فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

قلة المحروقات تؤثر على الزراعات الموسمية في مناطق النظام

منصور حسين

يزداد الطلب على المحروقات وترتفع أسعارها مع دخول فصل الشتاء وبدء الزراعة الموسمية، ما يؤدي لنشاط السوق السوداء في مناطق النظام بشكل أكبر لا سيما بعد فشل حكومة النظام في […]

يزداد الطلب على المحروقات وترتفع أسعارها مع دخول فصل الشتاء وبدء الزراعة الموسمية، ما يؤدي لنشاط السوق السوداء في مناطق النظام بشكل أكبر

لا سيما بعد فشل حكومة النظام في تأمين المادة أو حتى الوفاء بوعودها بتوفير الوقود اللازم لدعم المشاريع الزراعية وقطاع المواصلات.

يتزاحم المدنيون بالمئات مشكلين طوابير بشرية وأخرى من السيارات والآليات الزراعية أمام محطات التعبئة التي لطالما توقفت خدماتها بذريعة نفاد المخزون، بينما تتوفر المحروقات في السوق السوداء وبأسعار مرتفعة، ما تسبب بمشاكل في الإنتاج الصناعي والزراعي، إضافة لدفع المدنيين مبالغ أكبر للحصول على وقود التدفئة.

ونشرت وزارة النفط بياناً في العاشر من كانون الثاني في صفحتها على موقع “فيسبوك”، قالت فيه “إن نسبة تخفيض مادة المازوت لجميع المحافظات قد بلغت 24%، ولمادة البنزين 17%”، مرجعة القرار إلى تأخر وصول توريدات المشتقات النفطية المتعاقد عليها، “بسبب الحصار والعقوبات المفروضة على النظام”.

السوق السوداء هي الحل

أجبرت سياسة التقنين التي تتبعها حكومة النظام، وخفض حصص المحافظات من المحروقات، السكان على شراء الوقود من محطات التوزيع بأسعار مقاربة لسعر السوق السوداء، إذ بيع ليتر المازوت الواحد بألف ليرة سورية، بينما اضطر آخرون لدفع إتاوات للعاملين في المحطات الحكومية على أمل الحصول على دور متقدم لتعبئة المازوت.

يقول أبو ماجد، “مقيم في حي الميدان الدمشقي”، إن بسطات ومحال بيع المحروقات قد أصبحت المصدر الرئيسي للحصول على المحروقات بعد أن فقد الناس أملهم في الحصول على مخصصاتهم التي يمكنهم استلامها عبر البطاقة الزكية.
يدفع الأهالي ألف ومئتي ليرة سورية مقابل ليتر المازوت، لكنهم يوفرون بذلك عناء الانتظار لساعات طويلة أمام المحطات”.

يصطف الأهالي ممن لم يحصلوا على إشعار الحصول على مخصصاتهم عبر البطاقة الزكية في طابور جانبي على محطات الوقود، وتكون الأفضلية والدور الرئيسي لأصحاب الوساطات أو سائقي السرافيس الراغبين بدفع مبالغ إضافية مقابل عشرين ليتر من المازوت، حيث يباع ليتر المازوت في هذه الحالة بـ تسعمئة ليرة سورية على الأقل، بحسب أبو ماجد والذي أضاف “بعد هذه المعاناة والانتظار الطويل علينا استعطاف العامل أو صاحب المحطة لنحصل على عشرين ليتر من المازوت لا تكفي لمدة أسبوع واحد.

أما في ريف دمشق فقد كان وقع الأزمة أشد، حيث خلت معظم محطات الوقود البالغ عددها 250محطة من مادتي المازوت والبنزين خلال الأيام الماضية، واقتصر عملها على توزيع عشر طلبات يومياً في المراكز الخاصة، ما يعادل 225 ألف ليتر، وهي عملية الاقتطاع الثالثة في أقل من شهرين بالنسبة لمخصصات المحافظة من مادة المازوت، والبالغة 770 ألف ليتر يومياً، الأمر الذي ساهم بزيادة الطوابير أمام المحطات في العاصمة، وعودة بسطات ومحال بيع المازوت والبنزين إلى شوارع المدينة من جديد.

تعالت الأصوات المطالبة بمراقبة عمل محطات والمؤسسات الحكومية في المحافظة، وطالب مواطنون بإرسال مفتشين لمتابعة آلية التوزيع، خاصة وأن المخصصات التي يفترض أن تذهب للمدنيين كوقود تدفئة، وتشغيل الآليات الزراعية، تباع بسعر السوق السوداء، ووصل سعر ليتر المازوت منها إلى 1500 وليتر البنزين إلى 750 في حين يفترض أن يباع بسعر 400 ليرة، ما يعني زيادة تصل إلى سبعة آلاف ليرة عن كل عشرين ليتر.

الخطة الزراعية في مهب الريح

يضطر المزارعون وأصحاب الأليات الزراعية للاعتماد على السوق السوداء في تأمين المازوت ما يكلفهم مبالغ تتراوح بين 1000_1500 ليرة عن كل ليتر، نتيجة عدم حصولهم على مخصصاتهم التي وعدت بها وزارة الزراعة.

ويعتبر أبو محمد “صاحب جرار زراعي من ريف حلب الجنوبي”، أن ارتفاع سعر المازوت، كان سبباً في توقف عشرات المزارعين عن استثمار أراضيهم، أو تقليص المساحات التي كان يفترض حراثتها في مثل هذا التوقيت من السنة، خاصة وأن أزمة الوقود تزامنت مع بدء الاستعدادات لموسم زراعة القمح.

ويقول أبو محمد: كنا نحصل على ليتر المازوت من قبل مديرية الزراعة والمحطات التابعة لها، بسعر 670 ليرة، أما اليوم فنحن مجبرون على شراء المادة من السوق السوداء بـ 1200 ليرة، بعد توقف تسليمنا المخصصات الأسبوعية، ما يعني ارتفاع تكاليف حراثة الهكتار الواحد من 35000 ليرة إلى 63000 ليرة.

ويتهم من التقيناهم من المزارعين، مسؤولو حزب البعث وشخصيات نافذة في المديريات الزراعية، بسرقة المخصصات الواردة إلى مدنهم، بعد رفعهم لأسماء وهمية، وبيع حصصهم في السوق الموازية بأسعار مرتفعة تضمن لهم أرباحاَ كبيرة.

بينما أعلنت حكومة النظام أن العام الحالي سيكون عام الاعتماد على الإنتاج الزراعي لتأمين الاكتفاء الذاتي، ودعم المشاريع الزراعية، والتي كانت سبباً في إصدار قرارات الاستيلاء على أراضي المهجرين وإطلاق مزادات المزارعة، تكشف الأزمة الحالية فشل هذه الحكومة في تأمين احتياطي نفطي لسد حاجة المزارعين، فضلاً عن فقدان السكان الأمل في الحصول على مخصصاتهم، وتأثر القطاعات الحيوية والهامة على رأسها قطاع المواصلات والأفران بهذا الانقطاع.

 

بين يديك.. التوصيل “لباب البيت” مجاناً في إدلب

محمد الأسمر

يختار أبو الزين أقصر الطرق الفرعية محاولاً تجنب الازدحام لإيصال الطلبات التي بين يديه بأسرع وقت ممكن، يخبرنا أنه يوصل وجبة طعام يريد لها أن تبقى ساخنة لأحد العناوين في […]

يختار أبو الزين أقصر الطرق الفرعية محاولاً تجنب الازدحام لإيصال الطلبات التي بين يديه بأسرع وقت ممكن، يخبرنا أنه يوصل وجبة طعام يريد لها أن تبقى ساخنة لأحد العناوين في إدلب، بعد أن باتت خدمة التوصيل المجاني متاحة عبر تطبيق “بين يديك” في إدلب.

يميز سكان في المدينة عاملي “الدي لفري” في مشروع “بين يديك” من دراجاتهم النارية صفراء اللون، يقول أبو الزين إن أعدادهم اليوم بالعشرات، وإنهم في تزايد مستمر مع بدء انتشار المشروع في مناطق متفرقة من المحافظة.

ليس التطبيق جديداً، لكنه توسع في الأخيرة، إذ بدأت فكرته منذ عام في مدينة سرمدا بعد أن قام أحد الشبان بتصميم أول تطبيق “دي ليفري” في المنطقة، لينتقل بعدها إلى مدن إعزاز وعفرين، ثم إدلب، وسينطلق قريباً فرع جديد في سلقين.

يمكن للزبون تحميل البرنامج من “غوغل بلاي أو آبل” وبعد تحميله ستظهر قائمة الخدمات التي يقدمها التطبيق وتشمل كافة الاحتياجات اليومية “خضار وفواكه، لحوم، حلويات وموالح، هدايا، خبز ومحروقات، قرطاسية، ألبسة وإكسسوار، وغيرها من المواد، داخل كل قسم ستشاهد مجموعة من المحال المتعاقدة مع إدارة التطبيق والتي تعرض منتجاتها ضمنه وتكتب بجوارها سعر كل سلعة”.

صورة من داخل تطبيق "بين يديك"
صورة من داخل تطبيق “بين يديك”

وعن آلية عمل التطبيق يقول خالد قنديل مدير مكتب إدلب، ينبغي على الزبون تسجيل الدخول بإضافة الايميل والعنوان بشكل صحيح ومفصل لتسهيل عملية الوصول إليه، وبعد اختيار السلعة التي يريدها الزبون لا ينبغي عليه إلا الضغط على زر الشراء ليصل الأمر لعامل الداتا المتواجد في مكتب الشركة والذي سيقوم بدوره بتوجيه السائقين لتنفيذ الطلب.

يستطيع الزبون طلب أي خدمة شريطة أن يتجاوز سعرها خمس ليرات تركية، وستصل إلى منزله بغضون دقائق وبنفس السعر المكتوب على السلعة، وتتقاضى إدارة التطبيق أجورها من أصحاب المحال التجارية وفق نسبة من المبيعات يتم الاتفاق عليها، في حين يتم تغطية بعض النفقات عن طريق الإعلانات التي تنشر ضمن التطبيق.

ويضيف قنديل “يواجه فريق العمل عدة صعوبات مثل ارتفاع تكلفة المحروقات وأجور صيانة الدراجات”.

يعتبر السائق شريكاً ضمن الشركة ويتقاضى بدلاً عن كل طلب، ويصف أبو الزين إقبال الناس على هذه الخدمات بالجيد جداً.

يعمل ثمانية سائقين ضمن مكتب إدلب إضافة للإداريين الذين يعملون ضمن المكاتب، وتسعى الإدارة لزيادة عدد السائقين إلى اثني عشر سائقا مع نهاية هذا الشهر نتيجة زيادة الطلب، بينما يعمل أكثر من ثلاثة وعشرين سائقاً في سرمدا.

ويقول قنديل إن الدراجات النارية وكلفتها وإصلاحا يقع على عاتق شركة “بين يديك”، ويتم التعاقد حالياً مع سائقين جدد بدراجاتهم النارية إلا أن أجورهم ستكون أعلى من أولئك الذين يعتمدون في إيصال الطلبات على دراجات الشركة.
يجري إداريو الفريق جولات مستمرة على محال إدلب لعرض مشروعهم وإقناعهم بالاشتراك ضمن البرنامج ما يوسع دائرة المنتجات المعروضة ويقدم خدمة أشمل للزبائن، ويقول قنديل إن 90% من المنتجات التي يحتاجها المنزل باتت متوفرة ضمن التطبيق الذي بات يقدم خدمات أخرى مثل تأمين حلاقين للمنازل، وورش إصلاح السيارات أو صهاريج المياه.

يمثل “بين يديك” وسيطاً بين المحال التجارية والزبائن، ويكون مسؤولاً عن أي خطأ في مواصفات المواد أو تغير نوعيتها، وكذلك يضمن إعادتها أو تبديلها مجاناً، كما يضم التطبيق رقماً للشكاوى يتابع من قبل إدارة التطبيق.

لاقى انتشار مثل هذه التطبيقات قبولاً من قبل المستخدمين، إذ يوفر عليهم متاعب التجول في الأسواق والابتعاد عن الازدحام لاسيما مع انتشار فيروس كورونا، كذلك يضمن وصولهم لأكبر عدد من المتاجر ومقارنة الأسعار واختيار السلعة المناسبة.

يقول مرهف سعيد “مقيم في إدلب” أقيم في شارع ثلاثين والذي يبعد عن مركز المدينة أكثر من كيلومترين ولا أملك أي وسيلة نقل، ما يجبرني على الاعتماد على المحال القريبة بخيارات ضيقة، وأحياناً زيادة في الأسعار، لكن انتشار هذه التطبيقات وفر علي عناء المشي إلى السوق أو دفع تكاليف النقل وبت قادراً على الحصول على مستلزمات المنزل دون أدنى تعب وبنفس الأسعار.

بينما يرى أبو عمر أنه بات بإمكانه ترك المنزل لساعات طويلة دون الحاجة للتفكير بمستلزماته، لأن زوجته تستطيع طلب كل ما يحتاجه المنزل بغيابه دون أي مشقة وبنفس الأسعار، في حين يرى بعض من التقيناهم أنهم يميلون للتجارة التقليدية لأنهم يرغبون باختيار بضائعهم ومجادلة البائع بالأسعار بأنفسهم.

