فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“كورونا المخيمات”.. المعلومة من الواتس والوقاية بما تيسر

فريق التحرير

ألغى أبو صدام أحد قاطني مخيم “نحن معاً” بريف إدلب الشمالي خاصية السماح لعائلات المخيم بالنشر حول فايروس كورونا في المجموعة التي أنشأها بهذا الخصوص، وحصر الأمر بأربعة أشخاص يعملون […]

ألغى أبو صدام أحد قاطني مخيم “نحن معاً” بريف إدلب الشمالي خاصية السماح لعائلات المخيم بالنشر حول فايروس كورونا في المجموعة التي أنشأها بهذا الخصوص، وحصر الأمر بأربعة أشخاص يعملون على انتقاء المعلومات الصحيحة وتزويد الأهالي بها.

ومنذ الانتشار التصاعدي لـ فايروس كورونا يعيش سكان المخيمات حالة من القلق خوفاً من انتشاره وسط ضعف العناية الطبية وعدم قدرتهم على شراء المستلزمات الوقائية من كمامات ومواد تعقيم، يرافق ذلك ندرة في حملات التوعية ضمن كثير من المخيمات، يقول أبو صدام

على أثير الواتس آب

“لم يشهد مخيم -نحن معاً- أي حملات توعية حول فايروس كورونا وكيفية الوقاية منه” يقول أبو صدام ولذلك اتفق النازحون على إنشاء مجموعة على تطبيق الواتس آب تضم كل قاطني المخيم الذي يحتضن 220 عائلة.

في البداية كان النازحون ينشرون على مجموعة المخيم أي معلومة أو فيديو أو صورة يجدوها على الواتس أو الفيس بوك حول فايروس كورونا، لكن بعد فترة “قررنا السماح فقط لأربعة فقط من أبناء المخيم بالنشر على الكروب، بعد أن لاحظنا انتشار معلومات دون التأكد من مصدرها”.

وأضاف أبو صدام “يحرص مشرفو الكروب على نشر كل المعلومات المتعلقة بكورونا، لتوعية الناس حول كيفية التعامل مع هذه الجائحة، مع الحرص على تداول المعلومات من مصادر رسمية وموثوقة ممهورة بختم أو شعار المؤسسة، كالدفاع المدني ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المواقع”.

أحد المخيمات في إدلب ويظهر في الصورة عدم اتخاذ السكان لإجراءات الوقاية من فايروس كورونا -خاص
أحد المخيمات في إدلب ويظهر في الصورة عدم اتخاذ السكان لإجراءات الوقاية من فايروس كورونا -خاص

وتابع قائلاً: “أغلب نازحي المخيم لا يُجيدون القراءة والكتابة، ولا توجد مدرسة في المخيم منذ إنشائه قبل تسع سنوات. هناك أطفال وشبان أميون لا يجيدون القراءة وهو ما يحول دون قدرتهم على البحث عن المعلومات الصحيحة في المواقع الرسمية. ويعتمدون فقط على الواتس آب، حيث يتم نشر إرشادات كورونا ضمن مجموعة المخيم على الواتس على شكل تسجيلات صوتية، وفي حال تم نشر معلومات مكتوبة، يكون هناك شخص متعلم على الأقل ضمن العائلة، يتولى قراءة التعليمات الوقائية لباقي أفراد عائلته”.

في مخيم الركبان.. مكبرات الصوت تواجه كورونا

يقول محمد أحمد درباس الخالدي رئيس المجلس المحلي في مخيم الركبان: إن “الانترنت غير متوفر عند أغلب النازحين في ظل ارتفاع تكلفته، حيث أن تعبئة واحد جيجا بايت يُكلّف أربع دولارات، أي ما يعادل عشرة آلاف ليرة سورية، إضافةً لعدم توفر الكهرباء في المخيم لشحن الهواتف، لذا يُفضل أغلب النازحين شراء خبز وطعام لأطفالهم بدلاً من دفع أموال من أجل تأمين الانترنت، خاصةً أن معظم النازحين يعيشون واقعاً معيشياً مأساوياً في ظل الحصار المفروض عليهم من النظام وروسيا”.

ويقتصر دور المجلس المحلي في الركبان، على توعية الناس بواسطة المكتب الطبي، من خلال تقديم النصائح عبر مكبرات الصوت، إضافةً لمناشدة كل المنظمات بضرورة تقديم مستلزمات الوقاية لكن لم تلقَ آذاناً صاغية، لذلك تم توجيه طلب “لجيش مغاوير الثورة” التابع لفصائل المعارضة لتعقيم المواد الغذائية الذي تدخل من مناطق النظام للمخيم، فاستجابوا للطلب وشكّلوا فريقاً من مستوصف شام المدعوم من قبل جيش المغاوير، وباشروا بتعقيم كل السيارات القادمة من مناطق النظام للمخيم، لكن ذلك ليس كافياً وفق ما ذكر الخالدي.

وأضاف الخالدي أن “العدد القليل من النازحين الذين لديهم قدرة على الاشتراك بالانترنت، يتابعون المعلومات الخاصة بـ فايروس كورونا التي ينشرها أصدقاؤهم على الفيس بوك أو من بعض الصفحات الإخبارية، لكنهم لا يلتزمون بإجراءات الوقاية أيضاً، ليس لأنهم مستهترون، ولكن لعدم توفّر سبل الوقاية من الوباء من كمامات ومواد تعقيم، حيث يمنع النظام أي منظمة من إدخال مساعدات إلى المخيم”.

وتابع قائلاً: “التباعد الاجتماعي أحد طرق الوقاية التي يقرؤها النازحون يومياً خلال تصفحهم مواقع التواصل الاجتماعي، لكنهم لا يستطيعون الالتزام بها، فهم مضطرون للازدحام على صنابير المياه على الحدود السورية الأردنية، في ظل عدم وجود صهاريج لنقل المياه إلى الخيام، وحتى فرن الخبز الوحيد يشهد ازدحاماً شديداً، لقلة كمية الطحين التي تدخل للمخيم، وبالتالي يرى النازحون أن تطبيق إجراءات كورونا، والبقاء في الخيمة وعدم التجمع أمام صنابير المياه والفرن، يعني الموت من الجوع والعطش”.

الموت بكورونا يزيد من الحرص على الوقاية منه

أم ياسين من قاطني مخيمات عرسال على الحدود السورية اللبنانية، أرملة ولديها أربعة أطفال، توفي زوجها ضمن معتقلات النظام، ثم زاد وجعها بعد أن تلقت خبر وفاة شقيقها الوحيد قبل شهرين في مدينة دمشق بسبب إصابته بـ فايروس كورونا.

تقول أم ياسين: “كان خبر وفاة أخي بمثابة الصاعقة، لكن بنفس الوقت كان درساً لي لأحرص على اتخاذ الاجراءات الوقائية لحماية نفسي وأطفالي، فقد كنت سابقاً غير مكترثة بهذا الفيروس واعتبره مجرد كريب تزول أعراضه بعد عدة أيام، وأن من يمتلك مناعة قوية قد لا تظهر عليه أعراض أو تكون خفيفة عند إصابته بالفيروس، لكن أخي كان يُمارس رياضة كمال الأجسام ويهتم بالأغذية التي تقوّي مناعته، ومع ذلك فارق الحياة بعد أن أنهك الفيروس جسده القوي”.

وأشارت أم ياسين الى أن “أغلب قاطني المخيم لا يعرفون الكثير عن كورونا وأعراضه وكيفية التعامل معه، كونهم لا يكترثون بالمرض، أو يقرؤون المعلومات البسيطة التي تصلهم عبر الواتس أو على صفحات الفيس بوك، بينما حرصت أنا على متابعة المواقع الطبية المتخصصة للحصول على المعلومات الموثوقة، ولاسيما موقع (ويب طب، كل يوم معلومة طبية، موضوع)، وصرت أخبر النازحات ضمن المخيم بتلك المعلومات حتى يصبح لديهن وعي أكبر بكيفية التعامل مع كورونا”.

من جهتها قالت السيدة عائشة من قاطني مخيم الأزرق بريف الباب: “بعد تسجيل أول اصابة بكورونا في مدينة الباب منتصف تموز الماضي، بدأت أخشى على أطفالي، فالمخيم لا يبعد كثيراً عن تلك المنطقة، لذا منعتهم من الخروج للعب مع باقي الأطفال في المخيم، لكن مع غياب وسائل التسلية والترفيه شعر أطفالي بالضجر والملل من الجلوس الطويل في الخيمة، لذا فكرت بالبحث عن وسائل لتسليتهم”.

