فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ارتفاع سعر الفروج في إدلب يضعه على قائمة المحظورات عند المواطنين

حسن كنهر الحسين

ارتفعت أسعار الدجاج الحي (الفروج) في مناطق المعارضة خلال الأيام الماضية ليتجاوز سعر الكيلو غرام ثلاث عشرة ليرة تركية، في حين كان يباع قبل أقل من شهر بثمان ليرات تركية. […]

ارتفعت أسعار الدجاج الحي (الفروج) في مناطق المعارضة خلال الأيام الماضية ليتجاوز سعر الكيلو غرام ثلاث عشرة ليرة تركية، في حين كان يباع قبل أقل من شهر بثمان ليرات تركية.

الفروج التركي

شكلت لحوم الدجاج التركي مصدراً هاماً لأهالي المنطقة خلال السنوات الماضية من خلال الاعتماد على الفروج المجمد، والفروج الحي الذي سمح الجانب التركي بتوريده إلى منطقة عفرين، حيث عمل تجار الدجاج على استجرار كميات منه عند كل غلاء تتعرض له أسواق الدجاج، لكن مؤخراً منعت تركيا توريده ما أدى لتفاقم المشكلة واستمرارها، نتيجة ضعف المنتج المحلي الذي لم يتمكن من مجاراة المنتجات التركية بالأسعار.

ضعف الناتج المحلي

توقف عدد من أصحاب المداجن عن العمل بعد الخسارات المتوالية التي لحقت بهم نتيجة استيراد الفروج الحي التركي وعجزهم عن الإنتاج بأسعار مشابهة، وبات الاعتماد على المنتج التركي بشكل شبه كامل.

لكن توقف استيراده منذ شهرين تقريباً أدى لرفع الأسعار بسبب عجز المنتج المحلي عن تغطية السوق.

يعتمد السوق المحلي على مسألة العرض والطلب في تحديد الأسعار لكن غياب الدراسات الاقتصادية لحاجة السوق والعمل على أساسها انعكس بشكل سلبي على أصحاب المهنة.

يقول حمدي البيوش “صاحب مدجنة” إن المداجن المنتشرة في إدلب كانت تنتج أكثر من حاجة السوق المحلي، فيتم تصدير القسم الفائض إلى مناطق النظام، لكن بعد إغلاق المعابر انخفضت أسعار الطيور نتيجة الكساد ووجود فائض كبير ما عرض أصحاب المهنة للخسارة وتوقف بعضهم عن التربية.

تسببت أكلاف التربية المرتفعة بتراجع تربية الفروج وارتفاع سعره، يقول عمر عبد الرحمن (صاحب مدجنة)  إن الأسعار التي نراها اليوم جاءت نتيجة الكلفة الكبيرة التي يدفعها المربي على الطير حتى يكبر حيث يتم شراء الصوص الواحد مقابل خمس وستين سنتاً، يضاف لذلك تكلفة اللقاح ووقود التدفئة وخمسة كيلو علف تغذية لكل طير حتى يصبح جاهزاً للذبح بوزن اثنين كيلو ونصف الكيلو و ثمنها نحو دولارين ونصف الدولار، ما يعني أن كلفة الكيلو الواحد تتجاوز التسع ليرات تركية، ناهيك عن حوادث المرض والموت التي تتعرض لها الطيور وتفاقم خسارة المربي.

تراجع عمل المحلات والمطاعم

انعكس الغلاء بشكل سلبي على الأهالي بالدرجة الأولى وعلى أصحاب المحلات المختصة ببيع الفروج والمطاعم.

يقول أبو خالد الحروب ” تاجر فروج” انخفض الطلب على المحل بشكل كبير في الآونة الأخيرة بعد تضاعف سعره، إذ كنا نبيع نحو نصف طن من الفروج بشكل يومي ومع استمرار ارتفاع ثمنه انخفضت المبيعات لنحو مئتي كيلو غرام يومياً، وغالبا ما يبقى الكثير من تلك الطيور داخل الأقفاص دون بيع وذلك ما يزيد الخسائر نتيجة دفع تكاليف تغذيتها”.

كذلك الأمر بالنسبة لأصحاب المطاعم والتي توقف عدد منها عن العمل نتيجة الغلاء المتلاحق لأسعار الفروج، فيما اضطر بعضها لمضاعفة أسعار منتجاتها تفاديا للخسائر.

يقول محمد صويلح “صاحب مطعم” اضطررنا لرفع مجمل الأسعار بنسبة 80% بعد ارتفاع ثمن الفروج لأن غالبية الأطعمة التي يتم إعدادها تعتمد على الفروج، الأمر الذي أدى إلى ركود وتراجع في حركة العمل”.
أما عمار الشامي صاحب مطعم فيقول “توقفنا عن العمل في الوقت الحالي بعد الارتفاع المتلاحق وتراجع الطلب، حيث تعرضنا لخسائر كبيرة في الآونة الأخيرة وكساد في الأطعمة، بالإضافة لدفع أجور المطعم دون وجود مردود موازٍ”.

يرى من التقيناهم من الأهالي أن هذا الارتفاع فاقم مشاكلهم وبات لحم الدجاج من المحظورات إذ يبلغ سعر الفروج الحي نحو ثلاثين ليرة تركية في منطقة لا تتجاوز أجرة عامل المياومة فيها عشرون ليرة تركية، في حين بات بعض الناس يعتمدون على لحم الغنم الذي شهد انخفاضاً خلال الشهر الماضي ليصل سعر الكيلو غرام لأربعين ليرة تركية وهو سعر جيد مقارنة بسعر الدجاج الذي كان حلاً لارتفاع الأسعار في وقت من الأوقات.

 

الشعيبيات تستعيد صدارتها للحلويات الشعبية في إدلب المدينة

محمد الأسمر

تنافست مدينتا إدلب وأريحا على صناعة الشعيبيات خلال عقود طويلة، لكن شهرة أريحا فاقت إدلب نتيجة موقعها الاستراتيجي على طريق حلب اللاذقية ما جعلها ممراً للمصطافين الذين يتملكهم الفضول لتذوق […]

تنافست مدينتا إدلب وأريحا على صناعة الشعيبيات خلال عقود طويلة، لكن شهرة أريحا فاقت إدلب نتيجة موقعها الاستراتيجي على طريق حلب اللاذقية ما جعلها ممراً للمصطافين الذين يتملكهم الفضول لتذوق هذه الأكلة وحملها لأصدقائهم أثناء عبورهم من المنطقة، وربطت أريحا بهذا الاسم الذي رافقها كعلامة تجارية تدل على الإتقان والطعم المميز.

مؤخراً ونتيجة نزوح السكان من أريحا، ولأن طريق m4  لم يعد يملك أهميته القديمة، تفوقت إدلب للصدارة على أريحا بعدد محال الشعيبيات ولتأخذ شهرتها مرة أخرى.

الشعيبيات لوغو المدينة

على طاولة رخامية يتناوب أبو عبدو مع مجموعة من العاملين في محله على تمسيد رقائق العجين بالسمن تمهيداً لتوريقها وتحويلها لحلوى الشعيبيات ، التي تتصدر قائمة الحلويات المفضلة في إدلب، وباتت من الموروث الشعبي لهذه المدينة.

التوريق -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب
التوريق -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب

عند دخولك لمدينة إدلب من الطرف الشرقي وبعد عبورك لدوار المحراب ستصادفك على جانبي الطريق لوحات لمحال مختصة بصناعة هذه الأكلة، وكأنها توجه دعوة لزوار المدينة لتذوق أشهر حلوياتها.
قضى الحاج عبد القادر حبوش نحو أربعين عاماً من حياته في صناعة الشعيبيات وقد ورّث المهنة لأولاده الأربعة كما ورثها عن والده الذي عمل بها في ستينات القرن الماضي، ويرى أن أدواتها تطورت اليوم فلم يعد العامل يقضي ساعات طويلة في عجن الوجبة وتم الاستعاضة عن ذلك بالعجانة الآلية، كما حلت الأفران الحديثة بدل التنور أو فرن الحجر.

التقطع -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب
التقطيع -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب

تمر الشعيبيات قبل وصولها لمائدة الزبون بسبع مراحل تبدأ بعجن الطحين ثم عركه ثم تقطيعه لقطع كبيرة وزن الواحدة قرابة الكيلو غرام، ليدخل بعدها مرحلة الرق ثم التوريق وهي المرحلة الأهم في هذه الصناعة حيث يعمل الحبوش على فرش على فرد العجين على شكل طبقات ودهنها بالسمن بشكل جيد ثم لفها على شكل قطع صغيرة تمهيداً لحشوها وإدخالها الفرن ليتم شواؤها قبل وضع القطر عليها وتقديمها للزبون ساخنة.

الرق -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب
الرق -من مراحل تصنيع الشعيبيات في إدلب -فوكس حلب

تعتبر القشطة العربية الحشوة الرئيسية لحلوى الشعيبيات لكن ارتفاع سعرها دفع صانعيها لاستبدالها بقريشة الحليب. وتأثرت تلك المهنة بسنوات الحرب التي مرت على إدلب لكن الحبوش يرى أن شعبية الأكلة أدت لاستمرارها وزيادة الإقبال عليها رغم الأوضاع الاقتصادية السيئة، ويقول إن الإقبال على محله ارتفع بعد حركات النزوح الأخيرة لأن إدلب أصبحت مدينة مكتظة بالسكان ومن الطبيعي أن يتذوق الزوار الجدد حلوى المدينة.

تاريخ المهنة

انتقلت الشعيبيات إلى المطبخ الإدلبي منذ مئة عام تقريباً، عبر صانع الحلويات ناجي عاشور بحسب المؤرخ فايز قوصرة، والذي قال إن العاشور شارك في حرب السفر برلك، ثم غادر المعركة ليعود إلى سوريا وفي طريقه توقف في أحد المدن التركية ليعمل ويجمع المال وعمل هناك في مطعم للحلويات وهناك تعلم صناعتها، وقرر بعد وصوله فتح محله في السوق الغربي قرب جامع الأقرعي.

وتعلم على يديه عدد من رواد هذه المهنة في إدلب والتي انتشرت لاحقاً بشكل واسع وأحبها أهل المدن المجاورة وخاصة أهل حلب وقد شهد (خير الدين الأسدي)في موسوعته عن حلب بجودة شعيبيات إدلب، أما شهرة أريحا بذلك فقد أتت متأخرة بعد شهرة إدلب بسبب تحول طريق اللاذقية-حلب من المرور في ادلب بعد عام 1980م،و تدشين الطريق الدولي المار بجوار أريحا فقد تم فتح مطاعم على أطرافه لتبيع شعيبيات للمسافرين بحسب القوصرة.

لم نصل إلى مصادر دقيقة تؤكد كلام “قوصرة” بدخول الشعيبيات إلى إدلب من المطبخ التركي، يوضح ذلك عدم وجود هذا النوع من الحلويات وغيابها أو ما يشبهها في المحال التركية.

وتعتبر الشعيبيات في محافظة إدلب أكلة مناسبة لجميع الأوقات ولا تقترن بمناسبة محددة كغيرها من الحلويات، يقول أبو زاهر الإدلبي، “قرص الشعيبيات حاضر بكل مفاصل الحياة عند أهل إدلب” فيأكله العامل المتجه إلى عمله بدلاً من وجبة الفطور، ويتناولها الأصدقاء أثناء تنزههم في المدينة، وتحضر في الأفراح والأحزان.

ومن النداءات المأثورة التي اعتاد أصحاب المهنة على استعمالها “طابو ودابو، شعيبية بالقيمق، بالقيمق ياحلو، طيبة ياشعيبية، طيبة بالسمن العربي طيبة”.

تباع القطعة الواحدة من شعيبيات القشطة بليرتين تركيتين وهو ما يعادل ثمن كيس الخبز، وهو ما يراه السكان سعراً مرتفعاً مقارنة بالأسعار التي اعتادوا عليها، بينما يرى أصحاب المهنة أن أسعارها حافظت على نفسها مقارنة بالدولار لكن تدهور العملة السورية وانخفاض دخل المواطن في سوريا شكلا الفارق الكبير الذي يشعر به الزبون.

آرنستو.. أول محمية لرعاية الحيوانات في إدلب

محمد الأسمر

على أطراف مدينة إدلب، اختار فريق آرنستو “العيادة البيطرية المجانية” إحدى المزارع القريبة ليتم تحويلها إلى محمية لرعاية الحيوانات يعمل الفريق على رعايتها وتقديم الخدمات الصحية لها ضمن عيادة بيطرية […]

على أطراف مدينة إدلب، اختار فريق آرنستو “العيادة البيطرية المجانية” إحدى المزارع القريبة ليتم تحويلها إلى محمية لرعاية الحيوانات يعمل الفريق على رعايتها وتقديم الخدمات الصحية لها ضمن عيادة بيطرية في إدلب المدينة.

تضم المحمية نحو عشرين نوعاً من الحيوانات التي تعرضت للإصابة نتيجة العمليات العسكرية التي دارت في إدلب عالجها الفريق وحافظ عليها، إضافة للحيوانات التي تخلى عنها أصحابها مثل الكلاب والقطط.

محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك
محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك

يقول الطبيب البيطري محمد يوسف إن فكرة المشروع انطلقت سنة 2017 بهدف تقديم الخدمات الصحية لأي حيوان يتعرض للإصابة نتيجة القصف الذي كانت تتعرض له المناطق السكنية، وتنقلت العيادة البيطرية بين عدة أماكن في شمال غرب سوريا، حتى استقرت أخيراً في إدلب وتطورت إلى الشكل التي عليه اليوم.
بنى اليوسف مشروعه من فكرة “إن الطبيب البشري يقدم خدماته المجانية للمرضى والمصابين في إدلب، ورأى أن من واجب الأطباء البيطريين علاج تلك الأرواح البريئة التي تعيش بيننا على هذه الأرض وطالها قصف قوات الأسد”.

يقول اليوسف  بدأنا عملنا في إدلب بشكل فعلي منذ شهر نيسان الماضي، لكن مؤخراً لاقى عملنا رواجاً أكبر واستقبلنا أعداداً كبيرة من الحيوانات وتطور المشروع، إذ لاقى القبول من محبي الحيوانات نتيجة الخدمات التي يتم تقديمها في المحمية ناهيك عن العلاجات التي قدمناها للحيوانات المصابة بالقصف،
يقسم اليوسف نظام الرعاية في المشروع إلى قسمين: رعاية وعلاج الحيوانات وإعادتها إلى أصحابها، والقسم الآخر ممن تعرض لبتر أو شلل أو عمى، حيث يتم الحفاظ عليه ضمن محمية لرعاية الحيوانات والاستمرار بتقديم الخدمات المعيشية له بسبب عجز أصحابه عن الاعتناء به.

محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك
محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك

يتواجد في المحمية عشرين نوعاً من الحيوانات أبرزها القطط والكلاب و الخيول والحمير والأغنام، وتم تقسيم المحمية بحسب الفصيلة إلى عدة أقسام حتى لا تؤذي بعضها البعض.
يعمل ضمن المحمية بين خمسة إلى عشرة شبان بحسب ضغط العمل وأعداد الحيوانات المتواجدة، جميعهم يعمل بشكل تطوعي، و تحصل المحمية على المساعدات العينية والأدوية من متبرعين ومحبي الحيوانات مقابل تقديمها لتلك الخدمات والعلاج بشكل مجاني.
تعتبر القطط أكثر الحيوانات انتشاراً في المحمية إذ يتواجد نحو مئتين وخمسين قطاً يقدم لها الغذاء والمأوى والعلاج، وتستقبل المحمية أي قط شارد أو مصاب ليتم علاجه وتلقيحه باللقاحات اللازمة قبل طرحه بين رفاقه.

محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك
محمية لرعاية الحيوانات في إدلب -المصدر: صفحة الفريق على فيسبوك

لا تسمح المحمية بمنح أحد الحيوانات لعائلة ما بقصد تربيته، دون أن نعرف الأسباب الأساسية لهذا المنع.
يواجه الفريق مجموعة من الصعوبات أثناء عملهم، تكمن بطبيعة التعامل مع الحيوان والأمراض المتنوعة التي قد يصاب بها، إذ يصعب تأمين اللقاحات الخاصة ببعض الأمراض، كما شكل غياب المخبر البيطري عاملاُ مهماً في معوقات العلاج، ناهيك عن غياب الأدوات الطبية التي تساعد في تشخيص بعض الأمراض مثل جهاز الأشعة xr لتحديد مكان الشظية داخل الجسم أو مكان الكسر الذي تعرض له الحيوان، ما يؤدي لموت بعض الحيوانات دون القدرة على علاجها.

يعمل عناصر المحمية على إجراء عمليات الخصي لبعض الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب بهدف منعها من التكاثر وازدياد أعدادها بشكل كبير، وبهدف من انتشار الأمراض التي قد تظهر بعد تقدم الحيوان بالسن أما بالنسبة للحيوانات الداجنة فلا مشكلة في تكاثرها.

لاقى انتشار صور المحمية على الإنترنت ردات فعل متباينة ما بين مشجع لهذا المشروع ومنتقد له، إذ يرى منتقدوه أن آلاف المهجرين بالخيام أحق بالحصول على الأموال المصروفة على مثل هذه المشاريع في حين رأى آخرون أنه عمل إنساني يستحق المساندة لاسيما أن العاملين به يعملون بشكل تطوعي ويقدمون الخدمات التي يتقنوها.

إدلب آخر مكائن الأرشفة المهددة بالفقدان.. وحضور خجول للتخزين الإلكتروني

فريق التحرير

“الإمعان في الرقابة على ما يشاركه الناس عبر الإنترنيت سيكون بالتأكيد هدية لجميع الأنظمة الاستبدادية وسيكون هدية لبشار الأسد” هادي خطيب مدير الأرشيف السوري في حديثه لصحيفة The Atlantic فقد […]

“الإمعان في الرقابة على ما يشاركه الناس عبر الإنترنيت سيكون بالتأكيد هدية لجميع الأنظمة الاستبدادية وسيكون هدية لبشار الأسد”

هادي خطيب مدير الأرشيف السوري في حديثه لصحيفة The Atlantic

فقد جزء هام من الأرشيف السوري في إدلب، كان يمكن أن يضيف فهماً أكبر لما حدث، كذلك تمكيناً أعلى للوصول إلى أدلة حاسمة عن الانتهاكات التي ارتكبت في المنطقة التي ما تزال تعاني يومياً، وحتى اللحظة، من التدمير والقصف بوصفها أكبر معاقل المعارضة السورية.

يجمع من تحدثنا معهم، في هذا القسم من الملف المخصص للحديث عن الأرشفة بوصفها سلاحاً للحقيقة في مواجهة قتل التاريخ، وعددهم أحد عشر إعلامياً يعملون في مراكز إخبارية أو مجلات ومواقع إلكترونية، كمستقلين أو تابعين لوكالات، على أهمية الأرشيف السوري وضرورة تنظيمه واستعادة ما فقد، إن أمكن، وكذلك يوضحون حجم الخسارة التي طالت ما أنتجوه من مواد خلال السنوات الماضية والتي وصلت في بعض الأحيان لفقدان الأرشيف كاملاً، وفي أفضل الأحوال تلف ما يزيد عن نصفه.

يقول أولئك إنهم جميعاً متفقون على تقديم ما لديهم لأي جهة أو منظمة تعمل على توثيق، تحليل، بناء الأدلة، من أجل تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين. ويظهر، خلافاً لما كان سائداً من عدم الخبرة بطرق الأرشفة الصحيحة والاعتماد على الأرشفة الإلكترونية والتخزين السحابي قبل عام 2016، تطوراً في عمليات هذه الأرشفة وقدرة أكبر على التعامل معها ورغبة في تحقيق ذلك ضمن الإمكانيات المتاحة.

ماذا نوثق.. وأين؟

شكلت الفيديوهات والصور التي نشرت على منصات الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، منذ الأيام الأولى للثورة السورية، هاجساً للنظام السوري، وهو ما دفع كثير من الناشطين، الإعلاميين، المواطنين الصحفيين، الناس أيضاً، إلى ممارسة هذا الدور للضغط بشكل أكبر وإيصال الصورة للمجتمع الدولي من جهة، وللسوريين في مناطق أخرى لفضح الممارسات القمعية للنظام، ويجمع من تحدثنا معهم أنهم حاولوا توثيق كل شيء وبكل الطرق المتاحة.

يقول الكاتب والصحفي محمد السلوم، إنه بدأ رفقة زوجته العمل في الإعلام منذ مطلع العام 2013 في مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، كان ذلك بسبب “حلمهم بمرحلة ما بعد النظام”، ليبدأ رفقة ناشطين آخرين تأسيس جريدتي الغربال وزورق.

ويروي السلوم “«كان لدينا حينها أحلام، وكنت أملك كمبيوتراً محمولاً يساعدني في عملي كمعيدٍ في الجامعة، فضلاً عن طابعةٍ بالحبر الأسود اشتريتها من أجل مشروع الماجستير. بهذه الطابعة كنتُ أطبع المجلة، وفي بعض الاحيان كان صديقٌ لي يشتري لي الورق اللازم والأحبار والمحابر من مدينة حلب، وكنت أملاً الحبر يدوياً عبر تقليد فيديوهاتٍ في يوتيوب».

ضمن “مركز المعرة الإعلامي” بدأ الناشط حسام هزبر عمله مع بداية تأسيسه في العام 2014، يقول إن فكرة إنشاء المركز الذي أسسه الناشط الإعلامي الشهيد وسيم العدل جاءت بهدف أن يكون تجمعاً لبعض النشطاء الإعلاميين في المدينة، والتي كانت حينها محاطةً بمعسكرين كبيرين لقوات النظام السوري؛ هما وادي الضيف والحامدية، ليقوم هؤلاء الناشطين بتوثيق ما يحصل في معرة النعمان التي كانت تتعرّض للقصف المُكثّف شبه اليومي، وبمختلف أنواع الأسلحة، فضلاً عن تغطية حملات النزوح التي تسبّبها المعارك وعمليات القصف.

ويروي هزبر إن الاهتمام بالأرشفة بدأ بشكل شخصي، إذ كان «كل شخصٍ منا يحتفظ بالأرشيف الخاص به، أما بالنسبة لأرشيف المركز فكان موجوداً على صفحة فيسبوك الخاصة به، ولأنّ البداية كانت بمعدات بسيطة جداً وشخصية، فقد كان العمل في المركز تطوعياً بشكلٍ كامل، وهو ما أدى إلى الاقتصار في عملية الأرشفة على الأشياء شديدة الأهمية، من خلال توفير مساحات لها في الهارادت المحدودة العدد والمساحة التي كانت تتوفر في أيدينا».

بهاتف محمول بدأ هاني هلال (ناشط إعلامي من مدينة معرة النعمان) توثيقه لأحداث مدينته منذ نيسان 2011، كانت المظاهرات في معرة النعمان ومحيطها ما يسعى لتصويره ورفعه على وسائل التواصل، وفي آب من العام نفسه حصل على كاميرا بمواصفات “عادية” يشترك فيها مع صديقه عبد الله مسعود بتوثيق ما يحدث.

يحتفظ هلال بأرشيفه على هاردين، بسعة واحد تيرا 512 جيجا بايت، تضم المظاهرات واقتحام المدينة وتحريرها، البيوت التي تضررت جراء القصف، صور الشهداء، حواجز النظام التي غيرت زيها العسكري مع قدوم لجنة المراقبة الدولية إلى المدينة وإخفاء العربات المصفحة التي كانت تستهدف المدنيين.

يوضح من تحدثنا معهم أن أرشيفاً هائلاً أنجز في هذه السنوات، وفي مختلف المناطق، المدن الكبيرة، البلدات، القرى الصغيرة التي لم يكن يسمع باسمها، وجمع الانتهاكات والتدمير الذي طالها، صور القتلى، المنازل والمرافق العامة المدمرة، حياة الناس اليومية، كل ذلك أتيح له الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو قنوات اليوتيوب، لتشكل مكاناً لتخزين هذا المحتوى، دون إدراك بإمكانية ضياعه أو حذفه، أو في هاردات خارجية، بحسب ما هو متاح من أنواع، مع ما يمكن أن يسببه تلف صغير في فقد هذا المحتوى إلى الأبد.

حرب على الأرشيف

“إن بعض المحتوى الذي يقوم فيسبوك وتويتر ومنصات أخرى بإزالته له قيمة حاسمة، ولا يمكن تعويضها كدليل على فظائع حقوق الإنسان”

بلقيس والي “باحث في الأزمات والنزاعات في هيومن رايتس ووتش”

يحتفظ هلال بأرشيفه في مكان إقامته بتركيا التي لجأ إليها في العام 2013، لكنه فقد قسماً منه على قناته الخاصة في يوتيوب بعد اختراقها وسرقتها من قبل شخص آخر، كما فقدت فيديوهاتٍ توثيقية تمّ حظرُها من قبل إدارة يوتيوب، على حد قوله.

يملك حسام هزبر أرشيفاً شخصياً وصفه بـ “المنظم”، بحسب التاريخ ونوع الحدث والمكان، كان ذلك بعد انطلاقة مركز المعرة بسنتين، يقول إنهم “قرروا أن يكون هناك أرشيف خاص بالمركز رغم غياب الدعم، بدأ ذلك بشراء هاردات خاصة وأرشفة الصور والفيديوهات الخام عليها، لكن العديد من الحسابات الشخصية للعاملين في المركز تعرضت للإغلاق من قبل إدارة فيسبوك، إضافة لصفحة المركز الرئيسية، وبذلك خسرنا معظم الأرشيف الذي لم يكن مخزناً على الهاردات قبل 2016”.

لم تفلح الجهود والتواصل مع إدارة فيسبوك وتقديم الطلبات عبر الإيميلات في استعادة الصفحات ومحتوياتها، جميعها قوبلت بالرفض والإهمال، يقول حسام «منذ ذلك الوقت قمنا بإنشاء صفحة جديدة، وبدأنا بتنظيم الأرشيف ضمن هارداتٍ خارجية لمنع خسارة كم هائل من الأرشيف في الصفحة مجدداً، وقررنا عدم الاعتماد مرة أخرى على الأرشفة ضمن مواقع التواصل الاجتماعي».

كذلك أغلق موقع فيسبوك، منذ العام 2012، تسع صفحات أنشأها العاملون في صفحة «المعرة اليوم»، دون أن يتمكنوا من حفظ منشوراتهم عليها. أما آخر صفحةٍ فقد تمّ إنشاؤها قبل سنتين، ولكن أيضاً دون أن يتم الاحتفاظ بنسخةٍ احتياطية عن المنشورات الموجودة فيها، حسب ما يذكره الناشط مصطفى الغريب، أحد العاملين في الصفحة.

ويضيف الغريب إنهم يعانون أيضاً من عمليات التبليغ أو الحذف الذي يواجهه المحتوى الذي يقومون بتخزينه على مواقع التواصل الاجتماعي، فسبق أن حذف يوتيوب العديد من المقاطع التي تحتوي على صور أشلاء، ولكنهم تمكنوا، بحسب الغريب، من استرجاع هذه المقاطع.

وتعرضت الصفحات الرسمية لشبكة دراية الإخبارية على منصتي فيسبوك وتويتر إلى الإغلاق مراراً، ولم تُفلح مراسلة المنصتين في استعادة محتويات الصفحات فكان مصيرها الضياع. يقول عمر كشتو أحد القائمين على الشبكة «فقدت شبكة دراية ما يقارب 4000 صورة، و1200 مقطع فيديو، جميعها يوثّق المظاهرات السلمية وعمليات القصف التي تعرضت لها المحافظات السورية التي شهدت احتجاجاتٍ مناهضةً لنظام الاسد»، مضيفاً بأنّ هذا النوع من الخسارة «يوضح مدى أهمية عمليات الأرشفة للحفاظ على ذاكرة البلاد خلال السنوات الفائتة».

ويروي يقول جهاد شام، العامل في شبكة شام، إن لدى الشبكة «أرشيفٌ محفوظٌ في هاردات، ولكنه لا يتضمّن كامل المواد التي وثّقوها منذ انطلاق الشبكة، فقبل البداية بعملية الأرشفة كان قد ضاع قسمٌ من المواد التي صوّرها العاملون في الشبكة مع قيام موقع يوتيوب بحذف العديد من المقاطع المنشورة من قبل شبكات وناشطين سوريين، والتي شملت بشكلٍ خاص أرشيف بداية الثورة».  أمّا اليوم فتحتفظ الشبكة بأرشيفٍ «موثّق ومُفهرس بنسبةٍ تتجاوز 85 بالمئة على أساس التاريخ والمكان وطبيعة الحدث الموثّق، كما يوجد القليل من محتوى الأرشيف بحاجة للتنظيم» حسب ما ذكره جهاد شام.

ومن المشاكل التي اعترضت جهود شبكة شام في عملية الأرشفة هي إغلاق صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من مرة، نتيجة التبليغات ونشر محتوىً مخالفٍ لسياسية مواقع التواصل، إذ كثيراً ما تحتوي المقاطع التوثيقية على دمار أو دماء وعمليات قصف، ولكن جهاد شام يؤكّد على أنهم «تمكّنوا من استعادة بعض هذه التوثيقات بفضل مساعدةٍ قدّمها بعض التقنيين المختصين». من المشاكل الأخرى التي يشير إليها جهاد هي «عدم وجود فريقٍ كافٍ في شبكة شام للقيام بعملية الأرشفة، فضلاً عن عدم قدرة الشبكة على تحديد حجم المواد التي فقدتها في يوتيوب وفيسبوك نتيجة حذفها، ولكنه يقّدر أنها تتجاوز ألفي صورة ومقطع فيديو».

عبد القادر الهيب ناشطٌ إعلامي ومصورٌ سابقٌ من مدينة معرة النعمان بريف إدلب، ويعمل حاليا مذيعاً في إذاعة وطن إف إم في إسطنبول. يقول عبد القادر إنّ بداية عمله في التصوير والتوثيق «كانت مع انطلاق التظاهرات في مدينة معرة النعمان في العام 2011، حين كان يصور المظاهرات رفقة أخيه الكبير محمد اللهيب، وواصل عمله هذا إلى أن اقتحمت قوات النظام مدينة معرة النعمان في الشهر الثامن من العام 2011».

خلال هذه الفترة قام عبد القادر بتصوير الكثير من المظاهرات بواسطة الهاتف المحمول، لا سيما المظاهرات التي كانت تخرج بأعداد كبيرة يوم الجمعة من كل أسبوع، وكانت جميع الفيديوهات التي صورها محفوظةً في كمبيوتر شخصي، ولكن بعد أيام من اقتحام الجيش اعتقلت قوات الأمن الشقيق الأكبر لعبد الله، وصادرت الكمبيوتر الذي كان يحتوي على كامل أرشيف المظاهرات التي صُوّرت بهواتف نوكيا هامر وM/G2. يقول عبدالقادر: «بعد خروج أخي من المعتقل، الذي بقي فيه مدة ثلاثة أشهر، لم يتسلّم جهاز الحاسوب، وبذلك يكون قد ضاع أرشيفي الخاص بتغطية أحداث الثورة عام 2011».

أما الناشط الإعلامي والمصور نصر العكل، من أبناء بلدة كفرنبل، فيقول إنه «فقد أرشيفه عندما كان مقيماً في كفرنبل جنوب إدلب، حيث خزّن أرشيفه الذي بدأ ببنائه منذ العام 2013 على هاردات خاصة، وتضمّنَ توثيقاتٍ لخروقات النظام المشتملة على استهداف المنشآت الصحية والسكنية، إضافةً لتوثيق المجازر التي ارتكبها النظام في مدن وبلدات جبل الزاوية وريف حماة وريفي إدلب الشرقي والجنوبي. الفقدان جاء نتيجة قصفٍ تعرض له منزله في مدينة كفرنبل بصاروخ من نوع «سمريتش» روسي الصنع، وذهب نتيجته الأرشيف المُخزّن على هاردين.

