أسعار الغسولات النسائية، كذلك أنواع الألبسة التي تستخدمها النساء، نظراً لارتفاع أسعار الألبسة الداخلية القطنية، ورداءة الأنواع الموجودة منها، إضافة لاعتماد النساء على “الفوط” غير العقيمة وغير المراقبة صحياً، والمنتشرة حالياً في المحلات والصيدليات
ينتظر خالد الحميد وزوجته قدوم مولودهما الأول بقلق، بعد رحلة علاج وصفاها بـ “الطويلة والمكلفة” والتي استمرت نحو خمس سنوات، من “الالتهابات المعندة” التي رافقت الزوجين وأدت إلى تأخر الحمل. يخبرنا الحميد إنه تأخر في الذهاب إلى عيادة الطبيب وهو ما فاقم المشكلة، ففي كل مرة كانت تشفى زوجته من هذا الالتهاب، كانت تتعرض لانتكاسة أخرى بسبب هذا التأخر.
ويتعرض الرجل والمرأة للالتهاب الفطرية والجرثومية، إلا أن نسبتها ترتفع عند النساء، وفي السنتين الأخيرتين تشهد العيادات النسائية في إدلب ازدحاماً كبيراً نتيجة زيادة عدد النساء المصابات بالالتهابات النسائية، تقدر الطبيبة النسائية (مرام القاضي) هذه الزيادة بأربعة أضعاف ما كانت عليه، بحسب ملاحظتها الشخصية، وتقول إن عدة أسباب ساعدت في هذا الارتفاع، أهمها: صعوبة الالتزام بالنظافة الشخصية، كصعوبة الوصول إلى مياه نقية وارتفاع أسعار الغسولات النسائية، كذلك أنواع الألبسة التي تستخدمها النساء، نظراً لارتفاع أسعار الألبسة الداخلية القطنية، ورداءة الأنواع الموجودة منها، إضافة لاعتماد النساء على “الفوط” غير العقيمة وغير المراقبة صحياً، والمنتشرة حالياً في المحلات والصيدليات.
ارتفاع الأسعار وغياب المرافق الصحية والمياه النقية، بحسب الطبيبة، يزيد من احتمالية انتشار الأمراض النسائية، وهو ما يمكن إسقاطه على حياة معظم السكان في مناطق المعارضة، والتي يعيش فيها نحو أربعة ملايين شخص، ٨٦٪ منهم تحت خط الفقر، نصف هذا العدد يعيش في المخيمات، ويقدر عددهم بنحو مليوني شخص، بحسب محمد حلاج (مدير فريق منسقو الاستجابة).
لا يمتلك معظم السكان في إدلب الحد العالمي الأدنى من المياه اللازمة والتي قدرتها الأمم المتحدة بـ (٥٠ -١٠٠) لتر يومياً، وبكلفة لا تزيد عن ٣٪ من مجمل الدخل الأسري، ويعمد السكان إلى تقنين استخدام المياه الخاصة بالعناية الشخصية، والاعتماد على مياه الآبار السطحية ومياه الصهاريج، وهي مياه غير مراقبة وتحتوي على نسب عالية من الشوائب، كما أوردت عدة تقارير صحفية، إضافة لواقع المخيمات، إذ تشترك عشرات العائلات بحمامات عامة واحدة، ومناهل مياه لا تكفيهم “للشرب”، بحسب من تحدثنا معهم، (يصل متوسط سعر برميل المياه -٢٠٠ لتر- لنحو ألف ليرة سورية ويعني ٧٥٠٠ ليرة شهرياً كلفة الحد الأدنى من المياه للفرد الواحد)، كذلك الأمر بالنسبة للمنظفات والتي ترتفع أسعار الجيدة منها إلى مبالغ “باهظة” لا يستطيع السكان تحمل أكلافها، إذ تصل أسعار دواء الغسيل من النوع الجيد إلى خمسة آلاف ليرة، والفوط الصحية إلى ألف ليرة من النوعيات المتوسطة، والألبسة الداخلية القطنية من النوع الجيد لنحو خمسة ألاف ليرة للبدل الواحد، والغسول النسائي لنحو ألفي ليرة، ما دفع السكان للاعتماد على أنواع رديئة الجودة تركت آثارها على الصحة العامة، وساهمت في انتشار الأمراض النسائية، بحسب من تحدثنا معهم من نساء وطبيبات، ويكفي أن نعرف أن متوسط دخل العائلة في إدلب لا يتجاوز مئة ألف ليرة سورية، وتزيد نسبة البطالة عن ٥٠٪، في حين يعتمد معظم سكان المخيمات في تأمين المياه وسلل النظافة على المنظمات الإنسانية، والتي تراجع عملها خلال السنتين الأخيرتين بنسبة كبير
لا تقتصر أسباب تزايد هذا النوع من المرض على ظروف النظافة الشخصية فقط، بل قد يتسبب الزوج في نقل عدة أنواع من الالتهابات لزوجته، ناهيك عن موضوع تعدد الزوجات دون مراعاة ضوابط الوقاية الصحية، مع ضعف فعالية بعض الأدوية المستعملة في هذه الأمراض، بحسب الطبيبة مرام.
وتحذر الطبيبة إكرام حبوش “مديرة مشفى الأمومة التخصصي في إدلب” من آثار الالتهابات النسائية، إذ تشكل تلك الالتهابات مانعاً قوياً للحمل، في حين قد تشكل خطراً على حياة الجنين بالنسبة للمرأة الحامل أو تهدد بولادة مبكرة قد تؤثر على حياة المولود. وهو ما يقلق خالد الحميد وزوجته اللذين فقدا جنيناً سابقاً بسبب هذه الالتهابات.
وأضافت الحبوش أن بعض الالتهابات أصبحت “معندة” بسبب الاستخدام الخاطئ للصادات الحيوية، لذلك ومن الضروري في حال وجود التهاب مراجعة الطبيب، والالتزام بتعاليمه، لأن الاستخدام العشوائي للصادات يخلق مقاومة كبيرة للمرض ما يؤدي إلى طول مدة العلاج وصعوبة الشفاء.
تنصح من التقيناهن من طبيبات النسائية، بالاهتمام بالنظافة الشخصية، والتوعية الكاملة بما يخص هذه الأمراض، واستعمال علاج مطول حسب وصفة الطبيب، وعدم قطع العلاج دون انتهاء الوصفة، والتأكد من انتهاء العلاج، بالإضافة لعلاج الزوجين معاً، وعلاج الزوجات معاً في حال تعدد الزوجات.
وتُصيب الالتهابات النسائية المسالك البوليّة والمهبل، وتكون تلك الالتهابات ناتجة عن الإصابة بالفطريات أو البكتيريا، كما تصيب التهابات المسالك البولية عند الرجال، لكن النساء أكثر عرضةً للإصابة من الرجال، ولهذه الالتهابات تأثيرها على الصحة العامة للجسم، وتقتل الحيوانات المنوية قبل وصولها للرحم لإتمام عملية اللقاح ما يمنع حدوث الحمل، كما أنها تعيق إكمال العلاقة الزوجيّة بشكل طبيعي.
وأهم أعراض الالتهابات النسائية: الشعور بالألم في منطقة الحوض أو أسفل البطن، والظهر، والجانبين، والشعور بالألم والحرقة عند التبول، وملاحظة كميات قليلة من الدم بالبول، بالإضافة للشعور بالحاجة للتبول بشكل مستمر، مع ارتفاعات في درجة الحرارة عن المعدل الطبيعي.كذلك الحكة الشديدة في مرض الالتهابات الفطرية، والذي تصفه دراسة لجامعة مانشستر البريطانية بما يشبه “التعذيب” للمرأة ما لم يتم علاجها، وإن له تأثير هائل على جودة حياة ملايين من النساء في العالم، وتؤكد الدراسة أن الأعراض المرافقة لهذا الالتهاب تجعل المرأة عصبية وبائسة وتفقدها الثقة بالنفس.
وينصح المختصون بعدة إجراءات تسهم في الوقاية من تلك الأمراض، عبر العناية بالنظافة الشخصية، وتبديل الملابس الداخلية مرتين يومياً، وارتداء الملابس الداخلية القطنيّة، واستخدام المعقمات بشكل دائم، إضافة لتنشيف المهبل بعد الذهاب لدورات المياه، لأنّ الالتهابات تحدث عادة في المناطق الرطبة وتنشط الجراثيم فيها، كما ينصح بشرب كميات وفيرة من الماء.
ولكن في كل مرّة تشهد فيها مناطق سيطرة الجيش الوطني في ريف حلب – وعلى وجه الخصوص مدينة الباب – عمليات اغتيال، يبدي الناشطون والأهالي استغرابهم مِن تنفيذ تلك العمليات وبعضها يكون جهاراً نهاراً، متسائلين عن مئات العناصر مِن الشرطة المدنية والعسكرية وكاميرات المراقبة التي يُفترض أنها مزروعة في كل مكان!؟ وهذا الاستغراب يفتح باب التساؤل أيضاً، هل هناك مستفيدون آخرون مِن عمليات الاغتيال؟
مرّةً أُخرى، استيقظ أهالي مدينة الباب شرق حلب، صباح اليوم الجمعة، على نبأ مقتل أحد شخصيات المدينة والمسؤولين المحليين فيها، حيث قضى اغتيالاً، مساء أمس الخميس، بعددٍ مِن الرصاصات أمام منزله.
وقالت مصادر محلية مِن مدينة الباب لـ فوكس حلب، إن مجهولين اثنين ملثّمين يستقلان دراجة نارية أطلقا أكثر مِن عشر رصاصات على نقيب المكاتب العقارية (أحمد عبد الله الطالب) أمام منزله في منطقة شارع الكورنيش بالمدينة، لـ يتبنّى تنظيم “الدولة” (داعش) عملية اغتياله بعد ساعات، متهماً إيّاه بأنه “عميل لـ استخبارات الصحوات”.
عملية الاغتيال هذه أثارت مجدّداً سخط الأهالي والناشطين الذين طالبوا بمظاهرة بعد صلاة الجمعة اليوم تحت اسم “جمعة الغضب”، وذلك مِن أجل “الطالب” الذي قضى غدراً أمام منزله وعائلته وأطفاله، ولـ منع تكرار عمليات الاغتيال التي ما تزال مستمرة تحت مرأى ومسمع جميع مسؤولي المدينة مِن شرطة مدنية وعسكرية وفصائل.
الأهالي حمّلوا المسؤولية للقائمين على إدارة المدينة المنشغلة – وفق قولهم – بنفسها وبمساعيها في العمل على تداول السلطة فيما بينها مجدّداً، وذلك بعد إعلان المجلس المحلي في مدينة الباب حلّ نفسه وفتح باب الترشيحات للمجلس الجديد، التي لم تنتهِ بَعد، معتبرين أن مؤسسات الشرطة المدنية والشرطة العسكرية التي تهمين عليها الفصائل، تغيّرت مهامها من العمل على حماية الأهالي إلى توثيق عمليات الخطف والقتل والاغتيال وتقييدها ضد مجهول، إضافةً لـ تقديم بيانات الإدانة والتعازي فقط، وكأنها غير معنيةَ ولا من أساس مهامها استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة وملاحقة المجرمين وتقديمهم للقضاء.
ومِن الأهالي مَن أرجع المسؤولية إلى “القوة الأمنية” – التي حلّت مكانها الشرطة العسكرية لاحقاً – ويطالبون بمحاسبتها لأنها كانت تُخرج معظم أسرى “داعش” خلال معارك عملية “درع الفرات” – وبعد استعادة مدينة الباب – مقابل مبالغ مالية، متهمين الشرطة العسكرية الآن وبعض الأجهزة الأمنية التابعة للفصائل بأنها تفعل ذلك أيضاً، وتقيّد الأمر على أنه هروب مساجين، حيث هرب، نهاية شهر نيسان الماضي، ثمانية عناصر بينهم قياديون لـ “داعش” مِن سجن “الزراعة” التابع لـ “فرقة الحمزة” في الباب.