وأضافت عائشة “لديّ طفلان أحدهما عمره سنتين والآخر أربع سنوات، ومن الصعب إقناعهما بارتداء الكمامة، لذلك اشتريت لهم دفاتر رسم وتلوين ومكعبات، وصرت أعلمهم كيفية الرسم وصناعة الأشكال، فكانت طريقة ناجحة لمنعهم من الخروج وحدهم خارج الخيمة، وبنفس الوقت كنت استغل وجود زوجي في العمل، واحرص على تصفح موقع مجلة سيدتي الذي يستهدف السيدات وأطفالهن، حيث يحوي أيقونة خاصة بكورونا، تقدم كل المعلومات والاجراءات المتعلقة بهذا الوباء وأعراضه ومخاطره وطرق الوقاية منه”.

منظمات وحملات توعوية في عدد من المخيمات

يقول أحمد السيد نازح في مخيم “العائدون” بريف اللاذقية: “يرسل الدفاع المدني كل فترة فرقاً لتعقيم المخيم، وتقديم إرشادات حول طبيعة المرض وأعراضه وكيفية الوقاية منه”.

ويعمل الدفاع المدني على توعية الأهالي حول كيفية الوقاية من فيروس كورونا، وقال مدير مكتب التوعية بالدفاع المدني السوري في مديرية صحة حلب أحمد جحا: “مع انتشار كورونا حول العالم تم إيقاف فرق الدفاع المدني المتنقلة المسؤولة عن توعية الأهالي، إضافةً إلى التوقف عن توزيع البروشورات التوعوية، لأن تلك الاجراءات قد تساهم في انتشار العدوى نتيجة تجمع الناس حول فرق التوعية، أو لمس البروشورات من شخصٍ لآخر، لذا تم الاستعاضة عنها بنشر التوعية عبر المعرّفات الرسمية للدفاع المدني على تطبيقات فيسبوك وتويتر وانستغرام، إضافةً إلى نشر اللوحات الطرقية والملصقات”.

ولفت جحا الى أن “الدفاع المدني يسعى عبر منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى توعية الناس حول كيفية حماية أنفسهم من كورونا، والتأكيد على النظافة الشخصية وإجراءات ارتداء الكمامة والتباعد الاجتماعي، ودحض كل الإشاعات التي يتداولها البعض للوقاية من كورونا، إضافةً إلى نشر التوعية حول هذا الوباء عبر الصور والرسومات والانفوغرافيك والفيديوهات، كتعليم الأهالي كيفية صناعة الكمامة بأنفسهم، أو الطرق الصحيحة لغسل اليدين وتعقيم المنزل”.

ويقول أبو أنس نازح في مخيم العروبة قرب معرتمصرين بريف إدلب: “يتابع نازحو المخيم المعلومات التي تقدمها لهم منظمة احسان المسؤولة عن المخيم، من خلال قراءة الإرشادات على المعرفات الخاصة بالمنظمة على الواتس والفيس بوك، كما أن مندوباً من المنظمة يأتي للمخيم كل فترة لتقديم التوعية حول كورونا، خاصةً للنازحين الذين ليس لديهم شبكة إنترنت، أو لا يجيدون القراءة والكتابة”.

وانتشرت بين السوريين الكثير من الشائعات والمفاهيم الخاطئة حول فيروس كورونا وطرق انتقاله وسبل الوقاية، نتيجة قلة وعي البعض تجاه هذا الوباء العالمي، أو عدم اقتناع البعض الآخر حتى الآن بوجود هذا الفيروس أصلاً، بينما يرى آخرون أنه مجرد انفلونزا موسمية تذهب أعراضها بعد عدة أيام.

أحمد الحسين مدرس لغة عربية في مخيم الهول بريف الحسكة، كان من الأشخاص الذي انساقوا في البداية وراء بعض الشائعات حول كورونا، لكنه سعى لاحقاً إلى متابعة كل التعليمات التي ينشرها موقع منظمة الصحة العالمية، للتأكد من مدى صحة الإجراءات التي يقوم بها.

يقول أحمد الحسين: “كنت اعتقد في البداية أن تناول عدة فصوص من الثوم يومياً يمنع دخول فيروس كورونا إلى جسدي، وأنه مع ارتفاع درجات الحرارة فوق 25 درجة مئوية ستُقتل كل الفيروسات، وبالتالي لا حاجة لاتخاذ الاجراءات الوقائية في الصيف، لكن حين نصحني أحد أصدقائي اللاجئين في ألمانيا، بضرورة متابعة موقع منظمة الصحة العالمية، حينها اكتشفت أني كنت أقوم بالكثير من التدابير الخاطئة، التي كادت أن تتسبّب بإصابتي بفيروس كورونا”.

وأضاف الحسين “صرت أعمل على توعية طلابي في المدرسة بضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية، وأصحّح لهم الكثير من التدابير الخاطئة التي يتبعوها”.

وقاية دون أدوات

يقول مدير مخيم “شام 2” قرب بلدة كللي بريف ادلب بهجت أبو عهد: “يحصل النازحون على التوعية حول فايروس كورونا ، من خلال متابعة صفحات الدفاع المدني ومنظمة الصحة العالمية وحسابات بعض الناشطين والأطباء المعروفين، كما تقوم إدارة المخيم بالتنسيق مع مؤسسة احسان بجلسات توعية، اضافةً إلى حملات التوعية للدفاع المدني حول هذا الفيروس”.

وأضاف أبو عهد “ما الفائدة من المعلومات والتوعية التي يحصل عليها النازحون عبر الانترنت، إذا لم يتم توزيع كمامات وسلل نظافة ومواد تعقيم، وبنفس الوقت ليس لدى النازحين القدرة المالية على شراء مستلزمات الوقاية، حيث يبلغ سعر الكمامة الواحدة 500 ليرة، والأهالي بالكاد يؤمنون لقمة عيشهم، وأغلبهم لديهم قناعة مفادها -بموت من الكورونا أحسن ما موت من الجوع”.

 

إدارة المهجرين تفرض رسوماً مالية للإقامة على أملاك الدولة

 محمود البكور

طالبت الإدارة العامة لشؤون المهجرين قبل أيام سكان مخيم تلعادة “الدير” بريف إدلب الشمالي بدفع خمسين ليرة تركية عن كل خيمة، كرسوم مقابل إقامتهم في أرض تتبع لأملاك الدولة، الأمر […]

طالبت الإدارة العامة لشؤون المهجرين قبل أيام سكان مخيم تلعادة “الدير” بريف إدلب الشمالي بدفع خمسين ليرة تركية عن كل خيمة، كرسوم مقابل إقامتهم في أرض تتبع لأملاك الدولة، الأمر الذي استنكره سكان المخيم وأعلنوا رفضهم لهذا القرار.
مخيم الدير في تلعادة لم يكن المخيم الوحيد الذي طُلب من سكانه دفع آجار السكن بل طال القرار جميع المخيمات التي بنيت على أرض تتبع لأملاك الدولة.
يضم مخيم تلعادة نحو مئة وخمسين عائلة نازحين من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي وتم بناء المخيم منذ سنة وأربعة أشهر، يقول محمد أبو نديم مدير المخيم إنهم دفعوا لمكتب الزراعة التابع لحكومة الإنقاذ عند إنشاء المخيم ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية مقابل كل خيمة، رغم أن الأرض تقع في منطقة جبلية ولا تصلح للسكن إلا أن حاجة الأهالي للعثور على مسكن دفعتهم لاستصلاحها وتحطيم صخورها لإنشاء المخيم.
تم إبلاغ مدير المخيم بضرورة تجديد عقد الإيجار ودفع خمسين ليرة سورية عن الخيمة التي تبلغ مساحتها مئة متر، وطالبته الإدارة بتوقيع عقود مع سكان المخيم تلزمهم بدفع الرسوم، إلا أن معظم النازحين رفضوا توقيع العقد نتيجة ظروفهم الاقتصادية السيئة والإهمال الذي يعيشه المخيم من قبل حكومة الإنقاذ والمنظمات الإنسانية.

مخيم تلعادة بريف إدلب
مخيم تلعادة بريف إدلب

ويرى من التقيناهم من سكان المخيم أن المديرية غير محقة في طلبها ولم تقدم أي مساعدة لسكان المخيم الذي أقيم أساساً على أرض عامة وغير صالحة للاستثمار وقد تكلفت كل عائلة نحو مئة ألف ليرة مقابل تجريف مكان مناسب لخيمتها عند إنشاء المخيم.

يعيش في المخيم نحو ثلاثمئة وخمسين طفلاً دون تعليم بسبب افتقار المخيم للمدرسة، كما يفتقر المخيم لنقطة طبية وتغيب عنه كافة الخدمات التي تتميز بها المخيمات الأخرى مثل ترحيل النفايات والصرف الصحي وتزويد المخيم بالمياه.

يقول نضال سنتير “مقيم في المخيم” إنه نزح من بلدته كفرسجنة قبل عام وأربع أشهر وتوجه إلى قرية تلعادة في منطقة الشيخ بركات، حيث سمح أهالي المنطقة للنازحين بإقامة مخيم ضمن هذه الأرض والتي تعود لأملاك الدولة.

