فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

النزوح وصعوبات التصدير توقف عمل ورش الموزاييك في إدلب

حسن كنهر الحسين

انخفضت صادرات ورش الموزاييك (الفسيفساء) التي يملكها نمر النهار من مئة متر مربع شهرياً إلى مترين اثنين خلال الأشهر الأخيرة، ما يعكس تراجع عمل تلك الورش بنسبة تصل إلى 90% […]

انخفضت صادرات ورش الموزاييك (الفسيفساء) التي يملكها نمر النهار من مئة متر مربع شهرياً إلى مترين اثنين خلال الأشهر الأخيرة، ما يعكس تراجع عمل تلك الورش بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالسنوات السابقة، إذ شكل النزوح وإغلاق الحدود عائقاً أمام العاملين بها ما دفعه لإغلاقها واتخاذ قرار الرحيل إلى تركيا.

يعتبر فن الفسيفساء أحد الفنون الشرقية التي اشتهرت بها مدينة كفرنبل، وشكلت مصدر دخل لمئات العاملين بها، يعتمد هذا الفن على تشكيل لوحات برسومات هندسية أو نباتية أو تشخيصية من حجارة الرخام المتراكبة، حيث يتم اختيار الشكل/الصورة المطلوبة للوحة ويعمل الفنان على رصف حصيات الرخام الملونة على الشكل المطلوب لتظهر بصورتها النهائية بعد لصقها وتلميعها، حيث يتم إنتاجها بأبعاد مختلفة تتراوح بين 10 سم إلى ثلاثين متراً، بحسب رغبة الزبون، ليتم تصديرها لاحقاً إلى إحدى دول الجوار.

معرض للوحات الفسيفساء المصنعة في ورش الموزاييك السورية
معرض للوحات الفسيفساء المصنعة في ورش الموزاييك السورية

يتم الحصول على تلك الحصى من مناشر الحجر التي تقص الكتل الحجرية إلى حصى مربعة لا يتجاوز ضلع الواحدة منها سنتميتراً واحداً.

تراجع صناعة الموزاييك في إدلب

اصطدمت تلك المهنة مؤخراً بجملة من الصعوبات أدت لتوقف غالبية ورش الموزاييك في إدلب الأمر الذي انعكس سلباً على مئات العاملين فيها.

يقول نمر النهار إن تلك المشاكل “بدأت مع حملة النزوح التي أدت لتشتت العمال في قرى وبلدات إدلب ما دفعني لافتتاح عدة ورشات في مناطق مختلفة، إلا أن الأمر ازداد صعوبة مع بداية جائحة كورونا، حيث تم إغلاق الحدود ما أدى لشلل حركة التصدير والتي تعتبر عماد هذه المهنة، إذ تعتبر تركيا

بوابة لانتقال اللوحات إلى المعارض العالمية ودول الجوار مثل لبنان والأردن”.

واجه أصحاب الورشات صعوبة في تأمين المواد الأولية وارتفاع سعرها، وخاصة الحصى لعدم وجود مناشر مختصة بهذا النوع من الحجر شمال إدلب، حيث يتطلب قصها لمهارة عالية وأدوات خاصة.

يقول النهار ” كنا سابقاً نؤمن الحجارة من أحد مناشر الحجر في بلدة خان السبل بسعر 1.25 دولاراً للكيلوغرام الواحد، وبعد احتلالها من قبل قوات الأسد اضطررنا لشحنها من منطقة عفرين وبأجور مرتفعة ليصل سعر الكيلوغرام الواحد  إلى 3.5 دولاراً، كما طال ارتفاع الأسعار المواد اللاصقة والأرضية المستعملة في اللوحات إذ ارتفع سعرها بنسبة 150% مقارنة بالعام الماضي”.

ورشة موزاييك في إدلب
ورشة موزاييك في إدلب

يتوزع في مناطق المعارضة قرابة خمس عشرة ورشة موزاييك، تضم كل واحدة منها نحو (١٣-١٨) عاملاً، إضافة لورش صغيرة موزعة في المنازل.

وتتراوح أجور العامل بين (٧٥ -٢٥٠ دولاراً) شهرياً وذلك تبعاً لنوع اللوحة ومدى الحرفية التي يتمتع بها كل عامل، كما تعمل بعض الأسر ضمن منازلها بعد الاتفاق مع صاحب الورشة ويتقاضون نحو مئة دولار لكل متر مربع.

أثر تراجع المهنة على العمال

تراجعت صناعة لوحات “الموزاييك” في الشمال السوري، ويعاني صناعها من البطالة التي تتسع في كل يوم، تقول أم عمر (أرملة من سكان ريف حماة) “كنت سابقا أغطى أجور السكن ومصروفي اليومي مع أبنائي الثلاثة من خلال العمل بلوحات الفسيفساء، حيث يقوم صاحب الورشة بتقديم الأدوات اللازمة ونتفق على موعد محدد لتسليم العمل، إلا أن عملنا توقف مؤخراً نتيجة تراجع العمل لدى صاحب الورشة”.

كذلك الأمر بالنسبة لـ “عمار” الذي أرهقته الديون المتلاحقة بعد توقف الورشة التي يعمل بها، يقول إنه كان يعمل في مجال اللوحات الشخصية والتي تتطلب مستويات عالية من الحرفة والدقة لكنه اليوم

بلا عمل.

لوحة فسيفسائية من صناعة ورش الموزاييك في إدلب
لوحة فسيفسائية من صناعة ورش الموزاييك في إدلب

اضطر أغلب أصحاب ورش الموزاييك لإغلاقها أو نقل أعمالهم إلى تركيا لتخطي العقبات المتمثلة بفقدان المواد ومشاكل الشحن والتهريب، يقول محمد البيوش (صاحب ورشة موزاييك) “بعد توقف عملنا بشكل كامل قمت بالتنسيق مع عدد من الأشخاص المتواجدين في تركيا والذين يمتلكون الخبرة في العمل ونقل ورشتي إلى تركيا”.

ويتابع “اختصرنا الكثير من المشاكل بعد انتقالنا إلى تركيا، وفي مقدمتها مشكلة شحن اللوحات عدا عن توفر المواد بكثرة ووجود سوق تصريف واسع ومعارض كثيرة نقوم بمشاركة أعمالنا خلالها”.

ويرى من تحدثنا معهم من العاملين بالمهنة أن على الجهات المسؤولة عن المعابر تقديم تسهيلات لتصدير هذه المنتجات، كونها تشكل فرصة عمل وعائداً مادياً جيداً لمئات الأسر في إدلب.

سوريا تتصدر قائمة النمو السكاني.. وتنظيم ضعيف للأسرة في إدلب

فريق التحرير

تمتنع عائلات في إدلب عن استخدام موانع الحمل لأسباب كثيرة أهمها، رفض الأزواج والرغبة في الإنجاب، إضافة للآثار الجانبية لهذه الموانع على صحة النساء، في الوقت الذي تصدرت فيه سوريا […]

تمتنع عائلات في إدلب عن استخدام موانع الحمل لأسباب كثيرة أهمها، رفض الأزواج والرغبة في الإنجاب، إضافة للآثار الجانبية لهذه الموانع على صحة النساء، في الوقت الذي تصدرت فيه سوريا أعلى معدلات النمو السكاني في العالم لعام 2020 بنسبة زيادة قدرت بنحو 4.25%، بحسب دراسة أصدرتها وكالة المخابرات الأمريكية.
التقاليد الاجتماعية ترفع معدل النمو السكاني

تزوج أبو عبدو “نازح من ريف إدلب الجنوبي” ثلاث سيدات، ومنعهن من إيقاف الحمل مهدداً بطلاقهن في حال قررت إحداهن التوقف عن الإنجاب، يقول: “إنه عاش وحيداً بين ست بنات، ووالده كان وحيداً أيضاً ولطالما تعرض للتنمر من المجتمع المحيط، فقرر تعويض السنوات التي عاشها عبر أطفاله”. لدى أبو عبدو ثلاثة وثلاثين ولداً يفتخر بوجودهم ويراهم سنداً قوياً له في هذه الأيام.

ترفض عشرات الأسر في إدلب الالتزام بنظام المباعدة بين الولادات، الأمر الذي يتسبب بمشاكل صحية للأم والجنين، وقد يؤدي لفقدان أحدهم في

بعض الحالات ناهيك عن فقدان بعض الأطفال لاهتمام ذويهم خاصة في ظل النزوح وما تتعرض له المنطقة من حرب بحسب من التقيناهم.

تمتنع النساء عن تنظيم الحمل لعدة أسباب أهمها التباهي بزيادة عدد أفراد العائلة، في حين تجد بعضهن أن الإنجاب مؤشر على الشباب فتستمر به للتمايز بين قريناتها من النساء، كما أن هناك حالات من النساء لا تملك المعرفة الكافية حيال وسائل منع الحمل وأخريات لم تناسبهن وسببت لهن مشاكل صحية. ناهيك عن حالات الفقد التي عاشتها عشرات الأسر خلال سنوات الحرب ما دفعهم لزيادة عدد أفراد العائلة.

تقول رجاء الرحمون إن زوجها ألقى بحبوب منع الحمل في سلة المهملات وهددها بالطلاق في حال عاودت استعمالها. بينما شكل فقد أبو محمد لثلاثة من أولاده خلال الحرب رغبة بداخله لتشجيع نساء أولاده المتبقين على الحمل والإنجاب.