يشر محمد سلوم إلى نقطة هامة، على حد قوله، وهي أنّ الكثير من القنوات أُغلقت بسبب نشرها محتوى عنيف أو صور لأشلاء وضحايا. كان الهدف من نشر هذه الصورة توثيق المجازر وعمليات القصف، ولكن تعارضها مع سياسات مواقع التواصل الاجتماعي أدى إلى فقدانها، وهنا لا بد من الوعي بما يمكن نشره حتى يبقى صالحاً ومتاحاً مع مرور الوقت.

ويتضمن تقرير لهيومن رايتس ووتش بعنوان “منصات التواصل الاجتماعي تزيل أدلة جرائم الحرب” نشر في أيار 2020، إن المنظمة سألت الشركاء عما إذا كان بإمكانها استعادة الوصول إلى المحتوى الذي تم حذفه لأغراض الأرشفة، لكن هذا الطلب لم يتم قبوله.

إن الإزالة الدائمة والمستمرة لمثل هذا المحتوى يعيق جهود المساءلة، ويجعل من الصعب الوصول إلى الأدلة اللازمة، تقول هيومن رايتس ووتش في تقريرها “إن محاسبة الأفراد على الجرائم الجسيمة قد يساعد في ردع الانتهاكات المستقبلية وتعزيز احترام سيادة القانون، واستعادة الكرامة للضحايا من خلال الاعتراف بمعاناتهم والمساعدة في إنشاء سجل تاريخي يحمى من التحريف من قبل أولئك الذين ينكرون وقوع الفظائع”

ويخلص التقرير إلى أنه “لا يوجد آلية، حتى الآن، لحفظ وأرشفة عمليات الإزالة على وسائل التواصل الاجتماعي التي يمكن أن توفر أدلة مهمة على الانتهاكات، ناهيك عن ضمان وصول أولئك الذين يحققون في الجرائم الدولية”.

ويقول ضياء الكيالي مدير برنامج الدعوة التكنولوجية في Witness وهي منظمة لحقوق الإنسان تعمل مع الأرشيف السوري، بحسب تقرير The Atlantic إن “الشركات تعارض السماح للمجتمع المدني بالتحدث مباشرة إلى المهندسين لديها.. وهذا شيء حاربت كثيراً لأجله”.

ويقول هادي الخطيب مدير الأرشيف السوري، بحسب ما ترجمته قناة الجزيرة “على أرض الواقع في سوريا، يبذل الأسد قصارى جهده لتدمير الأدلة المادية على انتهاكات حقوق الإنسان، والأدلة الرقمية أيضاً، سيكون لمجموع هذه الأشياء، الفلترات وخوارزميات التعلم الآلي والقوانين الجديدة، أثر سيجعل من الصعب علينا توثيق ما يحدث في المجتمعات المغلقة، وهذا، كما يخشى، هو تماماً ما يريده الديكتاتوريون.

الحرائق والكهرباء والتهجير شركاء في قتل الأرشفة

انقطعت الكهرباء عن معظم محافظة إدلب خلال السنوات الماضية، جزئياً أو كلياً، ويعتمد سكانها على المولدات الكهربائية أو الطاقة الشمسية مؤخراً، وهو ما تسبب بأعطال جسيمة في الأجهزة الالكترونية، وفي موضوع الأرشفة نخص الحواسب وأجهزة الهاتف والهاردات الخارجية.

يقول عبد القادر الهيب إنه فقد أرشيفه للمرة الثانية بسبب عطل في الحاسب، ولم تفلح الجهود بإصلاحه، بعد أن تسبب المولدة بتلفه. كذلك حالت كثافة النيران دون قدرته على استعادة هاتفه المحمول الذي يضم أرشيفاً وصفه بـ “الهام” خلال معارك “مورك” مع قوات النظام.

وفي العام 2016 «تعرضتْ المنطقة لمشاكل داخلية سببها حدوث ُخلافٍ بين جبهة النصرة والفرقة 13، قبل تلك الأحداث، كنت أوثّق مع الفرقة المعارك على جبهات ريف حلب، وما تضمّنته من قصف مدفعي وبقذائف الهاون، ثم تابعتُ توثيقي للمظاهرات التي خرجت في مدينة معرة النعمان لمناهضة تصرفات جبهة النصرة. صورتُ مقاطع مرئية للتظاهرات وصور ثابتة في كل أيام التظاهر التي امتدّت إلى ما يقارب 260 يوماً، كما تضمّن توثيقي لافتاتٍ كانت تُرفع خلال هذه المظاهرات، وقد بلغَ عدد اللافتات التي وثّقتها حوالي 800 لافتة جميعها موجودة ضمن قناتي في تلغرام، كما وثّقتُ مظاهراتٍ تعرّض فيها المدنيون لاعتداءاتٍ من قبل عناصر الجبهة وإطلاق نارٍ في الهواء لتفريقها».

ويضيف عبد القادر: «كل هذه التوثيقات احتفظتُ بها على الحاسوب الشخصي لأحد أصدقائي حتى لحظة مغادرتي إلى تركيا بسبب ضغوطاتٍ تعرضت لها من عناصر جبهة النصرة. طلبتُ من صديقي الاحتفاظ بالأرشيف الخاص بأعمالي التي غطيت بها 260 يوماً من التظاهر ضد جبهة النصرة وصوراً للافتات التي رفعها المدنيون بالإضافة إلى صوتياتٍ كثيرة، وذلك خوفاً من مصادرة حواجز الجبهة لهاتفي».

بعد تزايد الضغوط على الهيب من قبل جبهة النصرة، قرر السفر إلى تركيا، ولكنّ الطريق المليء بحواجز الجبهة من معرة النعمان وحتى معبر باب الهوى الحدودي دفعه لترك أرشيفه وديعةً عند صديقٍ له، محتفظاً ببعضٍ من هذا الأرشيف على هاتفٍ نقال بسعة ٦٤ جيجا بايت، وعند وصوله إلى تركيا نقل إلى هارد خارجي بعض ما وصله من أرشيفه، لكنّ هذا الأرشيف لم يسلم كلُّه من التلف، إذ تعرّض منزل صديقه لحريقٍ في العام 2016 وهو ما أدى إلى ضياع الأرشيف. يقول عبد القادر إنّه «يحتفظ اليوم بما مقداره 400 غيغا بايت من كامل أرشيفه الذي يفوق هذا الحجم بأضعاف»

أما عن حال ما تبقّى من الأرشيف اليوم، فيقول الهيب إنه «اتّبع نظام الأمن المعلوماتي للمحافظة على ما تبقى بحوزته خوفاً من القرصنة والاختراق، غير أنّ هذا الأرشيف غير مُنسّق، ويحتوي على صور ومقاطع مرئية للمظاهرات وتوثيقاً لهجمات متكررة شنتها جبهة النصرة على معرة النعمان، فضلاً عن صوتيات كثيرة وصور شهداء ومقاطع توثّق بعض المجازر التي ارتكبتها قوات النظام في معرة النعمان».

تلف الهاردات مشكلة أخرى يعاني منها الناشطون بحسب مصطفى الغريب، إذ لا يوجد في المنطقة مختصون بإصلاحها أو إصلاح الحواسيب التي تعرضت للتلف.

يخبرنا عبد المتين خليفة ناشط إعلامي من جبل الزاوية إنه «فقد أرشيفه بالكامل، إذ كان يحتفظ به على هاردات مساحتها حوالي 1 تيرا بايت، ولكنّ عطلاً أصابها أثناء نزوحه الأخير أدى إلى ضياع محتوياتها بالكامل، وذلك رغم سعيه لاستخدام الهاردات بشكلٍ مخفّفٍ وصحيح».

ويحتوي الأرشيف الذي كان خليفة قد وثّقه صوراً ومقاطع فيديو تبدأ منذ الشهر العاشر في عام 2015، حين شهدت منطقة ريف حماة الشمالي الشرقي أول تدخّلٍ روسي في بلدة «عطشان»، حيث قام «بتصوير غارات الطيران الروسي وقصف المدفعية والقصف المكثف على القرى والبلدات من قبل الروس». ويُضيف عبد المتين إنه «بعد انتقاله إلى الريف الجنوبي لحلب، كان قد وثّق تقدم النظام بإسنادٍ جويٍّ روسي، حيث كان الطيران الروسي آنذاك يشنّ غاراتٍ مكثفةً تستهدف قرىً بأكملها».

وفي وقتٍ لاحق من العام 2016 وثّق عبد المتين خليفة سقوط بلداتٍ في ريف اللاذقية بيد قوات النظام، مستفيداً من اتباع سياسة الأرض المحروقة التي تكفّلت بها الطائرات الروسية والسورية، حيث «أحرق الطيران كل شيء، خصوصاً في بلدة سلمى وقرية كنسبا» بحسب تعبيره، مضيفاً أنه «وثّق كل بالصور والفيديو الدمار الذي تسبّبت به الغارات التي أحرقت الأخضر واليابس». كما وثّق خليفة في الفترة الممتدة من شهر حزيران (يونيو) وحتى تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2016 المعارك الضارية التي شهدها ريفا حلب الجنوبي والغربي، فضلاً عن القصف الشديد الذي تعرّضت له هذه المنطقة من جانب قوات النظام وروسيا. وشملت توثيقاته، بحسب ما يقول، مناطق «ريف المهندسين وكفرداعل والمنصورة والعيس وكفرجوم وخان طومان»، وهي المناطق الواقع على أوتوستراد حلب_اللاذقية.

وعن طريقة الأرشفة التي اتبعها عبد المتين، يقول: «مطلع العام 2017 قمتُ بشراء هارد ونقلتُ إليه كل ما وثّقتُه من صور ومقاطع فيديو كانت مُخزّنةً على حاسوبي الشخصي، ولكن وبسبب كثرة التنقل من مكانٍ إلى آخر تعرّض الهارد إلى عطل حُذفَ بموجبه كل ما أرشفتُه ووثقتُه أثناء عملي. وتوقفتُ بعدها عن التوثيق والأرشفة بسبب خسارة الهارد».

بدأ عمر البم عملية التوثيق والأرشفة مطلع العام 2013، حيث «احتفظ بكلّ ما صوره على حاسوبه الشخصي، ولكن بعد امتلاء الهارد اضطُر إلى شراء هارد إضافي رديء النوع لتخزين الملفات عليه». ويتابع عمر البم: «بعد مدةٍ من الزمن أردتُ استرجاع فيديو من أرشيفي يوثّق ضربةً جويةً تعرّضت لها مدينة معرة النعمان، فاكتشفتُ أن هناك خطأ بالقرص، فحاولتُ تبديل الوصلات دون جدوى، ما أدى لفقداني قرابة 50 إلى 60 جيجا بايت، تضمنت أعمالي التي كنت أزوّد بها الوكالات. ما تبقى اليوم هو عبارة عن أرشيف يتضمّن لحظات القصف الجوي على مدينة معرة النعمان ولحظات النزوح وصور المخيمات، إضافةً إلى توثيق لمعارك جرت بين قوات النظام والجيش الحر، وتوثيق للمظاهرات ضد النظام وضد جميع الجهات التي اعتدت على المدنيين».

أما المرة الثانية التي خسر فيها هارد ثالث كانت في العام 2020، نتيجة حريقٍ اندلعَ في البيت الذي نزح إليه في مدينة إدلب، والذي كان يحتوي جميع توثيقاته لأحداث العام 2019». يقول البم إنه خسر نحو ٦٠٠ جيجا بايت من الأرشيف الذي يضم سنوات عمله.

ويُقدّر نصر العكل مساحة الأرشفة التي فقدها بحوالي 6 تيرا، ويقول إنه «لم يستطع تحميلها على غوغل درايف لأنّ الأمر مكلف للغاية، عدا عن أن هذه المواقع، برأيه، قد تتعرض للانتهاكات والخروقات كما حدث مع راديو فرش الذي خسر أرشيفاً كاملاً على تطبيق ساوند كلاود بسبب نوع من الموسيقى أضافها الراديو دون مراعاة حقوق مالكيها، فقام الموقع بحذف كامل الأرشيف».

داعش الحاضرة دوماً في كل انتهاك

يخبرنا محمد السلوم إنه احتفظ بأرشيف عمله مدة عامٍ كاملٍ تقريباً، ولكن في الثلاثين من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2013، داهم عناصرٌ من تنظيم داعش منزل عائلته الذي حوّله إلى مكتبٍ لجريدة الغربال التي أسّسها. يستذكر السلوم ما حدث قائلاً: «دخلوا إلى المكتب وأخرجوني مقيداً، ثمّ وضعوني في السيارة وصادروا جميع المعدات الموجودة في المكتب. استغرقت عملية مصادرة محتويات المكتب قرابة نصف ساعة، حيث لم يتركوا فيه شيئاً. خرجت من سجنهم بعد أربعة أيام، وكنت مطمئناً إلى أنهم لم يجدوا الهاردات الأربعة ذات سعة تخزين 500 جيجا التي خبأتها جيداً خلف خزانةٍ في المكتب، لكنهم كانوا قد وجدوها وصادروها، بالإضافة إلى كمبيوترات محمولة كان مُخزناً فيه الكثير من عملنا المتنوّع الذي يصوّر ويوثّق مختلف أشكال الحياة التي كنا نعيشها، وطابعة ملونة ومحابر وميكروفونات وعدد من الكاميرات ومعدات العمل. لقد أخذوا كل شيء».

يقول السلوم إن القناعة بأهمية عملية الأرشفة كانت موجودة منذ اللحظة الأولى التي بدأ بالعمل فيها، ولكن بعد خسارته للأرشيف أول مرة عندما داهمت داعش مقر جريدة الغربال انخفضت الهمّة، وكذلك هناك الكثير من المشاريع، مثل الغربال وزورق التي أسسهما كانت مشاريع ضعيفة التمويل وتوقفت عن العمل في وقت لاحق، هذا الشكل من عدم الاستقرار في المشاريع وتعرّضها لأزمات تمويلية أدى إلى ضياع الكثير من الأرشيف.

التخزين السحابي حاضر في إدلب والدورات التدريبية واجب لحماية الأرشفة

يرى السلوم أنّه من المهم تقديم معرفة للناشطين والناشطات بالتقنيات الرقمية لعمليات الأرشفة، إذ أننا «دخلنا في عصر رقمي يجب الإحاطة بآليات توظيفه في عملية الأرشفة، فضلاً عن ضرورة التركيز على التخزين السحابي، لا سيما بالنسبة للمقيمين في الداخل السوري، حيث إنّ التنقّل المستمر رفقة الهاردات أمرٌ صعب، كما أنّ الهاردات مهددة دوماً بالتلف نتيجة القصف أو التخزين بشروط غير صحية وغيرها من الأسباب. في هذه النقطة من المفترض التفكير بتوفير آلية تخزين سحابي للناشطين، لا سيما أنّ الكثير منهم ليس بمقدوره تحمل التكلفة المادية المترتبة عن هذا النوع من التخزين، وهذه معاناة حقيقية للناشطين الذين يشكّل تأمين اشتراك سنوي بـ 100 جيجا في غوغل أمراً عظيماً».

ويشير السلوم إلى ضرورة أن تكون هذه المساحات المُوفّرة للناشطين آمنة، ليس من الناحية الأمنية التي يُقصد بها حفظ الملفات من السرقة، ولكن أيضاً «باستدامة توفّر محتويات أرشيفهم دون أن تكون مهددة بالضياع». ويذكر السلوم في هذا الإطار «عدداً من مشاريع التخزين السحابي العربية التي ظهرت خلال فتراتٍ معينة وكان مصيرها الإغلاق، ومعها ضاعت المحتويات التي خزنها الكثير من الأشخاص. هذا الأمر ينطبق أيضاً على مئات قنوات اليوتيوب السورية التي اختفت وضاع معها أرشيف كبير ومهم»

قلة الوعي امتدت بحسب السلوم إلى الإحساس بعدم أهمية عملية الأرشفة، ويستعيد هنا لافتات كفرنبل. يقول محمد السلوم إن البعض كان يعتبر أن هذه اللافتات يتم صناعتها أسبوعياً، وبالتالي فهو أمر اعتيادي كثير الحدوث مع استمرار الثورة، لم يكن أحد يتصور أننا سنصل إلى وقت يضيع فيه الكثير من توثيق هذه اللافتات وتصبح مهمة البحث عنها شديدة الصعوبة.