وسبق أن نجح العديد مِن عناصر وقيادات “داعش” في الهروب مِن سجون فصائل الجيش الوطني ومِن سجون فصائل غيرها سواء في مناطق سيطرة “قسد” شرق الفرات، أو “هيئة تحرير الشام” في محافظة إدلب، إلّا أن الأهالي شكّكوا مِراراً بموضوع الهروب واعتبروه مشهداً تمثيلياً لا أكثر، طالما أن هناك مبالغ طائلة تٌدفع مقابل أولئك الأسرى والسجناء.
هل تقف “داعش” وراء عمليات الاغتيال؟
رغم تبنّي “داعش” لـ عملية اغتيال “الطالب”، إلّا أن الجميع بات يعلم أن تبنّى “داعش” لـ عمليات اغتيال في مناطق سيطرة الفصائل العسكرية والخاضعة بمعظمها للنفوذ التركي، لا يعني بالضرورة أنه فعلها حقّاً، ولو أنّ ذلك ليس مستبعداً بالضرورة فخلاياه ما تزال منتشرة في المنطقة، ومنهم مَن أطلقتهم الفصائل ذاتها بقليلِ مِن الدولارات، حسب ما يتهمها الناشطون والأهالي.
وسبق أن قتلت مسيّرة أميركية، قبل يومين، أحد عناصر تنظيم “الدولة” المدعو “فايز العكال” – قيل إنه كان والي التنظيم على الرقة – بغارة قرب مدينة الباب، وبيّن الناشطون حينها أن القتيل كان طوال الوقت يجوب جميع مناطق سيطرة الفصائل حاملاً بطاقة تعريفية باسم “أحمد حسين الدرويش” صادرة مِن المجلس المحلي في بلدة أخترين شمال حلب ولا أحد يعرفه!!
وهذا يدفع الجميع للتساؤل.. كم مِن عنصر للتنظيم إذاً أو للنظام أو لقسد يجوب الآن جميع مناطق سيطرة الفصائل ويزرع العبوات ويفخّخ السيارات والدّراجات وينفذ عمليات اغتيال وهو يحمل بطاقة تعريفية رسمية صادرة مِن المجالس المحلية في المنطقة، ما يفتح باب الفساد على مصراعيه في تلك المجالس، خاصة أن جميع السجلات المدنية في مناطق النفوذ التركي – حسب مصادر محلية – مرتبطة مركزياً بالسجلات التركية.
ولكن في كل مرّة تشهد فيها مناطق سيطرة الجيش الوطني في ريف حلب – وعلى وجه الخصوص مدينة الباب – عمليات اغتيال، يبدي الناشطون والأهالي استغرابهم مِن تنفيذ تلك العمليات وبعضها يكون جهاراً نهاراً، متسائلين عن مئات العناصر مِن الشرطة المدنية والعسكرية وكاميرات المراقبة التي يُفترض أنها مزروعة في كل مكان!؟ وهذا الاستغراب يفتح باب التساؤل أيضاً، هل هناك مستفيدون آخرون مِن عمليات الاغتيال؟
يرى بعض السكان أن “قسد” تسعى لـ ضرب الأمن والاستقرار في مناطق النفوذ التركي وخاصة تلك المناطق التي سيطر عليها الجيش التركي بالاشتراك مع فصائل الجيش الوطني السوري بريف حلب ومناطق شرق الفرات بريفي الرقة والحسكة ضمن عمليات “درع الفرات” “غصن الزيتون” و”نبع السلام”، وينسب لها تفجير العديد مِن السيارات والدراجات النارية المفخّخة وتبنّت بعضها، ومعظم أصابع الاتهام تُشار إليها إن لم تتبن بعض التفجيرات.
كذلك، يسعى نظام الأسد إلى ضرب الأمن والاستقرار بعموم المناطق الخارجة عن سيطرته، كما تسعى “داعش” إلى إيجاد موطئ قدم مجدّداً في كل منطقة حوربت بها وطُردت، ولكن ترى بعض المصادر أنّ بعض عمليات الاغتيال ربما يكون المستفيد منها بعض الفصائل التي تسيطر على المنطقة، خاصة أن اغتيال “الطالب” مؤخّراً وهو نقيب المكاتب العقارية، يتزامن مع أنباء يتحدث عنها بعض الأهالي مرتبطة بتزوير قيود عقارية وسرقة أملاك لـ متهمين بالتبعية لـ “داعش” وعملاء وشبّيحة للنظام وغير ذلك، وسبقه اغتيال نقيب المحامين في الباب المحامي سعيد أنور الراغب..، كما يُمكن أن يكون المستفيد منها بعض الأفراد المسلّحين مِن السكّان، في ظل فوضى السلاح المنتشر بالمنطقة.
وما يعزّز ارتكاب بعض الاغتيالات مِن تلك المجموعات، أنه يمكن ببساطة تقييدها – كغيرها – ضد مجهول، أو تعليقها على متهمين جاهزين كـ داعش، والنظام، وقسد، رغم أن الثلاثة ارتكبوا – وما زالوا – العديد مِن المجازر عبر تفجيرات عدّة في المناطق المحرّرة منهم، أودت بحياة العديد مِن المدنيين.
وعن آلية تأمين تلك المفاصل يقول “القراط” نعتمد على بعض الشركات الطبية في تأمين هذه المفاصل من تركيا، وهي متوافرة إلا أن ثمنها قد يتجاوز ثمانمائة دولار، وهو مبلغ كبير لمعظم السكان الذين يعيش نحو 90٪ منهم تحت خط الفقر، بحسب تقرير للمركز السوري لبحوث السياسة 2019، ويعجز كثير منهم عن تكاليف العملية أو حتى الأدوية المسكنة، ما لم يتم تقديمه من المشافي والمستوصفات مجاناً.
بجانب سرير الحاجة أم إبراهيم عدد من علب الأدوية المسكنة التي تستخدمها لتخفيف نوبات الألم الشديد التي تنتابها نتيجة مرض “التنكس المفصلي” في “ركبتيها”، تخبرنا أن أملها في زوال الألم الذي يرافقها منذ سنوات يكمن في إجراء عملية استبدال للمفصل، بعد أن أجمع الأطباء على ضرورة هذا التداخل الجراحي، وفشل كل أنواع الأدوية (العلاجية والمسكنة) بالتخفيف عنها.
بعكازين أو على كرسي أو مستندة على جدار وبمساعدة أبنائها تقضي أم إبراهيم بعض حوائجها القليلة، بعد أن أعجزها المرض عن الوقوف والمشي دون أدوات مساعدة، تقول إنها تبقى جليسة الفراش تجنباً لأي حركة تزيد من ألمها، خاصة بعد أن فقدت الأمل بالحصول على مفصل مجاني، وتروي لنا أنها انتظرت دورها في مشفى “شام” بمدينة كفرنبل منذ العام ٢٠١٥، إلا أن قصف المشفى وخروجه عن الخدمة حال دون ذلك.
دور جديد تنتظره الحاجة أم إبراهيم منذ أربعة أعوام، بعد أن سجلت على الدور في مشفى “عقربات”، إلا أنها لم تتلق أي إجابة حتى اليوم، شأنها شأن آلاف المرضى الذين ينتظرون أدوارهم أملاً في دعم من قبل المنظمات الإنسانية.
ليست العملية الجراحية هي العائق أمام هؤلاء المرضى، وإنما الكلفة المادية التي يحتاجونها، يقول من تحدثنا معهم في المشافي العامة إن عشرات المرضى يراجعون العيادات في كل يوم، معظمهم يعانون من آلام مبرحة، دون أن تستطيع هذه المشافي تقديم حلول جدية لهم لافتقارها للدعم اللازم بشراء المفاصل وإجراء الجراحات اللازمة.
يقول الطبيب وجيه قراط (اختصاصي الجراحة العظمية) إن الأطباء يلجؤون لتبديل المفصل عندما يدخل المريض في مرحلة الألم الشديد، وتتسبب آلام المفصل بإعاقة للمريض وتمنعه من الحركة بشكل طبيعي، إذ يصل التنكس لمراحله الأخيرة، وتكون “الركبة” قد دخلت مرحلة تشكيل “الانعقالات وانعدام المسافة المفصلية والانقراص” بالإضافة “للانهدام في السطوح المفصلية”، جميع تلك الأعراض تجعل من تبديل مفصل الركبة ضرورة ملحة لاستمرار حياة المريض بصورة طبيعية.
وعن آلية تأمين تلك المفاصل يقول “القراط” نعتمد على بعض الشركات الطبية في تأمين هذه المفاصل من تركيا، وهي متوافرة إلا أن ثمنها قد يتجاوز ثمانمائة دولار، وهو مبلغ كبير لمعظم السكان الذين يعيش نحو 90٪ منهم تحت خط الفقر، بحسب تقرير للمركز السوري لبحوث السياسة 2019، ويعجز كثير منهم عن تكاليف العملية أو حتى الأدوية المسكنة، ما لم يتم تقديمه من المشافي والمستوصفات مجاناً.
يخبرنا الطبيب القراط إنه يواجه شهرياً أكثر من مئة حالة لمرضى يحتاجون لتبديل المفاصل، وإن عدد العمليات التي يجريها لا تزيد عن اثنتين، ما يعني أن 98٪ من المرضى عاجزون عن تكاليف العلاج، ما يجبرهم على تحمل الألم والاعتماد على المسكنات.
“لم يبق لنا سوى الألم” يقول عبد الرحمن المحمد، وهو في الخمسين من عمره كان يعمل مياوماً في الأعمال الحرة التي أجهدت مفاصلة، يخبرنا أن الأطباء الذين راجعهم أجمعوا على ضرورة إجراء استبدال مفصل لـ “ركبتيه”، وقام بالتسجيل في المشفى لينتظر منذ شهور وصفها بـ “الطويلة”، دون جدوى، ما دفعه، بحسب قوله، للتعايش مع الألم وانعدام الحركة مع الاعتماد على المسكنات التي لا تفلح في التخفيف عنه عند النوبات الشديدة، يشير إلى ركبتيه وهو يروي لنا أنهما “محّتا” وما من حل سوى الانتظار، إذ يحتاج لنحو ألفي دولار لإجراء عملية الاستبدال.
يعمد الأطباء، أحياناً، للاعتماد على بعض العلاجات التي قد تخفف من الألم وتساعد المريض على الحركة، يقول الدكتور محمد مصطفى (جراحة عظمية) نلجأ في بعض الأوقات للعلاج بالحقن داخل المفصل، سواء كان بدواء “الهيالورونيك أسيد أو دواء الكورتيزون المديد”، ويصف هذا العلاج بـ “الحل المؤقت” الذي يريح المرضى لعدة أشهر، إلا أنه يزيد من مخاطر تعرض المريض لخطورة الإنتان، كذلك يرتب عليه تكاليف إضافة، إذ لا تتوافر هذه الأدوية مجاناً، ويحتاج كل منهم لخمس حقن في كل مفصل، بفاصل أسبوع بين كل حقنة وأخرى، ويبلغ سعر تلك الحقن نحو مئة دولار.
وتعمل بعض الهيئات الطبية، ومنها الهيئة الطبية لوادي بردى بالتعاون مع منظمة وقف الواقفين في مشفى الرحمة بدركوش، على تأمين المفاصل للمرضى بأسعار مخفضة، يقول وسام أبو فايز (مسؤول مشروع المفاصل ضمن الهيئة) إن مشروعهم يعتبر ” خيري”، إذ تتقاضى الهيئة من المريض ثمن المفصل فقط، وتوفر عليه المصاريف الأخرى مثل أجور المشفى والأطباء، كما تعمل الهيئة بالتعاون مع فريق ملهم التطوعي على تأمين بعض المفاصل بشكل مجاني لبعض الحالات.