منظمات تقوم بالتوعية

تقدم بعض المنظمات جلسات توعوية للحديث عن أهمية المباعدة بين الولادات ومدى خطورة الولادات المتكررة على صحة الأم والطفل معاً، من خلال مشاريع التوعية الصحية المجتمعية التي تقوم بها الفرق الجوالة عبر زيارات منزلية تستهدف ربات الأسر، ويتم طرح مواضيع متنوعة تتعلق بالأطفال وأمراضهن ومشاكل الحمل والإرضاع كما قامت بعض المنظمات بتوزيع بروشورات ومواد صحية وتثقيفية.

تقول إيلاف شعبان (متطوعة صحة مجتمعية مع الأوسوم): إن بعض النساء يقتنعن بالنصائح التي يطرحها الفريق لكن لا يمكنهن الالتزام بها نتيجة ضغوط الزوج أو العائلة، في حين تجد بعض السيدات أن تلك المعلومات مهمة لها ولم تكن على علم بها.
وتضيف الشعبان” إن من واجبنا أن نشرح للسيدات عن وسائل منع الحمل وإيجابياتها وسلبياتها، إضافة للحديث عن أهمية تنظيم الأسرة وخطر الولادات المتقاربة على الأنثى لكن حرية الاختيار ستكون للسيدة ومجتمعها المحيط.

وسائل منع الحمل 

تنتشر في إدلب عدة طرق لمنع الحمل مثل التمنيع الطبيعي “القذف خارج الرحم” وترى نساء التقيناهن أن هذه الطريقة غير مضمونة لذا يلجأ البعض لاستعمال الواقي الذكري، ويصل ثمن العلبة التي تحوي 12 قطعة إلى ست ليرات تركية، أو حبوب منع الحمل والتي تتوفر بعدة أنواع مثل حب الإيكزولينول، سعر الظرف منه 13 ليرة تركي، وكونتراسيبت، وسعره 8 ليرات تركي، كما يعتبر اللولب أحد أهم أدوات منع الحمل إضافة لأبر ديبوبروفيرا ونوريسترات، وتتوفر موانع الحمل بشكل مجاني في المشافي النسائية العامة في بعض الأوقات.

تستفيد بعض النساء من تلك الوسائل في حين لم تناسب صحة أخريات لأسباب تتعلق بطرق المنع أو لأخرى متعلقة بالنساء ومواعيد الدورة الشهرية يضاف إليها الآثار التي عكستها الوسائل عليهن جسدياً ونفسياً.
تسببت حبوب منع الحمل بالسمنة والصداع وتقلبات المزاج لأمل “سيدة من ريف إدلب الجنوبي” في حين حرمت رحاب اللبن من الحمل منذ ثلاث سنوات نتيجة الآثار المرضية التي خلفها اللولب الذي استعملته لتنظيم حملها.

تقول سلام المحمد “طبيبة نسائية”: إن الاستخدام الطويل للولب المنع يؤدي للعقم وتأخر الحمل، وقد يصبح لدى المرأة لولب هاجر في البطن حيث يضيع خيط اللولب، مما يدفعنا للقيام بإجراء عملية تنظير للبطن لاستخلاصه.
كما تترك موانع الحمل آثاراً سلبية على مرضى الضغط والسكري والمدخنين، وقد تؤدي موانع الحمل العضلية لانقطاع الطمث لفترات طويلة عند نساء معينات كما يمكن أن تسبب نزيفاً متقطعاً في حالات أخرى.

وأكدت المحمد أن “الولادات المتقاربة قد تتسبب ببعض المخاطر للأم مثل فقدانها لنسبة كبيرة من الكالسيوم وبذلك تصاب بهشاشة العظام وآلام في الظهر والحوض، بجانب ذلك الإصابة بفقر الدم، كما أنها تصبح عرضة للعديد من الأمراض التناسلية مثل سقوط الرحم والتهابات عنق الرحم، ويمكن أن تصاب بنزيف وتسمم الحمل وحمى النفاس”.
وطالب بضرورة استشارة الطبيبة المختصة قبل اختيار أحد موانع الحمل لتتجنب السيدة مخاطر بعض موانع الحمل التي قد لا تتوافق مع بنيتها الجسدية.

“حلب القديمة”كومة ركام .. ووعود النظام بالترميم لم تتحقق

هاني العبدالله

مرت أربعة أعوام على سيطرة قوات الأسد على مدينة حلب، بعد حملة عسكرية وقصف مركز على أحياء حلب القديمة أحال أسواقها المصنفة كجزء من التراث العالمي منذ 1986 إلى أكوام […]

مرت أربعة أعوام على سيطرة قوات الأسد على مدينة حلب، بعد حملة عسكرية وقصف مركز على أحياء حلب القديمة أحال أسواقها المصنفة كجزء من التراث العالمي منذ 1986 إلى أكوام من الركام.
عمد إعلام النظام خلال تلك السنوات للترويج عن عودة الحياة الطبيعية للمدينة وقطعه لمسافات واسعة في برامج إعادة الإعمار، لكن الحال كان خلاف ذلك.

أجرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، دراسة لتقدير نسبة الدمار الذي أصاب أسواق حلب القديمة ، مستعينةً بصور الأقمار الصناعية التي التقطتها في كانون الثاني عام 2017، إذ قدّرت نسبة الدمار الحاصل على مواقع الأسواق القديمة البالغ عددها 157 موقعاً بحوالي 60%، بينما تعرض نحو 30% من تلك المواقع للتدمير الكامل، مشيرةً إلى عدم وجود أي موقع ضمن الأحياء القديمة تمكن من النجاة تماماً من الضرر والدمار.

وأكّدت “اليونيسكو” ضرورة إعلان حلب القديمة “منطقة كوارث”، حيث رصدت المنظمة الأممية أضراراً بالغة في المسجد الأموي الكبير وقلعة حلب وعدة مبان تاريخية، وقدّرت المبلغ المقدّر لإعادة إعمار حلب القديمة بقيمة 52 مليار دولار أمريكي، من إجمالي المبلغ المقدّر من الأمم المتحدة لإعادة إعمار سوريا والذي يقارب 400 مليار.

الترميم يطال المباني الأثرية فقط

سعى النظام للترويج عبر إعلامه إلى أنه يعمل على إعادة إعمار حلب القديمة، حيث أعلن قبل أيام انتهاء المرحلة الأولى من أعمال ترميم وتأهيل سوق خان الحرير، أحد أشهر وأقدم الأسواق التاريخية في حلب، واستغرقت عمليات الترميم أكثر من عشرة أشهر، زاعماً أنه يعد ثاني مشروع لإعادة إحياء الأسواق القديمة، بعد ترميم “سوق السقطية”، وأن الحياة عادت لتدب في عروق خان الحرير.

عملية ترميم سوق الحرير في حلب القديمة -إنترنيت
عملية ترميم سوق الحرير في حلب القديمة -إنترنيت

وقال الباحث في الشأن الاقتصادي يونس الكريم لفوكس حلب: إن عمليات الإعمار التي تمت في بعض الأسواق الأثرية، كانت عبر منحة مقدمة من مؤسسة آغا خان، في حين قامت بعض المؤسسات الخاصة والتي تعنى بحفظ وحماية التراث ببعض عمليات الترميم الأخرى، ولم يقدم النظام أي دعم مادي لإعمار حلب في ظل انهيار قدرته الاقتصادية، وعجزه عن تأمين الخبز والمحروقات التي تعتبر أدنى المستلزمات الأساسية للمواطن.
استغل الأسد عمليات الترميم التي تتم بدعم من التجار، ليُظهر للرأي العام أن الحياة تعود لطبيعتها، وبنفس الوقت لتشجيع حلفاء جدد على الدخول في استثمارات اقتصادية داخل حلب، تؤمن له القطع الأجنبي.

وذكر الكريم أن حلب تشهد تنافساً كبيراً، بسبب أهميتها كونها مدينة صناعية وتجارية ذات تاريخ عريق وتطل على طريقيّ M 4 و M 5، وبسبب قربها من الحدود السورية التركية، إذ تعتبر عاصمة الشمال السوري، إضافة لوفرة رؤوس الأموال لدى تجارها.
وقال إن “عمليات الترميم التي تمت شكلية وغرضها إعلامي فقط، فهي لن تسهم في إعادة فتح الأسواق في ظل غياب السيولة المادية وغياب الأمان، وهذا لن يُشجّع التجار والباعة على إعادة فتح محلاتهم مجدداً”.

ويرى الكريم أن الأسد يتأخر في ملف إعادة إعمار حلب، كون مستقبل المدينة ما يزال غامضاً، وقد تقع تحت السيطرة التركية أو لصالح أي طرفٍ آخر لاحقاً بموجب تفاهماتٍ دولية، لهذا لا توجد دراسات دقيقة حول تأهيل حلب، بسبب عدم معرفة الجهة التي ستتولى ملف الإعمار فيها، كما أن المستثمرين من الدول الأخرى متخوفون من المستقبل السياسي للأسد، وهذا يجعلهم مترددون في الدخول بإعادة الإعمار، حتى تتضح الرؤية أكثر بخصوص مستقبل سوريا، ومن ضمنهم الصين التي كانت تخطط للدخول في استثمارات ضمن حلب لكنها فضّلت التريث”.