مخيم تلعادة بريف إدلب
مخيم تلعادة بريف إدلب

“قمنا بتجريف الصخور وتسوية الأرض بآليات ثقيلة ثم فرشها بالجماش حتى نستطيع بناء الخيم عليها ودفعت كل عائلة نحو مئة وخمسين ألف ليرة سورية لتجهيز الأرض. بعد فترة وصلنا تبليغ يطالب بدفع أجور الأرض أو إخلاء المكان لأنه يتبع لوزارة الزراعة في حكومة الإنقاذ، وقمنا بدفع ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية عن كل خيمة، لكن منذ أيام عاد المكتب الزراعي وطالب بدفع رسوم جديدة ورفع المبلغ لخمسين ليرة تركية وتعادل خمسة عشر ألف ليرة سورية”.

مخيم تلعادة بريف إدلب
مخيم تلعادة بريف إدلب

لا يتوفر الدعم في المخيم من قبل أي جهة ويقوم الأهالي بجمع المال من العائلات لدفعها للجرار الذي يقوم بنقل النفايات خارج المخيم بشكل دوري، في حين لم يتلقّ سكان المخيم أي مساعدة تشجعهم للتعاون مع الحكومة والانصياع لقراراتها أسوة بالمخيمات الأخرى.
يقول نضال إن المبلغ الذي يطلبه المكتب الزراعي يكفي ثمن خبز لعائلته لشهر كامل، ويصعب توفر مثل هذا المبلغ لدى أهالي المخيم الذين يعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة نتيجة انتشار البطالة وغلاء الأسعار..

“جدار موت” بين إدلب وتركيا يمول “هيئة تحرير الشام”

فرحات أحمد

تحقيق: فرحات أحمد إدلب – عشرون متراً هي المسافة الفاصلة بين حياة الطفلة أسماء، تسعة أعوام، وموتها في 20 نيسان / أبريل 2019. المسافة التي يعبرها يومياً مئات السوريين بحسب […]

تحقيق: فرحات أحمد

إدلب – عشرون متراً هي المسافة الفاصلة بين حياة الطفلة أسماء، تسعة أعوام، وموتها في 20 نيسان / أبريل 2019. المسافة التي يعبرها يومياً مئات السوريين بحسب “هيومن رايتس ووتش” هرباً من المعارك في المناطق الشمالية الغربية إلى الداخل التركي بحثاً عن أمان مؤقت لأطفالهم، يدفعون لأجله ما تبقى من مدخراتهم أو ما تجود به جيوب أقربائهم الفقيرة لقطع الحدود.

لكن الواصلين إلى المكان المنشود بعد رحلة شاقة محفوفة بالموت والسلب والنهب والابتزاز قلة. آخرون يتعرضون لاعتقال ويعذبون ويهانون ليعودوا إلى إدلب من جديد، ومن تبقى منهم يكون مصيره الموت أو الإصابة.

كانوا ينظرون إلينا من فوق الجدار، تقول أم أسماء، وهي تروي قصة قتل عناصر حرس الحدود الأتراك طفلتها. الضوء الصادر من الكشاف الذي يحملونه حال من دون رؤيتها لوجوههم، هم يرونها على بعد عشرين متراً من الجدار. الرصاص طالها في الأراضي السورية هي وعائلته وعائلة أخرى.

أصيب أطفالها وأصيبت الأم وقتلت أسماء. أحد الشبان حاول التحدث مع حرس الحدود باللغة التركية طالباً منهم السماح له بإسعاف المصابين، وافقو. وعندما هم بحمل الطفلة المصابة، فتح الجنود النار مرة أخرى، ليقتل الشاب فورا، وسط صراخ العائلات والأطفال.

لأكثر من ربع ساعة كانت رشقات النار تملأ المكان، ولنحو ساعتين بقيت العائلتان تنتظران وصول من يسعفهم، أخت أسماء في حالة حرجة، أما باقي العائلة التي فقدت الأب فقد أصيبوا في مناطق متفرقة من أجسادهم الصغيرة.

وثق معد التحقيق 21 حالة قتل سوريين حاولوا عبور الحدود السورية التركية بصورة غير شرعية، بينهم أربعة أطفال.

أرقام صادمة

تتبع معد التحقيق خط سير تهريب سوريين على الحدود السورية التركية عبر ثلاث نقاط انطلاق تتحكم بها جبهة تحرير الشام، هي حارم، العلاني، ودركوش. تبدأ رحلة التهريب عبر قطع وصل بمبلغ 50 دولاراً يتقاسمها مكتب الهيئة ومندوب معتمد منها.

حاميها حراميها

أنشأت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) أواخر العام 2015 ما بات يعرف بـ”مكتب أمن الحدود” التابع لما يسمى بـ”قطاع الحدود” لتنظيم عمليات التهريب إلى الداخل التركي على طول الحدود السورية التركية.

ويصف أبو جهاد، أحد أمنيي الهيئة، الحواجز بأنها لتنظيم أمور التهريب وحماية المدنيين من المهربين المنتشرين في المنطقة.

وبحسب أبو أحمد أحد المهربين، يتراوح عدد العاملين في التهريب بين 2000 و3000 آلاف عامل معظمهم من القرى المنتشرة على الشريط الحدودي، التي تحوّل أبناؤها للعمل في التهريب سواء لتأمين البيوت قبل الرحلة أو للعمل كأدلاء للراغبين بالمرور إلى تركيا، بسبب معرفتهم بطبيعة المنطقة.

ومع انتشار حوادث القتل والسلب والنصب والإساءة للنساء، عمدت الهيئة بحسب أبو جهاد إلى تنظيم جداول بأسماء الأشخاص للمرور عبر هذه القرى، يتحمل بموجبها المهرب مسؤولية من معه من الأشخاص ويحاسب في حال ورود أي شكوى على عمله، بينما تنتهي مسؤوليته بعد تجاوزهم الحدود، كذلك في حال عدم وجود الاسم في القوائم فيتعرض الشخص للمحاسبة.

توحي الإجراءات المتبعة بالراحة والتنظيم، إلا أن ما تقوم به هذه النقاط ليس أكثر من فرض إتاوات على المواطنين من دون أي حماية، إذ يقتصر عملهم في الأراضي السورية على محاسبة المهربين في حال تمّت الشكوى من عدم الدخول أو السلب، أما القتل من حرس الحدود أو عمليات التشليح المتبعة في الأراضي التركية فلا يتحمل مسؤوليتها الأمنيون ولا المهربون الذين يحمون أنفسهم بإيصال مالي، يقول سالم قدري (مهرب سابق) إن الوصل يعفي المهربين من المسؤولية وفي حال عدم وجوده توضع الحوادث كلها في “رقبتنا”.

نموذج عن الإتاوات

لا ينكر القدري أن الحوادث التي تجري داخل الأراضي التركية تكون غالباً بالاتفاق بين مهربين سوريين وآخرين في الطرف المقابل من الحدود التركية، وفي بعض الأحيان بحسب ما أخبرنا يكون ذلك بطلب من “المهرب السوري”، خاصة فيما يخص حوادث سلب وسرقة الخارجين من الحدود لنقودهم ومصاغهم الذهبي وهواتفهم المحمولة.

مصدر دخل وتمويل للهيئة

تتقاضى مكاتب تنظيم عمليات التهريب التي تمّ إحداثها من قبل هيئة تحرير الشام وهي ثلاثة مكاتب بحسب (القدري وأبو طراد مهرب آخر)، “الدرية والزوف والعلاني” مبلغ 25 دولاراً عن كل شخص، كما يتقاضى ما يُعرف بـ”المندوب” (وهو موظف من قبل الهيئة تقتصر مهمته على التنسيق بين المهربين ومكاتب قطع الإيصالات) 25 دولاراً أخرى، تعود للهيئة أيضاً إذ يتقاضى المندوب راتباً شهرياً، بحسب شهادات المهربين.

بلغ عدد الذين توجهوا إلى مكاتب الهيئة لقطع الإيصالات خلال الأشهر الأربعة (أيلول -تشرين الأول -تشرين الثاني -كانون الأول) من عام 2019 بحسب إحصائيات حصل عليها معد التحقيق من حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام (49032) شخصاً، دفعوا نحو 1.225.800 دولاراً كإيصالات للمرور فقط، أي بمعدل 300 ألف دولار شهرياً.

يقول من التقيناهم من مهربين إن الأرقام تزيد عن ذلك، خاصة وأنه يتم إلغاء الوصل في كل مرة يتم فيها دخول الأشخاص والإمساك بهم من قبل حرس الحدود، وهي الأعداد الأكبر، ليتم إعادتهم عبر معبر باب الهوى، ليعيدوا الكرة مرة أخرى، ناهيك عن بعض الأشخاص الذين يتأخرون في الوصول وهو ما يفرض عليهم إعادة دفع الرسم من جديد.