تجاوز عدد المفاصل التي قامت الهيئة بتركيبها خمسمائة مفصل “ورك وركبة” لمختلف المرضى ومن جميع الفئات العمرية، منذ عامين على بداية عملها، وتعتمد على المفاصل التركية المتوافرة ضمن أفضل الشركات التي تعمل بامتياز أوربي”، بحسب أبو فايز الذي قال إن أسعار المفاصل تتراوح بين 550 دولار لمفصل الورك و600 دولار لمفصل الركبة، دون الإضافات التي قد يحتاجها مريض دون آخر، والتي قد يتراوح سعرها ما بين مئة إلى ثلاثمئة دولار، في حين كان يتكلف المريض قبل انطلاق المشروع ما يقارب 1500 دولار. ويبلغ متوسط عمر المفصل الافتراضي نحو عشرين عاماً، ويلعب اهتمام المريض واتباعه التعليمات الطبية دوراً كبيراً في الحفاظ على عمره.
وتواجه الهيئة الطبية صعوبات كثيرة لخصها أبو فايز “بمعاناتهم في تأمين مستلزمات العمل وشحن الأدوات والتعويضات، لاسيما بعد انتشار فيروس كورونا وإغلاق المعابر وتوقف الشحن من دولة إلى أخرى، ناهيك عن توقف بعض الشركات الأخرى”.
تعمل الهيئة ضمن مشفى دركوش، لكن، وفي حال احتاج أحد المرضى لعملية خارج المشفى فسيتكلف ببعض الإضافات المالية كأجور شحن المعدات إلى المشافي الأخرى، وتجري بشكل يومي عملية أو اثنتين داخل دركوش وخارجها.
واجهت الهيئة في بداية عملها ضغط عمل شديد نتيجة وجود حالات كثيرة بحاجة لتركيب مفصل، وكانت الأسباب المادية تقف عائقاً أمامهم، وتنوعت الحالات التي عالجتها بين إصابات حربية أو حالات تنكس نتيجة حادث سير أو إصابة صدمة أو حالات إهمال خلع الورك الولادي عند الأطفال، إضافة لتنكس المفاصل عند كبار السن.
تعرض الشاب أنور الحمصي لحادث سير في حمص سنة 2013، وعانى لفترة طويلة نتيجة الكسور التي أصيب بها في قدميه، وبعد تهجيره من حي الوعر تفاقمت حالته ما أفقده القدرة على المشي، ليخبره الأطباء في مشفى باب الهوى بضرورة تركيب مفصل له، يقول أنور إنه انتظر لأشهر أملاً في الحصول على مفصل مجاني، وبعد فقده الأمل من ذلك، توجه إلى مشفى دركوش وأجرى الفحوصات اللازمة، وتم تسجيل اسمه في قائمة المرضى، وبعد ستة أشهر تم إجراء العملية والتي بلغت كلفتها نحو خمسمئة وخمسين دولاراً.
يخبرنا أنور أن الحظ حالفه لأنه لم يحتج لحلقة دعم ضمن المفصل (يبلغ ثمنها نحو مئتين وخمسين دولاراً)، ويرى أن التكاليف مرتفعة ويتمنى أن تتجه المنظمات الصحية لدعم هذا القطاع المهم، لكنه لا ينكر أن حياته تغيرت بعد تركيب المفصل وبات يتحرك بشكل شبه طبيعي، وتخلص من آلام السنين الطويلة التي عاشها.
يقول من التقيناهم من القطاع الصحي إن معاناة مرضى المفاصل قديمة، إذ اعتاد مريض المفاصل قبل الثورة على دفع ثمن المفصل، لكن سنوات النزوح الطويلة أتعبت الناس بشكل كبير وساهمت سنوات الحرب برفع عدد إصابات المفاصل ما يحتم على المنظمات الإنسانية والهيئات الطبية التحرك بشكل أكبر لتأمين دعم صحي لهذا الجانب عبر تأمين مفاصل مجانية للمرضى.
تواصلنا مع عدد من المشافي العامة والمنظمات الطبية للحصول على أعداد المرضى المحتاجين لعملية تبديل مفصل لكن لم يفلح تواصلنا بالوصول لنتيجة إذ رفضت تلك الجهات تزويدنا بالمعلومات المطلوبة لأسباب خاصة بها
الحاج أحمد أبو حميد وهو نازح من ريف إدلب الشرقي إلى واحد من مخيمات قاح، قال إنه لا يستطيع دفع ثمن دوائه والذي يبلغ سعره نحو ألفي ليرة سورية (حوالي سبعين سنتاً)، الدواء الضروري لحياته بعد خضوعه لعملية “القلب المفتوح”، تخبرنا زوجة الحاج أحمد أنهم يعتمدون غالباً على الخبز فقط في وجباتهم، هذا إن استطاعوا تأمينه، بعد أن ارتفعت أسعار المواد الغذائية والخضار إلى درجة غير مسبوقة، وهو ما يوحي بحصول “مجاعة” حقيقية إن لم توجد حلول جذرية للسكان في المنطقة.
ترك انهيار الليرة السورية، ومخاوف تطبيق قانون قيصر، الذي بدأت أمريكا بتنفيذه منذ أيام، أثره على حياة السكان الذين يعيشون حالة من التخبط والفقر، والبحث عن طرق جديدة للبقاء، بعد أن تفاقمت الأحوال الاقتصادية التي يعيشونها إلى الدرجة التي يقدر فيها المطلعون على واقعهم ما ستحمله الأيام القادمة بـ “الكارثة”، خاصة على قطاعي الصحة والغذاء.
مشاهد يومية متكررة من الحياة العامة في إدلب
يعيش في إدلب والمناطق التابعة لها، بحكم التبعية لحكومة الإنقاذ كالأجزاء المتبقية من ريفي حماه وحلب الغربي، نحو أربعة ملايين شخص، نصفهم يسكنون في المخيمات التي تتركز في ريف إدلب الشمالي والشمالي الغربي، كذلك الذين نزحوا داخلياً أو هجروا قسرياً من محافظات سورية أخرى، ويجمع معظم هؤلاء السكان سمة واحدة يغلب عليها “الفقر والعوز”، إذ يعيش نحو ٨٦٪ من السوريين تحت خط الفقر، منهم ٣٧٪ تحت خط “الفقر المدقع” في العام ٢٠١٩، بحسب دراسة بعنوان “سوريا العدالة لتجاوز النزاع” والتي أصدرها المركز السوري لبحوث السياسة.
يعجز معظم السكان عن تأمين متطلبات الحياة العامة اليومية، والتي تقدر شهرياً وبشكل وسطي، بنحو ثلاثمائة ألف ليرة سورية، يخبرنا طلال الحسين وهو رب أسرة مكونة من عشرة أشخاص يسكن في واحد من مخيمات أطمة بعد نزوحه من ريف خان شيخون، إن عائلته محرومة من الاحتياجات الغذائية الأساسية، وإنه اضطر لبيع “قطيع الماشية خاصته” بكامله للاستعانة بثمنه على تدبير قوت العائلة، هو اليوم خسر مورده الاقتصادي الذين كان يعيش على منتجاته في السابق.
يخبرنا الحسين إنه يعجز عن تأمين الدواء لطفلته التي تعاني من خلع ولادي، كذلك أدوية الروماتيزم خاصته، كما أنه وعائلته خفضوا وجبات الطعام اليومية لزيادة عمر النقود التي استدانها أملاً في إيجاد فرصة عمل تساعده وعائلته على البقاء.
الحاج أحمد أبو حميد وهو نازح من ريف إدلب الشرقي إلى واحد من مخيمات قاح، قال إنه لا يستطيع دفع ثمن دوائه والذي يبلغ سعره نحو ألفي ليرة سورية (حوالي سبعين سنتاً)، الدواء الضروري لحياته بعد خضوعه لعملية “القلب المفتوح”، تخبرنا زوجة الحاج أحمد أنهم يعتمدون غالباً على الخبز فقط في وجباتهم، هذا إن استطاعوا تأمينه، بعد أن ارتفعت أسعار المواد الغذائية والخضار إلى درجة غير مسبوقة، وهو ما يوحي بحصول “مجاعة” حقيقية إن لم توجد حلول جذرية للسكان في المنطقة.
ليست حال الحاصلين على فرصة عمل بأفضل كثيراً من العاطلين عنه، كما في المثالين السابقين، إذ يبلغ متوسط أجر العامل في إدلب نحو مئة ألف ليرة، تزيد في بعض المهن حتى مئة وخمسين ألف ليرة (نحو خمسين دولاراً)، وبدراسة أجراها فريق فوكس على عدد من العائلات السورية في المنطقة، تبين أن متوسط احتياج عائلة مكونة من خمسة أشخاص لتأمين المتطلبات الحياتية بالحد الأدنى، بلغت نحو خمسة عشر ألف ليرة يومياً، تزيد عند العائلات التي تضم بين أفرادها أطفالاً رضع، لحاجتهم للحليب والحفاضات، بنحو ثلاثة آلاف ليرة يومياً، وفي حالة وجود مرض مزمن فتزيد بنحو ألفي ليرة سورية أخرى.
ولفهم هذه الأرقام سنورد بعض الأسعار لمواد أساسية: تبلغ أسعار، بالكيلو غرام والليرة السورية، (ربطة الخبز٨٥٠ – سكر١٨٠٠ ليرة -شاي ٢١٠٠٠ – لتر زيت الزيتون ٥٦٠٠ -صحن البيض ٢٢٠٠ -زيت دوار الشمس ٢٨٠٠ -برغل ١٠٠٠ ليرة -أرز ١٦٠٠ -فوط الأطفال كيلو ٦٠٠٠ -علبة حليب الأطفال ١١٠٠٠ -بندورة ١٠٠٠ -ثوم ٣٠٠٠ -فليفلة ٣٠٠٠ -تفاح ١٢٠٠ -موز ١٨٠٠”
تضاعفت هذه الأسعار خلال الشهرين الماضيين، مع انهيار صرف العملة السورية مقابل الدولار والتي وصلت إلى نحو ثلاثة آلاف وسبعمائة ليرة مقابل الدولار الواحد، ولم تتراجع هذه الأسعار مع انخفاض سعر الدولار مجدداً (حالياً يبلغ سعر الصرف نحو ٢٦٠٠ ليرة للدولار الواحد).
يبلغنا من تحدثنا معهم أن العائلة تحتاج إلى ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه رب الأسرة، لتأمين “وجبة غذائية” خالية من اللحوم والفاكهة، وتعتمد على المنتجات الموسمية “جزء كبير منها تنتج في إدلب كالخضار”، وتأتي مشكلة الوقود في المرتبة الثانية من معاناة السكان، إذ وصل سعر اللتر الواحد من المازوت إلى ألف ليرة سورية، ومثله للبنزين، في حين بلغ سعر أسطوانة الغاز ١٤٦٠٠ ليرة، قبل أن يتم تسعير هذه المواد بالليرة التركية منذ أيام. أما الدواء فيأتي في المرتبة الثالثة وقد تضاعفت أسعاره بين (٦٠ -٥٠٠٪)، إن وجد، وذلك لأسباب كثيرة سنشرحها في فقرة خاصة. ويأتي ارتفاع إيجارات المنازل في المرتبة الرابعة إذ تم رفعها، دون سابق إنذار، وبناء على مقارنة مع أسعار الصرف بالدولار أو الليرة التركية.
الخبز “العمود الفقري للغذاء في إدلب” يأكل معظم دخل المواطنين
استقرت أسعار الخبز في مدينة إدلب منذ أيام، وذلك بعد قرار حكومة الإنقاذ بتحديد سعر ربطة الخبز بالليرة التركية، وفقاً للوزن والنوع، إذ حدد سعر ربطة الخبز السياحي (٨٥٠ غراماً) بليرتين تركيتين (كل ليرة تركية تساوي نحو ٤٠٠ ليرة)، أما الخبز البلدي لنفس الوزن فحدد السعر بليرة تركية ونصف الليرة، والمدعوم بليرة واحدة.
