فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“فريق سوريا للبحث والإنقاذ”…جهود متطوعين استجابة لحالات الطوارئ في الشمال السوري

هاني العبدالله

يخضع “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” إلى سلسلة تدريباتٍ عملية في مجال الاستجابة الطارئة، بهدف تجهيز فرقٍ احترافية قادرة على القيام بالإسعافات الأولية وانقاذ المصابين والغرقى، وإطفاء الحرائق والتعامل مع الغازات […]

يخضع “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” إلى سلسلة تدريباتٍ عملية في مجال الاستجابة الطارئة، بهدف تجهيز فرقٍ احترافية قادرة على القيام بالإسعافات الأولية وانقاذ المصابين والغرقى، وإطفاء الحرائق والتعامل مع الغازات السامة، وغيرها من المخاطر والكوارث الطبيعية التي قد يتعرّض لها الأهالي ضمن مناطق الشمال السوري.

أكدت “جمعية الفرات”، المسؤولة عن التدريب، عبر صفحتها الرسمية على الفيس بوك، أن إنقاذ حياة البشر بغض النظر عن أي اعتبارٍ آخر، من الأهداف الأساسية للجمعية في مجال العمل الإنساني، وسعياً لتطبيق تلك الرؤية على أرض الواقع، بدأت بسلسلة من الدروس النظرية والعملية، بهدف تجهيز “فريق سوريا للبحث والإنقاذ”.

وقال رئيس نواف الصادق رئيس الجمعية: “مع استمرار الحرب في سوريا، مازالت المناطق المحررة عُرضة للقصف والدمار والحرائق، ما يزيد من أهمية وجود فرق مدرّبة على إنقاذ العالقين تحت أنقاض القصف وسحب الجثث، وإخماد الحرائق في المخيمات والغابات والتي زادت مؤخراً، والمشاركة في إنقاذ الغرقى من الأنهار والبحيرات والسيول، لذلك بدأنا بتدريب المتطوعين ضمن جمعية الفرات للوصول إلى فريقٍ احترافي، جاهز للاستجابة لحالات الطوارئ في الشمال السوري، والمساعدة في إنقاذ حياة البشر”.

يضيف الصادق لفوكس حلب: “سعياً منا للحصول على تدريباتٍ احترافية في مجال الاستجابة الطارئة، قمنا بالتشاور مع جمعية أنضة التركية لتتولى الإشراف على تدريب الفريق، بالتعاون مع إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)، وبالفعل تمت الموافقة، وهو ما زاد من حماسنا أكثر، خاصةً أن منظمة آفاد وجمعية أنضة لديهما خبرة طويلة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، من حرائقٍ وسيولٍ وزلازل، ما يُساعد في حصول فريقنا على تدريباتٍ عملية وفق أعلى المستويات”.

تدريبات احترافية لإنقاذ حياة البشر

توجّه المتطوعون من الداخل السوري الى العاصمة التركية أنقرة قبل أربعة أشهر، للبدء بالتدريبات العملية، حيث تدرّب 20 متطوعاً لمدة أسبوعٍ كامل، ضمن ما يُسمى منطقة “إدارة الكوارث”، للتدرّب على كيفية التعامل مع الضحايا والعالقين تحت أنقاض القصف والزلازل.

بعد نهاية التدريبات في أنقرة، عاد الفريق الى الداخل السوري، ليبدأ تدريباتٍ جديدة لمدة أسبوع في مدينة قباسين بريف حلب، حيث تدّرب المتطوعون على تسلّق الأبنية عبر الحبال، وكيفية التشبّث بالحبل للصعود والنزول من طوابق مرتفعة.

آخر التدريبات التي خضع لها المتطوعون كانت في الأسبوع الماضي، حيث انطلق خمسون متطوعاً نحو جبال عفرين في رحلةٍ تدريبية استمرت لثلاثة أيام، وكان هدف تلك التدريبات أن يتمرّن الفرق على كيفية البحث عن مفقودين وسط الجبال والغابات وتقديم الإسعافات الأولية لهم.

يقول عروة بيازيد، أحد المتدربين في “فريق سوريا للبحث والإنقاذ”: “استيقظنا منذ الساعة الرابعة فجراً، وتوجّهنا فوراً إلى جبال عفرين، دون أن يكون لدينا أي وقت لتناول الفطور أو شرب القهوة في المنزل، حيث تناولنا فطوراً خفيفاً على الطريق، وكان الهدف من ذلك أن نعتاد لاحقاً على الاستجابة السريعة لأي حالة طارئة في أي وقت، حتى لو في منتصف الليل أو الفجر الباكر”.

من تدريبات "فريق سوريا للبحث والإنقاذ" في جبال عفرين
من تدريبات “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” في جبال عفرين

يضيف بيازيد: “رغم أن التدريبات في جبال عفرين كانت شاقّة ومتعبة، لكنها كانت تدريبات عملية تحاكي الواقع، حيث قام أحد المتدربين بالتوجه إلى وسط الجبال والاستلقاء أرضاً محاكاة لجريح تعرض للإغماء، ومن ثم نبدأ بالبحث عنه وسط الجبال، وحين نجده نقدّم الإسعافات الأولية له، ومن ثم يقوم أحد المتطوعين بحمله على ظهره دون أن يجعله يقع أرضاً، بحيث ينقله الى مكانٍ معين، تستطيع سيارات الإسعاف الوصول له، لنقله إلى المشفى”.

