فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الأطراف المتهمة باستهداف الدوريات الروسية -التركية على m4

فرحات أحمد

معظم الاستهدافات التي حصلت لم ينتج عنها قتلى في صفوف القوات التركية أو الروسية، وهذا إن دل فيدل على أن الاستهداف مدروس بحيث يثير البلبلة فقط، وهذا لمسناه حقيقة فقد أعلنت روسيا عدة مرات عن تعليق الدوريات، وعادت وقصفت المنطقة بالطائرات، وكانت توجه التهم لتركيا بعدم قدرتها على ضبط سير العملية، كما أن الاستهداف الذي قيل إنه تمّ بحشوة قاذف “آر بي جي” يثير شكوكاً كثيرة، بحسب القيادي، إذ أن حشوة القاذف لا يزيد مداها عن 150 متراً، ما يعني أن الرامي قريب، فكيف وصل إلى المنطقة، ولماذا لم يتم القبض عليه.

لقد بلغ عدد المرات التي استهدفت فيها الدوريات الروسية -التركية المشتركة على طريق حلب -اللاذقية (إم 4) أربعاً من إجمالي 26 دورية أعلنت عن تسييرها وزارة الدفاع التركية، وفي كل مرة كانت تتهم الفصائل الراديكالية بالوقوف خلف تلك الاستهدافات، لكن الدلائل لا تشير إلى تورطها في كل المرات أو ربما في جميعها، وربما تشير إلى وقوف أطراف أخرى بعيدة عن الشك في افتعال الاستهداف أو تسهيله.

ثلاث جهات مستفيدة

بالنظر من ناحية المتضرر والمستفيد من استهداف الدوريات الروسية -التركية فإن هنالك ثلاث جهات مستفيدة بحسب الباحث في مركز جسور وائل علوان، الذي يرى أن النظام السوري والقوات الإيرانية والتنظيمات المتشددة، التي لم تكن راضية عن اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب الذي تمّ التوصل إليه بين كل من روسيا وتركيا في آذار الفائت، هي المستفيدة من إحداث بلبلة في المنطقة، لإفشال الاتفاق وشنّ عمل عسكري، تقضم خلاله المزيد من الأراضي في إدلب.

ويشير “علوان” في حديثه لـ”فوكس حلب” إلى أن التنظيمات الراديكالية في إدلب تعتبر مستفيدة أيضاً من هذه الفوضى، إذ يرتبط وجودها بوجود الأعمال القتالية وتستمد شرعيتها من خلالها.

وكانت وجّهت العديد من الانتقادات لهيئة تحرير الشام التي قبلت ضمنياً بالاتفاق الروسي -التركي، ونفّذت بنوده حرفياً، وهذا بحسب “علوان” يندرج أيضاً على الميليشيات الإيرانية، التي تعلم أن الاستقرار ليس لصالحها، وهو بداية النهاية لوجودها.

كما يؤكد أن هذه الاستهدافات تقف وراءها جهات لا تخرج عن الأسماء السابقة، ويبرّر اتهامه لها بقدرتها على افتعال الفوضى في كل مكان، فميليشيات النظام وإيران لها أذرعها في المنطقة، ويرى ذلك من خلال عمليات الاغتيال والتجارة، أما التنظيمات المتشدّدة فقد هدّدت في وقت سابق باستهداف الدوريات، وبخاصة أن مناطق تمركزها دائماً تتموضع قرب خطوط القتال، وهذا ما يسهل القيام بمثل هذه العمليات.
وتعتبر هيئة تحرير الشام مستفيدة جداً من هذا الاتفاق وفق ما ذهب إليه “علوان” وهذا يبعد الشك في تورطها، إذ أنها تمشي في خطوات جدية لحذفها من التصنيف كمنظمة إرهابية، وتنفيذها بنود الاتفاق ومحاولتها إبعاد الفصائل المتشددة من المنطقة، وإنهاء غرفة عمليات “فاثبتوا” التي كان يقودها تنظيم “حراس الدين” ما هي إلا خطوات جادة نحو هذه الرغبة.

بعلم تركيا

لكنّ فكرة وقوف جهات خارج نطاق الاتفاق وراء الاستهدافات تبدو شبه مستحيلة بحسب قيادي في “الجبهة الوطنية” التابعة لـ”الجيش الوطني” فضّل عدم الكشف عن اسمه، إذ يؤكد بحكم وجوده في تلك المنطقة الساخنة الممتدة بين مدينتي أريحا وسراقب أن استهداف الدوريات تقف وراءه تركيا لأسباب لا يستطيع فهما على حد قوله، ربّما الهدف منها توجيه رسالة إلى الروس بأن مهمة القضاء على التنظيمات المتشددة عملية صعبة، وتحتاج المزيد من الوقت.

ويؤكد القيادي ما يراه بأن القوات التركية رفقة مقاتلين من فيلق الشام وهيئة تحرير الشام تبدأ بتمشيط مسار الدوريات قبل 24 ساعة من موعدها، وتسيّر عدة طائرات لرصد أي تحرك على المسار الممتد ما بلدة النيرب قرب سراقب شرقاً، وقرية عين الحور قرب مدينة جسر الشغور غرباً.

كما يشير إلى أن معظم الاستهدافات التي حصلت لم ينتج عنها قتلى في صفوف القوات التركية أو الروسية، وهذا إن دل فيدل على أن الاستهداف مدروس بحيث يثير البلبلة فقط، وهذا لمسناه حقيقة فقد أعلنت روسيا عدة مرات عن تعليق الدوريات، وعادت وقصفت المنطقة بالطائرات، وكانت توجه التهم لتركيا بعدم قدرتها على ضبط سير العملية، كما أن الاستهداف الذي قيل إنه تمّ بحشوة قاذف “آر بي جي” يثير شكوكاً كثيرة، بحسب القيادي، إذ أن حشوة القاذف لا يزيد مداها عن 150 متراً، ما يعني أن الرامي قريب، فكيف وصل إلى المنطقة، ولماذا لم يتم القبض عليه.

روسيا مستفيدة أيضاً

أما الباحث والكاتب أحمد الرمح فيرى أن روسيا تعتبر مستفيدة أيضاً من حدوث هذه البلبلة وهي تعطيها شرعية للخروج من الاتفاق مع تركيا، ودعم النظام في شنّ عمل عسكري، وما يجعلها متهمة ربّما بالتسهيل لذلك، محاولتها توجيه رسائل إلى الولايات المتحدة، التي أعلنت أخيراً عن دعمها تركيا في أي عمل عسكري تقوم به في إدلب، ومحاولتها إقناع واشنطن أن هناك تنظيمات في المنطقة لا يمكن التعامل معها إلا بالنار، وهذا تشير إليه تصريحات وزارة دفاعها واتهامها تلك التنظيمات بتهديد الأمن وقصف قاعدة حميميم بشكل متكرر.

ويشير الرمح إلى أن هيئة تحرير الشام ربما تكون وراء الاستهدافات أيضاً، وذلك بهدف تحسين ظروف وجودها، وإظهار نفسها على أنها حامية لتلك الدوريات في وجه التيار المتشدّد الذي لم يكن راضياً يوماً عن خط سيرها الأخير، ولا يخفى على أحد أنها تعمل بشكل علني على استئصال رواده وبخاصة من غير السوريين، الذين باتوا على خلاف واضح مع قائدها أبو محمد الجولاني.

إن استمرار تسيير الدوريات الروسية -التركية يضمن بقاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار ولو بشكل جزئي، إذ أن قوات النظام لم تتوقف منذ يومه الأول عن استهداف مناطق في جبل الزاوية جنوبي إدلب، وسهل الغاب بريف حماة، لكنّه يضمن أيضاً عدم حدوث أزمة نزوح جديدة، قد تجبر نحو مليون إنسان على الانتقال إلى المناطق الواقعة شمالي الطريق الاستراتيجي.

والخوف من حدوث هذه الأزمة له ما يبرّره إذ إن عين قوات النظام على منطقة جبل الزاوية، بهدف إبعاد مصادر النيران عن المدن الاستراتيجية كمعرة النعمان وخان شيخون، وقطع الطريق على الفصائل التي تستهدف قاعدة جورين التي تعتبر أهم قاعدة للنظام في الشمال السوري، كما أن وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو قد قال في تصريحات سابقة إن القوات الروسية ستنتشر جنوبي طريق “إم 4” والقوات التركية شماليه، وبالتالي سيؤدي ذلك إن حدث إلى نزوح كافة المدنيين من منطقة النفوذ الروسي.

وصول “وفيق ناصر” الى حلب.. هل تشهد المدينة مرحلة قمعية واسعة؟

هاني العبدالله

أثار تعيين النظام السوري للعميد “وفيق ناصر” رئيساً للمخابرات العسكرية في حلب، حالةً من القلق والتخوّف لدى السكان، في ظل السجل القمعي الذي عُرف فيه ناصر خلال تواجده في كلٍ […]

أثار تعيين النظام السوري للعميد “وفيق ناصر” رئيساً للمخابرات العسكرية في حلب، حالةً من القلق والتخوّف لدى السكان، في ظل السجل القمعي الذي عُرف فيه ناصر خلال تواجده في كلٍ من السويداء وحماه، ما أثار التساؤلات حول الواقع الأمني في حلب خلال الفترة المقبلة، وهل ستشهد مرحلة قمعية واسعة.