تغيرات سعرية كبيرة طرأت على رغيف الخبز خلال السنتين الأخيرتين، يقول “أحمد تنار” مدير فرن الحجة ببلدة دارة عزة في ريف حلب الغربي إن السبب الرئيس في هذه التغيرات يعود لاستيراد المواد بالدولار، وربط سعر الخبز بتغيرات سعر الصرف، إذ يبلغ سعر طن من مادة الطحين ثلاثمائة دولار، كذلك الوقود، إذ يحتاج فرن الحجة لألف ومئة لتر من مادة المازوت المرتبطة هي الأخرى بسعر الدولار، والذي تستورده شركة وتد للبترول، إضافة لأجور العمال (يعمل في فرن الحجة أربعون عاملاً، متوسط إيجار العامل نحو خمسة آلاف ليرة سورية).
وكانت حكومة الإنقاذ قد حددت سعر كيلو غرام الخبز بـ ٣٩ سنتاً منذ كانون الثاني الماضي، وفقاً للتغيرات الحاصلة بسعر الصرف، قبل أن تعيد تسعيره بالليرة التركية منذ أيام، لتحقيق نوع من الاستقرار في المادة الأساسية التي يعتمد عليها سكان المنطقة، إلا أن من تحدثنا عنهم قالوا إن الأمر سيان، فبحسبة بسيطة نجد أن ما قامت به الحكومية لا يتعدى “مسكها للآلة الحاسبة وتصريف سعر الليرة السورية بعملة أخرى”، خاصة وأن كل السكان العاملين يتقاضون أجورهم بالليرة السورية.
ويقول مدير فرن دارة عزة الآلي (محمود رستم) إن الفرن يشغل يومياً نحو عشرين عاملاً من خمس إلى ست ساعات يتقاضى كل منهم (مئة وثلاثون ألف ليرة سورية)، وبقدر إنتاجية تبلغ خمسة وعشرين طناً عبر خطي الإنتاج.
يخبرنا رستم أن منظمة (عطاء الخير) وقعت عقداً مع الفرن لإنتاج أربعة أطنان من الطحين يومياً وتوزيعها على المهجرين مجاناً، إضافة إلى أن حكومة الإنقاذ تقدم ٧٥٠ كيلو غراماً من الطحين المدعوم للفرن، توزع في البلدة بالسعر المدعوم، ويقول إن الطلب على مادة الخبز قلّ بنسبة واضحة نتيجة ارتفاع الأسعار، إلا أنه يخبرنا أن مقومات العمل من (طحين وخميرة ووقود) متوافرة.
الصورة من الإنترنيت
تقول أم عطا، وهي سيدة من جبل الزاوية عادت إلى قريتها بعد نزوحها منها رغم الخطر الكبير، إنها تحتاج يومياً لستة آلاف ليرة سورية ثمناً لمادة الخبز التي تحصل عليها من أحد الأفران في مدينة أريحا، بعد أن توقفت جميع الأفران في جبل الزاوية عن العمل، وتخبرنا أن ولدها ينتظر لثلاث ساعات على الأقل للحصول على الخبز، إضافة للزمن الذي يقضيه في رحلة الذهاب والإياب.
تعمل أم عطا وعائلتها كعمال مياومة بقطاف الثمار، وتحصل على مبلغ خمسمائة ليرة سورية عن كل ساعة عمل، أي أن الحصول على الخبز يأكل أجرة اثنتي عشرة ساعة من العمل يومياً، تخبرنا أنها منذ أيام اعتمدت طريقة “الخبز” على التنور مستهلكة ما لديها من طحين، وذلك لتوفير وقت ولدها وتعبه والتخفيف من الكلفة، وعند سؤالنا لها عن تأمين الخبز ليوم غد، أخبرتنا “لبكرى بيفرجا الله”.
السيدة (نوال) من قرية مرعيان بجبل الزاوية تقول: يوميا يذهب أحد أفراد العائلة لشراء الخبز من فرن السلام بمدينة أريحا وكل رغيف بمئة ليرة، وكلما ازداد عدد الأرغفة يزداد سعر الربطة هذا الرغيف الذي لا يكفي طفلي الصغير بوجبة واحدة.
بدوره يقول قاسم رماح “ناشط إعلامي” تشهد جميع المخابز ازدحاماً غير مسبوق، ويغيب تنظيم الدور عن كثير منها إذ لا يتوفر الخبز بالكميات المطلوبة، أحيانا يبقى الناس أمام الفرن أكثر من ساعة لشراء كيس واحد من الخبز، وتحتاج العائلة المؤلفة من خمسة أفراد لكيسين على أقل تقدير ما يعني أنها مجبرة على دفع ألفي ليرة سورية بشكل يومي، في حين تعجز بعض العائلات عن تأمين ثمن الكيس الواحد. ويرى رماح أن الحل الأمثل للمشكلة يكمن بالتفات المنظمات نحو الأفران ودعمها بمادة الطحين ما ينعكس بشكل كبير على الأسعار.
من جانبها أعلنت الحكومة السورية المؤقَّتة في الثامن من حزيران الجاري عن قيام أفران المؤسّسة العامّة للحبوب التابعة لها ببيع الخبز بالليرة التركية.
وقال مدير شركة المخابز في المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب “محمد الصيادي” إنه، وحرصاً من وزارة الاقتصاد والموارد على تخفيف المعاناة عن الأهالي في المنطقة، عملت الشركة العامة للمخابز على إنتاج الخبز البلدي المدعوم ليتم توزيعه على الأهالي اعتباراً من يوم الجمعة ١٢ من نيسان، حيث يشمل عدة مناطق منها جبل الزاوية وإدلب المدينة وأريحا، يقول “نعمل على زيادة الإنتاج ليشمل مناطق أخرى في الأيام القادمة ليكون سعر الربطة ٤٠٠ ل.س، ووزنها ٦٥٠ غ، وذكر أنه في ١٣ من حزيران سيبدأ بيع الخبز المدعوم وزن ٦٠٠ غرام بقيمة ٣٠٠ ل.س في مدينة إدلب والأتارب و دارة عزة”، وتسعى المؤسسة لتعميم التجربة في المناطق كافة، وذلك عبر ترشيح الأسماء المستفيدة من وزارة التنمية والشؤون الإنسانية والمجالس المحلية والهيئة العامة للزكاة التابعة للحكومة المؤقتة.
ازدحام على فرن خبز في إدلب -انترنيت
ويرى الناشط الإعلامي “أنس المعراوي” أن ما يتخذ من إجراءات بدعم الخبز لبعض المناطق ضروري، إلا أن دعم هذه المادة يحتاج إلى تضافر في الجهود، خاصة من قبل المنظمات الإنسانية لدعم مادة الطحين، بحيث تصل أسعار الخبر إلى ثمن يتناسب مع الوضع الاقتصادي لسكان المنطقة.
ويخبرنا المعراوي إنه وقبل تطبيق قانون قيصر، بدأت الليرة السورية بالانهيار، هو ما أدى لارتفاع أسعار الخبز، ولا يمكن التكهن بأسعارها في الأيام القادمة، وتحدث عن مبادرات فردية من قبل بعض الناشطين والتجار لتوزيع كميات من الخبز على الأهالي، وهو ما اعتبره مساندة حقيقة لتأمين قوت من لا يملك ثمناً لطعامه، إلا أن هذه الحلول الفردية غير كافية وعلى المؤسسات الحكومية والمنظمات إيجاد حل جذري لمساعدة السكان.
وللبحث في هذه الحلول تحدثنا مع ضياء العلي (مدير مخابز حلب التابعة للمؤسسة العامة للحبوب في إدلب) والذي قال
“لدينا حوالي ٣٣ فرناً خاصاً وسبعة أفران عامة بريف حلب الغربي من دارة عزة حتى أطمة وأبين والأتارب، نقدم لهذه الأفران الوقود بسعر مخفض (أقل سعراً من شركة وتد حوالي ١٥ ل.س عن كل ليتر)، وفي السابق كنا نقدم طحيناً محلياً من المؤسسة العامة للحبوب، وفي العام الحالي نحن في طور شراء القمح الجديد وسنعيد توزيع الطحين البلدي على الأفران”
وأكمل العلي “نسعى دائما لمراقبة الأفران العامة منها والخاصة لمراقبة جودة الخبز ونظافة المخابز، إضافة إلى التسعيرة التي تصدر من وزارة الاقتصاد بخصوص وزن وسعر وعدد أرغفة الربطة، ورغم المراقبة هناك بعض المخالفات التي يتم التعامل معها”
وذكر “العلي” أن هناك بعض الأفران المدعومة بريف حلب الغربي من قبل المنظمات، إضافة لدعم أفران محددة بالطحين البلدي نوع ثاني في محافظة إدلب، وتوزع على فرن الذرة بالمحافظة من الساعة الثامنة والنصف، وفرن أريحا الآلي الساعة السابعة، وفرن أبلين بجبل الزاوية الساعة السابعة والنصف، بسعر ٤٠٠ ل.س للربطة بوزن ٦٥٠ غرام (مدعوم بنسبة ٣٠%) سيبدأ توزيعه من يوم الجمعة ١٢من شهر حزيران الحالي، وقريباً سيعمم الأمر على بقية الأفران بإدلب وحلب”.
وأكد (العلي) أن هذا التوزيع المبدئي سيشكل أزمة تزاحم وفوضى على الأفران التي ستوزع الخبز المدعوم، بسبب تفاوت السعر (تنقص بنحو نصف ليرة تركية =٢٠٠ ليرة سورية). إلا أن هناك خطط مستقبلية لزيادة الأفران المدعومة.
هي ليست “ربطة خبز” يقول من تحدثنا معهم بعد أن ارتفع سعرها وخف وزنها، وبات الحصول عليها أمراً بالغ الصعوبة، أما المدعومة منها من قبل المؤسسة أو المنظمات فالحصول عليها بات مثاراً للخلاف والشجار، نتقاتل في طوابير طويلة على ربطة خبز، يلخص من التقيناهم المشهد في المحافظة، يقول “حمزة” من مدينة دركوش، ” إنه يتشاجر يومياً يتشاجر مع أصحاب الفرن، للحصول على ربطة خبز مدعومة من إحدى المنظمات بسعر ٣٠٠ ليرة، وبكميات محدودة وعند انتهائها يعود الفرن لبيع الربطة بسعرها الجديد، ليخلص إلى القول “انتهت حلول الأرض، والأمر متروك للسماء”.
ويخفف من حدة المشكلة نشاط بعض الأفراد والجمعيات، إذ يخبرنا محمد خالد الموسى مدير مخيم الوفاء على طريق أرمناز بريف إدلب إن مجلس إدارة المهجرين يقدم منذ أيام ربطة خبز واحدة لكل عائلة، بينما يعتمد أهالي المخيم على شراء ما يحتاجونه، إن توافرت النقود، من أرمناز التي تبعد نحو ثلاثة عشر كيلو متراً عنهم، بينما يقوم محمد محيي الدين حمو وهو ناشط بالعمل الإنساني والإعلامي من دارة عزة بحملة لتوزيه الخبز على محتاجيه من البلدة المكتظة بالسكان، يخبرنا أنه بدأ بمبادرة شخصية بشراء أربعمائة ربطة خبز ونشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي لتلقى صدى حسناً بين الناس الذين بدأوا بالتبرع لهذه المبادرة، كذلك لمبادرات أخرى في قرى مختلفة.
كذلك قام الطبيب فراس الجندي بتوفير مادة الخبز لمدة خمسة عشر يومياً في مخيم الصداقة قرب بلدة “كللي”، تقول السيدة نيرمين وهي نازحة في المخيم من جبل الزاوية إنها تقنن بشراء مادة الخبز، إذ تشتري حالياً ربطة واحدة لتطبخ معها “البرغل أو الأرز” كي تسد رمق طفليها وزوجها.
