فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“البراكيات” في إدلب.. إشغال للأرصفة وحل لأجور المحلات المرتفعة

منيرة بالوش

اقتطع خليل (بائع القهوة) أمتاراً من الحديقة العامة والرصيف المقابل لها في مدينة إدلب، ليقيم عليه “براكية” صغيرة، حاله كحال مئات أصحاب “البراكيات” في المدينة، زودها بمكنة اكسبرس وبعض المواد […]

اقتطع خليل (بائع القهوة) أمتاراً من الحديقة العامة والرصيف المقابل لها في مدينة إدلب، ليقيم عليه “براكية” صغيرة، حاله كحال مئات أصحاب “البراكيات” في المدينة، زودها بمكنة اكسبرس وبعض المواد الغذائية والسكاكر والبسكويت ليجذب الزبائن القادمين إلى الحديقة.

تعرض خليل لعدة مضايقات من المجلس البلدي وتم تهديده بإزالة الـ “براكية” نتيجة الشكاوى التي قدمها مواطنون ضده لإشغاله أحد المرافق العامة، ما أجبره على إجراء ترخيص مؤقت يلزمه بدفع رسوم شهرية للمجلس.

يقول خليل إن عجزه عن استئجار محل في السوق وجلوسه دون عمل دفعاه لإنشاء هذا المكان الذي بات مصدر رزق له.

لصورة لواحدة من "البراكيات" في شوارع إدلب
لصورة لواحدة من “البراكيات” في شوارع إدلب

تنتشر مئات البراكيات في مدينة إدلب وتتنوع المهن التي تضمها “الحدادة، الكومجي، ميكانيك السيارات، حلاقة، مطاعم سريعة، تجارة الألبسة المستعملة وغيرها من المهن التي عجز أصحابها عن استئجار محال نتيجة ارتفاع الأسعار.

يقول أبو وليد الحمصي “صاحب براكية” إن  أجور المحال التجارية تتراوح بين خمسين إلى مئتي دولار شهرياً، بحسب موقعها، وهو ما أجبره على افتتاح “براكية” صغيرة بجانب إحدى المدارس.

تشكل ألواح الزنك والقضبان المعدنية أهم عنصرين في صناعة الـ “براكية”، حيث يتم تثبيت القضبان على الزوايا بمسافات تختلف حسب مساحة الرصيف وبارتفاع نحو مترين ونصف المتر، ثم تفرش بألواح الزنك لتشكل جدران وسقف “البراكية”، ويمكن لصاحبها أن يفكها وينقلها كل فترة إلى مكان جديد قد يراه أنشط لتجارته أو صنعته.

لصورة لواحدة من "البراكيات" في شوارع إدلب
لصورة لواحدة من “البراكيات” في شوارع إدلب

تختلف البراكيات في مقاسها وأحجامها وأنواع الألواح المصنوعة منها والمادة العازلة التي تضاف لها بحسب رغبة الزبون.

يقول أبو ناصر “حداد” تتنوع الألواح المستعملة في صناعة “البراكية” وأقلها سعراً ذات الطبقة الواحدة، وتكون من الزنك فقط، في حين تتوافر ألواح أفضل تتألف من طبقتين تم عزلهما بمادة الفوم وتصل سماكة اللوح الواحد إلى عشر سنتيمترات، وتتراوح أجور تفصيل البراكية بين خمسمئة إلى ألف وخمسمئة دولار حسب قياسها والمواد المستخدمة في تجهيزها.
يرغب أصحاب المصالح باقتناء “براكية” مستعملة لتوفير بعض النقود واستعمالها في إكساء المكان وتزويده بالبضائع، بحسب أبو ناصر.

بالقرب من مسجد سعد في حي الثورة يضيق الطريق المجاور لحديقة “ألمازة” بالمارة ويصعب على السيارات عبوره في فترات الازدحام نتيجة ارتصاف “البراكيات” على جانبي الطريق ما حوله لسوق لبيع الأقمشة.

يعتبر الحاج أبو أحمد “مقيم في إدلب” أن البراكيات زاحمت المارة في الشارع وأخذت حقهم في السير على الرصيف، حيث تشغل مساحة واسعة من الأرصفة والأماكن العامة ما يجبر المارة على السير ضمن الطرقات.

وكذلك منع أصحاب “البراكيات” السيارات من الوقوف أمامهم حتى لا تحجبها عن الزبائن، وبالتالي لم تعد مواقف السيارات مفعلة كما يجب، لتخفف من أزمة الازدحام في السوق.

يقول أبو أحمد: “لم تعد إدلب كما كانت من قبل فالكثافة السكانية عالية وتظهر أثناء تجوالك في الأسواق، حيث ساهمت “البراكيات” التي شغلت الأرصفة في هذا الازدحام.

 

وكان مجلس مدينة إدلب قد أصدر قراراً في الثلاثين من شهر تشرين الثاني الماضي يقضي بإزالة جميع القواطع والحواجز من على الأرصفة بما فيها “البراكيات” التي تمنع المواطنين من استعمال الأرصفة، إلا أن المجلس لم يطبق القرار وذلك لنيته إنشاء سوق بديلة تستوعب تلك “البراكيات” الموجودة في المدينة ولا تتسبب بقطع أرزاق أصحابها.

يقول خير الدين السيد عيسى رئيس مجلس مدينة إدلب إن المجلس البلدي يسعى لتوفير مواقع بديلة “للبراكيات”، والتي يبلغ عددها  أربعمئة براكية منتشرة في عموم المدينة لذلك توقف المجلس عن منح الرخص لافتتاح أي واحدة جديدة.

يتقاضى المجلس البلدي رسوماً تتراوح بين ثلاثين إلى مئة ليرة تركية بشكل شهري عن كل براكية بحسب مساحتها، ويرى السيد عيسى أنه مبلغ رمزي يتقاضاه المجلس مقابل إشغال الرصيف ولا يقارن بأجور المحال التجارية.

ووضح “سيد عيسى” أن الهدف من إنشاء السوق البديلة هو تخفيف الازدحام والتجمعات في الأسواق الرئيسية، حيث سيتوزع أصحاب البسطات على جميع الأسواق بشكل يتناسب مع المناطق المكتظة بالسكان كأحياء الثورة والضبيط ووادي النسيم ومشروع الزير.

لصورة لواحدة من "البراكيات" في شوارع إدلب
لصورة لواحدة من “البراكيات” في شوارع إدلب

تصميم الأسواق الجديدة سيكون وفق نموذج موحد، ويختص كل سوق منها ببيع سلعة معينة وسيتم توزيع تلك الأسواق في أحياء المدينة، “سوق جانب دوار الكستناء من جهة الشرق، وسوقاً آخر جانب فندق الكارلتون، وسوق قرب مرآب البلدية، في حين سيتحول سوق الخضار لسوق للفضيات والأدوات التراثية. وبذلك سيتم إزالة “البراكيات” من جميع الطرقات والمرافق العامة ويمكن بيعها في المنطقة الصناعية لأصحاب مهن الميكانيك والكهرباء بحسب المجلس البلدي”.

يرى من التقيناهم أن تلك الخطوة ستجبرهم لدفع تكاليف نقل إضافية للوصول إلى السوق المطلوب، ناهيك عن صعوبة التنقل بين الأسواق، كما سيخسر الزبائن جانب المنافسة الذي ينتهجه أصحاب تلك “البراكيات” بعروض الأسعار، أما فيما يخص المواطن فسيضطر للتوجه نحو الأسواق للحصول على طلباته التي كانت توفرها “البراكيات” بعروض أسعار أقل من تلك المعروضة في المحلات.

“التقطيع” طريقة نقل مجانية وغير آمنة في إدلب

سيرين مصطفى

تقف أم علاء على حافة الطريق، القريب من المستشفى النسائي بـ “أطمه” شمالي إدلب، تلتقط أنفاسها المتسارعة بعد مسير طويل لتنتظر سيارة عابرة على أمل أن تقلها إلى منزلها بقرية […]

تقف أم علاء على حافة الطريق، القريب من المستشفى النسائي بـ “أطمه” شمالي إدلب، تلتقط أنفاسها المتسارعة بعد مسير طويل لتنتظر سيارة عابرة على أمل أن تقلها إلى منزلها بقرية قاح.

أم علاء لم تكن وحدها فقد اعتاد المسافرون الوقوف في هذا المكان، لأن السيارات مضطرة لتخفيف سرعتها في هذه النقطة ما يسمح بتوقف بعضها لحمل بعض الركاب معه.