يقول موسى الصالح، أحد الأشخاص الذين عبروا الحدود التركية، إنه يجهل سبب دفع هذه المبالغ التي تزيد من الأعباء على المواطنين، إذ يجبر الراغب بالدخول إلى تركيا إلى دفع مبالغ تتراوح بين (400 – 1800 دولاراً) للمهربين، وتزيد عليها أكلاف الإيصالات من قبل الهيئة والطعام والشراب والسكن في القرى الحدودية خلال انتظار الوقت المناسب للمرور.

يقول طارق علي الذي عبر إلى تركيا عدة مرات، إن معظم من قتلوا كانوا في الأراضي السورية قبل تجاوزهم للحدود، ويتساءل عن سبب عدم قيام الهيئة بحماية المدنيين داخل المناطق التي تسيطر عليها، وإن كانت لا تستطيع فعل ذلك، فلماذا علينا أن يدفع الأشخاص الراغبين بدخول تركيا ما بين 400

و 1800 دولار في كل مرة، منها 50 دولاراً للهيئة.

“المحرم”

أعلنت الهيئة عن حل للسيدات اللواتي يرغبن بدخول تركيا عند عدم وجود وثائق لدى من تدعي السيدة قرابته، بشراء ورقة “المحرم” والتي باتت باباً جديداً من أبواب الإتاوات المالية، إذ يفرض على النساء الحصول عليها مقابل مبلغ ألف ليرة سورية (أي نحو 50 سنتاً) في كل مرة، ويمنع دخول أي امرأة بدونها ما يجعلها عرضة للاعتقال ريثما يحضر ولي أمرها ويستلمها.

يقول المهرب سالم قدري: “ليس المهم حماية النساء، المهم بالنسبة لهم قيمة الألف ليرة، والتي غالباً ما تعطى دون التأكد من هوية الشخص المحرم عبر الاتصال بالأب أو الزوج عبر تطبيق الواتس آب”.

يقول أبو جهاد إن هذه التدابير الأمنية لحماية النساء، خوفاً من حوادث الاختطاف أو الهرب ولحماية العائلات، ويخبرنا من التقيناهم إن كان الهدف كذلك فلماذا علينا دفع مبلغ ألف ليرة لحمايتنا.

تقدر المبالغ المدفوعة للسيارات وورقة المحرم بناء على عدد الراغبين بالدخول إلى تركيا في الإحصائية الماضية بنحو خمسة ملايين ليرة سورية للسيارات وما يزيد عن عشرة ملايين ليرة لورقة المحرم، ويدفع الركاب العائدون من الذين لم تتح لهم الفرصة بالدخول إيجار السيارات أيضاً، وتقدر المبالغ بنحو أربعة ملايين ليرة سورية.

في تصوير سري استطعنا القيام به والإيصالات التي حصلنا على صور منها نثبت صحة الرسوم المفروضة، كذلك معرفة الهيئة بطرق التهريب. يقول أبو مجاهد إن الناس ستتوجه لتركيا أياً كانت المخاطر بسبب الظروف الحياتية التي يعيشونها، وعليه لا يمكن لأحد ضبط الحدود أو منع الناس من التوجه إليها، ولذلك كان لا بد من تنظيم هذه العمليات لا منعها.

 

الهيئة تفرض عقوبات على المهربين العاملين دون التنسيق معها

على امتداد الشريط الحدودي المحاذي لتركيا الممتد من معبر باب الهوى في ريف إدلب قرب مدينة سرمدا، ووصولاً إلى بلدة خربة الجوز تنتشر نقاط تفتيش للهيئة تمنع على المدنيين وحتى المهربين الاقتراب من الحدود التركيّة، وتشترط على كل راغب بالعمل في التهريب التنسيق معها، بحسب سالم قدري.

قرار إداري من هيئة تحرير الشام حول إيصالات الدفع المالي للمهربين
قرار إداري من هيئة تحرير الشام حول إيصالات الدفع المالي للمهربين

يشير قدري إلى أن هناك بعض المهربين الذين يوصلون أشخاصاً إلى الحدود دون علم الهيئة، والغالبية منهم ينسقون عملهم مع مكاتب قطع الإيصالات عبر المندوبين، خوفاً من تبعات الخروج عن طاعتها، لأنه في حال تم القبض على الداخلين من قبل قوات حرس الحدود التركية فإنه سيتم تسليمهم لـ هيئة تحرير الشام من خلال ثلاثة معابر عكسية إلى سوريا وهي معبر باب الهوى ومعبري هتيا وخربة الجوز غير الرسميين، وحينها تبحث الهيئة عن المهرب الذي قام بتهريبهم لتتأكد من وجود إيصالات.

ويؤكد أن أحد أصدقائه الذين يعملون في التهريب أيضاً غاب فترة من الزمن وحينها كان هاتفه الجوال مغلقاً، وبعد نحو 30 يوماً اتصل بسالم ليخبره أنه كان مسجوناً في أحد سجون الهيئة إذ تم تغريمه

بـ 300 دولار وتوقيفه شهراً لأنه قام بتهريب عدة أشخاص دون قطع إيصالات.

يضيف قدري: “لا توجد عقوبة واضحة لكن العرف بين المهربين أن العقوبة تتراوح حول ما سبق ذكره”.

وفيات بين الأطفال بسبب مخدّر لتنويمهم أثناء العبور

أحمد، نازح من حمص إلى ريف إدلب، توفيت ابنة شقيقته بيلسان (3 سنوات) أواخر عام 2017 نتيجة إعطائها جرعة منوم زائدة، تعطى للأطفال الصغار من أجل تهدئتهم أثناء محاولات العبور، كي لا يصدروا أصواتاً تثير انتباه عناصر قوات الحدود الأتراك.

يقول أحمد إن ابنة شقيقته توفيت فعادوا بها ولم تكتمل عملية العبور، ويشير إلى أنهم راجعوا مكتب قطع الإيصالات وطالبوا بمحاسبة الصيدلاني الذي مزج المنوم بجرعة من شراب مضاد للسعال، فتم إرشادهم إلى محكمة تابعة للهيئة وتم رفع دعوى عليه، لكن بحسب أحمد لم تتخذ الهيئة أيّ إجراء ضده وبقيت صيدليته مفتوحة.

لا إحصائية لعدد الوفيات من الأطفال بسبب المخدر لكن سالم قدري يؤكد أنه، سُمع بالعديد من حالات الوفاة المشابهة، ويشير إلى أن، المهربين يجبرون الراغبين بعبور الحدود على إعطاء الأطفال الصغار منوماً، وإلا فيرفضون تهريبهم في حال رفضوا استخدامه.

وفي فترة قريبة بعد تاريخ وفاة بيلسان أكدت نقابة صيادلة إدلب الحادثة في بيان وأشارت إلى أن، طفلاً آخر قد توفي لذات السبب، وحذرت في بيانها من التعامل مع بعض الصيدليات التي يديرها أشخاص غير ذوي اختصاص، وطالبت بمحاسبة الفاعلين.

الموت أسهل من العودة

يتعرض العابرون الذين يتم إلقاء القبض عليهم داخل الأراضي التركية لمعاملة وصفوها بالمهينة، إذ يتركون في العراء أياً كانت الظروف المناخية، ويتعرض قسم كبير منهم، خاصة الشبان واليافعين، للضرب المبرح من قبل حرس الحدود، ناهيك عن الشتائم والتقريع.

يقول أحمد العلي، عابر آخر إلى تركيا، إن الموت أرحم من الليالي التي قضيناها في “معسكر الاعتقال”، على حد وصفه، فليس هناك أي طعام أو شراب أو تدفئة، وغالباً ما يتم حشر الجميع في سيارات وإيصالهم إلى أقرب نقطة لحرس الحدود، حيث يتم تعذيبهم وضربهم وإهانتهم، ويتركون في الساحة الرئيسية أمام استهزاء عناصر حرس الحدود بهم.

يقول إنه وفي بعض الأحيان يتم التعامل معهم بـ “عنصرية” واضحة من قبل بعض الحراس، ونادراً ما يسمح الحراس لهم بالدخول إلى غرفة أو التدفئة، ليتم ترحيلهم بعد مدة من الزمن إلى مكتب الدراسات التابع لـ هيئة تحرير الشام في معبر باب الهوى، بعد إجبارهم على توقيع تنازل (يسمونها استمارة عودة بشكل طوعي) تحرمهم من الحماية المؤقتة في حال نجاح دخولهم مرة أخرى لمدة خمس سنوات، وبذلك يخسر العائدون المبالغ المالية التي دفعوها للمهرب ومكاتب الهيئة، وحق المحاولة مرة أخرى. وبحسب (إحصائية) نشرتها إدارة معبر باب الهوى فإن عدد حالات الترحيل في العام 2019 بلغت 63848 شخصاً.