يؤكّد محمد السلوم على أهمية تزويد الناشطين بمعرفة نظرية حول أهمية الاحتفاظ بأرشيف للعمل، وكذلك بتدريب عملي عن كيفية وآليات الأرشفة وطرق التعامل مع الأرشيف. ويقول إنه «على صعيدٍ شخصي كان مهتماً بتجميع مكتبة إلكترونية منذ العام 2012، كان فيها الكثير من الكتب المُصنفة ضمن ملفاتٍ مُخزنة على هاردات خارجية رفقة ملفات إكسل تسهّل عملية البحث، ولكن هذه المكتبة كانت من بين الأشياء التي سرقتها داعش، فصرت بعدها لا مبالياً بطريقة تخزين الصور والكتب التي أملكها، إذا كان عملي يقتصر على وضعها ضمن هاردات خارجية دون أرشفتها». ينطلق محمد السلوم من هذا المثال للتدليل على أهمية تقديم المعرفة النظرية والتدريبات العملية حول أهمية عملية الأرشفة «خصوصاً للمصوّرين المتواجدين على الأرض، والذين يملكون أرشيفاً كبيراً، فضلاً عن وكالات الأنباء وغيرها من المؤسسات الإعلامية والإخبارية».

ويقول حسام هزبر إن التخزين السحابي لم يكن ممكناً بالنسبة لحسام وزملائه، لأنّ «غوغل درايف، مثل باقي مساحات التخزين المأجورة، يحتاج إلى بطاقة بنكية لدفع مبالغ سنوية من أجل حجز المساحة، وهو ما لم يكن متوفراً لنا. كذلك الأمر بالنسبة لحجز مساحة في دروبوكس، وما جعل المهمة أكثر تعقيداً هو عدم حصولنا على دعم مالي يمكننا من القيام بذلك حتى لو توفّر لنا حساب بنكي».

بعد فترةٍ من انطلاق المركز بدأ المتطوعون بالتوافد للعمل فيه، وهو ما أدى إلى ازدياد الإنتاج ومساحات الأرشفة، ودفع المركز، بحسب هزبر، إلى «تخصيص شخص من ضمن الفريق ليكون مختصاً بعملية الأرشفة، حيث يتلقّى الصور والفيديوهات من المراسلين، ليقوم بأرشفتها بشكلها الخام»، وتزامن هذا التغيير مع إطلاق تسمية جديدة على المركز بعد توسيع الكادر ليصبح اسمه «المركز الإعلامي العام»، حيث وصل عدد المتطوعين فيه إلى أكثر من 40 متطوعاً في أماكن مختلفة من أرياف إدلب وحماة وحلب واللاذقية.

يتفق حسام مع ما قاله الصحفي محمد السلوم عن ضرورة تأمين مساحة تخزين سحابي لحفظ الأرشيف لأي ناشط يعمل في المركز، لا سيما أنّ هذا الأمر مكلف، ولم يجد المركز إلى الآن الجهة التي تستعد لتأمين تكاليف تلك المساحة، وهو ما ينطبق على غالبية المراكز الإعلامية ذات الطبيعة التطوعية الموجودة في محافظة إدلب.

ويرى مصطفى الغريب أنّ أفضل طريقة للاحتفاظ بالأرشيف هي شراء مساحات في المواقع المخصصة لعمليات الأرشفة مثل غوغل درايف، ولكن يجب تأمين جهة تسدّد المبالغ المترتبة على هذا الأمر، إذ ليس بإمكان صفحة المعرة اليوم فعل ذلك بمفردها نتيجة ارتفاع الأسعار مقارنةً بالإمكانيات التي تملكها الصفحة، وهو ما يُضطر بعض العاملين فيها لاقتطاع مبالغ من دخلهم الشهري لشراء مساحاتٍ يخزنون عليها عملهم.

ويشير الغريب إلى أنهم في صفحة المعرة اليوم لم يخسروا الكثير من الصور ومقاطع الفيديو التي وثّقوها، لأنهم يحتفظون بنسخ احتياطية على هاردات خارجية، ولكن الخسارة الأكبر كانت في المنشورات على موقع فيسبوك.

يذكر الغريب أنه تلقى دورة تدريبية على عملية الأرشفة خلال عمله مع رابطة المحامين السوريين الأحرار في العان 2012، وهو ما نظم عمله بتقسيم أرشيفه وفهرسته ما يجعل عمليه البحث سهلة داخله،كذلك، يملك الغريب «مساحةً محدودة للتخزين السحابي، مقدارها مئتي جيجا، وهو يدفع لقاء هذه المساحة 125 ليرة تركية سنوياً».

ويخبرنا عمر كشتو إن شبكة دراية انتقلت إلى التخزين السحابي بعد أن فقدت عدداً من الهاردات دون أن تتمكن من استعادة محتوياتها، يقول “لدينا اليوم أرشيف منظّم بحسب نوع الحدث وتاريخ حصوله والمنطقة التي شهدته”. وكان التوجه للتخزين السحابي ضرورياً للشبكة بعد أن تعرّض أرشيفها المُخزّن على هاردات للسرقة، بحسب ما يذكره كشتو، وذلك «حين دخلت قوات النظام وميليشياته إلى مدينة معرة النعمان، حيث كان المكتب الرسمي للشبكة، إذ لم يتمكن العاملون في الشبكة من إخراج معداتهم بشكلٍ كامل نتيجة كثافة القصف ودخول قوات النظام».

ويعتبر كشتو أنّ «أفضل طريقة للأرشفة الكفيلة بالحفاظ على ما وثّقه الناشطون هي تأمينها في مساحات تخزين سحابية مثل غوغل درايف وغيره من المواقع المخصصة لهذا الأمر، حيث يبقى الرابط متاحاً ويمكن فتحه واستعادته في أيّ لحظة».

يجمع من تحدثنا معهم على أهمية التخزين السحابي والثقة بهذا النوع من الأرشفة الإلكترونية لحماية أرشيفهم، باستثناء عبد المتين خليفة الذي قال إنه «ليس لي ثقة بتخزين الملفات عبر الإنترنت، فالأفضلية والأولوية بالنسبة لي هي الاحتفاظ بالأرشيف على أقراص الهارد ديسك، بحيث لا يستطيع أحدٌ الوصول إلى محتواها إلا باقتنائها».

الأرشفة في خدمة العدالة

لم يعترض أحد من أحد عشر إعلامياً تحدثنا معهم ويعملون في وكالات ومراكز متنوعة على تقديم ما يملكونه من أرشيف للمحاكم الدولية أو الجهات المختصة بإثبات الانتهاكات.

ويرى جهاد شام أن أفضل الطرق لتحقيق ذلك تكمن في «تأمين فريق متخصص في هذا المجال، يكون على دراية كاملة بتاريخ الثورة السورية، ويتكفل بالعمل على أرشفة الفيديوهات والصور والتقارير المرتبطة بالثورة السورية، ليس على صعيد شبكة واحدة أو صفحة أو وكالة، وإنما المحتوى الكامل الذي يمكن تقديمه للمحاكم وكوثيقة تاريخية للأجيال القادمة».

يشدّد السلوم في هذا السياق، رغم صعوبة الأمر، على «ضرورة اتباع نمط موحّد في آلية الأرشفة بين أكبر قدرٍ من المؤسسات السورية، حتى بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى تقديم أرشيفها لقاء مبالغ معينة، حتى يكون من اليسير على المحاكم والباحثين والمؤرخين وشركات الإنتاج المهتمة بتقديم محتوى عن مجريات الأحداث في سوريا، البحث في هذا الأرشيف المُصنّف لمعرفة الجهة التي ينبغي قصدها للحصول على المواد المطلوبة».

ويقول مصطفى الغريب أنهم يبذلون جهوداً في حفظ أرشيفهم ونقله وحمايته «من أجل هذه اللحظة تحديداً؛ أي لحظة تقديم هذه المواد لمحاسبة مرتكبيها».

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

العقارات في حلب.. المهجرون أمام خيارين “بيع بيتك أو بتاخدو الدولة”

منصور حسين

تنتعش تجارة العقارات في مدينة حلب، حيث تشهد المدن والأحياء التي طالها الدمار بشكل كبير نشاطاً غير مسبوق لشراء عقارات المهجرين بمختف الطرق والاستخواذ عليها ، من قبل التجار والوكلاء […]

تنتعش تجارة العقارات في مدينة حلب، حيث تشهد المدن والأحياء التي طالها الدمار بشكل كبير نشاطاً غير مسبوق لشراء عقارات المهجرين بمختف الطرق والاستخواذ عليها ، من قبل التجار والوكلاء المرتبطين بإيران ورجال أعمال سوريين من أثرياء الحرب.

تشمل عمليات الشراء جميع أنحاء المدينة، إلا أنها تتركز بشكل أكبر في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، وأغلبها مناطق عشوائية لا يمتلك أصحابها أوراقاً ثبوتية (طابو أخضر)، الأمر الذي ساعد التجار على استغلالهم والضغط عليهم  لبيع عقاراتهم، في حين يتعرض الرافضون لهذه العملية لعمليات التهديد والابتزاز.

الترهيب والاستيلاء

يستغل تجار العقارات (يعتقد من تحدثنا معهم  أنهم يرتبطون بالحرس الثوري الإيراني)، غياب المخطط التنظيمي عن أحياء حلب الشرقية للاستحواذ على تلك العقارات ، إذ ماطل مجلس مدينة حلب منذ سبعينات القرن الماضي في إصدار مخطط تنظيمي جديد للمنطقة التي ما تزال موثقة في السجل العقاري ككروم وبساتين.
يهدد هؤلاء التجار صاحب العقار أو أقارب المهجرين بنقل ملكية العقارات لصالح الدولة في حال رفضهم لبيعها. يقول عباس العلي، مهجر من حي المرجة جنوب حلب، يبدأ الأمر باتصال هاتفي من أحد التجار والوكلاء في الحي مع صاحب العقار، ويتم التركيز على العائلات المعارضة والمهجرين ممن فقدوا الأمل بعودة قريبة إلى منازلهم، أو العائلات التي حصلت على إقامة دائمة أو جنسية في البلاد التي لجأت إليها، الأمر الذي يزيد من فرص موافقتهم على بيع منازلهم المخالفة أصلاً.

إذ تعتبر معظم منازل الحي مخالفة ومبنية على أرض تعود ملكيتها إما للدولة أو ماتزال باسم مالكها القديم عندما كانت تحمل صفة الأرض الزراعية، حيث جرى بيع هذه الأراضي بدون عقود أو توثيق، وقد بدأت المليشيات والسماسرة باستخدام هذه الورقة للضغط على الملاك،  فـ “في حال رفضنا البيع يبدأ مختار الحي بالإبلاغ عن وجود أحد ورثة المالكين “القدامى” الذين ما تزل هذه العقارات باسمهم رسمياً في السجلات الحكومية من أجل التفاوض معه مباشرة للتنازل عن الملكية، وهذا يعني فقدان المالك الحالي لمسكنه نهائياً”.

من يدفع مقابل أطلال مدمرة

لا تقتصر سياسة التوسع والاستملاك التي تنتهجها العديد من الأطراف المحلية والأجنبية على الأبنية السكنية أو الأراضي، بل تطال المنازل المدمرة، كما هو الحال في أحياء “الشعار، السكري، الفردوس، طريق الباب، ومساكن هنانو” حيث حصل أصحاب هذه المنازل التي باتت مجرد أنقاض على عروض مغرية مقابل التنازل عنها، ما أثار الشكوك حول دوافع المشتري الذي يقبل بدفع مبالغ طائلة من المال مقابل هذا الركام.

يقول أبو إحسان وهو سمسار ومعقب معاملات في مدينة حلب، إن إيران توسع من سيطرتها على حلب، وغالبية عمليات البيع والشراء تكون لرجال أعمال أو سماسرة ممولين منها، وقد شهد العامان الماضيان سيطرة شبه مطلقة لسماسرة من بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين على سوق العقارات في حلب وريفها، من خلال التعاون مع  مليشيات متخصصة بالاستيلاء على المنازل والأراضي الزراعية، ماساهم بتفاقم ظاهرة سلب الأملاك واتباع أساليب “مافياوية” لإجبار المالكين على البيع، أو إغرائهم بعرض سعر مضاعف، وهذا ما ساهم بارتفاع أسعار المنازل خلال الأشهر القليلة الماضية.

اقتصر الطلب سابقاً على عقارات موثقة الملكية، ثم تطور الوضع ليشمل الأملاك التي تقتصر أوراقها الثبوتية على عقد محكمة، واليوم أصبح الطلب يشمل كل أنواع العقارات والعروض التي تقدم للغائبين بالشراء مقابل الكلمة فقط، وبالنسبة للمقيمين فيقبل المشترون المرتبطون بإيران مجرد عقد غير مسجل، بحسب أبو إحسان.

ويضيف أبو إحسان “إن الموقع يلعب العامل الأكبر في ارتفاع سعر العقار أو انخفاضه، فالطلب منخفض على العقارات في مناطق صلاح الدين والفردوس والمعادي، حيث لا يتجاوز سعر الشقة فيها الثلاثة ملايين ليرة، مقابل ارتفاع ملحوظ في أحياء هنانو وطريق الباب والشعار، والأبنية المهدمة في سيف الدولة والمناطق القريبة من ملعب الحمدانية، التي لا يقل سعر الشقة فيها عن العشرين مليون ليرة، وذلك بسبب الآمال المعلقة على عملية إعادة الإعمار التي ستؤدي إلى تضاعف الأسعار في مركز المدينة والحزام العشوائي”.

تمثل الأحياء الجنوبية والشرقية من مدينة حلب ، مناطق عشوائية وغير مستملكة بشكل رسمي وفق مستندات ومحاضر فراغ معترف عليها، ما يجعلها هدفاً للسماسرة المرتبطين بمؤسسات دينية ورجال أعمال ايرانيين، مثل مؤسسة المهدي وجمعيات أخرى مرتبطة بوزارة الثقافة الإيرانية والتي تنشط في محافظتي حلب ودير الزور فضلاً عن دمشق، إضافة إلى مؤسسة رجل الأعمال الآغا خان الذي بات يمتلك مئات الهكتارات والعقار السكنية في حلب ومحافظات أخرى منذ عشرين عاماً بتسهيلات من نظام الأسد.

 

مخيم عين الحلوة.. اللجوء إلى اللجوء

محمد كنعان

تستند أم أحمد “لاجئة سورية في لبنان” على الحائط لتبقى واقفة في طابور الراغبين بدخول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينين، تنظر إلى ساعة هاتفها بتململ، ينهكها الروماتيزم وجرعات الكورتيزون وأرقام […]

تستند أم أحمد “لاجئة سورية في لبنان” على الحائط لتبقى واقفة في طابور الراغبين بدخول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينين، تنظر إلى ساعة هاتفها بتململ، ينهكها الروماتيزم وجرعات الكورتيزون وأرقام التصاريح التي يدققها عناصر من الجيش اللبناني على مداخل المخيم، وتحاول أن تصل إلى موعدها مع طبيبها في الوقت المناسب.

في الطابور الطويل، ممر للمشاة وخط طويل من السيارات ورجال ببدلات عسكرية يفتشون ويسجلون كل شيء بتأفف وضجر من الإجراءات الروتينية المتبعة منذ عقود. أعداد هائلة تدخل وتغادر مداخل المخيم ومخارجه تضاعفت خلال السنوات الماضية بعد أن أصبح المخيم ملاذاً للاجئين السوريين، يرافق ذلك ضجيج وبكاء الأطفال المنتظرين، مشاحنات كلامية مع سائقي السيارات، سباب وشتائم، لهجات متنوعة، وساعات من الانتظار.