يعمد أشخاص في إدلب لإيقاف السيارات العابرة أو الدراجات النارية للركوب معهم  بشكل مجاني إلى الأماكن التي يقصدونها، لاسيما بعد ارتفاع أسعار المحروقات والتي انعكست بشكل سلبي على أجور النقل، وقد يستقل الراكب أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى هدفه وتسمى هذه الطريقة بـ “التقطيع” .

يتوقف بعض السائقين بشكل طوعي لنقل هؤلاء الركاب لاسيما في أوقات الحر والبرد، بينما يتجاهلهم آخرون لأسباب عدة أهمها الخوف من الغرباء.

طال انتظار أم محمد لأكثر من ربع ساعة ما أجبرها على الركوب مع صاحب سيارة بيك آب خاصة ينقل الركاب المتواجدين على مفارق الطرق بأجور أقل من سيارات النقل العامة، إذ باتت هذه الوسيلة مصدر دخل لكثير من أصحاب السيارات الخاصة.

يتخوف سائقون من الاستجابة للواقفين في الطرقات، ويتناقلون قصصاً لحوادث سرقة كان ضحاياها على الأغلب من أصحاب المركبات التي تم إيقاف صاحبها بهدف طلب المساعدة أو الركوب معه نحو وجهته وتم بعدها سلبه ممتلكاته أو سيارته في بعض الأوقات، في حين كان البعض أوفر حظاً واكتفى السارق ببعض الأغراض الموجودة ضمن السيارة.

يقول أبو سامر “سائق سيارة تكسي ” إنه نقل معه في إحدى أسفاره طفلان تبدو عليهما علامات التعب في أحد طرقات “التقطيع” ، وبعد إيصالهما إلى أول المدينة اكتشف أنهما قاما بسرقة بعض الأغراض والأدوية التي كان قد اشتراها أثناء عودته للمنزل.

بينما قد يكون راكب “التقطيع” عرضة للخطر في مواضع أخرى يقول محمد كرمو “نازح في أطمة” نجوت من عملية سطو أثناء ركوبي مع سائق دراجة لا أعرفه، فقد عرف السائق من حديثي أنني بعت دراجتي النارية وأحمل ثمنها في جيبي فزاد من سرعته وغير الطريق الذي كنا نسلكه ورفض التوقف حين طلبت منه ذلك ما أجبرني على القفز عن الدراجة عند أول مطب يعترض طريقنا وفررت بعيداً عنه”.

يتجاهل أبو صابر” صاحب سيارة خاصة” المخاطر التي يتحدث عنها الناس، ويتوقف لكل من يراه في طريقه لمساعدته ونقله من منطقة إلى أخرى، يقول إن نقلهم لن يزيد من تكلفة سيارته في حين يشعر أبو صابر بالمتعة عند رؤية ابتسامة الركاب وسماعه تمنياتهم له بالتوفيق والرزق الوفير.

يعلم أبو صابر أن توقفه للغرباء قد يجلب له المتاعب وقد يعرضه لخطر السرقة، لكنه يتجاهل مخاوفه في سبيل نشر الخير بين الناس “أنا بطالعه معي وبسلم أمري لله”.

يرى من التقيناهم أنهم مضطرون للركوب مع أي سيارة عابرة نتيجة ارتفاع أجور السيارات الخاصة، وقلة السيارات العامة العابرة على هذا الطريق لكنهم يتبعون وسائل يجدون أنها قد تؤمن لهم بعض الحماية مثل الخروج رفقة صديق أو الخروج بشكل جماعي وتجنب السيارات العابرة على الطرق غير المأهولة.

بينما تضحك أم علاء حين نسألها إن كانت تخشى الركوب مع الغرباء وتقول “ابن الحلال الله بيبعتله ابن حلال متله والحامي الله”.

سكان مخيم الركبان دون طحين.. والفرن الوحيد أغلق أبوابه

فريق التحرير

تضيق خيارات أم محمد أثناء تفكيرها بالوجبة التي يجب أن تحضرها اليوم لعائلتها، فقلة المواد الغذائية المتوافرة في مطبخها وفقدان الخبز في مخيم الركبان يجبرانها على الاعتماد على الأرز أو […]

تضيق خيارات أم محمد أثناء تفكيرها بالوجبة التي يجب أن تحضرها اليوم لعائلتها، فقلة المواد الغذائية المتوافرة في مطبخها وفقدان الخبز في مخيم الركبان يجبرانها على الاعتماد على الأرز أو البرغل بشكل رئيسي.
تقول إنها كباقي سكان المخيم يبحثون عن الأطعمة التي يمكن أن يستغنوا فيها عن الخبز الذي باتت تعده بيدها معتمدة على بقايا الطحين المتوفرة في منزلها، وتتوقع أن تنتهي مدخراتها من الطحين خلال أسبوع.
توقف فرن مخيم الركبان “على الحدود السورية الأردنية” عن إنتاج الخبز منذ نحو أسبوع نتيجة فقدان مادة الطحين، ما شكل أزمة جديدة لما يزيد عن سبعة آلاف نسمة يعيشون في المخيم ضمن حصار فرض عليهم من قبل قوات الأسد.

توقف الفرن الوحيد في مخيم الركبان عن العمل -فوكس جلب
توقف الفرن الوحيد في مخيم الركبان عن العمل -فوكس حلب

يحتاج الفرن لطن طحين واحد يومياً ليلبي حاجة سكان المخيم، ويقول أبو بلال الحمصي صاحب الفرن إنه يعاني منذ بداية العام في تأمين مادة الطحين، وكان يملك في مخبزه نحو مئتي كيس طحين كمخزون احتياطي اضطر لاستهلاكها خلال الفترة الماضية.
ارتفع سعر كيس الطحين بوزن خمسين كيلو غرام من ثمانية وثلاثين ألف ليرة سورية  إلى خمسة وستين ألف ليرة تم دفعها في آخر مرة تمكن فيها أبو بلال من شراء الطحين، وباع كيلو الخبز بألف ليرة.

التهريب شريان مخيم الركبان

يعتمد الأهالي على طرق التهريب لإدخال المواد الغذائية بما فيها الطحين إلى المخيم ما أدى لارتفاع أسعارها، بحسب عبد القادر الخالد “مقيم في المخيم”. يقول إن حصار قوات الأسد للمخيم منذ ثلاث سنوات دفعهم للاعتماد بشكل كامل على المهربين الذين يدخلون المخيم من مناطق سيطرة النظام، ما أجبر الأهالي على دفع قيمة السلع مضاعفة في بعض الأحيان.

مناطق النظام هي المصدر الوحيد لمادة الطحين وقد انعكست أزمة الخبز التي تعيشها تلك المناطق على عمل المهربين. يقول أبو مشاري “مهرب” إنه اعتاد إدخال مادة الطحين إلى المخيم من مناطق سيطرة النظام السوري عن طريق تهريبها تحت الأعلاف، لكنه عجز خلال الشهر الماضي عن إدخال أي كيس طحين للمخيم بسبب صعوبة تأمينه في مناطق النظام وتضاعف أسعاره.
وصل سعر كيس الطحين سعة خمسين كيلو غرام إلى سبعين ألف ليرة وفي حال تمكن المهرب من إدخاله إلى المخيم سيصل سعره إلى خمسة وثمانين ألف ليرة، وهو ما يعتبره سكان المخيم مبلغاً يصعب عليهم تأمينه نتيجة ظروفهم الاقتصادية السيئة، لاسيما بعد إيقاف الأمم المتحدة لدعمها عن المخيم.

الأزمة الأقسى

يرى من التقيناهم من سكان المخيم أن النظام يستمر بحصارهم لإرغامهم على العودة إلى مناطق سيطرته وإغلاق ملف المخيم.

مناشدات أهالي مخيم الركبان لفك الحصار -فوكس حلب
مناشدات أهالي مخيم الركبان لفك الحصار -فوكس حلب

رأفت الشليل مقيم في مخيم الركبان منذ 2015 يقول إنه منذ نزوحه من مدينته تدمر إلى المخيم لم يعش قسوة الحياة كما يعيشها اليوم، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانقطاعها بين الحين والآخر، ناهيك عن استغلال التجار والمهربين حاجة الناس لتلك المواد بهدف جمع مرابح إضافية.