وتمثل المعابر ورقة ضغط ومصدر تمويل لـ هيئة تحرير الشام المسيطر الفعلي على الشريط الحدودي، إذ بإمكان حواجزها ضبط الحدود ومنع السكان من الوصول إليها وتجنيبهم خطر الموت والسلب في كل مرة، إلا أنها تلجأ للحل الأسهل لتأمين مصدر دخل جديد لها وتغلفه بحالة إنسانية نتيجة الظروف القاسية التي يعيشها السكان.

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).

تسع أغنيات لـ “مدينة داريا”

محمد كساح

“توثق الذاكرة بالـ أغنيات “. لكل منها زمنه وشخوصه يستعيدها مهجرو مدينة داريا ويحمّلونها حنينهم. يدندنون كلماتها ويتناقلون قصص منشديها وكتاب كلماتها. ويتفق ناشطون في داريا على أن أغنية “يا […]

“توثق الذاكرة بالـ أغنيات “. لكل منها زمنه وشخوصه يستعيدها مهجرو مدينة داريا ويحمّلونها حنينهم. يدندنون كلماتها ويتناقلون قصص منشديها وكتاب كلماتها.

ويتفق ناشطون في داريا على أن أغنية “يا أخيّا” أشهر أغاني المدينة التي كانت بمجملها تعتمد على اللحن البسيط والصوت الشجي لمنشدين قتل جزء منهم وهجر آخرون، واستلهمت كلماتها من أحداث عايشها الديرانيون في مساحة لا تتجاوز كيلومترات من المدينة المحاصرة والمنكوبة بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٦.

كتب “أبو عدنان برية” أغنية “يا أخيّا” في رثاء أخيه الشهيد، لكنه قتل أيضاً قبل أن تخرج أنشودته للعلن، ليقوم هيثم الحلبي بتلحينها وغنائها في رثاء الشهيدين الأخوين. تقول الأغنية في مطلعها “يا أخيّا يا أخيّا.. طبت ميتا طبت حيا.. يوم أن صرت شهيداً.. ضاقت الدنيا عليا” وكانت واحدة من الأغاني التي كتبت زمن الحصار. وأبو عدنان كان قبل موته شاباً طموحاً ومشروع شاعر، أسس في داريا مركزاً تعليمياً وقال ممازحاً يومها “من هنا سوف أتحكم بالعالم”. لكن رصاصة غادرة اختطفته في الأشهر الأخيرة قبل التهجير من المدينة.


لم تكن أغنية “يا أخيّا” الوحيدة التي خرجت من رحم التجربة إذ كان هناك مجموعة من الشبان على رأسهم “سليم أبو مصعب” يعملون جاهدين في ذلك الوقت لإنتاج أغان عن المدينة، في حين نجح أكبر لواء عسكري داخل المدينة بالتعاون مع فرقة فنية بإنتاج ثلاث أغنيات لاقت تجاوباً مماثلاً مع انتقاد واسع بسبب حجم الأموال التي أنفقت عليها.

سليم أبو مصعب -إنترنيت
سليم أبو مصعب -إنترنيت

في العام الرابع للثورة اتفق أبو مصعب مع المركز الإعلامي لمدينة داريا الذي يديره شاب يدعى (المايسترو)، على إنتاج أغنية مصورة بعنوان “سنقاتل”.

 

مثّل أبو مصعب فيها دور مقاتل يعيش يوميات المعارك في مدينة محاصرة من كل الاتجاهات. بدأت الأغنية التي كتبتها هدى صالح ولحنها ماجد سكري مع اللقطات الأولى للفيلم القصير وانتهت مع اللقطة الأخيرة.

 

كما شكلت أغنية “شام الوجع” التي لحنها عمارالديراني وغناها مع أبي مصعب بداية لمرحلة أفضل من حيث النوعية والإنتاج. لكن لم يكتب لها النجاح بسبب الأحداث العاصفة التي مرت بها داريا ثم وفاة جزء من أسرة أبي مصعب تحت أحد براميل الموت وأخيراً وفاة أبي مصعب نفسه خلال قتال النظام بحرب الشوارع داخل داريا.

قبيل استشهاده تواصل أبو مصعب مع هيثم الحلبي لإنتاج الأغنية، وافق الحلبي كما قال أبو مصعب لكنها لم تخرج للعلن بسبب استشهاده. ما جعل أبو عدنان برية يتواصل مع الحلبي طالباً أن يلحن قصيدته “يا أخيا” في رثاء أخيه وأبي مصعب، لكن حين أنتجت الأغنية كانت بمثابة رثاء للشهداء الثلاثة.

غنى أبو مصعب أيضا أغنية “صبي دماءك يا بلادي وافخري.. داريا مقبرة الطغاة فزمجري” التي كتبها ولحنها شاعر هاو يدعى أبو ربيع الديراني وهي من إنتاج مؤسسة “صيحة حرية”. كما كتب وغنى أنشودة أنا ابن مدينة داريا.. أنا ابن أبي وأبية” وهي منشورة على يوتيوب.

خرجت هذه الأغنيات من الأيام والأحداث الذي مرت بها داريا، في حين كتبت أغان عديدة وانتشرت على نطاق محدود عن داريا أو فصائلها ولم يكن لفناني المدينة أي علاقة مباشرة بها مثل الأغنيات الثلاث التي أنتجتها فرقة الوعد الشهيرة عن داريا ولواء شهداء الإسلام.

كان تأثر الشبان بهذه الأغنيات الثلاث مختلفاً عن تأثرهم بما غناه أبو مصعب وجهاد خولاني ومحمد الشوا وسمير أكتع عن مدينتهم. فقد انتشرت أغنية “وقف ع بواب البطولة” بين المقاتلين مع بعض النقد الذي وجه لقيادة اللواء والمكتب الإعلامي التابع للمجلس المحلي، حيث شاع حينها أن تكاليف إنتاجها بلغت 15 ألف دولار.

الأغنية الثانية التي أنتجتها فرقة الوعد كانت “احشد جندك في داريا” أما الثالثة فبدأت بـ “شعل نارك يا مقدام شعلها بجيش الحرمية. يا لواء شهدا الإسلام.. تفخر بلهيبك داريا” والأغنيتان الأخيرتان أنتجتا خاصة للواء شهداء الإسلام وبمبالغ مشابهة.

كانت هذه الأغنيات محط تندر بين الشباب في تلك الفترة بسبب تكاليفها المرتفعة مقارنة بالأغاني التي أطلقها منشدو المدينة، وقالوا إن إحدى الأغنيات ردت إلى الجهة المنتجة بسبب خطأ في لفظ كلمة داريا ما جعل الجهة تعيد إنتاجها من جديد.

بينما تنال الأغنية التي لحنها وغناها “سمير أكتع” ابن مدينة سلقين عن داريا الحصار والبراميل المتفجرة نصيب الأسد من التداول والنشر على حالات واتساب وقصص فيسبوك منذ التهجير وحتى يومنا هذا، حيث يردد المقاتلون بحنين يكوي الضلوع: “كبروا حان التكبير.. نحنا في زمن التحرير.. داريا أرض النفير. داريا يا رمز التحدي والصمود”.

لتبقى تلك الأغاني الرابط الأقوى لأهالي داريا بمدينتهم، وتكتب توثيقاً تاريخياً لفترة قد تكون من أهم الفترات التي عاشتها المدينة خلال عقود طويلة.

نقص الكادر التدريسي.. يعيق العملية التربوية في إدلب

محمد جميل

لم يستمر تواجد هبة، وهي طالبة في الصف الثاني الثانوي، في مدرستها أكثر من ساعة إذ اضطرت للعودة لمنزلها بسبب غياب الكادر التدريسي عن المدرسة، وتخشى أن يطول غياب المدرسين […]

لم يستمر تواجد هبة، وهي طالبة في الصف الثاني الثانوي، في مدرستها أكثر من ساعة إذ اضطرت للعودة لمنزلها بسبب غياب الكادر التدريسي عن المدرسة، وتخشى أن يطول غياب المدرسين ما سينعكس على تحضيرها للشهادة الثانوية.

وكانت مديرية التربية والتعليم في محافظة إدلب قد أعلنت عن افتتاح المدارس واستقبال الطلاب وإعادة التعليم الفيزيائي اعتباراً من يوم السبت 26/9/2020، مشيرة إلى ضمان اتخاذ إجراءات وتدابير الوقاية اللازمة والتقيد بالتعليمات من أجل المحافظة على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية.