وأجرى الأسد في التاسع عشر من الشهر الحالي، تغييراتٍ مفاجئة في قيادة عدد من الأفرع الأمنية التابعة لإدارة المخابرات العسكرية، في كلٍ من حلب وحمص وحماه وطرطوس ودمشق، وكان أبرزهم العميد “وفيق ناصر” الذي ينحدر من ريف مدينة جبلة، وهو من أكثر الشخصيات إجراماً ونفوذاً داخل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.

وقال الصحفي فراس علاوي لفوكس حلب: إن “وفيق ناصر من أهم الرجال الأمنيين لدى النظام، ويطلق عليه لقب “حاكم الجنوب”، حيث كان الأسد يخشى من أي حراكٍ ضده في السويداء، لذلك عيّنه هناك من عام 2012 حتى 2018 وأعطاه كل الصلاحيات، وهذا دليل أن النظام كان يثق بقدراته في ضبط الوضع الأمني، ثم نقله مطلع 2018 الى حماه، حيث استمر لعامين وبعدها قرر تسلميه إدارة المخابرات العسكرية في حلب، بغية إحكام القبضة الأمنية على المدينة وريفها”.

بدوره أفاد الناشط الاعلامي عمر الخالدي من أبناء حلب، أن “الفلتان الأمني والانتهاكات التي ترتكبها ميليشيات النظام سبّبت حالةً من الضجر والاحتقان لدى الأهالي، وبالتالي سارع الأسد لإرسال وفيق ناصر الى حلب، لإحكام قبضته الأمنية على المدينة قبل أن تنفجر وتخرج عن السيطرة، ولاسيما أن حلب ذات أهمية اقتصادية كبيرة للنظام، إضافةً إلى كونها تقع على خطوط تماس مع فصائل المعارضة”.

وأضاف الخالدي أن “هدف الأسد من نقل وفيق ناصر من حماه إلى حلب، هو إجراء يقوم به كل فترة في مختلف المحافظات السورية، لمنع رؤساء الأفرع الأمنية من تعزيز نفوذهم وسلطتهم وخروجهم عن سيطرة القيادة المركزية، وهذا ما يُفسر لجوء النظام إلى اغتيال بعض الضباط أو إعفائهم أو اعتقالهم خشية تشكيلهم خطراً عليه، لكن وفيق ناصر يعتبر شخصية أمنية قوية وصاحبة نفوذ، لذلك يُفضّل الأسد الاعتماد عليه مع نقله كل فترة من مكانٍ لآخر، لمنعه من توسيع نفوذه كما حصل خلال تواجده في السويداء لست سنوات”.

ولفت الخالدي الى أن “العميد ناصر ارتكب جرائم واسعة بحق المعتقلين في السويداء وحماه، كغيره من رؤساء الأفرع الأمنية، لذلك يسعى النظام كل فترة لنقلهم من مكانٍ لآخر أو إقالتهم من منصبهم ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، بغية طمس معالم جريمتهم عبر إبعادهم عن المكان الذي ارتكبوا فيه تلك الانتهاكات”.

“شيكاغو السورية”

ويعاني سكان حلب من انتشار الفلتان الأمني منذ سيطرة الأسد على كامل المدينة نهاية 2016، وسلّطت قناة “روسيا اليوم” في تقريرٍ لها الشهر الحالي، الضوء على الفلتان الأمني الكبير الذي تشهده مناطق سيطرة النظام وانتشار السلاح والميليشيات وجرائم القتل والخطف، مُشبِّهةً إحدى الحوادث التي وقعت في مدينة حلب بما يحصل في “شيكاغو” الأمريكية المشهورة بالعصابات.

ونشرت القناة تقريراً تناول حادثة وقعت وسط حلب قبل أيام، حيث جرت مطاردة بين سيارتين في حي حلب الجديدة، انتهت بقيام أحد السائقين بسحب سلاحه وإطلاق النار على الآخر بسبب تجاوُزه له، ما أدى إلى مقتل شخص مدني تزامن مروره في الطريق أثناء وقوع الحادثة.

وقال المحلل العسكري العقيد أحمد حمادة لفوكس حلب: إن “الوضع المأساوي في حلب وانتشار الشبيحة وارتكابهم انتهاكات بحق الأهالي، تضطر النظام لإجراء تغييرات في إدارة الأفرع الأمنية لتخفيف الاحتقان الشعبي، لكن هذا التغيير في الوجوه فقط وليس المضمون، لأن منهجية النظام تعتمد على الهمجية والقمع وتنفيذ سياساته الوحشية عن طريق الأفرع الأمنية بأنواعها، وبالتالي حلب مقبلة على مرحلة واسعة من القمع الذي لم يتوقف أصلاً”.

ويعاني التجار وأصحاب الورش الصغيرة في حلب ولاسيما في الأحياء الشرقية، من تسلّط عناصر فرع “الأمن العسكري”، الذين يسعون إلى مضايقتهم وفرض الأتاوات عليهم، وقال تاجر من حي الفردوس في حلب فضّل عدم ذكر اسمه: “تفرض الحواجز علينا أتاوات تصل الى أكثر من 20 ألف ليرة سورية شهرياً، ومن لا يدفع يتم تهديده بالاعتقال أو السوق الى الخدمة العسكرية أو التسلّط عليه وسرقة بضاعته”.

وأضاف “حين علمت بتعيين وفيق ناصر لإدارة المخابرات العسكرية، شعرت بصدمة وانزعاج كبيرين، وخاصةً لما يعرف عنه من الجشع وحب المال وسيسعى لابتزاز تجار حلب، كما كان له دور أساسي في انتشار عمليات السرقة والخطف وإثارة الفتن في السويداء وحماه، ولا نستبعد أن يقوم بافتعال تفجيرات في حلب، بغية اتهام فصائل المعارضة بها، وإشغال الأهالي بمسائل أخرى، لا سيما أنهم يعيشون حالةً من الاستياء في ظل تفشي كورونا وانتشار البطالة وتردّي الوضع الأمني والمعيشي”.

صراع إيراني روسي على حلب

وصول العميد “وفيق ناصر” الى حلب، يثير التساؤلات حول مستقبل النفوذ الروسي والإيراني هناك، وفي هذا الإطار قال فراس علاوي: إن “ايران تسعى منذ سنوات لتعزيز نفوذها في حلب، نذكر كيف ظهر قاسم سليماني قائد فيلق القدس سابقاً في شوارع حلب بعد السيطرة عليها، لذلك سعت طهران إلى الضغط على الأسد لتعيين ناصر المدعوم من قبلها لاستلام المخابرات العسكرية في المنطقة بغية تعزيز نفوذها في حلب على حساب النفوذ الروسي”، مشيراً الى أن “هناك أنباء سادت مؤخراً عن نقل ميليشيات إيرانية وعناصر من الحشد الشعبي من العراق الى المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد مؤخراً في المناطق التابعة للمعارضة، وربما يكون ذلك مؤشراً لعمليات عسكرية في محيط حلب بدعمٍ إيراني”.

وتنتشر الميليشيات الإيرانية في عدة مناطق داخل وحلب ومحيطها، حيث يقع مركز قيادة تلك القوات في الأكاديمية العسكرية في حي الحمدانية غربي المدينة، إضافةً إلى انتشارها في مناطق الشيخ نجار والشيخ سعيد والراموسة وباشكوي، وأحياء الشعار ومساكن هنانو والحيدرية والمرجة والصاخور والمشهد، كما تتواجد بعض العناصر الموالية لايران في جبل عزان وبلدات نبل والزهراء وتلعرن وتل عابور بريف حلب.

وأفاد عضو الائتلاف وهيئة التفاوض العقيد أحمد عثمان، أن “تعيين وفيق ناصر لاستلام الملف الأمني في حلب، سيخلط الأوراق ولاسيما أنه شخصية أمنية قوية وارتبط اسمه بأعمال القتل والخطف والتفجيرات والتعاون مع تنظيم داعش، وبالتالي ستشهد حلب لاحقاً مرحلة فوضى عارمة، إضافةً إلى اشتعال التنافس بشكلٍ أكبر بين موسكو وطهران، وقد تميل الكفة لصالح ميليشيات إيران، كون ناصر مقرب أكثر من القيادة الإيرانية وميليشياتها”.

بينما قال العقيد أحمد حمادة: إن “الأمن العسكري يعمل لصالح إيران وهذا يعزز موقعها، إضافةً الى استمالة طهران بعض الميليشيات والشبيحة الى جانبها وتقديم الدعم لهم، لكن في المقابل روسيا موجودة في مواقع عديدة بحلب وتستطيع تعزيز نفوذها، فهي تحتل سوريا وتسيطر على القرار، وبالتالي فإن تغيير إدارة فرع أمني لمصلحة ايران، لا يعني أنها استحوذت على النفوذ في حلب، فهناك في المقابل أفرع أمنية أخرى مدعومة من قبل موسكو”.

وشهدت مدينة حلب العام الماضي اشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والثقيلة وقذائف الهاون، بين ميليشيات روسية وأخرى إيرانية، نجم عنها سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، وخاصةً في أحياء الحمدانية والخالدية، وذلك نتيجة الصراع على النفوذ بين الجانبين الروسي والإيراني.

