فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الذاكرة المسمومة إن لم تُروض تفترسك

عروة الحجي

لطالما استوقفتني شرور الإنسان محاولاً فهم منشئها ودوافعها، وأجيّر كل ذلك لتأكيد أن الشر طارئ، والأصل في الإنسان هو الخير، منهج تفكير ساذج، لكن أحبه وأدافع عنه، وأرعاه. أذكر في […]

لطالما استوقفتني شرور الإنسان محاولاً فهم منشئها ودوافعها، وأجيّر كل ذلك لتأكيد أن الشر طارئ، والأصل في الإنسان هو الخير، منهج تفكير ساذج، لكن أحبه وأدافع عنه، وأرعاه.

أذكر في غمرة هذا الاهتمام بالشرور البشرية وقسوتها أنني غرقت مرةً في بحث غريب يتعلق بالسموم، هالني حد الرعب هذا المبحث، كم هو عتيق، تاريخه وتطوره واستخداماته وضحاياه، وأربكني تسخير الانسان جزء غير يسير من ذكائه وتطوره العقلي والعلمي في التفنن بقتل الآخرين بهذه الطريقة، بصمت وهدوء وخسة.

أكثر السموم كانت لفتا للانتباه تلك التي تقتل ببطء. لطالما حاولت عَيش لحظات ذاك الذي يعرف أنه سيموت عما قريب، ربما هذا أيضا ما دفعني إلى الجلوس متسمراً عند نافذة صغيرة في سجن حلب المركزي كانت تطل على مكان تنفيذ حكم الإعدام شنقاً، وكان سجينا قديماً تقصدت عقد صداقة معه فقط لأجل هذه اللحظة، أجلس وأنظر في الفراغ، وتتشكل أمامي مشاهد يروي تفاصيلها السجين، هكذا جيء بالمحكوم عليه بالإعدام، هذا يصرخ وذاك يقاوم وآخر غاية في الاستسلام وأحيانا وكأن المحكوم كان مستعجلاً لتنفيذ الحكم.

ما بين السم وانتظار الموت، يلح علي سمٌ يؤخذ من أحد أنواع الفطور، ربما اسمه فطر الذباب، هذا السم لا يقتل، بل يُسبب آلاما شديدة تزداد إلى أن يجد علاجاً، أو يستسلم الجسد تحت سطوة الألم، وفي حالات أخرى، يُنهي الذي تجرع السم حياته بيده، وينتحر، حيلة ماكرة للقتل، لكنها غاية في القسوة والحيوانيّة.

المقدمة الطويلة أعلاه، ليست توطئة لمقال لا عن الشر ولا عن السموم ولا عن الإعدام شنقاً، بل هي توطئة لمقال عن “الذاكرة”، ألح على كتابته صديق، وعلى مبدأ الصرخة التي يليها الاستسلام قال: “يا أخي أكتب أي شي”.

في العقد الأخيرة من أعمارنا، وبحكم معايشتنا للثورة السورية في البدايات، ثم ولا أقول الحرب، بل المحرقة التي قام ويقوم بها النظام في كل مدينة أو قرية خرجت من تحت عباءة عبوديته محولاً إياها إلى غرفة غاز مستلهما الدروس من صديق والده ومستشاره ألويس برونر، النازي الهارب إلى دمشق، والذي ساهم قبل ذلك في تأسيس منظومة الرعب الحارسة لنظام الأسديْن.

الذاكرة، ذاكرتنا نحن السوريين في السنوات العشر الأخيرة،  بكل ما فيها من زخم التفاصيل، والوجوه، ليست كأي ذاكرة، أي مجرد بطاقات تحمل أسماء أو حوادث، مرتبة في رفوف الماضي، نستدعيها بسحب ذلك الدرج أو هذا،  بل الذاكرة – ذاكرتنا نحن من كان يتنفس يومياتها ويوميات أناس غافلهم الموت ولم يكملوا أشياء كانوا يحدثوننا عنها- هذه الذاكرة، لأحداث لم تكتمل و لأعمار لم تكتمل، هي كائن حي، يعيش في دواخلنا، والناس في هذه المساكنة مذاهب، منهم من وجد صيغة ترضي الطرفين، ومنهم من ليس لديه ما يثير فضول تلك الذاكرة فتغادره إلى بئر النسيان، وآخرون لم يقدروا على ترويض الذاكرة، كبرت وصارت كائنا متوحشاً، يتغذى من روحك، وعقلك، وحتى من جسدك. مثل هذه الذاكرة تشبه فطر الذباب آنف الذكر، سمٌ يُسبب لك الألم ما حييت، وأمامك خيارين، أن تدع جسدك يستسلم ويموت، أو تمتلك الشجاعة وتقتل تلك الذاكرة وموتك يكون أثراً جانبيا لهذه المعركة- الضرورة، ليس إلا.

هذا الصراع كان حسمه هيّنا، لكن شرور العقل البشري أرادت له أن يستمر، شرور ما يسمى المجتمع الدولي، شرور الأخوة الأعداء من السوريين، شرور شركاء الثورة، وخصوصا من وضع نفسه في مراتب الآلهة، يقرر المصائر، ويقضي يميناً وشمالاً، وغيرها ممن يعرف تماماً معنى أن تكون الذاكرة ناقصة، أو مشوهة.

إذن يا صديقي، أن أكتب يعني أن افتح باباً مثل ذاك الذي يُفتح في “لا كوريدا دي توروس” وهنا أستعير التسمية الإسبانية لمصارعة الثيران حتى لا تُستفز الذاكرة أكثر وتعتقد أنني أشتمها. رغم أن المُصارع والثور كلاهما عملياً يدافع عن نفسه.

وهنا فإن فعل التسويف في الإجابة عن طلبك وكتابة المقال المطلوب ليس إلا حالة دفاعيّة وجودية تمنع إعطاء فرصة لتلك الذاكرة التي تتربص تحاول الانقضاض على ما بقي من الروح والتهام ما بقي من أزقة القلب القائمة ولم يدمرها برميل، أو تُهدم لنوّسع المقبرة.

نعم، المسموم بفطر الذباب قلتُ إن أمامه خياران أن يستسلم ويترك جسده كي يذبل ويستسلم أو يتجرأ ويسحب خيط الحياة بيده، وحقك أن تقول إن هذين الخيارين معهما خيار ثالث كما ذكرت في البداية، وهو العلاج، فلماذا طويته ولم تذكره؟

المسموم أمثالنا، يا صديقي، يعتبر العلاج شكلا من أشكال الخيانة، أحترم مثلا القائد العسكري الذي يبقى على الجبهة حتى بعد انكسارها، ينتظر الأعداء بصلابة ورزانة، يسوّي ثيابه، يعدّل قبعته العسكرية، يجلس بشموخ على الكرسي، يمسك مسدسه الحربي، ويضع في رأسه رصاصة. في الوقت الذي كان الطريق إلى الهروب مفتوحا.

وأنا أكتب لك هنا عن أسباب عجزي عن كتابة حرف واحد، ظلت الذاكرة السمجة فوق رأسي تراقب، بهدوء، وكلما أمعنت أكثر في الكتابة صارت أكثر هدوءً، توحي وتشي بشيء من الود. توقفت عن تسطير اعتذاري وكنت أريد استكماله كي يكون مقنعاً لا يثير سخطك توقفت و تفرست في الذاكرة الودودة الهادئة، لم أنتبه من قبل إلى تلك الأخاديد والملامح،  كم تشبه في كثير تفاصيلها حلب، هل حدثتك عن حلب يا صديقي؟!

انخفاض أسعار لحم الأغنام تنذر بتراجع أعداد الثروة الحيوانية في إدلب

محمد كساح

غيّر محمد خط سيره ضمن سوق الخضار بمدينة إدلب، ليقف قبالة أحد محلات الجزارة المنتشرة بالسوق، يطيل التمعن في لائحة الأسعار المعروضة. “كيلو لحم الغنم ب 45 ليرة” شجعه السعر […]

غيّر محمد خط سيره ضمن سوق الخضار بمدينة إدلب، ليقف قبالة أحد محلات الجزارة المنتشرة بالسوق، يطيل التمعن في لائحة الأسعار المعروضة. “كيلو لحم الغنم ب 45 ليرة” شجعه السعر الجديد على الاستعاضة عن لحم الدجاج بلحم الأغنام ليضيفها لطبخة “الكراث” التي تنوي زوجته إعدادها.

شهدت أسعار لحوم الأغنام انخفاضاً خلال الأسابيع الماضية وتراجعت من خمسة وستين ليرة إلى خمسة وأربعين للكيلو غرام الواحد، بانخفاض يقدر بنحو 30% مقارنة بسعرها قبل شهرين وهو ما شجع أهال على شرائها بدلاً من لحوم الدجاج التي تباع بعشرين ليرة تركية.