يفكر رأفت بالعودة لمناطق النظام ويصف العملية بـ “الرحيل من الجحيم الأصغر للجحيم الأكبر”، لأنه متخلف عن الخدمة الإلزامية ومطلوب للأمن السوري بسبب مشاركته في الحراك الثوري، ويعلم أنه سيلاقي مصير السجن أو الموت في حال عاد لمناطق النظام، ولكن لم يعد لديه حل آخر لينجي أطفاله الثلاثة وزوجته من الموت جوعاً في المخيم .

يقول رأفت إن عائلته لم تأكل رغيف خبز منذ أربعة أيام ويعتمدون كباقي أهالي المخيم على البرغل والأرز والذي قد لا يتوفر دائماً، ويبلغ ثمن كيلو الأرز خمسة آلاف ليرة سورية، وهو مبلغ كبير على رأفت ما يدفعه للاستدانة من المحلات التجارية والتي باتت ترفض إقراضه مؤخراً لأنهم يعلمون أنه لا يملك أي عمل يساعده على سداد ديونه، نتيجة غياب فرص العمل في المخيم.

يقول من تحدثنا معهم من أهالي الركبان إنهم يعيشون بمعزل عن العالم الخارجي وتتجاهل الدول معاناتهم التي يعيشونها بشكل مستمر منذ بداية الحصار، وناشدوا الأمم المتحدة والدول المؤثرة في الشأن السوري للتحرك بشكل عاجل لإدخال المساعدات الغذائية للمخيم.

محمد الحافظ 

“مبادرة مسارات التعليمية” أول منصة تفاعلية للتعليم عن بعد في إدلب

 محمود البكور

يتلقى نحو ألفين وثلاثمائة طالب من مناطق المعارضة السورية تعليمهم عن بعد ضمن “مبادرة مسارات التعليمية” التي أطلقت منصتها منذ عام. تقدم المنصة المناهج التعليمية للمرحلة الإعدادية والصف الأول الثانوي […]

يتلقى نحو ألفين وثلاثمائة طالب من مناطق المعارضة السورية تعليمهم عن بعد ضمن “مبادرة مسارات التعليمية” التي أطلقت منصتها منذ عام. تقدم المنصة المناهج التعليمية للمرحلة الإعدادية والصف الأول الثانوي والشهادة الثانوية ضمن دروس تفاعلية تتم بين المدرسين وطلابهم.

يقول ياسر مدللة مؤسس ومنسق “مبادرة مسارات التعليمية” إن “الظروف الأمنية التي عاشتها البلاد، وانتشار جائحة كورونا  العام الماضي شكلا أهم الأسباب لانطلاق المنصة وتحويلها لصلة وصل بين الطلاب ومدرسيهم، بهدف نشر المعرفة وإيصالها للطلاب العاجزين عن متابعة دراستهم في المدارس العامة، كما شكلت الدروس التي تتوفر على منصات المبادرة رافداً علمياً إضافياً لطلاب المدارس للحصول على فهم أشمل يساعدهم في الوصول للمعلومة التي لم يتمكنوا من الحصول عليها أثناء دوامهم المدرسي”.
انطلقت المبادرة مع طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، وتمكنت من تعليم كامل المنهاج لنحو أربعمئة طالب وطالبة، ويقول “مدللة”  إنهم الجهة الوحيدة في سوريا التي قدّمت التعليم عن بعد ضمن صفوف تفاعليّة بين المعلم والطالب بشكل مباشر.

تقدم “مبادرة مسارات التعليمية” تعليماً مجانياً لطلابها عبر دروس تفاعلية تجمع الطلاب مع المعلمين ضمن تطبيق  Microsoft Teams وقال “مدللة” إن حجم المشاركة والتفاعل الذي لمسوه من الطلاب أثناء إشرافهم على الدروس عكس نجاحهم في إيصال المعلومة للطلاب، حيث يقوم المعلم بشرح الدرس ويبدأ الطلاب بطرح الأسئلة والمداخلات بعدها لضمان وصول المعلومة بشكل صحيح.

بدأ في آب الماضي رفع المحتوى العلمي على منصات مسارات التعليمية لإتاحته للطلاب بصورة غير تفاعلية، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن تم رفع ألف وسبعمائة فيديو على قناة مسارات في يوتيوب، ووصل عدد المشتركين في القناة لما يزيد عن ألف، بحسب مدللة الذي قال إن الفيديوهات المرفوعة على اليوتيوب حققت أكثر من ألف وتسعمائة ساعة مشاهدة في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ونحو ألفا وثلاثمائة مشترك من الطلاب المنتشرين في مناطق شمال غرب سوريا. ما يدل على وصول محتوى “مسارات” التعليمي للطلاب.

يعمل ضمن المبادرة مئة متطوع، واحداً وثمانين منهم خارج سوريا وتسعة عشر متطوع في الداخل السوري، يسعون لضمان استمرار العملية التعليمية رغم الظروف القاسية التي تعيشها إدلب. ولمسارات مركز في مدينة إدلب يتم ضمنه إدارة المنصات وتسجيل الدروس التعليمية من قبل المدرسين وبثها من قبل الفريق التقني.

تضم المنصة نحو ألفين وثلاثمائة طالب وطالبة بينهم ألف وثمانمائة من سكان المخيمات، ويعتبرون المستفيد الأكبر من خدمات المنصة التعليمية.

يقول عبد الرزاق الماضي قائد فريق الإعلام ضمن “مسارات” إنهم قدموا التعليم المجاني بطرق احترافية، وباستخدام منصات تعليم خاصة بالمبادرة جعلت المناهج التعليمية في متناول جميع الطلاب في أي مكان وزمان.

ويرى ماضي أن الخدمات التي قدمتها المبادرة ساعدت عدداً من النساء المنقطعات عن الدراسة والطلاب المتسربين من مدارسهم بالعودة لها كما احتضنت “مبادرة مسارات التعليمية” الطلاب على اختلاف أعمارهم وظروفهم لتؤمّن لهم التعليم مجاناً.

يمكن للطلاب التسجيل عبر موقع المبادرة وصفحتها الرسمية على فيس بوك، و بعد أن ينضم الطالب للمبادرة يستطيع التواصل مع المعلمين والمعلمات سواء عبر الاتصال الهاتفي أو التواصل النصي أو الإيميل، كما يستطيع التواصل مع قسم التوجيه التربوي إضافة لقسم الدعم الفني المتواجد على مدار الساعة للإجابة عن استفسارات الطلاب وحلّ الاشكالات الفنية أو التقنية التي قد تواجههم.

منحت المبادرة فرصة إكمال التعليم لعشرات الطلاب العاجزين عن الوصول إلى مدارسهم، تقول نور الحسين طالبة مقيمة في مخيمات أطمة “لم أتمكن من إنهاء المرحلة الإعدادية بسبب ظروف التنقل والنزوح، لكن بفضل المنصة استطعت الوصول لكافة المواد والمناهج وأتابع أيضاً الجلسات التفاعلية التي تنشرها المنصة على أمل أن أحقق نتيجة جيدة في الشهادة الإعدادية هذا العام”.

تتمنى نور أن تتوسع المبادرة لتشمل الصفوف الدراسية كافة، لأنها ستشكل حافزاً لها ولأقرانها للاستمرار في تعليمهم خاصة أنها توفر المواد المسجلة عبر منصات للوصول إليها دائماً.

مركز اقرأ يستعيد نشاطه الثقافي في مدينة بنش

يوسف البدوي

ينشغل أبو سعيد بترتيب وفهرسة الكتب على رفوف المكتبة لتسهيل عملية الوصول إليها في مركز اقرأ الثقافي الذي أعيد افتتاحه منذ نحو شهر، وسط مدينة بنش شمالي إدلب وضمن قبو […]

ينشغل أبو سعيد بترتيب وفهرسة الكتب على رفوف المكتبة لتسهيل عملية الوصول إليها في مركز اقرأ الثقافي الذي أعيد افتتاحه منذ نحو شهر، وسط مدينة بنش شمالي إدلب وضمن قبو أرضي تم اختياره لتوفير حماية أكبر لرواد المركز ومقتنياته.

في المركز  ثلاث قاعات رئيسية، تطالعك المكتبة فور دخولك للمكان، على اليسار باب يأخذك لقاعة مخصصة للدورات التعليمية، بينما تتمركز قاعة الندوات والاجتماعات على يمين المكتبة.

يقول أبو سعيد “مدير مركز اقرأ الثقافي ” إن العمليات العسكرية عطلت عملهم في العام الماضي، وأجبرتهم على نقل محتويات المركز من مجلدات وكُتب ومَعدات إلى قرية ترمانين شمالي إدلب كخطوة أولى، لكن تقدم قوات النظام في ريف حلب الغربي دفعهم لنقلها مرة أخرى إلى عفرين أملاً بتوفير حماية أكبر لها.