 

أرشيف ريف دمشق المدفون.. وثائق هامة وأدلة دامغة على الانتهاكات

فريق التحرير

للتوثيق و الأرشيف أهمية بالغة في الحفاظ على الأدلة، خاصة تلك المتعلقة بالجرائم الخطرة المرتكبة في سوريا، إذ تساعد هذه المعلومات على تحديد أنماط الجرائم ومسؤولية القيادات العليا لمحاسبتهم بمجرد […]

للتوثيق و الأرشيف أهمية بالغة في الحفاظ على الأدلة، خاصة تلك المتعلقة بالجرائم الخطرة المرتكبة في سوريا، إذ تساعد هذه المعلومات على تحديد أنماط الجرائم ومسؤولية القيادات العليا لمحاسبتهم بمجرد توفر آلية عدالة موثوقة، بحسب هيومن رايتس ووتش في تقريرها بعنوان أولى الخطوات نحو المساءلة في سوريا والعراق.

وتمثل مناطق ريف دمشق، خاصة، مصدراً رئيسياً لهذه المعلومات عن الانتهاكات لما عانته خلال السنوات الماضية، قبل تهجير السكان في العام ٢٠١٨، من حصار ودمار واستخدام للأسلحة الكيماوية واستهداف للنقاط الطبية والمدارس والمرافق العامة لإجبار السكان على القبول بالمصالحات أو خروجهم من مناطقهم.

يقول من تحدثنا معهم، وسنورد روايتهم لاحقاً، خلال التقرير، إن جزء من هذا الأرشيف قد تعرض للتلف أو الفقدان والحذف، ونشهد في هذه المنطقة نشاطاً أوسع “للجيش الالكتروني السوري” الذي يتبع للنظام بهدف الاستيلاء على هذا المحتوى أو إزالته، ما يؤكد أهميته في إدانة النظام أمام المجتمع الدولي، والمحاكم في مراحل لاحقة، ومحاولة محو ما من شأنه أن يكون في المستقبل أدلة دامغة على هذه الانتهاكات.

جيش إلكتروني لمحاربة الأرشيف

يقول الناشط الإعلامي معتز الأسمر، وهو من مهجري داريا، إن شخصاً، تبين فيما بعد أنه يعمل في أجهزة مخابرات النظام، تواصل معه خلال وجوده في داريا عبر فيسبوك، وادّعى أنه يعمل في واحدة من الوكالات الإخبارية، وعرض عليه العمل لصالح الوكالة مقابل راتب شهري (٥٠٠ يورو)، وأرسل له رابطاً لتوضيح طبيعة العمل، وبـ “مجرد الضغط على الرابط للاطلاع على التفاصيل اكتشفت أنه رابط مزيف، وقام باختراق حساباتي الشخصية وتنسيقيات أديرها، ما تسبب بضياع جزء من الأرشيف الذي قمت برفعه على تلك الحسابات”.

ويخبرنا إعلامي للدفاع المدني في الغوطة الشرقية، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن معرفات الدفاع المدني تعرضت للاختراق من قبل “الجيش الالكتروني” التابع للنظام، وعلى إثره أغلقت الكثير من الصفحات، كما جرى حذف فيديوهات، وضياع جزء من الأرشيف الخاص بهم.

كذلك يروي إعلامي الدفاع المدني أنه “بعد التهجير ودخول النظام الى مناطق ريف دمشق، باتت عملية التوثيق والأرشفة صعبةً، ولم يعد هناك إمكانية للتعاون مع ناشطين بشكلٍ سري بهدف التصوير وتوثيق الانتهاكات بحق المدنيين والاعتقالات”.

وقال الناشط الإعلامي منتصر أبو زيد، من مهجري المرج، “مع بداية الحراك الثوري في الغوطة الشرقية، بدأ الناشطون بتأسيس التنسيقيات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتكون وسيلةً لنقل الأحداث وتوثيق المظاهرات وأماكن القصف وأعداد القتلى والمصابين، ما دفع بالنظام الى تأسيس ما يُعرف بـ«الجيش السوري الالكتروني»، بهدف تعطيل عمل تلك التنسيقيات عبر اختراق صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي أو ارسال كمٍّ هائلٍ من التبليغات عنها، لاسيما خلال حملة قوات النظام العسكرية على منطقة المرج بريف دمشق في العام 2013”.

و “الجيش الإلكتروني” عبارة عن مجموعات مؤيدة للنظام تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لدعم نظام الأسد، وتسعى لتشويه صورة المعارضة، كذلك اختراق حساباتها وحذف أدلة الانتهاكات، وتلاقي شعبية بين الموالين لبشار الأسد ودعماً منهم، ولهم العديد من الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي ، إضافة لحسابات شخصية وهمية تستخدم للإبلاغ عن محتوى، أيضاً يضم عدد من التقنيين والهكر لاختراق حسابات معارضة لشخصيات عامة، أو تنسيقيات وصفحات إخبارية.

حواجز التهجير القسري تمنع مرور الأرشيف

يقول إعلامي الدفاع المدني إن جزء من الأرشيف في كل من الزبداني ومضايا قد تم حفظه على غوغل درايف ويوتيوب وهو ما سلم خلال عملية التهجير، ولم تكن هناك إمكانية لإخراج الأرشيف الموجود على الهاردات والأجهزة المحمولة بسبب التفتيش الدقيق من ميليشيات النظام وحزب الله، وبالتالي لم يستطع الدفاع المدني إخراج أكثر من 30% من أرشيفه في تلك المناطق».

ويشرح الإعلامي “إن الدفاع المدني واجه صعوباتٍ في عملية الأرشفة في داريا وباقي بلدات الغوطة الغربية، حيث كان هناك صعوبة كبيرة في إدخال المعدات اللوجستية، والأموال التي كانت تدخل بالكاد تكفي لتأمين الطعام، ولم يكن هناك سوى معدات بدائية لتوثيق الأحداث، وكانت أغلب عمليات الأرشفة تتم على غوغل درايف، ومن المشاكل التي اعترضت عملية الأرشفة ضعف شبكة الإنترنت، وهو ما كان يُعيق رفع كثيرٍ من الفيديوهات، خاصةً عالية الجودة. وعقب اتفاق التهجير لم يُخرج سوى 30% من الأرشيف».

أما بالنسبة للغوطة الشرقية، فقد جرى إخراج 70% من الأرشيف، حيث إن «أغلب الحواجز التي كانت موجودةً على مخارج الغوطة عند عملية التهجير لم تقم بتفتيش الحافلات، ما ساعد الناشطين وعناصر الدفاع المدني في إخراج الأرشيف عبر الهاردات والأجهزة والهواتف المحمولة»، وذلك فق ما ذكره الإعلامي في الدفاع المدني.

وأشار الإعلامي إلى أنّ هناك «عدة عوامل ساهمت في ضياع 30% من الأرشيف في الغوطة، منها أن الكثير من الصحفيين وعناصر الدفاع المدني خرجوا خلال عملية التهجير من الغوطة مشياً على الأقدام عبر معبر مخيم الوافدين، والذي كان عليه تفتيش دقيق، وبالتالي لم يكن هناك قدرة على حمل أرشيف عبر الهاردات خوفاً من اعتقال أصحابها. كما أنّ هناك بعض المناطق في الغوطة التي دخلها النظام بسرعة، وبالتالي لم يكن هناك وقتٌ كافٍ لاصطحاب الأرشيف».

يؤكد ذلك ضياء الدين العربيني (مدير مركز الغوطة الإعلامي)، يقول «خلال عملية التهجير من الغوطة حصلنا على تطميناتٍ من الروس، بأنه لن يتم تفتيش أي حافلة، لكن رغم ذلك لم يثق الكثير من الناشطين بذلك، فقام بعضهم بإتلاف أرشيفه أو إخفائه، بينما استغليت أنا عملي كخياطٍ سابقاً، وقمت بتصميم مخبئٍ أسفل الحقيبة ووضعت عدة هاردات داخلها، خشية أن يتم تفتيشي على مخارج الغوطة، ولحسن الحظ تمكنتُ من اصطحاب كامل أرشيفي إلى الشمال السوري».

ويخبرنا معتز الأسمر أن للتهجير دور كبيرٌ في ضياع الكثير من الأرشيف، فهناك «شباّنٌ تخوّفوا من اصطحاب أرشيفهم معهم، أو نسوه، أو لم يكن لديهم الوقت الكافي قبل التهجير لإخراجه معهم، كما أن هناك أناس من ريف دمشق حصلوا على امتيازاتٍ من النظام، بعد أن بلّغوا الأخير عن بعض شبان التسوية الذين بقوا في بلداتهم بأنّهم يملكون أرشيفاً للثورة، ما تسبّب في اعتقالهم ومصادرة أرشيفهم».

في الحصار.. لم يكن الأرشيف أولوية

يقول الناشط الإعلامي مراد الشامي، وهو من مهجري عربين، إنّ الناشطين الذين يعرفهم «كانوا في أول عامين من الثورة السورية يحرصون على توثيق الأحداث عبر كاميرات فيديو محمولة وموبايلات ذات جودة منخفضة، كما لم يكن هناك أجهزة محمولة أو أقراص تخزين (هاردات) كثيرة لتخزين ما يتم تصويره، وإذا توفّرت، فقد كان الناشطون يتخوفون من تخزين بياناتٍ كبيرة عليها، حذراً من مداهمات النظام قبل تحرير المدينة، ولذا كان يتم الاستعانة ببعض المساحات التخزينية المتوفرة؛ كالدرايف وميغا ودروبوكس، في حين كان البعض يحمّل توثيقاته على يوتيوب أو فيسبوك».

ويضيف الشامي: «إنّ عدم توفير دعم من المنظمات لم يشجع الناشطين والصحفيين على أرشفة أحداث الثورة في تلك الفترة، والذين يهتمون بالأرشفة كانوا يُضطرون إلى شراء مساحات تخزين سحابية على نفقتهم الخاصة، حيث كان يتم شراء 1 تيرا على منصة درايف مقابل 50 دولار».

ويتابع قائلاً: «سعى بعض الناشطين إلى شراء كروت ذاكرة على نفقتهم، والتي كانت بمساحة لا تتجاوز 500 ميغا بايت فقط، وهي لا تكفي سوى لتحميل عدة فيديوهات، لذا كانوا يُضطرون إلى شراء عشرة كروت تخزين أو أكثر في اليوم، وبالتالي لم يكن هناك إمكانية للاحتفاظ بنسخ إضافية على نتيجة الكلفة العالية، فضاع الكثير من الأرشيف بسبب نلف هذه الكروت وعدم وجود نسخٍ احتياطية عن محتوياتها».

ويشير الشامي الى أنه «خلال حصار الغوطة تضاعفت أسعار الهاردات، فقد كانت تُباع في الغوطة بمبلغ يتراوح بين 200 إلى 250 دولار، بينما كان سعرها الحقيقي في دمشق لا يتجاوز 40 دولار أميركي. لقد حال غياب الدعم دون الحفاظ على الأرشيف في بداية الثورة».

وفي لقاءٍ مع أبو اليسر براء، رئيس رابطة الإعلاميين في الغوطة الشرقية، قال إنه «بدأ العمل على توثيق وأرشفة أحداث الثورة السورية منذ بدايتها في آذار (مارس) 2011، حيث قام، بالتعاون مع عدة ناشطين، بتصوير أغلب مظاهرات مدينة عربين، فضلاً عن بعض المظاهرات وحملات الاعتقالات من قبل قوات النظام في مدينة دمشق وريفها، كما وثّق مجزرة كيماوي الغوطة في عام 2013».

ويضيف أبو اليسر عن الآلية التي اتبعها في حفظ أرشيفه: «قمت بشراء هاردات على نفقتي الخاصة، فضلاً عن تحميل جزءٍ بسيطٍ من الأرشيف على منصات سحابية مثل غوغل درايف، وذلك نتيجة عدم توفر القدرة المالية الكافية لشراء مساحات تخزين كبيرة على الإنترنت».

ويتابع أبو اليسر: «شغلتُ منصب مدير المكتب الاعلامي لمدينة عربين في عام ٢٠١٤، لذا انتقلت الى أرشفة الأحداث على مُعرّفات المكتب. وفي منتصف آذار (مارس) 2018 استهدف طيرانُ الأسد مكان تواجدي في عربين بغارةٍ جوية، ما تسبّب بفقداني لجزءٍ من الأرشيف، بينما تمكنتُ من رفع بعض الهاردات التي لم تتعرض للتلف من تحت الأنقاض».

كما كان أبو اليسر متنبّهاً للتلف الذي قد يلحق بأرشيفه نتيجة تخزينه في هاردات، ويقول عن ذلك: «كنتُ حريصاً على الحفاظ على أرشيفي عبر نقل البيانات بشكلٍ متكررٍ إلى هاردات جديدة، تحسباً لتلف الهاردات القديمة بسبب العوامل البيئية أو الغارات الجوية، إضافةً إلى الاحتفاظ بأكثر من نسخة عن محتويات كل هارد، كما قمتُ بمنح بعض المقاطع التي صورتها في الغوطة لوكالة ‘لقاء’ بغية رفع قضيةٍ ضد النظام لاستهدافه المدارس».