يرجع مربو الماشية أسباب الهبوط الحالي إلى ارتفاع أسعار الأعلاف الذي دفع كثير منهم لبيع جزء من مواشيه بهدف تأمين الغذاء للجزء المتبقي، ما أدى لكثرة العرض في الأسواق والتي تلعب دوراً رئيساً في انخفاض أي سلعة.

ووصل سعر الطن الواحد من التبن إلى 170 دولار. الفول العلفي 400 دولار. جلبان 600 دولار. ذرة صفراء 280 دولار. نخالة 240 دولار. حنطة علفية220 دولار. برسيم 600 دولار. وتستعمل هذه المواد كخلطة علفية تقدم للمواشي بينما كان سعر طن التبن خلال أشهر الصيف نحو ١٢٥ دولاراً وسعر طن الشعير نحو ٢٠٠ دولار.

يقول المهندس الزراعي يحيى تناري إن ارتفاع أسعار العلف وتأخر موسم الأمطار الذي حرم المواشي من الرعي في المساحات الخضراء زاد من عرض المواشي في الأسواق من قبل المربين للتخفيف من الخسارات.

يفرق مربو المواشي بين نوعين من الأغنام ، الأول تتم تربيته بهدف الذبح للاستفادة من لحومه ويكون غالبه من الذكور، ويعتمد في غذائه على العلف والتبن دون الحاجة للمراعي، ويحتاج كل خروف ثلاثة كيلو غرامات من العلف بشكل يومي ويستمر علفه بشكل تقريبي نحو ثلاثة أشهر ما يعني أنه بحاجة لنحو ربع طن منها، وبحسب الأسعار التي أوردناها تعتبر تربيته خاسرة.

أما النوع الثاني من الأغنام فهي أغنام المسرح والتي يعتمد المربي في إطعامها على الرعي بشكل رئيس وعادة تكون من الإناث التي تربى للتكاثر والاستفادة من الحليب ومشتقاته.

محل جزارة لبيع لحم الأغنام في إدلب
محل جزارة لبيع لحم الأغنام في إدلب

على مدار أسابيع دفع مربو المواشي بخرافهم الذكور إلى القصابين لذبحها بعد عجزهم عن إطعامها، بينما يفضل بعضهم اللجوء إلى تهريب قطعانهم إلى مناطق مثل منبج وصولاً إلى كردستان العراق لأن أسعار التهريب أفضل من أسعار السوق المحلية، وهذا ما عزز الطلب على “الفطيمة” وهي أنثى الخروف التي لا يقل عمرها عن سنة، و”القرقورة” وهي الأنثى الصغيرة التي بلغت ستة أشهر.

مستقبل الثروة الحيوانية

نقل مربو الماشية آلاف رؤوس الغنم من ريف إدلب إلى مناطق عفرين بعد العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الأسد في السنتين الماضيتين، شجعهم على ذلك استقرار الأوضاع الأمنية ووجود المساحات الخضراء التي تشكل مراعي جيدة لأغنامهم لذا باتت محافظة إدلب تستجر الأغنام من تلك المناطق بعد أن كانت تعتمد على المنتج المحلي.

نزح أبو عبدو مع مواشيه من ريف معرة النعمان الشرقي إلى مدينة الباب شمال حلب، يقول إنه يأمل بازدهار المهنة وتضاعف أعداد مواشيه بعد الانتكاسات التي أصيب بها في ريف إدلب، لكنه يخشى من انعكاس عمليات التهريب بشكل سلبي على أعداد المواشي الموجودة في المنطقة، بسبب اقتصار التهريب على إناث الماشية دون الذكور وهو ما سيؤثر على مستقبل الثروة الحيوانية.

بحسب قصابين يعملون في إدلب تضاءل الفرق بين أسعار إناث المواشي والخروف الذكر الذي كان متفوقاً بشكل كبير سابقا. يقول “أبو محمود” وهو قصاب يعمل في مدينة بنش شرقي إدلب إن سعر الفطيمة والقرقورة لا يقل حاليا عن سعر الخروف”. ويعزو “أبو محمود” هذا الأمر إلى الطلب الواسع الذي يشهده السوق على أنثى الخروف في ظل رواج تهريبها خارج مناطق المعارضة.

ويرى المهندس التناري أن الطريقة المتبعة اليوم في تجارة المواشي ستنعكس بشكل سلبي على أعداد الأغنام الموجودة وهو ما يؤثر على سوق اللحم خلال الأشهر القادمة، نتيجة انخفاض أعداد المواليد وبالتالي انخفاض العرض في الأسواق.

وفقا للإحصائية التي قدمها “تناري” يبلغ عدد رؤوس الغنم في إدلب حالياً نحو 300 ألف رأس، بينما كانت عددها 385 ألف رأس بحسب إحصائية وزارة الزراعة لسنة 2018 من المتوقع انخفاضها مالم يقدم بديلاً عملياً ورخيصاً عن العلف، إضافة لوجود حلول جذرية لعمليات التهريب.

صحة إدلب توضح حقيقة الشائعة التي حذرت الأهالي من تلقي اللقاح الروتيني

ٲسامة الشامي

قرر خالد العبد الله منع أطفاله من الذهاب للمدرسة في اليوم الذي سيتلقون فيه اللقاحات الروتينية، خوفاً على صحتهم بعد سماعه لصوتية انتشرت عبر غرف الواتس آب وتحدثت عن خطورة […]

قرر خالد العبد الله منع أطفاله من الذهاب للمدرسة في اليوم الذي سيتلقون فيه اللقاحات الروتينية، خوفاً على صحتهم بعد سماعه لصوتية انتشرت عبر غرف الواتس آب وتحدثت عن خطورة هذا اللقاح وآثاره على صحة الأطفال.

حيث تداولت غرف الأخبار على برنامج واتس آب، والتي تعتبر مصدراً مهماً للأخبار في إدلب، صوتية لشخص مجهول يحذر الأهالي من تطعيم أطفالهم باللقاح المدرسي، وأن هذا اللقاح ضد فيروس كورونا وله آثار سلبية ستظهر على الأطفال خلال الأشهر القادمة.
ودعا صاحب الصوتية الأهالي للامتناع عن إرسال أطفالهم إلى المدارس لأن إدارات المدارس ستجبر الأطفال على تلقي اللقاح بعد إقناعهم بأنهم مصابون بالكورونا.

ترافق انتشار الصوتية مع الحملة السنوية التي يقوم بها فريق لقاح سوريا لتحصين الأطفال من الأمراض السارية، ما ترك أثراً أكبر لدى الناس، حيث لاقت الإشاعة رواجاً كبيراً بين الأهالي تسبب برعب كثير منهم حيال اللقاح المدرسي الذي ينفذه الفريق، معتبرين أنه خاص بفيروس كورونا.

في حين اعتبر بعض من التقيناهم أن ما سمعوه شائعة تحتمل التصديق والتكذيب لكنهم غير مضطرين للمغامرة وإعطاء أطفالهم للقاح، متجاهلين الأخطار المستقبلية التي قد تصيب الأطفال نتيجة إهمال اللقاحات الروتينية.

بيانات رسمية

أصدرت مديرية صحة إدلب أمس الأحد بياناً نفت فيه تلك الشائعات وأوضحت للأهالي حقيقة الأمر، حيث ذكر بيان الصحة في بدايته الصوتية المنتشرة، وما حملته على لسان شخص مجهول من تحذير الأهالي وبث إشاعات مغلوطة وجب توضيحها من الجهات الرسمية.

وأشار البيان إلى أن الصوتية تتحدث عن لقاح كورونا والذي لم يدخل سوريا حتى لحظة إعداد البيان الذي أكد أن جميع اللقاحات التي يتم تنفيذها هذه الفترة يتضمنها برنامج اللقاح الروتيني الذي تقدمه مديرية صحة إدلب بالتعاون مع فريق لقاح سوريا، مؤكداً أنها لقاحات آمنة، ومقدمة من منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف، وهذه اللقاحات معتمدة في جميع دول العالم.

وأوضح البيان أن حملة اللقاح المدرسي التي يتم تنفيذها حالياً تندرج ضمن اللقاحات الروتينية التي يجب على كل طفل تلقيها، وهو لقاح ثنائي (دفتريا، وكزاز) ضروري جداً للوقاية من مرضي الكزاز والدفتريا وتضمن مديرية الصحة أمنه وفعاليته.

من جانبه أصدر فريق لقاح سوريا بياناً جاء فيه أن إعطاء الفريق للقاح المدرسي الثنائي (الكزاز، الدفتريا) جاء بالتزامن مع الاهتمام العالمي والحديث عن اللقاح ضد فيروس كورونا، ما أدى لحدوث لبس لدى الكثير من الناس وانتشار الاشاعات المغلوطة واعتبار اللقاح الحالي لفيروس كورونا.