بين رفوف المكتبة، تطالعك عشرات الروايات العالمية المترجمة، ومجلدات لكتب دينية وفكرية وتعليمية وتنموية، بعضها نسخ قديمة تمت طباعتها قبل نحو ثمانين عاماً، يقول أبو سعيد إنه حصل عليها من ثانوية بنش العامة بعد تعرضها للقصف.

يقدم المركز خدمة إعارة الكتب ضمن مدة زمنية محددة، ووفقاً لأوراق شخصية تثبت اسم الشخص لضمان إعادتها.

تأسس مركز اقرأ الثقافي منذ أربع سنوات، أقام خلالها عشرات الدورات في مجالات مهنية وتعليمية متعددة، وأصبح مقصداً للطلاب وهواة المطالعة لما كان يوفره من خدمات وهدوء للقارئ، إضافة إلى صالة مرفقة بالمكتبة لضمان راحة القارئ، بحسب أبو سعيد.

يقول سامي بكور “طالب شهادة ثانوية” إنه بادر للتسجيل في إحدى دورات المركز بعد افتتاحه للاستفادة من الدورات التعليمية التي ينظمها المركز.

بينما تقول بيسان دياب “معلمة” إنها تلقت في المركز تدريبات عديدة،  مثل الإسعاف الأولي ودورات التنمية البشرية وأسس الإلقاء ما منحها معرفة أكبر وقدرة على التعامل مع طلابها ضمن الدورة التي تقدمها اليوم بنفسها “صناعة النجاح”.

الأوضاع الأمنية وانتشار فايروس كورونا وتغيير مكان المركز نتيجة ارتفاع إيجار المكان القديم أثر على عمل المركز، وتم إيقاف عدد من النشاطات التي كان يقدمها لكن أبو سعيد يأمل بعودة قوية للعمل من جديد.

تغيب المراكز الثقافية عن جدول أعمال المنظمات الإنسانية، ويرى العاملون في المجال الثقافي أن دعم المراكز الثقافية لا يقل أهمية عن باقي المجالات الإنسانية ويأملون بالحصول على اهتمام أكبر في الأيام القادمة.

 يوسف البدوي 

 

الأرشيف السوري: كي لا تضيع الحكاية

فريق التحرير

إن الحاجة إلى الأرشيف السوري جاءت وليدة واقعٍ عاشته البلاد وكان لا بدّ من مواجهته، وهو حفظ كمٍّ هائلٍ وغير مصنّف من المحتوى الذي وثّقته الكاميرات وحملها الناشطون على وسائل التواصل ما يجعل استدامتها مهددة على الدوام.

انطلقت مبادرة الأرشيف السوري في العام ٢٠١٤ بجهود مجموعةٍ من الباحثين والصحفيين والتقنيين وخبراء الأمن الرقمي، ممّن عملوا في مجالات حقوق الإنسان والتحقّق الرقمي والتقنيات مفتوحة المصدر ومنهجيات الاستقصاء والتحقيق على مدى سنوات. وكان من بين الأهداف الموضوعة للمبادرة، بحسب ما تشرح عن نفسها في موقعها الرسمي، أن تعمل على صون وتحسين واستدامة الوثائق المتعلّقة بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الأخرى المُرتكبة من قبل جميع أطراف النزاع في سوريا، في مسعىً لتوظيفها في قضايا المناصرة والعدالة والمساءلة القانونية.

وتعمل مبادرة الأرشيف السوري، التي هي واحدةٌ من مشاريع منظمة نيمونيك Mnemonic المعنية بأرشفة المواد الرقمية المُهدّدة بالاختفاء، في الوقت الراهن على عددٍ من المشاريع: منها ما هو مُكرّسٌ لاستعادة المحتوى المفقود من مختلف الوثائق البصرية المتعلّقة بمجريات الأحداث في سوريا منذ العام 2011. وبالفعل، استطاع الأرشيف حتى الآن استعاد أكثر من 350 ألف فيديو كانت قد أُزيلت في أوقاتٍ سابقة من منصات الشبكات الاجتماعية. ومن مشاريعها أيضاً أنسَنة الذاكرة الرقميّة السوريّة، الذي يركّز الجهود على توثيق ودراسة الذاكرة الرقمية السورية. 

في الوقت نفسه، يعمل الأرشيف، بشكلٍ متواصل، على التحقّق من البيانات التي يقوم بجمعها من مصادر متنوعة وحفظها، فضلاً عن بناء الأدوات وتدريب الناشطين على آليات الأرشفة المُستدامة، وكذلك التواصل مع المنصات المعنية في هذا الشأن للحدّ من الآثار السلبية لسياساتها على استدامة المحتوى الخاص بكلٍّ منها. 

ويمكن من خلال مطالعة الموقع الرسمي للأرشيف، التعرّف على الأدوات والمنهجيات التي يستخدمها الفريق في عمله، لا سيما المتعلقة بمراحل عملية التوثيق والأرشفة أو بناء التحقيقات اعتماداً على محتويات الأرشيف والأدوات التقنية التي تتيحها مصادر المعلومات المفتوحة. كما بالإمكان مطالعة عددٍ من التحقيقات المُنجزة والمنشورة ومنهجيات بنائها، والتي تتركّز في معظمها حول الانتهاكات التي يتعرّض لها المدنيون والمرافق العامة على يد جهاتٍ عديدة منخرطة في الحرب السورية، على رأسها قوات النظام السوري وروسيا.

سير العمل وفقاً لما نشره موقع الأرشيف السوري على موقعه الإلكتروني
سير العمل وفقاً لما نشره موقع الأرشيف السوري على موقعه الإلكتروني

أجرى موقع فوكس حلب لقاءً مطوّلاً مع عبد الرحمن جلود، الباحث في الأرشيف السوري، للحديث عن بدايات الأرشيف والخطوات التي استطاع تحقيقها بعد قرابة خمسة أعوامٍ من تأسيسه.

التأسيس

يبدأ جلود كلامه من الدوافع التي كانت تقف وراء إطلاق المبادرة، فيقول:

«إن الحاجة إلى الأرشيف السوري جاءت وليدة واقعٍ عاشته البلاد وكان لا بدّ من مواجهته، وهو حفظ كمٍّ هائلٍ وغير مصنّف من المحتوى الذي وثّقته الكاميرات التي حملها السوريون منذ انطلاقة الانتفاضة على “يوتيوب” الأمر الذي جعل استدامة هذا الأرشيف مُهدّدة على الدوام؛ كونه يُحفظ في مكانٍ لا يُعنى بالحالة السورية على وجه الخصوص، وغير مُدركٍ لقيمة الوثائق التاريخية التي يحتويها».

ويضيف جلود: «إذاً، كان الهدف الأول للأرشيف السوري هو أن ينظّم ويحمي هذه البيانات المُخزّنة لدى مواقع التواصل الاجتماعي لأنّ كل مقطع مصوّر في سوريا يوثق لحظةً تاريخيةً أو انتهاكاً لحقوق الإنسان، علاوةً على أنه يوثّق حياة الناس الذين عاينوا تلك الفترة فكانوا صنّاعها وشهودها وضحاياها. أيضاً، كان الأرشيف السوري في أذهاننا بمثابة المكان الذي سيعود إليه الصحفيون والمؤرخون والباحثون ليجدوا أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات الخارجة من سوريا منذ العام 2011».

الحرب الأكثر توثيقاً في التاريخ

لعلّ حفظ وإدارة وتحليل الوثائق البصرية من بين أبرز المسائل التي يسعى الأرشيف السوري للعمل عليها، ولكنّ هذه المهمة في غاية التعقيد، لا سيما أنّ المحتوى السوري شديد الضخامة، ويمثّل حالةً فريدةً من نوعها لناحية أنّ كثيراً من الأحداث التي عاشتها البلاد مصوّرة أكثر من الحدث نفسه، فبدل أن يكون هناك كاميرا واحدة توثّق الحدث، كان هناك العديد من الكاميرات التي تصوّر في الوقت نفسه، وهذا يعني كميةً ضخمةً من الفيديوهات التي تحتاج للعمل عليها. تعليقاً على ذلك، يقول جلود إنّ الأرشيف يضمّ اليوم «أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة رقمية»، موضحاً أنّ طرق المعالجة «معقدة بسبب ضخامة المحتوى، فالأرشيف يعمل على مستويين: الأول هو العمل اليدوي وتنظيم البيانات يدوياً، والثاني من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي»

وتظهر البيانات التي ينشرها الأرشيف السوري في موقعه الرسمي أنه حلّل يدوياً ومن خلال الذكاء الاصطناعي 650 ألف فيديو. ويشير جلود إلى أنّ عملية المعالجة هذه تستغرق وقتاً طويلاً «لأنّ معالجة المحتوى الذي يوثّق انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان يختلف عن مواضيع الذاكرة من ناحية المنهجية، كما تختلف طرق معالجته والزمن المطلوب لإنجاز العمل عليه».