ولفت أبو اليسر الى أنّ «السبب الذي أدى إلى فقدان الكثير من الناشطين لكامل أرشيفهم أو أجزاء منه، كان بسبب تعرّض معداتهم، من هاردات ولابتوبات وكاميرات، للقصف، أو نتيجة احتفاظهم بكامل الأرشيف في نفس وحدة التخزين، نظراً إلى عدم قدرتهم على شراء أقراص تخزين، لاسيما في ظل غياب الدعم، وخصوصاً في السنوات الأولى والثانية من الثورة السورية».

وأوضح أبو اليسر براء أنّ «قسماً آخر من الناشطين قد فقدوا الصور والفيديوهات التي وثّقوا فيها أحداث الغوطة، بسبب عدم اهتمامهم أصلاً بموضوعة الأرشفة، بينما كان هناك أشخاص يعملون مع وكالات إخبارية، ويرسلون لها ما يقومون بتصويره دون الاحتفاظ بنسخةٍ عنها، لأنها من حق الوكالة أو المؤسسة الإعلامية التي يعملون لصالحها» على حدّ تعبيره.

من بين الأسباب الأخرى لضياع الأرشيف التي يأتي على ذكرها رئيس رابطة الإعلاميين في الغوطة الشرقية هي «عدم وجود جهات في الغوطة عملت على إخضاع الناشطين لدورات تدريبية في كيفية الأرشفة وحفظ البيانات بشكل آمن، وهو ما كان سبباً في ضياع قسمٍ كبيرٍ من الأرشيف»، مشيراً إلى أنه «طوال سنوات الثورة افتتحتْ رابطةُ الاعلاميين دورةً واحدة فقط في الغوطة لتعليم كيفية الأرشفة الصحيحة، لكنها توقفت بعد فترةٍ وجيزةٍ بسبب انعدم التمويل».

وأشار أبو زيد الى أنّ لديه «عتب على المؤسسات الثورية التي كانت خارج سوريا بسبب عدم تشجيعها الإعلاميين والناشطين في الداخل على الأرشفة، فقد كان عليهم تعليم الناشطين كيفية الأرشفة، فمَنْ هم في الخارج لديهم نظرة أعمق من الموجودين في الداخل، إذ أن تركيز الناشط يكون منصباً بشكلٍ أساسي على كيفية تأمين لقمة العيش وحماية نفسه وعائلته من القصف، وقد لا يدرك أهمية حفظ الأرشيف. كما كان يتوجب على تلك المؤسسات توفير مساحات سحابية ومعدات لوجستية لرفع الأرشيف، أو تنظيم دورات تدريبية في هذا الشأن» بحسب وجهة نظره.

أسباب أخرى لفقد الأرشيف

يقول معتز الأسمر، إن موضوع الأرشفة لم يكن يُعطى أهميةً في بداية الثورة، حيث «كنا نعتبر أن الخبر آني، فبعد نشر الفيديوهات والصور التي توثق أحداثاً معينةً من قصف ومظاهرات ومعارك، كنا نحذف تلك البيانات لاعتقادنا أنها لم تعد مهمةً، وبأنها أحداثٌ مضت وانتهت، وبنفس الوقت لنفسح مجالاً لتحميل فيديوهات جديدة، كوننا لم نكن نملك هاردات كثيرة في ظل غياب الدعم» على حدّ قوله.

وأضاف الأسمر: «عانينا في داريا والمعضمية من ضعف الإنترنت، وكان ذلك عائقٌ يمنعنا من رفع الفيديوهات والصور وأرشفتها عبر غوغل درايف أو اليوتيوب، لذلك حاولنا الحصول على دعمٍ لإطلاق مشروع للأرشفة، وتوثيق ثورة الغوطة الغربية بشكلٍ منظم، ولاسيما أحداث داريا، لكننا لم نحصل على دعم لإكمال المشروع، نتيجة كلفته المرتفعة وحاجته إلى معداتٍ تتنوّع بين الهاردات والكمبيوترات وشبكة الإنترنت ذات الكفاءة المطلوبة لتحميل الملفات في المواقع السحابية».

ويقول إعلاميٌّ الدفاع المدني بريف دمشق إنه مع تأسيس الدفاع المدني في الريف الدمشقي نهاية 2014 «تطورت عملية الأرشفة نتيجة توفر الدعم، حيث بات هناك إمكانيات لشراء معدات لوجستية لتوثيق الأحداث، بما في ذلك كاميرات ووسائط تخزين بيانات، ولكن ظلّ هناك تخوفٌ من تعرّضها للتلف مع الزمن بسبب الحرارة والغبار والرطوبة والمياه وعمليات القصف، وبالتالي كان يتم الاحتفاظ بعدة نسخٍ احتياطية، ومع ذلك تعرّض بعضها للتلف، إضافةً إلى سيطرة قوات النظام على بعض المناطق بريف دمشق، ومداهمتها لمراكز الدفاع المدني واعتقال بعض العاملين فيها ومصادرة كامل الأرشيف المتواجد في هذه المراكز».

من بين الأسباب الأخرى التي يذكرها الإعلامي لضياع الأرشيف أيضاً “تعرّض بعض المواد القديمة للتلف نتيجة عوامل طبيعيةٍ وتقنيةٍ تتعلقُ بسلامة الهاردات، فضلاً عن وجود مقاطع تدين انتهاكات النظام، ولاسيما خلال قصفه للمدنيين بالنابالم والفوسفور والكيماوي، وبالتالي لم يتجرأ أصحاب تلك المقاطع على اصطحابها معهم خوفاً من التفتيش، الأمر الذي دفع بعض الناشطين إلى دفن أرشيفهم تحت تراب الغوطة”.

ويخبرنا الناشط الإعلامي منتصر أبو زيد، إنّ «اهتمام سكان الغوطة بالتنسيقيات، وتقديمهم الدعم لها عبر المتابعة والتفاعل والتعليق كان يسهمُ في حمايتها من الإغلاق، أما الصفحات التي لم يكن لديها الكثير من المتابعين، ولم تتلقَ الدعم، فلم يتمكّن أصحابها من استرجاعها بعد أن صار مصيرها الإغلاق، كما تعرضت بعض الصفحات للاختراق أو الاغلاق من إدارة موقع فيسبوك، كما أنّ جهل أصحابها بالأمور التقنية وإهمال مسألة تأمين هذه الحسابات جيداً وقلة أعداد التقنيين القادرين على استرجاعها، كان يتسبّب في فقدانها وضياع الأرشيف المُخزّن فيها، ليقوم أصحابها بإنشاء صفحاتٍ بديلة دون الحصول على أيٍّ من التوثيقات التي كانت موجودةً على الصفحات المُغلقة».

ومن بين التنسيقيات التي كان لها حضورٌ قويٌّ في بدايات الثورة «تنسيقية العبّادة»، والتي تأسست في 2011 بواسطة أربعة أشخاصٍ كانوا يقومون بالتصوير ورفع الصور والفيديوهات على صفحات التنسيقية في فيسبوك ويوتيوب». منتصر أبو زيد كان أحد مؤسسي تنسيقية العبّادة، وكان يحتفظ بالصور والفيديوهات التي ينشرها على التنسيقية ضمن أرشيفٍ خاصٍّ به على حاسوبه المحمول أو ضمن أقراص تخزين (هاردات). وفي العام 2013 حاصر النظام منطقة المرج، وسيطر على القرى الشرقية من الغوطة المحاذية لطريق الضمير العسكري، ومن بينها قرية العبّادة.

يقول أبو زيد: «كنا نتوقع أن يسيطر النظام عدة أيامٍ على المنطقة ومن ثم سينسحب منها، ولذلك تركنا الأرشيف الخاص بنا ضمن المنازل ونزحنا إلى قرىً مجاورة، غير أنّ النظام ظل مسيطراً على تلك القرى لعدة أشهر، الى أن استطاعت فصائل المعارضة استعادة السيطرة عليها في نهاية 2013 لمدة 15 يوماً. حينها توجهتُ مسرعاً الى قرية العبّادة لتوثيق ما حلّ بالمنطقة، والاطمئنان على منزلي والأرشيف الموجود فيه، لكني تفاجأت بقيام الشبيحة بتعفيش كلّ شيء، وبالتالي فقدت أكثر من 40% من الأرشيف، في حين كنت قد اصطحبت باقي الأرشيف معي خلال النزوح مخزناً على هاردات».

ويضيف أبو زيد: «لم يكن لديّ سوى ثلاثة أو أربعة هاردات أحتفظُ بأرشيفي الخاص عليها، وذلك لعدم امتلاكي القدرة المالية على شراء هاردات إضافية، إلا أن تلك الهاردات تعرضت للتلف في 2015، كما كان هناك جزءٌ من الأرشيف مُخزّن على قناة تنسيقية العبّادة في يوتيوب، والتي كان عليها حوالي ثلاثة آلاف مشترك، إلا أن إدارة اليوتيوب قامت، في الشهر العاشر من العام 2019، بحذف كل الفيديوهات الموجودة عليها بسبب طبيعة ونوع المحتوى، وهو نفس الأمر الذي فعلته مع كثيرٍ من القنوات الناطقة باسم الثورة».

وتابع قائلاً: «شعرتُ بحزنٍ شديدٍ على إغلاق تنسيقية العبّادة في يوتيوب؛ كوني فقدتُ أرشيفاً هامّاً، من ضمنه توثيقٌ لأول غارة جوية طالت الغوطة، والتي استهدفت بلدة العبّادة، إضافةً إلى احتواء القناة على فيديوهاتٍ نادرة توثّق غاراتٍ بالسلاح الكيماوي لم يتم التطرّق إليها كثيراً في الاعلام».

وسبق إغلاق قناة تنسيقية العبّادة في يوتيوب، إغلاقُ صفحة تنسيقية العبّادة في موقع فيس بوك في نهاية العام 2017، وذلك رغم الأهمية التي كانت تحظى بها في السنوات الثلاثة الأولى من الثورة، فمنذ سيطرة النظام على قرية العبّادة ومعظم قرى المرج في 2013، لم تعد تحظى التنسيقية بمتابعة، كونها باتت تغطي أخبار باقي بلدات الغوطة الخارجة عن سيطرة النظام وتوثّق أعداد الضحايا. فضلاً عن ذلك، مات مشاركون بالنشر على التنسيقية نتيجة قصف النظام، فلم يبق سوى الناشط منتصر أبو زيد يعمل عل إدارتها، وحين تعرضت للإغلاق من قبل إدارة فيسبوك «تركها أبو زيد مغلقةً دون أن يعمل على استرجاعها» حسب ما يقول.

مركز الغوطة الإعلامي: مستمر رغم التهجير

تأسس «مركز الغوطة الإعلامي» منتصف شباط (فبراير) من العام 2017، بعد اجتماعٍ ضمّ 11 ناشطاً إعلامياً من مختلف بلدات الغوطة، واتفقوا على إطلاق منصة تحمل اسم مركز الغوطة الإعلامي، لتكون «صوتاً حراً ثورياً مستقلاً لا يتبع لأي فصيل أو جهة»، ونتيجة امتلاك هؤلاء الناشطين لأرشيفٍ يعود إلى التنسيقيات التي عملوا فيها، فقد باشر بنشر هذا الأرشيف على معرّفات المركز.

وقال مدير مركز الغوطة الإعلامي ضياء الدين العربيني: «إن المركز حرص على العمل التطوعي وعدم الحصول على أي دعم، وذلك كي لا يؤثر الدعم على توجهاته وتغطيته للأحداث بحيادية، ولذلك عمل ناشطو المركز على توثيق وأرشفة الانتهاكات من أي طرف، سواءً من النظام أو فصائل المعارضة. وفي نيسان 2017 اندلع اقتتالٌ بين الفصائل، لذا حرصنا على توثيق الحدث عبر صورٍ وفيديوهات نحتفظ بها، ومنها مظاهراتٌ خرجت مطالبةً بوقف الاقتتال، فقامت إحدى كتائب المُعارضة بإطلاق النار على المتظاهرين».

وأشار العربيني الى أن «ضيق الفترة الزمنية بين تأسيس المركز وعملية التهجير، إضافةً إلى التصعيد العسكري العنيف من الأسد وروسيا، كانت عوامل أعاقت عملية تنظيم أرشيف الغوطة، فكل شخص من العاملين في المركز يمتلك أرشيفاً كبيراً، ويعتبره أمانةً في عنقه ولا يمكن التفريط فيه»، مضيفاً أنه «خلال الحملة العسكرية للنظام على الغوطة، توجهتُ مسرعاً تحت القصف الى منزلي، وكنت مستعداً للتضحية بحياتي من أجل الحصول على الأرشيف، ولاسيما أن قوات النظام كانت على بعد كيلو مترٍ واحد من منزلي، والمنطقة باتت خط اشتباكٍ حينها، ورغم ذلك تمكنتُ من إخراج الأرشيف».