الصورة من الانترنيت
يخبرنا أحمد السلوم أن دخله اليومي لا يتجاوز أربعة آلاف ليرة، وهي لا تكفي لشراء خبز عائلته، ما يضطره للاستدانة، بشكل شهري، ويتساءل، لماذا لا تعتمد الأفران على القمح المحلي لتوفير مبالغ عن سعر الطحين المستورد، ولماذا لا تدعم ربطة الخبز من إيرادات معبر باب الهوى الحدودي! على سبيل المثال، فالأمر وصل إلى أقصى حالة السوء بالسكان.
انقطاع في الأدوية وارتفاع في ثمنها وأجور الاستشفاء والطبابة
عليك أن تمر بصيدليات كثيرة لتجد علبة الدواء الخاصة بك، إن وجدت، وبأسعار متفاوتة بين صيدلية وأخرى، يقول أبو أحمد وهو مهجر من مدينة معرة النعمان يقيم في بلدة تل الكرامة بريف حلب الغربي، ويخبرنا أنه قطع مسافة ثلاثين كيلو متراً لتأمين علبة من دواء الضغط الذي يحتاجه والذي تضاعف ثمنه لثلاثة أضعاف من (٤٠٠ إلى ١٢٠٠ ليرة)، وهو نصف السعر الذي حصل به على نفس العلبة من صيدلية في مكان سكنه (اشتراها بـ ٢٤٠٠ ليرة على حد قوله)، يقول إن الصيدلاني شرح له الآلية الجديدة لرفع السعر، إذ اجتمعت نقابة الصيادلة بالمستودعات الدوائية واتفقوا على تقسيم سعر العلبة الدوائية على سعر صرف ٨٠٠ ليرة (هو سعر الصرف نهاية العام ٢٠١٩)، وضربها بسعر الصرف الحالي!
وعند سؤالنا نقيب صيادلة إدلب الدكتور “يحيى نعمة” عن الواقع الدوائي والآليات الجديدة في التسعير قال “إن انخفاض سعر الصرف وإغلاق المعابر مع النظام أدى إلى تراجع الإنتاج وفقدان العديد من الزمر الدوائية، وانعكس ذلك بظلاله السلبية على المرضى، وسبب معاناة كبيرة بتأمين الدواء لهم، ودفع لظهور شريحة من المحتكرين من تجار الدم واحتكار الدواء ورفع سعره أسعار مضاعفة عدا عن ارتفاع السعر الطبيعي المرافق لانخفاض سعر صرف الليرة السورية، كون معظم الصناعات الدوائية تعتمد بالمواد الأولية على الدولار، وبالتالي عند انهيار العملة السورية تضاعف سعر الدواء بشكل طبيعي ومنطقي مع انخفاض الليرة السورية” وأضاف أن: “وضع المريض بالإضافة لما يعانيه من ويلات الحرب والقصف والنزوح والتهجير وانتشار الأوبئة وقلة فرص العمل وانخفاض الرواتب والأجور ترافق معه عبئ إضافي وهو تأمين الدواء بسعره الحالي أو حتى انقطاعه” وختم بقوله: “قمنا بالعديد من الاجتماعات والمشاورات والجولات لدراسة السعر المنطقي للدواء والطرق الإسعافية والاستراتيجية على المدى الطويل لتأمين الأمن الدوائي في المنطقة.
لم نحصل على إجابة واضحة ولا يظهر على معرفات مديرية الصحة أي خطة لتسعير الأدوية وضبط الخلاف السعري، كذلك بحديثنا مع بعض الصيادلة الذين أكدوا أن الأسعار متباينة، وأن من يملك الأدوية النوعية يتحكم بالسعر الذي “يقرشه” الجميع على الدولار، بحسب سعر الصرف، ويبيعونه للمواطن، إن توافر بعض فقدان الكثير من الزمر الدوائية كأدوية الضغط والسكري والمضادات الحيوية ومميعات الدم والأدوية القلبية.
ويرجع الصيادلة الذين التقيناهم وفضلوا عدم الكشف عن أسمائهم خشية تعرضهم للمضايقة أسباب انقطاع الأدوية وارتفاع أسعارها، إلى إغلاق المعابر الذي أدى إلى انحسار كميات الدواء التي أصبحت محدودة، وتدخل حصراً عبر طرق التهريب وبأسعار مرتفعة، إضافةً إلى توقف عدد كبير من معامل الأدوية بعد سيطرة قوات النظام عليها في ريف حلب الغربي مؤخراً خلال الحملة الأخيرة مطلع العام الجاري، هذه المعامل كانت تمد إدلب بكميات كبيرة من الأدوية، فضلاً عن توقف عدد كبير من المعامل في مناطق النظام وضعف انتاج المعامل التي باتت تنتج 5% من طاقتها الإنتاجية بحسب تحقيق مفصل بعنوان (الدواء السوري يتلاشى) على موقع الجمهورية تناول موضوع الأدوية في مناطق النظام.
وانعكس ذلك على المنطقة التابعة للمعارضة، حيث احتكرت بعض المستودعات الأدوية النوعية، دون رقابة أو محاسبة، وأصبحت تحاسب الصيدليات بالدولار بحجة أن معابر التهريب أصبحت تحاسبهم بالدولار، وأن الخسارة ستلحق بهم لعدم استقرار سعر الصرف، إضافةً لارتفاع تكلفة الشحن والجمركة والإتاوات التي تفرضها الفرقة الرابعة التابعة للنظام السوري على الأدوية.
حاجة طفل من الحليب أكثر من ضعف راتب موظف حكومي في الداخل السوري
يباع حليب الأطفال بالدولار منذ سنوات، ويعتبر مرتفع الثمن مقارنة بالوضع المعيشي في الداخل السوري، فمثلاً عبوة (لينولاك) وهو نوعية متوسطة من الحليب سعرها اليوم في الصيدليات أربع دولارات، ويحتاج الطفل ذو الثلاثة أشهر لنحو ثماني عبوات في الشهر وثمنها يعادل أكثر من ضعف مرتب الموظف الحكومي في سوريا الذي أصبح يعادل نحو خمسة عشر دولاراً.
ويضطر أهالي الأطفال الذين يعتمدون في رضاعتهم على الحليب الصناعي لاستبداله بحليب البقر الذي يعتبر الخيار الأفضل المتاح بعد حليب الأم والحليب الصناعي، شريطة تعقيمه وغليه بشكل جيد وتمديده بالماء، إضافة لأغذية أخرى كالنشاء والأرز المطحون، وهذه لن تكون غنية بالبروتينات والطاقة بما يكفي، وقد تسبّب أضررًا بصحّة الرضيع لعدم تناسق تركيبتها مع طبيعة جسمه، وذلك سيترك أثرًا كبيرًا على الصحة العامة للطفل، بحسب طبيب الأطفال “لؤي حمروش”
نقابة الأطباء تتراجع عن قرار تحديد تسعيرة الكشفيات
وتراجعت نقابة الأطباء عن قرارها الذي أصدرته مطلع الشهر الحالي والذي يحدد تسعيرة الكشف الطبي للطبيب العام بدولارين أمريكيين كحد أدنى، وست دولارات كحد أعلى، وللطبيب المختص بثلاث دولات كحد أدنى وثمان دولارات كحد أعلى، وذلك بعد موجة من الانتقادات والاستياء الشعبي، حتى من بعض الأطباء الذين عبروا عن رفضهم لهذا القرار :كالدكتور “محمود جمعة رحال” الذي نشر عبر صفحته على الفيس بوك ” أعلن عدم التزامي بقرار تحديد تسعيرة للكشف الطبي الذي انتشر مؤخراً، وهذه النقابة لا تمثلني ولست معنياً بها ولا أعلم متى أوكلوا انفسهم عنا، الكشف الطبي للجميع ولا يقاس بمال وأخجل من الحديث عن المال مقابل الانسان”، “وكتب الطبيب “ياسر الكنش أيضاً: “قرار تسعيرة الكشف الطبي صدر بدون التشاور معنا وتم رفضه من قبل الغالبية العظمى من الأطباء”.. “اطمئنكم لن يتم العمل بمقتضاه”.
ويشهد القطاع الخاص تراجعاً في عدد المراجعين للمشافي الخاصة، بحسب الدكتور “منذر حلبي” أخصائي بولية في مشفى الظلال الخاص بمدينة الدانا، والذي تحدث عن أهمية العمل الطبي الخاص فهو مكمل للعمل العام، وأساسي ببعض المجالات غير المتوفرة بالقطاع العام كالقثطرة والجراحة القلبية، وعن أجور المعاينات قال “حلبي” كانت المعاينة الطبية سابقاً خمسمئة ليرة سورية أي ما يعادل أحد عشر دولاراً أمريكياً، وحالياً لا تتعدى خمسة آلاف ليرة سورية غالباً أي ما يعادل دولار ونصف، وأضاف أن جميع المستلزمات الطبية تُشترى بالدولار والمحروقات تقريباً بما يتماشى مع الدولار (برميل المازوت ثلاثمئة ألف ليرة سورية)، وأوضح أنه لا يمكن رفع الكشف الطبي مثل أي مادة اعتماداً على الدولار، ويجب الأخذ بعين الاعتبار دخل المواطن، ووضع تسعيرة تتماشى مع الوضع الراهن بحيث تناسب المواطن وتضمن الاستمرار بالعمل.
وقال مسؤول الرقابة الدوائية في مديرية صحة إدلب مصطفى الدغيم لفوكس حلب ” كان لانهيار الليرة السورية أثر كبير على القطاع الصحي، وعلى المريض بشكل خاص، خاصةً ما يتعلق بشراء الأدوية، فالقوة الشرائية انخفضت لدى المواطنين بشكل كبير، لأن الليرة السورية هي العملة المتداولة في أيدي الناس، وعندما انخفضت قيمتها مقابل الدولار، مع العلم أن جميع الأدوية تعتمد في صناعتها على الدولار، لأن المواد الأولية والسواغات تستورد من الخارج وبالدولار، وهو ما انعكس بشكل سلبي على صحة المواطن وقدرته على تأمين الدواء، والاستطباب بالأدوية الوطنية الموجودة، والمستوردة التي تباع بالدولار”.”
وأردف: ” أن انهيار الليرة أثر على القطاع الصحي وفعاليته في موضوع التعاملات وشراء اللوجستيات والأجهزة الطبية، حتى قيمة الكشف الطبي عند الأطباء، في العيادات والمشافي الخاصة، وأصبح المريض عاجزاً عن دفع قيمة الكشف الطبي أو العمل الجراحي إذا اضطر لعمل جراحي”
وختم بقوله أن” تراجع سعر الصرف أدى إلى إحجام بعض مستوردي الأدوية وأصحاب المستودعات والصيدليات عن بيع الأدوية بسبب تراجع قيمة مدخراتهم من الأدوية ”
ولا تقتصر معاناة المرضى على غلاء أسعار الدواء وكشفيات الأطباء وأجور العمليات، فالمواصلات وتكاليفها أصبحت كارثة بحد ذاتها، إذ يحتاج المريض لنحو خمسين ألف ليرة للوصول إلى المشفى من منطقة حارم إلى إدلب، وخمسة وسبعين ألف ليرة للوصول من الدانا إلى إدلب، على سبيل المثال، بينما تحتاج لخمسة وعشرين ألف من المناطق القريبة، ويعتمد المرضى على منظومة الإسعاف والتي لا تلبي حاجات معظم السكان، وقد ينتظرون لساعات طويلة ريثما يتم تأمين سيارة تقلهم إلى المشفى.
ويوجد في محافظة إدلب 75 مركزاً صحياً، و52 مشفى و37 مشفى متخصصاً و50 سيارة اسعاف و٣٠ مستودع أدوية، و٥٠٥ صيدليات بحسب مديرية الصحة.