كانت قوات الأسد قد أعلنت عن ترميم قلعة حلب الأثرية والجامع الأموي ودوار السبع بحرات ومحيط ساعة باب الفرج، وقال الناشط الإعلامي محمد ورد: إن “روسيا خلال حملتها العسكرية على حلب قصفت المدينة القديمة بشكلٍ مكثف أدى لطمس هويتها الثقافية وتعرضت الأحياء التاريخية لدمارٍ كبير”.

الدمار الذي طال الجامع الأموي بحلب القديمة -إنترنيت
الدمار الذي طال الجامع الأموي بحلب القديمة -إنترنيت

وقال ورد إن “عمليات الترميم التي أعلن عنها النظام في حلب القديمة منذ 2018، طالت الأماكن الأثرية والمزارات فقط، أما منازل المدنيين المتضررة فلم تتكفل الدولة بها ولجأ أصحابها لترميمها على نفقتهم الخاصة، بينما تكفّلت منظمات دولية بينها إماراتية وقطرية وكويتية تحت إشراف اليونيسكو، بترميم المنازل الأثرية المدمرة لبعض الأهالي، حيث يقوم صاحب البيت بتقديم طلب لترميم منزله، وترسل المنظمة لجنة من طرفها لتقييم الأضرار وإجراء عمليات الترميم اللازمة”.

رشاوى وسلب أملاك الأهالي

تعرضت مدينة حلب لقصفٍ عنيف تسبّب في دمار الكثير من المباني، بينما تعتبر العديد من المنازل التي عاد لها أصحابها آيلة للسقوط بأي لحظة، نتيجة تصدّعها إثر “الصواريخ الارتجاجية” التي استخدمها الطيران بكثافة في قصف أحياء حلب، وانهارت عدة أبنية في الأحياء الشرقية نتيجة تصدّعها، وأبرزها انهيار مبنى من خمسة طوابق بحي الصالحين في حزيران 2019، ما تسبّب بمقتل عدة مدنيين واصابة آخرين.

قامت حكومة الأسد بتشكيل لجان تتولى مهمة تقييم وضع البيوت، حيث يقوم مجموعة من المهندسين ومساعديهم بزيارة كل بناء، والاطلاع على وضعه بشكلٍ سريع وعشوائي، ثم يقرروا إذا كان البناء بحاجة لإخلاء سكانه كي يتم هدمه، أو أنه بحاجة لترميم جزئي، لهذا تم إخراج الكثير من العائلات من بيوتها، ووُضع بعضهم في مساكن عشوائية غير مخدّمة، في حين لم يحصل آخرون على السكن، بحجة امتلاء كل المساكن البديلة.

وقال أحمد الخالدي (اسم مستعار لأحد قاطني حي باب الحديد) “تعرّض منزلي لدمارٍ جزئي إضافةً إلى وجود تصدّعات ضمن البناء، وحين قدمت لجنة التقييم قررت أن البناء بحاجة إلى الهدم، رغم أن التشققات كانت بسيطة، وطلبت منا إخلاء البناء خلال شهر، لهذا قررت مع باقي الجيران دفع مبلغ 500 ألف ليرة سورية للجنة بمعدل 100 ألف من كل عائلة، مقابل أن تدوّن ضمن ملف التقييم أن البناء ما يزال صالحاً للسكن”.

كذلك عمد النظام لاستغلال القانون رقم 10 لسلب أملاك سكان حلب المهجّرين، عبر إحداث شركة “حلب القابضة”، والتي تستغل غياب الأهالي وعدم قدرتهم على القدوم لإثبات ملكيتهم للعقار لتقوم بالاستيلاء على المنازل، وأضاف الخالدي أن “ايران تسعى للتمدد في حلب عبر شراء المنازل من المدنيين، حيث عرض بعض السماسرة المرتبطين بإيران على عدد من أقاربه المقيمين في الأحياء القديمة شراء منازلهم، عبر إغرائهم بالمال تارةً، أو بالتهديد والترهيب والخداع تارةً أخرى”.

دمار وخدمات ضئيلة

رغم مرور أربعة أعوام على سيطرة الأسد على حلب الشرقية، إلا أن أحياءها ما تزال تعاني من الدمار وسوء الواقع الخدمي، فحين تسير في حلب القديمة لا سيما من منطقة باب الحديد وأحياء الشعار وقاضي عسكر نحو محيط قلعة حلب، تلاحَظ أن الدمار منتشر في كل مكان، فالنظام قام فقط بتجميع الركام على جانبي الطريق، وردم الحفر في الشوارع لفتح الطريق أمام سير المدنيين والسيارات، أو إزالة الركام من الشوارع الرئيسية وإهمال الطرق الفرعية، كما أنه انشغل بترميم بعض الدوّارات مثل دوار السبع بحرات قرب القلعة وتعمّد تهميش بيوت المدنيين المدمّرة.

وقال الناشط الاعلامي محمد ورد: إن “النظام يُصوّر حلب القديمة وكأنها باتت جنة، بعدما زعم أنه قام بتأهيلها وأعاد الخدمات لها والسكان عادوا لمزاولة مهنهم العريقة. في الواقع الدمار في كل مكان، ومعظم المحلات مغلقة، والخدمات ما زالت ضئيلة فيها، حيث عادت الكهرباء إلى بعض الأحياء منها باب الحديد وباب قنسرين، بينما تعتمد باقي الأحياء على مولدات الأمبيرات التي يتحكم بساعات تشغيلها وأسعارها بعض الشبيحة، كما أن المياه لم تصل إلى الكثير من الأحياء بسبب التضرر الكبير في شبكات المياه نتيحة القصف العنيف الذي طال المدينة، إضافةً إلى إهمال النظافة وسوء شبكات الصرف الصحي”، مشيراً الى أن “انتشار الفلتان الأمني أكثر ما يعكر صفو الأهالي، إضافةً إلى تعمّد مجلس محافظة حلب التابعة للنظام، التركيز على تقديم الخدمات للأحياء الغربية، و إهمال تخديم الأحياء الشرقية كنوع من العقاب للأهالي الذين ثاروا ضد حكم الأسد”.

يذكر أن مدينة حلب تضم العديد من الأحياء التاريخية العريقة، أبرزها باب انطاكية، باب الحديد، باب قنسرين، جب القبة، الجلوم، قرلق، قصر الحرمين، بانقوسا، حي الأبراج، وحارة الأكراد، وسيطرت قوات النظام في السابع من كانون الأول 2016 على

كامل أحياء حلب القديمة الواقعة ضمن القسم الأوسط من حلب الشرقية، والتي سيطر الأسد عليها بالكامل بعد أيام بدعمٍ عسكري

روسي إيراني، تسبّب في مقتل وجرح الآلاف من المدنيين، ودمار معظم أحياء المدينة، وتهجير أغلب سكانها نحو الريف الغربي ومحافظة إدلب بموجب اتفاقٍ دولي.

وكان “نائب محافظ حلب” حميد كينو، أعلن مطلع آب 2018، عن برنامجٍ حكومي لإعادة إعمار المناطق الشرقية بما فيها حلب

القديمة ، زاعماً أن إعادة تأهيل المدينة سيتم على ثلاث مراحل: أولها إعادة تأهيل البنية التحتية، والثانية تقديم المساعدة اللازمة وتحديد احتياجات كل أسرة، والثالثة إعادة السكان إلى منازلهم والتأكيد لهم أن هذه المناطق باتت آمنة لكن ذلك لم يتم بحسب من تحدثنا معهم.

 

مياه الشرب في جنديرس كلسية و “الفلترة” حل مكلف

فداء الصالح

أمضت الطفلة جنان ثلاثة أيام في مشفى الأطفال بجنديرس نتيجة إصابتها بالتهاب أمعاء حاد. يقول الأطباء إن السبب يعود لـ مياه الشرب “الملوثة” التي يعتمد عليها الأهالي في حياتهم اليومية. […]

أمضت الطفلة جنان ثلاثة أيام في مشفى الأطفال بجنديرس نتيجة إصابتها بالتهاب أمعاء حاد. يقول الأطباء إن السبب يعود لـ مياه الشرب “الملوثة” التي يعتمد عليها الأهالي في حياتهم اليومية.

تقول والدة جنان إن الأطباء نصحوها باستخدام “مياه الشرب المفلترة”، وإنها ستحاول الحصول عليها رغم عجزها عن دفع ثمنها. حالها كحال معظم العائلات في منطقة أغلب سكانها من النازحين والمهجرين قسرياً.

ويعتمد سكان جنديرس لتأمين مياه الشرب على مياه الشبكة الرئيسية الواصلة إلى المنازل والمغذاة من الآبار الارتوازية الموزعة في القرى المحيطة بالمدينة، مثل “كفرصفره وكوران”، إضافة للمياه المنقولة عبر الصهاريج، لكن نسبة الكلس المرتفعة في المياه وتلوثها في بعض المناطق يجبر الأهالي على دفع تكاليف إضافية لشراء المياه المفلترة.