بعد التهجير قرر الناشطون «إعادة تفعيل مركز الغوطة الاعلامي، للتركيز على ما يحصل داخل الغوطة الشرقية وما يعانيه الأهالي فيها، وكي لا تبقى المنطقة غائبةً عن الإعلام، إضافةً إلى التركيز على مهجري الغوطة في الشمال السوري ونشاطاتهم والمشاكل التي يواجهونها في مخيمات النزوح والمدن والبلدات التي يسكنونها والانتهاكات التي يتعرضون لها» بحسب العربيني.

ولفت ضياء العربيني إلى «وجود مساعٍ لأرشفة تاريخ الغوطة الثوري، وذلك عبر جمع الأرشيف الضخم الذي يمتلكه شبان وناشطو الغوطة الذين جرى تهجيرهم، إضافةً إلى المقاطع الموجودة على مُعرّفات المركز، إلا أنّ هذا المشروع بحاجة لدعمٍ يمكّنُ من تأمين المعدات الخاصة بعمليات الأرشفة».

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

على أطلال حلب.. المدينة العتيقة

مصطفى أبو شمس

قبل أربع سنوات وأيام قليلة، كان الثلج يغطي الطريق الفاصل بين حلب وإدلب، وكان تهجير قسري لعشرات الآلاف من الأشخاص قد بدأ، جميعهم تفرقوا فيما تبقى من جغرافيا بدأت هي […]

قبل أربع سنوات وأيام قليلة، كان الثلج يغطي الطريق الفاصل بين حلب وإدلب، وكان تهجير قسري لعشرات الآلاف من الأشخاص قد بدأ، جميعهم تفرقوا فيما تبقى من جغرافيا بدأت هي الأخرى تضيق، لتكتب تهجيراً تلو الآخر حمل في مفهومه مسألتين: صفعات متكررة منعتهم من الاستقرار، ويأس حال دون تقديم رواية حقيقة عما حدث.

سحبت الثورة السورية، بكل ما عاشته من أمال وآلام، البساط من ذاكرة أهالي حلب، وبات مشهد رأس السنة قديماً جداً للدرجة التي لم يعد كثر منهم يستطيعون تحديد الشوارع وطرق الوصول إليها.

غدت منازلهم بقايا صور تم تخزينها على الهواتف، تلك الهواتف تعرضت هي الأخرى لموجة من الفقد والحذف، لتغيب ملامحها، يبقى من ذلك كله خريطة ذهنية يعيدون تذكرها كلما أرادوا ذلك بوضع اسم منطقتهم على تطبيق تحديد المواقع، وقياس المسافة بين تهجيرهم والمدينة البعيدة، لا يسمح التطبيق بتقديم صورة واضحة للمكان، ويكتفي بصور قديمة إن وجدت، وهو ما يرتكزون عليه لبداية قصصهم وحكاياتهم.

لم يكن لأحد أن يعتقد بأن النسيان قد يطال الأمكنة، حيث أمضت فيها عائلات سنوات كثيرة من حياتها، أكلت فيها الشوارع من أقدامهم، ونهبت سنوات عمرهم ساعات العمل الطويلة لبناء منازل لن يستطيعوا العودة إليها أو حتى تذكر تفاصيلها.

يحاولون إصباغ ما يريح ضمائرهم على تلك الأيام، يطلقون عليها “الزمن الجميل -أيام البركة”، يتنهدون وهم يدفعون بقصصهم كأدلة على ذلك، معظم هذه القصص تصب في اتجاهين، سنوات الشقاء والأعمال التي امتهنوها خلالها، وبقايا ضحكات على طرف لأشخاص لم يعودوا موجودين الآن، قتل كثير منهم، اعتقل آخرون، تشبث قسم منهم بجدران المدينة وبقوا فيها يدفعون ثمن بقائهم بخوفهم اليومي وإذلالهم وإظهار ولائهم، أما من ترك المدينة فتوزعوا في مدن العالم يسوقون كل حديث ليوصلهم إلى مدينتهم، قبل أن يبدؤوا بالتنهد والحكايات من جديد.

لا تبدو حلب كغيرها من المدن السورية، هناك حربان داخل المدينة بدأتا ولن تنتهيا تحت أي ظرف أو سلطة، حرب بجذور قديمة لتحديد هوية المدينة المتناقضة والتائهة أيضاً بين مفهومي التجارة والصناعة من جهة والسلطة من جهة، ففي الوقت الذي شكلت فيه المدينة ما يشبه “الخليج”، نسبة للعائدين من دول الخليج العربي بوضعهم الاقتصادي الجديد، لرجال السلطة ومسؤوليها بمختلف المستويات، كان الحلبيون يتكئون على هذه الفكرة ويحاولون التشبث بها، بعد أن أفرغت المدينة من أي ميزة أخرى، منتجون لمستهلكين لا يدفعون ثمناً لهذا الاستهلاك، تتضخم ثروات الآخرين مقابل انهيار للمنتجين، وفي كل مرة تحاول السلطة إعادة بناء منتجين يسيطرون على الساحة كبديل للقدامى قبل أن تمتصهم من جديد.

يرافق ذلك حرب على هوية المدينة، هل كانت حلب مدينة للثورة حقاً، هل لسقوطها هذا الأثر على تغير الأحداث، كذلك هل أريد لها لعب هذا الدور لتعيد السلطة كما في كل مرة امتصاص نتائجها لتتضخم مقابل سقوط الآخرين، ثم ما الذي بقي من أثر سقوط المدينة بعد أربع سنوات على تهجير قسمها الشرقي وتدميره بالكامل.

شكلت حلب، منذ تحرير قسمها الشرقي، حجر ارتكاز في الثورة السورية، أعطى ذلك التحرير طمأنينة لكل الذين خرجوا على النظام وفي مختلف المناطق، أياً كانت النتائج والصعوبات، فهناك حلب وهي دائماً مصدر استمرار لقوتهم ووجودهم.

ذلك ليس لأن المدينة العاصمة الثانية في سوريا، بل لأن تحريرها بحد ذاته زعزع من سلطة النظام التي ظن أنه يحكم قبضته على المدينة المنتجة، وأن سكانها سيقبلون دائماً بما رسم لهم من أدوار هامشية.

لم تعد حلب كما كانت منذ سقوطها، هناك جدار فاصل لا يمكن تخطيه بإزالة الأنقاض بين طرفي المدينة، ولم تعد امتدادات الطرق متآلفة. لا يحقق دوار الصاخور كمثال، عقدة طرقية بين أحياء المدينة، يمر اليوم من يعبرون هذا الطريق خائفين مسرعين ليصلوا إلى وجهتهم دون النظر إلى الأعين التي تلاحقهم، هم وإن كانوا من سكان هذا المكان قبل الثورة إلا أنهم اليوم لا ينتمون له، غرباء عنه، إضافة لـ “تمويت” هذا القسم من المدينة الذي ثار يوماً وشهد أياماً مليئة بالحياة والضجيج.

الأمر نفسه يمكن أن نقوله عن دوارات أخرى فاصلة بين قسمي المدينة (الشعار -قاضي عسكر -باب النيرب..).

وفي الوقت الذي يسمح لمن لا يشعر بالانتماء للمكان دخوله إلى هذه الأحياء وسكنه فيها، يعيش قسم آخر أزمة هوية لوجودهم في الأحياء الغربية التي لا ينتمون إليها ولا تشبههم، بل أرهقتهم بالإيجارات المرتفعة وغلاء المعيشة.

أما في حالة المهجرين قسرياً، فتلك أمكنتهم، أياً كانت التغيرات التي طرأت على حياتهم، يعيشونها في ذاكرتهم ويحاولون إيقاظ الذاكرة دائماً كي يحافظوا على استمرارهم، تلك حلب المشتهاة والباقية، أما الكتلة التي تسمى “حلب” في هذا الوقت فهي أبنية وطرقات بلا روح ولا حياة، أنقاض وحجارة وبعض الواقفين على الأطلال.

 

في مخيمات إدلب: تجارة الدراجات النارية مصدر دخل رأس ماله “الخبرة”

سيرين مصطفى

يتنقل أبو حسام بين الدراجات النارية المعروضة للبيع في “سوق الموتورات” قرب مخيمات دير حسان شمالي إدلب، تلفت نظره إحداها فيتوجه إليها ويتفحصها بدقة وخبرة امتلكها نتيجة مزاولته الطويلة لهذه […]

يتنقل أبو حسام بين الدراجات النارية المعروضة للبيع في “سوق الموتورات” قرب مخيمات دير حسان شمالي إدلب، تلفت نظره إحداها فيتوجه إليها ويتفحصها بدقة وخبرة امتلكها نتيجة مزاولته الطويلة لهذه المهنة.

يصغي لصوت “ماكينتها” بعناية، يوقف تشغيلها ثم يعيده مرة أخرى ليتأكد من سرعة الدوران. بعد انتهائه من الفحص يبدأ جولة مفاوضات طويلة مع صاحبها بحضور “سمسار السوق”، قد تنجح عملية التفاوض ويشتري الدراجة وقد تفشل لينتقل إلى واحدة أخرى حتى يتمكن من شراء أفضل الدراجات النارية بأنسب الأسعار ما يترك له مجالاً للربح عند بيعها.

يعمل أبو حسام مثل عشرات شبان المخيمات بتجارة الدراجات النارية ضمن الأسواق الموجودة في المنطقة، مثل دير حسان وأطمة والكرامة إذ شكلت تلك المهنة مصدر دخل لهم.

تتم عملية البيع والشراء في الأسواق برعاية “السمسار”، والذي تبدأ مهمته في إيجاد ساحة واسعة لاستئجارها مع مجموعة من رفاقه ليمارسوا أعمالهم ضمنها، وتتلخص مهمته بالإشراف على عملية البيع والشراء وكتابة العقد عند تمام العملية مقابل عمولة مادية يتقاضاها من أحد الأطراف بحسب الاتفاق.

يقول أبو حسام إنه وعند شرائه لأي دراجة يأخذ منها القطع التي تعجبه مثل “الزينة والأضواء الإضافية” وقد يستبدل القطع الأساسية بأنواع أخرى، ويقوم بإصلاح بعض الأعطال إن وجدت ثم يعرضها للبيع مرة أخرى بعد إضافة المربح الذي يراه مناسباً عليها.

يتسابق التجار لشراء الدراجات الجيدة التي تدخل السوق قبل منافسيهم، ليطرحوها مرة أخرى للبيع مع إضافة مربح بين (خمس إلى عشر دولارات)، إذ لا تحتاج مثل هذه الدراجات أي صيانة أو تعديل.

الخبرة سر الربح

يملك أبو حسام خبرة تزيد عن عشر سنوات في هذا المجال، يقول إن الحصول على الدراجة النارية التي يصفها بـ “النظيفة” لتجنب الخسارة يحتاج لخبرة ومهارة في الفحص وعمليات البيع والشراء. ويؤكد أن العشرات عانوا من مشاكل خلال اقتنائهم لدراجات رديئة لعدم خبرتهم الكافية.

يتحدث لؤي الخضر  تجاربه الفاشلة في هذا المجال، يقول “اقتنيت دراجة تستهلك الكثير من البنزين، ثم استبدلتها بأخرى، فعلمت لاحقاً بوجود “شِعر” كسر خفيف على الرقبة فيها، أثناء قيادتي لها على الطريق العام انفصلت الرقبة عن جسم الدراجة النارية ما تسبب بسقوطي عنها”، ويكمل “تعبت كثيراً حتى وجدت طلبي”.

وعن إمكانية الربح يقول أبو حسام “صاحب الخبرة بالدراجات النارية نادراً ما يتعرض للخسارة، ويتوجب عليه امتلاك أسلوب مقنع لممارسة مهنته، أما الدخيلون على هذه المهنة فغالباً ما يتعرضون للغش والخسارة”.

ويلعب رأس المال المستثمر دوراً هاماً في هذه التجارة، لقدرتك على شراء الدراجات النارية المناسبة في السوق، وعرضها وانتظار السعر المناسب للبيع.

يقول أبو علي (تاجر دراجات) إنه خسر في يوم واحد ستين دولاراً بعد أن اشترى ثلاث دراجات كانت إحداها “سيئة” كما وصفها، ما اضطره لبيعها بخسارة. ويرجع السبب لضعف خبرته في الشراء، لكنه اليوم تعلم الكثير من أصول المهنة وباتت مصدر دخله.

ويسرد ربيع بيوش “تعبت كثيراً حتى تعلمت أصول المصلحة وخسرت مالاً أيضاً، لكن اليوم لا أشتري دراجة إلا أن كانت من أجود الأنواع وبأفضل الأسعار”.

يعمد بعض الشبان للعمل التشاركي في التجارة، وهو ما يزيد من فرصهم بالربح ويقلل الخسارة، بينما يلجأ آخرون لشراء الدراجة النارية وبيعها في سوق آخر، وفي اليوم ذاته، لضمان الربح وعدم معرفة سعرها الذي بيعت به كيلا تفسد عملية البيع.