وأوضح البيان أن الفريق لا يقدم أي لقاح في الشمال السوري غير حاصل على اعتراف منظمة الصحة العالمية وغير مستخدم في دول العالم.

ونوه البيان إلى أن لقاح فايروس كورونا لم يدخل سوريا حتى الآن، وأن هناك لقاحات للفيروس حصلت على اعتراف منظمة الصحة العالمية، وبدأ تطبيقها في بعض الدول الأوربية والعربية لكنها لم تصلنا حتى لحظة إعداد التقرير، وسيتم الإعلان عنها في حال وصلت إدلب بشكل رسمي.

مقصلة الحذف في مواقع التواصل الاجتماعي: من يحمي الذاكرة من عمليات الغسيل وتبييض تاريخ القَتلة؟

عروة الحجي

غسيل الأموال، وتبييضها جريمة تُحاسب عليها القوانين لتحويلها على الأغلب ما هو غير شرعي إلى شرعي، في هذه النقطة ومن حيث الشكل والدلالة، كيف يُنظر مثلاً إلى “غسيل الذاكرة”، و […]

غسيل الأموال، وتبييضها جريمة تُحاسب عليها القوانين لتحويلها على الأغلب ما هو غير شرعي إلى شرعي، في هذه النقطة ومن حيث الشكل والدلالة، كيف يُنظر مثلاً إلى “غسيل الذاكرة”، و “تبييض التاريخ”، هل هو ممكن بداية؟ وإن كان كذلك ما هي الدوافع والأدوات والتداعيات؟ هل تغدو بعد ذلك جريمة؟ كيف يمكن أن تتعامل معها القوانين إن كانت كذلك؟

سلاح التوثيق في مواجهة السوط والبندقية

التحقيق الذي سُتُنشر فصوله وحلقاته تباعاً وفي افتتاحيته المعنونة بـ “الأرشفة والتوثيق سلاح الحقيقة في مواجهة قتل التاريخ”، ذكرنا أن وأد التاريخ يكون في تغييب وضياع الوثيقة، وفق ما خلصت إليه جل المدارس التاريخية الوضعية، وفي الحالة السورية تشتد الحاجة إلى حماية “الوثائق” وخصوصاً البصرية منها لقيمتها العالية كقرينة ودليل، بوصفها نافذة لحفظ الحقوق، وإقامة العدل، والانتصار للضحايا، وباختصار هي معركة وجود بالنسبة لهم.

ومن المفيد العودة إلى البدايات، بدايات الثورة السورية، فحين كان الإنسان السوري محاصراً بجحافل عسكرية وأمنية وإعلامية تسعى إلى تقويض حقه في التعبير والحياة، لم يفكر كثيراً حين “شغّل” كاميرا هاتفه المحمول، كانت وسيلته الوحيدة للمقاومة، يقول من خلالها للعالم حقيقة ما يحدث بالصوت والصورة.

ومن هنا شكلت “مواقع التواصل الاجتماعي” ميداناً بديلاً للمواجهة عن الميدان الذي كان يجر نظام الأسد مناوئيه إليه، كانت بديلاً استراتيجياً عن العنف، بل وسيلة ذكية لاحتوائه، أو التخفيف منه على أقل تقدير، هذا البديل أربك نظام الأسد، وأحرجه، وهو ما تسبب لاحقاً في اعتباره الناشطين الإعلاميين “الخطر الأكبر” وجرت ملاحقتهم في عملية انتقامية انتهت في كثير من فصولها السوداوية بقتلهم، في الميدان أو تحت التعذيب في المعتقلات، ورغم تصفية عدد كبير منهم، إلا أن تدفق الصور عبر الانترنت لم يتوقف، وبهذا شكلت مواقع التواصل الاجتماعي أضخم “مكتبة” تنضح منها وسائل الإعلام والجهات الحقوقية المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

لم يعد بوسع مكائن الإعلام الموجه للأنظمة الديكتاتورية مواجهة هذا النوع من الإعلام البديل –الجديد-، وهو ما جعل مصداقيتها تهوي حتى عند مؤيدي تلك الأنظمة، أو في الحد الأدنى تدفع إلى إثارة شك هنا، وتساؤل هناك.

إخفاء التاريخ

في السنوات الخمس الأخيرة، تعددت محطات اختفت فيها قنوات وتسجيلات وحسابات سوريّة مناصرة للثورة السورية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً في تويتر وفيسبوك، معنية بتوثيق مفاصل الثورة، وتداعيات حرب نظام الأسد على الشعب السوري.

أرشيف ضخم كثير منه عُمّد بدماء الناشطين الذين حرصوا على التوثيق في أكثر المناطق خطورة للعمل الصحفي وفق تصنيف “مراسلون بلا حدود”.

نتحدث هنا عن ملايين الفيديوهات، حُذفت جملة واحدة بشكل صادم، أو تختفي فرادى بهدوء وصمت. هذا الحذف يتسبب في كل مرة بموجة غضب، لا تخلو من الاستغراب، وصولاً إلى أصوات وجدت في “نظرية المؤامرة” تفسيراً سهلاً لسلوك إدارات مواقع التواصل الاجتماعي البارزة. في اتهام صريح بمحاولتها “تعقيم مواقع التواصل الاجتماعي من جرائم نظام الأسد انحيازاً له على حساب ضحايا الثورة السوريّة”.

كيث هيات، مستشار التكنلوجيا والقانون وحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قال إن ٢٠٠ منظمة مدنية في سوريا تعمل في جمع مشاهد انتهاك حقوق الإنسان، العديد من الذين يعملون مع هذه المنظمات يغامرون بحياتهم من أجل تصوير المشاهد، وإن حجب المشاهد المُصورّة في سوريا يُفقد موقع يوتيوب صفة مصدر المعلومات الأول حول انتهاكات حقوق الإنسان.

“ما يختفي أمام أعيننا هو تاريخ الحرب المفزعة”، بهذه الكلمات وُصفت عملية حذف يوتيوب لتسجيلات الثورة السورية المذكورة آنفاً، وفق ما نقلت نيويورك تايمز عن مدير منظمة “آيروورز” العاملة في أرشفة تقارير الضحايا مفتوحة المصدر، وتقييم الأضرار المدنية من العمليات العسكرية.

منظمة آيروورز التي تتخذ من لندن مقراً لها، تعرضت هي لحذف مقاطع لها في يوتيوب، وفق تقرير نشره موقع ميدل إيست أي، وهو ما دفعها إلى رفع شكوى لإدارة يوتيوب، تتضمن انتقاداً لآليات التقييم والحذف المعتمدة في يوتيوب.

المنظمة وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية اعتبرت يوتيوب المصدر الأول للسوريين تحديداً لتوثيق جرائم الحرب في مناطقهم منذ بدء الصراع، وقيام يوتيوب وفيسبوك بحذف تلك الفيديوهات يُعد إسقاطاً لدليل حاسم على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إسقاطاً لأدلة إلى الأبد كان يمكن أن تستخدم في مقاضاة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية.

فيسبوك أيضا في عين عاصفة الغضب، ففي منتصف العام الجاري، أطلق ناشطون سوريون حملة واسعة تحت عنوان “فيسبوك يحارب الثورة السورية” احتجاجا على “السياسة التعسفية” التي تمارسها إدارة المتمثلة بحذف آلاف حسابات معارضين لنظام الأسد، بما فيها حسابات موثقة بالعلامة الزرقاء، بذريعة انتهاكها “معايير المجتمع”.

آلية الحذف ومبرراته

يوتيوب كان يعتمد في وقت سابق على من يعتبرهم “مراقبين موثوقين” للإبلاغ عن أي مادة غير لائقة، لتُخضع بعد ذلك إلى مراجعة بشرية، إلا أن الحال تغير بعد عام ٢٠١٧.

بدأ توجه جديد تزامن مع توغل تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بتنظيم داعش، ولجوئه إلى فضاء الانترنت لبث مقاطع إعدام بشعة، وهو ما دفع إلى ردة فعل تهدف إلى احتواء ما تصفه إدارة منصات التواصل الاجتماعي، بالمحتوى المتطرف أو العنيف، وأسنُدت مهمة التعرف إليه إلى برمجية ذكاء صناعي جرى تطويرها لهذه الغاية، تعمد تلقائياً إلى حذف المحتوى. إضافة إلى توفير يوتيوب ميزة “الإبلاغ” وتتيح لأي مستخدم الإبلاغ عن مخالفة أي فيديو تحت أربعة عناوين أبرزها، المحتوى الذي يتضمن مشاهد عنف، والمحتوى الذي يتناول الأسلحة النارية.