ليس المحتوى الضخم وحده الذي يعترض عمل الأرشيف، وذلك بالرغم من محدودية عدد العاملين فيه، بل التحدي الأبرز بحسب جلود هو «بناء علاقات الثقة مع صانعي المحتوى الذين وثّقوه من الناشطين، وهو تحدٍّ سيظلّ مستمراً لأن البيانات التي يحتويها الأرشيف ليست ملكه، وإنما ملك لصنّاعها، ومن بينهم أناسٌ قد قُتلوا أو تعرضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري، وهذا يخلق بدوره تحدياً آخر يتعلق بإمكانية الوصول إلى أصحاب المواد والاتفاق معهم على صيغ الاستخدام وكيفياته مستقبلاً».

وفي السياق ذاته، لا تقتصر أهمية الوصول إلى المصورين وصنّاع المحتوى والتواصل معهم على جزئية استخدام الوثائق التي أنتجوها بحسب جلود، فهم «لم يوثّقوا فقط، بل كانوا شهوداً ولهم دور كبير في عمليات المناصرة»

كيف تؤرشف المبادرة الوثائق؟

إنّ وثائق الأرشيف السوري ليست ماديةً بالمعنى الفيزيائي، وإنما رقمية، ولذا فإنّ القسم الأكبر من الفريق العامل في الأرشيف هم من التقنيين الذين طوّروا، منذ إطلاق الأرشيف، برمجيات (سوفتويرات) تتيح الأرشفة بشكلٍ سريع. يقول جلود: “إن الأرشيف السوري يعمل على حفظ المحتوى البصري والرقمي بداية، مع أخذ نسخة متعددة من البيانات الوصفية لحماية المعلومات الأصيلة، ومن ثم تُحفظ المواد مُصنّفةً في خواديم (سيرفرات) على ثلاثة مستويات: السيرفر الداخلي وفيه كامل المحتوى، وسيرفر أونلاين للبيانات التي قام الأرشيف بتحليلها ومعالجتها، وسيرفر ثالث لكامل المحتوى أيضاً ومُخصّص للحفظ طويل الأمد».

ليست هذه المستويات الثلاثة من الحفظ وحدها التي يكتفي الأرشيف بالحفاظ عليها، بحسب ما يشير جلود، وإنّما هناك عدة نسخ احتياطية موجودة في أماكن مختلفة حول العالم، وذلك «لضمان بقاء واستدامة محتوى الأرشيف كاملاً في حال تعرّض الخادوم غير المرتبط بالإنترنت (السيرفر الأوفلاين) إلى أي تلف أو فقد. 

من خلال مستويات ومراحل الأرشفة التي يشرحها جلود، نرى أنّ هذه العملية تتعلق بشكلٍ أساسي بالمحتوى المنشور أصلاً في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن ماذا عن المحتوى الذي يملكه أشخاص ومؤسسات لم يُشاركوه مع العموم في مواقع التواصل؟ يجيب جلود بأنّ «نظام الأرشفة لا يتغير، غير أننا في هذه الحالة نتلقى طلباتٍ بالأرشفة من أشخاص ومؤسسات إعلامية. وبالفعل، لدينا مئات الجهات التي تخزن أرشيفها غير المتاح للعموم».

ويتابع جلود عن الآلية التي يتم من خلالها تقديم الطلب وبدء الأرشفة على خوادم الأرشيف: «نوقّع اتفاقيةً مع أصحاب المحتوى تنصّ على ضمان ملكيتهم لحقوق البيانات التي يشاركونها مع الأرشيف، وتؤكّد على أن الهدف من ذلك هو عملية الحفظ فقط، لكنها تشير إلى أنّ الفيديوهات المُتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي تُطلب من الأرشيف لتوظيفها في بناء ملفات حقوقية وقضائية سيعود بخصوصها إلى أصحابها الأصليين لطلب موافقتهم قبل السماح باستخدامها»

إلى ذلك، يمكن لأي شخص أو مؤسسة التواصل مع مبادرة الأرشيف السوري لحفظ وأرشفة المحتوى الذي بحوزتهم، وهنا لا يطلب الأرشيف سوى التأكد من هوية الشخص أو الجهة المُتقدّمة بالطلب، وحجم المواد وطبيعتها، وذلك بهدف التأكد من عدم وجود عوائق أخلاقية أو أمنية مُتعلقة بأمن البيانات.

ماذا عن استدامة المبادرة؟

الأرشيف السوري ليس مبادرة أو منظمة سورية محلية، وإنما مشروعٌ يتبع لمؤسسة أكبر هي نيمونيك Mnemonic، وهذه المنظمة تعمل على مشاريع الأرشفة في عددٍ من الدول؛ كسوريا واليمن والسودان، وهو ما يمنح المشروع استقراراً على المدى البعيد. بحسب هادي الخطيب (مدير الأرشيف السوري) والذي يضيف إن ما يمنح هذه الاستدامة استقراراً أكبر يعود لعدة أشياء منها تعدد مصادر التمويل، وتقديم خدمات مأجورة تخص التدريب والأرشفة، إضافة للشراكات مع المؤسسات الصحفية والمنظمات الدولية، كذلك البنية التحتية والمخدمات التي تملكها المؤسسة.

 فضلاً عن ذلك، يقول الباحث جلود:

«إن الأرشيف يقدم خدمة حفظ المحتوى عبر الاستضافة المجانية للمؤسسات الإعلامية والناشطين في مواقع التخزين السحابي مثل دروبكس وغوغل داريف وغيرها، وهو ما يحقق القدرة على حفظ المحتوى لمدة عشرين عاماً دون كلفة

ويضيف: «لقد كان هذا موضوع الاستدامة هاجساً لنا منذ البداية، وهو ما دفعنا لإنشاء بنى تحتية رقمية قادرة على حفظ البيانات لأطول فترةٍ ممكنة، ليس في مواجهة نقص التمويل فقط، وإنما لمواجهة ظروف أخرى قد تعرّضنا إلى هجمات أمنٍ رقمي أوتلف تقني أو الأخطاء البشرية”. 

مشاريع الأرشيف

منذ انطلاقة الأرشيف السوري كان مُقسماً إلى عدة مشاريع، بدايةً من الحفظ والأرشفة التي هي جزءٌ أساسي من عمل الأرشيف، ولكنّ الأهم هو البناء على هذا الأرشيف من خلال تصنيف الوثائق البصرية وفهرستها وجعلها متاحةً للمنظمات الحقوقية لكي تبني دعاوى قانونية على أساسها، فهو يساعد في عمل المجموعات الأخرى سواء الصحفية أو الحقوقية أو جهات الادّعاء. 

كذلك، للأرشيف دورٌ في بناء ودعم دعاوى قانونية من خلال محفوظاته والتحقيقات التي يقوم بها. في حين أنّ جانباً آخر من مشاريع الأرشيف يركّز على بناء ذاكرة رقمية بخصوص الأحداث من خلال ذاكرة المصورين، وذلك عبر التواصل معهم وجمع شهاداتهم حيال مختلف الأحداث التي عايشوها. وكذلك التحقيق في الانتهاكات من خلال ما يتم نشره من تحقيقات حول استهدافات معينة تخص البنى التحتية والمرافق العامة (مشافي -أسواق..).