بيع دون سماسرة

يلجأ البعض لشراء الدراجات النارية من خارج السوق بعد الاتفاق مع صاحبها على ذلك بهدف توفير أجور السمسرة، لكن ذلك قد يقحم البائع والمشتري بمشكلة في حال كانت الدراجة مسروقة.

يقول أبو عبدو “مقيم في المخيمات”، “اشتريت دراجة نارية من شخص بعيداً عن أنظار المكتب، كيلا أدفع العمولة ولم نكتب عقداً بذلك، ثم قمت ببيعها في اليوم التالي بربح مقبول، لأعرف فيما بعد أن الدراجة مسروقة، وكنت سأتعرض للاعتقال لولا أن السارق اعترف بسرقتها وبيعها لي”.

يلجأ آخرون لاعتماد بعض الأساليب التي قد تحميهم في حال كانت الدراجة مسروقة، مثل تصوير البائع والدراجة بمقطع فيديو يتحدث فيه عن قيامه ببيع هذه الدراجة لهم.

تعتبر الدراجات النارية أكثر وسائط النقل استعمالاً في مناطق المعارضة لرخص أسعارها وقلة “مصروفها” من جهة، وكذلك لقدرتها على السير في الطرق الضيقة والوعرة من جهة أخرى.

ويميل كثيرون لشراء الدراجات المستعملة لأن سعرها أقل بنسبة 50%من الجديدة، وكذلك لوجود أنواع متينة منها تغيب عن أسواق اليوم الذي يغص بدراجات “غير عملية”.

مصاعب المهنة

عند بعض العاملين بتجارة الدراجات النارية يتحول الأمر إلى “هوس” أكثر منه مصدر دخل، يقول أبو أنس إنه يتاجر بالموتورات منذ ما يزيد عن عشر سنوات، ودائما ما يحتفظ بقطع من الدراجات التي يبيعها مثل “دواليب، ماكينة..”، ويمارس هوايته بالفك والتركيب والتصليح، يقول “حين نزحت من بيتي تركت العفش وأخذت مقتنياتي من الدراجات”!

تشكو زوجات لتجار دراجات نارية في المخيمات من مهنة أزواجهن التي تضيق عليهم مساحة خيامهم. تقول رحاب الطالب “يضيق منزلنا المؤلف من غرفتين بأطفالي وأغراض المنزل، وأقضي كل نهاري في التنظيف والترتيب، إلا أن زوجي يجلب كل يوم دراجتان على الأقل، ويفك قطعهما ويضع الزيت والمازوت بجانبه وينسف جهدي كله”.

ويعاني ممتهنو تجارة الدراجات من قلق يومي، خوفاً من خسارة رأس المال أو تعرض دراجتهم للسرقة، إذ تنتشر عمليات السرقة بشكل واسع في إدلب، أو تغير أسعار الدراجات بشكل مفاجئ يقول عدي الدخان “بعت دراجتي بنية شراء واحدة أفضل، بعدها بأقل من أسبوع ارتفعت أسعار الدراجات نحو خمسين دولاراً ولم يعد بالإمكان شراء دراجة مماثلة دون دفع مبلغ قد يغطي نفقات عائلته لنصف شهر”.
يرى من التقيناهم من التجار أن عملهم لا يخلو من الصعوبات ومخاطر الخسارة، لكن قلة فرص العمل المتاحة وضعف المردود الاقتصادي أجبرهم على هذا العمل بهدف تأمين أي ربح يساعدهم على تحمل أعباء الحياة.

ورق الزيتون علف للمواشي وأغصانه الصغيرة حطب للتدفئة

فداء الصالح

تدخل عشرات سيارات البيك آب يومياً عبر معبر دير بلوط، قادمة من مناطق عفرين نحو محافظة إدلب، محملة بـ أغصان الزيتون الصغيرة الناتجة عن عملية التقليم يتم شراؤها لتستخدم حطباً […]

تدخل عشرات سيارات البيك آب يومياً عبر معبر دير بلوط، قادمة من مناطق عفرين نحو محافظة إدلب، محملة بـ أغصان الزيتون الصغيرة الناتجة عن عملية التقليم يتم شراؤها لتستخدم حطباً للتدفئة، ويستفاد من أوراقها كعلف للماشية.

يقول علي الأحمد، أحد مربي الأغنام في ريف حماه، إنه وجد في تجارة أغصان الزيتون وورقه مهنة جديدة لم يألفها سابقاً، وإنها تحقق له دخلاً إضافياً يساعده على الحياة، إضافة لتأمين العلف لماشيته.

ويشرح الأحمد إن كل سيارة محملة تحقق أرباحاً تتراوح بين (١٥٠ -٣٠٠ ليرة تركية)، بعد اقتطاع ثمن الحمولة نحو (٣٥ ليرة تركية) لصاحب الأرض، وأجرة عمال التحميل والتفريغ نحو (٧٠ ليرة تركية)، إضافة لـ (١٠٠ ليرة تركية) كوقود وإيجار للشاحنة.
تباع السيارة بين (٣٥٠ -٥٠٠ ليرة تركية) لأصحاب المواشي، وتستخدم أوراق الزيتون كعلف للحيوانات بينما يتم الاعتماد على أغصان الزيتون للتدفئة.

وتشكل هذه المهنة فرصة عمل لأشخاص بدؤوا العمل بها، إضافة لنشاط تقليم الأشجار، إذ يتقاضى العامل يومياً نحو ٤٠ ليرة تركية، ولم تكن سابقاً تباع هذه الأغصان، بينما تعتبر اليوم مصدر دخل لأصحاب الأراضي الزراعية تعينهم على دفع أجور التقليم والعناية بالأشجار، بحسب سامي المحمد (مزارع).

ويضيف المحمد إنهم يبيعون أغصان الزيتون أو يقايضونها بروث الحيوانات للاستفادة منها كسماد للأشجار، في الوقت الذي كانوا يحرقونها سابقاً للتخلص منها خارج أراضيهم.

ويشكل الزيتون المحصول الأهم في عفرين، إذ تقدر عدد أشجاره فيها، بحسب وزارة الزراعة 2011  بنحو عشرة ملايين ونصف مليون شجرة، فيما يقدر سكان في المنطقة عدد أشجار الزيتون بنحو ثماني عشرة مليون شجرة.

تخضع السيارات المحملة بـ أغصان الزيتون لعملية تفتيش على معبر دير بلوط الواصل بين عفرين وإدلب، ويتم ذلك، بحسب مربي الأغنام محمد الخالد، بواسطة قضبان حديدية طويلة للتأكد من الحمولة، وأحياناً يتم إفراغ الشاحنة لتفتيشها ثم يعاد تحميلها ما يتسبب بمتاعب إضافية.

ويخلص الخالد إن هذه الأكلاف والمتاعب تبقى أقل صعوبة من تأمين علف لماشيتهم بعد ارتفاع أسعاره.

أوراق الزيتون بديل ومساعد للعلف

تضاعفت أسعار علف الماشية خلال الأشهر الأخيرة، ما دفع المربين للتخلي عن مواشيهم وبيعها لدكاكين القصابة، وهو ما أدى لانخفاض سعرها في الأسواق، كذلك انخفاض سعر لحمها في إدلب.

يقول زيد الصالح، مربي أغنام في إدلب، إن المربين لجؤوا إلى وسائل بديلة لتغذية مواشيهم، إذ ارتفع سعر كيلو الشعير بنحو ٣٠٪، بينما تضاعف سعر النخالة والتبن الأحمر إلى الضعف.

ويخبرنا الصالح إنه في فترة ولادة الأغنام، والتي تصادف بداية الشتاء، تزداد الحاجة إلى علف الماشية لتتمكن الإناث من إرضاع صغارها، ويترافق ذلك مع غياب المراعي وهو ما دفعه لشراء شاحنتين من أغصان الزيتون بنحو (٥٥٠ ليرة تركية) لاستخدامها كعلف مكمل للأغنام.

ويحتاج رأس الغنم لنحو كيلوغرامين من العلف يومياً، توفر أوراق الزيتون نصفها، يقول الصالح إنه يقدم كيلو غراماً من ورق الزيتون وكيلو غراماً من العلف لماشيته يومياً، مؤكداً إن ورق الزيتون لم يترك أي أثر سلبي على الماشية.
ويقول محمد الخالد مربي أغنام ومقيم في قاح، إنه يتجه بشكل اسبوعي إلى عفرين للبحث عن أورق الزيتون، ويتم شراؤها من صاحب الأرض بحسب حجم السيارة حيث يتراوح سعرها بين عشرة إلى خمسة عشر ألف ليرة سورية، في حين يعمل بعض المزارعين على بيع مخلفات كل شجرة بألف ليرة سورية، ثم يضاف إليها تكلفة النقل في حال اعتمد المربي على سيارة أجرة.

لم يألف مربو الماشية هذا النوع من العلف، لكنهم وجدوا فيه وسيلة لإنقاذ ماشيتهم من الخسارة، كذلك الاستفادة من أغصان الزيتون للتدفئة في ظل شتاء يقولون إنه سيأتي قاسياً بعد تأخر هطول الأمطار في العام الحالي.

الأرشفة والتوثيق في سوريا.. هناك ما يمكن إنقاذه

فريق التحرير

تمثل الأرشفة والتوثيق “مرصداً” لمعرفة الحقائق الصحيحة ونقلها إلى الأجيال القادمة أو إلى أماكن أخرى في العالم لتشكيل فهم موضوعي، يخضع للتحليل والتدقيق، حول زمن معين أو قضية أو انتهاك. […]

تمثل الأرشفة والتوثيق “مرصداً” لمعرفة الحقائق الصحيحة ونقلها إلى الأجيال القادمة أو إلى أماكن أخرى في العالم لتشكيل فهم موضوعي، يخضع للتحليل والتدقيق، حول زمن معين أو قضية أو انتهاك.

وتراكمت، في الحالة السورية، هذه الوثائق وتمددت مساحتها إلى المكان الذي لم يعد متاحاً فيه استخدام طرق الأرشفة البدائية اليدوية أو تلك التي تعتمد على “ذواكر” في الأجهزة المحمولة أو الحواسيب، كذلك الهاردات الخارجية، وكان لا بد من إيجاد حلول بديلة لـ الأرشفة  كالتخزين عبر المنصات أو اعتماد الحوسبة السحابية، لكن ذلك كله اصطدم بضعف الموارد والخبرة، وكذلك شبكات الإنترنيت السيئة، إضافة لساسة المنصات المفتوحة كـ “يوتيوب” والتي حذفت قسماً كبيراً من هذه التوثيقات يصعب تعويضه.

نحذف بحسب الأهمية

إن المساحة المحدودة التي يمتلكها الناشطون والإعلاميون على هواتفهم أو في حواسيبهم دفعت عدداً منهم، خاصة في السنوات الأولى، إلى حذف جزء من أرشيفهم. هذا الحذف اتسم بالعشوائية وفقاً لعدة أولويات، منها الحداثة والقدم، الأهمية، كذلك ما تم نشره وتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول الناشط الإعلامي محمود الحموي من مدينة اللطامنة، وهو واحد من الذين وثقوا آلاف الغارات على الريف الحموي «فقدت قسماً كبيراً من أرشيفي نتيجة ضعف الإمكانيات والضغط الكبير الذي عايشته في تلك الفترة».
ويروي: “وثّقتُ ما يقارب من تسعة آلاف غارة على مدينة اللطامنة، وعشرين ألف غارة على مناطق ريف حماة الشمالي، لكن قد لا أملك من توثيقي اليوم أكثر من ألف مقطعٍ مخزّنٍ على اليوتيوب وضمن أرشيفي الخاص”.

يبرر الحموي تعرّض أرشيفه للضياع بكونه «كان مشغولاً بالتصوير، إذ لم يكن يملك الوقت الكافي والدراية المطلوبة لأرشفة تلك الفيديوهات، ولطالما قام بحذف الفيديوهات التي صوّرها نتيجة امتلاء هارد الحاسب، في حين قام في بعض الأوقات بحذف فيديوهات من كاميرته دون حفظها بسبب امتلاء ذاكرة الكاميرا ورغبته في تصوير فيديوهات جديدة، إذ وصلت به الحال في بعض الأوقات إلى توثيق نحو 100 غارة جوية في اليوم الواحد. يقول: “تخزين هذا الحجم من التوثيقات كان فوق طاقتي المادية، إذ لم يكن بوسعي شراء هاردات ولابتوبات للأرشفة”.

الأرشفة القاتلة

«ساهم الاحتفاظ بأيّ أرشيفٍ ينتمي للثورة خطراً كبيراً على حامليه، لذا عمد كثيرون للتخلي عن أرشيفهم خوفاً من مداهمات الأمن وقوات الأسد لمنازل الناشطين»، هذا ما يخبرنا به صابر العلي (اسم مستعار)، والذي جرى اعتقاله في مدينة حماة، وبعد تفتيش حاسبه تمكنتْ قواتُ الأمن من اعتقال عددٍ من الثوار الذين كانوا يعملون في الظل في ذلك الوقت نتيجة اطلاعهم على الأرشيف.