المعياران السابقان وضعا جل فيديوهات الثورة السورية تحت مقصلة الحذف، فالفيديو الذي ينجو من الحذف التلقائي بذريعة “مكافحة التطرف” قد يُحذف بذريعة “العنف”، وهو ما يثير الاستغراب وخصوصا أن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا قائمة كلها على لا العنف فقط، بل العنف المفرط.

ميزة الإبلاغ والحال هذه تحولت إلى الميزة الفُضلى لجيوش إلكترونية تابعة لأجهزة المخابرات السورية، تقدم بلاغات غزيرة في وقت واحد، وفق ما كشف تامر تركماني، ناشط مهتم بحفظ التسجيلات ونقلها من مواقع التواصل إلى الاجتماعي إلى وسائط تخزين خارجية.

التركماني أشار كذلك إلى تحذير إدارة يوتيوب تحت طائلة الحذف ضرورة وضع علامة على الفيديوهات التي تتضمن مشاهد عنف أنها غير مناسبة للأطفال، وعلق قائلاً: إن هذا الإجراء غير منطقي لسببين، الأول الكم الضخم من التسجيلات المرفوعة تباعاً منذ عام ٢٠١١، والآخر وجود كثير من القنوات بأسماء ناشطين قتلتهم قوات النظام.

يوتيوب اعترفت في تغريدة على حسابها في تويتر، أن برمجية الذكاء الصناعي تحتاج إلى تطوير وتحسين، ومما يؤكد على وقوع يوتيوب في أخطاء كثيرة تراجعها عن حذف آلاف الفيديوهات بعد مراسلات جرت على سبيل المثال بين إدارة الموقع و منظمة “الأرشيف السوري”، إحدى أبرز المنظمات السورية الفاعلة في عمليات الحفظ والأرشفة والتوثيق، وقد أشار مؤسس المنظمة الصحفي “هادي الخطيب” إلى أن المراسلات قبل عامين أفلحت باستعادة قناتين بارزتين في يوتيوب، تضمن أكثر من ٣٠٠ ألف مقطع فيديو، والعمل على إرسال قوائم أسبوعية تتضمن القنوات والتسجيلات المُراد التراجع عن حذفها من جانب يوتيوب.

وفي تقرير نشره الأرشيف السوري في نهاية أيار ٢٠٢٠ بين حفظ ومعالجة ١،٧٤٨،٣٥٨ مقطع فيديو، لم يعد الكثير منها متاحاً لأسباب مختلفة، رغم أن العديد منها يوثق انتهاكات حقوق الإنسان، وإنه منذ تموز ٢٠١٧ استعيد ما يزيد عن ٦٥٠ألف مقطع فيديو وأتيح للعلن بعد إثارة الموضوع مع شركة يوتيوب من قبل الأرشيف. وإنه لا يزال هناك ٣١٦،٠٦١ مقطع فيديو غير متاح حتى أيار ٢٠٢٠، لكنها محفوظة بأمان في الأرشيف ومتاحة عند الطلب.

ويحفظ الأرشيف محتوى ٣٤٨٨ قناة يوتيوب على أساس يومي، من بينها ٣٠١ قناة لم تعد متاحة لكن محتوياتها مخزنة لدى الأرشيف

يخلص التقرير إلى الإثبات أن هذه المنصات ليست المكان الأنسب للحفظ الأمن وطويل الأجل ما يحتم ضرورة استخدام استراتيجيات بديلة لأرشفة هذه المواد.

وتمكن الأرشيف، يظهر ذلك في معرفاته الرسمية، من حفظ ما يزيد عن ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف مقطع فيديو، جمعت من نحو خمسة آلاف مصدر، ومعالجة ستمائة وخمسين ألف مقطع فيديو حتى الآن.

وفي تحقيق نشره الأرشيف السوري حول تأثير كورونا على الإشراف على المحتوى، وذلك باستخدام الذكاء الصناعي كبديل للمشرف البشري في منصات التواصل، يذكر “أن أبحاثه أظهرت ازدياداً في معدلات إزالة محتوى وثائق حقوق الإنسان السورية منذ بداية العام، وقد ازدادت بنسبة الضعف تقريباً على يوتيوب، فيما وصلت إلى ثلاثة أضعاف على تويتر،  بينما لا تتوفر بيانات مشابهة على فيس بوك لأنه، خلافاً لتويتر ويوتيوب، لا يقدم لمستخدميه سبب إزالة المحتوى”، ويخلص التحقيق إلى أن هذه الزيادة غير مسبوقة خلال عمل الأرشيف في جمع البيانات حول إزالة المحتوى منذ عام ٢٠١٨.

نيويورك تايمز، كشفت في تقرير نشرته عام ٢٠١٧ أن التقنية المعتمدة في يوتيوب والمسماة بنظام “التعلم الذاتي” صُممت للتعرف على مقاطع فيديو تبثها جماعات متطرفة أو المتعاطفين معها، لا سيما تنظيم داعش، وهذه التقنية كان يجد أن تخضع في النهاية للمراجعة البشرية قبل إزالتها، إلا ان هذا لم يحدث، بل تمت عملية الحذف بطريقة آلية وترسل بذات الطريقة أيضا تحذيرات لمنتجي المحتوى.

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن حذف تلك الفيديوهات من شأنه إعاقة محاكمة مرتكبي جرائم الحرب، وخصوصا أن تسببت بعرقلة عمل المراقبين والمنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها فريق الآلية الدولية في سوريا والتابع للأمم المتحدة بغرض جمع وحفظ الأدلة الجنائية لاستخدامها لاحقا في المحاكم الدولية.

من يتحمّل المسؤولية؟

لا تُعرف الأعداد الحقيقة للمواد المرتبطة بتوثيق العقد الأخير من تاريخ سوريا، إلا أنها بالملايين، وليس ما نُشر منها في مواقع التواصل الاجتماعي سوى جزء من كل، ظل حبيساً في وسائط التخزين الإلكترونية للناشطين، فقد حدث كثيراً أن أُفرج عن هذه التسجيلات في وقت لاحق من الحدث نفسه، تسجيلات تتضمن تفاصيل أوفى، بدقة عالية، ترفع من القيمة التوثيقية للمادة البصرية، كما حدث مثلا بعد عملية “التهجير” من الغوطة الشرقية في ريف دمشق.

يخلص الأرشيف السوري إلى أن عدد ساعات مقاطع الفيديو التي توثق النزاع في سوريا تفوق عدد ساعات النزاع نفسه، ما يجعل هذا المحتوى “أرشيفاً بالصدفة”، ويتيح لأي شخص أن يكون شاهداً على النزاع وقت وقوعه، ربما للمرة الأولى في التاريخ.

ثمة أصوات تتعالى، ناقدة أو عاتبة، إلا أنها جميعاً تطالب بإنشاء ما يشبه لجنة وطنية للتوثيق، يقول الداعون إليها إن حالة التخلي التي يصفونها بالكبرى عن الثورة السورية ومطالبها وضحاياها تستلزم على الأقل أن يقف الضحايا إلى جانب بعضهم البعض.

ومن هنا، وتأكيداً على أهمية الأرشيف الذي يعاني من سياسات إدارات منصات التواصل الاجتماعي، أو الغياب في وسائط تخزين إلكترونية بسبب انعدام الخبرة في مجال الأرشفة، وأحيانا تتسبب الفوضى والإهمال بضياعها، كل هذا يؤكد على ضرورة تضافر الجهود لحفظ وأرشفة الكم الهائل من الوثائق، وإنشاء بنك معلومات يسهل الوصول إليه من جانب المنظمات الدولية والحقوقية، المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان.

فإلى الآن، الغالب الأعم في جهود التوثيق من جانب المؤسسات والأفراد، تكون محدودة على أهميتها، وقد ساعدت فعلاً بعض هذه الجهود في تقديم مجرمي الحرب إلى المحاكم الأوروبية أو إصدارها مذكرات توقيف بحقهم، لكنها لم ترتق بعد لرسم الإطار العام لأرشيف متكامل يشمل مساحة الوطن السوري ككل.

ثمة من يرى أن الحل يعتمد على تضافر الجهود على المستوى المحلي والعربي، وخصوصا من الجهات المناصر للربيع العربي، عبر إنشاء منصات كبرى بديلة، معنية بحفظ وحماية التسجيلات بوصفها دلائل لا يمكن نفيها بمواجهة قطار الثورات المضادة الحريصة على تقويض أهم فترة تاريخية عربية منذ نحو قرن.