وسيطر الأسد على الأحياء الشرقية في حلب نهاية عام 2016، بعد عمليةٍ عسكريةٍ واسعة انتهت بتهجير فصائل المعارضة والمدنيين إلى ريفي حلب وادلب، وفي شباط الماضي أطلقت قوات النظام عملية عسكرية جديدة تمكنت خلالها من السيطرة على كامل حلب وتأمين محيطها، بما في ذلك الطريق الدولي حلب-دمشق.

في الحسكة.. المياه والكهرباء ورقتا ضغط والمواطن يدفع الثمن

فريق التحرير

ينتظر نحو مليون شخص، إضافة لآلاف النازحين في مخيمات محافظة الحسكة، تحت سيطرة الإدارة الذاتية “قسد” حلاً لمشكلة المياه التي غابت عن منازلهم منذ نحو خمسة وعشرين يوماً. وتتداول المواقع […]

ينتظر نحو مليون شخص، إضافة لآلاف النازحين في مخيمات محافظة الحسكة، تحت سيطرة الإدارة الذاتية “قسد” حلاً لمشكلة المياه التي غابت عن منازلهم منذ نحو خمسة وعشرين يوماً.

وتتداول المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي أخباراً تفيد بعودة جزئية للمياه في المحافظة، إلا أن من تواصلنا معهم من سكان الحسكة أكدوا أن لا مياه وصلت إليهم منذ انقطاعها.

المياه والكهرباء ورقتا ضغط يدفع ثمنهما المواطن

ليست المرة الأولى التي تقطع فيها المياه عن محافظة الحسكة من محطة الضخ الوحيدة “علوك” الواقعة في بلدة رأس العين بريف الحسكة الغربي، إلا أن فترة الانقطاع الأخيرة كانت الأطول والأكثر تأثيراً على السكان، خاصة في ظل انتشار وباء كورونا في المنطقة.

ويتبادل كل من قوات الجيش الوطني التابعة لتركيا وقوات سوريا الديمقراطية الاتهامات بالمسؤولية عن انقطاع الخدمتين الأساسيتين للسكان، ففي الوقت الذي تتهم الأخيرة تركيا بقطع المياه عن مليون شخص في المحافظة، يحمل المسؤولون في المحطة قسد مسؤولية هذا الانقطاع بعد مخالفتهم للتعهدات بتزويد المنطقة التي تسيطر عليها قوات الجيش الوطني والتي تعرف بـ “نبع السلام”، بما فيها المحطة بالكهرباء اللازمة للضخ هذه المياه.

وكان ناشطون قد أكدوا إن اتفاقاً بين أطراف النزاع جاء بعد عدة لقاءات منذ أشهر، وقضى بمنح الكهرباء لـ “نبع السلام” مقابل المياه لمحافظة الحسكة.

مسعود ادريس أحد سكان محافظة الحسكة، قال لموقع “فوكس حلب” إن ما يحدث هو “حرب حقيقية” وصف وسائلها بـ “غير الأخلاقية”، فحرمان السكان من المياه يضر بالمدنيين، سواء على الصعيد الصحي أو المعاشي.

ويرى مسعود أن الأهالي عاجزون عن إيجاد حلول بديلة، خاصة مع انتشار وباء كورونا، إذ يمثل توافر المياه والاغتسال بها خط الدفاع الأول لمواجهته.

ويقول الناشط الحقوقي “حسام القس” إنه لا يجب استخدام المدنيين كرهائن، ويجب على جميع الأطراف احترام القوانين الدولية الخاصة بالحروب والنزاعات، مؤكداً أن الحل يكمن في إيجاد إدارة مدنية أو جهة مستقلة تشرف على عمل المحطة، وكذلك إيصال الكهرباء لمناطق سيطرة المعارضة.

مياه الآبار غير صالحة للشرب

ازدادت أعداد الآبار التي تم حفرها في محافظة الحسة خلال الأشهر الأخيرة، إذ تقدر أعدادها بنحو ألف بئر، وتمتاز المنطقة بغناها بالمياه الجوفية، إلا أن معظم مياه هذه الآبار غير صالحة للشرب.

حفر الآبار في الحسكة -إنترنيت
حفر الآبار في الحسكة -إنترنيت

كيفما تلفتت في شوارع المحافظة تجد “الحفارات” حتى على أرصفة الشوارع، بالرغم من فرض الإدارة الذاتية شروطاً للترخيص، تبلغ قيمة الترخيص خمسة عشر ألف ليرة، معظم هذه الآبار سطحية لا يزيد عمقها عن خمسة وعشرين متراً، وغالباً ما تجف نتيجة الانتشار الفوضوي لها، ما يضطر أصحابها لحفر آبار جديدة أو زيادة عمقها، ويبلغ متوسط كلفتها نحو نصف مليون ليرة سورية.

وكانت الإدارة الذاتية قد أعلنت عن حفر نحو خمسين بئراً في منطقة الحمة لتزويد المحافظة بالمياه، إلا أن المياه لم تصل حتى لحظة إعداد التقرير، ويعتبر هذا الحل جزئياً ولا يكفي حاجة السكان.

حلول مكلفة

ومع استمرار انقطاع المياه عن المدينة لجأ الأهالي لشراء مياه الآبار عبر الصهاريج، والتي تبلغ كلفتها للعائلة الواحدة نحو نصف راتب العامل هناك، والذي يقدر بخمسين ألف ليرة سورية شهرياً.

تقول أم عماد التي تعيش في حي المفتي في الحسكة إن الحصول على المياه عبر الصهاريج أمر مرهق، إذ تضطر لملاحقة أصحابها لعدة أيام للحصول على حاجتها من المياه، شأنها شأن باقي المدنيين في المحافظة التي يقدر عدد الصهاريج فيها بنحو مئتين.

إضافة للوعود الكاذبة التي تحصل عليها أم عمار من أصحاب الصهاريج والذي يضطرها للبقاء لأيام دون مياه، على حد قولها، تتفاوت أسعارها أيضاً، تقول إن لكل صهريج سعر مختلف عن الآخر، “الجميع دون رحمة، وكأنهم يبيعوننا ذهباً وليس ماء ملوثاً لا يصلح للشرب”.

وتضيف أم عمار إن مياه هذه الصهاريج تستخدم فقط في الأعمال المنزلية فغالبها ملوث بمياه الصرف الصحي، وهو ما دفع الأهالي للاعتماد على المياه المعدنية التي تحتاج “لثروة” للحصول عليها، بينما يشرب من لا يمتلك النقود من المياه المتوفرة رغم ما يمكن أن تسببه من أضرار على الصحة.

وكانت بعض المنظمات الإنسانية قد قامت بتوزيع المياه لعدد من العائلات أو وضع خزانات كبيرة في الشوارع الرئيسية، إلا أن هذه الحلول قاصرة ولا تلبي حاجة السكان الذين يقفون في أدوار طويلة للحصول على المياه.

تخنق العبرة أم عيسى (من سكان المحافظة) وهي تروي لنا عجزها عن تأمين المياه، واصفة الجميع من مسؤولين ومنظمات بـ “التخاذل” في سبيل إيجاد حل لما قالت إنه “كارثة إنسانية لنحو مليون شخص”.

وتقول أم عيسى إن سعر صهريج المياه يبلغ نحو ثمانية آلاف ليرة سورية، “نحن متعبون ومثقلون بمصاعب الحياة، وليس بإمكاننا تحمل أعباء جديدة”.

البحث عن المياه في الحسكة -إنترنيت
البحث عن المياه في الحسكة -إنترنيت

في حين اختنقت الحاجة “أم عيسى بعبراتها، وهي تحدثنا عن عجزهم أمام هذه الازمة، وعن تخاذل الجميع من مسؤولين ومنظمات عن وجود حل لمثل هذه المعضلة

وتابعت “لدينا أطفال يجب أن نطعمهم، وأولاد في المدارس يحتاجون لميزانية كاملة لدراستهم ودروسهم الخصوصية، إضافة لإيجار المنازل -أدفع أجاره 40 ألف شهرياً- وفاتورة أمبيرات الكهرباء، ومصاريف الطعام والشراب اليومية”.

بين تبادل التهم والمسؤولية عن انقطاع المياه والكهرباء، يترك السكان لقدرهم عطاشاً دون حلول ناجعة، ودون أن يفلح التعاطف وحملات التضامن التي أطلقها سوريون من مختلف الأطراف لتحييد أساسيات الحياة عن النزاعات القائمة، ليبقى المواطن وحده من يدفع الثمن وحيداً في كل مرة.

جلنار عبد الكريم 

في جبل الزاوية: أسطح المنازل تخلو من التين المجفف في موسمه

محمد كنعان

يقدر المهندس الزراعي مصطفى القاسم من جبل الزاوية انخفاض الموسم هذا العام إلى الثلث مقارنة بالعام الماضي، ويرجع السبب لسيطرة قوات النظام على أهم أراضي التين في ادلب كجبل شحشبو وكفرنبل ومعرة النعمان، إضافة لنزوح الأهالي ما تسبب بإهمالهم العناية بأراضيهم من حراثة وتقليم ما أدى إلى انتشار الأمراض الفطريّة وزيادة الأمراض الحشريّة نتيجة بقاء العشب في الأرض.

الغبار وبعض العبوات البلاستيكية الفارغة وعرائش العنب المهملة التي احترقت أوراقها بفعل الشمس، معظم ما تشاهده على أسطح المنازل التي تخلو من التين المجفف الذي كانت تمتلئ به في مثل هذه الأيام من كل عام لتجفيفه وبيعه.