تعرّض العلي لتعذيبٍ شديد، وقُتِلَ زميلُه تحت التعذيب أمام عينيه بسبب الأرشيف الذي كان يمتلكه، إذ عمل مع مجموعةٍ من أصدقائه على «رصد تحركات طيران قوات الأسد وإقلاعها من مطار حماة، وتالياً نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي». ويضيف العلي: «من سوء حظّ زميلي أنّ تلك المقاطع والفيديوهات كانت موجودةً على حاسبه».

القبضة الأمنية وإمكانية اعتبار هذه التوثيقات كأدلة اتهام من جهة، وما تسببه من كشف لأسماء وهويات أشخاص من المشاركين في الثورة السورية دفعت أهالٍ ممن جرى اعتقال أبنائهم أو ملاحقتهم، للتخلص من أرشيفهم عبر حذفه أو إخفائه في ظروف غير ملائمة، ما تسبب بدمار وضياع قسم كبير منه.

يقول الناشط الإعلامي قاسم المحمد من ريف حماه إنه فقد أرشيفه كاملاً بعد تعرضه للاعتقال، إذ قامت أسرته بإخفاء حاسوبه خوفاً من عودة الأمن وتفتيش المنزل. خرج محمد بعد شهرين من المعتقل وقام فوراً بنسخ عدة نسخٍ من أرشيفه على أقراص “دي في دي وذواكر خارجية”، وقام بعدها بتحطيم الهارد الأساسي خوفاً من تعرضه للاعتقال مرة أخرى ومحاولة استعادة الملفات التي كانت بداخله، لكن تجربة القاسم لم تكن ناجحة لأن بعض الأقراص تعرضت للتلف نتيجة العوامل الجوية، وبعضها الآخر ضاع في أحد المنازل التي تعرضت للقصف، فلم يعثر على أيّ أثرٍ لها.

أضاع المحمد أرشيفاً يراه «مهماً جداً»، فقد وثّق الشهورَ الأولى من الثورة، كما صوّر الحياة اليومية في تلك الفترة في كامل ريف حماة عبر كاميرا مخفية موضوعة في سيارته، يقول المحمد: «صورتُ في تلك الفترة فيديوهات لمظاهرات وصور عامة كان لها أثرٌ في ذلك الوقت، كما صوّرتُ مُعتقلين بعد خروجهم من المعتقل، ناهيك عن تصوير فيديوهات لحواجز النظام وطرق تعاملها مع المدنيين». ويضيف المحمد: «كنت أعلم أن بعض الصور والفيديوهات ليس لها أهمية كبيرة في لحظتها، ولكن في المستقبل سيكون لها دورٌ كبير، وحدثَ ما توقعته، لكن للأسف ضاع أرشيفي بالكامل».

حال أحمد صباح (إعلامي من مدينة حماه) لم يكن أفضل من حال المحمد، إذ تعرض هو الآخر للاعتقال، الأمر الذي دفع ذويه إلى إخفاء هارد خاص به عند أحد الأصدقاء خوفاً من تفتيش المنزل، ومن باب الحرص «قام ذلك الصديق بحذف كامل محتويات الهارد دون أن يعلم بأهميتها»، كما يقول صباح. وحين خرج أحمد من المعتقل لم يجد شيئاً من أرشيفه الذي «ضمّ عشرات المظاهرات وصور المعتقلين وتوثيق لحظات خروجهم من المعتقل».

تهجير. سرقة. ابتزاز

هادي العبد الله أحد الصحفيين والناشطين الإعلاميين الذين خسروا جزءاً كبيراً من أرشيفهم، يقول العبد لله: «للأسف خسرتُ القسم الأول من أرشيفي الذي صوّرته في القصير نتيجة استهداف البيت الذي كنت أقيم به، ثم عدتُ للتصوير من جديد، لكن لم يكن الأرشيف بمأمن من الضياع، حيث تعرضتُ مرة ً أخرى للقصف مع زميلي طراد الزهوري، وانشغلتُ بإسعافه ومن ثمّ جنازته، فضاع جزءٌ من الأرشيف وتبقى جزءٌ آخر مع أهل طراد، في حين خسرت القسم الثالث الذي تم تصويره في إدلب، إذ جرت سرقة الهاردات من الشقة التي كنا فيها بعد استهدافي مع الشهيد خالد العيسى».

من جانبٍ آخر، لعب التهجير دوراً بارزاً في خسارة أرشيف بعض الناشطين أثناء تنقّلهم من مناطقهم التي نزحوا منها، بالإضافة للعوامل الأخرى التي قد يتعرّض لها كلُّ ناشط. إياد الحسن ناشطٌ من ريف حماة الجنوبي، وقد تعرّض للتهجير نحو محافظة إدلب، ما تسبب بخسارته لجزءٍ كبيرٍ من أرشيفه نتيجة تركه لأحد حواسيبه في ريف حماة، فضلاً عن قيامه بحذف كافة محتوياته قبل التهجير، وكان قبلها قد واجه خللاً في حاسبه ما أدى لخسارة جزء كبير من الأرشيف.

يقول الحسن: «في ذلك الوقت كانت شبكات الإنترنت ضعيفة، ولم يمكنّا ذلك من رفع مساحات كبيرة على مواقع التخزين السحابية، وهو ما أسهم بخسارتي للأرشيف».

أيضاً، لم يسلم ما تبقى من أرشيف الحسن بعد انتقاله إلى إدلب «حيث تعرّض حاسبه لفيروس يعرف بفيروس ‘الفدية’، وقام هذا الفيروس بتشفير كافة الملفات، وطالبه “الهَكر” بدفع مبالغ ضخمة مقابل فكّ التشفير»، وهو ما عجز عنه الحسن فأدّى ذلك إلى فقدان باقي أرشيفه.

ويقول الناشط أنس الأحمد، الذي كان يعمل إعلامياً ومراسلاً لقناة الجسر الفضائية في حمص، إنّه بدأ بتوثيق المظاهرات من خلال جواله، ولكن بسبب قلة مساحة التخزين كان ينقل ما يقوم بتوثيقه إلى الديسك توب، مضيفاً: «كنتُ أجمع كامل التوثيقات على الديسك توب بسبب عدم قدرتنا على إبقاء الصور والفيديوهات على الجوالات خوفاً من النظام ونتيجة قلة مساحة التخزين التي لا تتجاوز 8 غيغا حينها، ومن ثمّ بدأت بالتصوير بكاميرا منزلية عادية، حيث فقدتُ العديد من وحدات التخزين (كروت الذاكرة) وديسك توب كنتُ أخزّن عليه ملفاتي. عموماً كانت الصور رديئةً بالمقارنة مع دقة الفيديوهات والصور التي نقوم بإنتاجها اليوم».

ويتابع الأحمد: «بقيتُ أصوّر بكاميرا منزلية من منتصف سنة 2012 وحتى نهاية العام 2013. عندها أعطاني أحدهم كاميرا كانون من طراز X52، وبدأتُ التوثيق بها، ولاحقاً اشتريت لابتوب لأخزّن عليه عملي، ولكنّ قسماً من التوثيقات تعرّض للضياع بعد أن نقلتُها إلى هاردات اكتشفتُ في وقتٍ لاحقاً أنّ خللاً ما أصابها».

لاحقا أصبحت الأحجام كبيرة، بحسب الأحمد، وأصبح هناك قصف ومجازر بشكلٍ متصاعد، فلم «يعد الاهتمام بالتخزين على الهاردات حلاً ناجعاً بسبب رداءتها»، مضيفاً: «بدأتُ حينها بالتوثيق على قناتي في يوتيوب، وفي عام 2015 بدأتُ العملَ في قناة الجسر، وأصبح الأرشيف موجوداً لدى قناة الجسر وفي قناتي على يوتيوب، ولكن في العام 2018 فقدتُ كلمة المرور الخاصة بقناتي، وكنتُ حينها في تركيا، بينما كانت القناة مربوطةً برقم جوّال سوري لم يعد بحوزتي. الآن القناة ما زالت موجودة، ولكنّي لا أستطيع الدخول إليها».

أما عن باقي محتويات أرشيفه، فيذكر الأحمد أنه يملك أرشيفاً مخزّناً على هارد بسعة واحد تيرا، اشتراه في العام 2015. ولكنّه يخبرنا بأنّ أكثر ما يحزنه هو «فقدان المقاطع القديمة التي تم تصويرها في بداية الثورة، والتي ضاعت منه أثناء خروج المُحاصَرين من مدينة حمص بسبب تلف الكاميرا وذاكرتها الداخلية». فضلاً عن ذلك، فقد الأحمد «توثيقاتٍ لمجزرة الزعفرانة بعد أن كُسرت كاميرته وتعرّض للضرب».

من بين الأمور الأخرى التي اعترضت عمل أنس الأحمد في التوثيق هو تعرّضه إلى مضايقاتٍ ومصادرة للأرشيف خلال عمله على توثيق تهجير الدفعة الاولى من ريف حمص الشمالي، إذ «قام عناصر ملثّمون من فصيلٍ عسكري بكسر الكرت المحتوي على مقاطع الفيديو هذه» حسب قوله.

هناك ما يمكن إنقاذه.. الأرشفة الإلكترونية

يخبرنا عبد الحميد الشحنة من ناشطي حماة الأوائل، أن «أرشيفه القديم ما يزال محفوظاً في أحد الأماكن، لكنه غير متاحٍ بالنسبة له»، متمنياً «ألا يتعرض للتلف نتيجة السنوات الطويلة التي مرّت على تخزينه». أما الصور التي قام بإرسالها للنشر فهو «ما زال محتفظاً بها».

يحدثنا الشحنة عن مراحل الأرشفة والتوثيق التي مر بها خلال عمله، والتي أسهمت بحفظ قسم كبير من مواده، يقول «بداية الثورة لم يكن لدينا الخبرة الكافية للتوثيق والأرشفة، وكان هدفنا الأول نقل الأخبار والمظاهرات التي شغلت المدينة. اعتمدتُ على هاتفي في عملية التصوير، وكنت أخزّن الصور والفيديوهات على كرت ذاكرة الهاتف، ثم أقوم بنقلها وأرشفتها على الحاسب بعد تشفير الملف وإخفائه ضمن أحد المجلدات خوفاً من مداهمة قوات الأمن، ثم أختار بعض الصور وأقومُ بإرسالها إلى صديقٍ خارج سوريا، ليقوم بدوره بنشرها عبر الصفحات، ويحتفظ بما تبقى ضمن أرشيفه».

ترك الشحنة مدينة حماة وانتقل إلى الريف الحموي، فتمكن من تطوير مهاراته وحصل على كاميرا، وبدأ بتوثيق المعارك والقصف على المدن، كما بدأ النشر بنفسه على قناته الموجودة على يوتيوب، غير أنه لم يتمكن من التعامل مع المواقع السحابية لتخزين أرشيفه فيها، وذلك «نتيجة عجزه عن دفع مبالغ الاشتراك في هذه المواقع»، ولذا اعتمد على التخزين التقليدي على الهاردات، ما عرّضه لفقد بعض أرشيفه نتيجة تلف بعض الهاردات، وهو يملك اليوم «نحو واحد تيرا من الميديا المصورة ما بين 2012 – 2017» بحسب قوله، وهو التاريخ الذي توقف به عن التصوير بعد تعرضه لحادث سير.

ويخشى الشحنة اليوم من فقدان أرشيفه نتيجة استخدامٍ خاطئٍ للهارد أو تعرضه للسرقة أو الاعتقال من أحد الفصائل العاملة في الشمال، ولذا «عمد إلى حفظ نسخةٍ ثانيةٍ منه».

فضلاً عن ذلك، عمد الشحنة إلى رفع بعض الفيديوهات والصور المهمة على مساحات التخزين السحابية، وذلك حتى يتمكّن من الوصول لها في أي مكان، كما قام بحفظ كافة الفيديوهات المنشورة على قناته وقناة «التجمع الوطني لأحرار حماة» بالتعاون مع مشروع الأرشيف السوري؛ خوفاً من تعرّض القنوات للحذف كما حدث مع كثير من الناشطين.

بدوره، عمل الناشط أدهم الحسين على تغطية أحداث ريفي حماة وإدلب منذ عام 2014، وتتملكه مخاوف كبيرة من فقدان أرشيفه نتيجة عارضٍ ما. يقول الحسين إنه «عانى بداية العمل بشكلٍ كبير نتيجة ضعف الإمكانيات، وفقد هادر واحدٍ من حواسيبه الذي كان يتوفر عليه أرشيفه نتيجة خللٍ في الكهرباء أدى إلى تلف الهارد».

مخاوف الحسين من تكرار الحادثة دفعه لحفظ أرشيفه الذي يضمّ أكثر من 2 تيرا في أكثر من موقع، وذلك حتى يضمن بقاء نسخةٍ سليمةٍ منه، ولكنه يرى أن الطريقة الأفضل هي «الحصول على اشتراك سنوي في أحد المواقع السحابية، غير أنّ ضعف الإمكانيات يحول دون ذلك».