لإيجار المنازل قصة أخرى
كثر من السكان النازحين والمهجرين يلجؤون إلى استئجار المنازل، خاصة في المدن، أملاً بتحصيل فرصة عمل، كذلك في القرى والبلدات التي اكتظت نتيجة الأعداد الكبيرة للنازحين الهاربين من حياة الخيام، معظم هذه البيوت كانت تؤجر بالليرة السورية وبمبالغ باهظة مقارنة بسعر الصرف القديم، إلا أنه وفي الآونة الأخيرة لجأ أصحاب المنازل إلى تحديد قيمة الإيجار بالدولار أو الليرة التركية.
يحتج أصحاب المنازل إن السعر لم يرتفع، مبلغ خمسون ألف ليرة كان يساوي نحو ٥٠ دولاراً منذ أشهر قليلة، لكن سعر الصرف هو من تغير، وتجنباً للوقع في مشكلة رفع الإيجار بالليرة السورية حددوه بالدولار أو الليرة التركية.
ويقول من التقيناهم من المستأجرين إنهم يتقاضون رواتبهم بالليرة السورية، ولا يمكن ربط أي سلعة أو إيجار أو فاتورة بالدولار أو الليرة التركية إلا عندما تتغير أجورهم للعملة المطلوبة، “نحن لسنا في أوروبا أو أمريكا أو تركيا” ليتم محاسبتنا بعملاتهم، معظم ما نتقاضاه لا يكفي أجرة بيت في قرية نائية وبحالة يرثى لها، بعد أن ارتفع إيجار المنازل بالليرة السورية لأربعة أو خمسة أضعاف سعره القديم.
يقول عبد الله أحد السكان إنه يدفع اليوم ثلاثمائة ألف ليرة أيجاراً لمنزله، بينما يتقاضى محمد الحلبي (مالك لأحد المنازل) مئة وخمسون ألفاً عن بيته بدلاً من ثلاثين ألف كان يتقاضاها منذ أشهر.
بين المالك والمستأجر، يعيش السكان حالة من الحنق والغضب الاتهامات، وكلاهما يبرر ما يفعله بالأسعار المرتفعة على كل شيء.
تجار الأغذية ومحلات الصرافة
أثرت التقلبات الأخيرة التي أصابت سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار على كافة فئات المجتمع بما فيهم التجار ومحلات الصيرفة، وتغيرت القاعدة التي حفظناها منذ الصغر، بأن التاجر لا يخسر، والاحتياطات التي اتخذها التجار مثل إغلاق المحال أو احتساب سعر البضائع بالسعر الذي يتناسب مع سعر الصرف اللحظي لم تفلح بالحفاظ على تجارتهم ومرابحهم بالشكل الذي يتمنون.
تعتمد إدلب في استجرار المواد الغذائية على تركيا بشكل رئيس إذ تشكل قيمة الواردات التركية نحو 90% في حين تدخل باقي المنتجات عن طريق النظام عبر طرق التهريب بحسب التجار الذين التقيناهم.
الصورة للازدحام على محلات الصيرفة في إدلب -المصدر أنترنيت
وعن أسباب ارتفاع أسعار المواد الغذائية يقول غياث السلوم تاجر مواد غذائية “لعبت عدة عوامل بارتفاع أسعار المواد الغذائية بالإضافة لارتفاع سعر الصرف، والذي يشكل العامل الأبرز في الغلاء الكبير الذي طال تلك المواد في حال تم تسعيرها في الليرة السورية.
ويضيف السلوم إن إغلاق الطرق المؤدية إلى إدلب بسبب جائحة كورونا ساهم بشكل فوري باحتكار بعض التجار للسلع ورفع أسعارها لتحقيق مرابح إضافية في حين عمد آخرون لاستجرار مواد غذائية من مناطق النظام عبر طرق التهريب، ما أجبرهم على دفع تكاليف إضافية ستضاف على قيمة المادة الرئيسية، والتي ستنعكس بشكل مباشر على المواطن، ناهيك عن البضائع التي باتت تصدر من سوريا إلى تركيا ثم تدخل من تركيا إلى إدلب ما حمّلها تكاليف إضافية زائدة لم يعتد عليها المواطن.
يقول السلوم إن عدداً من تجار الجملة تعرضوا لخسارات هذه الفترة، ولشرح أسباب الخسارة يضرب السلوم مثالاً فيقول: قد تنقطع إحدى المواد من الأسواق نتيجة إغلاق الطرق وبعد أيام تدخل نفس المادة عن طريق التهريب لكن بأسعار مرتفعة، فيجد التاجر نفسه مجبراً على الشراء بالسعر المطلوب، بعد أيام قد تدخل نفس البضاعة بشكل اعتيادي وبأسعارها القديمة ما يجبر البائع على البيع بالسعر الجديد وتحمل الخسارة من جيبه، ناهيك عن فروق أسعار صرف الليرة خلال اليوم الواحد، إذ قد يرتفع الدولار بشكل متسارع دون أن يتمكن التاجر من تحويل العملة السورية التي بين يديه إلى دولار، فيخسر فرق السعر.
يقول السلوم في السابق كانت أغلب تعاملاتنا مع مكاتب الصرافة على الهاتف يكفي أن نخبره بكلمة “ثبت ألف دولار بسعر كذا” وحين نفرغ من عملنا نسلمه الأموال السورية ونأخذ الدولار، أما اليوم فمكاتب الصرافة ترفض هذه الطريقة ولا تعتمد إلا على البيع وجهاً لوجه.
تاجر المواد الإغاثية أحمد العبدو أكد فكرة السلوم وقال إن سعر بعض المواد التموينية ينخفض أحياناً بشكل مفاجئ من مصدره أو بسبب طرح كميات كبيرة في الأسواق، ما يعرض التاجر لخسارة حتمية باستثناء المواد التي يتم تهريبها لخارج المنطقة فتحافظ على أسعارها.
وأضاف أحمد إن خسارة التاجر الحقيقية تكمن في ركود الأسواق وضعف حركة البيع والشراء، إذ يعتمد الناس على شراء الحاجيات الضرورية فقط وبكميات قليلة، فيتراجع عمل التاجر الذي يتكلف نحو أربعمئة دولار شهرياً كأجور محل ومستودعات وعمال.
مؤخراً ارتفعت كثير من الأصوات التي نادت باستبدال العملة السورية بالعملة التركية والتي قد تعتبر مخرجاً لتخفيف الأزمة في مناطق المعارضة، إلا أن عداً من المدنيين الذين التقيناهم يرون أن تلك العملية لن تغير بشكل كبير في الواقع المعاشي في إدلب، لأن مشكلة الناس الرئيسية في تدني الأجور وانخفاض مستوى دخل الفرد، واستبدال الليرة السورية بالليرة التركية لن يرفع من دخل الفرد.
في الوقت ذاته بدأت مخابز إدلب ومحطات المحروقات بالتعامل بالليرة السورية بشكل كامل ما خلق أزمة جديدة لمحلات الصرافة التي شهدت ازدحاماً كبيراً لتحويل العملة السورية إلى تركية، إضافة للأزمة التي خلفها القرار المفاجئ على المدنيين الذي وقفوا بطابور طويل أمام بنك الشام في مدينة إدلب للحصول على فئات نقدية صغيرة من العملة التركية بحسب من التقيناهم.
وعن الطريقة التي يتم فيها تحديد سعر صرف الدولار في مناطق المعارضة يقول هيثم محمد ٠صاحب شركة العقاد للصرافة) “يعتبر موضوع العرض والطلب هو العامل الأساسي في تحديد سعر صرف الليرة السورية، إذ يرتبط أصحاب مكاتب الصرافة بمجموعات يتم فيها التداول بشكل ضخم، مثلا قد يكون سعر صرف الدولار 2600 فيعلن أحد المشتركين عن حاجته لشراء عشرين ألف دولار بقيمة 2650، ما يعني دخول كميات من العملة السورية إلى الأسواق ورغبة الصرافين باستبدالها، الأمر الذي يزيد الطلب على الدولار ويرفع سعره، والأمر نفسه يتم بعملية عكسية عند انخفاض السعر”.
وعن أثر تقلب أسعار الصرف على العاملين في المهنة يقول المحمد: تعرض عدد من أصحاب المكاتب للخسارة وهذا الأمر متوقع في سوق الأوراق المالية، وخاصة التجار الذين كانوا يملكون رصيداً ضخماً بالعملة السورية.
وأضاف المحمد تعاني كافة شركات الصرافة من قلة الفئات النقدية الصغيرة من الدولار، بسبب اعتماد الناس على تصريف مبالغ بسيطة وبشكل أولي خوفاً من ارتفاع جديد يؤثر على قيمة العملة السورية التي يستعملونها، إقبال الناس على هذه الطريقة ساهم بسحب الفئات النقدية الصغيرة من يد أصحاب الشركات وتوزعت بين المدنيين، الأمر الذي أجبر البعض على تصريف مبالغ أكبر من حاجتهم أو اعتمادهم على التصريف إلى العملة التركية ما يعرضهم لخسارة فروق التصريف مرتين.
تنقل أسامة العمر بين عدد من محلات الصيرفة في مدينة إدلب حتى تمكن من العثور على مكتب يقبل بتصريف مبلغ خمسين دولاراً من المئة التي يملكها بحجة عدم وجود قطعة من فئة الخمسين، يقول أسامة اعتدت أن أصرف عشرين دولاراً في كل مرة لأن الأسعار تتبدل باستمرار وتفقد الليرة قيمتها لكن هذه المرة كنت مجبراً على القبول بالأمر، فحولت جزءً من المبلغ إلى التركي والجزء الآخر لليرة السورية.
الحلول برأي الناس وبدء تطبيقها
يقول من تحثنا معهم خلال هذا التحقيق من مدنيين وتجار وأطباء إن الحل يبدأ من تحسين واقع المواطن وإيجاد فرص عمل للسكان، وإيجاد قوانين تفرض على أصحاب العمل مراعاة انهيار العملة وتغير سعر الصرف، ومن الممكن وضع هذا السعر بعملة أكثر استقراراً، كالليرة التركية، شريطة أن يتقاضى العامل أجره بها أو ما يعادلها من الليرة السورية.
كذلك في إيجاد قوانين تراقب التجار والبائعين، وتحدد أسعار المواد وبيعها في الأسواق وتلغي سياسة العرض والطلب القائمة، كما يجب تنظيم عمل الصرافين الذين يتحكمون بأسعار الليرة السورية في المنطقة، ويفرضون ارتفاعها أو انخفاضها.
كما يجد من تحدثنا معهم في تحول المنظمات الإنسانية لدعم المواد الأساسية كالخبز والوقود والأدوية حلاً يساعدهم في تجنب الكارثة، بعد أن تفاقم خطر الوصول إلى “كارثة” إنسانية ستطال الجميع، دون استثناء.
إما فيما يخص الدعم الحكومي، فلا يعول المواطنون على الحكومات الحالية التي تقف في كل مرة مكتوفة الأيدي، تنتظر شأنها شأن المواطنين معجزة تغير من واقع الحال.
يواصل المجلس المحلي في مدينة الباب – شرق حلب – فرض المزيد مِن الضرائب والرسوم التي أثقلت كاهل المواطنين الذين يعيشون أساساً ظروفاً مادية صعبة زاد مِن مأساتها التدهور المستمر […]
يواصل المجلس المحلي في مدينة الباب – شرق حلب – فرض المزيد مِن الضرائب والرسوم التي أثقلت كاهل المواطنين الذين يعيشون أساساً ظروفاً مادية صعبة زاد مِن مأساتها التدهور المستمر لليرة السورية.
يوم الأربعاء الفائت (17 حزيران الجاري)، فرض المجلس المحلي مبلغ 50 ليرة تركية (أي ما يعادل 20 ألف ليرة سورية) سنوياً، دون أن يكون هناك أي قرار رسمي فيها، فضلاً عن عدم تسميتها أصولاً إن كانت ضريبة أم رسوماً، مكتفياً بإبلاغ السائقين بها عن طريق أحد المسؤولين على كراج المدينة، ما يوحي بأنها أقرب لـ “الإتاوة” منها للضريبة، ما أثار استياء السائقين وهدّدوا بالإضراب عن العمل.