عائلات قليلة وبعض الشبان الذين يجوبون شوارع القرى وأراضيها يعملون على جني المحصول، قلة منهم يسكنون في منازلهم، بينما اختار قسم آخر السكن في القرى التي يعتبرونها أكثر أمناً، بعد وصول قوات النظام  إلى تخوم قراهم وكشفها للأراضي الزراعية المجاورة، إضافة لاستهدافها بالقذائف المدفعية.

مواسم ضعيفة هذا العام

يقدر المهندس الزراعي مصطفى القاسم من جبل الزاوية انخفاض الموسم هذا العام إلى الثلث مقارنة بالعام الماضي، ويرجع السبب لسيطرة قوات النظام على أهم أراضي التين في ادلب كجبل شحشبو وكفرنبل ومعرة النعمان، إضافة لنزوح الأهالي ما تسبب بإهمالهم العناية بأراضيهم من حراثة وتقليم ما أدى إلى انتشار الأمراض الفطريّة وزيادة الأمراض الحشريّة نتيجة بقاء العشب في الأرض.
ويرى القاسم  أن بقاء شجرة التين بدون تتويب يؤدي إلى نقص في التلقيح ويتسبب بتساقط الثمار قبل وصولها لمرحلة النضج.

ويضيف ” بدأنا نلاحظ يباس أشجار التين بعد القصف، فالشظايا التي تصيب أحد فروع الشجرة قد تؤدي لموتها في حال لم نقم بتقليم تلك الفروع”.

جني المحصول في بيئة خطرة

في حين يواجه مزارعون آخرون صعوبة بتأمين العمال اللازمين لجمع التين نتيجة خوف الناس من العمل في منطقة قد تتعرض للخطر. يقول أبو بلال وهو نازح من قرية بليون بجبل الزاوية إنه ترك خيمته مؤقتاً واستقر في قرية معراته القريبة ريثما يجني محصوله من التين، والذي يصفه بـ “القليل” مقارنة بالأعوام السابقة، يضاف إلى ذلك ارتفاع أجور النقل وندرة عمال المياومة.

تجفيف التين على أسطح المنازل -فوكس حلب
تجفيف التين على أسطح المنازل -فوكس حلب

ويتنقل مازن العبدو على دراجته النارية في قريته “البارة” باحثاً عن عمال يساعدونه بجمع المحصول، يقول العبدو إيجاد العامل ليس أمراً صعباً فالجميع يرغب بالحصول على فرصة عمل، لكن إقناعه بالذهاب إلى الحقول القريبة من كفرنبل ومنطقة الوادي مستحيلاً، فالأراضي مكشوفة للنظام وقد تتعرض للقصف في حال رصدت قوات النظام أي حركة داخلها.
وتداول ناشطون أول أمس الجمعة صوراً لشابين وطفل قتلوا أثناء قيامهم بجمع موسم التين من أحد المزارع المتاخمة لكفرنبل، في حين لم نتمكن من التحقق من الطريقة التي قتلوا بها، إذ تحدث ناشطون عن استهدافهم من قبل قوات النظام، في حين تحدث آخرون عن انفجار لغم أو قنبلة عنقودية بهم، إذ تنتشر القنابل العنقودية في تلك المنطقة.
القتلى من مدينة كفرنبل ولم يتمكن عناصر الدفاع المدني من سحب جثثهم حتى وقت متأخر من مساء الجمعة، بسبب خطورة المنطقة ورصدها من قبل قوات الأسد.

جمع المواسم وأسعار التين

تبدأ المرحلة الأهم لموسم التين بعد قطافه، إذ يقوم المزارعون بتجفيفه فوق أسطح المنازل وتعريضه لأشعة الشمس حتى يجف، ثم يجمع ويفرز بحسب نوعه وجودته.

تين مجفف معد للبيع في جبل الزاوية -فوكس حلب
تين مجفف معد للبيع في جبل الزاوية -فوكس حلب

تقول فاطمة حاج موسى إن هناك أنواع عديدة من التين في جبل الزاوية، كتين الزهرة “مُشقّق” الذي يباع للمشاغل الخاصة التي تقوم بتعبئته وتعليبه وتصديره، حيث يتراوح سعر الكيلو غرام منه حالياً بين دولارين ونصف الدولار إلى ثلاثة دولار، وهناك صنف آخر يدعي قلادي “مُغمض” يضاف إليه قليل من الماء ويرصّ بحجر دائري مسطح بهدف إخراج الهواء منه، ثم يضم بخيط من النايلون ليصبح على شكل قلادة تضم نحو مئة حبة ثم يعبّأ في أكياس كبيرة وينقل للسوق.

وتضيف فاطمة إن أسطح المنازل تخلو من التين المجفف هذا العام، والذي ينقل إلى مناطق أخرى لتجفيفه وبيعه.

الضمان أحد الحلول

اتجه قسم من أهالي جبل الزاوية إلى تضمين أراضيهم للتخلص من التوتر الذي يرافقهم أيام جمع الموسم، يقول مأمون خلف “ضمّان تين” إن عملية ضمان التين تتم بصيغة توافقية بينه وبين صاحب الأرض، حيث يقوم الضمان بتقدير كميّة المحصول في الأرض وتقدير سعر الكيلو غرام بحسب جودته ونوعيته، ويحسب التكلفة التي قد يدفعها كأجور للعمال والنقل، ثم يعرض النسبة التي يراها مناسبة لأتعابه.
ويضيف الخلف أن عملية الضمان اختلفت كثيرا عن الماضي نتيجة زيادة كلفة النقل وارتفاع أجور عمال المياومة وأجور الحرّاس الليليين والحساسية الأمنيّة لقرى جبل الزاوية كونها خطوط تماس ما رفع نسبة الضمّان لأكثر من النصف.

من جهة أخرى يعمد بعض المزارعين المقيمين في المخيمات لنظام المحاصصة حيث يقوم بتكليف أحد الأقارب أو المعارف بجمع الموسم بعد الاتفاق على صيغة محددة، كثلثين لصاحب الأرض وثلث للموكّل بالعمل، أو تقاسم المحصول مناصفة.

موسم التين فرصة عمل

شكل موسم التين مورداً جيداً لعمال المياومة المقيمين في جبل الزاوية، يقول أشرف “شاب من قرية بليون” إنه يتجه عصر كل يوم للعمل مع أحد الضامنين في جمع التين ويتقاضى نحو ألفين وخمسمئة ليرة سورية كأجرة عن عمل نصف يوم، ويبقى في الأرض بعد انتهاء العمل ليحرس الأرض ضمن خيمة بناها له صاحب العمل وتكفل بمستلزماته من الطعام والشراب.

خيمة لأحد الحراس لموسم التين بجبل الزاوية -فوكس حلب
خيمة لأحد الحراس لموسم التين بجبل الزاوية -فوكس حلب

واتفق أشرف مع صاحب الأرض على مبلغ مئة دولار مقابل الحراسة حتى انتهاء الموسم، كما يصطحب أشرف ابنه حسن “13 سنة” معه للعمل ويتقاضى يومياً ثلاثة آلاف ليرة سورية عن كل يوم عمل، حيث يعتمد المزارعين على الشبان الصغار في علمية القطاف التي لا تحتاج لخبرة كبيرة.

طفل يعمل كمياوم في قطاف التين -فوكس حلب
طفل يعمل كمياوم في قطاف التين -فوكس حلب

يقول أشرف إن الحراسة الليلة تعرض العاملين فيها للخطر، إذ تنتشر “سرقة التين” بسبب غياب أصحاب الأرض، وخلو القرى من سكانها، ما يدفع الضامنين والأهالي لاستئجار من يقوم بحراسة مواسمهم.

وشجرة التين من أهم الأشجار المثمرة التي يعتمد عليها أهالي إدلب، وتقدّر المساحة المزروعة بأشجار التين في إدلب بـ 3.8 ألف هكتاراً، وعدد الأشجار بنحو 882 ألف شجرة، متوسط إنتاجها 17.5 ألف طن، بحسب المجموعة الإحصائية، ويعتبرها الأهالي قرينة لشجرة الزيتون ، حيث تشكّل مصدر رزق رئيسي للمزارعين لسهولة قطافها ولمردودها المادي الجيد مقارنة بالأشجار الأخرى ، فزراعتها سهلة وتثمر خلال ثلاث سنوات بعد وضعها في الأرض، وتعيش في تربة بعلية ولا تحتاج لعناية كبيرة.
يخبرنا محمّد حبيب وهو نازح في مخيم وادي عباس أنّه يفتقد اليوم لسهرات الصيف على سطح منزله ببلدة ترملا، إذ اعتاد أن يسهر مع عائلته وقد أحاطت بهم ثمار التين من كل جانب، ليتبادلوا الأحاديث اليومية عن العمل والطرائف التي مروا بها وعن تقديراتهم للموسم ومقارنتها بالمواسم السابقة، إلا أن أسطح المنازل تخلو من التين ومن السكان اليوم، ويعلوها الغبار والدمار.

 

سنوات على “كيماوي الغوطة”.. وشهود المجزرة مازالوا تحت تأثير الصدمة

هاني العبدالله

ما تزال تفاصيل مجزرة كيماوي الغوطة محفورةً في أذهان كل شخصٍ حضر تلك الليلة الكارثية، ففظاعة ما شاهده الأهالي يومها، يجعل من الصعب عليهم نسيان أي تفصيلٍ عاشوه

ما تزال تفاصيل مجزرة كيماوي الغوطة محفورةً في أذهان كل شخصٍ حضر تلك الليلة الكارثية، ففظاعة ما شاهده الأهالي يومها، يجعل من الصعب عليهم نسيان أي تفصيلٍ عاشوه، لدرجة أن البعض لا يصدق حتى الآن ما جرى، ويظنه مجرد كابوسٍ مخيف استيقظ منه وظلت تفاصيله عالقةً في المخيلة.

قساوة المشاهد التي خلّفها هجوم الأسد الكيماوي في آب 2013، سبّب أزماتٍ نفسية لسكان الغوطة ولاسيما الأطفال، اختلفت حدتها من شخصٍ لآخر، ما دفع كثيراً منهم لزيارة الأطباء النفسيين ومراكز الدعم والتأهيل، بينما حالت بعض العقبات دون قدرة آخرين على الخضوع لجلساتِ دعمٍ نفسي، ليتأزّم وضعهم يوماً بعد يوم.

مشاهدٌ دمرت نفوس أهل الغوطة

زياد هندية طفل مهجّر من الغوطة، دخل في أزمةٍ نفسية منذ استهداف قوات النظام لبلدته عربين بصواريخٍ تحوي غازاتٍ سامة في 2013، أدت لمقتل والده وأخوته الثلاثة، بينما نجا هو وأمه فقط، لتتفاقم حالته يوماً بعد يوم.

تقول أم زياد: “حين حصلت مجزرة الكيماوي كان زياد في السادسة من عمره، يومها تم إسعافنا جميعاً الى المشفى، وحين استيقظت أنا وزياد من الغيبوبة بعد أن سكبوا علينا كمياتٍ كبيرة من المياه، وجدت زوجي وأطفالي الثلاثة مستلقين أرضاً والزبد يخرج من أفواههم، صرخت من الفزع . حاولت إيقاظهم لكن دون جدوى، فعلمت حينها أنهم فارقوا الحياة”.

تضيف أم زياد لفوكس حلب: “حين شاهدني زياد أبكي بحرقة، سألني لماذا أبي وأخوتي لا يستيقظون من النوم؟! لم أعرف ما أقول له وضممته لصدري واستمريت بالبكاء. ظلّ زياد بعد تلك الليلة يصرخ في نومه ويتبول لا إرادياً لأكثر من سنتين.

عرضته حينها على مركز دعمٍ نفسي، وبعد جلساتٍ مكثفة تخلص من تلك المشاكل، لكنه ظلّ يعاني من فوبيا الطيران حتى اليوم، حيث تهجّرنا إلى مخيمات أطمة بريف ادلب، وكلما سمع صوت الطائرة يصرخ ويركض إلى أحضاني أو يختبئ داخل الخيمة”.

توثيق صور خمسمائة شهيد من شهداء ليلة كيماوي الغوطة -إنترنيت
توثيق صور خمسمائة شهيد من شهداء ليلة كيماوي الغوطة -إنترنيت

حالة زياد هندية واحدة من بين آلاف الحالات التي عانت من آثار الحملة الوحشية التي شنّها النظام على الغوطة الشرقية على مدار خمس سنوات، ولم تقتصر تلك الآثار النفسية على الأطفال، بل شملت حتى البالغين.

أحمد سحاري مهجّر من الغوطة ومقيم في ألمانيا، عاش لحظاتٍ قاسية في ليلة الكيماوي، التي شبهها بيوم القيامة، لتبقى تفاصيلها عالقةً في ذهنه وترافقه حتى في منامه، كيف لا وقد فقد كل عائلته أمام أعينه.

يقول سحاري: “كنت عند أصدقائي في بلدة حمورية حين علمت عبر المراصد أن هناك هجوماً كيماوياً استهدف بلدات الغوطة، من بينها بلدتي زملكا، توجهت مسرعاً إلى منزلي فلم أجد أحداً، فتوجهت إلى المشفى الميداني لأجد عشرات الجثث المتناثرة على الأرض بعضها قد فارق الحياة، والبعض الآخر يلفظ أنفاسه الأخيرة”.

يضيف سحاري لفوكس حلب “بعد نصف ساعة من البحث داخل المشفى وجدت زوجتي وطفلي مستلقيين على الأرض وكأنهما أسماكٌ خرجت من الماء وبدأت ترتطم بالأرض وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، صرخت منادياً على الأطباء فلم يستجب لي أحد، حيث كان هناك عددٌ قليلٌ من الأطباء والممرضين يشرفون على مئات المصابين، لم يكن هناك حتى أي جهاز تنفس متوفر لاستخدامه كإسعاف أولي، وكان الماء البارد هو الحل الوحيد، لكنه لم يجدِ نفعاً، وبعد دقائق شخصت أعين زوجتي وطفلي وفارقا الحياة بين يديّ”.

انهارت أعصابي وفقدت الوعي حينها، وفي الصباح كان لا بد من الاستسلام لهذا الواقع المرير، حيث دفنت جثتي عائلتي، كانوا شهداء بلا دماء. ما حصل في ليلة كيماوي الغوطة ظلّ كابوساً يرافقني حتى اليوم. فكرت كثيراً بالانتحار بعد أن أصبت بحالة اكتئابٍ شديدة، لكن إيماني بالله منعني منذ ذلك، وفق ما ذكر سحاري.

اضطرابات نفسية متعددة أرهقت الأطفال

بدأت المشاكل النفسية تظهر لدى سكان الغوطة، مع تصاعد القصف على منطقتهم، وأهم آثارها (فوبيا الطيران)، وهو ناتج عن الخوف الشديد من القصف الجوي والذي يترافق عادة مع صوت الطائرة القوي.

يقول الاستشاري النفسي خالد رومية من مهجّري الغوطة إن “القصف العنيف وظروف الحصار التي تعرض لها سكان الغوطة، إضافةً إلى المشهد الأفظع مجزرة الكيماوي في 2013، خلقت حالاتٍ من الاضطراب النفسي والسلوكي بشكل متسارعٍ لدى الكثير منهم ولاسيما الأطفال، وتحوّل بعضها لأمراض نفسية نتج عنها أمراض عضوية، ما زاد الوضع سوءً”.

وأضاف رومية “يصاب الشخص بآثار نفسية مؤقتة، نتيجة تعرضه لجرعاتٍ عالية من القصف والعنف ومشاهدة الدم والموت، لكن تكرار التعرّض لجرعات الصدمة أو العنف، يزيد من احتمالية استمرارها لفترة أطول، ما يشكل بدايةً لحدوثِ مرض نفسي”.

من مجزرة كيماوي الغوطة -إنترنيت
من مجزرة كيماوي الغوطة -إنترنيت

وتابع رومية قائلاً: “كما تسببت مشاهد القصف والجثث، في آثارٍ نفسية أخرى، منها التبول اللاإرادي، والعرات وهي عدم القدرة على التحكم بحركات الوجه واليدين، إضافةً إلى الخوف والتوتر والارتباك واضطرابات النوم وسوء التركيز والهلوسة”.

بدوره قال الصحفي غياث الذهبي من أبناء الغوطة: “ليلة 21 آب 2013 لن ينساها أي شخص من أهالي الغوطة، وبات لديهم حالة رعب من مجرد سماع كلمة كيماوي، حيث شاهدوا آلاف المصابين ومئات القتلى أمام أعينهم، وهناك من فقد كامل أفراد عائلته وأصيب بصدمةٍ نفسيةٍ شديدة استمرت معه لفترة طويلة”، مضيفاً أن “حالة الرعب التي أصابت الناس بعد تلك المجزرة، دفعت الكثير منهم لبيع كل ما يملك للخروج من الغوطة خوفاً من تكرار الهجوم الكيماوي، لدرجة أن حوالي مئتي ألف شخص تقريباً خرجوا خلال عشرين يوم بعد تلك الفاجعة”.

معوقات فاقمت الأزمات النفسية

فظاعة ما عاشه الأهالي ليلة كيماوي الغوطة، تسبّب بإصابة أغلبهم بأزماتٍ نفسية، وبالتالي كانوا بحاجةٍ للخضوع لجلسات علاجٍ نفسي، إلا أن معوقاتٍ كثيرة حالت دون ذلك، ولاسيما الحصار وضيق الواقع الاقتصادي للسكان، وقلة المختصين النفسيين داخل الغوطة، وعدم قدرة الأهالي على العلاج في مشافي العاصمة.

وقال الاستشاري النفسي خالد رومية: إن “معظم من كانوا يعانون من مشاكل نفسية لم يراجعوا مراكز الدعم النفسي خوفاً من نظرة المجتمع، إضافةً الى ندرة الأدوية وارتفاع أسعارها في ظل الحصار، كما أن البعض لجأ للخضوع لجلسات نفسية عبر السكايب مع مختصين نفسيين في الخارج تطوعوا لتقديم الدعم لأهالي الغوطة، لكن ضعف شبكة الانترنت كان يحول دون إتمام تلك الجلسات”.

ولم يكتفِ الأسد بمجزرة الغوطة في 2013، بل استمر عقب ذلك في زيادة الحصار والتصعيد العسكري على مدار خمس سنوات، ما اضطر السكان للجوء للأقبية التي كان أغلبها غير مجهزة ومظلمة، وبالتالي تسبّب المكوث الطويل فيها، بزيادة الكآبة والمشاكل النفسية لديهم.

وعملت بعض السيدات حينها على إطلاق مبادرات فردية ضمن الأقبية التي تحوّلت لملاجئ وخاصةً في بداية 2018، وذلك بهدف إخراج الأطفال من الخوف الذي يُسيّطر عليهم، ومحاولة إشغالهم بأشياء مفيدة، ولاسيما بعد توقف المدارس.

وقالت المدرسة غيداء بحري من مهجري الغوطة: “قامت بعض المدرسات بعدة نشاطات، بغية تخفيف الضغط النفسي عن الأطفال المتواجدين داخل الأقبية ومحاولة إشغالهم عن المحيط الخارجي، عبر تنظيم المسابقات والألعاب وحكاية القصص المسلية وتعليمهم القراءة وبعض الأشياء المفيدة”، مشيرةً إلى أن “تلك المبادرات الفردية كانت مهمة لإخراج الأطفال من جو الضغط النفسي، لكنها لم تكن كافية خاصةً لمن كانوا يعانون أصلاً من أزماتٍ نفسيةٍ معّقدة، تفاقمت أكثر في ظل افتقار أغلب مراكز الدعم النفسي في الغوطة خلال الحصار للكوادر المؤهلة القادرة على التعامل مع اضطرابات الأطفال”.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت مقتل 1127 شخصاً بينهم 107 طفل و201 امرأة وإصابة 5935 آخرين، نتيجة مجزرة كيماوي الغوطة والتي نفذتها قوات النظام ليلة الحادي والعشرين من آب عام 2013، بعد أن قصفت بالصواريخ المحملة بغاز السارين، بلدات زملكا وعين ترما وكفر بطنا وعربين في الغوطة الشرقية، ومعضمية الشام في الغوطة الغربية.

نساء إدلب يتطلعن للحصول على حقهن في التمثيل السياسي

محمد كساح

“لا توجد أي وزيرة أو مسؤولة في مختلف المؤسسات التي تشرف عليها الحكومة. كما لم تشارك المرأة في المجالس المحلية التي ما تزال تنشط تحت مظلة الإنقاذ”.

تجتمع “سهى” مع مجموعة من صديقاتها المهتمات بالشأن السياسي كل أسبوع في مدينة إدلب، تحاولن الاقتداء ببعض النماذج السياسية النسوية التي يرين أنهن كنّ قادرات على المشاركة الفاعلة في كثير من المؤتمرات والمنصات السورية، ويتطلعن لتحقيق مكاسب للمرأة تمكنها من الحصول على التمثيل السياسي بعد تهميش طال لسنوات طويلة.
تقول سهى “وهو اسم وهمي” إن الحياة السياسية النسوية تغيب عن محافظة إدلب، رغم وجود نساء قمن سابقاً بعدة محالات، لكنها باءت جميعاً بالفشل نتيجة عادات مجتمعية أو تحكم عسكري يفرض أن يكون الرجال دائماً في الواجهة”.
تتساءل “ماذا لو ترشحت إحدانا لانتخابات المجلس المحلي في إدلب والتي جرت في العام 2017 ؟”. تضحك وتضيف “لا بد وأننا سنتعرض لعبوس الرجال أو لنظرات المجتمع الساخطة”.

حياة المرأة في إدلب

سجلت الحكومة المؤقتة أول وجود للمرأة في تشكيلتها الوزارية الحالية وغاب هذا الإجراء عن حكومة الإنقاذ التي باشرت بعملها منذ تشرين الثاني 2017، إذ لم تحصل المرأة التي تعيش في إدلب على أي مقعد سياسي لها في منصة الحكم الجديد.
وتقول من التقيناهن: إن المرأة في إدلب تعمل في مختلف المجالات الاجتماعية كالتعليم والصحة والإعلام، لكن عندما يتعلق الأمر بـ التمثيل السياسي فيبدو الواقع “مزرياً جداً”، على حد وصفهن.

تقول “شهد” التي فضلت التحدث تحت اسم مستعار لـ (فوكس حلب) “إذا اعتبرنا أن الحرية السياسية هي المقياس لأي تحرر في البلد فإن إدلب تعيش بدون حرية، وينطبق هذا الأمر على الرجال والنساء”. لكن المرأة غيبت عن الواقع السياسي بشكل متعمد، فلا نجد أي مشاركة للمرأة في أي من المؤسسات الحكومية.

بينما تعزو “شادية تعتاع” وهي مراسلة لجريدة “عنب بلدي” عدم تسجيل النسخ الثلاث لحكومة “الإنقاذ” انضماماً ولو شكلياً لأي أنثى إلى “طبيعة الانتخابات والمرشحين للحكومة”.

وتضيف “تعتاع” ” لا يوجد نظام حقيقي لإجراء انتخابات عادلة وحقيقية، وعمل الحكومة لا يصل إلى مستوى حكومة حقيقية حتى الآن”.

“لا توجد أي وزيرة أو مسؤولة في مختلف المؤسسات التي تشرف عليها الحكومة. كما لم تشارك المرأة في المجالس المحلية التي ما تزال تنشط تحت مظلة الإنقاذ”.

الأسباب التي أدت لغياب المرأة عن المشهد السياسي

يرى أشخاص لتقيناهم أن المرأة في إدلب غير قادرة على القيام بأي دور سياسي خلال الفترة الحالية، نتيجة الأوضاع الأمنية التي تعيشها البلاد والتي قد تحتاج للحزم أكثر منها للسياسية، وقد يكون الرجال مؤهلين لهذا العمل بشكل أكبر.

في الوقت نفسه شكلت عدة عوامل اجتماعية موانع أمام دخول المرأة لميدان العمل أو مشاركتها في التمثيل السياسي بشكل عام. كالغيرة والتحريم وبعض التقاليد التي ترى عيباً في مشاركة المرأة بالعمل السياسي، وحصر نشاطها بالعمل داخل المنزل، وفي بعض الوظائف كالتعليم والصحة.

يرفض محمد وهو شاب متزوج من مدينة إدلب دخول زوجته لمضمار العمل ضمن إحدى منظمات المجتمع المدني للمشاركة في الحياة العامة، ولم تشكل الرواتب الجيدة التي تمنحها المنظمات عاملاً مشجعاً لمحمد الذي تمنعه غيرته من السماح لزوجته بدخول الميادين التي يدخلها الرجال!

المرأة مهمشة سياسياً 

ربما ترى السلطة الحاكمة في إدلب أن منح عدة مقاعد للمرأة ضمن المؤسسات الحكومية ليس من أدبياتها. كما يحسب العاملون في المجالس المحلية حساباً لردة فعل المجتمع حيال توظيف المرأة ضمن فريق العمل.

تقول “شهد” إن المرأة مظلومة من السلطة التي ترى أن المرأة لا يجوز لها مخالطة الرجال ومزاحمتهم في المطامح السياسية. ومهمشة من قبل المجتمع الذي يحصر الأنثى ضمن دائرة مجتمعية ضيقة مع تشديد الرقابة عليها.

بينما تعتقد “منيرة بالوش” وهي محررة ومدونة قصص بمنظمة “نقطة بداية-مركز سرمدا” أنه رغم غياب المرأة عن الفعاليات السياسية، إلا أن المرأة سلكت طرقاً بعيدة عن هذا المجال وأثبتت نجاحها في الإعلام والمجالات الحقوقية والإنسانية والتعليم والصحة وغيرها” إذ تكثر الصحفيات اللواتي يغطين الأحداث الهامة في إدلب. كما بتنا نشاهد مشاركة للمرأة خلف عدسة الكاميرا سواء كانت صحفية أو امرأة عادية تحكي همومها في خيمة مهترئة في أقصى الحدود.

كما تقود المرأة سيارتها دون أن تتعرض لأي مضايقات. كذلك بالنسبة للالتزام بقوائم المنع الطويلة التي فرضتها أجهزة الحسبة، سواعد الخير، سواء في اللباس أو تقييد حرية الحركة، والتي  خفت خلال الآونة الأخيرة.

أما “سهى” فتؤكد أن هذا لا يكفي. إذ “لا يمكن للمرأة الاكتفاء ببعض الأعمال دون مشاركة حقيقية في الحياة العامة”، وتستشهد بالتجمعات السياسية النسوية التي نشطت في ريف دمشق أثناء سيطرة قوات المعارضة عليها.

وترى بأنها حققت مكاسب ونجاحات عدة، ما يخول المرأة دخول المعترك السياسي رغم الظروف الأمنية التي تعيشها إدلب، لذا تتطلع كثير من النساء اللواتي التقينا بهن لوصول لمشاركة المرأة في الحياة السياسية، إذ يرين أنها قد تكون قادرة على تمثيل حقوقهن بشكل أكبر من الرجل.

القبور في دمشق بملايين الليرات وكورونا يُغيّر طقوس الدفن

هاني العبدالله

“فوق الموتة عصّة قبر”، عبارة اعتاد السوريون على تداولها للدلالة على تضاعف المعاناة، إلا أنها لم تعد تكفي لوصف حال كثيرٍ من الموتى، الذين لم يكن لهم حتى قبرٌ ليرقدوا به بعد رحلة العذاب قبل الموت، فلطالما كان تأمين قبور في دمشق مشكلة للسكان لسنواتٍ طويلة، لتزداد المأساة أكثر مع انتشار فيروس كورونا، الذي جعل أسعار القبور تحلّق عالياً، وحرم ذوي الموتى من طقوس الدفن

“فوق الموتة عصّة قبر”، عبارة اعتاد السوريون على تداولها للدلالة على تضاعف المعاناة، إلا أنها لم تعد تكفي لوصف حال كثيرٍ من الموتى، الذين لم يكن لهم حتى قبرٌ ليرقدوا به بعد رحلة العذاب قبل الموت، فلطالما كان تأمين قبور في دمشق مشكلة للسكان لسنواتٍ طويلة، لتزداد المأساة أكثر مع انتشار فيروس كورونا، الذي جعل أسعار القبور تحلّق عالياً، وحرم ذوي الموتى من طقوس الدفن.

مع تصاعد الحرب في سوربا زادت حالات الوفيات، لتكتظ المقابر ولا سيما في دمشق التي شهدت مقابرها اختناقاً شديداً، ما تسبّب في ارتفاع أسعار القبور لأرقامٍ خياليةٍ، وتحوّل الموت فيها إلى تجارة بيد ضعاف النفوس، ما دفع السكان للتفتيش عن حلولٍ بديلةٍ، بعدما أصبح ايجاد مكان لدفن الموتى أصعب من تأمين مكان يؤوي الأحياء.

وتفاقمت أزمة القبور أكثر مع تفشي فيروس كورونا في مناطق النظام وزيادة حالات الوفيات، وتداول ناشطون قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي، صورةً تُظهر ازدحاماً كبيراً أمام مكتب دفن الموتى بدمشق، ما أثار موجةً من التساؤلات عن أعداد الوفيات بكورونا.

تجارة الموت وبورصة القبور

موقع “فوكس حلب” تواصل مع مصادر داخل المدينة للتعرّف على أسعار القبور، والتي أشارت الى أن سعر القبر في مقبرة الدحداح وسط العاصمة، يتراوح  بين 7-10 ملايين ليرة سورية، في حين يصل سعر القبر في مقبرة باب الصغير ما بين 3-5 مليون ليرة.

ويتراوح سعر القبر في مقبرتي الشيخ رسلان في باب شرقي، والمزة في الشيخ سعد ما بين 2-3 مليون، بينما لا يقل سعر باقي قبور دمشق عن مليون ليرة، ويختلف سعر القبر حسب موقعه وقربه من باب المقبرة أو ساقية المياه، أو مدى تجهيزه ونوعية الرخام فيه، ووجود سجل عقاري له (طابو).

أبو حسان من سكان حي الزاهرة بدمشق فقد شقيقه قبل أيام ليبدأ باجراءات الدفن، والتي وصفها بالمعقّدة والشاقة قائلاً: “بعد أن تلقينا خبر وفاة أخي في أحد المشافي الخاصة بدمشق، ذهبنا الى المشفى لرؤية الفقيد وأخذ شهادة الوفاة، ومن ثم توجهنا الى مكتب دفن الموتى، لتكون الصدمة حين شاهدنا المئات قد تجمهروا هناك، حيث توجد عدة نوافذ كل منها مخصصة لمقبرة من مقابر دمشق، فوقفت في دور النافذة المخصصة لمقبرة باب الصغير، وبعد انتظار لأكثر من ثلاث ساعات وصلت الى النافذة، حيث طلب الموظف تقرير الوفاة، وصورة هوية المتوفى وهوية مقدم الطلب وإخراج قيد، إضافةً إلى الطلب الذي يتضمن رقم القبر واسم المقبرة، ومعلومات شخصية، ومن آخر متوفى دُفن في القبر ومنذ متى، وما صلة القرابة به، ليتم بعدها إعطاء الموافقة بفتح القبر”.

ارتفاع أسعار القبور في دمشق -إنترنيت
ارتفاع أسعار القبور في دمشق -إنترنيت

ولا يجوز فتح القبر إلا بعد مرور خمس سنوات على دفن الوفية السابقة، ثم يتم دفع الرسوم (40-50 ألف ليرة)، التي يتكفّل بموجبها مكتب دفن الموتى بمراسم الدفن، من غسيلٍ وتكفين وصلاة ونقل الجثة ومن ثم الدفن.

ويمتلك أغلب أهالي دمشق منذ عقودٍ من الزمن قبوراً دُفن فيها أجدادهم وآباؤهم، حيث يتوارث الأبناء والأحفاد القبر ليتم الدفن فيه، بعد مراجعة مكتب دفن الموتى بمحافظة دمشق التابعة للنظام، الذي يمتلك سجلات القبور الموجودة في العاصمة، فكل قبر له رقم يُوضّح صاحب الملكية ومن آخر شخص دُفن فيه.

ويقدم ذوي المتوفى ورقة ملكية القبر، وإخراج قيد يُوضّح صلة القرابة به، وهنا يتأكد مكتب دفن الموتى أن الفقيد هو من الأصول التابعة لورثة القبر، أي الأب أو الأم أو الأخ أو الابن، وأن آخر شخص دُفن في القبر مضى على دفنه أكثر من خمس سنوات، مع العلم أنه كان يجب مضي عشر سنوات سابقاً حتى يُسمح بدفن شخص آخر في القبر، لكن تم تخفيض المدة بسبب الاختناق الشديد في مقابر دمشق خلال السنوات الماضية.

يضيف أبو حسان لفوكس حلب: “بعد أن قدمت كل الأوراق المطلوبة لمكتب دفن الموتى، أخبرني الموظف أن ملكية القبر تعود لشخصٍ آخر، وأنه لا يحق لي دفن أخي فيه، شعرت بصدمة كبيرة حين سمعت بالخبر، وبعد لحظاتٍ استعدت توازني وسألته عن مالك القبر فأخبرني عن اسمه، فعلمت حينها أنه يكون نجل أحد المتوفين الذي استضفناه في القبر قبل خمس سنوات، حيث استغل الابن علاقاته ببعض ضباط النظام، وقام بتزوير أوراق ملكية القبر”.

وتابع أبو حسان: “اضطررت لدفن أخي في مقبرة نجها جنوب دمشق بعيداً عن قبور العائلة، فليس هناك أي قبر شاغر ضمن مقابر العاصمة، وإن وُجد فسعره بملايين الليرات، وبعدما انتهينا من مراسم العزاء سارعت لرفع دعوى قضائية لاستعادة حقي المسلوب”.

وأصدر النظام قراراً مطلع عام 2018 بمنع الاستضافة في القبر للغرباء والذي كان متاحاً سابقاً، وحصر الأمر في الموتى الذين يحملون نفس كنية العائلة (الأصول والفروع)، واتهم ناشطون النظام أنه أصدر هذا القرار لجني أموالٍ طائلةٍ، عبر دفع الناس لشراء القبور التي تقع ضمن ملكية محافظة دمشق.

وكان سابقاً يمكن للورثة الشرعيين للقبر أن يستضيفوا ميتاً في قبر مورثهم، حيث يحضر إلى مكتب دفن الموتى وريثان شرعيان لا يكونان أخوين، ويُوقّعان على تصريح استضافة لمتوفى في قبر مورثهم، وبعد خمس سنوات تعود أحقية القبر إليهم ولا ينتقل حق الدفن إلى ورثة المتوفى المستضاف.

بدورها ذكرت صحيفة “الوطن” الموالية للنظام، أن بعض حرّاس المقابر يرصدون القبر لفترة طويلة للتأكد من انقطاع الزيارات عنه، ليقوموا بعدها بفتح القبر وإزاحة رفات الميت الأول، ومن ثم يعيدون تعميره ليشتريه ذوو الميت الثاني على أنه مدفن جديد، مشيرةً الى أن حرّاس المقابر يبيعون القبور أكثر من مرة.

قبور طابقية

كما أصدرت “محافظة دمشق” قراراً يسمح بانشاء قبور طابقية على ألا تزيد عن ثلاثة طوابق في القبر الواحد، وأصدرت لائحة تضمنت رسوم القبور الطابقية، وقال رياض الأمير (اسم مستعار) من سكان دمشق: إنه “ليس من حق المحافظة أن تتقاضى بدلاً نقدياً عن القبر الطابقي والذي يصل إلى 300 ألف ليرة، طالما أن صاحب القبر الأساسي دفع ثمن القبر مسبقاً، وهذا يعتبر نوعاً من الاحتيال، فالأسد بات يستغل أي شيء لجني الأموال من جيوب المواطنين”.

وأضاف “رغم وجود قرار يمنع صاحب القبر باستضافة الغرباء، إلا أن بعض ضعاف النفوس استغلوا ذلك الأمر لجني الأموال، حيث يقوم صاحب القبر ببيع الطابق الثاني والثالث الذي قام بإنشائه بالتواطؤ مع حارس المقبرة لأي شخٍص غريب، وبما أن عملية بيع القبور غير قانونية لجأ البعض إلى التحايل، حيث يدفع الزبون ثمن القبر لصاحب القبر، ومن ثم يذهب الأخير للمحكمة للتنازل عن القبر للمشتري على أساس أنه تبرع به ولم يتقاضى منه أي مبلغ، وبالتالي يحصل على حكم قضائي، عندها يمكن للمشتري نقل الملكية له في المحافظة”.