أكثر ما كان يلفت انتباه أم أحمد أثناء التدقيق في الأسماء والوجوه هو عدد السوريين الداخلين والخارجين من المخيم، كانت تعرفهم من هوياتهم. “هل جميعهم يأتون للأطباء مثلي، هل هم من السكان. إن كانوا كذلك كيف يعيشون في منطقة عسكرية كهذه؟ تتساءل.

عشرون دقيقة من الانتظار وعيناها لا تفارقان ساعة الهاتف،  بينما كان كيس الأدوية والتحاليل ينتقل بين يديها، أطلعت الجندي على محتوياته قبل أن يسمح لها بالدخول، لتخطو بعدها أول خطوة للمخيم في زيارة لم تكن الأخيرة.

“في أولى خطواتي كانت أذناي لا تسمع سوى صوت الرصاص. لوهلة أحسست أنني في حلب. لم أسمع مثل صوت هذا الرصاص إلا عندما كنت هناك. التفت لأعود أدراجي لكن أحد شبان الحاجز الفلسطيني القابع خلف الحاجز اللبناني بخمسين متراً أخبرني أنه رصاص ابتهاج بعرس، أي عرس ونحن في منتصف النهار؟ سألته خائفة، أخبرني إنه رصاص زفّة العريس. تابعت طريقي إلى عيادة الطبيب برفقة أحدهم كان يناديني خيتا” تقول.

كان هذا منذ ثلاث سنوات. قبل أن تصبح اللاجئة السورية المنحدرة من حي صلاح الدين الحلبي من سكان المخيم. وقتها كان قدومها يقتصر على مراجعة الطبيب وشراء الأدوية. تقول أم أحمد إن جلوسها مع النساء السوريّات داخل العيادة وإمطارهن بوابل من الأسئلة في كل جلسة قد كوّن لديها صورة إيجابية عن العيش داخل المخيم. كذلك الطيبة والمحبة التي كانت تشاهدها في وجوه السكان، وكمية الود والتعاطف بين الفلسطينيين والسوريين، وسرعان ما تحوّلت زياراتها للمخيم لهدف ثان وهو البحث عن منزل.

لا توجد إحصاءات رسمية بعدد السوريين في مخيم عين الحلوة. بحسب موقع ويكيبيديا إن عدد سكان المخيم بلغ 130 ألف نسمة  عام 2017 تبعاً لإحصاءات غير رسميّة بعد توافد السوريين إليه، بينما تحدّثت تقارير إعلامية نشرت قبل ٢٠١١ عن سبعين أو خمسة وسبعين ألف نسمة، فيما ساهم الهدوء الأمني منذ سنتين تقريباً والأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها لبنان، تلاها قدوم  جائحة كورونا في تضخّم أعداد السوريين الذين يستهدفون المخيم بغرض الإقامة، وزيادتهم يوماً بعد يوم، يدفعهم رخص المعيشة وإيجارات المنازل مع غياب فواتير المياه والكهرباء داخل المخيم قياساً بالمناطق المحيطة به وبإمكانيات اللاجئين الماديّة، فضلاً عن السماح لهم بممارسة أعمالهم وأنشطتهم الاقتصادية بكل حرية دون  الحاجة لإجراءات إدارية وقانونية ” كإصدار رخصة مثلاً”. كذلك تشابه الحالة الاجتماعية  والمادية للسوريين وللفلسطينيين من فقر ولجوء كأهم أسباب ترحيب واستضافة اللاجئين، إذ يجد الضيف والمضيف أنفسهم في موضع هشاشة وفي خندق اجتماعي واحد.

كيلو متر واحد يتسع لقضيتين

للمخيم تسميتان، عين الحلوة واكتسبها من مياه بئر عذبة كانت موجودة عند وصول اللاجئين الفلسطينين إليه عام النكبة، قبل أن ينتقل المخيم بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة صيدا يحملون معهم واسم “العين” وخيامهم التي استبدلتها وكالة غوث “أونروا” بمساكن اسمنتية بعد أربع سنوات من إنشائه.

"الزوابيق" الأزقة في مخيم عين الحلوة
“الزوابيق” الأزقة في مخيم عين الحلوة

و “عاصمة الشتات” باعتباره يعتلي سلم الترتيب كأكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، وعددها اثنا عشر مخيماً، وأكثرها سكاناً، تقول الأونروا في سجلاتها “إن المخيم يضم سبعة وأربعين ألف فلسطيني مسجل”، ويرتفع العدد الحقيقي إلى ضعفي ذلك العدد.

لم تزد مساحة مخيم عين الحلوة (كيلو متر واحد) منذ إنشائه رغم تضاعف أعداد سكانه، ويأخذ التطور العمراني فيه منحى شاقولياً، ويحيط به أربعة نقاط تفتيش للجيش اللبناني على المداخل الأربعة، تليها حواجز تفتيش تابعة للكفاح المسلح “حركة فتح”، ويقطع المخيم شارعين (فوقاني وتحتاني)، أولهما يبدأ من المشفى الحكومي في الجهة الشمالية، وثانيهما أيضاً يبدأ من الجهة الشمالية في منطقة التعمير، ويلتقيان جنوباً في منطقة درب السيم.

تتداخل أحياء المخيم الضيقة فيما بينها، ويتداخل معها مناطق النفوذ، إذ تتقاسم التنظيمات والفصائل السيطرة على شوارعه وحاراته، ولكل منها مربعها الأمني، وتعتبر حركة فتح الأقوى نفوذاً وتسليحاً داخله، إضافة للجبهة الشعبية، عصبة الأنصار الإسلامية وحركة حماس، الحركة الإسلامية المجاهدة، تنظيم جند الشام القادم من مخيم نهر البارد، وتنظيم الشباب المسلم..

يقول من تحدثنا معهم إن لعين الحلوة الدور القيادي المباشر في المخيمات الفلسطينية داخل لبنان، هو مركز القرار، ومصير الشتات الفلسطيني يتقرر داخل أسواره.

في تلك المساحة الضيقة وجد قسم من اللاجئين السوريين أنفسهم داخل أسوارها، يجمعهم بمضيفيهم صفة اللجوء ومرارته، والحلم بالعودة.

 مدينة الفقراء الضيقة

لا تقارن إيجارات المنازل داخل مخيم عين الحلوة بمناطق أخرى في لبنان، وتدفع الأونروا فواتير الكهرباء والمياه عن ساكنيه، وتقل داخل جدرانه أجور الطبابة وأسعار الدواء والمواد الغذائية كذلك الألبسة والأحذية، وهو ما يفسر زيارة كثر لزيارته والتبضع منه، لكن سوريين وجدوا فيه مكاناً مناسباً للعيش واللجوء.

تشترك أم أحمد مع زوجها وولداها العيش في غرفتين صغيرتين داخل حي الطوارئ في مخيم عيم الحلوة ، تقول إن مرض الروماتيزم قلص ساعات عملها بأحد المخابز لمساعدة زوجها في متطلبات الحياة الكثيرة، وتسببت جائحة كورونا  بتسريح زوجها من عمله في واحد من محلات الحلويات وانتقاله إلى أعمال المياومة وغرقهم في بحر من الديون.

مخيم عين الحلوة كان ملاذ أم أحمد، تقول إنها تدفع اليوم ربع ما كانت تدفعه سابقاً كإيجار للمنزل الذي تسكنه، كذلك المواد الغذائية بأسعار مناسبة، يضاف إلى ذلك أن أطفالها يلعبون بحرية بعيداً عن شكاوي الجيران من إزعاجاتهم مكان سكنها السابق.

وتروي أم أحمد ” في البداية كنت أواجه مشكلة في حفظ الطرقات المتشعبة والزواريب، بعضها لا يتّسع لأكثر من شخص واحد. مع الوقت أحسست أني أمشي في بلدي أو على الأقل لست غريبة. على صعيد الوباء يستثني المخيم نفسه من حظر التجول المفروض، الحياة هنا لا تقبل التباعد الاجتماعي وحبس الناس في بيوتهم، لا يمكنك أن تحبس أكثر من مئة ألف نسمة يعيشون في مساحة كيلو متر مربع واحد، يفتقر إلى المساحات الواسعة من حدائق وملاعب أطفال. المخيم مدينة صغيرة وحبس كبير”.

مخيم داخل المخيّم

لا يخلو أي من أحياء المخيم التي تسمى بأسماء المناطق التي ينحدر منها السكان(طيطبا، الصفصاف، الرأس الأحمر، الطيرة، ترشيحا، لوبية، صفوريّة، الزيب، حطين..) من عائلات سورية، حتى الأبنية التي صممت لأفراد العائلة الواحد تشهد داخلها تواجداً للسوريين. يقول من تحدثنا معهم “مقابل كل لاجئ فلسطيني يوجد لاجئ سوري وآخر فلسطيني سوري، في تعبير عن تضاعف أعدادهم في السنتين الأخيرتين”.

يقول زياد العلي وهو أحد أبناء المخيم إن كثيراً من الفلسطينيين استغلوا ما حدث في سوريا ولجؤوا إلى أوروبا ليلحقوا بالسوريين إلى هناك، كما ساهمت القروض التي كانت تمنحها منظمة التحرير في دفعهم لشراء منازل خارج المخيم وبحثهم عن حياة أفضل. هذا الفراغ غطته موجات اللاجئين السوريين الذين استقروا داخله. فزياد مثلاً يعيش مع عائلتين سوريتين في نفس البناء الذي صمم لعائلتهم، وذلك بعدما قرر أخوته السفر خارج لبنان، بدايةً لم يرغب أخوته في تأجير بيوتهم، لكن الانتشار الواسع للسوريين وسمعتهم الطيبة دفع كثيرين ومنهم عائلة زياد إلى تأجير بيوتهم، ” نعيش مع بعضنا البعض منذ ست سنوات، أصبحنا عائلة واحدة وكبيرة” يقول زياد.

طبيعة العيش في مخيم عين الحلوة تختلف عمّا هو خارج أسواره، الأحياء مكتظّة ومتراصّة وتفتقد إلى المساحات المفتوحة، تجمعها شبكة ضيقة من الأزقة لا يمكن لأي مركبة السير داخلها، ولا يمكن الوصول إليها سوى للمشاة. هذا إن استثنينا الطريقان الأساسيان في المخيم. في كثير من الأحياء تلتصق المباني ببعضها البعض، أو تقترب من بعضها مسافة لا تزيد عن متر واحد، ما يجعل أبنية المخيم غارقة في الظلام وتفتقر إلى أشعة الشمس.

أم أنس تحاول الخروج كل يوم تقريباً مع زوجها وأولادها لغرض التعرض لأشعة الشمس، فقد أخبرها الطبيب أن زوجها الذي يعاني من أمراض مزمنة ” سكري، قلب” لديه ضعف في المناعة يعتقد أن من أهم أسبابه طبيعة بيتهم الرطبة الذي يفتقد الهواء وأشعة الشمس، كما نصحها بتبديل المنزل أو العيش خارج المخيم كي لا يمرض أطفالها.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، مثلاً، زوج أم أنس لا يحتاج هاتفه ليراسل أحد جيرانه، إذ يكتفي بمناداته من بيته ليسمعه فوراً، وهذا ما تجده أم أنس تقليصاً لمساحات الخصوصية داخل هذه الأحياء التي ترى أن عدد سكانها أكثر من عدد الحجارة التي بنيت فيها بيوتها.

وتقول أم أنس أنها تسعى للحصول على بيت يكون في مرمى أشعة الشمس داخل المخيم، ولا ترجح فرضيّة سكنها في الخارج نظراً لضعف قدراتها الماديّة، فضلاً عن قرب المخيم من مكان عملها في مدينة صيدا “2كم” الذي تذهب إليه مشياً على الأقدام.

نتحرّك كيفما نشاء

عين الحلوة من أكثر المخيمات في لبنان التي شهدت عمليات عسكرية وأمنية، كان آخرها نهاية 2017 بين عدد من الفصائل الداخلة في تكوين المخيم والمختلفة فكريّاً، وأسفر عن دمار حي بكامله يدعى ” الطيرة” بالقرب من الشارع الفوقاني. كما يتوجّب على كل سوري يدخل المخيم بشكل مؤقت أو دائم أن يحصل على تصريح تمنحه مديرية مخابرات الجيش اللبناني في ثكنة عسكرية بالقرب من المخيم.

 قانونية أوراق الإقامة هي شرط أساسي لامتلاك تصريح يتم تجديده بشكل مجاني كل ستة أشهر. فيما تتوزع سبع نقاط تفتيش عسكريّة على مداخل المخيم، مهمتها التفتيش والتدقيق في هويات كل الداخلين والمغادرين.

يخبرنا أحمد الخليل الذي خبر تجربة الخروج من المخيم عقب إشكال مسلح جرى بالقرب من بيته قبل خمس سنوات، أنه برغم الظرف الذي أخرجه إلا أنه لم يعتد على الحياة خارجاً، وبالإضافة إلى ارتفاع إيجارات المنازل والفواتير وغلاء المعيشة إلا أنه كان يحس بالضيق والغربة. فقد كانت شرطة البلدية تمنعه من الخروج بعد الساعة السادسة مساء، الأمر الذي أدخله معهم في جدال ومشاحنات عندما خرج لجلب دواء  ذات مرّة لطفله المريض.

أحمد الخليل صاحب ورشة الحدادة في مخيم عين الحلوة
أحمد الخليل صاحب ورشة الحدادة في مخيم عين الحلوة

ويعد أحمد من السوريين الذين دخلوا المخيم في بداية الثورة السورية، وألفوا العيش داخله، يقول أنه قصد عين الحلوة بدافع صلة القرابة، فقد كانت أمه من أهالي المخيم الأصليين قبل أن تنتقل إلى سورية إثر زواجها منذ أربعين سنة.

“عدت إلى المخيم بعد أن وجدت بيتاً في منطقة تتسم بهدوئها الأمني، أستطيع القول أننا نعيش ثلاث سنوات من الاستقرار، أنا شخصياً أفضل أن أعيش محبوساً في مخيم على أن أحبس في بيتي. بالنسبة لإجراءات التفتيش على الحاجز فقد تعودنا عليها وأصبحت روتيناً، صحيح أن كثيراً منا أوراق إقامتهم منتهية لكننا لا نعدم وسيلة عبر أصدقاء ومعارف يساعدوننا في إصدار تصريح” يقول أحمد.

يقرّ الخليل بأن الواقع الخدمي سيء داخل المخيم لكن لا يختلف كثيراً عما حوله، إذ يعاني لبنان تعاني من بنية تحتية متداعية تفتقر للخدمات العامة، بما فيها الكهرباء والمياه والنقل والصرف الصحّي.

فيما قال آخرون ممن شهدوا أحداثاً أمنية أنهم كانوا يتّجهون إلى أحياء أكثر أمناً كالموجودة في الشارع التحتاني، ومنهم من حلّ ضيفاً على أحد أقربائه خارج عين الحلوة سرعانما عاد بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.

نشاط اقتصادي حر

تبين دراسة للجامعة الأميركية في بيروت بعنوان ” اللاجئون صانعو المدينة” أن هناك بعض المجتمعات المضيفة والمجالس البلدية فيها تعمد إلى ردود فعل عنيفة تجاه السوريين الذين يمتلكون متاجر صغيرة في عدد من المناطق اللبنانية، متهمة إياهم بسرقة فرصة العمل من اللبنانيين. بدورها قامت السلطات اللبنانية في العامين الأخيرين بحملات إغلاق استهدفت المحال التجارية التي يملكها سوريين، متذرّعة بعدم وجود تصاريح وإجازات للعمل.

علي نوايا وجد داخل شوارع مخيم عين الحلوة الضيقة متنفّساً لممارسة عمله، يخبرنا أنه لا يحتاج إلى أي تصريح أو موافقة لفتح محل لبيع الأجهزة الخليوية، في حين أقفل محلّه في مدينة صيدا وختم بالشمع الأحمر لحين إصدار رخصة.