المياه نقية والعلة في شبكات التوصيل

يقول محمد نويحي “مسؤول وحدة المياه في جنديرس”: إن مصدر مياه جنديرس يقع بعيداً عن الملوثات لتواجده في مناطق قروية جبلية، ما يقلل من خطر تعرضها للتلوث بمياه الصرف الصحي، ويتواجد الخزان الرئيسي المغذي لجنديرس في قرية “كفرصفره” حيث يتم مراقبة مياه الشرب وإجراء الفحوصات اللازمة لها دورياً ومعالجتها بالكلور من قبل منظمة “يداً بيد” وتحت إشراف من المجلس المحلي في المدينة.

وأكد” محمد نويحي” أن مياه جنديرس “صالحة للشرب ومعالجة بالكلور”، لكن “قدم شبكات المياه العامة يسبب في انخفاض جودتها قبل وصولها إلى المنازل، كما يؤثر الاعتماد على الخزانات القديمة والقساطل المعدنية على جودة المياه”.

وقد قام المجلس المحلي بالتعاون مع منظمة يداً بيد بتجديد وتوسيع عدة أجزاء من شبكات المياه في جنديرس بغية تحسين الخدمات المقدمة للناس.

المياه المفلترة تكاليف إضافية

تدفع عائلة مكونة من خمسة أشخاص نحو مئة وخمسة وعشرين ألف ليرة شهرياً للحصول على “مياه الشرب المعدنية”، إذ تحتاج العائلة لخمسة عشر ليتراً يومياً ويبلغ سعر اللتر الواحد نحو ثلاثمائة ليرة سورية.

لا تستطيع أغلب العائلات دفع ثمن هذه المياه، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد العامل والموظف أقل من خمسة آلاف يومياً، وهو ما يدفعهم لشرب مياه الشرب الواصلة من الشبكة الرئيسية أو الاعتماد على المياه المفلترة محلياً، إذ تباع الأخيرة بنحو خمسة عشر ليرة سورية للتر الواحد.

يقول زياد الصالح “رب أسرة مكونة من خمسة أشخاص”: “نحتاج يوميا لقرابة ١٥ ليتر من مياه الشرب ثمنها ٢٢٥ ليرة سورية، فيكون المجموع الشهري قرابة ٧٠٠٠ ليرة سورية”.

لا يمثل الفارق الكبير في السعر سعة عند العائلات لشراء مياه الشرب المفلترة محلياً، إذ تحصل العائلات بنفس الثمن على نحو عشرين برميلاً (٤٠٠٠ لتر) من مياه الصهاريج تستخدم في كافة الاحتياجات المنزلية كالاستحمام والتنظيف والشرب، وتقوم عائلات تحدثنا معها بتنقية وتعقيم هذه المياه بـ “حبوب كلور” يحصلون عليها من قبل المنظمات الإنسانية.

يقول النويحي “بالنسبة لمحطات فلترة المياه حالها حال كل المهن تحتاج إلى ترخيص من المجلس المحلي، لكن ضعف الإمكانيات لدى وحدة المياه يمنع إجراء رقابة دورية على جودة المياه في هذه المحطات”.

 فلترة المياه محلياً

تنتشر في ناحية جنديرس عدة محطات لتنقية المياه، نتيجة توجه الناس للاعتماد عليها، يدير محمد العلي “مهجر من دير الزور” إحدى هذه المحطات ويقول إن عملية تحلية المياه تمر بمراحل تهدف جميعها إلى إزالة الأملاح المذابة والمعادن الزائدة في الماء وإزالة الرواسب والبكتيريا.

وتعتمد محطات الفلترة على مياه الآبار الارتوازية القريبة يتم تنقيتها بداية عبر تمريرها في “فلتر” يحتوي رمالاً وحصى مهمتها التخلص من الشوائب كبيرة الحجم كـ الطحالب والأخشاب، ثم تنتقل المياه إلى فلتر يحتوي مادة “الريزين” يقوم بسحب اﻟﻜﺎﻟﺴﻴﻮم والمغنيزيوم المذاب في الماء والتي تسبب الترسبات الكلسية غير المرغوب بها.

محطة الكوثر لفلترة مياه الشرب في جنديرس -فوكس حلب
محطة الكوثر لفلترة مياه الشرب في جنديرس -فوكس حلب

تتم هذه العملية على مبدأ التبادل الشاردي حيث تستبدل شوارد الكالسيوم والمنغنيزيوم بشوارد الصوديوم. إذ ترتبط شوارد الكلس والمنغنيز بالريزين أثناء مرورها عليها وينطلق بدلاً منها الصوديوم.
تنتقل المياه بعد مرحلة الريزين إلى “فلتر الكربون” ليقوم بإزالة الكلور والشوائب من الماء ما يؤدي لتحسين طعم المياه، وتكون الخطوة الأخيرة بمرور المياه على جهاز الأشعة فوق البنفسجية التي تقوم بقتل البكتيريا والجراثيم المتبقية، وبهذا الشكل تنتهي عملية تنقية المياه وتصبح صالحة للشرب والاستخدام اليومي الآمن.

تعبأ مياه الشرب المفلترة في عبوات خاصة أو تنقل عبر سيارات لمراكز التوزيع حيث يتم إفراغها في خزانات كبيرة وتقوم تلك المراكز ببيعها للمواطن من تلك الخزانات.

فحص غير رسمي للمياه المفلترة

يعتمد الأهالي طريقة تقليدية لفحص المياه عبر تجربتها بتحضير الشاي، يقول خالد الحسين “صاحب بقالية” نأتي بالمياه من محطات الفلترة ونتيجة عدم معرفتنا بدرجة نقاوة المياه بالطريقة العلمية فإن صفاء “كاسة الشاي” وهو المقياس الرائج بين الناس.

بينما يقوم محمد العلي بفحص نقاوة المياه في محطته من خلال قياس نسبة الأملاح المتواجدة فيها، ويعرف بفحص ” TDS “، بشكل مستمر لضمان بقاء المياه ضمن النسب الصحية ولمعرفة مواعيد استبدال فلاتر المياه. حيث يتم غسل المحطة آلياً بعد إنتاج ٤٠٠٠ ليتر و استبدال الفلاتر كل ٢٠ أو ٣٠ يوم. ، في حين تبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة ٤٠٠ ليتر/الساعة.

ويشرح العلي هذه العملية بقوله: تحتوي المياه على العديد من المكونات الصلبة غير العضوية، إذ لا تقتصر ملوحة الماء على نوع واحد فقط من الأملاح، بل هي نسبة التركيز الكلي للأملاح الذائبة معاً، مثل البوتاسيوم، المغنيسيوم، كالسيوم، صوديوم،  تقاس نسبة ملوحة مياه الشرب بوحدة ملغ/لتر.

وحددت منظمة الصحة العالمية سقفاً أعلى لملوحة الماء وهو 1000 ملغ لكل لتر (مع تفضيل أن يكون أقل من 500).

وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن المياه الملوثة بالكائنات الدقيقة والمواد الكيماوية تؤدي لجملة أمراض مثل البلهارسيا والملاريا أو حمى الضنك التي تسببها نواقل المرض التي تعيش في المياه؛ وأمراض أخرى مثل داء الفيلقيات المنقول بواسطة الرذاذ الحاوي على بعض الكائنات الحية الدقيقة.

 

صناعة القش.. تراث يقاوم الاندثار في إدلب

حسن كنهر الحسين

تجلس الحاجة أم خالد في فناء منزلها بقرية عبريتا شمال إدلب أمام كومة من القش، تفرزها بحسب الطول والسماكة وتضعها في وعاء مليء بالماء على أمل استعمالها في اليوم التالي […]

تجلس الحاجة أم خالد في فناء منزلها بقرية عبريتا شمال إدلب أمام كومة من القش، تفرزها بحسب الطول والسماكة وتضعها في وعاء مليء بالماء على أمل استعمالها في اليوم التالي لصناعة أطباق القش.
ورثت أم خالد هذه العمل من والدتها، وتعمل به منذ خمسين عاماً رغم إقبال الزبائن الضعيف على منتجات القش، إذ بات اقتناؤها بهدف الزينة بعد أن كان للاستعمالات اليومية.
تجمع أم خالد عيدان القش من بيادر القمح والشعير في فترة الحصاد، وتحتفظ بها ليتسنى لها صناعة الأطباق في طوال أيام السنة.

تشتهر قرية عبريتا بنسيج القش، إذ لا يخلو منزل من منازل القرية من منتجات القش والقصب وغالبية أهالي القرية توارثوا تلك المهنة عن أهاليهم وزينوا منازلهم بأعمالهم التي تنافسوا في إنتاجها، فهي مهنة تتطلب المهارة والدقة والإتقان، بحسب من تحدثنا معهم.

تمر صناعة القش بمراحل، تبدأ بجمع القش ثم فرزه ونقعه بالماء لمدة لا تقل عن ثمان ساعات، ثم يجفف ويوضع ضمن أكياس مغلقة تحت أشعة الشمس أو في مكان دافئ ليكتسب الليونة التي تمنعه من الكسر أثناء النسج.

تجمع أم خالد خيوط القش الطرية ضمن باقات قطرها لا يتجاوز 1،5 سم  لتشكل الحشوة، وتبدأ بلفها بعيدان أخرى من القش الملون، والتي وصلت ببعضها البعض لتشكل خيوطاً طويلة، في حين تستعيض أحياناً بخيوط من البلاستك.