أحد سائقي سيارات النقل الداخلي (سرافيس) في مدينة الباب يقول لـ فوكس حلب: إن الملازم أول أحمد عثمان (الملقّب بـ الفستقة) -وهو المسؤول عن الكراج- أبلغ السائقين بضرورة دفع مبلغ 50 ليرة تركي دفعةً واحدة، وإن اليوم السبت (20 حزيران) آخر موعد لـ دفعها وإلا سيحجز السيارة التي لم تدفع.
ويضيف السائق “أبو علاء” – مِن نازحي مدينة دير الزور – أن “الشرطة حجزت أساساً بعض السيارات التي رفضت دفع المبلغ ومنعتها مِن العمل”، مشيراً إلى أن سيارات النقل الخارجي -التي تنظّم رحلات سفر خارج مدينة الباب إلى مدن ريف حلب ومحافظة إدلب- تنافسهم أيضاً بالعمل داخل المدينة، ما يحول دون جنيهم المال الكافي لـ دفع ما يُفرض عليهم مِن ضرائب “ما أنزل الله بها مِن سلطان”.
وتلك السيارات المٌستثناة مِن دفع الـ 50 ليرة تركيّة -لدى بعض سائقيها- وفق أبو علاء- ورقة عدم تعرّض مِن بعض قادة الشرطة، وأن سائقي النقل الداخلي حاولوا حث تلك السيارات على الالتزام برحلاتها الخارجية فقط، ولكن دون جدوى، وبناء على ذلك لا يجني -وغيره مِن سائقي النقل الداخلي- أكثر مِن ألفي ليرة سوريّة في اليوم، علماً أنه يدفع نحو 400 ليرة تركية شهرياً بين آجار منزل وفواتير مياه وكهرباء.
والسائق “أبو محمود” – مِن أبناء مدينة الباب – يعترض قائلاً “طالما أننا لوّحنا (تنمير وترقيم) سياراتنا بـ 200 ليرة تركية، وندفع معاينة سنوية 100 ليرة تركية، والسيارات مسجّلة في مديرية المواصلات التابعة للمجلس المحلي، ما الذي يريده (ابن عثمان) مِن مبلغ الخمسين ليرة تركية، هل ما يريده السلب والسرقة علناً؟”.
يذكر أن الملازم أول في شرطة مدينة الباب “أحمد عثمان” هو ذاته الذي انتشر له مقطع فيديو يُظهره مع مرافقيه وهم يُعذّبون ويضربون طفلين متهمين بسرقة دراجة نارية، ما أثار صدمةً كبيرة واستياء واسعاً في المدينة وعموم المناطق المحرّرة، لـ يبرّر فعله لاحقاً بأنه كان يحاول “ترهيب الأطفال وتخويفهم فقط”!
وفي كراج مدينة الباب يوجد أكثر مِن 100 سيارة نقل داخلي (سرفيس) -مسجّلة ومرخّصة- تعمل على خط داخل المدينة بأجر 300 ليرة سورية للراكب الواحد، وغالباً يُتاح للسيارة الواحدة ما بين نقلتين إلى ثلاث نقلات في اليوم، متوسط النقلة الواحدة -بزمن ساعة وأكثر- بين الستة والعشرة ركّاب (أي ما بين 1800 و3000 ليرة سورية)، وبناء على ذلك يقول أحد السائقين “لـ يخرج معنا شرطي في إحدى السيارات طوال اليوم، ويقبض الغلّة بيده، وعند انتهاء العمل يعبّي مازوت للسيارة، وينظر للباقي إن كان يؤمّن الخبز والطعام لـ يوم واحد فقط”.
كذلك عبّر سائق آخر عن استيائه بالقول “إن البلد أساساً لهم -يقصد القائمون على إدارة المدينة مِن مجلس محلي وشرطة وفصائل- يفرضون ما يشاؤون ويمنعون ما يشاؤون وما علينا إلا السمع والطاعة، فإما أن ندفع مكرهين أو نبقى بدون عمل أبداً ونركن سياراتنا أمام منازلنا، وغالباً هذا ما سنفعله لأننا أساساً لا نستطيع تأمين قوت يومنا مِن الخبز فأين الفائض لـ دفع ما يٌفرض علينا ظلماً”.
والسائق “أبو ابراهيم” -مِن مهجّري الغوطة الشرقية – اقترح مِن أجل الالتزام بدفع الـ 50 ليرة تركية، المبلغ الذين ينظرون إليه على أنه إتاوة وليست ضريبة، أن يعمل المجلس المحلي على إصلاح الطرقات والشوارع وتزفيتها التي تضر بالسيارات يومياً وتجعل السائقين يدفعون خلال الشهر الواحد ما يتراوح بين 50 و75 ليرة تركية، فيما أجمع بعض السائقين على تنفيذ إضراب لا ينتهي إلّا بإلغاء مبلغ “الإتاوة”.
لماذا ندفع الضرائب؟
تأخذ الدولة -على فرض أن المجلس المحلي في مدينة الباب هو الدولة الآن- الضريبة مِن المواطن لقاء الخدمات التي تقدمها لـ صالح المدينة ويستفيد منها المواطن كـ بناء المدارس والمشافي والطرقات والحدائق والبنى التحتية وغير ذلك مِن مرافق، ومنها أيضاً تصرف الرواتب على موظفي القطاع العام الذين توظفهم في تلك القطاعات الخدمية التي تتولى إدارتها لـ صالح المواطن أيضاً.
ولكن طالما أن المجلس المحلي في مدينة الباب -ومنذ أكثر مِن 3 سنوات على استلامه إدارة المدينة بعد انتزاعها مِن تنظيم “الدولة”- غير قادر على تأمين الخدمات اللازمة للمدينة مِن كهرباء وماء وغيرها، إلّا مِن خلال التسويف عبر البيانات، فلماذا يفرض عليهم التراخيص ويطالب المواطنين بدفع المزيد مِن الضرائب “ماء (لم تُستجر بعد)، وكهرباء (ما تزال اشتراك أمبيرات)، ونظافة، وأرصفة، وطرقات، وغيرها)، ويزيد مِن وتيرتها ويطلبها بالليرة التركية مع انهيار الليرة السورية التي ما يزال المواطن يتعامل بها، دون أن يحدّد الأجور -المتدنية أصلاً- بالعملة البديلة التي يطالب الدفع بها، ما دفع المواطنين للقول “هل المجلس المحلي في الباب هو مجلس خدمات للمواطنين أم مركز لـ جباية الأموال منهم فقط؟”.
منذ نحو أسبوعين، كانت مدينة الباب تشهد احتجاجات نتيجة إصدار المجلس المحلي قراراً يرفع سعر بيع ربطة الخبز مِن 200 ليرة سورية إلى 350 ليرة، قبل أن تحدّد سعرها لاحقاً بـ ليرة تركية واحدة (أي نحو 400 ليرة سورية)، وذلك بعد أن بدأت معظم المجالس المحلية في ريف حلب بضخ فئات معدنية مِن النقد التركي في الأسواق، بهدف اعتماد الليرة التركية بديلاً عن الليرة السورية في جميع التعاملات.
تخضع مدينة الباب وجميع المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني السوري للنفوذ التركي في ريف حلب، وتشهد بين الحين والآخر خروج مظاهرات للمطالبة بتشكيل مجالس محلية جديدة توفّر لها الخدمات اللازمة وعلى رأسها الماء والكهرباء، وتطالب بحل المجالس الحالية المتهمة بـ “الفساد، والمحسوبيات، وسرقة أموال الداعمين”، علماً أن “محلي الباب” قد حلّ نفسه، أواخر شهر نيسان الماضي، ولكن ما يزال على رأس عمله حتى الآن، دون معلومات عن موعد تشكيل المجلس الجديد، وهل سيكون بالتعيين، كما المجلس الحالي، أم بالانتخابات كما يُطالب سكّان المدينة.
انطلق المشروع مطلع العام الحالي واستهدف ستة آلاف عائلة (500 مزارع، 500 من صغار مربي الثروة الحيوانية، 5 آلاف عائلة محتاجة) يتواجدون في ست قرى وبلدات بريف إدلب الشمالي وهي: كفريحمول، زردنا، حزانو، حربنوش، كللي، رام حمدان.
وتضمن المشروع أربع مراحل، وسعى لدعم الفلاحين والأهالي، وتشجيع الفلاحين على الزراعة، ولاسيما في ظل الوضع الاقتصادي السيء نتيجة انهيار الليرة السورية.
أنهت “جمعية عطاء للإغاثة والتنمية” قبل أيام، المرحلة الأولى من مشروع “دعم سلسلة القيمة للقمح” في محافظة إدلب، والذي يستهدف مزارعي القمح، عبر مساعدتهم بتكاليف زراعة الحقول وحصاد المحصول وتسويقه، إضافةً لتأمين الخبز المجاني لبعض المواطنين شمال إدلب.
انطلق المشروع مطلع العام الحالي واستهدف ستة آلاف عائلة (500 مزارع، 500 من صغار مربي الثروة الحيوانية، 5 آلاف عائلة محتاجة) يتواجدون في ست قرى وبلدات بريف إدلب الشمالي وهي: كفريحمول، زردنا، حزانو، حربنوش، كللي، رام حمدان.
وتضمن المشروع أربع مراحل، وسعى لدعم الفلاحين والأهالي، وتشجيع الفلاحين على الزراعة، ولاسيما في ظل الوضع الاقتصادي السيء نتيجة انهيار الليرة السورية.
500 مزارع مستفيد من المشروع
قال صافي حايك منسق المشاريع في جمعية عطاء: “انتهت قبل أيام المرحلة الأولى من المشروع، والتي استهدفت 500 مزارع بريف إدلب الشمالي، 90% من سكان المنطقة، و10% من النازحين”، مشيراً إلى أن “هناك معايير تم على أساسها اختيار المزارعين المستهدفين بهذا المشروع”.
واستهدف المشروع الفلاحين الذين زرعوا بذار القمح هذا الموسم في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني من العام الماضي، ولديهم خمسة دونمات قمح على الأقل، إضافةً إلى استهداف الأسر الكبيرة التي يزيد عدد أفرادها عن خمسة أفراد أو التي تعيلها نساء (الأرامل والمطلقات)، أو من لديها أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ومصابي الحرب، أو الأسر الفقيرة التي يقل دخلها عن خمسين دولاراً شهرياً.
مزارع يرش السماد الأزوتي على محصول القمح ضمن أحد الأراضي المستهدفة بالمشروع
وأضاف حايك لفوكس حلب، “قدمنا الدعم لمزارعي القمح الذين زرعوا بذار القمح هذا العام حصراً، من خلال منحهم المدخلات الزراعية، والتي شملت مئة كيلو غرام من سماد يوريا الآزوتي، إضافةً إلى مبيدات أعشاب عريضة ورفيعة، ومبيدات فطرية للتغلب على الأمراض التي تصيب محصول القمح إضافة لأربعين ليتراً من الوقود للري التكميلي”.
دورات تدريبية لمزارعي القمح
كما تم في المرحلة الأولى إجراء تدريبات نوعية للمزارعين، لتعليمهم أفضل الممارسات المتعلقة بمحصول القمح، وخاصةً كيفية التعامل مع الأمراض النباتية، ومراحل الحصاد والتخزين، وتحقيق الاستدامة من محصول القمح.
وفي مطلع شهر حزيران الحالي بدأت عملية حصاد القمح، عبر التعاقد مع خمس حصادات، لجني المحصول ضمن المنطقة المدعومة والمحصورة بخمس دونمات، وفي حال كان لدى المزارع كميات إضافية عليه تحمل نفقات حصادها.