أحمد الخليل كان يفضل أن تكون ورشة الحدادة الخاصّة به خارج المخيّم، لوجود فرص أكبر بالعمل بسبب ضعف إمكانيات سكانه المادية، لكنه لم يجد سبيلاً لذلك فالرخصة مكلفة وتحتاج شروطاً كثيرة كالموافقة المبدئية وهذه تحتاج “واسطات ” ورشاوي بالإضافة إلى امتلاك أوراق إقامة نظامية. ويخبرنا أن هناك كثيراً من اللبنانيين يسعون لاستغلال الظرف بتقديم عرض يفيد بإصدار رخصة لصاحب مصلحة سوري، والأرباح تكون مناصفة، وهو ما يراه الخليل نوعاً من التحايل والاستغلال.

أبو محمد يعمل إسكافياً في عين الحلوة منذ تسع سنوات، وهو تاريخ دخوله المخيم الذي وجده أرضية مناسبة لمهنته التي يجدها شبه منقرضة في عموم لبنان. إذ تكثر الأسر الفقيرة التي تتجه للإسكافي لعدم قدرتها شراء أحذية جديدة.

جبل الزاوية في سوق عين الحلوة

علي عبد القادر أحد المسؤولين عن إدارة المخيم يلفت الانتباه إلى أن النشاط الاقتصادي للسوريين مسموح بأريحيّة وموجود بكثرة، حتى قبل الثورة السورية بسنوات، وقتها لم يكونوا لاجئين، يقول،  إنما دخل العديد من تجار الألبسة والأقمشة والأحذية السوريين، وقاموا بفتح بسطات ومحلّات يتواجد معظمها في سوق المخيم.

من خلال اطلاعنا على سوق عين الحلوة وحديثنا مع التجار تبيّن أن نسبة المحلات السورية داخل السوق يزيد عن النصف، معظم أصحابها من منطقة جبل الزاوية في إدلب وبالأخص قريتي معرزاف ومنطف، ويقول أبو عادل ” تاجر أحذية من منطف” إن القوة الاقتصادية لأهالي الجبل موجودة منذ أكثر من عشرين سنة، أعرف محلّات سورية موجودة قبل عام ٢٠٠٠، بالنسبة لي أتاجر بالأحذية هنا منذ ست عشر سنة.

أحد الأسواق في مخيم عين الحلوة
أحد الأسواق في مخيم عين الحلوة

كان أبو رافع يتهيّب العودة إلى سورية لقضاء بقية عمره بعد مسيرة من الجهد والتعب في تجارة الألبسة في مخيم عين الحلوة ، أراد المسن ابن بلدة معرزاف أن يقضي بقية عمره في بلدته لكن الأحداث الدامية حالت دون ذلك، بل دفعته إلى استقدام من تبقى من عائلته للعيش داخل المخيم، والطلب من أولاده مساعدته في تجارته بعد عودته للمحل من جديد.

” قضيت ثلث عمري في هذا المخيم، وفي هذا السوق، لن أخرج من هنا إلا إلى سورية أو إلى القبر” يقول.

لا يوجد في عين الحلوة مقابر تؤوي السوريين في حال موتهم، ويشير علي عبد القادر إلى أنّ ذلك لا يعود لاعتبارات عرقيّة أو طائفيّة، إنما يعاني المخيم مشكلة اجتماعية وإنسانية فيما يخص دفن موتاه، فقد امتلأت المقابر وما عادت تتسع، وينوّه عبد القادر إلى أن المخيّم يعاني من عدم إيجاد بقعة أرض جديدة  لتحويلها إلى مقبرة. علماً أن السوريين  هنا ومعهم فلسطينيين يسكنون خارج المخيم يدفنون موتاهم في مقبرة سيروب التي تبعد 3 كم عن مخيم عين الحلوة .

على صعيد التعليم والصحة يخبرنا علي عبد القادر أنه يحق للسوريين الانخراط في المدارس والروضات الفلسطينية التي لا تتبع للأونروا، إذ تمتنع مدارس الأخيرة عن استقبال أطفال سوريين في صفوفها كون خدماتها موجّهة فقط للفلسطينيين، ولنظرائهم المهجّرين من سورية. وهذا ما ينطبق أيضاً على العيادات والمستوصفات الخاصّة بالأونروا.

يقول أبو رفعت” طوال سنوات مكوثي وعملي في المخيم لم أكن أتخيل أن أجتمع بهذه الأعداد الكبيرة من أهالي جبل الزاوية، سواء كنا تجاراً أو لاجئين قديمين وجدد يجمعنا الغربة والترحال والوحدة، لا زلنا ضيوفاً مهما طالت المدة، وأهل هذا المخيم مضيفين لنا وضيوفاً لدى لبنان، يبقى وجودنا مؤقتاً وسنعود يوماً ما”.

 

 

 

 

النزوح وقلة المواد الأولية ينعكسان بشكل سلبي على دباغة الجلود في إدلب

حسن كنهر الحسين

اختار أحمد الشردوب مزرعة في ريف بلدة سلقين شمال إدلب، لينقل إليها أدواته الخاصة بـ دباغة الجلود والتي تمكن من إخراجها من مدينته معرة النعمان قبل أن يطالها القصف. المكان […]

اختار أحمد الشردوب مزرعة في ريف بلدة سلقين شمال إدلب، لينقل إليها أدواته الخاصة بـ دباغة الجلود والتي تمكن من إخراجها من مدينته معرة النعمان قبل أن يطالها القصف.

المكان المناسب بعيداً عن رفض الأهالي لوجود ورش لـ دباغة الجلود بالقرب من منازلهم بسبب الروائح الكريهة التي تصدرها، إضافة لنزوح أصحاب هذه الورش من مدن مثل معرة النعمان (مكاناً لعدد كبير من الورش التي اشتهرت في المدينة)، إضافة لقلة المواد الأولية وصعوبة تصريف المنتجات، كل ذلك تسبب بتراجع هذه المهنة خلال السنتين الأخيرتين.
يقول الشردوب: “إن نزوح المدينة انعكس بشكل سلبي على المهنة، إذ ضمت معرة النعمان عشرات الورش المختصة بـ دباغة الجلود وتصنيعها أو تصديرها”.
وتعود تلك الورش “لعوائل قديمة توارثت تلك المهنة وثابرت عليها منذ زمن بعيد، ومع سيطرة قوات الأسد على معرة النعمان ونزوح سكانها نحو مناطق الشمال وهجرة بعضهم إلى خارج البلاد، توقفت معظم تلك العائلات عن العمل في تلك المهنة”.
تناقصت أعداد الجلود التي تدخل ورشة الشردوب لدباغتها من أكثر من ألفي جلد يومياً إلى مئتي جلد، نتيجة ارتفاع سعر الأغنام وقلة الخراف المذبوحة والتي تعتبر المصدر الرئيس لهذه الصناعة، ناهيك عن صعوبة وصول الجلود من مناطق النظام نتيجة إغلاق المعابر التي كانت تزود المدابغ بمئات الجلود يومياً قادمة من محافظات حماة وحمص ومناطق الجزيرة، ومع توقف عملية الشحن توقفت غالبية المدابغ عن العمل نتيجة عدم توفر تلك الجلود، بحسب الشردوب.

ويضيف الشردوب “إن توقف حركة التصدير انعكس بشكل سلبي على المهنة حيث كانت الجلود المدبوغة تنقل إلى منطقة الراموسة في حلب تمهيداً لإعادة هيكلتها واستعمالها في المعاطف، وتصديرها لعدد من الدول في مقدمتها دول الخليج العربي وإيطاليا “.

تضاعف سعر الجلود لخمسة أضعاف نتيجة قلة العرض وارتفع سعره من ألف ليرة سورية للجلد الواحد لخمسة آلاف ليرة، فضلاً عن ارتفاع أسعار المواد المستخدمة في الدباغة وانقطاع غالبيتها من السوق المحلي نتيجة إدراجها ضمن المواد التي يمنع إدخالها إلى الشمال السوري، كونها مواد تدخل في صناعة الأسلحة ومعظمها مواد مستوردة من الصين وايطاليا ومسعرة بالدولار، مثل مادة “سلفيد الصوديوم” المعروف باسم الزرنيخ أو ما يسميه الدبّاغة بـ “الشبي”، وزيوت الدباغة وكروم الميتان والصباغ، ومع انقطاعها ارتفع سعرها لأكثر من عشرة أضعاف، حيث يساوي سعر كيس الشبي خمسين دولاراً وتعادل حسب سعر الصرف نحو مئة وخمسين ألف ليرة.

ارتفاع أسعار المنتجات الصوفية

أدى انخفاض عدد المدابغ وغلاء أسعار المواد لارتفاع أسعار منتجات الصوف الحالية كـ “بسط الصوف” و”العباءات” وغيرها من تلك المنتجات، حيث لجأ غالبية الأهالي لاقتناء المنتجات الصناعية بدلاً من منتجات الصوف غالية الثمن، لا سيما مع إقبال فصل الشتاء حيث يتزايد الإقبال على تلك المنتجات.

وبحسب عمار جميل أحد المختصين بتلك الصناعة وبيع منتجاتها “فإن سعر عباءة الصوف يتراوح بين مئة إلى ثلاثمئة دولار وذلك تبعاً لنوعية جلد الصوف المبطنة فيه، فبعض العباءات تحتاج لخمسة جلود وبعضها يحتاج لأكثر من عشرين جلداً من جلود الضأن حديثة الولادة حتى يتم إتمامها عن طريق توصيل تلك الجلود مع بعضها البعض بواسطة آليات خياطة خاصة بتلك الصناعة، ويعتبر ذلك النوع من أغلى الأنواع”.

يبلغ سعر جلد الصوف المدبوغ نحو خمسة عشر ألف ليرة سورية، أما العباءات الصناعية فيتراوح سعر الواحدة بين  الثلاثين والخمسين ألف، أما البسط الصناعية فيتراوح سعرها بين خمسة وعشرة آلاف ليرة وذلك تبعا لجودتها وحجمها، الأمر الذي دفع كثر للجوء للمنتجات الصناعية كبديل عن منتجات الصوف تفادياً لسعرها المرتفع.

تمر الجلود خلال دباغتها بعدة مراحل حيث يتم أولاً إزالة الزوائد اللحميّة الموجودة فيها ليسهل تنظيفها، ومن ثم يتم فرشه على الأرض وتمليح باطنه بالملح الصخري ولفه وإبقائه على تلك الحال لمدة ثلاثة أيام لمنع تلفه، وتكرر تلك العملية عدة مرات ليكتمل تخميره.

يتم بعدها غسل الجلد بالماء بشكلٍ جيّدٍ وينقع بمحلولٍ الماء والملح لمدة يومين على الأقل، ومن ثم يكشط وجه الجلد بآلة حادة تشبه السكين لتخليصه من الزوائد الحمية المتعلقة بشكل كامل ويتم إزالة الشعر أو الوبر الملتصق على الصوف عن طريق نفضه عدة مرات، وبعدها يترك الجلد تحت الشمس مع الانتباه إلى شدّ أطرافه من جميع الجهات وتكرر هذه العملية عدة مرات، ثم ينقع الجلد ضمن خليط من الملح والرماد المذاب بالماء لمدة يومين على الأقل ومن ثم يتم نشره مرة أخرى تحت أشعة الشمس مع مراعاة التقليب اليوميّ حتى يجفّ تماماً، ليتم ثنيه وتليينه إذ يمنحه النقع بالماء والملح قساوة غير مرغوبة، بعد تليينه بشكل جيد يتمّ عمل مخلوطِ شبيه بالعجينة مكون من القليل من الصودا والملح، ويضاف إليهما القليل من الطحين، ويدهن الجلد بهذه المادة، ثمّ يغطى الجلد بالورق لمدة شهر كامل وتكرّر هذه العمليّة على مراحل لثلاث مرّاتٍ، وبعدها يتمّ غسل الجلد وتنشيفه ليصبح صالحاً للاستعمال.

 

 

الأرشفة والتوثيق.. السردية السورية في مواجهة التلف والضياع

فريق التحرير

يرتبط مفهوما التوثيق والأرشفة ارتباطاً وثيقاً يقضي بلزوم وجود أحدهما مع الآخر دائماً في التعريفات كافة، ويعرف الأرشيف بأنه “كيان منظم من الوثائق”، والتوثيق عملية إدارية يقوم بها منتجو الوثائق […]

يرتبط مفهوما التوثيق والأرشفة ارتباطاً وثيقاً يقضي بلزوم وجود أحدهما مع الآخر دائماً في التعريفات كافة، ويعرف الأرشيف بأنه “كيان منظم من الوثائق”، والتوثيق عملية إدارية يقوم بها منتجو الوثائق ومستعملوها، وحدهم، أو من خلال مؤسسات تعنى بتنظيمها للاستفادة منها في صناعة ما يمكن أن يلخص مفهوم الأرشفة في خدمة التاريخ، إذ لا يمكن دون هذا الأرشيف أن نروي ما حدث، وبإهماله نكون قد حكمنا على الذاكرة بالدمار.

يذكر الأرشيف السوري، ويعرف عن نفسه بالمشروع المستقل تماماً، يهدف من خلال جمع الأدلة البصرية لانتهاكات حقوق الإنسان على الأرض السورية، تنظيمها وتحليلها إلى حفظ البيانات كذاكرة رقمية، وإنشاء قاعدة بيانات محقق منها لانتهاكات حقوق الإنسان، ويسعى من خلال ذلك ليكون أحد الأدوات التي تساهم في تطبيق العدالة وتعزيز المسائلة كمفهوم وكتطبيق في سوريا، يذكر الأرشيف أن مقاطع الفيديو التي توثق ما حدث في سوريا يفوق عدد ساعات النزاع نفسه، ويقول أن هذا المحتوى تحول “أرشيفاً بالصدفة” يتيح لأي شخص أن يكون شاهداً على النزاع وقت وقوعه، ربما للمرة الأولى في التاريخ.

منذ بداية العام ٢٠١١ ومع المظاهرات الأولى في سوريا تحولت وسائل التواصل الاجتماعي، مواقع الكترونية، ناشطون، مواطنون صحفيون، أشخاص عاديون، ودون خطة ممنهجة، وفي كثير من الأحيان مع جهل باستخدام الطرق الآمنة والصحيحة للتوثيق والأرشفة، تحولوا فطرياً إلى عملية التوثيق، من خلال هواتفهم النقالة، كاميرات بدائية، كتابات على الورق أو على الصفحات الشخصية، يدفعهم إلى ذلك نقل ما يحدث والتأكيد عليه، خاصة فيما يتعلق بنقاط التظاهر والانتهاكات التي رافقت ذلك، قبل أن تتحول هذه العملية، يمكن من خلال تحليل بياناتها وجمعها وترتيبها الزمني والمكاني، إلى أدوات تقدم فهماً عاماً لما يحدث، وتوثق الانتهاكات، وتشكل الأدلة اللازمة للمحاسبة وتوجيه المسؤولية.

عدم الاختصاص وغياب المؤسسات الداعمة لمشاريع تدريبية، سياسات وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات في حذف المحتوى، قتل وتهجير الكثير ممن كانوا يعملون على هذه التوثيقات، استهداف المكاتب الإعلامية والمؤسسات التي تورشف ما حدث، اعتقال أعداد كبيرة من الناشطين، تلف الأجهزة المحمولة والهاردات الخارجية، غياب الدعم عن تقديم الطرق والمبالغ اللازمة لإنشاء سحابات آمنة تحفظ محتوى الأرشفة، الخوف، اليأس خلال السنوات الطويلة للثورة السورية الذي طال أعداداً من الناشطين، حذف الصفحات الشخصية، عدم الثقة بالتخزين الالكتروني للأرشيف، حملات التبليغ الممنهجة لمحو أدلة ارتبطت بانتهاكات وجرائم لحقوق الإنسان في سوريا، كل ذلك أدى إلى ضياع جزء هام من الأرشيف السوري، لا يمكن تعويضه، خاصة فيما يتعلق بحوادث معينة، وما يزال جزء من هذا الأرشيف يضيع في كل يوم، ما يضع الجميع أمام مسؤولياتهم في اتجاهين، الالتزام الأخلاقي والالتزام القانوني لمحاولة إنقاذ الأدلة من جهة، وتوثيق الرواية والسردية التاريخية السورية بالوثائق اللازمة لذلك.