خلال التدريبات في جبال عفرين خضع “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” أيضاً، لتدريباتٍ نظرية وعملية في اللياقة وتسلّق الجبال، كما تعلّموا طريقة نصب الخيام وسط الجبال والغابات، بحيث تكون مجهّزة للمبيت والنوم فيها، وبذلك يستطيع الفريق لاحقاً التعامل بشكلٍ جيد مع عمليات بحثٍ حقيقية في الجبال دون أن يواجه أي عوائق.

تدريباتٍ مليئة بالخوف والمشقّة

واجه المتطوعون خلال التدريبات في مجال البحث والإنقاذ الكثير من الصعوبات، منها قلة الدعم اللوجستي اللازم لتأمين معدات التدريب، أو لنقل أعضاء الفريق من مكان إقامتهم في الشمال السوري، الى أنقرة أو إلى مناطق التدريب في قباسين وعفرين، وإعادتهم إلى مناطقهم بعد انتهاء التدريب، لذلك تكفّل بعض المتطوعين ممن لديهم سيارة بنقل باقي زملائهم إلى أماكن التدريب، أو يقوم عدة متطوعين باستئجار سيارة مشتركة لنقلهم.

ولم تقتصر الصعوبات على الموضوع المادي، حيث أن ظروف التدريبات العملية بحد ذاتها كانت مصدر رعبٍ وقلقٍ للمتطوعين، فخلال التدريب في مدينة أنقرة، توجه أعضاء الفريق إلى منطقة تسمى “إدارة الكوارث”، حيث قامت منظمة “آفاد” هناك بإنشاء بناء مكون من خمسة طوابق، وتم تصميمه كأنه تعرّض لزلزال، حيث يدخل الفريق إلى البناء المهدّم عبر أنفاقٍ مظلمة، ويمرون ضمن أبوابٍ وأدراجٍ مهدّمة أو على وشك السقوط.

من تدريبات"فريق سوريا للبحث والإنقاذ"
من تدريبات”فريق سوريا للبحث والإنقاذ”

سيدرا محي الدين، إحدى المتدربات ضمن “فريق سوريا للبحث والإنقاذ”، تحدثت عن تجربتها قائلةً: “التدريبات كانت مفيدة وتعلّمنا منها الكثير، لكنها لم تخلو من لحظات الخوف والرعب. أصعب لحظة كانت حين يتم ربط الحبل حولك وتصبح معلّقاً في الهواء، وتشعر أن هذا الحبل الرفيع هو من يفصلك عن الحياة والموت، والأصعب حين تنظر إلى الأسفل وأنت معلّق في الهواء من على مكانٍ مرتفع، لكن مع تكرار التدريبات كُسر حاجز الخوف لدينا”.

وكانت التدريبات في عفرين الأكثر صعوبةً، حيث اضطر المتدربون للسير على أقدامهم لمسافاتٍ طويلة وتسلّق الجبال العالية، بينما كانت التدريبات في قباسين أقل مشقة، حيث كان المتطوعون يتوجّهون إلى مقر “جمعية الفرات” في قباسين، لأخذ قسطٍ من الراحة والاستحمام وتناول وجبات الطعام.

فرق طوارئ في عشر مدن شمال سوريا

يُخطط “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” خلال الفترة القادمة، لاستكمال عمليات التدريب في مجالاتٍ أخرى، حيث سيخضعون لتدريباتٍ لاحقة في إطفاء الحرائق، والإنقاذ تحت الماء، والتعامل مع الغازات السامة، إضافةً إلى مواصلة التدريبات في مجالات الاسعافات الأولية والبحث عن المفقودين وتسلّق الأبنية والجبال، وإنقاذ العالقين تحت الأنقاض.

من تدريبات"فريق سوريا للبحث والإنقاذ" في جبال عفرين
من تدريبات”فريق سوريا للبحث والإنقاذ” في جبال عفرين

يقول الصادق، إنه “بعد إكمال الفريق لجميع التدريبات النظرية والعملية، سيبدؤون العمل على أرض الواقع، من خلال توزيعهم على عشر نقاطٍ أساسية في مدن: الراعي، الباب، اخترين، إعزاز، عفرين، جرابلس، ودارة عزة بريف حلب، إضافةً إلى مدن حارم، كفرتخاريم، وسلقين بريف إدلب”، مشيراً إلى “إمكانية توسيع نشاط الفريق لينتشر في مناطق أخرى في الشمال السوري”.

وأضاف الصادق أنه “سيتم توقيع بروتوكولات مشتركة مع المجالس المحلية ومنظمة آفاد، ليكون “فريق سوريا للبحث والإنقاذ” مناوباً بشكلٍ دائم في تلك المناطق، وجاهزاً للاستجابة بشكلٍ سريع، لأي حالة إبلاغ عن تفجير أو حريق أو كارثة طبيعية أو فقدان شخص”.

 ما أغلى من الولد إلا ولد ولد الولد..!

تموز نجم الدين

بعد هجمة النق المتواصل، والعلاك المصدي الذي يمارسه المواطنون، قرر وزير التجارة وتشليح المستهلك الخروج من قوقعته، والإدلاء بتصريح بعيد عن العفونة والفساد، بعد أخذ الموافقات الأمنية، حول سبب انخفاض […]

بعد هجمة النق المتواصل، والعلاك المصدي الذي يمارسه المواطنون، قرر وزير التجارة وتشليح المستهلك الخروج من قوقعته، والإدلاء بتصريح بعيد عن العفونة والفساد، بعد أخذ الموافقات الأمنية، حول سبب انخفاض أسعار الفروج الحي والنيء والنائم، والارتفاع الجنوني لسعر طبق بيض الدجاج، حيث قال: “إن جنون الأسعار ناتج عن فيروس اقتصادي، يصيب جيوب مربي الدجاج وأصحاب المداجن، نتيجة مؤامرة كونية على الدجاج السوري، من أجل حرمان المواطن من اللحم الأبيض ومشتقاته”.