سردية تاريخية للحرب السورية؟

أحدثت حكومة النظام السوري مركزاً للذاكرة الشفوية تحت اسم «وثيقة وطن»، ومن المشاريع التي أطلقها هذا المركز واحداً باسم «توثيق الحرب على سورية» وفق السرديات التي دأب النظام السوري على ابتداعها. في مقابل هذا، سألنا عبد الرحمن جلود إذا كان لدى الأرشيف وعي بهذه المشاريع ولديه سردية مقابلة قائمة على الحقائق والوثائق، فأجاب: «من وجهة نظر الأرشيف، فإنّ الفيديوهات أو المحتوى البصري والرقمي يلعب دوراً كبيرا في تثبيت بعض السرديات التاريخية لمجريات الأحداث في البلاد، وهذا ما كنا نلاحظه بتركيز اهتمام أعلى شخص في هرم النظام للحديث عن فبركة الفيديوهات والصور في مناسبات عديدة. هذا ما يجعل من المحتوى البصري والرقمي أداة أساسية في مواجهة السردية الحكومية الرسمية والتي ستشكل لاحقاً، في مرحلة “جبر الضرر” أحد مراحل العدالة الانتقالية، من خلال تقديم سردية تدعم جهود بناء السلام وتغطية الفجوات بين فئات المجتمع”

ولكن جلود يُشير في الوقت الراهن إلى وجود «سرديّة موثقي ما حدث ويحدث، وهذه خارج السرديات والسرديات المضادة، وتجري خارج مجريات أي عملية انتقالية. نحن نوثق ذاكرة الناشطين والصحفيين بشكلٍ فردي للحفاظ عليها، وليس بشكلٍ جمعي لتقديم سردية». ويتابع جلود: «إلى الآن لا يوجد عملية سلام واضحة في سوريا، ولا يوجد حوار جاد بين الأطراف المتنازعة، ولذلك من أولوياتنا حالياً العمل على تدعيم سياق العدالة وتثبيت الحقوق وفق المعطيات الموجودة».

المساهمة في عمليات التقاضي

كان للأرشيف السوري دورٌ كبيرٌ في بناء دعاوى قانونية مثل استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، واستمرّ العمل على هذا الملف مدة 3 سنوات. يشرح جلود أنّ سبب تركيز الأرشيف على هذا الملف يأتي «من كون استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين هي واحدةٌ من أخطر الجرائم التي ارتُكبت بحق المجتمع، وكذلك نتيجة غياب أي إجراء دولي لبناء دعوى من هذا النوع مما جعلها على الهامش، فمعظم الدعاوى التي تم بناؤها بموجب الولاية القضائية الدولية ركّزت على ملف المعتقلين».

وفي سياقٍ آخر، كان لدى الأرشيف كمٌّ كبيرٌ من الوثائق البصرية التي تدعم ملفات المعتقلين في الدعاوى المرفوعة أمام عددٍ من المحاكم، وقام بتقديمها، كما أنّه يتعامل مع عشرات الطلبات الواردة من مدّعين عامين ومن منظمات شريكة وغير شريكة لتزويدهم ببعض الأدلة البصرية المُتعلقة بدعاوى مختلفة، وهناك طلبات أيضاً من الآلية الدولية المحايدة والمستقلة من أجل سوريا. 

التعاون مع الجهات الإعلامية 

يستخدم الأرشيف منهجيةً مختلفةً تماماً في العمل مع الصحفيين عن تلك المُتعلقة بالعمل الحقوقي، ففي العمل الحقوقي يسهّل الأرشيف عمل المنظمات ونقد الأدلة، ولكن مع الصحفيين فهو يحاول الربط بين مختلف الجهات، ولا سيما ربط الصحافة الدولية مع المصورين وأصحاب الوثائق البصرية من السوريين. ولكن لا ينكر جلود أنّ الطلبات التي تلقاها الأرشيف لهذا النوع من الوصل والتشبيك «محدودة»، ولكنه يتلقى الكثير من الطلبات التي يتقدّم بها الصحفيون الذين تعرّض محتواهم للإزالة من منصات التواصل الاجتماعي. 

استعادة المحتوى

يُقرّ جلود بصعوبة إقناع المصورين الذين استخدموا منصة يوتيوب على مدى تسع سنوات أن يكفّوا عن استخدامها، فهم يلجؤون إليها لأسباب عديدة؛ أبرزها التقنية البحتة المتعلقة بكونها منصةً مفتوحةً سهلةَ الاستخدام ومدعّمة باللغة العربية، علاوةً على مجانيّتها.

ويضيف جلود: «لأنّ انطلاقتنا في العام 2014 جاءت بناءً على تخوفنا من مسألة الحذف نظراً لمعرفتنا بقيمة المواد التي وثقت قصص المدن والأحداث الهامة المرتبطة بحياة ملايين السوريين، فنحن على تواصل مستمر مع يوتيوب، ولكنّ التحدي الأبرز يكون في حال لم يتواصل معنا أصحاب القنوات والمحتوى الذي يتعرّض للحذف. نحن نسعى أيضاً لتوعية من يقوم بعملية التوثيق من الناشطين والصحفيين ببعض الأخطاء التي يقعون فيها وتؤدي إلى حذفه، إما لأنه غير محدد بفئة عمرية أو لأن مالك المحتوى لم يقم بإضافة السياق إلى الفيديو. في حال توافرت كل المعلومات عن الفيديوهات المحذوفة فلا مشكلة باستعادتها، لأن باستطاعتنا التواصل مع يوتيوب والضغط عليه من خلال الصحافة والتحالفات وشبكات المنظمات الدولية التي نعمل معها عن قرب»

ومن التجارب المهمة على هذا الصعيد هو استرجاع الأرشيف السوري لقناة شبكة شام الإخبارية، والتي تضم 245 ألف مقطع فيديو، بعد أن تعرّضت للحذف عشر مرات، وكذلك تمكّن الأرشيف من استعادة قناة أوغاريت. يختتم جلود حديثه بالقول: «نحن ننطلق في تواصلنا مع يوتيوب من حقيقة أن هذه الفيديوهات هي أدلة ووثائق تاريخية، ورغم بطء الاستجابة، إلا أنّنا غالباً ما ننجح باستعادة المحتوى. المهم أن نكون على تواصل وتنسيق مع الناشطين والصحفيين لفعل هذا الأمر»

من المشاكل الأخرى التي تواجه عملية الاستعادة هو عدم وجود إحاطة لدى أي جهة بجميع الحسابات التي جرى حذفها وحذف محتوياتها على موقع يوتيوب، لا سيما تلك التي أُنشئت وحُذفت في العامين 2011 و2012، إذ من الصعب الوصول إلى معلوماتٍ حولها. صحيحٌ أنّ مسألة الحذف من يوتيوب ظهرت بشكلها الواسع في العام 2017 بعد اعتماد الذكاء الاصطناعي في التعامل مع المحتوى، إلا أنّ مشكلة الحذف تسبق هذا التاريخ بشكلٍ أكيد. 

ويقول هادي الخطيب إن الأرشيف السوري عمل وفقاً لشراكة وتحالف مع منظمات دولية لإصدار تقارير من شأنها تدويل الحديث حول المحتوى السوري المحذوف، والحديث عنه، والعمل على استعادته لما له من أهمية من خلال استخدامه كأدلة في الدعاوى القضائية وبناء السردية. 

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

المكتبات في إدلب أغلقت أبوابها أو تحولت لبيع القرطاسية

رشا عبدالرحمن

ترتب “حياة” ما تبقى من رفوف مكتبة احترقت معظم كتبها، حين أقدم عناصر من الشبيحة على اقتحام منزلها وإحراق ما فيه. تحاول جاهدة تعويض ما خسرته بالبحث عن كتب جديدة […]

ترتب “حياة” ما تبقى من رفوف مكتبة احترقت معظم كتبها، حين أقدم عناصر من الشبيحة على اقتحام منزلها وإحراق ما فيه. تحاول جاهدة تعويض ما خسرته بالبحث عن كتب جديدة في إدلب، لكن محاولاتها تبوء بالفشل بعد إغلاق مكتبات كثيرة أبوابها، وتحول ما بقي منها في المدينة لبيع القرطاسية واللوازم المدرسية والجامعية.

الملفات الإلكترونية بديلاً عن المكتبات

توفر شبكات الإنترنت، وبعض المجموعات التي تعنى بالكتب، نسخاً مجانية من الكتب الرقمية، كذلك نسخاً مدفوعة الثمن لا يستطيع المهتمون بالقراءة في إدلب الحصول عليها لأسعارها المرتفعة وعدم امتلاكهم لبطاقات الدفع البنكية.

وتشكل المكتبات الإلكترونية المجانية مصدراً هاماً للقراء، لكنها في الوقت نفسه أجبرت المكتبات على إغلاق أبوابها أو التحايل على استمرارها من خلال ما أضافوه لهذه المكتبات وتحولها من بيع الكتب إلى تزويدها بالقرطاسية واللوازم المدرسية وتقديم الخدمات الجامعية كالتصوير والتغليف..