يوضح هذا التحقيق الذي مرّ بمراحل من التحليل، المقابلات مع إعلاميين وناشطين، البحث في المصادر المفتوحة، ومحاولة البحث عن إجابات وخلق تساؤلات حول ضياع جزء غير قليل من الأرشيف السوري، وأثر هذا الضياع على نقل الصورة وبناء الأدلة القانونية والإنسانية في آن معاً.

حلب.. يوم فقدنا أرشيفنا

صدرت حلب وعلى مدار نحو خمس سنوات مئات الآلاف من التوثيقات (صور -فيديوهات)، رفعها منتجوها على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أو في المؤسسات والمكاتب الإعلامية التي يرتبطون بها، قسم كبير من هذه المواد بقيت حبيسة الهاردات ولم تظهر إلى العلن، قسم آخر فقد خلال القصف أو التهجير، بعضها أزيل بعد إغلاق الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب، كذلك في المؤسسات التي تعرضت للإغلاق لأسباب كثيرة أهمها توقف الدعم أو مقتل المسؤولين عنها.

إن العدد الهائل في حجم البيانات والمعلومات حدّ من القدرة على التحكم بها بشكل فعال، وهو مع عوامل أخرى ما حال دون وجود جهة واحدة تأخذ على عاتقها أرشفة جميع هذا المحتوى في مكان آمن، إضافة لارتفاع تكاليف التخزين والمحافظة عليها.

لا يمكن تحديد عدد المواد المحذوفة، يقول من تحدثنا معهم من صحفيين ومواطنين صحفيين وناشطين، وكذلك لا يمكن تقدير قيمتها في رواية ما حدث، إلا أن ما بقي، على حد قولهم، أقل بكثير مما جرى حذفه أو تعرض للضياع والسرقة والتلف، ما يوضح حجم هذا الضياع هو وجود ملايين الفيديوهات، فيما يخص القضية السورية، المتاحة اليوم، ما يعني أن حجم الفقدان أكبر بكثير مما هو متاح.

خلال بحثنا عبر المصادر المفتوحة عن حوادث عشوائية بتواريخ محددة في المدينة، نجد أن آليات البحث قاصرة عبر هذه المصادر، ما يجعل جمعها أمراً بالغ الصعوبة، واصطدمنا ضمن ذلك بعشرات الصفحات التي لم تعد متاحة على الفيس بوك، أو الفيديوهات المحذوفة على اليوتيوب، ربما كانت ستضيف فهماً آخر لمحور البحث عن انتهاك بحد ذاته أو استهداف معين. يزيد ذلك في كل يوم.

وضمن البحث العشوائي حاولنا أن نبحث عن عشر حوادث في أعوام وأشهر متفرقة، ووجدنا أن نحو ٤٠٪ من نتائج البحث كانت تحيلنا إلى روابط في صفحات مغلقة، ٢٣٪ من الفيديوهات في اليوتيوب محذوفة، معظم هذه الفيديوهات يغيب عنها طرق الأرشفة الصحيحة في تحديد المكان وكتابة المحتوى ما يجعل التوثق منها، لغير أبناء المدينة، أمراً بالغ الصعوبة، ويحتاج لجهد بشري مضاعف من التواصل مع الأشخاص الذين قاموا برفع الفيديوهات أو تصويرها، أو لأبناء هذه المنطقة ما يزيد من صعوبة التوثيق.

يقول كريس وودز مدير شركة إيروارز، فيما نقله موقع عكس السير نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز، إن “ما يختفي أمام أعيننا اليوم هو تاريخ هذه الحرب الرهيبة”، مؤكداً أن السوريين “اتخذوا من اليوتيوب وسيلة لنشر أخبار النزاع مع انهيار وسائل الإعلام المستقلة عند بداية الصراع”.

كنا نوثق كل شيء

“وثقت كل حجرة في حي الصاخور” يقول الناشط الإعلامي أسامة الملاح من مدينة حلب (بدأ العمل في هذا المجال في عام 2012 من خلال التصوير، حيث عمل مع مركز حلب الإعلامي ومع المكتب الإعلامي في حي الصاخور الحلبي، ومن ثمّ تنقّل في عمله بين عدة مؤسساتٍ يزوّدها بمواد صحفية مختلفة بمبدأ «الفريلانس»، مثل وكالة الفرات وبي بي سي وتلفزيون أورينت، فضلاً عن عمله لدى منظمة الأطباء المستقلين).

يقول الملاح إنه كان «يوثّق كل شيءٍ يراه أمامه»، وخصوصاً في حي الصاخور الذي ولد فيه، حيث كان «يوثّق كل حجرةٍ في الحي»، ولكنه وثّق أيضاً في حي الشعار حيث كان مقر منظمة الأطباء المستقلين التي كان يعمل معها، مركزاً على «أوضاع الناس في الحي والأحوال الإنسانية وعمليات القصف وتصوير الأسواق ومعاناة الأطفال، لا سيما حين تعرّض مشفى دار الشفاء للقصف»، بحسب قوله. إضافةً إلى ذلك، كان الملاح مهتماً بتوثيق «السهرات والأفراح والتجمعات والأحزان والأعياد».

ويقول محمد شعبان ناشطٌ إعلامي، عمل بدايةً على توثيق المظاهرات السلمية وطرق قمعها، ولكنه مع دخول الجيش الحر إلى حلب انتقلَ للعمل مع وكالاتٍ إخبارية محلية، مثل شهبا برس وشبكة الثورة السورية. يقول شعبان عن دوافعه للقيام بعملية التوثيق: «الجميع يعلم أن روسيا والنظام السوري عملوا على قصف حلب بكل الأسلحة المتاحة، وهذا ما زاد من إصراري على التوثيق، فقمت بتوثيق الدمار والخراب والمجازر وويلات النساء والأطفال والتهجير وفقدان الأحبّة من جراء القصف».

«مع بداية الثورة السورية، وفي ظلّ غيابٍ تام للإعلام المستقل واستخدام النظام مختلف الحيل لتقديم المظاهرات المناوئة له على أنها مسيراتٌ مؤيدة، قمتُ مع بعض الشباب الآخرين بنشر المظاهرات على مواقع التواصل الإعلامي، فكانت بداية عملي تصبّ في خانة التوثيق منذ اللحظة الأولى، ولعلها المهنة الأخطر حينها». بهذه الكلمات يصف الناشط الإعلامي من مدينة حلب، ميلاد شهابي، بداية جهوده في أرشفة وتوثيق الأحداث التي عايشها.

يوضح حديث الناشطين الثلاثة أن مسألة التوثيق كانت حاضرة عند أبناء حلب منذ اللحظة الأولى، وإنهم في سبيل ذلك، عملوا مع غيرهم من الناشطين الذين تزيد أعدادهم عن المئات، على بناء صورة كاملة للمشهد العام في المدينة، وليس الانتهاكات والضربات الجوية فقط، بل حياة السكان، معاناتهم، أفراحهم، مظاهراتهم، كذلك موتهم.

أرشفة بدائية

لم تكن فكرة الأرشفة موجودة منذ البداية عند أغلب الناشطين، يقول من تحدثنا معهم وهم ثمانية إعلاميين من مناطق مختلفة في حلب وريفها، سنورد شهاداتهم خلال مسار التحقيق والطرق التي استخدموها للأرشفة وكف تطورت مهاراتهم.

يقول الملاح «بدايةً احتفظت بالصور على جهاز الكمبيوتر، وذلك بين عامي 2012-2013، وبعدها تحسنت الإمكانيات فبدأت بالأرشفة على هاردات خارجية، ولكن الكمبيوتر والهاردات لم تكن تحتوي على كل ما قمت بتصويره، إذ أضعت كثيراً من التوثيقات كوني كنت أقوم بحذف ما صورته بعد إرساله إلى الجهة الداعمة، لكون فكرة الأرشفة لم تكن موجودةً عند أغلب الناشطين الذين باشروا عملهم دون خبراتٍ سابقة أو دوراتٍ توجيهية».

ازاد اهتمام أسامة الملاح بالأرشفة وحفظ مواده بعد أن «حضر دوراتٍ تعليمية وتعلّمَ من زملائه»، فقام «بأرشفة جميع التوثيقات الموجودة لديه بتصنيفها في مجلداتٍ سنوية، يحتوي كل مجلدٍ منها مجلداتٍ شهرية تحتوي بدورها على مجلداتٍ يومية، يوجد فيها كل ما وثقه من قصفٍ ودمار وأفراح وسهرات ثورية وأوضاع إنسانية، مشيراً أثناء تخزينها إلى مكان التصوير». ويضيف الملاح: «كنت أفعل الأمر ذاته مع توثيقاتي لمشفى الأطفال، والتي ركزت فيها على إظهار حالات سوء التغذية والحالات الإنسانية التي تضررت خلال الثورة وأثناء فترة الحصار».

ويروي محمد شعبان الذي عمل مع وكالة الاناضول وشبكة الجزيرة وتلفزيون الآن. أنه «صوّر كلّ شيءٍ في حلب وأرسله إلى هذه الجهات خلال فترة عمله معها، كما دأب على أرشفة جميع المقاطع التي صورها بغية عرضها أمام كل مَنْ يسأل عن الأطراف التي حرقت حلب».

اعتقال الشهابي ومصادرة أرشيفه من قبل “داعش” لفت انتباهه إلى أهمية وجود نسخٍ احتياطية من أرشيفه لحفظه من الضياع. يقول شهابي: «تابعت عملي في مدينة حلب كمصور، ورحت أصوّر مختلف أشكال انتهاكات النظام بحقّ الأحياء الشرقية من المدينة، وكنت حينها قد التحقتُ بدورةٍ أشرف عليها الصحفي ناجي جرف في كيفية الحفاظ على المواد وكيفية الأرشفة وإجراء النُسخ الاحتياطية. منذ ذلك الوقت أنا أحتفظ بكل المواد التي صورتها خلال عملي من خلال نسخةٍ احتياطية موجودة خارج مدينة حلب».

أيهم هلال هو ناشطٌ إعلامي ومصمّم غرافيك من بلدة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، بدأ العمل الإعلامي في العام ٢٠١٢ قال إن عملية الأرشفة في عموم ريف حلب ضعيفة، فلا يعتقد هلال بوجود «الكثير من الصفحات التوثيقية التي عملت على أرشفة أحداث الثورة السورية في المنطقة، فالأمر كان عشوائياً، فضلاً عن عدم وجود تبنّي لمسألة الأرشيف من قبل المؤسسات، وهو ما تركها لتكون، في الغالب، بمبادراتٍ فردية ومحدودة، كما هو الحال بالنسبة للناشط تامر تركماني».

وعند سؤاله عن آليات الأرشفة التي كانت متبعةً، يجيب هلال: «إن الأرشفة في بداية الثورة السورية كانت تعتمد على ‘الهارد-وير’ ضمن مساحات تخزينٍ داخل الأجهزة الحاسوبية (ديسك توب، لابتوب)، وقطع التخزين الخارجية كـالهاردات والفلاشات وكروت الذاكرة، ولذلك تسبّب هذا الأمر بفقدان العديد من التوثيقات والملفات المؤرشفة، إما نتيجة تعرّض تلك الأجهزة للقصف أو السرقة أو الأعطال، أو نتيجة عدم التمكّن مِن إخراجها في ظل المعارك المباغتة التي كانت تندلع مع النظام وتنظيم داعش في مناطق ريف حلب». ويضيف الناشط الإعلامي: «الآن تطّور الأمر كثيراً، وانتقل الناشطون لأرشفة عملهم عبر ‘السوفت-وير’ في غوغل درايف ودروبوكس وون درايف».

بدر طالب هو إعلاميٌّ من مدينة الباب بريف حلب الشرقي، وقد بدأ العمل الإعلامي منذ العام 2012 مع «حلب نيوز»، كما عمِل مصوراً حربياً مع عددٍ من الفصائل، وهو يعمل حالياً مع شركة «أندلس ميديا» لتصوير الأفلام الوثائقية. يقول طالب إنّ لديه «أرشيفاً قديماً جدّاً، يعود إلى بدايات المظاهرات في مدينة الباب مُصوّراً بكاميرا الموبايل، ولكنه لم ينشر من هذا الأرشيف سوى بعض المقاطع الاحترافية

بهاء الحلبي هو إعلاميٌّ ومراسلٌ عمِل على تصوير وتوثيق أحداث الثورة السورية منذ العام 2012، حيث شارك في تصوير معظم معارك الفصائل المُعارضة في مدينة حلب وريفها والساحل السوري، فضلاً عن عمله كمراسلٍ مع العديد من القنوات التلفزيونية. ويعبر الحلبي «صفحتي العامة من الصفحات التوثيقية في حلب وريفها، وقد وثّق فيها العديد من الأحداث المتصلة بالثورة، وكانت في معظم الأحيان مصدراً للأخبار، غير أنها مغلقةٌ حالياً، رغم أنه حاول استعادتها مرِاراً دون جدوى، وما زال طلب الاستعادة معلّقاً منذ أكثر من 4 أشهر». ويشير الحلبي إلى أنه كان يملك أيضاً صفحةً عامة أخرى كان فيها أكثر من 60 ألف متابع، ولكنّ إدارة فيسبوك أغلقتها تحت بند انتهاك المعايير، رغم أنه توقّف عن النشر فيها قبل إغلاقها بفترةٍ زمنية».

عبد الله الموسى، المعروف باسم أبو عروة الطيباني، يعمل إعلامياً منذ بداية شهر شباط (فبراير) من العام 2011، قال: «كان معظم ما صورته يتم رفعه على قناة جامعة الثورة، وبعد دخول الجيش الحر كان يتم رفع مقاطعي على قناة شبكة ‘حلب نيوز’، وذلك بعد أصبحتُ عضواً في الشبكة لمدة أقل من عامٍ واحد. ويشير الطيباني إلى أنه ترك العمل الإعلامي في مطلع العام 2013، وأنّ «كل ما صوّره في ريف حماة وريف حلب الشمالي، في معارك تحرير إعزاز تحديداً، ومن ثم دخول الجيش الحر إلى حلب في تموز (يونيو) ٢٠١٢، وصولاً إلى العام ٢٠١٣، كان يحتفظُ به في هاردات خارجية، فضلاً عن كمبيوتره المحمول.، لكنّ هذا الكمبيوتر تحطّم بالكامل خلال قصفٍ على حلب».

ويضيف أبو عروة: «لدي هارد لم يعد يعمل أبداً بسبب عطلٍ داخلي، وقد حدث ذلك بشكلٍ مفاجئ. للأسف، بعد تحطّم اللابتوب وعطل الهارد فقدت أكثر من ألف مقطع فيديو، تشمل أرشيف المظاهرات في طيبة الإمام بريف حماة ومظاهرات مدينة حلب والعديد من معارك المدينة وريفها. لدي الآن ثلاثة هاردات أحتفظ بها، ورغم خسارتي لأهم هارد كان بحوزتي، إلّا أنني أحتفظ بنسخة احتياطية لبعض محتويات الهاردين المتبقيين في غوغل درايف، ولكنّي أفكّر بحجز مساحةٍ سحابية قريباً للاحتفاظ بنسخةٍ كاملة».

ويختم الطيباني حديثه بالقول إنّ «نشاطي الإعلامي، الذي استمرّ مدة عامين في مركز حلب الإعلامي وشبكة حلب نيوز، اللتين أعتبرهما الأكثر نشاطاً في حينها، يتيح لي القول إنهما تمتلكان أرشيفاً هائلاً من مقاطع الفيديو والصور، ولكن لا علم لدي فيما إذا كانتا قد تعرّضتا أيضاً إلى فقدان بعضٍ من هذا الأرشيف».

تلف. سرقة. حذف. مصادرة

تختلف طرق فقدان الأرشيف في حلب بين شخص وآخر، لكنها جميعها تشترك في عدم إمكانية العودة، وبالتالي فقدانها إلى الأبد.