باستعمال مخرز حديدي أو مسلة تنسج لفافات القش وتضمها بشكل أفقي أو عمودي بحسب الإناء الذي ترغب بصناعته، وتخلل نسيجها بعيدان من القش الملون لتزين عملها بإحدى الرسومات الهندسية ما يضفي على الوعاء جمالاً إضافياً.

تستمر أم خالد بسحب تلك الخيوط حتى إنهاء تكوين الأداة المراد تصنيعها، ويتراوح الوقت اللازم لصناعة القطعة بين يوم وثلاثة أيام بحسب حجمها وشكلها.

خلال تصنيع طبق القش
خلال تصنيع طبق القش

تتنوع الأدوات التي يتم إنتاجها من القش والقصب ولكل منها استخداماتها الخاصة، مثل طبق القش و يبدأ تشكيله بعد حزم القش ليصبح أشبه بحبل قطره 1،5 سم ويبدأ تكوينها عبر تشكيل قرص دائري ولف حبل القش على هذا القرص ونسجه بشكل متين حيث تتوسع الدائرة حتى تصل إلى الحجم المطلوب.

يتم توصيل تلك الدوائر مع بعضها البعض بواسطة خيوط القش المتينة عن طريق المخرز حتى تصبح على شكل دائرة مستوية بقطر 80 سم أو أكثر وذلك بحسب رغبة الزبون، وعند الانتهاء من تشكيلها تتم إحاطة الدوائر الثلاث الأخيرة بقطعة من القماش لإكسابها المتانة وضمان تماسكها ومنع أطرافها من التآكل نتيجة الاحتكاك ومنعها من التلف مع الزمن، وتستخدم أطباق القش لتقديم الطعام وخاصة خبز التنور.

أما الشكل الثاني من أشكال صناعة القش فهو الوعاء أو القفة وتشبه صناعتها صناعة صدر القش، حيث يتم تشكيل قاعدة دائرية بقطر 25 سم ويبدأ تشكيل القش بشكل دائري على شكل مخروط قاعدته الصغيرة نحو الأسفل، ويستمر النسيج حتى ارتفاع محدد ليتم اتباع نفس الطريقة في ختم جزئها العلوي بالقماش، وتستخدم لجمع الأواني المنزلية أو المواد التموينية من دقيق أو محاصيل أو غيرها.

قفة مصنوعة من القش
قفة مصنوعة من القش

أما القرطل فتتم صناعته من قشور القصب بعد نقعها ليوم كامل في الماء حتى تكتسب ليونتها، ليتم ثنيها وشبكها حيث تبدأ أم خالد بتشكيل قاعدة بقطر 30 سم ومن ثم يتم بناء جدار على استقامة واحدة على ارتفاع 60 سم، وعند الانتهاء من نسج عيدان القصب، يتم ربط أحد الطرفين بقوس منسوج من قشور القصب ليشكل حمالة للقرطل ويستخدم لجمع الثمار والبيض بالإضافة لحمل الأدوات الصغيرة.

تتراوح أسعار تلك المنتجات بين ثلاثة إلى سبعة آلاف ليرة سورية للقطعة الواحدة وذلك بحسب نوعها وحجمها ونوع المادة المستخدمة في إنشائها.

إطباق القش تحولت إلى أدوات زينة لجدران المنازل
إطباق القش تحولت إلى أدوات زينة لجدران المنازل

تراجعت صناعة القش والقصب نتيجة الانتشار الواسع للأواني البلاستيكية والمعدنية والزجاجية، إلا أنها ما تزال مهنة تحافظ على مكانتها في عدد من قرى إدلب بصفتها من الصناعات التراثية، التي يتفاخر الأهالي بتزيين جدران منازلهم بها.

شروط تعجيزية تعرقل عودة الأهالي الى مخيم اليرموك

هاني العبدالله

أعلن النظام السوري خلال الأيام الماضية، السماح لأهالي مخيم اليرموك جنوب دمشق بالعودة إلى منازلهم بعد سنواتٍ من النزوح والتهجير. لكنه وضع شروطاً مقابل السماح لهم بالعودة، وعقب ذلك سارعت […]

أعلن النظام السوري خلال الأيام الماضية، السماح لأهالي مخيم اليرموك جنوب دمشق بالعودة إلى منازلهم بعد سنواتٍ من النزوح والتهجير. لكنه وضع شروطاً مقابل السماح لهم بالعودة، وعقب ذلك سارعت عوائل إلى تقديم الطلبات للموافقة لهم بالدخول الى بيوتهم، بينما وجدت أغلب العائلات أن تلك الشروط تعجيزية وهدفها الحيلولة دون رجوع السكان الى المخيم.

ووافقت “محافظة دمشق” التابعة للنظام في الخامس من تشرين الأول الحالي، على عودة سكان مخيم اليرموك إلى منازلهم ضمن شروطٍ حددتها مسبقاً، وهي “أن يكون المنزل سليماً، وأن يثبت الشخص ملكيته للعقار، إضافةً إلى وجوب حصول من يريد العودة على موافقة أمنية”.

وادّعى عضو المكتب التنفيذي في المحافظة سمير جزائرلي في تصريحٍ لصحيفة “الوطن” الموالية، أن الشروط التي تم تحديدها تتعلق بالسلامة، مضيفاً أن قرار السماح بعودة السكان أُقرّ بعد اجتماع لـ “اللجنة المكلفة بعودة سكان مخيم اليرموك إلى منازلهم”، والتي قررت التريث في تنفيذ المخطط التنظيمي للمخيم، بعد تلقيها حوالي 2900 اعتراضاً من الأهالي على ذلك المخطط.

وكانت 28 منظمة وتجمعاً قانونياً وسياسياً ومدنياً فلسطينياً وسورياً، أعلنوا رفضَهم واعتراضهم على المخطط التنظيمي لمنطقة مخيم اليرموك، الذي أصدرته “محافظة دمشق”، وأرسلت تلك المنظمات مذكرة إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون، أكدت فيها أن المخطط التنظيمي الذي أقرّته حكومة الأسد، يُجرّد سكان المخيم من حقوقهم العينية العقارية، كما أنّه يُغيّر ويطمس هوية المخيم.

وقال مسؤول الإعلام في “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” فايز أبو عيد: “بعد أن أصرّ النظام على منع الأهالي من العودة الى بيوتهم لعامين، اضطر للرضوخ لضغوطات السكان الكبيرة، الذين اعترضوا على منعهم من الرجوع الى ديارهم، بينما تمت الموافقة لسكان التضامن والحجر الأسود بالعودة”، مشيراً الى أنه “في الحقيقة اعترض الآلاف من الأهالي على المخطط التنظيمي الذي وضعه الأسد ومنعهم من الدخول للمخيم، بينما ادّعى النظام أن الاعتراضات بلغت 2900 فقط، لأنه لو أعلن أن الاعتراضات كانت ثلاثة آلاف فما فوق، فهذا يعني اعترافه بسقوط المخطط التنظيمي وإلغائه، وهو ما لا يريده الأسد”.

60% من المنازل غير صالحة للسكن

وتعتبر الشروط التي وضعها النظام مقابل السماح للأهالي بالعودة إلى مخيم اليرموك” تعجيزية”. هدفها حرمان السكان من العودة ومصادرة ممتلكاتهم بحسب ما وصفها أبو عيد في حديثه لفوكس حلب، فالشرط الأول ينص على أن يكون المنزل صالحاً للسكن كي يُسمح لمالكه بالعودة، وهذا الشرط سيحرم الآلاف من الدخول، لأن أكثر من 60% من منازل مخيم اليرموك غير صالحة للسكن، نتيجة القصف العنيف الذي طال المنطقة”.

وأفادت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، أن 50 عائلة فلسطينية من أهالي مخيم اليرموك قدمت طلباً للعودة الى المخيم منذ مطلع أيلول الماضي، حيث يقوم الشخص بالتوجه إلى الحاجز المتواجد عند مدخل شارع الثلاثين، وتقديم طلب للسماح له بالعودة، بحيث يكون مرفقاً مع عقد ملكية البيت، وصور عن البطاقة الشخصية، وعدد من الأوراق الإضافية، وبعد نحو شهر من تقديم الطلب يتلقى الشخص اتصالاً من فرع الأمن العسكري بمنطقة العدوي بدمشق، لتسلّم الموافقة الأمنية.

وأوضح فايز أبو عيد أنه “بعد حصول الشخص على موافقة تذهب معه لجنة تابعة لمحافظة دمشق، للتأكد من أن البيت صالح للسكن، وهذا يفتح باباً للابتزاز، فقد تدّعي اللجنة أن البيت غير قابل للسكن، وبالتالي يضطر الشخص لدفع رشوى لأعضاء اللجنة لمنحه وثيقة تؤكد صلاحية بيته للسكن”.

فقدان سند الملكية قد يحرم الآلاف من العودة

كذلك كان الشرط الثاني للدخول للمخيم أكثر تعقيداً من الأول، فحتى لو كان منزل الشخص صالحاً للسكن، قد لا يملك سنداً يُثبت ملكيته له، وهو حال كثير من نازحي مخيم اليرموك الذين خرجوا تحت وطأة القصف دون أن يصطحبوا معهم أي شيء، وبالتالي فقدوا ورقة الملكية، ما سيحرمهم من العودة لمنزلهم.