يخالف حيان أبو رشيد، الذي يعمل كناشط إعلامي منذ العام 2012، الحسين الرأي حول الأرشفة عبر التخزين السحابي، يقول إن التخزين على هاردات خارجية «أفضل بكثير من المواقع السحابية أو قنوات اليوتيوب»، ولذلك هو يحتفظ بكامل أرشيفه، بما في ذلك المواد التي كان يرسلها إلى بعض الوكالات، في هاردات خارجية. كما أنّ أبو رشيد فقد أكثر من عشر حسابات في فيس بوك نتيجة ما أسماها «القوانين الجائرة التي يفرضها الموقع»، وقد قام موقع يوتيوب بحذف فيديو له يوثّق مجزرة عابدين التي قام بتوثيقها، ومدته ست دقائق، هو الأمر الذي دفعه لفقدان الثقة بهذه المواقع، بما فيها المواقع السحابية، وذلك «خوفاً من التهكير أو فقدان الحساب» وفق رأيه.

ويرى إياد الحسن أنّ التخزين السحابي «جيد، لكن قد يكون المُشترِك عرضةً لإغلاق حسابه أو ضياعه أو نسيان كلمة السر»، ومن الأفضل برأيه أن يكون هناك «تخزين مزدوج على المواقع السحابية وعلى الذواكر الخارجية».

ويعزو أنس الأحمد، سبب عدم لجوئه إلى التخزين السحابي، إلى «عدم توفر الإنترنت بشكلٍ جيدٍ حينها في ريف حمص»، ويقول: «لم يكن يفكّر بموضوع الأرشفة إلا بعض الناشطين القلائل، كما أننا لم نكن نملك المعرفة الكافية بالتخزين السحابي، وأيضاً لم يقم التقنيون بتدريبنا وتعريفنا بأهمية عمليات الأرشفة. علاوةً على ذلك، لم يكن لدينا ثقة كبيرة بالتخزين السحابي بسبب اختراق الحسابات وإغلاقها وتعطيلها من قبل شبيحة النظام، وهو ما دفعنا إلى حفظ أرشيفنا بيدنا مستخدمين الطريق البدائية وغير الآمنة».

مازال هادي العبد الله يملك ملفاتٍ ضخمةً على وسائل التواصل الاجتماعي رغم قيام تلك المواقع بحذف كثيرٍ من الفيديوهات، لكن بعد حصوله على جائزة حرية الصحافة تمكّن من توثيق صفحاته بشكلٍ رسمي على وسائل التواصل، وهو ما يراه أكثر أمناً. ويرى هادي أنّ «النظام وأنصاره يحاولون بشكلٍ مستمرّ حذفَ كامل مقاطع الفيديو والصور المتواجدة على شبكة الانترنت، وذلك وفق مساعيهم لتوثيق التاريخ بالشكل الذي يريدونه، وتشويه تاريخ الثورة، وأخشى أن يأتي اليوم الذي يقرأ فيه أولادنا أننا كنا عصاباتٍ مسلحة كما يروج النظام، ولذلك فإنّ الأرشفة هي الضامن الوحيد الذي يظهر حقيقة ما عشناه».

 

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

 

خريجو الجامعات السورية في لبنان.. فقر وبطالة ومهن شاقة

محمد كنعان

ينقل طارق رفقة زميله القضبان المعدنية داخل الشركة التي يعملان بها منذ لجوئهما إلى لبنان، الشهادة الجامعية التي يحملها (طارق مهندس بتروكيماويات في سوريا) لم تنفعه بإيجاد عمل مناسب، لكنها […]

ينقل طارق رفقة زميله القضبان المعدنية داخل الشركة التي يعملان بها منذ لجوئهما إلى لبنان، الشهادة الجامعية التي يحملها (طارق مهندس بتروكيماويات في سوريا) لم تنفعه بإيجاد عمل مناسب، لكنها كانت تدفعه في كل مرة إلى التباطؤ عند وصوله إلى قسم الدهانات في الشركة، يحركه الفضول لاستراق النظر، أحياناً لإلقاء حزمة من النصائح والإرشادات للعمال اكتسبها من دراسته وعمله السابق في معمل دهان في مدينة حمص قبل تهجيره منها.

“أنت أبرد من مؤخرة السقّا”، يخاطب مسؤول العمل طارق ما يدفعه للإسراع نحو ورشة الحدادة في “الهنغار” المجاور، فيما يترك عمال البويا وراءه غارقين في ضحكهم.

يداه المسودتان من حمل القضبان المعدنية وثيابه المتسخة تحولان دون إضفاء طابع الصدق على كلامه حول دراسته. وسط سخرية من حوله يخبرنا طارق “لا قيمة لشهادته في هذا المكان، هو هنا عامل حدادة وفقط”.

قبل ستة أعوام انتهي مطاف النزوح بطارق وزوجته وأولاده الثلاثة في جنوب لبنان،  قصد خاله الذي كان يقيم في الصرفند ويعمل في الشركة ذاتها منذ خمسة عشر عاماً. قبل أن تنتهي أيام الضيافة شرع طارق بالبحث عن وظيفة يحمل معه شهادة الهندسة التي انتزعها من جامعة البعث ويراها أحد كنوزه التي خرج بها من بلاده، بالإضافة إلى زوجته وأولاده.

كانت بيروت وجهته الأولى، فهي العاصمة وإليها يحج المهندسون والباحثون عن عمل كـ طارق، والذي صار برتبة لاجئ مهندس. لم تجد كل محاولته بالبحث عن وظيفة، فقد كان في كل مرّة يصطدم بجدار الرفض في كل مكان يذهب إليه سواء في بيروت أو خارجها. يقول طارق” أحدهم قال لي:” المهندسين عنّا على قفى مين يشيل، والشاطر يللي بيطلع لبرّا، نصيحة لا تعذب حالك وروح دورلك على شغلة تانية”. محاولاته اليائسة والكثيرة جعلت تفكيره ينصب في سؤال واحد: ماهي مهنتي الجديدة؟.

تتقلص فرص حصول اللاجئين السوريين ممن يحملون شهادات جامعية في الحصول على وظائف ترضي رغباتهم، يمنعهم عنها امتناع السلطات عن توظيفهم، وحصرهم في أعمال كالزراعة والبناء والتنظيف. أوفرهم حظاً من امتلك وظيفة داخل مجاله أو فيما يشبه تخصّصه، براتب أقل من الموظف اللبناني، وبعيداً عن أعين مراقبي وزارة العمل.

في الآونة الأخيرة ومع اشتداد الأزمة الماليّة في لبنان وقدوم كورونا أصبحت فرصهم شبه معدومة. وأصبح التحدّي الأكبر لهؤلاء البقاء على قيد الحياة، دخل كثير منهم ميادين العمل الثلاثة “زراعة، بناء، تنظيف” وانخرطوا في أعمال شاقة، الأمر الذي جعلهم في موضع هشاشة كونهم يعملون في أعمال لم يألفوها ولم يتقنوها من قبل، وغير قادرين على تحمل المشقة والتعب داخلها، ما ينهك أجسادهم ويضيف إليهم معاناة جسدية من تعب وإرهاق وآلام مستمرة، ومعاناة نفسية تبدأ برفض الواقع والتذمر من الحال التي وصلوا إليها ولا تنتهي بالسخرية والتنمر الذي يلقونه من بعض زملائهم في العمل. وسط عجزهم في الوقت ذاته عن فعل أي شيء.

محكوم بالأشغال الشاقة

لا ينسى طارق أول يوم قضاه في مهنته الجديدة، يومها قضى أكثر من إحدى عشرة ساعة تحت الشمس، وهو يعمل في صب الباطون. تحت حرارة لامست الأربعين درجة مئوية كان متسلّحاً بجزمة سوداء وصلت حدود ركبتيه، إضافة إلى قبعة منحه إياها المسؤول” الفورمان”. يخبرنا أنه لا وقت محدد للعمل، نفاد كمية الباطون تحدّد ساعة عودتك للمنزل.

يقول طارق إنه لم يكد يعرف نفسه بعد وصوله للبيت، لا أحد من أولاده اقترب منه، حتى زوجته كانت ترمقه بنظرات غير مألوفة، كأنها كانت تقول في سرّها “من هذا؟”، كانت تنظر إلى بقع الباطون المتيبسة على ثيابه، إلى يديه المغبرتان بالاسمنت، أفرجت بعدها عن كلمة

“يعطيك العافية”.

“لم أكن أتصور أن هذه الرائحة النتنة التي تخرج من جسدي وقدماي بعد خلعي لحذائي مصدرها أنا، لوهلة أحسست أني صرت إنساناً آخر، المهندس طارق لم يعد موجوداً، حل محله طارق العامل واللاجئ”، ويضيف بحرقة:” دخلت في نوبة من الكآبة واليأس لازمتني فترة طويلة، ولا زالت أعاني تداعياتها حتى اليوم”.

تنقل طارق ضمن عدد من المهن الشاقة، كان آخرها الحدادة، وذلك في ورشة داخل الشركة التي يعمل بها خاله. “لم أعرف عملاً هينا أو صعباً، كلّها شاقّة، على الأقل هنا الشمس لا تحرق أجسادنا”، وعلى الرغم من وجود اختصاص يتعلق بدراسته داخل أروقة الشركة إلا أنه فشل في الحصول على وظيفة. كانوا دوماً يخبرونه “نحتاج عمّالاً لا مهندسين”.

يواجه الأكاديميّون السوريون تحدّيات كبيرة في سوق العمل، وتشهد ساحاتها منافسة قوية بين العمّال السوريين واللبنانيين وصلت أحياناً إلى اتهام السوريين بسرق لقمة العيش، وسلب اللبنانيين فرص عملهم، مع تناسي أن أرباب العمل يوظفون سوريين  في ظروف سيئة عنوانها الاستغلال والأجور المنخفضة. وهنا يجد الجامعيّون أنفسهم في الموضع الأكثر هشاشة، وبالإضافة إلى ما سبق يتوجب عليهم امتلاك مميزات أخرى كبنية جسدية قويّة والعمل لساعات طويلة و”أيام العطلة أحياناً” وإثبات جدارتهم في أي مهنة لنيل استحقاق البقاء فيها.

محمد الخلف هو مقاول لبناني في الإنشاءات، يخبرنا أنه كان في أغلب الأحيان يمتنع عن تشغيل سوريين من أصحاب الشهادات، “أعمال البناء تحتاج قوة بدنية وقدرة على التحمّل”، ويضيف أنه ذات مرّة قبل بتشغيل شاب سوري قال إنه كان يعمل طبيب بيطري، وذلك بدافع الشفقة، فاختار له الخلف مهنة البلاط باعتبارها الأسهل، وطلب منه النوم في الورشة.

” كنت أشاهد معاناته في كل مرة كان يحمل بها كيس الإسمنت، بعد أسبوع استيقظ العمال ولم يجدوه، حزم أمتعته وغادر”.

سميح الزين هو لاجئ سوري كان يعمل كمحاسب صندوق في سوبر ماركت بمدينة صيدا، وذلك قبل أن يتم تسريحه مع عدد من الموظفين لتخفيف النفقات إبان الأزمة المالية اللبنانية. يعتبر سميح عمله السابق رفاهية قياساً بعمله الحالي في البناء، بالرغم من أنه كان يعمل اثني عشرة ساعة تقريباً. ويقارن بين الوظيفتين:” كنت أقوم بعدة تمارين رياضية عندما أستيقظ كي أتخلص من ألم الجلوس الطويل على الكرسي، أما الآن أستيقظ وأشعر بأني أحمل خزّاناً على ظهري، ولا أقوى على ممارسة الرياضة”. ويضيف “كلّ الخيارات أمامنا مرّة، الحصول على عمل بالمحاسبة  أو أي مهنة في هذا الوقت حلم “.

يخبرنا أنه في الآونة الأخيرة امتنع عن زيارة الأطباء، فقد كان آخرهم يخبره أنه بحاجة لفترة طويلة من الراحة، أو البحث عن عمل جديد لا يكون متعباً، فيما اكتفى الزين بعلاج نفسه من صيدليته الصغيرة في منزله، والتي تحوي الكثير من المسكّنات.

وتعد مهنة البناء من الأعمال الشاقة لما تنطوي عليه من مشقّات وجهد جسدي واستنشاق للغبار، وتعتبر أيضاً خطرة نتيجة العمل في الأماكن العالية( قد تسبب السقوط من المباني)، والتعامل مع أدوات خطرة. وكشفت دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية استهدفت 2004 لاجئاً “، أن نصف العاملين يعانون آلاماً في الظهر أو المفاصل أو يشتكون من الإرهاق الشديد، و60% منهم معرضّ للغبار والأبخرة، ويعاني 49% منهم من حالات زكام أو حمى شديدة. وأن 47% من اللاجئين بات عاطلاً عن العمل، وتدنت نسبة الجامعيين في ميدان العمل إلى 3% فقط”.

ويلفت الانتباه سميح الزين إلى أنّ موجات اللاجئين القادمة من سورية والمحمّلة بأصحاب الكفاءات العلمية، قد كسرت حاجز النمطية القديم عن صورة العامل السوري” عامل بناء، مزارع، ناطور بناية”، ويقول الزين أننا كنا نشهد توظيف جامعيين في فنادق وخدمات الاستقبال ومستشفيات وصيدليات وشركات تجارية وعقارية، وأصبح السوريون ينافسون اللبنانيين في مختلف القطاعات. إلّا أن الإجراءات الحكومية ضيّقت الخناق على الآلاف منهم، والذين يعيشون في بلاد تعاني في الأصل من بطالة وأزمات ماليّة متلاحقة.

ثالوث العمل في قرار الوزارة

البناء والزراعة والنظافة هي فقط المهن التي يحق للسوريين مزاولتها مهما كانت كفاءاتهم، وذلك بناء على قرار وزارة العمل الصادر في 16 كانون الأول عام 2014، وقد شهد سوق العمل في الأعوام التي تلت صدور القرار وصولاً لبداية الأزمة اللبنانية تشديداً في المراقبة والتفتيش، ليس فقط في المحلات والمنشآت الصغيرة بل الشركات والمصانع الكبرى التي كانت تشغل سوريين من أصحاب كفاءات علمية.

مصطفى السعد وهو لاجئ سوري خريج كلية الآداب، ذكر أنّ القرار حرم المئات من وظائفهم، كما عزز الاستغلال الوظيفي بالعمل لساعات طويلة لقاء أجور متدنّية تساوي نصف أجرة الموظف اللبناني على قاعدة” عمنشغلك بالسرقة”.

ويخبرنا السعد إلى أنه لطالما تحوّل إلى عامل نظافة عند زيارة مفتشي الوزارة للمكتبة التي يعمل داخلها.” مؤخراً أصبحت وظيفتي أيضاً”، ويضيف: أنه أول من يدخل المكتبة وآخر شخص يخرج منها، وبالرغم من عمله لساعات إضافية لا يحصل على الأجر الذي يستحقّه، كما أنه يضطر أحيانا للعمل يوم العطلة.

وتوضح دراسة للمؤسسة اللبنانية للاستخدام وجمعية تجار بيروت بعنوان ” اليد العاملة في المؤسسات التجارية والخدماتيّة”، إلى أن تدفق السوريين إلى سوق العمل ساهم بارتفاع معدل البطالة من 11% إلى 21%، وزاد من حدّة المنافسة غير العادلة وغير المشروعة بين العمال اللبنانيين والسوريين، فضلاً عن أنه سبب اتساع حجم سوق العمل غير النظامي وخفض مستويات الأجور.

وتقول الدراسة إن الوجود السوري في سوق العمل يسبب ضرراً كبيراً باللبنانيين، وبشكل أخص بالشباب والنساء وأصحاب المهارات العالية والشهادات الجامعية، باعتبار أن مستويات البطالة مرتفعة ومقلقة لدى الشباب اللبناني.

لا توجد منطقة رمادية تحوي السوريين من أصحاب الكفاءات العلميّة، بل على العكس كانوا أول المستهدفين في قرارات وزير العمل سجعان قزي الذي قال إن لبنان لم يعد يتحمل وجود مليون ومائة وخمسين ألف يد عاملة سورية وفلسطينية تنافس اليد العاملة اللبنانيّة.

صورة تعبيرية لعمال سوريين في لبنان -إنترنيت
صورة تعبيرية لعمال سوريين في لبنان -إنترنيت

جميع من تحدّثنا معهم من المتعلمين السوريين أكدوا لنا أن المجالات التي كانوا يعملون بها قبل خسارتهم لعملهم لا تلبي طموحاتهم، باعتبار أن لبنان يعاني بالأساس من البطالة، إذ كان من الصعب الحصول على عمل في تخصص كل منهم، لكن بقيت أعمالهم تدور في فلك تخصصاتهم أو ما يشبهها، ومع ذلك كان الوضع سابقاً أفضل من الآن.

ولفهم هذه النقطة يقول عامر العلي وهو مهندس مساحة، إن الشركة العقارية التي كان يعمل لصالحها وظّفته وكيلاً على الورش، يراقب العمال وإنتاجهم ويستلم مواد البناء ويقوم ببعض الأعمال الإداريّة، وفي الجانب السلبي يشير العلي أنه كوكيل لم يكن يحصل على حوافزه، حتى لم يتم منحه سيارة كباقي المهندسين، “كان الرضا والقبول شعارنا في العمل”، ومؤخّراً لم يكلف طرده شيئاً إذ إنه موظّف غير مصرّح به قانونيّاً.

“كنت أراقب العمال وصرت منهم” يخبرنا العلي عبر واتس آب، “أعمل مع أحدهم شغيل دهّان”. لم يكن أمام محدّثنا فرصة بالحصول على أي عمل حتى اللحظة، بحث أياماً طوالاً إلى أن انتهت نقوده ونفدت مؤونة بيته وجاع أطفاله كما أخبرنا.

مهندس ومزارع وعامل وعتّال

“على الحكومة اللبنانية تطوير برامج لخلق فرص عمل شاملة، وتخصيص نسبة من هذه الوظائف للاجئين السوريين، ومنح الإقامة القانونية وتصاريح العمل للذين تم اختيارهم في هذه الوظائف”.

سحر الأطرش من منظمة اللاجئين الدوليّة

أمجد الأحمد مهندس زراعي يعمل في شركة متخصصة بالمشاتل، وهو ما ساعده على إخراج تصريح قانوني بالعمل، إذ تم تسجيله كمزارع.

يقول بامتعاض إنه لا يتقاضى أكثر من نصف أجرة زملائه المهندسين، مع أنه يتفوق عليهم بعدد ساعات العمل، بالإضافة إلى حرمانه من الحماية القانونيّة “عقد عمل” والحوافز والضمان الاجتماعي. ويخبرنا أنه يعمل كمزارع وعامل وعتّال داخل الشركة، فيما يقتصر عمله كمهندس على التحدث مع الزبائن عن الأصناف بطريقة علمية.

ارتفاع أجور السكن وانعدام فرص العمل دفعا أمجد للقبول بهذه الوظيفة التي يراها استغلالاً له، فهو يعيش في غرفة خشبية  لدى الشركة بالقرب من المشتل، في حين وصلت كلفة أجار المنزل وفواتير الكهرباء والمياه ما يعادل المعاش الذي يتقاضاه، كما يروي.

يبحث أمجد عن وظيفة أخرى، فعمله الشاق وساعاته الطويلة جلب إليه ديسك الرقبة. في الوقت ذاته يفاضل ضمن دائرة خياراته ضيقة، آخذاً بالاعتبار السكن المجاني والراحة البدنيّة عنواناً لوظيفته المرجوّة، سواء في مجال اختصاصه أو أي مجال آخر.

يقول أمجد إنه كان بصدد العثور على فرصة عمل خارج لبنان، وذلك بواسطة منظمة مهارات بلا حدود، بعد تأكّدهم من شهاداته وخبرته. لكنه تعثر في أول مكالمة صوتية عبر الواتس آب، إذ طلبوا إليه التحدّث معه لعشر دقائق باللغة الإنجليزية التي لا يتقنها، وقيّم مستواه “ضعيف جدّاً” وتم رفضه.

ممنوع من التدريس

على صعيد التعليم، أوضحت رابطة التعليم الأساسي في بيانها أنه لا بد من أن يكون المعلمين الذين يقومون بتدريس اللاجئين السوريين من الجنسية اللبنانيّة، سواء كانوا في الملاك أو بالتعاقد، وسواء كانوا في التعليم الصباحي أو المسائي أو التعليم غير النظامي، كون الطلاب يدرسون المنهج اللبناني.

من جهته أشار مستشار وزير التربية صلاح تقي الدين في حديثه للشرق الأوسط، إلى أن مبادرات تعليم السوريين أتاحت فرص عمل لأكثر من 12 ألف لبناني، العدد الأكبر منهم معلّمين، وفي نطاق أضيق مرشدين اجتماعيين ونفسيين.

إسماعيل حاج حسين كان آخر المغادرين والمودّعين لقريته (بليون) في جبل الزاوية من بين أفراد عائلته، يخبرنا أنه كان ينتظر الحصول على شهادته الجامعيّة ” تربية، معلم صف” من جامعة إدلب.

يقول إنه كان متسلّحاً بشهادته في كل زيارة لمدرسة بغية تقديم طلب توظيف، لكن عامل اللغة الإنجليزيّة والمنهج اللبناني المعتمد، بالإضافة إلى النظرة المتدنّية للجامعات السورية، من أهم الأسباب التي منعته من وضع قدمه داخل الصفوف اللبنانيّة، وذلك بعد محاولات عديدة ويائسة، ليجد نفسه بين أخوته في ورشة لتلطيش الحجارة، ويفترق عنهم بعدها بسنتين لمشقة هذا النوع من الأعمال، إذ يعمل الآن ويعيش كمزارع في بستان في قرية برته شرق صيدا.

يوضح حاج حسين أن فرص المعلمين السوريين مقتصرة على العمل مع المنظّمات والجمعيات الغير حكومية، وبشكل تطوّعي، مقابل بدل مادي لا يكفي أجور المواصلات وثمن دخانه.

تموت شهاداتنا وتتغيّر ثيابنا

يقول بن فنس، مؤسس منظّمة “موزاييك”، “وهي منظمة مقرها المملكة المتّحدة تساعد اللاجئين السوريين على الوصول إلى التعليم العالي في سورية ولبنان”، إن 6% فقط من اللاجئين في سن الدراسة الجامعية مسجّلون في الجامعات اللبنانيّة، بينما كان حوالي ربع السوريين في سن الدراسة يدرسون في الجامعات السورية قبل الحرب، ويعزو ذلك إلى أسباب عديدة منها صعوبة الحصول على عمل بعد إنهاء الدراسة.

عدوى الخوف من عدم الحصول على وظيفة انتقل إلى أروقة الجامعة حيث يدرس الطلاب السوريون، وخلقت هاجس الخوف من البطالة، الأمر الذي دفع العديد منهم لترك الجامعة والالتحاق بسوق العمل، وذلك اختصاراً للوقت، وتجنّباً لخيبات مستقبلية حين لا يمارسون المهن التي اختاروها، بحسب من تحدّثنا إليهم.

أبو وليد كان يعمل مدرّسا قبل أن يدخل إلى لبنان بصورة غير شرعية، وهو رب أسرة مكوّنة من خمسة أفراد، يخبرنا أحد أقربائه أن الواقع المعيشي الصعب أجبره على العمل في “السنغرة” تمديدات صحيّة، ذات يوم أخبر زوجته أنه آخر يوم له في هذا العمل شاق، فقدماه تورّمتا من صعود الأدراج، وجسمه أصبح بالكاد يقوى على المشي. في اليوم نفسه وخلال عودته إلى المنزل أحس أبو وليد بالتعب، جلس بالقرب من شجرة، ليرتاح، شرب سيجارته الأخيرة، ثم مات.

توفّي الأستاذ أبو وليد ولم يكن وليد قد أتم سنته الجامعية الثالثة، بينما كان أسامة على أعتاب السنة الأولى. اختار الأخ الأكبر مهنة النجارة بعد تركه للجامعة وتسلّمه دفّة القيادة من أبيه، وما زال أسامة حتى اللحظة في الجامعة، ينتظر شهادته حتى يركب البحر قاصداً أوروبا.

صورة تعبيرية لعمال سوريين في لبنان -إنترنيت
صورة تعبيرية لعمال سوريين في لبنان -إنترنيت

من بين أشقائه الأربعة استطاع علي حجز مقعد له في الجامعة، يخبرنا أنه كان سيصبح أستاذاً ويحقق حلم والده، قبل أن يفكّر في ترك الجامعة. يقول إنه لم يفلح في إقناع والده برأيه، ودخل معه في جدالات وسجال تطوّر إلى أن ضربه وطرده خارج المنزل.

علي اليوم وبعد سنتين اقترب من أن يصبح معلم ميكانيك سيارات، في الواقع يقول إنه غير نادم، لديه عمل ثابت وراتب جيد، لكنه مع ذلك يشعر بغصّة ويتمنى لو أكمل دراسته.

“يا طنط”

” أكره تنمرهم علي، وبالذات أبو سيجارة بنيّة” يقول المهندس طارق مشيراً لزملائه وللمسؤول عنه في العمل الذي يدخن السيجار. خاصة كلمة “طنط” التي يطلقونها عليه نتيجة عدم اعتياده على العمل، يقول طارق “بالنسبة لهم، أنا مختلف عنهم ومنبوذ، ضعيف البنية وبطيء الحركة، وأبرد من مؤخرة السقا كما يقول المسؤول لي بتنمّر”.

يعيش كثير من المتعلّمين السوريين حالة نفسية صعبة، لقاء عملهم في مهن لم يروا أنفسهم فيها سابقاً، ويرغب جميع من تحدّثنا معهم بمغادرة لبنان. يقتاتون على أحلامهم التي ضاعت وانفجرت في لبنان، إذ لم يعد العمل بثياب نظيفة وخلف طاولة وكمبيوتر أحد أمنياتهم بقدر تأمين لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة.

يقول المهندس أمجد الأحمد إن كل رنّة هاتف قد تمثّل أملاً له بالهجرة، ينتظر المفوّضية أن تخبره: “ملف اللجوء الخاص بك كان قيد الدراسة، وأنت مهيأ الآن للسفر إلى أوروبا، أعلمنا إذا كنت موافق”.