يقول الملاح إن التوثيقات التي عمل عليها لمدة سنوات ليست بحوزته الآن «ففي الشهر السادس من عام 2016، تعرضتُ لإصابةٍ عندما جرى قصف مكتب قناة الجسر في حي الشعار، حيث كنت أعمل حينها. شعرت بدايةً بأني قد فقدتُ أرشيفي ومعداتي بسبب القصف، ولكن بعد يومين وجد زملائي الهاردات، وبعد ذلك بوقتٍ قصير سقطت الاحياء المتبقية تحت سيطرة المعارضة في حلب، فأخذتُ معداتي وارشيفي معي في رحلة النزوح الداخلي من حي الشعار إلى أحياء بستان القصر ثم السكري والمشهد، وبعد الاتفاق الدولي لتهجير سكان حلب كنت من ضمن القافلة التي احتجزها الإيرانيون، فقاموا بأخذ كل ما نملك في القافلة، رغم أنها كانت قافلةً مدنية، وبهذا تم احتجاز معداتي وهاردين بسعة تخزين 4 تيرا، كانت مليئة بذكريات حلب، كما جرى احتجاز هاتفي الجوال الذي يحتوي على صوري الشخصية.»

بعد عملية التهجير الجماعي، انتقل أسامة، الذي كان مصاباً حينها إلى إدلب، ومنها إلى ريف حلب الشمالي، وبعد تعافيه من الإصابة تابع توثيق الأحداث التي تشهدها منطقة سكنه الجديد. وعن سعيه لاسترجاع أجزاء من أرشيفه الشخصي يذكر الملاح أنه «تمكّن من استرجاع بعض المواد بواسطة رفاقه؛ لوجود بعض المواد المشتركة معهم، لكن حجم المواد المسترجعة لا يتجاوز 1 بالألف مما كان يحتويه أرشيفي الأصلي»، بحسب تعبيره.

يشارك محمد شعبان الملاح في قصته لكنه ما زال محتفظاً بأرشيفه ، يقول “في العام 2016 جاء الاتفاق على إفراغ حلب من أهلها بعد العمليات العسكرية التي شنتها قوات النظام وروسيا وإيران، وهنا كانت أمام شعبان مهمة الحفاظ على أرشيفه وإخراجه من أحياء حلب الشرقية التي ستفرغ من أهلها، يقول شعبان: «كنتُ قد وثّقت الحصار والتهجير، وأخذتُ جميع التدابير اللازمة لحماية الملفات التي أرشفتها، ومن ثمّ وضعتها في الطبقة السفلية من الحقيبة التي سأحملها معي من حلب، وبعد صعودنا إلى بالباصات الكفيلة بنقلنا، وضعت حقيبتي في آخر الباص تحت الحقائب الأخرى. في منتصف الطريق صعد إلى الباص ضابطٌ روسي، وفتّش بعض الحقائب لأن الكاميرات والهاردات كانت ممنوعة من الخروج، ولكنه لم يكتشف ما بداخل حقيبتي، فلو اكتشف ذلك لَصُودِرت الحقيبة وما بداخلها، وربما كان سيُصار إلى اعتقالي”.

يتابع شعبان: «بعد خروجي من مدينة حلب، ذهبت إلى إدلب التي لم تسلم هي الأخرى من إجرام النظام، وتفطّنت إلى أنّ الأرشيف قد يكون في أي لحظةٍ قابلاً للتلف أو المصادرة أو الضياع، فأرسلته مع صديقٍ لي إلى تركيا، حيث ما يزال موجوداً إلى الآن. أتمنى أن تصل هذه التوثيقات إلى العالم أجمع».

وتكفل تنظيم داعش بمصادرة أرشيف ميلاد الشهابي، يقول: «حملنا كاميراتٍ وبدأنا بالتوثيق بعد دخول الجيش الحر إلى حلب، وكذلك في المراحل التي ظهرت فيها التنظيمات الجهادية كجبهة النصرة وداعش. واتسمت هذه المرحلة بأنها قد شهدت مختلف أشكال الانتهاكات التي لا تقل أثراً عن انتهاكات النظام، وهو ما عرضني للاعتقال من جانب تنظيم داعش، حيث سُلبتُ كافة الأشياء الموجودة في المكتب الذي كنت أعمل منه، بما في ذلك الكاميرات والمعدات والهاردات التي كانت بحوزتي». كان من حصيلة هذا الاعتقال فقدانُ ميلاد شهابي بعد خروجه من سجن تنظيم داعش كامل أرشيفه الذي يحتوي ما يقول إنه «أهمّ المواد التي صورها، خصوصا أيام المظاهرات والمرحلة السلمية من الثورة». ولم تُسفر بعدها محاولاته في التفتيش عن الأرشيف عن أي نتائج.

من بين المشاهد التي صورها أسامة الملاح، مقطعٌ يقول إنه أكثر ما حزن عليه، ويوثّق فيه «لحظة الخروج من حيه وتفاصيل رحلة التهجير، بدءاً من لحظة خروجه من منزله حتى لحظة صعوده في الباص، ولكن هذه الصورة ذهبت مع باقي الأرشيف، الذي يتضمن أيضاً صور رفاقه الشهداء الذين كان يقضي معهم وقتاً أطول من ذاك الذي يقضيه مع أهله».

رغم جميع الاحتياطات التي أخذها عبيدة بعاج، مراسل قناة حلب اليوم، للحفاظ على أرشيف، إلا أنه واجه الضياع. يقول بعاج واصفاً الطريقة التي ضاع فيها أرشيفه: «بعد الاتفاق على إخراجنا من حلب في إطار التهجير القسري، أرشفتُ كل عملي على هاردات خارجية خاصة، ولكن أثناء انتظارنا للباصات التي ستُقلّنا كان هناك هجوم من المليشيات التابعة للنظام على الناس المتجمعين في موقع الباصات، ومع تدافع الناس للهروب كانت الهاردات قد وقعت مني وتحطمت».

بذلك يكون عبيدة بعاج قد فقد الجزء الأكبر من أرشيفه، لكنه «يتحسّر كثيراً على المقاطع التي وثّق من خلالها استهداف مشفى القدس بحلب». يختم عبيدة كلامه: «لم أستطع استعادة أي شيء، وذلك مع أني اتّخذت كافة احتياطاتي، وقمت بترتيب المواد وحفظها في هاردات خارجية».

ويقول أيهم هلال إنه «فقد بالكامل أرشيفاً عمل عليه لأكثر من خمس سنوات، وذلك عندما هُجّر من بلدة تل رفعت على يد قوات سوريا الديمقراطية نهاية العام 2016، حيث كان أرشيفه مخزناً على أجهزة كمبيوتر وهاردات خارجية».

وعن محتويات هذا الأرشيف يضيف هلال: «هو مرتبطٌ بتوثيق المظاهرات في البلدة وعموم منطقة إعزاز شمالي حلب، إضافةً للمعارك التي جرت ضد قوات النظام السوري، ولاحقاً ضد قوات سوريا الديمقراطية التي سيطرت على تل رفعت، ولم أتمكّن من إخراج الأرشيف حينها، ولم يكن لدي أي تخزين سحابي أو نسخة احتياطية عنه»، مضيفاً أن «عمليات الأرشفة والتوثيق التي قام بها لم تقتصر على المعارك والانتهاكات، إنما شمِلت أيضاً العديد من الإنجازات في المناطق المحررة والفعاليات والمبادرات والنشاطات والخدمات وغير ذلك».

ويخبرنا بدر طالب: إنه كان يحتفظ بالمقاطع المصورة على هارد خارجي بمخرجين؛ داتا وكهرباء، بمساحة تخزينية مقدارها 2 تيرا، إلّا أن الهارد تعرّض للعطب كليّاً بعد احتراق شاحنه بسبب كهرباء المولدة، وإنه أرسلت الهارد إلى أصدقاءٍ من أجل إصلاحه، إلا أنّ أحدهم سرقه ليفقده تماماً.

ويضيف طالب «إنه اشترى هارداً جديداً (USB)، وبدأتُ الأرشفةَ عليه، غير أنه تعّرض للسرقة من مكتب حلب نيوز مع مجموعة هاردات أخرى. وقد كانت بداية المعارك التي خاضتها فصائل المعارضة مع تنظيم داعش في ريف حلب مؤرشفةً على هذا الهارد، بالإضافة إلى معلوماتٍ مهمة عن بعض عناصر داعش، وصورٍ لبعض جوازات السفر التي كانت بحوزتهم، ومنها جوازات سفر وهويات إيرانية» على حد قوله. مشيراً إلى أنه «من ضمن الأرشيف توثيقاتٌ لقتلى من كتيبةٍ تتبع لتنظيم الدولة، كانت تٌعرف بالكتيبة الخضراء في ريف حلب الغربي، وقتل منهم حينها أكثر من 100 مقاتل، إضافةً إلى قتلي داعش في الفوج 46 وأورم الكبرى».

ليس هذا كل ما فقده بدر من أرشيفه، بل إنه «تعرّض إلى سرقة هارد آخر كان يحوي جميع ما وثّقه هو وزملاؤه في بداية حملة البراميل المتفجرة على مدينة حلب في العام 2014، المتزامنة مع معارك داعش في حلب وريفها»، لافتاً إلى أنه «كان يسقط على حلب حينها نحو 70 برميلاً يومياً، معظمها موثّق من بداية إلقائها من طائرة النظام إلى حين سقوطها ومكان السقوط وما يخلّفه ذلك من ضحايا، فضلاً عن توثيق عملية انتشال هؤلاء الضحايا».

كما يشير طالب إلى أنّ «أبرز الصفحات التوثيقية في ريف حلب، والتي تحوي أرشيفاً كبيراً لمراحل الثورة السورية في هذه المنطقة هي صفحة ‘تنسيقة مدينة الباب وضواحيها’، والتي تعرَضت للإغلاق أوائل العام 2015، فقام فريقها بإنشاء صفحةٍ بديلةٍ ما تزال تعمل حتى الآن، أما الصفحة المُغلقة فليس هناك احتفاظٌ كاملٌ بأرشيفها، ولكن في الغالب هناك أرشيف لجميع محتواها موزّعٌ بين أعضاء فريقها». ويذكر بدر طالب أنّ «هناك صفحة كانت تحمل ‘اسم أحرار مدينة الباب وضواحيها’، وقد كانت بارزةً ولديها أرشيفٌ مهم، غير أنها مغلقةٌ الآن، ولا يدري إنْ كان فريقُها قد أرشف محتواها».

وتسببت الأعطال الفنية وعدم وجود تقنيين في الداخل السوري لإصلاحها تسبب في ضياع قسم كبير من الأرشيف المخزن على هاردات خارجية، يقول الحلبي: «فقدتُ أكثر من هارد يحتوي على الأحداث التي وثّقتها بالفيديو والصور في حلب وريفها، ومنها أرشفة حساباتي العامة عليها، تنوّعت أسباب الفقدان بين أعطال فنية في بعض الهاردات وضياع بعضها الآخر في ظل عمليات التهجير من حلب. لدي أيضاً هارد بسعة واحد تيرا، يحتوي معظم الأحداث التي وثقّتها في ريف حلب، ولكنه تعرّض للعطب بشكلٍ مفاجئ، وقد حاولت إصلاحه مِراراً، ولكن لم يتمكّن أحدٌ من إصلاحه، وما زلت أحتفظ به لعلّي أجد مَن يستطيع إصلاحه يوماً ما. للأسف، لا يوجد جهةٌ رسمية تعمل على أرشفة أحداث الثورة السورية في حلب وريفها، ومعظم الأرشفة يقوم بها، بشكلٍ فردي، الإعلاميون، فمنهم مَن يستطيع حفظها ومنهم مَن يفقدها لأسباب عديدة».

ويقول الطيباني: «كان معظم ما صورته يتم رفعه على قناة جامعة الثورة، وبعد دخول الجيش الحر كان يتم رفع مقاطعي على قناة شبكة ‘حلب نيوز’، وذلك بعد أصبحتُ عضواً في الشبكة لمدة أقل من عامٍ واحد. ويشير الطيباني إلى أنه ترك العمل الإعلامي في مطلع العام 2013، وأنّ «كل ما صوّره في ريف حماة وريف حلب الشمالي، في معارك تحرير إعزاز تحديداً، ومن ثم دخول الجيش الحر إلى حلب في تموز (يونيو) ٢٠١٢، وصولاً إلى العام ٢٠١٣، كان يحتفظُ به في هاردات خارجية، فضلاً عن كمبيوتره المحمول.، لكنّ هذا الكمبيوتر تحطّم بالكامل خلال قصفٍ على حلب».

يغيب عمن تحدثنا معهم، مفهوم الأرشفة الالكترونية الحديثة وفق الطرق الصحيحة في بداية عملهم، ويظهر ضعف المؤسسات في تدريب الإعلاميين على ذلك، كذلك القيام بعملية توثيق هذا المحتوى وفهرسته، سواء من خلال المكان أو التاريخ أو المحتوى، ناهيك عن فقدانه، وغياب القدرة على الوصول إليه، في حالو جد، نظراً لعدم التنظيم. كذلك لم يذكر سوى واحد منهم مفهوم السحابة الالكترونية، ما يعني عدم شيوع هذه الطريقة المعتمدة عالمياً والتي تعتبر الأكثر قدرة في الحفاظ على الأرشيف اليوم بين الناشطين السوريين في حلب.

وتمثل تقنية “الحوسبة السحابية” حلاً لمعظم المشكلات التي تم الحديث عنها، إذ يستطيع الشخص الوصول إليها في كل زمان ومكان، والحوسبة السحابية “تكنولوجيا متطورة تعتمد على نقل المعالجة ومساحة التخزين الخاصة بالحاسوب إلى ما يسمى “السحابي”، وهي جهاز خادم يتم الوصول إليه عبر الانترنيت.

وإن كانت إمكانية حفظ وتخزين معلومات دائمة في حاسبات خادمة متصلة بالانترنيت أهم ميزات الحوسبة السحابية إلا أن عدم التمرس على استخدامها وغياب الإجابات حول ماذا يحدث في حال ضياع هذه الملفات، بسبب عطل على سبيل المثال، وهل يمكن استعادتها سليمة من جديد، وحماية الملكية وعدم انتهاك الخصوصية وإطلاع أشخاص آخرين على محتواها وتخوفهم من ذلك مع غياب الضمانات، كان أهم ما يشغل بال من تحدثنا معهم، ناهيك عن التكاليف المرتفعة والتي يصعب تأمينها لحجز هذه السحابات والتي تمثل تحد آخر يحول دون استخدامها

يقول هلال إن هناك “تخوف من مسألة التخزين السحابي المجاني، وذلك نتيجة إغلاق الحسابات بشكلٍ مفاجئ، وبالتالي فقدان الأرشيف الذي جرى تخزينه، أو لعدم كفاية المساحة بما أن أغلب المواقع تتيح مساحةً مجانية محدودة للتخزين، بينما يمكن التحكّم بالمساحة في التخزين السحابي المأجور الذي يتيح أماناً وامتيازاتٍ عديدة، غير أنه يتطلب المال الذي لا يتوافر لدى الكثير من الناشطين».

بينما اعتمد بدر طالب وبعد حوادث فقدان وسرقة الهاردات، على موقع التخزين السحابي دروبوكس في أرشفة مواده، ويقول إنه «يجدّد اشتراكه باستمرار، وعلى هذا الموقع كامل أرشيفه وتوثيقاته التي ما زالت موجودة”.

يستعيد أسامة لحظة مصادرة أرشيفه خلال التهجير القسري لأبناء المدينة، يقول: «حينها اعتبرت نفسي قد تدمرتْ، لأن عمل خمس سنوات ذهب بثوانٍ. لقد سرقوا منا كل شيء: المال واللباس وأي شيءٍ كان معنا، ولكن هذه الأمور قابلة للتعويض، أما الخسارة الأكبر فقد كانت أرشيفي الذي لن أستطيع تعويضه».

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF