الصفحة الرئيسية مجتمع عن (ثلاثي داريا) وأغاني الثورة.. حكاية إنشاد انتهت بالاستشهاد

عن (ثلاثي داريا) وأغاني الثورة.. حكاية إنشاد انتهت بالاستشهاد

لم تكن أسماؤهم معروفة في المظاهرات وإن كانت حناجرهم الصادحة وأصواتهم الحزينة تخولهم أن يلعبوا دور النجومية كباقي أقرانهم، ولكنهم تفطنوا لهذا الدور بعد سنوات من عمر الثورة فنشطوا خلال العامين الرابع والخامس منها وأقاموا الحفلات في مدينتهم داريا أو الجارة معضمية الشام.. حفلات ثورية بامتياز بكلمات وألحان جديدة، وأصوات لا ينساها كل من حضروا أناشيد “جهاد خولاني” و”محمد الشوا” و”سليم أبو مصعب”. جميع من شهدوا حصار داريا يتذكرون الشبان الثلاثة الذين لم يبلغ أكبرهم الخامسة والعشرين وهم ينشدون بأصوات عذبة أغان شهيرة للثورة، وأخرى جديدة تأليفاً وتلحيناً. كانت كل حفلة تختتم بفقرات من أغنية “شهيدنا راح/ على الجنة راح/ وبشار قتل شعبو/ هالإبن السفاح” التي يضمنونها أسماء الشهداء المحبوبين لداريا “أبو فاروق راح على الجنة راح.. أبو عمر يا شهيد زفافك يوم العيد”.
منذ صغره عرف “أبو قتادة” (محمد الشوا) الشاب المهذب المرهف الإحساس بصوته الذي يشابه هذه الصفات. في إحدى جلساتنا مع بداية الثورة سألته عن حلمه خصوصاً مع أجواء الحرية التي ولدتها الثورة، كان جوابه صادماً، كان جلّ اهتمامه ينحصر بحمل السلاح دفاعاً عن داريا، هكذا قال، للوهلة الأولى بدا الجواب غريباً من شاب يمتلك موهبة كبيرة باعتراف أهل الاختصاص، كانت موهبته فطرية لم يطورها كثيراً ومع ذلك بقي صوته هو الأجمل بين رفاقه.

لم أعرف “جهاد خولاني” أبو نضال كثيراً، ولكني أذكر أن أخاه طلب مني يوماً ما أن أقنعه بالعدول عن خطوته الجريئة في التطوع بين صفوف الجيش الحر الذي كان حديث الولادة في داريا. حمل أبو نضال بندقيته مدافعاً عن داريا في الحملة الكبرى نهايات العام 2012، كان خلالها يغني لأصدقائه بصوت يفتقر للتمرين والخبرة، لم يحاول يوماً أن يحسن من إمكانياته، لكن جمال صوته وطبيعته الدافئة طغيا على ضعف الإمكانيات، وقربا الشاب من قلوب ونفوس الأهالي في المنطقة.
الوحيد من بين أعضاء هذا الثلاثي الذي درب نفسه وتواصل مع ذوي الاختصاص في الإنشاد والتلحين هو سليم أبو مصعب. جلسات طويلة جمعتني به كان يحكي عن أحلامه في النجومية بدءً من داريا.. تواصل مع العديد من نجوم النشيد مثل هيثم الحلبي الذي شجعه كثيراً وسجل له أغان ثورية جديدة في استديوهات داريا المحاصرة.
كانت بداية هذا الثلاثي بإنشاء فرقة مشتركة مع منشدين من أبناء مدينة المعضمية شاركت في إحياء عشرات الحفلات الثورية وربما الأعراس. أغنية “صبراً داريا” التي أُخذ لحنها من النشيد الشهير “صبراً يا نفسي، معنا الله” كانت إحدى بدايات هذه الفرقة. شيئاً فشيئا تطور الأمر فانخرط المنشدون الثلاثة في استديو أسسه نشطاء من داريا تحت إشراف “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”. حصلوا على بعض القصائد المكتوبة بالفصحى والعامية من أحد الشعراء الهواة الذي كان يدعو نفسه “أبو ربيع الديراني” واشترك الجميع في تلحينها على الرغم من افتقارهم للخبرة.

في العام 2015 سجلوا عدة أغنيات خاصة بأجناد الشام. حاولت مراراً الحصول على هذه الأغاني التي كانت مقبولة الألحان والكلمات، والتي لم تنشر على الـ “يوتيوب” بل ظلت حبيسة موبايل “أبو نزار” وهو الشاب الذي كان مسؤولاً عن استديو الأجناد، واستشهد جراء سقوط قذيفة في جبهة “مغرب” من مدينة داريا وذهبت معه هذه الأناشيد الحماسية التي تعكس طابعاً حزبياً ساد بين الفصائل في تلك الفترة.
أهم ما تم إنتاجه كان شيئاً مستقلاً عن الفصائل. حين ظهر أبو مصعب في عمل تمثيلي غنائي أنتجه المركز الإعلامي لمدينة داريا. لقطات الفلم القصير الذي حمل عنوان “سنقاتل” تتابعت مع أغنية من كلمات أبو ربيع الديراني وبصوت أبو مصعب الذي مثل خلال الفلم دور المقاتل المنطلق إلى إحدى جبهات القتال مودعاً والدته في مشهد حزين، وهو يغني “صلى الصبح وتزنر ببارود/ سلاح وحمل عن دربو لا ما يعود/ لما شاف الدم بتربة بلادو/ غلي بدمو النار ع احبابو”.
بعد عدة أشهر اشترك سليم مع مغنٍ من أبناء داريا يقيم في الخارج في أغنية شام الوجع التي أنتجتها منظمة للكل. رأيت سليماً بعد إطلاق الأغنية، كان فرحاً بعد تمكنه من تحقيق خطوات أولى في الطريق الذي رسمه لأحلامه قال لي “هذه بداية الطريق وسأكون نجماً يوماً ما”.

لم ينفرد أبو قتادة أو أبو نضال بأغان مميزة بل اشتركا بأغانيهما ضمن الفرقة الإنشادية. وبينما اكتفى الاثنان بالغناء في أوقات الفراغ حين تتوقف البندقية عن العمل، حمل أبو مصعب حلماً كبيراً وسعى إليه بشكل حثيث قبل وفاته بعدة أشهر. في النهاية.. مضى الجميع شهداء على تراب داريا ولما يكتمل الحلم.
في نهاية العام الخامس للثورة رأيت “جهاد” لا كمثل كل مرة أشاهده فيها، كان مسجى على الأرض بدمائه.. سقط أول الأقمار ثم تبعه أبو قتادة بعد أشهر.. لتنتهي حكاية الثلاثي بسقوط أبي مصعب شهيداً على أرض داريا بعد أن أشبعها غناء وتمجيداً لشهدائها.