يقول “المؤرخ” فايز قوصرة إن عدداً من مكتبات إدلب الشهيرة أغلقت أبوابها خلال السنوات الماضية ولأسباب مختلفة، منها مكتبة الظافر في سوق صياغ المدينة، ومكتبة غفير التي أغلقت بعد وفاة صاحبها، ومكتبة ولي زكي المتخصصة بالصحف والمجلات والكتب، وهي المكتبة الوحيدة في مدينة إدلب من هذا النوع، حيث أغلقت بعد وفاة صاحبها أيضاً.

وأضاف قوصرة، أن مكتبتي المركز الثقافي واتحاد الكتاب العرب كانتا تبيعان كتباً من نشرهما وطباعتهما وتوقف عملهما أيضاً.

الصورة من إحدى المكتبات في إدلب
الصورة من إحدى المكتبات في إدلب

يعمل عبد الرحمن بمكتبة الأقطار العربية والتي يزيد عمرها عن سبعين عاماً وورث العمل بها عن جده، يقول إن مكتبته ثاني مكتبة في إدلب، وتمكن من الاستمرار بعمله نتيجة نجاحه بمواكبة تطورات المرحلة، إذ تراجعت تجارة الكتب بنسبة قدرها ب 90% لكن بالمقابل نشطت طباعة الكتب الالكترونية والمحاضرات وتصميم الفيليكس ما شكل موارد بديلة لتلك المكتبات.

يرجع عبد الرحمن سبب تراجع الإقبال على شراء الكتب لانتشار الإنترنت وسهولة الوصول للمعلومة التي يبحث عنها القارئ، إضافة لارتفاع أسعار الكتب الورقية مقارنة بالنسخ الالكترونية التي يمكنك الحصول عليها بشكل مجاني في الغالب.
يرغب بعض القراء باقتناء كتب خاصة لكن صعوبة العثور عليها في إدلب تدفعهم لطباعتها محلياً إذ يعمل صاحب المكتبة على نسخها وتغليفها بناء على طلب الزبون.

ويرى أيمن النبعة “مدير مكتبة نقش” أن صعوبة استيراد الكتب وتكاليف طباعتها المرتفعة دفعت بعض المكتبات للعمل بمجال آخر، حيث تحولت مكتبات ابن الوليد والقباني والنور خلال فترة الثورة، من بيع الكتب إلى القرطاسية والخدمات الجامعية والمدرسية، مشيراً إلى أن نوعية الكتب التي كانت تحتويها تلك المكتبات، لا تتعدى الكتب الدينية التي كان يسمح النظام بتداولها، إضافة لبعض الروايات البسيطة والكتب الثقافية اليومية.

الصورة من إحدى المكتبات في إدلب
الصورة من إحدى المكتبات في إدلب

ويردف النبعة، أن ندرة الكتب الثقافية في تلك المكتبات يرجع إلى سياسة النظام الذي يمنع انتشار الثقافة الفكرية في المدينة، إضافة لانخفاض إقبال الأهالي وسكان القرى المجاورة على القراءة وشراء الكتب، والتي يرجع سببها لضعف القوة الشرائية لديهم.

اهتمام وآفاق جديدة أمام رواد القراءة

افتتحت مكتبة نقش قبل أعوام وبعد تحرير مدينة إدلب لتلبي رغبات القراء  على اختلاف مشاربهم الفكرية، وبالرغم من ضعف الإقبال على شراء الكتب، إلا أن أيمن نبعة القائم عليها يرى أن الإقبال جيد مقارنة بالفترات السابقة، وبالتزامن مع انتشار القراءة الالكترونية التي سهلت وصول المعلومة للقراء وبأي وقت وبأقل تكلفة، إلا أنه ومع ذلك ما زال هناك من يبحث عن الاتصال والروابط الذهنية المتبادلة بين القارئ والكتاب الورقي، إضافة للأذية العينية التي تسببها القراءة الالكترونية والإضاءة المنبثقة عنها للقارئ.

تحولت “نقش” لدار نشر مصغرة أكثر منها مكتبة، وبدأ النبعة باستجرار الكتب وطباعتها ونشرها منذ عام 2016، لافتا إلى أن وجود دار للنشر بالصيغة المعروفة والشهيرة كاستقبال المؤلفات وإعادة صناعتها من جديد وطرحها في الأسواق ككتاب نظامي، هذا الأمر غير متاح حاليا، لعدم توفر طريقة لنشرها في باقي الدول وعدم وجود وسيلة لحفظ حقوق الملكية.

بسطات الكتب

اعتاد قراء إدلب على ارتياد بسطات بيع الكتب التي كانت تنتشر في ساحة الساعة قبل سنوات الثورة، تقول حياة كنت أقصد تلك البسطات بشكل مستمر، حيث تجد بعض الكتب القيمة التي يجهل أصحابها قيمتها ويمكن الحصول عليها بمبالغ بسيطة مقارنة بأسعار المكتبات الكبيرة والكتب الجديدة ذات الغلاف الفني.

وتشير حياة إلى أنها جمعت مكتبة متوسطة الحجم مختلفة المحتوى بين الحداثة والقدم من الكتب عن طريق بسطات الكتب لكن هذه الموارد لم تعد متوفرة حالياً ما صعب الحصول عليها.

يرى بعض من التقيناهم من القراء أن تقليب صفحات الكتاب وكتابة بعض الملاحظات على هامش الصفحة يمنح القارئ متعة أكبر بكثير من القراءة الالكترونية، إلا أن ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بدخل الفرد وصعوبة الحصول على بعض الكتب يدفعهم للاعتماد على القراءة الالكترونية والابتعاد عن المكتبات .

العقارات في حلب تنتقل من أصحابها لقبضة إيران والأسد

هاني العبدالله

يعجز أهالي العقارات المدمرة في أحياء حلب الشرقية عن ترميمها، ولم يقدم نظام الأسد الذي قام بتدميرها قبل احتلال المدينة أي تعويض لأصحابها، ما خلق مناخاً مناسباً لعمل تجار العقارات […]

يعجز أهالي العقارات المدمرة في أحياء حلب الشرقية عن ترميمها، ولم يقدم نظام الأسد الذي قام بتدميرها قبل احتلال المدينة أي تعويض لأصحابها، ما خلق مناخاً مناسباً لعمل تجار العقارات التابعين للنظام لإرغام الأهالي على بيع بيوتهم بالإكراه، وبأسعارٍ لا تعادل القيمة الحقيقية للمنزل، في وقتٍ وصلت فيه أسعار العقارات ضمن أحياء حلب الغربية لأرقام لم يعهدها السكان.

مخططٌ إيراني

نشطت حركة بيع العقارات ضمن الأحياء التي تعرّضت للدمار في حلب وقال المتحدث الرسمي باسم “مجلس القبائل والعشائر السورية” مضر حماد الأسعد: إن طهران تقف وراء شراء العقارات في حلب، لتعزيز سياسة التغيير الديمغرافي في هذه المدينة، التي تشكّل مركز الثقل الاقتصادي والبشري في سوريا، إضافةً  لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لإيران، كونها تشكّل عقدة مواصلات مع العراق وتركيا”.

وتركز إيران على شراء عقارات ضمن الأحياء التي تتمركز فيها ميليشياتها، وخاصةً ضمن أحياء (المشهد، الصاخور، السكري)، أو في أحياء حلب القديمة، لما تحمله من رمزية خاصة، فهي تحتضن سوق المدينة القديم والجامع الأموي، حيث تسعى طهران لإعادة تأهيل المساجد الموجودة في حلب القديمة وتغيير معالمها وتحويلها إلى حُسينيات، إضافةً للاستيلاء على الأراضي الزراعية والعقارية في محيط حلب، لإحكام الطوق على المدينة.

وأضاف الأسعد: “تتم عمليات الشراء عبر تجارٍ وسماسرة يتبعون لجمعية المهدي ذات النشاط الأكبر في سوق العقارات، إضافةً لجمعية جهاد البناء، وجمعياتٍ أخرى تابعة للحرس الثوري الإيراني، أو عبر سماسرة مرتبطين بميليشيات (فيلق المدافعين عن حلب، لواء الباقر، أبو الفضل العباس، كتائب الحسين)”.