غياب الكادر التدريسي ونقص المدرسين كان سمة بارزة في عدة مدارس بإدلب الأمر الذي دفع أهالي الطلاب لانتقاد الواقع التعليمي. يقول عبد الله الحسون “أستاذ في معهد الإعلام بجامعة إدلب” في بوست ناقد على صفحته في فيسبوك ” عاد أبناؤنا لمدارسهم اليوم لتضج الشوارع بالحركة والأصوات ويسود الفرح على وجوههم من جديد، إلا أنه سرعانما شاهدنا عودة الكثير منهم إلى منازلهم وذلك بعد مضي أقل من نص ساعة على وصولهم، ولدى سؤالهم عن سبب عودتهم المسرعة من مدارسهم أجابوا بأن المعلمين والمعلمات قالوا لهم من يريد منكم العودة للمنزل فليعد”،
طالب الحسون هؤلاء المدرسين باحترام مهنة المعلم والالتفات للأجيال التي بات كثير منهم لا يجيدون القراءة والكتابة رغم وصولهم للصف الرابع الابتدائي.

يرى من أن انقطاع الدعم عن مديرية التربية ساهم بشكل كبير بابتعاد الكادر التدريسي عن مدارسهم، يقول محمد العمر: لا يمكن لأي مدرس اليوم أن يعمل بشكل طوعي، ولا يمكن أن نفرض عليهم عملاً دون أجر، ومن الطبيعي أن يبحث المدرس عن المدارس الخاصة أو عن عمل بديل ليؤمن قوت عائلته.
بينما يرى آخرون أن قرار مديرية التربية القاضي بإيقاف عمل المجمعات التربوية التابعة للنظام، ساهم بخلق فجوة جديدة يصعب على المديرية ترميمها نتيجة غياب الدعم.

وكانت مديرية التربية قد أصدرت أواخر شباط الماضي قراراً يقضي بإلغاء المجمعات التربوية التابعة للنظام بحسب البيان الذي نص أيضاً على منع إقامة أي نشاط تحت طائلة المسؤولية.

ويبلغ عدد المدرسين المرتبطين بمديرية التربية التابعة للنظام حوالي ستة آلاف معلم بحسب تقرير سابق لعنب بلدي وارتباطهم لا يتعدى قبض الراتب الذي يعادل حوالي خمسة عشر دولار، عدا عن رحلة شاقة إلى حماة تستغرق خمسة أيام من أجل الحصول على الراتب.

تعينت سارة “معلمة صف خريجة جامعة إدلب عام 2014” منذ تخرجها في مدرسة بلدتها، ولم تتلق أي راتب منذ عام “لا من النظام ولا من غيره”.
انقطعت سارة عن التدريس منذ كانون الثاني العام الماضي بسب قصف النظام والحملة الشرسة التي شنها النظام وحليفه الروسي مطلع العام وما نتج عنها من نزوح وإغلاق للمدارس، لتأتي بعدها جائحة كورونا حتى نهاية العام الدراسي الذي انتهى فعلياً مع نهاية الفصل الأول.

تقول سارة إن التربية الحرة في ذلك الوقت خيرتهم بين الانضمام لها أو التوقف عن التعليم، إلا أن سارة رفضت مع مجموعة من زميلاتها الانضمام للتربية الحرة، لأن غالبية المعلمين لديهم رواتب لم يتمكنوا من قبضها في مناطق النظام نتيجة إغلاق الطرق، ويخشى هؤلاء المدرسون من حرمانهم منها إذا انضموا للتربية الحرة، كما أن المديرية لم تعدهم بأي دخل أو راتب وأخبروهم أن عليهم التدريس لأشهر بشكل تطوع.

في مطلع أيلول الجاري قررت سارة التقدم لمسابقة أعلنت عنها مديرية التربية، إلا أن طلبها قوبل بالرفض رغم استكمالها الأوراق المطلوبة، بذريعة أنها لم تضع نفسها تحت تصرف مديرية التربية قبل العاشر من نيسان الماضي وهو التاريخ الذي حددته المديرية يومها.

تقول سارة إنها تشعر بالذنب إذا جلست في المنزل ولم تذهب إلى المدرسة وهي مقتنعة بأن تعليم الطلاب واجب بغض النظر عن التبعية أو من يقدم الراتب وهو أكثر ما دفعها للتقدم للمسابقة.
من جانبه قال عبد الله العبسي “مشرف مجمع إدلب التربوي”: إن المديرية لم تصدر أي قرار بطرد معلمي النظام، بل قامت بتعيين من بقي منهم على رأس عمله بشكل مباشر، أما المدرسين الذين تركوا مدارسهم فقد توقفوا عن العمل بعد إلزام تلك المدارس بتدريس منهاج الحكومة المؤقتة الذي فرضته المديرية، ما دفعهم لترك المهنة خوفاً من عقاب النظام الذي لا يسمح لهم بتدريس منهاج آخر.

ليبقى طلاب إدلب ضحية أوضاع أمنية وسياسية وتجاذبات وحرب لن تقف آثارها على أجيال عايشتها بل تتعداهم لأجيال لاحقة، ولتصبح المدارس الخاصة ملاذ الباحثين عن العلم رغم أجورها المرتفعة التي تصل لأربعمئة دولار في السنة ما يحرم كثير من الطلاب من دخولها.

 

 

غلاء أسعار “البامية”.. يمنع أهالي دير الزور من تخزين أكلتهم المفضلة

فريق التحرير

تحتل “البامية” مكانتها الأساسية الأولى في مطابخ سكان دير الزور على مائدة الأغنياء والفقراء، “إذا بدك تدلل عيلتك بوجبة دسمة عليك بالبامية”. ويعمد الأهالي لتخزينها بعدة طرق خلال فصل الشتاء، لكن ارتفاع أسعارها هذا الموسم وقف حائلأ أمام كثير منهم ومنعهم من تخزينها بالكميات التي اعتادوها سابقاً.

يجذب انتباهك صوت الباعة في أسواق دير الزور في موسم “البامية”، بلهجتهم المحببة ينادون (السمين إدواج يا بامية) ويعني أن “لحم الخروف يليق بالبامية الفراتية الطازجة”.

تحتل “البامية” مكانتها الأساسية الأولى في مطابخ سكان دير الزور على مائدة الأغنياء والفقراء، “إذا بدك تدلل عيلتك بوجبة دسمة عليك بالبامية”. ويعمد الأهالي لتخزينها بعدة طرق خلال فصل الشتاء، لكن ارتفاع أسعارها هذا الموسم وقف حائلأ أمام كثير منهم ومنعهم من تخزينها بالكميات التي اعتادوها سابقاً.

وشهر أيلول أفضل أوقات السنة لتموين البامية نظراً لارتفاع سعرها بداية الموسم والذي يتناقص تدريجياً مع زيادة الكميات المطروحة في الأسواق. لكن هذا العام كان مغايراً إذ شارف الموسم على الانتهاء وبقيت الأسعار على حالها، كما رافق ارتفاع الأسعار تردي في الوضع الاقتصادي للسكان نتيجة انخفاض سعر الليرة السورية مقارنة بالدولار.
يتراوح سعر كيلو البامية الخضراء بين أربعمئة إلى ستمئة ليرة بحسب حجمها ونوعها، لكنه يعتبر باهظاً بالنسبة لسكان المنطقة.

يخزن أهالي دير الزور البامية لفصل الشتاء بطرق مختلفة مثل غلي البامية بالماء ثم تجفيفها ووضعها بالفريزر، أو عبر الضغط وهو غمر البامية بمغلي البندورة وضغطها في عبوات زجاجية، في حين يميل آخرون لأبسط الطرق عبر تجفيفها خلال الصيف حتى تيبس وتخزينها.

تقول سعاد  “من سكان مدينة البوكمال” : “لن نتمكن من تخزين المؤونة هذا العام، فالأسعار مرتفعة والدخل بسيط لا يتناسب مع حاجياتنا، ومن الصعب أن تزرع في أرضك ولا تأكل من زرعك خلال الشتاء لأنك أحوج لبيعه اليوم”.
تخزن سعاد البامية بطريقة “الضغط”، ما أدى لرفع تكلفة المؤونة إذ يبلغ سعر كيلو البندورة خمسمئة ليرة سورية، وستتكلف سعاد نحو مئة ألف ليرة سورية “ما يعادل راتب شهرين لموظف سوري” في حال وضعت مؤونة مساوية لمؤونة العام الماضي، ما أجبرها على الاستغناء عنها، “الشتاء ع الأبواب، وتكاليف المدارس والشتا كتيرة” تقول.

أم سعيد “سيدة من دير الزور” شاركت سعاد معاناتها وقررت الاعتماد على الطريقة التقليدية في تخزين البامية عبر تجفيفها على الشمس وتخزينها للشتاء، تقول: “إن الكمية التي قمت بتجفيفها قلية ولا تقارن بحاجتنا السنوية، لكني لا أريد أن أحرم العائلة منها خلال فصل الشتاء”.
فكرت أم سعيد بتخزين البامية ضمن “الفريزر” لكن نظام التقنين الكهربائي الذي تخضع له المدينة منعها من ذلك خشية فساد المؤونة، كما حدث في سنوات سابقة، كما منعها ارتفاع سعر البندورة من تخزينها بطريقة الضغط.