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

الأرشفة والتوثيق سلاح الحقيقة في مواجهة قتل التاريخ

عروة الحجي

الأرشفة بوصفها سلاحاً مَن الذي يؤرخ للذين لا تاريخ مكتوباً لهم ممن عانى وشُرد وعُذب، مَن يؤرخ للضحايا المنسييْن على هامش الأحداث الكبرى؟ هذه الأسئلة وسواها برزت عقب الحرب العالمية […]

الأرشفة بوصفها سلاحاً

مَن الذي يؤرخ للذين لا تاريخ مكتوباً لهم ممن عانى وشُرد وعُذب، مَن يؤرخ للضحايا المنسييْن على هامش الأحداث الكبرى؟ هذه الأسئلة وسواها برزت عقب الحرب العالمية الثانية لتُطلق جهود تحويل شهادات أولئك الشفوية إلى “وثائق”، تكفل الحرص على أرشفتها بتحولها لاحقا إلى ركائز أساسية في عمل المؤرخين المحترفين، لأن ضياع الوثيقة ضياع للتاريخ، وفق ما خلصت إليه المدارس التاريخية الحديثة.

وعليه، فإن كتابة التاريخ في المستقبل هي عملية تبدأ في الحاضر، في اللحظة الراهنة وتجري تحت مظلة “التوثيق والأرشفة”، والأخيرة ليست مجرد عملية حفظ للوسائط والسرديات والمرويات، تتكفل بها في العقد الأخير، أو بجزء كبير منها، مواقع التواصل الاجتماعي ووسائط التخزين الإلكتروني، بل هي عملية تدقيق وتمحيص، إن الأرشفة بعبارة أبسط وأوضح، بحث وحفظ مسؤول نقدي وواع للحقائق، فحقائق الماضي، هي الميدان المشترك بين علمي التاريخ والاجتماع، وهو ما يُفضي إلى أن التوثيق والحالة هذه نشاط إنساني في جوهره، هو واجب والتزام أخلاقي في المرتبة الأولى.

 إذن، فإن الأرشفة بوصفها عملية تجميع وحفظ، والتوثيق القائم على التدقيق والتحقيق الواعي، صنوان، الفصل بينهما يضر كليهما، مما يستوجب أن يسيرا معا في خطوات منطقية منظمة.

وتميّزُ تلك الخطوات عناصر منها على سبيل المثال لا الحصر، تبيان طبيعة المادة الموّثقة، ومنبعها الأول أي المصدر الأصيل، والسياق الذي استدعى ظهورها والحاجة إلى حفظها، والشرح الواضح لمضمونها، زماناً ومكاناً ومكونات، بما في ذلك من محتوياتها، المادية والبشرية، في وصف دقيق، وتمييز المعلوم منها والمجهول.

مسألة الأرشفة والتوثيق كما أسلفنا تُعد سلاحاً فعالاً من أسلحة الانتصار للحقيقة، وهي أداة أساسية للمهتمين في مجالات البحث والتأريخ، وهذا الأمر على ما فيه من أهمية، إلا أنه وفي ظروف معينة، يرتقي إلى القداسة، لأنه يصبح ملحاً ضرورياً لمسائل العدالة والإصلاح ونبذ الفساد والمفسدين.

وبناء على ذلك، تبرز الحالة السوريّة بوصفها نموذجاً مثالياً لتأكيد الحاجة الملحة إلى جهود “الأرشفة والتوثيق” بمعية خبرات ومهارات رصينة تتكفل بنتائج رصد الأحداث، تصويراً وكتابةً، وهو رصد شجاع تكفل به في الدرجة الأولى “الناشطون الإعلاميون”، قرروا في لحظة معينة، تحت شروط وجودهم في المكان والزمان الصحيح، تجنيب هذه اللحظة مقصلة النسيان والاندثار.

والمثال الأوضح عما سبق، “صور قيصر”، فالمصور العسكري مجهول الاسم، أدواته كانت تتمثل في أنه شاهد شجاع،  راصد هام، وحافظ متمكن، إلا أن عملية تحويل محتوى ما سربه من صور اكتملت الغاية والفائدة منها، من خلال عملية أرشفة علمية دقيقة، دأبت على فرز  الصور وتوثيقها بشكل منهجي علمي تحليلي، نتج عنها بيانات، ساعدت الباحثين والحقوقيين في ترجمة جهودهم إلى واقع، كُتبت الأبحاث ورٌفعت الدعاوى، وصدرت مذكرات توقيف، وصار للضحايا أسماء بعد أن كانوا مجرد أرقام عقب تعرف ذويهم عليهم، وصولا إلى إحراج واشنطن وإصدارها قانون حماية المدنيين، قانون قيصر، قيصر العقوبات التي انتصرت للضحايا من جلادهم.

الإشكالية في “أرشفة وتوثيق” العقد الأخير من تاريخ سوريا يعود إلى عوامل عدة في مقدمتها ازدحامه بالأحداث والتفاصيل، واكتفاء كل منطقة بتسجيل حوادثها بمعزل عن السياق العام، أي أن أول ما يمكن أن تساعد فيه عمليات ضخمة للأرشفة والتوثيق، أو تكاملها،  هي رسم الصورة الكاملة لأهم فترة في تاريخ سوريا الحديث، المُساعدة للإجابة عن أي سؤال مستقبلا من قبيل: ماذا حدث وأين حدث ولماذا حدث وما هي تداعيات ذلك الحدث، وبدون هذه الأجوبة ستضيع الحقوق ويضيع التاريخ، وهنا تبرز أهمية سعي جهات عدة العمل الآن في محاولات لكتابة التاريخ الراهن.

من الضروري في هذه الآونة، سريعا ودون إبطاء، إن لم تُدعم جهود الأرشفة والتوثيق على نطاق واسع، البدء على الأقل بعملية تجميع وتصنيف وتبويب للمعلومات المكتوبة والمصورة، لأن الواقع يقول إن الضياع يُهدد ما جهد كثيرون بحفظه، وإيجاد آلية للتخزين وتنظيم بث ما جرى تجميعه، وهذه المهمة هي أيضا جزء من عملية التوثيق، ذلك يساعد في لفت انتباه جهات وأفراد، قد يثمر عن أشكال مفيدة من التعاون، تخدم بشكل رئيسي عملية التوثيق وتعززها.

إن العملية السابقة يجب أن تقوم على أساس مجموعة إجراءات تضمن تفحص المعلومات المُجمّعة أو المخزنة، و وضع رؤوس أقلام بخصوصها، تحوّلها إلى قائمة بيانات مُعلنة تساعد في وصول مختلف الجهات إليها، لتعرف بدقة ما الذي تريده منها وأي المعلومات التي تفيد تحقيق غايتها.

فعلى سبيل المثال، لو قرر ناشطون إعلاميون في مدينة إدلب، جمع ما لديهم من تسجيلات التقطت خلال عام واحد، واكتفائهم فقط بترقيم التسجيلات و وضع قائمة مبسطة بمثابة فهرس، تربط كل تسجيل بكلمات مفتاحية مثل: قصف، مستشفيات، قوات النظام، فإن هذا النظام يحوّل “موادهم” إلى بيانات تساعد على سبيل المثال “الأمم المتحدة” في الحصول على تسجيلات محددة خلال مدة محددة تتعلق بموضوع محدد، يُسهل لجان التحقيق فيها للاستنتاج والقول : إن قوات النظام خلال عام كذا، استهدفت العدد كذا من المراكز والمنشآت الطبية، في مخالفة صريحة لاتفاقية جنيف، هذه قد تكون خطوة باتجاه محكمة الجنايات الدولية.

كثيراً ما تبرز الحاجة خلال بحث أو تحقيق في مسألة ما في مكان ما اللجوء إلى ناشط بارز في تلك البقعة، وحين يُسئل عن هذه الحادثة، يقدم شهادة “شفوية” ويتعذر عليه إيجاد “التسجيلات” التي تدعم “شهادته” تحت مبرر ” الأرشيف عندي ضخم والبحث قد يستغرق وقتا طويلا”، وقد يكون محقا فلم يتوقع أحد أن تظل الكاميرات تدور لعشر سنوات، لكن هل لنا أن نتخيل كم يضر الحقيقة عدم بذل الحد الأدنى من عملية “الأرشفة والتوثيق” والمتمثلة “بتنظيم المعلومات” و فهرستها على أقل تقدير.

في مدينة حلب، دمر صاروخ باليستي ١٥٠ منزلا في منطقة أرض الحمراء، وهي منازل ذات مساحات صغيرة، وبعد رفع الأنقاض تحول مكان سقوط الصاروخ إلى ساحة خاوية. البيوت المُدمرة ملكيتها في حلب ليست مسجلة رسميا في السجل العقاري لأنها مناطق عشوائيات، وإثبات الملكية يكون من خلال “حكم محكمة” وهي وثيقة محفوظة في مكان ما في دار العدل- القضاء- المحكمة، هذا المكان تعرض لحريق تسبب بتلف الوثائق. الآن ما الذي يمنع السلطات لاحقا من اعتبار المساحة الخاوية أعلاه مجرد حديقة، وكأن بيوتا لم تُبن فوقها في يوم من الأيام؟

تسجيلات مصورة قد تفيد مستقبلا، التُقطت حينها بنية انتاج فيلم وثائقي.