وقال أبو عساف أحد نازحي مخيم اليرموك: “في عام 2008 قمت بإعمار منزل فوق بيت الأهل دون الحصول على رخصة من البلدية، وبالتالي ليس لديّ سند تمليك (طابو أخضر)، وعقب حملة القصف العنيفة على المخيم في 2012 نزحت مع عائلتي إلى جرمانا، وحين سمعنا الشهر الماضي ببدء السماح للأهالي بالعودة تفاجأت بالشروط الموضوعة، ومن ضمنها وجوب حيازة الشخص الراغب بالعودة على سند ملكية، وبالتالي سأخسر منزلي وسأضطر للإقامة في بيوت الايجار التي كسرت ظهرونا، خاصةً أن أجرة المنزل اليوم في دمشق لاتقل عن 75 ألف ليرة سورية شهرياً”.

وأضاف أبو عساف لفوكس حلب أن “عدداً قليلاً من أهالي المخيم يملكون سند ملكية (طابو أخضر)، بينما باقي السكان كانوا يقيمون في بيوت مخالفات أو إيجار، وهناك من كان يقيم في البيت بموجب وكالة كاتب عدل أو قرار محكمة، أو عقد بيع قطعي، أو من خلال (إذن السكن)، وهو وثيقة كانت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين، تؤكد من خلالها منح اللاجئ الفلسطيني قطعة أرض تتراوح بين 50 و70 متراً من أجل الإعمار، على أن تبقى ملكية الأرض للدولة، وبالتالي ليس لدى هؤلاء سند تمليك رسمي للمنزل، ما يعني ضياع حقوقهم وعدم قدرتهم على العودة لديارهم”.

واستغل بعض السماسرة المرتبطين بالنظام عدم قدرة الكثير من الأهالي على العودة وقاموا بالاستيلاء على بيوتهم، أو قاموا باقناعهم أن منازلهم ستُهدم بموجب المخطط التنظيمي الجديد، وعرضوا عليهم شرائها بمبالغ زهيدة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية لها، وأفاد مسؤول الاعلام فايز أبو عيد، أن “أولئك السماسرة هم سوريون وفلسطينيون ممن يعملون في مجال العقارات والمقاولات ولهم ارتباط ونفوذ مع النظام، وأبرزهم تجار محسوبين على (حركة فلسطين حرة) التي يترأسها ياسر قشلق، وهو رجل أعمال فلسطيني- سوري، قام بتشكيل ميليشيا هدفها السطو والنهب والاعتقال”.

“الموافقة الأمنية” فخ وذريعة

ويعتبر شرط الحصول على موافقة أمنية لمن يريد العودة إلى منزله، الأكثر صعوبة بين الشروط الثلاثة التي وضعها الأسد، وأكد فايز أبو عيد، أن “25 عائلة فقط سُمح لها بالعودة حتى الآن، بينما هناك أكثر من 25 عائلة أخرى مازالت تنتظر الحصول على الموافقة”، لافتاً الى أن “أي عائلة لديها معتقل أو شخص محسوب على المعارضة أو مطلوب أمنياً، لا تحصل على موافقة أمنية، إضافةً الى أن التقديم على طلب الحصول على الموافقة لدى الأمن العسكري، قد يكون كميناً للايقاع بالشبان واعتقالهم وسوقهم للخدمة العسكرية أو الاحتياطية”.

ومنعت الأفرع الأمنية المسؤولة عن أحياء جنوب دمشق، أهالي مخيم اليرموك من العودة إلى منازلهم خلال الأعوام الماضية، بذريعة عدم الانتهاء من ترحيل الأنقاض ووجود متفجرات، وعدم صلاحية منازلهم للسكن بسبب الدمار، بينما حصلت 150 عائلة فقط على موافقة تتيح لها العودة إلى منازلها في المخيم، ليتبيّن أن معظمها عوائل لعناصر من “الأمن العسكري” و”الفرقة الرابعة”، ومقاتلين في ميليشيا “القيادة العامة” و”فتح الانتفاضة”، وغيرها من الفصائل الفلسطينية التي تقاتل إلى جانب النظام.

ويعتبر الواقع المعيشي في مخيم اليرموك سيئاً للغاية، حيث ما تزال الأنقاض منتشرة في كل مكان، وليس هناك أي مقومات للحياة، وقال ناشط اعلامي من أبناء المخيم فضّل عدم ذكر اسمه، إنه “قبل قرار السماح للأهالي بالعودة، كان يتواجد ضمن المخيم حوالي مئتي عائلة بقوا في المخيم رغم المعارك العنيفة، ومن ثم دخلت عوائل محسوبة على ميليشيات موالية للنظام، وهناك عوائل خرجت من المخيم واستأجرت منازلاً في العاصمة، لكنها تريد الآن العودة والسكن في بيتها حتى لو كان مدمراً، فلم يعد لديها القدرة على تأمين أجرة المنزل”.

وصرّح “الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني”، خالد عبد المجيد في لقاء مع وكالة “سبوتنيك” قبل أيام، أنه “يقطن في المخيم الآن حوالي أربعمائة عائلة، معظمها من عائلات كوادر الميليشيات التي كانت تقاتل ضمن المخيم”، زاعماً أن “عودة الأهالي ستكون على مراحل، وستشمل المرحلة الأولى السماح لأصحاب المنازل غير المدمرة والصالحة للسكن، والمنازل التي هي بحاجة لترميم، والذين قد يزيد عددهم عن 100 ألف شخص”.

وسيطرت قوات النظام بشكلٍ كامل على منطقة الحجر الأسود ومخيم اليرموك في أيار 2018، بعد عملية عسكرية وقصف عنيف، طُرد خلالها تنظيم داعش من المخيم غداة اتفاق إجلاءٍ غير رسمي، نُقل بموجبه عناصر التنظيم إلى بادية السويداء، ويعدّ مخيم اليرموك من أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، ويقع على بعد ثمانية كيلومترات جنوب مركز العاصمة دمشق، وتراوح عدد سكانه قبل اندلاع الثورة ما بين 500-600 ألف نسمة؛ بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني.

 

  رحلة النرجيلة محطات بين السر والعلن

 محمود يوسف السويد

بعض الأمور لا تبقى على حالها ينسل خالد نحو شرفة منزله مساء كل يوم.  يحمل في يده رأس نرجيلة مصنوع من الفخار، وفي اليد الأخرى منقلاً صغيراً بجمر مشتعل. يملأ […]

بعض الأمور لا تبقى على حالها

ينسل خالد نحو شرفة منزله مساء كل يوم.  يحمل في يده رأس نرجيلة مصنوع من الفخار، وفي اليد الأخرى منقلاً صغيراً بجمر مشتعل.

يملأ رأس النارجيلة بـ “تنباك عجمي” بلله بالماء وعصره جيداً ليشكله بما يشبه الهرم. ويصنع وسطه ثقباً بسيخ شواء رفيع، بهذا يصبح نفس الأركيلة جاهزاً لتبدأ رحلة استمتاعه اليومية بتدخين النارجيلة وشرب ركوة من القهوة الوسط، وهو يجلس على شرفته المطلة على شارع العباسيين بالقرب من الملعب كرة القدم الشهير، يراقب السيارات ومشهد الفتيات وهن يذهبن للتسوق من محلات القصاع وبرج الروس القريبة.

يتأمل عمود نارجيلته الخشبي المصنوع من شجر المشمش الدمشقي ورأسها الفخاري المتوهج ببصيص الفحمات وحوجلتها الزجاجية المملؤة بالماء. وصوت القرقعة الذي يصدر عن تلك المياه، كلما سحب خالد الدخان من خرطومها الأحمر المصنوع من المطاط تزينه كرات صغيرة من الخيطان.

صوت قرقعة المياه يشكل مصدر إزعاج لأخته ناديا التي تجلس في الغرفة المطلة على الشرفة، وهي تراجع دروسها، لكنها لا تجرؤ على انتقاده “فمدلل أمه” كما تصفه لا يرفض له طلب، هو “آخر العنقود” ولا يحق لأحد تعكير صفوه، وإلا سيواجه سخط الوالدة الذي أخذت دور الاب والأم معا بعد أن بات زوجها طريح الفراش “لفالج” أصابه منذ سنتين، ما منح خالدا ابن السادسة عشر، فرصة ليظهر “رجولته” ويمارس هواياته دونما رقيب.

صديقه عدنان كان يزوره أحياناً، ليشاركه جلساته تلك، لكن دون أن يشاركه النارجيلة. فلعدنان نارجيلة خاصة ترافقه في سهراته. هو لا يود مشاركة الآخرين بها، ويراها أمراً خصوصياً يشبه السيجارة عند المدخنين، كما يقول.

خالد هو الآخر يفكر بذات الطريقة، لكن ذلك تبدل بعد أعوام قليلة، حين تكنى بأبي فادي، وبدأت أم فادي تشاركه النارجيلة خلال سهرهم داخل المنزل لوحدهما، برفقة فنجان القهوة المعتاد و”جاط” الفاكهة وتشكيلة الموالح.

تغير أيضا شكل النارجيلة، حيث حل النحاس المرصع بالماسات الزجاجية التي تتدلى حول صحنها ورقبتها مكان الخشب، واستبدل التنباك العجمي، بالمعسل المخلوط بنكهات متعددة لا يمكن حصرها.