ويقول أبو عادل “نحن الآن في شهر أيلول، الشهر الأثقل على كاهل الأُسر السورية عامةً، فهو شهر المدارس والمؤونة، ويكتفي المواطن اليوم بشراء اللوازم الأساسية للمنزل، ويتناسى مؤونة الشتاء التي أصبحت حلماً مستحيلاً في ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة”.

لم يكن يمر أسبوع على عوائل دير الزور دون أن يمر طبق “ثرود البامية” على موائدهم، وإن أحب الديري أن يكرم ضيفه فعليه بتجهيز البامية، لذا توقع أبو عادل أن يتخلى عن كل المؤن الشتوية إلا عن البامية.

يتألف ثرود البامية من قطع صغيرة من خبز التنور المفروشة ضمن المنسف والمغموسة بمرق البامية، ويوضع فوقها قرون البامية وقطع اللحم، ويُقدم بجانبها الفليفلة الخضراء الحادة واللبن.

للبامية عند أهالي دير الزور عدة أنواع مثل “الجمالية” كنايةً عن مدينة البوكمال التي تزرع في أراضيها، وتعتبر أفضل الأنواع. يليها “المثمَّنة العشارية” وتكون حباتها بشكل دائري، وسميت كذلك نسبة لمدينة العشارة التي تنبت فيها، و”الزورية” نسبة لمدينة دير الزور.
تزرع البامية بكثافة في دير الزور وتشحن منها إلى باقي المحافظات السورية، إذ تتناسب بيئة وادي الفرات مع هذه الزراعة التي تحتاج أراض جيدة الصرف والتهوية.

جلنار عبد الكريم 

 الأديب الراحل عبد العزيز الموسى.. صديقنا جميعاً

 محمود يوسف السويد

كُتب لبيت حجري قديم من بيوت قرية “كرسعا”، التي يفصلها عن مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي كيلومترات قليلة جهة الغرب، أن يشهد ولادة الطفل الثالث لعائلة الفلاح البسيط محمد شاكر […]

كُتب لبيت حجري قديم من بيوت قرية “كرسعا”، التي يفصلها عن مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي كيلومترات قليلة جهة الغرب، أن يشهد ولادة الطفل الثالث لعائلة الفلاح البسيط محمد شاكر البيوش، أسماه عبد العزيز، كان ذلك في العام 1946 تحديداً. ليشكل فيما بعد علامة فارقة في الأدب الروائي.

وكان الأديب الراحل قد غيبه الموت يوم أمس الاثنين عن عمر يناهز الرابعة والسبعين، إثر معاناته لمرض عضال تمكن في النهاية من التغلب على جسده لكنه يعجز عن محو إبداعه وحضوره في ذاكرة وحياة محبيه ممن عرفوه أو قرؤوا له.

بدأ الموسى باكورة أعماله الأدبية برواية “عائلة الحاج مبارك” التي كتبها في العام 1996، وإن سبقتها للطباعة روايته الثانية “اللقلق” أو كما سميت فيما بعد “الغراب الأعصم” التي خطها في العام التالي، وفيها تستنشق رائحة الريف الأدلبي، وترسم صورة لمجتمع المنطقة بتفاصيله الصغيرة.

تلك الرائحة التي لم تغب عن أغلب أعماله اللاحقة، لتتجلى واضحة المعالم في أسماء شخوص الروايات، وأسماء الأماكن، وارتباطها الوثيق بالبيئة التي احتضنت الكاتب، كما تخبرنا بذلك رواية “الجوخي”، ويعني الاسم لأبناء المنطقة منخفض من الأرض تجتمع فيها مياه الامطار بما يعرف “بالرام” وارتباط هذا الاسم بقصص كثيرة نسجت حوله في الموروث الشعبي.

يقول الأديب الراحل ” البيئة منجمٌ ثرّ لوصف التحولات الزراعية والطبيعية وأهواء البشر، ويظهر تأثيرها بشكل أكبر في “جب الرمان” حيث الطبيعة الرائعة التي تتوثب في كل سطر، وفي “الغراب الأعصم” و “الجوخي” أيضاً، حيث حياة الناس وعلاقاتهم وأرضهم وسماؤهم”.

الموسى يحرق سفينته

في لحظة معينة قرر الكاتب عبد العزيز الموسى إحراق قماش الخيام التي كانت ترافقه الى أراضي البطيخ، حيث كان يعمل صيفاً بضمانه وزراعته، ليدعم به راتبه الذي يتقاضاه من عمله كمدرس لمادة الفلسفة في ثانوية ذي قار بكفر نبل، فهو خريج كلية الآداب قسم الفلسفة من جامعة دمشق، بتقدير امتياز، وعلى يديه تتلمذت أجيال متعاقبة.

لعله أراد من إحراق طريق العودة إلى الوراء، وإنهاء مرحلة المدرس المزارع، لتبدأ بعدها مرحلة الكاتب بالتبلور والظهور. هو يقول إنها كانت حالة من “الجنون، لكن لا بد منها”.

من المحلية إلى العالمية

عن روايته “عائلة الحاج مبارك” نال الموسى المركز الثاني في جائزة نجيب محفوظ، لينال بعد تعب وجهد نصيباً من التكريم، وليؤكد من جديد على دقة تفاصيل ما يكتبه وحسه الروائي العالي. ثم توالت الجوائز فنالت رواية “جب الرمان” التي كتبها في العام 1997، جائزة المزرعة في السويداء. وآخر تلك الجوائز كانت عن روايته “كاهن دورا” المطبوعة في العام 2017 لتحصد المرتبة الأولى لجائزة “مجلة دبي الثقافية”.

من رواياته أيضا “بغل الطاحون” و “جرجرة” و”مسمار السماء” و”بنت الشنفراني”. إضافة للعديد من الروايات المخطوطة والأفكار التي لم تنضج ليكتب لها النشر.

ويعتبر الراحل ان رواية “كاهن دورا” تلخص عصارة فكره وتجتمع فيها كل رواياته، ففيها يتحول الكاتب من موقع الراوي لحادثة اغتيال أحد الجيران، والتي شكلت محركاً للقصة إلى موقع البطل في الرواية. بعد استشهاد ابنه البكر محمد في غارة لطائرة استهدفت محله في سوق الخميس بكفر نبل.

“تحولت لدور البطل حيث اروي لحفيدي ابن الشهيد ما جرى، وهي بمثابة خاتمة أعمالي” هكذا وصف الكاتب روايته في أحد اللقاءات المصورة مع قناة “الجزيرة”.

روح الثورة في كتابات الموسى

لم تنقطع روح الثائر عن كتابات الراحل، ما صعب عملية النشر والترويج لرواياته. وحورب لما يمتلكه من نقد وإسقاطات، وعُمد إلى تحجيمه إلى أن بدأت الثورة السورية وحاولت الحكومة وقتها كسب ود الشعب وتلميع صورتها عبر استقطاب المثقفين والفنانين، ليتم قبول عضوية الموسى في اتحاد الكتاب عام ٢٠١٢ وتسميته قارئا للمواد الأدبية في المسابقات.

كما قام الاتحاد بنشر رواية “جرجرة” وعلى نفقة الاتحاد الخاصة، لكن هذا ما كان ليبدل موقف الموسى من النظام وهو الذي خبر استبداده ورصد معاناة الناس معه طيلة عقود، وسطر تلك المعاناة في رواياته، ولعل “بغل الطاحون” تجسد تلك الروح التي يملكها الكاتب، والتي تسخر من الاستبداد.

بهذا وصفها كاتبها في حديث لمجلة “جيرون”: “عالج بغل الطاحون مرض الخصاء عند المسؤولين، مما جعل ديانا جبور تندم لأنها لم تشتر مني مئة نسخة وتوزعها قبل أن ينتحر الزعبي بشهر واحد”.

أثر باقٍ

كان يدعم الأقلام الشابة، هكذا يقول كل من يعرف الأديب الراحل ، ويحرص على متابعة ما يكتب. يحضر الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية. كان صديقاً للجميع ومحارباً للظلم. ابناً باراً للأرض الأم التي تربى فوقها وبين حجارتها وأشجار تينها. يلبس عباءة الفلاح ويعايش هموم أبناء جلدته وقضيته. كتب عن هموم الناس ولامس وجعهم، وما يزال حاضراً فيما تركه من إرث أدبي وفكري وحضور طاغ في نفوس طلابه ومحبيه وأصدقائه.