وبناء على ما سبق، فإن “الأرشفة والتوثيق” في الحالة السورية، ترتقي إلى مستوى شكل من أشكال المقاومة، مقاومة الضياع، هي حاجة وجودية، وهويّة، ونافذة أمل لحفظ الحقوق، وترسيخ العدالة، إنها حائط الصد الأخير للدفاع عن الانسان السوري في مواجهة عمليات القتل والتغريب والتهجير واليأس.

تم دعم هذا التحقيق (الذي سينشر تباعاً) من قبل صندوق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمويل الأعمال الاستقصائية NAWA -IF

 

المراجع

الموسوعة الحرة، ويكيبيديا

موسوعة التاريخ الشفوي- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مقدمة ابن خلدون

أسس التوثيق، نحو نظرية عربية في التوثيق، عزت السيد أحمد

التوثيق الإعلامي, محمد عبدالبديع السيد

“أدب سيارات الشمال”.. تنفيس وطرف ودروس حياتية

محمد الأسمر

تتباين ملامح محمد بين الوجوم والضحك والإغراق في التفكير لحل أحجية المقصود من العبارات المكتوبة على السيارات والتي باتت تعرف بـ “أدب سيارات الشمال”. يحاول يومياً أن يختار عبارة يكتبها […]

تتباين ملامح محمد بين الوجوم والضحك والإغراق في التفكير لحل أحجية المقصود من العبارات المكتوبة على السيارات والتي باتت تعرف بـ “أدب سيارات الشمال”.

يحاول يومياً أن يختار عبارة يكتبها على سيارته الجديدة يختصر فيها ما يشعر به، ويجول ببصره باحثاً بين عشرات العبارات المكتوبة، بعضها مكرر من حكم وأدعية، أخرى خلقتها الظروف التي يعيشها السكان ويقتصر فهم ما يقصد بها عليهم، كذلك تلك التي تبدو رسائل موجهة لحبيبات أو لأشخاص أو لواقع سياسي معين.

يكفي أن تكتب وسم “أدب سيارات الشمال” على فيس بوك لتشاهد عشرات الصور تحمل عبارات متنوعة تعبر عن حياة الناس اليومية، تعكس معاناتهم، ولاقى بعضها انتشاراً واسعاً على صفحات التواصل لتوافقها مع الحالة العامة لكثيرين منهم كالنزوح، مثل العبارة التي كتبها أحد النازحين على سيارته المحملة بأغراض منزله “يا ظالم إلك يوم” أو “لا تشوفنا نازحين بدنا نرجع رجعة عز”.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

كسرت الكلمات الجديدة لـ “أدب سيارات الشمال” حاجز النمطية القديم، والتي كانت تقتصر على الأدعية والحكم والأشعار الموروثة الشهيرة، وولدت الحياة التي يعيشها الناس في إدلب عشرات العبارات التي لم نسمعها من قبل، والتي يصعب على غير الملمّ بأحوال البلد فهمها، كالعبارة التي كتبها رجل من سراقب على سيارته “طلع مو عادي”، إذ لا يمكن لقارئ أن يفهم معنى عبارته إلا من عاش تجربة نزوح جديدة وكانوا يظنونها أمراً بسيطاً يمكن الاعتياد عليه، إلا أن الواقع كان أصعب من تخيلهم، ومثلها عبارة  “طلع بأثر” أو “بحبك قد ما الجيش اقتحم الكبينة وفشل”.

كما سيطرت عبارات النصح والحكمة المستمدة من الواقع على المشهد، إذ تقرأ العشرات منها ممن يتحدث عن عيب النفاق وضرورة الابتعاد عنه، مثل “في ناس زمرة دمها  Oنفاق”، “عشرتكم تلج نص ساعة وتدوب”، “الله يديم المصلحة مشان نشوف الوجوه الطيبة”، “بطلوها للكولكة”، “الصديق المصلحجي متل مال الحرام ما بدوم” ومثلها كثير من العبارات التي تنتقد واقعاً اجتماعياً تعتمد فيه العلاقات الاجتماعية على صداقة المصالح والنفاق.

تتشارك عبارات اليوم مع الأمس بمعاني الحماسة والفخر، لكن بقوالب جديدة لم نألفها سابقاً، إذ لم يعد الفخر بالبلد أو الجنسية السورية أو القائد موجوداً واقتصرت عبارات الفخر على الأشخاص بأنفسهم أو عشائرهم، “الصفوف الأخيرة ليست صفوفنا نحن أينما وقفنا يبدأ العد” أو “” لما كنتو رايحين تصيروا .. نحنا كنا راجعين”، “خليك بدربك دربنا صعب عليك”، “لا غلينا ولا رخصنا، السوق إلكم نحن ما ننباع”.

في حين تسيطر عبارات الطرفة والفكاهة على الموقف وتكاد تكون أكثر انتشاراً، وأغلبها يكتب للمرة الأولى إذ يكون نابع من تجربة شخصية أو حالة اجتماعية. “لا تسأل مجرب ولا تسال حكيم، خبص لحالك والله كريم”، “بعت حبك واشتريت شعير”، “رضا الناس بدو مصاري ونحن جماعة طفرانين”، و “خليك فضة تحكي فيك الزلم مو ذهب تلبسك نسوان”.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

تختلف العبارات المتداولة على السيارات العمومي عن السيارات الخاصة، إذ يميل أصحاب السيارات العامة للحكم والأدعية وعبارات التباهي والمفاخرة، “كيا ومين قدا” و”عين الحاسد تبلى بالعمى”، يقول أبو أمين سائق تكسي عمومي “قد تعكس العبارة المكتوبة شخصية السائق وطباعه فهناك من يبقيها مطبوعة لفترة طويلة دون أن يغيرها حيث يعتبرها مرآة لمشاعره، على خلاف أصحاب السيارات الخاصة الذين يقومون بتغيير العبارات باستمرار، رغبة منهم بلفت أنظار المارة وكأن زجاج سيارته تحول لحائط فيس بوك يستعمله في توجيه الرسائل العامة والخاصة”.

يتنافس أصحاب تلك السيارات باختلاق عبارات جديدة تلفت أنظار المارة وتمييز سياراتهم ضمن المنطقة التي يتواجدون بها، وساهم انتشار المطابع وغياب القوانين الرادعة بتطور هذه الظاهرة التي رافقت سيارات السوريين منذ سنوات طويلة، لكنها لم تكن بهذا الانتشار قبل الثورة، إذ يعتبرها قانون المرور السوري من المخالفات التي يضطر صاحبها لدفع غرامة مالية، وقد يتم حجز السيارة مالم يملك صاحبها موافقة من المؤسسة العربية للإعلان تخوله الكتابة على سيارته ضمن شروط، و كانت تتقاضى ستة آلاف ليرة سورية على متر الكتابة الواحد شريطة أن يندرج تحت بند الإعلان بينما تندرج بقية الكتابات تحت بند المخالفات المرورية.

تطورت تلك العبارات مع مرور الوقت وتحولت من عبارات تمجيد القائد والتي كانت تتغاضى عنها دوريات المرور وعبارات الحكم والأمثال، إلى أقوال في الحب ورسائل اجتماعية تحمل الطابع الفكاهي تارة وطابع النصح والإرشاد تارة أخرى.

انتشار ظاهرة “أدب سيارات الشمال” أمن فرص عمل لعشرات المطابع التي اعتمدت في عملها على الدعاية والإعلان، قبل أن تصبح ملاذ أصحاب السيارات لتزيين سياراتهم عبر اختيارهم العبارة المناسبة وقصها ولصقها على السيارة.

يقول أبو عمر “صاحب مطبعة شام” يستعمل الناس عدة مواد للكتابة على السيارات مثل “الكتر، الفينيل اللاصق، والفينيل المثقب” ويعتبر “الكتر” أكثرها انتشاراً إذ يطلب الزبون طباعة عبارات محددة أو رقم هاتف أو إعلان ما، في حين يستعمل الفينيل اللاصق لتغطية زجاج السيارة بصورة كتب عليها عبارة خاصة به، بينما يستعمل الفينيل المثقب ليمنح رؤية لصاحب السيارة من الداخل بينما يعجز من خارج السيارة على رؤية ما بداخلها.

يستعمل “الكتر” وهو مادة لاصقة قابلة للتشكيل بأحرف وأشكال معينة بشكل واسع في أعمال الإعلانات على واجهات المحلات،  لكن أصحاب السيارات باتوا يستعملونه مؤخراً للكتابة على الزجاج، تتراوح تكلفة المتر الواحد بين دولارين ونصف الدولار إلى ثلاثة دولارات ونصف الدولار بحسب نوع المادة اللاصقة.

"أدب سيارات الشمال" -فيس بوك
“أدب سيارات الشمال” -فيس بوك

يضيف أبو عمر ازداد الطلب مؤخراً على الفينيل اللاصق إذ يعمد مهجرون للصق صورة لبلداتهم على زجاج السيارة مع كتابة عبارة تؤكد حنينهم لقراهم أو تتحدث عن أملهم بالعودة، مثل “سراقب سالفتنا مطولة، أو “اشتقنالك يا معرة”، وتعتبر فئة الشباب الأكثر اهتماماً بهذه الظاهرة حيث يتنافسون فيما بينهم بقوة العبارة وعمق تأثيرها بحسب أبو عمر.

تتفاوت آراء من التقيناهم حول “أدب سيارات الشمال” ويرى بعضهم أن دوائر المرور يجب أن تفعل قانون المخالفات بهذا الاتجاه، بينما يقول آخرون إن انتشار مثل هذه الظاهرة لا يؤذي الذوق العام، بل يعتبرها كثيرون متنفساً لمشاعرهم وتخلق لحظات طريفة تدفعك للابتسامة أثناء قراءة بعضها.

الأرقام الوهمية بديلاً من السورية لتفعيل الواتس آب في إدلب

محمد جميل

مع غياب شبكات الاتصال عن مناطق المعارضة لجأ الناس إلى الأرقام الوهمية كحل بديل لتفعيل برامج التواصل الاجتماعي والتي لا يمكن الاستغناء عنها كونها وسيلة الاتصال الوحيدة، لكن تلك الحلول […]

مع غياب شبكات الاتصال عن مناطق المعارضة لجأ الناس إلى الأرقام الوهمية كحل بديل لتفعيل برامج التواصل الاجتماعي والتي لا يمكن الاستغناء عنها كونها وسيلة الاتصال الوحيدة، لكن تلك الحلول لم تكن ناجعة دوماً ووضعت المستخدم أمام خيار خسارة رقم هاتفه كل فترة، أو دفع كلفة إضافية للحصول على رقم تركي

“مكالمة الطوارئ فقط أو الخدمة غير متوفرة” هو ما يظهر على شاشة الهاتف المحمول غالباً بدلاً من شعاراتMTN  وسيرياتل التي غابت أيضاً عن واجهات محلات الموبايلات في إدلب، ليكتب بدلاً عنها “أرقام أمريكية وسويدية وكندية” إضافةً لشعارات الشبكات التركية “تروكسل” و آيلوكس.

تباع الأرقام الوهمية في أغلب محلات الموبايل وهي أرقام بدون شرائح SIM في الغالب، ويمكن الحصول عليها من خلال بعض تطبيقات آندرويد ويتم تفعيلها عن طريق بريد إلكتروني يضيفه المستخدم ليحصل على رقم يزوده به التطبيق ليصبح بإمكانه استقبال كود تفعيل واتس آب وغيره من برامج التواصل كالتلغرام والفيس بوك دون إمكانية استخدام الرقم للمكالمات الهاتفية والرسائل النصية نظراً لعدم وجود شريحة أو شبكة خليوية تخدم هذه الأرقام، بحسب عبد الحميد المحمد أحد مستخدمي هذه الأرقام.

فقد عبد الحميد رقمه السوري ما دفعه للاعتماد على هذه الأرقام الوهمية لصعوبة الحصول على رقم سوري جديد، يقول إنه اضطر لتغيير رقمه أربع مرات خلال فترة لا تتجاوز أربعة أشهر، إلا أنه في كل مرة  كان يعود لاستخدام هذه البرامج لأنها رخيصة الثمن ولا تحتاج إلى ثبوتيات شخصية للحصول عليها، في حين يبقى عيبها الأكبر أنها لا تحافظ على الخصوصية وقد ينتقل رقمك لشخص آخر في أي وقت وذلك لاعتمادها على برمجية تختار الأرقام بشكل عشوائي بغض النظر عن المتاح والمشغول منها.

ومن السهل الحصول على رقم لتفعيل واتس آب من أي محل موبايلات ويتراوح سعرها بين ليرتين إلى ثمانية ليرات تركية، حيث يمكنك الحصول على الكود من خلال أحد تطبيقات (TEXT NOW) أو (TEXT PLUS) وغيرها من التطبيقات المأجورة أو المجانية والتي تجدها على مواقع خدمات الاتصال.

تتألف تلك الأرقام من ثلاثة أنواع بحسب أيهم “صاحب محل لخدمات الموبايل” الأول أرقام عن طريق برامج مجانية وأرقام عن طريق برامج مدفوعة، في حين تكون الفئة الثالثة لأرقام مصحوبة مع شريحة SIM  لكنها غير مخصصة للاتصال لكن بعض التجار يرغبون بربح أكبر فيعملون على تفعيل عدة برامج لعدة أشخاص على نفس البطاقة، ما يعني أن رقم الواتس آب سيكون لشخص ورقم التلغرام لشخص آخر ناهيك عن تجار جشعين يقومون ببيع الأرقام مرة أخرى من خلال تفعيل البرامج لزبائن آخرين بعد مرور حوالي شهر أو أكثر ما يتسبب بضرر للزبون الأول.

وأضاف أيهم إن الأكثر رواجاً من تلك الأنواع هي الأرقام التي تأتي عن طريق البرامج المدفوعة عبر تاجر رئيسي يمتلك تطبيقاً مدفوعاً ولديه وكلاء في مدن وبلدات إدلب وريف حلب، وتجمعهم غرفة واتس آب يطلبون من خلالها الأرقام والأكواد المرفقة معها.

وقدر أيهم نسبة تداول الأرقام الوهمية حوالي 60% والسويدية ذات الشريحة بـ10% وحوالي 25% لأرقام الأيلوكس التركية التي باتت تغطي حوالي ثلثي إدلب بالتغطية الخليوية، وهي آمنة مقارنة بالخطوط الأخرى إلا أن سعرها المرتفع يدفع الناس للتوجه نحو الخطوط الوهمية.
يباع خط الآيلوكس اليوم بثماني ليرة تركية ويحتاج لتعبئته بالرصيد نحو خمسين ليرة تركية وهي أقل قيمة يمكنك شحنها، بينما أرقام البرامج المدفوعة من أربع إلى خمس ليرات وأرقام البرامج غير المدفوعة لا تتجاوز الثلاث ليرات إثر قلة الطلب عليها لأنها غير آمنة ومن الممكن انتقالها لمستخدم آخر بعد فترة قصيرة من الزمن.

بينما يبلغ سعر الأرقام المرفقة بشريحة SIM   من عشرة  إلى عشرين ليرة تركية وتأتي من عدة دول هولندا واليونان وبريطانيا والسويد، وتعمل على أبراج الشبكة السورية والتركية حال توفرها من خلال ميزة التجوال الدولي المفعلة عليها مسبقاً.

في حين ما يزال بعض المشتركين يعتمدون على الخطوط السورية رغم صعوبة توفرها وغلاء أسعارها لأسباب أمنية لخصها بعضهم في اضطراره للسفر لمناطق النظام كل فترة، وهو ما دفع تجار الخطوط لطرح عروض تبديل خط تركي جديد معبئ بالرصيد على خط سوري لتأمين الخطوط لهؤلاء الأشخاص بعد نفاد هذه الخطوط من أسواق المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وعدم القدرة على تفعيل أرقام جديدة منها بسبب غياب الشبكة وانقطاع الطرقات.

 

الأجهزة الصينية تغزو أسواق الجوالات في إدلب..والكفالة غائبة

محمد كنعان

على رفوف محلات الجوالات في إدلب تتنافس الأجهزة الصينية التي غزت الأسواق، مع هواتف الشركات المعروفة مثل سامسونج وآبل، ما يترك الزبون في حيرة بين اختيار جوال صيني  بسعر أرخص […]

على رفوف محلات الجوالات في إدلب تتنافس الأجهزة الصينية التي غزت الأسواق، مع هواتف الشركات المعروفة مثل سامسونج وآبل، ما يترك الزبون في حيرة بين اختيار جوال صيني  بسعر أرخص ودون كفالة وبين أحد إصدارات الشركات الأخرى.