تعمل ميليشيات إيران على ترويع السكان في الجزء الشرقي من حلب، لإرغامهم على بيع ممتلكاتهم بأسعارٍ تعادل ربع أو نصف سعرها الحقيقي، ويكفي وضع “إشارة حجز” على المنزل من قبل أجهزة النظام الأمنية الموالية لإيران، حتى يضطر صاحب العقار لبيعه بسعرٍ زهيد بحسب من تحدثنا معهم.

استقدمت طهران العديد من الميليشيات الشيعية وعائلاتها، من جنوب لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وإيران، وسلمتها البيوت التي اشترتها أو استولت عليها من أهالي حلب، بينما هدمت البيوت المدمرة لتحويلها إلى مراكز دينية، وكل هذا بغية تنفيذ مخططها القائم على نشر التشيّع في المدينة.

صراع الميليشيات للاستيلاء على منازل الأهالي

سارعت بعض العائلات المرتبطة بنظام الأسد وحلفائه منذ سيطرتهم على مدينة حلب في كانون الأول 2016، لاعتماد أساليب مختلفة للسيطرة على منازل المدنيين، وقال مصدر من داخل حلب فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: “بمجرد السيطرة على مدينة حلب نشطت عمليات “تعفيش” المنازل من قبل ميليشيات النظام التي تسابقت فيما بينها لسرقة البيوت، ثم انتقلوا فيما بعد إلى مرحلة الصراع للاستيلاء على المنازل وشرائها”.

“تركز الصراع بين ميليشيات عبد الملك برّي الموالي لروسيا، وحسام القاطرجي الموالي لإيران، واندلعت اشتباكات بينهما أكثر من مرة للتنازع على المنازل التي هُجّر أصحابها منها، ومع عودة كثيرٍ من الأهالي إلى بيوتهم، بدأ التجار والسماسرة المرتبطين بالنظام، بعمليات شراء المنازل، وأبرزهم آل الدمخلي (أسرة من حلب مقربة من إيران)، وآل بهمن (عائلة كويتية شيعية)، فضلاً عن النشاط البارز للقاطرجي في شراء البيوت” بحسب المصدر ذاته.

نشطت عمليات شراء البيوت، في أحياء (صلاح الدين، مساكن هنانو، الأحمدية، جبل بدرو، أرض الحمرا، الفردوس، بستان القصر، الكلاسة، والسكري)، ويُركز السماسرة على شراء المنازل المتضررة بشكلٍ كبير أو غير المسجلة في السجل العقاري، كون سعرها أقل من المنازل الصالحة للسكن أو المدمرة بشكلٍ طفيف.

وقال أبو عبدو من أهالي حي الفردوس في حلب: “تعرّض منزلي لدمارٍ جزئي، وحين قررت إعادة تأهيله وجدت أن تكلفة الترميم تصل إلى مليون ونصف المليون ليرة سورية وهو رقم أعجز عن تأمينه فقررت بيع المنزل لأحد سماسرة العقارات الذي استغل حاجتي للبيع واشتراه بسبعة ملايين ليرة سورية وهو ما يعادل نصف قيمته الحقيقية.

وتابع أبو عبدو: “حين يرفض بعض السكان بيع منازلهم، يلجأ السماسرة المرتبطين بمخابرات النظام، لثلاثة حلول يعرضوها على صاحب العقار خلال زياراتٍ متتالية: تبدأ برفع قيمة المبلغ المدفوع في حال كان البيت بحالةٍ جيدة وضمن موقع مميز، وإذا استمر الرفض، يوهمون صاحب المنزل عبر عملائهم أن منزله سيتعرّض للهدم، أو يتم وضع نقطة حجز عليه في السجل العقاري، وفي حال لم يجدِ هذا الحل نفعاً، يلجأ السماسرة إلى الحل الأخير وهو التهديد بالاعتقال أو التصفية، بحجة تعاون صاحب العقار مع فصائل المعارضة أو أقاربه المتواجدين هناك “.

شبكات تزوير لنهب أملاك المدنيين

نشطت في مدينة حلب شبكات التزوير التي تعمد للسيطرة على المنازل التي هُجر أصحابها منها، أو لم يستطيعوا السكن فيها بسبب تعرضها للدمار الشديد، وتحدث رئيس “فرع التزييف والتزوير في إدارة الأمن الجنائي بحلب” العقيد وسيم معروف، عن ضبط شبكة لتزوير وكالات خاصة ببيع عقارات تعود لمغتربين أو مُهجّرين خارج البلاد.

وأشار معروف في تصريحٍ لصحيفة “الوطن” الموالية الشهر الماضي، أن شبكة التزوير تضم قضاة ومحامين من نظام الأسد، تقودهم امرأة، تعمل على تزوير وكالات خاصة ببيع الـ عقارات التي يمتلكها السوريون الموجودون خارج البلاد أو في مناطق المعارضة، أو تزوير وثائق تتعلق بالأشخاص المنتحلين لشخصية المالك الأصلي للعقار، موضحاً أن أحد المطلوبين في القضية، يملك لوحده 127 عقاراً في حلب.

ويتواجد في حلب مناطق عشوائية غير منظّمة، وبالتالي لا يملك أصحابها قيداً عقارياً (طابو) كحي صلاح الدين، وإنما لديهم قرار محكمة يُثبت ملكيتهم للعقار، ولإجراء أي عملية بيع وفق القانون، يجب وجود صاحب العقار أو من ينوب عنه بموجب وكالة قانونية، غير أن تصديق هذه العملية في دائرة السجل العقاري يتطلب دراسة أمنية للبائع والمشتري.

وفي حال عدم استصدار الموافقة الأمنية، تعتبر عملية البيع لاغية، وهنا يأتي دور السماسرة الذين قاموا بعمليات تزوير وثائق الملكية، للالتفاف على الموافقة الأمنية، وتثبيت البيع في السجل العقاري، دون وجود مالك العقار.

منزل بـ 500 مليون في حلب الغربية

ارتفعت أسعار العقارات بشكلٍ كبير في أحياء حلب الغربية، وقال موقع “إعمار سوريا” الموالي، إن أسعار الشقق السكنية والأراضي في حلب، تضاعفت ثلاث مرات خلال العام الماضي، مرجعاً ذلك لتفضيل أصحاب رؤوس الأموال الاستثمار بسوق العقارات للحفاظ على قيمة أموالهم، في ظل تذبذب قيمة الليرة السورية خاصةً في فترات الكساد.

ووصلت أسعار العقارات في قسم من أحياء حلب الغربية إلى أرقامٍ كبيرة لم يألفها السكان سابقاً، وخاصةً في أحياء (حلب الجديدة، والفرقان)، حيث تجاوز سعر المنزل هناك 200 مليون ليرة سورية، وفي منطقة الحمدانية يتراوح سعر البيت بين خمسة وسبعين إلى مئة مليون ليرة، أما العقارات الموجودة في وسط المدينة، ولاسيما (محطة بغداد، العزيزية، السليمانية، والجميلية) تتراوح بين 60-75 مليون، وفي المناطق الشعبية يبلغ سعر العقار بين عشرين إلى خمسة وعشرين مليون، في حين تتراوح أسعار مناطق المخالفات بين سبعة إلى عشرة مليون.

وقال حسان القادري “اسم مستعار لصاحب مكتب عقاري في حي الجميلية وسط حلب”: إن أسعار البيوت في حلب الغربية، شهدت ارتفاعاً كبيراً لعدة أسباب، أبرزها ارتفاع تكاليف البناء، وإقبال كثير من التجار على شراء منازل في حلب كنوعٍ من التجارة وكسب الربح، بدلاً من تشغيل أموالهم في مشاريعٍ غير مجدية”، وأضاف أن تاجراً اشترى منزلاً في حي الفرقان بـ 220 مليون ليرة، وباعه بعد فترة بـ 500 مليون”.

يحدد تجار العقارات سعر المنزل، حسب مساحته وقيمة المتر الواحد في هذه المنطقة، إضافةً إلى موقع المنزل، وكلفة البناء وعمره، ودرجة الإكساء، وعدد الشقق في البناء”.

وكانت حكومة النظام أصدرت قراراً في منتصف كانون الأول الماضي، يقضي برفع أسعار الإسمنت بنحو 80 %، ليصبح سعر الطن الواحد 125 ألف ليرة سورية بعد أن كان 70 ألف، وبعد ذلك طالب مدير عام “المؤسسة العامة للإسمنت ومواد البناء”، التابعة للنظام، بتصدير مادة الإسمنت من أجل جلب القطع الأجنبي، وهو ما تسبّب في ارتفاع أسعار العقارات.