عملية حصاد القمح في أراضي الفلاحين المستفيدين من المشروع بريف ادلب
وقال المهندس الزراعي محمد حلاق وهو مشرف ميداني على المشروع: إن عملية الحصاد استمرت لعشرة أيام، وانتهت بشكلٍ آمن دون تسجيل أي حرائق، نظراً للتنسيق الفعّال مع فرق الدفاع المدني، وتطبيق المزارعين للإرشادات التي تلقوها خلال الدورات التدريبية والتي مكنتهم من الحصول على محصول جيد.
وأضاف الحلاق “واجهتنا عدة صعوبات خلال تنفيذ المشروع، أبرزها الحملة العسكرية التي شنها النظام وروسيا على إدلب خلال شهري كانون الثاني وشباط من العام الحالي، ما تسبّب في نزوح بعض المستفيدين من المشروع، كما ساهم انتشار فيروس كورونا حول العالم، بدفع المنظمة لتعليق بعض التدريبات التي يتلقاها المزارعون، حيث تدرّب 70% فقط، ولكن سيتم استكمال التدريبات الشهر القادم”.
شراء القمح بسعرٍ مشجع
بعد انتهاء عمليات الحصاد الأسبوع الماضي ضمن المرحلة الأولى، بدأت المرحلة الثانية للمشروع من خلال شراء القمح من المزارعين بمعدل واحد طن من كل مزارع بسعرٍ مدعوم يصل نحو مئتين وثمانين دولاراً، بحيث يتم شراء خمسمائة طن من كل المزارعين المشمولين بالمشروع.
وأوضح محمد حلاق أن “الهدف من تقديم السعر المدعوم، هو تشجيع المزارعين على الاستمرار بزراعة أراضيهم الموسم القادم”، مشيراً إلى أنه “ستكون هناك لجنة لفحص جودة القمح، وبالتالي سيتراوح سعر الطن ما بين مئتين وأربعين إلى مئتين وثمانين دولاراً حسب نوعيته، لكنه في العموم سعر مشجّع للفلاح، مقارنة بالأسعار التي حددتها باقي الجهات حيث حددت الحكومة السورية المؤقتة سعر طن القمح من الفلاحين في شمال غرب سوريا بـمئتين وعشرين دولاراً”.
رش المبيدات الحشرية على محاصيل القمح المشمولة بالمشروع في ريف إدلب
بعد شراء القمح من الفلاحين، تبدأ المرحلة الثالثة، التي تتضمن نقل الكمية المشترات إلى مطحنة تم التعاقد معها، بحيث سيتم إنتاج أربعمئة طن من الطحين0 ومئة طن نخالة علفية.
وسيتم توزيع النخالة المستخلصة على خمسمئة مستفيد متواجد في قرى المشروع من النازحين والمجتمع المضيف (مئتا كيلو غرام للأسرة الواحدة) لاستخدامها كعلف للحيوانات، بغية دعم صغار مربي الثروة الحيوانية، الذين يملكون عشرة رؤوس أغنام على الأقل.
أبو أيمن مزارع من بلدة كفريحمول، عبّر عن سعادته بالدعم الذي حصل عليه من المشروع، وقال: إن “المدخلات الزراعية التي حصل عليها المزارعون قضت على الآفات الزراعية، وساهمت في زيادة الإنتاج، حيث أعطى كل دونم نحو نصف طن من القمح، بينما أعطى كل دونم مروي ستمئة كيلوغرام”.
وأضاف أبو أيمن أن “المستلزمات الزراعية باتت باهظة الثمن، وبالتالي فإن توزيعها مجاناً علينا، ساعدنا في توفير نحو مئة وأربعين دولاراً موزعة على الشكل التالي (تبلغ قيمة السماد الآزوتي الذي تم توزيعه اثنان وثلاثين دولاراً، المبيدات الحشرية ثلاثين دولاراً، وقود الري أربعين دولاراً، وقسائم الحصاد أربعين دولاراً)، إضافةً إلى أن سعر الطن الواحد من القمح الذي تم تحديده من قبل مشرفي المشروع، أفضل بكثير من السعر المتداول في السوق”.
خبز مجاني لخمسة آلاف عائلة لمدة شهرين
أما المرحلة الرابعة والأخيرة من المشروع، ستتضمن التعاقد مع مخبزين خلال شهري آب وأيلول القادمين، لخبز الطحين الناتج والذي يُقدّر بنحو أربعمائة طن تقريباً، لإنتاج نصف مليون ربطة خبز، وتوزيعها على خمسة آلاف عائلة نازحة متواجدة في نحو خمسة وعشرين مخيماً عشوائياً، حيث ستحصل كل عائلة على ربطة مجانية في اليوم، بينما ستحصل الأسر التي يزيد عدد أفرادها عن عشرة أشخاص على ربطتي خبز.
وقال عدنان لطّوف نازح في مخيم عشوائي قرب بلدة رام حمدان “أوضاع النازحين سيئة للغاية مع انخفاض مستوى الدخل وارتفاع الأسعار التي طالت حتى ربطة الخبز، حيث وصل سعرها إلى ألف ليرة سورية، ونحتاج كل يوم إلى ربطتي خبز، أي ما يعادل ستين ألف ليرة شهرياً ثمن خبز فقط، ولكن مشروع جمعية عطاء سيمنحنا ربطة خبز يومياً لمدة لشهرين، ما يُوفّر علينا مبالغ كبيرة”، لكن سكان المخيمات يأملون بوجود مشاريع دائمة تعينهم على تحمل اكلاف الحياة.
وتحضر جمعية “عطاء” لإطلاق مشروع مماثل في شهر تموز القادم، يدعم المزارعين والنازحين في ريف إدلب، ويتضمن تقديم المستلزمات الزراعية للفلاحين، وشراء زيت الزيتون منهم، وتوزيع ألفيّ عبوة زيت على الأسر الفقيرة والنازحة في عشر قرى تابعة لسلقين، كما سيتم التعاقد مع ثلاثمائة عامل ضمن نظام النقد مقابل العمل، للمساعدة في عمليات تقليم أشجار الزيتون والقطاف.
وتمكن من توثيق نحو ستمائة واثنتين وستين مجزرةً ارتكبتها قوات النظام والميليشيات الموالية له بحق المدنيين، إضافة لتوثيق نحو ثلاثة آلاف ومئتين وخمسة وأربعين شهيداً بالاسم، ناهيك عن توثيقه لكافة الانتصارات التي حققتها فصائل المعارضة خلال تلك السنوات، وأسماء الجمع التي كانت تطلق على المظاهرات.
لم تثنه أيام النزوح التي يعيشها في مخيم الكرامة على الحدود السورية التركية عن مواصلة توثقيه لأحداث الثورة السورية، والتي اعتاد أرشفتها منذ انطلاقها ومشاركته بأحداثها في بلدته “كفرومه” بريف إدلب الجنوبي.
أمام خيمته يجلس الحاج أبو محمد وبجانبه كيس مليء بكراسات وأوراق مختلفة المقاسات والألوان، تركت الأيام أثرها عليها كما فعلت بوجه كاتبها الذي دوّن فيها أحداث الثورة السورية خلال سنوات طويلة، وتمكن من توثيق نحو ستمائة واثنتين وستين مجزرةً ارتكبتها قوات النظام والميليشيات الموالية له بحق المدنيين، إضافة لتوثيق نحو ثلاثة آلاف ومئتين وخمسة وأربعين شهيداً بالاسم، ناهيك عن توثيقه لكافة الانتصارات التي حققتها فصائل المعارضة خلال تلك السنوات، وأسماء الجمع التي كانت تطلق على المظاهرات.
لا تشكل الخيمة الضيقة التي يعيش فيها أبو محمد مناخاً مناسباً للتوثيق اليومي، لكنه مستمر بعمله خوفاً من ضياع بعض الأحداث من ذاكرته، إذ اعتاد سابقاً على قضاء معظم وقته في غرفته بشكل منفرد منشغلاً بتدوين الأخبار التي تعصف في البلاد، إذ كان يجد في هذا المكان راحة نفسية حصل عليها من خلال تفريغه لمشاعره وأفكاره التي جالت بذهنه لسنوات طويلة خلال عمله كحارس ليلي في ثانوية كفرومة، إذ لامس في أوراقه المساحة الآمنة التي بحث عنها منذ أربعة عقود.
فقد أبو محمد اثنين من أولاده خلال سنوات الحرب، لكن ذلك الفقد لم يكسر من عزيمته وانتمائه للثورة التي كان ينتظرها، إذ عرف بمناهضته للنظام السوري منذ شبابه وكان من أوائل الأشخاص الذين شاركوا في المظاهرات السلمية وطالبوا بالحرية.
لم تفلح سياسة النظام القمعية في منع أبي محمد من المشاركة في مجالات الثورة حيث بدأ بتدوين تفاصيلها السياسية والاجتماعية والعسكرية كافة، ليأخذ منحى منفرداً بعيداً عن مكاتب التوثيق والمؤسسات الأرشيفية.
في بداية الثورة وخلال تواجد قوات الأسد في المنطقة عمد أبو محمد إلى تدوين الأحداث التي يتمكن من جمع تفاصيلها، وإخفاء أوراقه في مكان آمن خوفاً من المداهمات التي كانت شبه يومية في ذلك الوقت، لكن بعد سيطرة فصائل الثوار على مدينة كفرنبل في آب 2012 وانسحاب حواجز قوات الأسد من المنطقة أخرج أبو محمد أوراقه وبدأ بعمله بحرية أكبر، حيث أعاد فرزها وترتيبها تبعاً لتواريخها لتسهل عليه مهمة الوصول إلى أي معلومة يريدها.
خلال السنوات الماضية كان أبو محمد يلجأ إلى الأحراش القريبة من بلدة كفرومة ليجلس خالي الذهن مع أوراقه ودفاتره، وهذا ما فقده خلال إقامته في المخيم، فازدحام الخيام والضوضاء المستمرة تمنعه من ممارسة عمله بالشكل الذي يريد.
في مدونات أبي محمد ستجد توثيقاً لانتهاكات ومجازر النظام، إضافة لأوراق عن هموم الناس اليومية ومشاكلهم ومعاناتهم، لتحاكي مدوناته الواقع السوري في مناطق المعارضة كالغلاء والفقر والبطالة، وما رافقها من تحكم للقوى المسيطرة عن طريق فرض الضرائب والإتاوات على الأهالي الذين باتوا تحت خط الفقر.
لم يكتف أبو محمد بتوثيق الأحداث، بل كتب عدداً من القصائد الداعمة للثورة بأسلوب بسيط ولهجة ريفية، متبعا نمط الكوميديا السوداء ليعبر عن القضايا التي يعيشها المواطن.
يقول سليم الزيدان “ناشط إعلامي” إن أوراق أبو محمد تعتبر توثيقاً جيداً لأحداث المنطقة خلال السنوات العشر الأخيرة، وقد تمثل مصدراً خصباً لدراسة وتحليل هذه الفترة خلال الأيام القادمة كما تساهم بالحد من تدخل الجهات الراغبة بتشويه الحقائق في المستقبل”.
عمل أبو محمد لسنوات طويلة بعيداً عن الإعلام، وأخفى حقيقة توثيقه لأحداث المنطقة عن كثير من الناس، ويقول من تحدثنا معهم من أقاربه إنه تميز بمتابعته اليومية للأحداث، ليحصل على مادة مناسبة لأرشيفه، في حين كان يسعى للوصول لبعض الأخبار بشكل غير مباشر، ودون أي يعلم الناس أنه يسأل بهدف التوثيق، ويرى أبو محمد أن العمل الذي يقوم به واجب عليه في سبيل خدمة الثورة التي منحته جزءً كبيراً من حريته المسلوبة، وسيأتي اليوم الذي تخرج به تلك الأوراق من مكمنها لتساهم في فهم تاريخ المنطقة التي يعيش فيها.