الأحكام الصادرة عن “هيئة تحرير الشام” لاغية غير نافذة ولكنها قاتلة

فرحات أحمد

تسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على معظم محافظة إدلب الواقعة شمال غربي سوريا، وتنتشر في مناطق سيطرتها محاكم تحكم بالشريعة الإسلامية، وفقاً لما تدّعيه، ويخضع قاطنو تلك المنطقة […]

تسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على معظم محافظة إدلب الواقعة شمال غربي سوريا، وتنتشر في مناطق سيطرتها محاكم تحكم بالشريعة الإسلامية، وفقاً لما تدّعيه، ويخضع قاطنو تلك المنطقة لأحكامها، بينما يفرّ المستاؤون والرافضون إلى مناطق سيطرة قوات النظام أو الجيش الوطني السوري شمالاً.
يُعتبر الصحافيون من أكثر الأشخاص الذين تعاديهم الهيئة إلى جانب القياديين في الجيش السوري الحر، الذين فرّ معظمهم إلى الشمال السوري أو إلى تركيا، وقد اعتقلت منذ بداية تمكّنها في المحافظة عام 2014 عشرات الصحافيين وأصدرت بحقهم أحكاماً تتوافق مع رؤيتها ومنهجها تجاه العمل الإعلامي.

 

سامر السلوم ابن مدينة كفرنبل الواقعة جنوبي إدلب، والذي عمل في مجلة الغربال، قضى في سجون الهيئة حيث كان معتقلاً من دون محاكمة علنية. لم تسلّم جثته إلى عائلته، ولم يسمح لوالديه وأطفاله برؤيته أثناء فترة الاعتقال التي امتدّت أكثر من سنتين.

“سامر اعتقله عناصر ملثمون من هيئة تحرير الشام من منزل العائلة في مدينة كفرنبل هو وأحد أصدقائه، وذلك بتاريخ 26 يناير/ كانون الثاني 2017، وصادروا حينها كمبيوتراً محمولاً كان موجوداً في المنزل، وبعدها بأيام تمت سرقة سيارته التي كانت مركونة في كراج للتصليح من قبل عناصر تابعين للهيئة أيضاً” يقول محمد شقيق سامر بحزن.

ويروي محمد السلوم كيف أن والدهما الستيني حاول بشتى الوسائل الوصول إلى أي معلومة عن سامر لكنه كان يتعرّض للإهانة في كل مرة يزور فيها سجون الهيئة ومقراتها. بالرغم من أنه عرض في إحدى الزيارات منزل سامر أو ثمنه مقابل الحصول على أي خبر عنه، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً.

وبحسب السلوم فإن العائلة لم تكن تعلم ما هي التهمة الموجهة لسامر حتى يتم اعتقاله بهذه الطريقة دون إنذار أو تبليغ يقضي بمراجعة جهة في الهيئة، ولم يسمح للعائلة بتوكيل محام. ويعتقد محمد أن منشورات سامر اللاذعة التي كانت تنتقد تصرفات الهيئة وتدخلها في الحياة المدنية هي السبب.

وفي سياق حديثه أكد محمد أنه لم يسمح للعائلة برؤية سامر، قضى من دون وداع والده ووالدته وزوجته وأطفاله الأربعة الذين ولد أحدهم بعد فترة قصيرة من اختطافه أو اعتقاله وزجّه في سجون الهيئة.

وفي أغسطس / آب 2019 نشر محمد السلوم على حسابه في “فيسبوك” نعوة لأخيه سامر، لتبّث وكالة “إباء” التابعة للهيئة بعد أيام قليلة تسجيلاً مصوراً فيه اعترافات لسامر بالتعامل مع “حزب العمال الكردستاني” والتخطيط لاغتيال واختطاف عناصر من الهيئة، والتنسيق مع مسؤولين في النظام السوري لإجراء مصالحات في المنطقة.

ويعتبر محمد السلوم أن هذه الاعترافات أخذت من أخيه تحت التعذيب، قبل فترة ليست ببعيدة من الإعدام، بحسب ما نقله خارجون من السجون حديثاً للعائلة، وأشار إلى أنه لا معلومات متوفرة إذا ما كان حوكم أم لا ولأي قانون خضع، إذ لا تهمة من جميع التهم المنسوبة إليها ثابتة.

أمجد المالح كان يغطي الحصار الذي تعرّضت له مدينته مضايا في ريف العاصمة دمشق. وصل إلى الشمال السوري عام 2017 بعد التهجير الذي شهدته المنطقة، وعُرف آنذاك باتفاق “المدن الثلاث” (الزبداني في ريف دمشق وكفريا والفوعة في ريف إدلب).

واصل المالح نشاطه الصحفي في إدلب، وفي شهر ديسمبر/ كانون الأول من ذات العام اعتقل هو وثلاثة من الناشطين بتهمة “تصوير مقرات الهيئة بهدف إرسالها للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إضافة إلى تصوير مناطق أثرية”. وتم إطلاق سراح الناشطين الثلاثة بعد نحو شهرين وأبقت الهيئة حينها على المالح.

يقول المالح: “وجّهت إلي سبع تهم هي، التعامل مع “إسرائيل” و”حزب الله” اللبناني والتحالف الدولي والأمم المتحدة. تصوير مقرات للهيئة ومواقع أثرية واعتناق الفكر “العلماني”، وقد تعرّضت لكافة أنواع التعذيب خلال العامين الذين قضيتهما في الاعتقال”.

يشبّه المالح سجون هيئة تحرير الشام بسجون النظام، لكن في سجون الهيئة هنالك “بشار آخر يطبّق السلفية الجهادية وأحكامها على المساجين”. ويشير إلى أنه تم عرضه على القضاء مرة واحد فقط بعد مضي عام ونصف على اعتقاله وتمّت تبرئته حينها من جميع التهم الموجهة إليه.

كما يؤكد أنه وبعد الحكم ببراءته أمضى ستة أشهر إضافية في السجن دون أي سبب. وبرّر حينها القاضي الذي يحمل الجنسية السعودية ويبلغ من العمر 26 عاماً، قرار تمديد سجنه بأن خروجه من السجن “خطر على المسلمين”، وبعد انقضاء المدة تم إجباره على توقيع ورقة يتعهّد بمضمونها على عدم مغادرة مناطق سيطرة الهيئة.

وتقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرر أصدرته مطلع عام 2019 إن هيئة تحرير الشام، التي لها صلات بتنظيم القاعدة، اعتقلت عدداً كبيراً من السكان في مناطق من محافظات إدلب حماة وحلب، ووثقت المنظمة 11 حالة احتجزت فيها الهيئة سكاناً من إدلب بسبب عملهم السلمي الذي يوثق الانتهاكات أو الاحتجاج على حكمها، ويبدو أن ستة من هؤلاء المعتقلين تعرضوا للتعذيب”.

وعقب انتشار خبر إعدام سامر السلوم، قدّرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها عدد المعتقلين من قبل هيئة تحرير الشام منذ الإعلان عن تأسيس تنظيم جبهة النصرة مطلع العام 2012 وحتى أغسطس/آب 2019 بما لا يقل عن ألفي شخص، بينهم 23 طفلاً و59 سيدة.

وسجَّل التقرير في المدة ذاتها مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً بينهم طفل واحد بسبب التعذيب، و38 حالة إعدام في مراكز الاحتجاز التابعة لهيئة تحرير الشام معظمهم لم تُسلَّم جثامينهم لذويهم.

تحتفظ عائلة سامر السلوم والناشط أمجد المالح بالأدلة بهدف تقديمها إلى محاكم قد تنصفهم مستقبلاً.

وعن موضوع المحاكمات يقول المحامي والخبير في القانون الإنساني الدولي علي الزير: “حتى تُعتبر المحكمة وتكون أحكامها معتبرة في القانون يجب أن تتحقق فيها شروط المحاكمات، كأن يكون هناك قانون واضح واجب التطبيق، ما يعني أن يعرف المتهم بالقانون الواجب تطبيقه عليه، وبالتالي يحصل على فرصة لتوكيل محام، وكل هذه الشروط غير متوفرة بمحاكم هيئة تحرير الشام”.

ويضيف الزير: “كما أن هناك شروطاً ومواصفات معينة لأماكن التوقيف كي تكون معتبرة أيضاً، كأن يتمكن الأهل من زيارة الموقوف والتواصل معه، وهذه غير متوفرة أيضاً في كل محاكم الفصائل المسلحة إذن هي سلطات أمر واقع لا قانون واضح ينظم عملها، وتُطبق الأحكام فيها حسب مزاج القادة دون أي مرجعية واضحة”.

ويؤكد الزير: “أن هذه المحاكم وما ينتج عنها من أحكام تعتبر لاغية وغير نافذة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني لاحقاً. وأحكام المصادرة والتغريم والإعدام هي أحكام جائرة، وفي حال تحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي يعتبر هؤلاء الأشخاص ضحايا ويتم تعويضهم عما لحق بهم من ضرر”.