مقبرة الفقراء وضحايا الكورونا

ارتفاع أسعار القبور في دمشق، وجّه أنظار كثير من السكان الى مقبرة نجها ضمن منطقة الحسينية بريف دمشق والتي تبعد 13كم عن مركز العاصمة، لتصبح بمثابة مقبرةٍ للفقراء والنازحين، نظراً لانخفاض أسعار القبور فيها مقارنةً بالأسعار الباهظة في مقابر العاصمة.

عمران نازح من مدينة ادلب ومقيم في منطقة دويلعة بدمشق منذ أربع سنوات، فقد والده بعد وفاته بأزمةٍ قلبية، فقرر دفنه في مقبرة نجها، بعد أن علم أن سعر القبر داخل دمشق لا يقل عن مليوني ليرة، بينما بلغت قيمة قبر والده مع اجراءات الدفن 120 ألف ليرة فقط.

وأفاد عمران أن “تراجع المستوى المعيشي لدى السكان دفعهم للاستغناء عن كثيرٍ من طقوس العزاء، ففي السابق كان يتم اقامة وليمة غداء في اليوم الثالث لوفاة الفقيد، لكن تم إلغاء تلك العادة، بعدما وصل سعر كيلو اللحم لـ 15 ألف ليرة، فلم يعد لذوي المتوفى القدرة على تقديم الصفيحة ولحم بعجين والحلويات، واقتصر الأمر على تقديم القهوة المرّة في خيمة العزاء، إضافةً الى لجوء الكثيرين لنشر خبر الوفاة على مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من طباعة النعاوي التي أصبحت مكلفة أيضاً”.

ومع انتشار فيروس كورونا، لم تعد مقبرة نجها للفقراء فقط، بل أصبحت مخصصةً لدفن الوفيات بسبب ذلك الوباء، عبدو فقد والدته قبل أيام بعد صراع لأكثر من أربعين يوماً مع فيروس كورونا، ليتجه مسرعاً مع أخوته الى المشفى لرؤية والدتهم والبدء باجراءات الدفن، لكن موظفي المشفى أخبروهم أنه يمنع منعاً باتاً رؤية جثة المتوفى تطبيقاً لتعليمات وزارة الصحة في حكومة النظام، ليقول: “اضطررت لدفع رشوى قدرها عشرة آلاف ليرة حتى سُمح لنا برؤية والدتي عن بعد”.

وأضاف عبدو “انتشار كورونا زاد أوجاع ذوي المتوفى، فلم يعد يُسمح لهم برؤية فقيدهم أو تغسيله أو الصلاة عليه في المسجد، وإنما يتكفل فريق من مكتب دفن الموتى بتكفين الجثة فقط دون تغسيلها، ونقلها مباشرةً الى المقبرة، حيث يقوم الحفّار بفتح القبر واخراج رفات المتوفى السابق ووضعها ضمن حفرة جانبية في القبر وردمها بالتراب، ومن ثم وضع جثة المتوفى الجديد”.

وتضم مدينة دمشق 33 مقبرة تحتوي على حوالي 130 ألف قبر، والتي امتلأت معظمها ولاسيما المقابر وسط المدينة كمقبرة الدحداح وباب الصغير والمزة، وبالتالي بات دفن المتوفى مشكلة حقيقية، ولاسيما أن سكان دمشق الأصليين يُصرّون على دفن موتاهم داخل العاصمة، ويعتبرن أن دفنهم بعيداً عن مقابر العائلة يعد منافياً للعادات والتقاليد ويُسيء لحرمة الميت.

عاملات المياومة يغامرن بصحة أطفالهن الرضع من أجل لقمة العيش

رؤى زيدان

ينصح “صبحة” بعدم اصطحاب الأطفال إلى الحقول، وفي حال اضطرت عاملة المياومة لاصطحاب طفلها فيتوجب عليها إعطاء الطفل كمية جيدة من السوائل عبر إرضاعه أو منحه كمية من المياه كل ساعة أو ساعتين لضمان الحفاظ على السوائل في جسمه.

تحت ظل شجرة أو في “علاّقات” مربوطة على ظهر عاملات المياومة تجد أطفالاً رضع، لم يتجاوز عمرهم السنتين، تصحبهم أمهاتهم اللواتي اضطررن للعمل لتأمين ما يسد رمق عائلاتهن، في مختلف الظروف المناخية.

ليس العمل رفاهية وسط الأحوال الاقتصادية التي تعيشها العائلات في أرياف إدلب، بعد حملات النزوح والتهجير وغياب المعيل وقلة فرص العمل.

مجبرات على العمل

تتحين عاملات المياومة المواسم للعمل لأيام يستطعن من خلال ما يجنينه من نقود تأمين بعض المستلزمات للشتاء، كالمؤن والألبسة، وربما يسعفهن الحظ بالحصول على وقود تدفئة في شتاءات إدلب القاسية.

وتقول أم شهاب من ريف إدلب إنها تضطر لحمل رضيعها ذي السنة الواحدة إلى عملها ضمن “ورشة الفعالة” في الحقول الزراعية، بعد أن باتت المسؤولة عن تأمين قوت عائلتها المكونة من ستة أشخاص بعد وفاة زوجها.

ترفض أم شهاب استجداء عطف المنظمات الإنسانية، وترى في هذا العمل فرصة لسد جزء من احتياجات عائلتها اليومية، رغم الأجور الزهيدة التي لا تتناسب مع ساعات العمل الطويلة وارتفاع تكاليف الحياة في إدلب.

تخشى أم شهاب على طفلها من التعرض لأشعة الشمس، لكنها مضطرة لاصطحابه معها بهدف إرضاعه، ولأنها لا تستطيع تركه عند أخوته الصغار، وتستغل فترات الاستراحة لتعتني بطفلها. وحين يبكي أثناء قيامها بالعمل تحمله على ظهرها ضمن كيس الأطفال وتداعبه حتى يسكت.
أم شهاب واحدة من عشرات السيدات اللواتي يعملن في هذا المجال ويصطحبن أطفالهن معهن بهدف تأمين دخل إضافي يساعد أزواجهن على تحمل نفقات الحياة،
تتوجه أمينة المحمد من جبل الزاوية رفقة زوجها و طفلها (عام ونصف العام) صباح كل يوم للعمل في الأراضي الزراعية، ويمتد عملها من السابعة صباحاً حتى الثانية ظهراً مقابل أجر لا يتجاوز ألفاً وخمسمئة ليرة سورية في اليوم.

عاملات مياومة بريف إدلب -إنترنيت
عاملات مياومة بريف إدلب -إنترنيت

تخبرنا أمينة أنها تصطحب طفلها معها بشكل يومي لأنها لا تملك من يهتم به في المنزل، فكل أفراد العائلة يعملون معاً في نفس المجال، وأطفالها الصغار لا يمكنهم الاهتمام به فأكبرهم سناً لم يتجاوز الثمان سنوات وهم بحاجة لمن يهتم بهم.

أثناء انشغال أمينة في عملها تمنح طفلها بعض الألعاب، وتتركه تحت ظل شجرة لينام متجاهلة المخاطر التي قد يتعرض لها نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وإمكانية أن تلدغه الحشرات أثناء انشغالها عنه.

هناك من ينتظرنا في المنزل ليعيش، تقول أمينة وهي تلاعب طفلها بين يديها لإسكاته من نوبة بكاء.

مخاطر اصطحاب الأطفال للحقول

يقول الطبيب بديع صبحة أخصائي طب الأطفال، إن تعرض الطفل لأشعة الشمس المباشرة ودرجات الحرارة المرتفعة قد يسبب في إصابته بالتجفاف الناجم عن التعرض الزائد، والذي قد يؤدي بدوره لتسرع في نبضات القلب وضيق التنفس، ويمكن أن يصل لمرحلة فقدان الوعي نتيجة لنقص السوائل، ما يؤثر على دماغه.

كما يمكن أن يصاب الطفل بـ “ضربة الشمس”، والتي تترافق بأعراض التعب والصداع والإقياء. وتنشط الفيروسات المعوية في فصل الصيف عند الأطفال وتتسبب لهم بحالات إقياء وإسهال نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.

وينصح “صبحة” بعدم اصطحاب الأطفال إلى الحقول، وفي حال اضطرت عاملة المياومة لاصطحاب طفلها فيتوجب عليها إعطاء الطفل كمية جيدة من السوائل عبر إرضاعه أو منحه كمية من المياه كل ساعة أو ساعتين لضمان الحفاظ على السوائل في جسمه.

كما يجب أن يوضع الطفل في ظلٍ جيد لتخفيف التعرق عنده، كما ينبغي على الأم تخفيف ملابس طفلها، وأن تكون قطنية وليست بلاستر أو نايلون كي لا تحبس الحرارة داخل الجسم.
وأشار بيان نشرته منظمة اليونيسف في أيلول 2018، وفق دراسات عديدة، أن الرضع والأطفال الصغار أكثر عرضة للموت أو المعاناة من ضربة الشمس، لأنهم غير قادرين على تنظيم درجة حرارة الجسم والتحكم في البيئة المحيطة بهم.

لا يعترض أصحاب العمل على اصطحاب عاملات المياومة لأولادهن، طالما أن الأمر لا يوثر على إنتاجهن، وترغب من تحدثنا منهن باصطحاب صغارهن للعناية بهم، ولعدم وجود من يعتني بهم، يقلن إنهن يشعرن بالاطمئنان لوجودهم معهن، متجاهلات ما يمكن أن يحدث من مخاطر قد تؤثر على صحتهم العامة.