وأكد أن أصحاب القرار يتابعون سيرورة هذا الوباء بقلق وحيطة بالغين، من خلال إبعاد موظفي التموين والرقابة، عن رؤية تلك الأسعار، حتى لا يصابوا بوباء متحول يدعى (صحوة الضمير).

وركز الوزير في نهاية حديثه على (اللحمة الوطنية)، وأوصى بالتوجه (شرقاً) نحو الفول والفلافل حتى تزول هذه الجائحة.

وشهدت أسعار لحوم الدجاج في مدينة حلب، انخفاضاً ملموساً خلال الأسبوع الفائت، إذ بلغ سعر الكيلو غرام الواحد من الفروج النيء 4600 ليرة سورية، وسعر الأفخاذ ماركة (الوردة)6500 ليرة سورية، والصدر المشفى 7800، بتغيرات يومية طفيفة، حسب حالة الامتلاء في جيوب أصحاب مذابح الفروج.

من جانب آخر قال أحد مربي الدجاج: إن انخفاض سعر الفروج ناتج عن نقص الطاقة الكهربائية، وغلاء أسعار المازوت وقوالب الثلج التي تساهم بتبريد الفروج، وإعطائه شعوراً بأنه في رحلة استجمام على جبال الألب، مما اضطرنا لبيعه بأسعار زهيدة لصغار الكسبة والمتعيشين، كي لانتهم بالإبادة الجماعية، الفروج والمواطنين في آن معاً.

أما بالنسبة للبيض فهو في مأمن من الفساد إلى حين، وقادر على تجاوز العوامل الطبيعية والضغوطات الاصطناعية، مثل أي مواطن مؤمن بالله على هذه الأرض، مالم تمتد إليه يد الدفء والاحتضان.

وقد بلغ سعر (صفد) البيض المكون من ثلاثين بيضة، بوزن 1700 غراماً نحو 7400 ليرة سورية، وبوزن 1850 غراماً 7800 ليرة سورية، متضمنة أجور الشحن وحصة مديرية التموين وجمعية حماية المستهلك.

يعيش الدجاج (البياض) بسلام ورفاهية هذه الأيام، نتيجة التركيز على بيضه الوفير الذي يساهم في تحسين النسل، وزيادة الدخل الوطني، وفتح أبواب التهريب إلى الدول المدجنة.

” ومن خلف ما مات”.

“السليقة السنينية الشرية ” طقوس القمح الحاضرة في الأذهان غائبة عن الموائد

سوسن الحسين

يتصدر القمح في الموروث الشعبي السوري قائمة المنتجات الزراعية، إذ لا يخلو بيت سوري منه، رافق القمح السوريين في احتفالاتهم وولائمهم ووجباتهم اليومية، وله طقوس رافقت تحضير كل وجبة من […]

يتصدر القمح في الموروث الشعبي السوري قائمة المنتجات الزراعية، إذ لا يخلو بيت سوري منه، رافق القمح السوريين في احتفالاتهم وولائمهم ووجباتهم اليومية، وله طقوس رافقت تحضير كل وجبة من الوجبات من السليقة إلى السنينية والشرية..،إلا أن بعضها غاب عن المشهد نتيجة النزوح وفقدان الأراضي الزراعية.

السنينية

على أهزوجة “بهللك بهللك، سبع جمال بحمّلك”، تجتمع عائلة الحاجة أم عبدو ضمن مخيم مزن في بلدة كللي شمالي إدلب، فرحين بظهور أول سن من أسنان حفيدها الأول.

“طلع سنو طلع سنو، خبو الخبز عنو” تكمل أم عبدو أهزوجتها التي رددتها لكثير من الأطفال في مناسبة كهذه، لكن وجبة “السنينية” الرئيسية في هذه المناسبات لم تكن حاضرة إذ لم يعد لأم عبدو أرض تستعمل قمحها في هذه المناسبات

تقول: “جرت العادة في بلدتهم قسطون أن يوضع الطفل على قطعة قماش كبيرة في ساحة المنزل ويرش حوله كمية من القمح المسلوق الذي جهزته العائلة بمناسبة ظهور السن الأول لطفلهم ليكون للطيور نصيب من وجبة “السنينية” كما باقي أفراد العائلة.

إلى الشمال قليلاً وتحديداً في جسر الشغور بريف إدلب الغربي، لا تختلف طقوس السنينية عن سهل الغاب، تقول أم علي وهي سيدة من جسر الشغور: “إنها كانت تسلق الحنطة حتى تنضج ثم تسكبها في أوانٍ وتضيف لها السكر والقرفة، وتزين وجهها بالمكسرات وقطع الحلوى، توزع الصحون على الجيران والأقارب ليشاركوهم فرح ظهور السن الأول للطفل”، تفتقد أم علي لهذه الطقوس اليوم والتي ترى أنها كانت تزيد الألفة بين الأهل والجيران.

“شرية الحنطة” وفرحة الأطفال

ينتظر أطفال في قرى سهل الغاب وصول الجرارات التي تنقل القمح بعد حصاده من الأراضي إلى ساحات المنازل الواسعة، ليبدأ الأهالي بتعبئته تحضيراً لبيعه. يجتمع الأطفال حول كومة القمح  لمساعدة أصحاب الرزق في تعبئته وللحصول على مكافئتهم بعد الانتهاء، حيث يتم توزيع كميات متساوية من القمح على الأطفال لقاء مساعدتهم.