أمضى أحمد نحو ساعة من الزمن في محل الجوالات، يتفحص أحد الأجهزة الصينية ينوي شراءه، يقول إنه يرغب بتجريب كل ميزة من مزايا الهاتف قبل اتخاذ قراره فغياب الكفالة التي تحمي الزبون في حال ظهرت إحدى الأخطاء التقنية في هذه الأنواع تتركه في حيرة من أمره.
يشجع صاحب المحل على تجربة الجوال ويطلب من أحمد أن يأخذ وقته بفحصه داخل المحل، لأنه لن يعترف على أي مشكلة قد تظهر على الهاتف بعد خروجه من المكان.

أجهزة صينية بدون كفالة

لم تعد عبارة “اشتري جديد وريّح راسك” شائعة بين سكان إدلب أثناء شرائهم للأجهزة المحمولة، إذ تغرق الأسواق بـ الأجهزة الصينية التي تباع  دون الكفالة السنوية التي تضمن رد المنتج أو إصلاحه في حال ظهور خطأ أو عيب في التصنيع،  ما يعني أن شراء الجديد لن يمنح الزبون راحة طويلة، لكن انخفاض سعرها مقارنة بباقي الأنواع تدفعه للتجربة.

يقول أحمد إنه ضاق ذرعاً  بهاتفه القديم حيث قام بتغيير شاشته عدة مرات دون جدوى ما دفعه للتفكير في شراء جهاز جديد ذو إصدار صيني، بمواصفات جيدة وسعر يتناسب مع النقود التي ادخرها، لكن فرحته بجهازه لم تكتمل إذ بدأت أولى المشاكل تظهر على الهاتف بعد أقل من أسبوع، وبات مضطراً للجلوس قرب جهاز “الراوتر” للحصول على شبكة الإنترنت.

يقول أبو مصطفى “تاجر أجهزة صينية” بات شراء الهاتف الجديد كأنه مستعمل، فبمجرّد أن تخطو قدم الزبون خطوة خارج المحل لا يمكن إعادة الهاتف نهائياً، فكفالة السنة لم تعد موجودة مع دخول هذه الهواتف عبر خط ترانزيت من العراق، وتغير الجهة المورّدة، بعد أن كانت تأتي من مناطق النظام، مما خفض أسعارها بعد تخلصها من الجمركة.

يشكل غياب الكفالة مصدر حرج و قلق للبائع، وخسارة للزبون الذي سيعود للمحل تلقائياً في حال وجد عذراً بعد شرائه للجوال، رغم إصرار التاجر على التجربة داخل المحل وإعلام زبونه بعدم كفالة الجهاز والتأكيد عليه أكثر من مرة ،إلا أن الجدل مع الزبائن ومشاكل البيع تتكرر باستمرار بحسب أبو مصطفى الذي قال إن خسارة صاحب المحل لا تختلف عن خسارة الزبون، لأنه لا يحصل على أي كفالة عند شراء الأجهزة من مراكز الجملة وفي حال وجد مشاكل تقنية أثناء تجريب الهاتف لن يستطيع إرجاعه أو استبداله، إنما يكتفي ببيعه “على عذره” بسعر أقل من قيمته ما يتسبب بخسارة المحل.

أسعار مناسبة بمواصفات رديئة

يقول حمّادي الدرويش “تاجر جوالات”  إن شراء المحمول يعتمد على شيئين أساسيين هما السعر والمواصفات، وفي الفترة الأخيرة تراجع الطلب على أجهزة الشركات المعروفة كـ سامسونج وآبل ، بسبب أسعارها المرتفعة مقارنة بالأجهزة الصينية التي يرى الناس فيها منافساَ جيداً بالمواصفات والسعر، لاسيما بعد تقليد عدة نسخ من إصدارات السامسونج.

تتفاوت الفروقات السعرية بين الهواتف الصينية والماركات الأخرى بحسب إصدار الجهاز وسعره، ويبدأ الفرق ب خمسة وعشرين دولاراً وقد يصل إلى مئتي دولار.

يجري الدرويش مقارنة بالسعر بين هاتف من سلسلة” سامسونج الكورية” وآخر من شركة “شاومي الصينية” يحملان ذات المواصفات ويتفوق هاتف سامسونج بالسعر ما يقارب” 25 دولار” يراها الزبون توفيراً نقدياً لصالحه ويدفعه لشراء هذا النوع.

يوافق خالد البكور “شاب يعمل في برمجة الأجهزة الخليوية” حمّادي في رأيه بفارق السعر لكنه يخالفه بخصوص المواصفات، ويخبرنا أنّ الأرقام التي تظهر على علبة الجوالات الصينية لإظهار ميزاتها غير صحيحة، وبحسب خبرته إن الإصدارات الصينية بمواصفاتها من سرعة المعالج ودقة الكاميرا وذاكرة التخزين والرامات لا ترقى لإصدارات سامسونج وهواوي وآبل. وهذا ما يكتشفه الزبون على المدى الطويل أثناء تجربته لجهازه.

ويقول البكور إن الأشخاص الذين يشترون الأجهزة الصينية يجهلون العيوب المتواجدة في الجهاز و قد تتضمن مجموعة من الأخطاء البرمجية التي يصعب إصلاحها، إضافة إلى ضعف كفاءة الرامات. و تشيع هذه العيوب بين الإصدارات المتوسطة والمنخفضة سعراً ” أقل من 200 دولار”.

يشرح البكور إحدى الأخطاء البرمجية قائلاً :أثناء مشاهدة فيديو على يوتيوب يتحول المستخدم إلى واتس أب للرد على رسالة، بعد ذلك يلاحظ المستخدم إن تطبيق يوتيوب قد قفل نفسه وأغلق الفيديو وبالتالي عليك البحث من جديد”.

أجهزة غير قابلة للإصلاح

تعثّر محمد الخير في أول هاتف صيني قرر استعماله حيث قرر الاستغناء عن جهازه القديم والبحث عن إصدار جديد يرضي شعوره وشغفه بلعبة المفضّلة “ببجي”.

يقول إنه اشترى هاتفاً من إنتاج شركة “انفينكس الصينية” بعد أن أغرته مواصفاته وسعره الزهيد مقارنة بغيره من الشركات الأخرى، لكنه تفاجأ بعد استعماله قرابة شهر ببطء أدائه أثناء اللعب، فضلاً عن الارتفاع المستمر في حرارته، كما تعطلت دارة الشحن أثناء الاستعمال وفشل محمد في العثور على فني قادر على إصلاحها لعدم وجود القطعة الإلكترونية التي تتكفل بشحن الهاتف في السوق، ما أدى لخسارة الهاتف بالكامل.

يقول من تحدثنا معهم من فنيي الصيانة إنّ صعوبة إصلاح الهواتف الصينية باتت هاجساً لديهم، إذ يطغى اعتقاد بأن 80% من الهواتف الموجودة بالسوق غير قابلة للصيانة في حال حدثت مشكلة للهاتف تتعلق بالهارد وير، ككسر الشاشة أو تلف بعض القطع الإلكترونية.

ويقول حسن كنعان  “فني صيانة” إن فقدان القطع الخاصة بالصيانة من الأسواق وصعوبة تأمينها يقفان عائقاً أمام أصحاب المحلات، يضاف إلى الأسباب السابقة صعوبة التعامل مع تلك الأجهزة أثناء الصيانة إذ قد يتوقف الجهاز عن العمل نتيجة تعرضه لحرارة الماكينات المخصصة للصيانة وهذا بدوره يسبب حرجاً وخسارة للزبون وللفني على حد سواء.

“هاتف بدون صوت أو بدون شبكة نت أو لا يشحن أو بدون إضاءة. كل هذه الأعطال تجعل المستخدم يرمي بهاتفه جانباً لعدم وجود قطع بديلة، أو (كسر) خاصّة أن الأجهزة الصينية حديثة العهد في أسواق الشمال السوري منذ قرابة سنة” يقول كنعان.

وانطلاقاً من ذلك اتجه العديد ممن يعملون في الصيانة إلى الإحجام عن إصلاح أي هاتف قد يسبب خسارة للمحل، أو الاتفاق مع الزبون على تحمل الخسارة في حال وقوعها.

بينما تتوفر جميع القطع الخاصة بصيانة هواتف الشركات الأخرى مثل سامسونج وأبل وهواوي، وقد تجد مثلاً ثلاثة أصناف من الشاشات لهاتف واحد، وهو مؤشر إيجابي وسلبي في وقت واحد بسبب ارتفاع تكلفة الصيانة، إذ يوجد شاشات من إصدارات سامسونج يصل ثمنها إلى 150 دولاراً ما يعادل ثمن شراء جهاز جديد بحسب فنيي الصيانة.

ويضيف كنعان “هذا سبب آخر يجعل العديد من الناس ينتقلون لشراء الأجهزة الصينية والرخيصة، لكننا ننتقل من مطب إلى مطب” ويستدل بالمثل الصيني “الأشياء الجيدة ليست رخيصة والأشياء الرخيصة ليست جيدة”.