خالد يفضل نكهة التفاح، في حين زوجته ترى بالنعناع نكهة مميزة، فلكل ذائقته الخاصة، ويبدو أن المصنعين أدركوا هذا الاختلاف، فصنعوا لاحقا معسلاً بكل النكهات التي تخطر بالبال، وأحيانا لا تخطر، فمن كان يعتقد أن سيرى معسلا بنكهة الكاكاو أو الشوكولا، أو حتى بنكهة القشطة مضافاً إليها أي فاكهة أخرى.

جوزة هند وقصبة كانت البداية

عندما قام “عبد الفتح الجيلاني” طبيب السلطان المغولي “أكبر” في القرن الخامس عشر، بتقديم أول نسخة للنارجيلة لـ “أكبر” صنعها من جوزة الهند بعد ملئها بالماء، جاعلاً فيها ثقبين واحد لرأس الدخان والآخر توضع فيه قصبة يشفط الدخان من خلالها، ظناً منه أن الماء سيخفف من مضار الدخان على السلطان، وذلك بحسب أشهر الروايات.

لم يخطر في بال الحكيم وقتها، أن اختراعه هذا سيلقى رواجاً عالمياً وستنتقل جوزته تلك لتجوب بلاد فارس المجاورة، وتسمى “بالنرجيلة” الاسم الفارسي لحبة جوز الهند، وتستبدل الجوزة بحوجلة من الزجاج راح صانعوها يتفننون بتشكيلها وبرسومها الملونة والمزركشة. من بلاد فارس انتقلت لبلادنا العربية في فترة الحكم العثماني، لتدعى “نرجيلة” وبالعامية أركيلة، وعبر بوابة أسيا الصغرى تتابع النارجيلة مسيرة انتشارها لتصل البلدان الأوربية وتبقى فيها حتى يومنا هذا ويكثر مدخنوها.

نرجيلة بشكل بندقية في المعرض -إنترنيت
نرجيلة بشكل بندقية في المعرض -إنترنيت

الزائر للمعرض العالمي للنرجيلة وملحقاتها والذي أقيم في فرانكفورت منذ فترة ليست بالبعيدة، سيفاجأ بالتنوع الكبير في أشكال النرجيلة. هو لن يشاهد جوزات هند يتفرع منها قصبة، سيرى ألواناً واحجاماً متنوعة، هناك الطويلة تقف بجانب أخرى تناهت في قصرها وصغر حجمها. أخرى أخذت شكل بندقية ألية يتفرع الخرطوم من مخزنها، ونموذج آخر يشبه مصافي الزيت في السيارات دون إضافة الماء لها، “نراجيل” بألوان وردية تناسب الفتيات، حتى ورق القصدير المستخدم في التخفيف من حرارة ووهج الفحم كي لا يحترق المعسل بسرعة، بعض النماذج استغنت عنه عبر اختراع شبكة خاصة تغطي رأس المعسل وعليها يوضع الفحم المشتعل.

تقاليد باتت عرفاً

ما يزال أحمد يذكر تلك اللكمة التي تلقاها على فكه في أحد المقاهي. كل ما أراده وقتها أن يشعل سيجارته من جمر نرجيلة مجموعة من الشباب الجالسين على الطاولة القريبة من مكان طاولته.

لم يعلم حينها حجم الخطأ الذي ارتكبه ليكتشف بعدها أن إشعال سيجارة من جمرات نرجيلة أحدهم يعد بعرف مدخنيها إهانة تصل حد الشتيمة.

أبو حازم يصر أن يمازح صديق عمره خلال جلوسهم في المقهى، عبر تمرير خرطوم النرجيلة له دون ثنيه كما جرت العادة، وهي أيضا حركة غير مستحبة لدى مدخني النرجيلة، لهذا يمسك صديقه عبد العليم بالخرطوم دون ان يربت على كف زميله ثلاثاً، وهي عادة أخرى ضمن طقوس المدخنين. لكن تلك العادات تطورت بفعل الزمن كحال تطور النرجيلة، وتبدلت مع تبدل مجتمع المدخنين اليوم ونظرتهم للنرجيلة.

متعة أم حاجة

تمر أسابيع على محمد خير دون إن يتذوق “نفساً” واحداً من نرجيلته، هو الذي تعود أن يتناولها بشكل شبه يومي في حديقة منزله بالغوطة الشرقية، كان ذلك قبل نزوحهم نحو الشمال، اليوم ما عاد يجد متعة في تدخينها، فالنرجيلة برأيه تتطلب الجو المناسب والحالة النفسية الجيدة وهو ما يفتقد إليه في غربته ونزوحه.

يصر حسن أن ترافقه النرجيلة أينما حل، يحملها حتى إلى مكان عمله رغم معارضة إدارته وتنبيهه عليها مراراً، لكنه في كل مرة يحتج أنها شأن شخصي ولا يقدر على تركها، محتجاً بسماح الإدارة لزملائه مدخني السيجارة بالتدخين، لكنه أخيراً اقتنع بتدخينها في غرفة الاستراحة وقت فراغه من عمله، بما يمثل حلاً وسطاً.

بين المباح والمتاح

أم فادي التي تعودت ان يشاركها زوجها خالد النرجيلة، في سهراتهم المنزلية، أصبحت تدخنها حتى في غياب زوجها خارج المنزل، أحيانا تجهزها مع القهوة الصباحية وفي جلسات الصبحية برفقة صديقاتها من الجارات. تحسدها جارتها أم حسن التي لا تجرؤ على الطلب من زوجها السماح لها بمشاركته نرجيلته رغم أنها هي من تعدها له في المساء، وتشغل له “النفس” في البداية، ما جعل منها مدخنة منتظمة كزوجها، تنتظر مغادرته في الصباح إلى عمله لتعد نرجيلتها الخاصة بها.

أم علي اختارت خزانة ملابسها لتخفي علبة المعسل خاصتها، فهي تعلمت درسها حينما أخفت العلبة السابقة بين أكياس المنظفات في خزائن المطبخ، لتتحول نكهة المعسل لما يشبه الصابون، لا يهم المهم ألا يعلم زوجها بأمر استخدامها لنرجيلته في غيابه.

ما زالت أميرة من ريف دمشق تذكر كيف كانت تراقب والدتها تدخن النارجيلة في جلساتها، في حين ترفض جدتها أم محمود أن تشاركهن “برغم أننا جميعنا نعلم أنها تدخنها، أظن أنه الخوف على وقارها وهيبتها أمامنا”.

أشكال مختلفة من النرجيلة -إنترنيت
أشكال مختلفة من النرجيلة -إنترنيت

في أحد المقاهي القريبة من محطة الحجاز بدمشق، يجلس حسام كل في كل يوم ليشرب قهوته. أمام نداء الزبائن لعامل النرجيلة “ناره يا ولد” يضج المقهى بالصراخ، يقول إن ذلك يعني تجديد فحم نرجيلته من جديد، جلب الصبي “الشعالة” بداخلها العديد من الجمرات الملتهبة ليعيد بواسطتها توهج رأس نرجيلة الزبون المنهمك بلعب طاولة الزهر مع أحد رفاقه.

ويروي حسام أن رواد القهوة كانوا جميعهم من الرجال “ما كنت ترى سيدة تأتي إلى المقهى، فهو أمر معيب بنظر المجتمع في تلك الفترة”، من ثم وجدت “الهافانا” في دمشق، ومقهى “خيزران” و “الأريكة” في حلب، ما منح روادها حيزاً أكبر من الخصوصية عبر تخصيصها أمكنة للعائلات.

ومع زيادة عدد المقاهي وتنوعها لم تعد النرجيلة في الأماكن العامة حكراً على الرجال فقط. وبات مألوفاً مشاهدة النساء يدخن النرجيلة في المقاهي والمطاعم. لكن هذه المظاهر تغيب عن مقاهي إدلب اليوم لأسباب عديدة، يرجعها بعضهن للعادات والتقاليد التي تمنع النساء من تدخين النرجيلة وما يلاحقها من نظرات استهجان.

كذلك من شعور بعض السيدات المدخنات للنارجيلة بعدم الخصوصية، تقول أم فادي إنها ترفض تدخينها أمام رجل غير زوجها، حتى لو كان شقيقه أو شقيقها فكيف بالغريب. وتصف “بالسخافة” و “السطحية” أولئك الفتيات اللواتي يسعين اليوم للظهور عبر برامج التواصل الاجتماعي وهن يدخن النرجيلة ويصعدن الدخان كما الرجال.

تخالف نسرين ما تقوله أم فادي وترى أن “النرجيلة ليست مخصصة للرجال وإن كان في تدخينها من عيب فيجب أن يشمل الجميع”، وتتساءل عن سبب سماح المجتمع للرجال بتدخينها دون ضوابط مقابل ما يفرض على النساء.

وترجع نسرين سبب عدم وجودها في إدلب لمنعها من قبل “سلطة الأمر الواقع”. لكنها تعرف كثيراً من رفيقاتها اللواتي يدخن النرجيلة بحضور أهلهن وأزواجهن ولا يجدن في ذلك حرجاً، وهو ما اعتبرته “خصوصية على الجميع احترامها”.