حافظ أهالي سهل الغاب على هذه العادة لسنوات طوال، يقول “أبو محمد” مزارع من قرية الحويز بسهل الغاب، إنه يؤمن بأن “الشرية” تجلب البركة لأن الأطفال في موسم الحصاد يجمعون ما حصلوا عليه ويبيعونه لأصحاب المحال التجارية، ويشترون بالمقابل ما يشتهونه من مأكولات أو لباس، من هنا جاءت كلمة (شريّة).

خسر “أبو محمد” أرضه دون أن يحصد محصول القمح الذي زرعه بسبب حملة النظام على منطقته منذ ما يزيد عن العامين، ولم يعد يحضر طقوس “الشرية”.

السليقة “بسامير الركب”

“السليقة” من أهم الطقوس التي تتبع حصاد القمح، إذ يجب على كل عائلة ادخار كمية القمح اللازمة لمؤونة العام، يبدأ تحضير السليقة بتنظيف القمح من الحصى وبذور النباتات الأخرى، ثم يغسل جيداً على عدة مراحل (التصويل) ويوضع في قدر كبير يسمى (الحلة).

السليقة في واحد من المخيمات
السليقة في واحد من المخيمات

لم تكن الحلة متوفرة في كل بيت وكانت بعض العائلات تشتريها بغرض استعمالها مرة في العام، وإعارتها لأهالي الحي بشكل مجاني لنيل الثواب، في حين كان يقوم آخرون باستعمالها كمورد مادي عبر تأجيرها خلال الموسم.

يسكب الماء فوق القمح حتى يغمره بمقدار شبرين، ويتم إشعال النار تحت الحلة بما يتوفر من مواد قابلة للاحتراق في المنزل وتبدأ عملية الطهي حتى نضوج القمح.

بعد نضوج القمح يبدأ أفراد العائلة بنقل مكونات الحلة عبر ما يتوفر من أواني منزلية إلى المكان الذي ستنشر به حتى تجف.

يقول الحاج أحمد من جبل الزاوية إنه كان يشعر بالسعادة وهو يراقب مرحلة نقل السليقة إلى سطح المنزل الذي نُظف جيداً، لتنشر عليه حبات القمح حتى تجف تحت أشعة الشمس وتصبح جاهزة للجرش وتتحول “لبرغل” تخزنه العائلة لعام كامل.

يصف الحاج أحمد الجيران في هذا المشهد بخلية النحل التي تعمل بجد لإتمام العمل الذي عادة ما يكون في وقت المساء، تنتهي العملية بتوزيع صحون السليقة على الحاضرين والأقارب والجيران ليستمتعوا بنكهتها الطازجة التي يحن لها الحاج أحمد بعد نزوحه.

يقول إنه كان يوفر لعائلته الحنطة “البياضية” لاستعمالها في طهي البرغل والمجدرة، أما السوادية فتجرش بحجم ناعم لاستعمالها في أنواع الكبب وكذلك التبولة، وتعرف لدى بعض المناطق باسم (الصريصرة) أو (البرغل الناعم).

كثيرة هي الطقوس التي كانت حاضرة في حياة السوريين وخاصة مزارعي القمح فترة الحصاد، إلا أن ظروف الحرب وفقدان الفلاحين معظم الأراضي الزراعية، حال دون حصولهم حتى على مؤونتهم السنوية واستبدلوا القمح البلدي بالقمح المجروش المستورد من تركيا.

بينما تصر الحاجة أم أحمد على استعمال القمح السوري فقد ادخرت مؤونة تكفيها لعامين وبعد انتهائهم ستشتري القمح لتحضر “السليقة” على يدها لأنها لم تستسغ نكهة القمح التركي.

وجبات الأفراح

لبّت غفران 40 عاماً مهجرة إلى مدينة حارم شمالي إدلب دعوة حضور لعرس أحد أبناء المدينة، أثار انتباهها إعداد أهل العريس لوجبة “الهريسة” كطبق رئيسي على مأدبة الطعام، وهو ما تفتقده غفران منذ سنوات، إذ كانت الهريسة وجبة أساسية في الأعراس والأعياد والمناسبات السعيدة.

تعتمد الهريسة بشكل أساسي على القمح المقشور، حيث يسلق مع لحم الدجاج بشكل جيد، وبعد النضوج تقلّى بالسمن العربي  ويضاف لها رشة كمون.

تقول غفران: “إن فقدان المزارعين لأراضيهم حرمهم من ادخار مؤونة القمح لمثل هذه المناسبات، كما أن القمح المتوفر في الأسواق يوفر على ربة المنزل احتمالية تلف المخزون من القمح وتعرضه للقوارض والحشرات من خلال شراء البرغل المجروش بالكيلو أو على قدر الحاجة”.

الخبيصة
الخبيصة

في أماكن أخرى من إدلب كانت وجبة “الخبيصة” طقساً يرافق عيد الأضحى، تحضرها النساء بعد نقع الحنطة ليوم كامل، ثم تدار على ماكينة الكبة و توضع في كيس خام أو قطعة قماش مخصصة، وتعصر ليخرج منها سائل النشاء ثم تطهى مع السكر وتسكب في صينية وتترك لتبرد، وتقطع كالراحة وتؤكل بعد تزيينها بالسمسم أو جوز الهند.

فقد أهالي بلدة باتبو شمالي إدلب النكهة الحقيقية لطبق الخبيصة بسبب استبدال عصارة نشاء القمح بالنشاء الجاهز، يقول الحاج إبراهيم من أهالي البلدة، إنه لا يحب نكهتها بالنشاء الجاهز ويتمنى أن يحصل على طبق بالنكهة القديمة.

 

“المتبلة” أكلة أخرى تعتمد على القمح في تحضيرها وتعرف عند سكان سهل الغاب بريف حماة الغربي، تُحضر بعد قشر الحنطة عبر دقها في جرن خاص وتسلق مع حبات الحمص ثم يضاف لها اللبن البارد بعد النضج وتقدم للأكل.

ما يشبه القضاء في إدلب .. هيئات ومحاكم بمرجعيات غائبة

محمد كنعان

تعطلت المؤسسات القضائية التابعة للنظام في المناطق التي خرجت عن سيطرته، وحاولت فصائل سورية وجهات مدنية تشكيل محاكم وهيئات قضائية بديلة، اصطدمت هذه المحاولات بالقوى العسكرية وهيمنتها على القضاء في […]

تعطلت المؤسسات القضائية التابعة للنظام في المناطق التي خرجت عن سيطرته، وحاولت فصائل سورية وجهات مدنية تشكيل محاكم وهيئات قضائية بديلة، اصطدمت هذه المحاولات بالقوى العسكرية وهيمنتها على القضاء في إدلب من خلال أشخاص يتبعون لها، إضافة لتغييب دور الأكاديمين المختصين من محامين وقضاة، أيضاً غياب جسم واضح يحكم المنطقة وفقاً لقوانين وأحكام مكتوبة.

لجان صلح

تزامن خروج مناطق واسعة في إدلب، منذ بداية الثورة، عن سيطرة النظام بضرورة تشكيل هيئات قضائية بديلة عن المحاكم القديمة، تولت هذه الهيئات التي شكت من قبل الفصائل مهمة فض الخصومات بين السكان دون قوانين مكتوبة أو هيكلية، وعرفت باسم “لجان الصلح”.

كانت لجان الصلح وفض النزاعات أولى الهيئات التي نابت عن المحاكم سنة 2011 شكلها مدنيون وعسكريون، وتولت الفصل في قضايا الجنح والمخالفات والميراث، واعتمدت مبدأ “التراضي” بين المتخاصمين في الحكم على القضايا التي وصلت إليها، أبرزها لجنة جرجناز ولجنة جبل الزاوية ولجنة خان السبل، بحسب أبو رمزي (أحد العسكريين العاملين بها في ذلك الوقت).

قضاء “المشايخ

أُنشئت مراكز أمنية  تتبع للفصائل العسكرية في العامين الأوليين من الثورة، ويقوم عليها فيها ما اصطلح على تسميته بـ “شيخ”، يتولى التحقيق مع المتهم، ويصدر حكمه بناء على معرفته وفهمه لنصوص الشريعة الإسلامية، ويقوم الفصيل بتنفيذ الأحكام الصادرة عنه.

في فصائل صنفت كمعتدلة (مثل جبهة شهداء سورية)،  كثيراً ما كان قائد الفصيل أو أحد مساعديه يمارس دور القاضي، دون النظر إلى خبرته ومؤهلاته العلمية، يقول نزار وهو مقاتل وشاهد على تلك الفترة “كان السكان ممتعضين من طريقة التقاضي، إذ لم تكن تلبّي احتياجاتهم بسب افتقار متولي القضاء للخبرة، وغياب الآلية الواضحة في التعامل مع القضايا”.

في عام 2013 اتجهت عدة فصائل و”مشايخ”  لتشكيل مجلس القضاء الشرعي، وذلك بإنشاء محاكم مهمتها النظر في الدعاوى الجزائية والمدنية في منطقة سيطرة كل فصيل، منها محكمة جرجناز وجبل الزاوية ومعرة النعمان.

اشترط في تلك المحاكم تعيين قضاة من حملة شهادة الشريعة أو المعاهد الشرعية أو من خريجي جامعة الأزهر في مصر، ودخل المحامون لأول مرة على خط عملها بصفة استشارية فقط، لكن “تلك الشروط لم تطبق، وبقيت حبراً على ورق”، بحسب رامز السالم قاضٍ سوري أنهى عمله في محاكم النظام مع بداية الثورة السورية وانتقل للعيش في تركيا، والذي قال”عرفت من بين من تم تعيينهم في هذه المحاكم قضاة لم يتخطى تحصيلهم العلمي المرحلة الثانويّة!”.

أنهى تشكّل الهيئة الإسلامية للقضاء، في العام 2014، عمل مجلس القضاء الشرعي، وذلك باتفاق فصائل، أهمها حركة أحرار الشام وفيلق الشام ولواء الحق. انتشرت في إدلب وريف حماه. واستندت الهيئة على “الشريعة الإسلامية” في الحكم القضائي، واستمدّت قوتها التنفيذية من الفصائل الموقعة على تأسيسها.

قام النظام القضائي في الهيئة الإسلامية على درجتين من التقاضي، بوجود إحدى عشرة محكمة درجة أولى، ومحكمة تمييز في بنش درجة ثانية مهمتها النظر في الدعاوى المقدمة إليها من محاكم الدرجة الأولى، لتقر الحكم الصادر منها أو تلغيه كلياً أو جزئياً.

تألفت الهيئة الإسلامية للقضاء من رئاسة الهيئة، ومكتب التفتيش القضائي ومكتب المتابعة، والنيابة العامة والديوان العام ودواوين المحاكم الأصلية ( تمييز وصلح) والفرعية ( غرف صلح وكاتب بالعدل)، والقوة التنفيذية والأمنية في المحاكم والهيئة العامة.

لمحاكم الصلح أربع غرف: غرفة الأحوال الشخصية وتختص بالدعاوى المتعلقة بأمور الزواج والطلاق والنسب، وغرفة الجنايات التي تنظر بجرائم القتل والسرقة والتعامل مع النظام، وغرفة جزائية تتضمن الدعاوى المتعلقة بالمشاجرات وحوادث السير وسرقة العقارات، وغرفة مدنية تختص بالدعاوى العينية والشخصية العقارية، والأضرار الناجمة عنها والمنازعات على الأموال والعقود.

استمر عمل محاكم الهيئة الإسلامية حتى تموز 2017، وهو موعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى باجتماع الهيئة الإسلامية ومجلسي القضاء الأعلى في حلب والغوطة الشرقية لدمشق ودار العدل في حوران، وشهد ذلك الوقت تفعيل دور المحامين ورجال القانون، وسُمح لهم بالتوكّل والترافع عن المتهمين، وحوّلت القضايا التي تحتاج للنظر والمداولة لمكتب مختص يشرف عليه قانوني يحمل شهادة حقوق، مهمته النظر في الدعاوى من الناحية الشكلية والإجرائية. وشرعي يملك شهادة في الشريعة الإسلامية يقوم بإصدار الحكم النهائي للقضية.

وصف حقوقيون هذه الخطوة بـ “الإيجابية”، لكن المحامي غزوان قرنفل (رئيس تجمع المحامين السوريين في تركيا) قال “من البديهي قيام المحامين بممارسة مهامهم”، وتساءل “لماذا يمنع المحامي أصلاً من عمله؟”، واعتبر إن إبعاد المحاميين عن العمل أحد أهم أسباب فشل النظام القضائي في المنطقة.

أشرف على عمل كل غرفة قاض وشرعي في آن واحد، يشترط أن يكون حاملاً لشهادة في الشريعة الإسلامية، ومستشار حقوقي من نفس درجة القاضي، ويجب أن يكون حاصلاً على شهادة الحقوق، وكاتب ضبط للجلسات، كما يحق للمستشار في حالات محددة إصدار الأحكام، إلا أنها تبقى بحاجة للتصديق من رئيس الغرفة.

يقول المحامي غزوان قرنفل “رغم تطور تلك المحاكم واتباعها تنظيما جيداً، إلا أن تبعيتها للفصائل العسكرية مالياً وتنفيذياً وإدارياً حال دون وجود جسم قضائي موحد، ما أدى  لاختلاف القوانين المطبقة في كل محكمة، وبالتالي زعزعة استقرار العمل القضائي”.

في آب 2017 اتجهت محاكم الهيئة الإسلامية إلى العمل بالقانون العربي الموحّد كمرجعية وحيدة، هذه الخطوة لم يكتب لها الاستمرار، إذ بدأ الاقتتال بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، لتقوم الأخيرة بحل المحاكم وتغييبها عن الساحة القضائية في إدلب منذ منتصف أيلول 2017.

صراع على العدالة

قامت جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليّاً) في العام 2013 بتشكيل هيئات قضائية في المناطق الخاضعة لها في إدلب وحلب، واعتمدت كغيرها من الأجسام القضائية في المناطق المحررة آنذاك، على رؤية الشيخ أو الأمير، وعرفت بتشددها في الأحكام وتطبيق العقوبات الجسديّة، إلى جانب قدرة تنفيذية عالية على تنفيذ هذه الأحكام استمدتها من عناصر الشرطة الإسلامية.

يقول القاضي رامز السالم إنّ محاكم تلك الفترة اتّسمت بازدواجية الأحكام القضائية، فلا مرجعية قانونية واضحة وثابتة لها، إذ كان كل حكم يصدر بناء على اجتهاد القاضي وفهمه لنصوص الشريعة. حتى غدا من الممكن أن يحصل المتّهم على حكميين مختلفين في المدينة نفسها، وقلّما تتشابه الأحكام بين قاض وآخر، إضافة لغياب شبه تام للمحامين والقضاة الذين انشقوا عن نظام الأسد، وتدخل واضح من قادة الفصائل في شؤون القضاء.

يعزو المحامي غزوان قرنفل غياب المحامين والقضاة في هذه المحاكم لسببين: اتجاه قضاة منشقين لتشكيل محاكم، بعد تأسيس مجلس قضائي حر منتصف 2013، و بناء جسم قضائي مدني يسد الفراغ الحاصل، وهو ما رأته حركة أحرار الشام تطاولاً على سلطتها ما دفعها لإغلاق مكاتب القضاة ومصادرة معدّاتهم في حارم ودركوش، إلى جانب اعتماد الفصائل على الشرعيين في محاكمهم بذريعة الحكم وفق أصول الشريعة.

ويبين فيلم وثائقي بثته قناة bbc  البريطانية بعنوان “صراع على العدالة”، طبيعة النظام القضائي في المحكمة الشرعية التابعة لجبهة النصرة في سراقب، ودور القاضي الشرعي في استجواب المتهمين وإطلاق الأحكام وغياب المحامين، وتنفيذ الحكم الصادر بحقهم من قبل عناصر تابعين لها، ورصد الوثائقي اعتراضاً مدنيين على أحكام هذه المحاكم والمطالبة بإلغائها والاستعاضة عنها بمحاكم مدنية تضم حقوقيين وقضاة.

أحمد من أبناء جبل الزاوية حكم عليه بالسجن ثلاث مرات في ثلاث محاكم مختلفة، تتبع إحداها لحركة أحرار الشام واثنتين لجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً)، يقول “إن شيخ المحكمة لم يحرّك ساكناً عندما أخبرته بتعرضي لأقسى أنواع التعذيب في السجن. اكتفى بقراءة أسطر من كتاب وضع على الطاولة ثم الحكم علي بالسجن لمدة ستة أشهر”.

في العام نفسه مثل أحمد أمام محكمة لجبهة النصرة، بتهمة السرقة، كانت ثمن المسروقات هذه المرة أقل من سابقتها، يقول “تعرضت للتعذيب أيضاً”. حكم على إحمد بالسجن لمدة سنة كاملة، لكنه خرج بعد سبعة أيام بـ “واسطة ثقيلة” من أحد القادة، على حد قوله، جعل قاضي محكمته يقضي بتبرئته تحت ذريعة السرقة بدافع الفقر لا الحرفة.

سلطة ذائبة

نهاية العام 2017 تشكلت حكومة الإنقاذ، واتخذ القضاء شكلاً تنظيمياً أكبر، وبدأت وزارة العدل فيها بتنظيم عمل المحاكم في المناطق الخاضعة لسيطرتها. منها محكمة المعاملات المدنية (معاملات، أحوال شخصية، جزاءات)، ومحكمة الجنايات المركزية (تنظر في قضايا القتل)، ومحكمة الاستئناف المركزية (مختصة بالقضايا المطعون فيها للاستئناف)، ومحكمتان عسكريتان (تنظران في القضايا التي يكون فيها المتهم مقاتلاً)، والمحكمة الإدارية ( تنظر في الدعاوى المرفوعة من قبل هيئة أو مؤسسة).

تقوم وزارة الداخلية في حكومة الإنقاذ بتطبيق القرارات الصادرة عن المحاكم التي بقيت تستمد مرجعيتها من أحكام الشريعة الإسلامية غير المقننة “غيرمنظمة ضمن مواد”، والفقه الإسلامي والموسوعات الفقهية ومجلة الأحكام العدلية. مع عدد كبير من التعاميم الصادرة من وزير العدل والمجلس الأعلى للقضاء (وهو مختلف عن مجلس القضاء الأعلى المذكور سابقاً) لتنظيم عملها.

يقول المحامي نزيه البيوش (من مؤسسي نقابة المحامين الأحرار)  إن القضاء في إدلب يتمتع بدرجة جيدة من الاستقلالية، فضلاً عن امتلاك قوة تنفيذية قادرة على تطبيق القانون في كل مناطق إدلب، كما أن ثقة الناس بالجسم القضائي باتت أكبر بعد تشكيل وزارة العدل. لكن القاضي رامز السالم يقول إنه “من الخطأ الحديث عن استقلالية القضاء دون فصل للسلطات، القضاء في إدلب يتبع لوزارة العدل في حكومة الإنقاذ التي تتبع هي الأخرى لهيئة تحرير الشام”.

لا ينكر يحيى (اسم شائع اخترناه لناشط إعلامي من جبل الزاوية) دور المحاكم في فض الخلافات بين المتنازعين وتأدية الحقوق والواجبات، لكنه ينتقد القضاء في إدلب من ناحية الحكم على ناشطين وصحفيين بالسجن أو الغرامة لمجرّد أنهم عبروا عن رأيهم المخالف لجهة ما، وهذا يكشف حجم التدخلات والضغوط التي تمارس على القضاء من قبل هيئة تحرير الشام.

يقول يحيى: ” إن الناس ليسوا متساوين كما يزعم القضاة الشرعيين في إدلب، فالقانون يطبق على الضعيف الذي لا ظهر له ولا سند”، ويستشهد يحيى بحالات لمقاتلين ارتكبوا جرائم دخلوا السجن وخرجوا بعد أيام أو أشهر.

نشرت نقابة المحامين الأحرار دراسة بعنوان (الواقع القضائي والمحاكم في سورية بعد عام 2011)، قالت فيها إنه لا يوجد قانون موحد وواضح المعالم تستند إليه المحاكم التي ذكرناها سابقاً في إصدار أحكامها.

وتقول الدراسة التي استهدفت 950 شخصاً مراجعاً لهيئات قضائية، (من سكان مناطق المعارضة السورية ومنها إدلب وريفها)، إن ثلثي المراجعين لا يعرفون مسبقاً القانون المطبق في الهيئات القضائية في مناطقهم، ونصفهم قالوا إن القضاة يستخدمون الكنى والألقاب بدلاً عن أسمائهم الصريحة.

وتغيب المرأة عن العمل القضائي، بالرغم من وجود نساء أكاديميات يمتلكن خبرات يمكن الاستفادة منها، مقابل وجود قضاة رجال بدون خبرات سابقة أو مؤهلات قانونيّة، إنما هم خريجو كليات ومعاهد شرعيّة، بحسب الدراسة.

نظمت وزارة العدل في حكومة الإنقاذ دورات تهدف لتدريب وتأهيل وتخريج قضاة، وتنشر كفيديوهات على صفحة الوزارة في فيس بوك. وعن هذا يقول المحامي غزوان قرنفل إن التدريب واكتساب المهارات شيء جيد من حيث المبدأ، لكن القاضي ليس وجبة سريعة، يجب تحضيرها بهذه الطريقة، فدراسة القانون والدورات اللاحقة لها تحتاج لست سنوات على الأقل، ولا تتم بدورة تدريبية بشهر ونصف الشهر”.