وتروي نسرين أن قرى إدلب لم تصلها النرجيلة سواء للذكور أو الإناث إلا من عقود قريبة، كما تخلو معظمها من مقاهٍ عامة. ولكنها تستشهد بـ “كبيرات السن” المدخنات في القرى وأنهن كن يدخن أمام الجميع، فما الفارق إذن؟

يبدو الأمر سجالاً بين العرف والإباحة، إذ يرى رجال تحدثنا معهم في تدخين النرجيلة من قبل النساء أمراً مستهجناً خاصة في الأماكن العامة، ويقول أيمن إن المرة الأولى التي رأى فيها مشهد نساء يدخن النرجيلة كان في حلب خلال رحلة تسجيله في الجامعة واصفاً المشهد بأنه أثار “حفيظته واستغرابه”.

ويدافع آخرون عن “حرية النساء بتدخين النرجيلة” ولا يفرقون في هذه الحالة بين السر والعلن، ويرون أن “الزمن قد تغير” وأن “التقاليد كانت تمنع النساء سابقاً من العمل والتعليم وقيادة السيارات.. وقد تغيرت هذه المفاهيم اليوم، فلماذا علينا أن نمنعهن ما نقوم به”.

 

في التعليق الصوتي  .. لا تكفي “الملَكة” لصناعة مدرب

فاطمة حاج موسى

يبحث إعلاميون عبر الفيس بوك عن إعلان لدروة تدريبية في التعليق الصوتي يستطيعون من خلالها صقل “موهبتهم” بقراءة التقارير التي يعملون عليها. يقول من تحدثنا معهم إن دورات كثيرة تظهر […]

يبحث إعلاميون عبر الفيس بوك عن إعلان لدروة تدريبية في التعليق الصوتي يستطيعون من خلالها صقل “موهبتهم” بقراءة التقارير التي يعملون عليها.

يقول من تحدثنا معهم إن دورات كثيرة تظهر أمامه في كل يوم، جميعها تعتمد خاصية التعلم عن بعد، لكنهم يدققون في أسماء المدربين بحثاً عن الفائدة، خاصة وأن المجال بات مفتوحاً للتدريب دون ضوابط معينة.

عالم الانترنيت يقدم خدمة التدريب في المجالات كافة، ويقدم القائمون على هذه الدورات شهادات حضور أو إنهاء للدورة. لكن المدة القصيرة والمنهج التعليمي ومدى إتقانه من قبل المدربين يقلل من أهمية دورات تتحول إلى أوراق مطبوعة في “السي في”. بينما يكتسب المتدربون من دورات أخرى خبرات تضاف إلى ما يمتلكونه. وتبقى الدورات التي تعتمد الحضور الفيزيائي أكثر فائدة وتفاعلاً.

موهوبون وليسوا مدربين

لم تكمل سلوى عبد الرحمن (وهي صحفية تعمل في عدد من المواقع الالكترونية) الجلسة الأولى من تدريب اختارته عبر الانترنيت في التعليق الصوتي .تقول إن “الأخطاء اللغوية وضعف القدرة على إيصال المعلومة بشكلها السلس والصحيح” هو ما دفعها للانسحاب من الدروة التدريبية.

وتضيف سلوى أن “أسلوب المدرب وتجاربه العملية” ركن مهم في التدريب. تخبرنا أنها تحدد ذلك من دورات عديدة اتبعتها خلال سنوات عملها.

وترى أن خبرة المدربين في منصات تعنى بالصحفيين السوريين تتفاوت بين شخص وآخر، وتقسمهم إلى “مدربين امتهنوا التعليق الصوتي بعد خضوعهم لتدريبات واكتسابهم خبرة عملية. مدربين أكاديميين. مدربين طوروا خبراتهم من العمل في جهات إعلامية لسنوات طويلة. مدربين يجهلون فن التعليق الصوتي. الفئة الأخيرة يظهرون ويغيبون سريعاً”.

وتقول لانا العمر “صحفية” أن مدربي التعليق الصوتي يتوجب عليهم تطوير أدائهم لجذب المتدربين، كذلك الإلمام بكل ما يتعلق بهذه التدريبات أكاديمياً، إضافة للغة السليمة وخامة الصوت الجيدة.
ويرى محمد كرم ياسين (خريج معهد الإعلام في إدلب) أن “السنوات الطويلة من العمل في مجال التعليق الصوتي ليس بالضرورة أن تخلق مدرباً”، ولا يكفي، بحسب هدى بلال “صحفية”، ما يحمله المدرب من شهادات، لكنه يحتاج إلى تعلم مهارات التدريب والتواصل ورسم خطة واضحة بعيداً عن التكرار والتلقين لجذب انتباه المتدربين وتفاعلهم.

ويصف مدرب التعليق الصوتي همام حبيب هذه الفئة بقوله “تذبذب قبل أن يتحصرم” أي أنه ما يزال في بداية مشواره التعليمي ومن المبكر أن يتحول إلى مدرب. فهم بحاجة إلى مزيد من العمل لوجود تكلف وتصنع بطبقات أصواتهم وبعض التكتيكات المتعلقة بالصوت وهي أخطاء لا يقع فيها من لديه صفة المدرب.

تدريبات تترك أثرها

يقول محمد كرم ياسين إنه خضع لواحدة من الدورات التدريبية ليتمكن من التعليق على مشروع تخرجه. يخبرنا أن المدرب كان من أصحاب الخبرة الطويلة وأنه قدم للمتدربين معلومات ساعدتهم في تجاوز أخطائهم وتحسين أدائهم. وهو ما لمسه برضا المدرسين في المعهد عن مشروع تخرجه وقلة الملاحظات على تعليقه الصوتي.
تعتمد سلوى على متابعة القنوات التلفزيونية لاكتساب خبرة في التعليق الصوتي، خاصة فيما يتعلق بأماكن التوقف والتلوين وطريقة القراءة وتنوع أساليبها. وتقول إنها كانت تجد صعوبة بالتعليق على تقاريرها المصورة وتخطئ بلفظ بعض الحروف، لكنها تمكنت من تجاوزها عبر التدريب المستمر.

وعن مستوى التدريبات في مجال التعليق الصوتي يرى “حبيب”  أن التدريبات في الداخل السوري “جيدة لكن المواد التدريبية المعتمدة لمدربين آخرين وليست جهوداً ذاتية للمدرب. وقد يتعرض المدرب خلال التدريب لأسئلة من خارج المادة العلمية التي يقدمها ولن يستطيع الإجابة عليها إلا المدرب المتمكن”.

تقول لانا العمر “إعلامية” إن أيام التدريب بمجال التعليق الصوتي غير كافية للتعلم وإن تلك التدريبات تتم على عجل، لكنها مع ذلك استطاعت بمساعدة المدرب تحسين أدائها بالتعليق على تقاريرها وعملت مع عدة جهات.

“أحمد بنشي” طالب إعلام في الجامعة الدولية للعلوم والنهضة” يقول: أي فرد يمكنه أن يكون مدرباً طالما يمتلك العزيمة والإصرار. لكنه يحتاج لعمل وتمارين ومثابرة حتى يحترف التعليق وبذلك تكون لديه أعمال تجذب المهتمين وبعد اكتسابه خبرة يمكنه أن يكون مدرباً محترفاً!

المدرب الناجح ومحاور التدريب

“لا يكفي الصوت لصناعة مدرب ناجح” برأي “حبيب” بل يجب أن يكون لدى المدرب تجارب بمجال التعليق الصوتي ، وإتقاناً للفنون  الصحفية، فـ “جميع الأصوات جميلة إذا خلت من عيوب الصوت، و هناك فرق شاسع بين القراءة والأداء”.

ويجد حبيب أنه من حق كل متدرب أن يسأل عن المدرب وعلى الأخير التعريف بنفسه وخبراته.
يتلقى المتدربون ضمن هذه الدورات أربع إلى ست محاور حول ” طريقة التنفس، مخارج الحروف، النبرة، طبقات الصوت، السلم الموسيقي، التسطير”.

يحمّل حبيب الجهات الداعمة مسؤولية انتشار المدربين المبتدئين، وتقدم كثير من الجامعات شهادات لمدربين غير مؤهلين، ويرى أنه ينبغي على تلك الجهات إجراء فحوصات للمدرب لاكتشاف إن كان قادراً على التدريب أم لا.

ويضيف حبيب “يجب على المدرب ن يتمتع بأخلاقيات المهنة”. ويرى أن كل مدرب سيأخذ فرصته من خلال نجاحه وتنمية مهاراته، وعليه أن يبدأ بالطريقة الصحيحة. وأن “المتدربين هم من يصنعون اسم المدرب من خلال تفاعلهم وما استطاعوا كسبه خلال فترة التدريب”.

يعرف التعليق الصوتي بالإنكليزية (Voice-over) أو التعليق بعيداً عن الكاميرا والمسرح وهو أسلوب روائي يستخدم صوت ليس جزء من السرد أو القصة في الإذاعة والتلفزيون وصناعة الأفلام المسرح وكرة القدم أو العروض، وعادة يقرؤ التعليق الصوتي من خلال نص مكتوب مسبقاً يقرأه شخص بمكان آخر غير مكان الحدث تكون لديه موهبة الأداء الصوتي، يوضع على الفيلم لشرح مثل الأفلام الوثائقية أو التقارير الإخبارية وألعاب الفيديو والإعلانات والأماكن السياحية.