يرى حقوقيون أن وجود هذه المحاكم ضرورة بعد خروج المؤسسة القضائية التابعة للنظام من إدلب، نظراً لحاجة الناس لجهة  تفصل في قضاياهم المستجدة ونزاعاتهم، ولتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية، لكن الأمر مرهون بقدرة المحاكم على الاستجابة لحاجات الناس وحل مشاكلهم والقضاء بينهم بالعدل كي تكسب ثقتهم. كذلك استقلال هذه المحاكم ووجود مواد واضحة للحكم فيها، وتفعيل دور المحاميين والقضاة في الجسم القضائي السوري.

 

 

 

التغيرات المناخية تتسبب بخسارة مزارعي البرسيم في إدلب

حسن كنهر الحسين

تسببت درجات الحرارة المرتفعة بانتشار الأعشاب الضارة والآفات الحشرية في مناطق زراعة النباتات العلفية، مثل البرسيم والجلبان، في المناطق الجبلية على الحدود التركية السورية. وتضررت، نتيجة ذلك، المواسم التي كانت […]

تسببت درجات الحرارة المرتفعة بانتشار الأعشاب الضارة والآفات الحشرية في مناطق زراعة النباتات العلفية، مثل البرسيم والجلبان، في المناطق الجبلية على الحدود التركية السورية. وتضررت، نتيجة ذلك، المواسم التي كانت تحقق أرباحاً وفيرة للمزارعين وضامني الأراضي.

يتبع البرسيم لفصيلة “الفصة البقولية” وهو من أهم محاصيل الأعلاف، كما يستخدم نباته كمرعى للمواشي. يقول المهندس الزراعي أنس الرحمون “إن الحرارة المرتفعة أدت لجفاف أعناق الأزهار الرهيفة لنبات البرسيم، وسقوطها قبل أن تتم عملية الإلقاح والعقد وذلك ما أثر في انخفاض قيمة الإنتاج بنسب تفاوتت بين 80 إلى90%”.

الحرارة المرتفعة تركت أثرها على حيوية حبوب اللقاح أيضاً، حيث يموت نحو 50% منها عند وصول درجة الحرارة إلى (33) درجة مئوية، كما شكلت بيئة مناسبة لظهور بعض الآفات الحشرية والديدان خلال فترات الربيع، ترافق ظهورها مع فترة إزهار البرسيم، المرحلة مفصلية في تحديد كمية الإنتاج، ما تسبب في هلاك نسبة كبيرة من تلك الشتول ومنعها من العقد.

من حصاد البرسيم في إدلب
من حصاد البرسيم في إدلب

ويحتاج نبات البرسيم  لدرجات حرارة بمعدل شهري لا يزيد عن (27) درجة بالحد المتوسط، يقول رياض عاشور(أحد ضامني الحقول في إدلب): ظهرت أصناف من الحشرات والديدان في الحقول هذا العام مثل دودة الورق والجراد، ولم ينفع استخدام المبيدات الحشرية معها نظراً لتزامن ظهورها مع مرحلة عقد الأزهار التي تعتبر مرحلة سريعة وحساسة، إذا ستهدفت تلك الحشرات عنق الأزهار وحالت دون عقدها”.

ظهرت أصناف من الحشرات الثاقبة الماصة مع وصول النبات لطور الإزهار، تتطفل تلك الحشرات على المجموع الخضري للنبات وتمتص عصارته، ما ينعكس سلباً على المحصول والإنتاج، وإذا كان الطفيلي على الأزهار فإنه سيقضي على كامل الموسم، بحسب مزارعين.

انخفض إنتاج حقل بشير اليونس “مزارع مقيم في قرية رضوة بناحية حارم” بنسبة80% مقارنة بالأعوام السابقة، فقد اعتاد على جمع طن ونصف الطن من البرسيم، وطن ومئتين كغ من تبن البرسيم من حقل مساحته ثلاثة دونمات. يقول اليونس “لم يتعد الإنتاج الحالي ثلاثمئة كيلو من البرسيم، وهو إنتاج ضئيل اذا ما تمت مقارنته بالأعوام السابقة”.

من حصاد البرسيم في إدلب
من حصاد البرسيم في إدلب

دفع محمود العابد (نازح من ريف حماة) نحو سبعمئة دولار أجرة ضمان تسع دونمات مزرعة بنبات البرسيم في قرية حتان بريف إدلب الشمالي على أمل أن يحقق مربحاً بعد حصادها، إلا أنه لم يتمكن من تحصيل قيمة الضمان التي دفعها. كما أثرت تلك العوامل على نوعية المحصول ما أجبر أصحابه على بيعه بسعر وصفه بالقليل.

باع اليونس حب البرسيم بسعر ثلاث ليرات وخمسة وسبعين قرشاً تركياً للكيلو الواحد، وباع كيلو تبن البرسيم بليرة وسبعين قرشاً، وهو سعر منخفض مقارنة مع اسعار الحبوب في الأسواق نتيجة رداءة المحصول هذا العام”.

يصنف البرسيم من المواد العلفية الجيدة ويأمل من التقيناهم من المزارعين بإيلاء هذه الزراعة الدعم اللازم عبر تأمين المبيدات الحشرية والعشبية التي تساعد في الحفاظ على المواسم، وتأمين مراع وعلف للثروة الحيوانية في المنطقة.

 

“الانتخابات خلصت” والأسعار تتابع ارتفاعها في مناطق سيطرة النظام

منصور حسين

انخفضت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار في الأيام الأخيرة ما أضاف ارتفاعاً جديداً على الأسعار في مناطق سيطرة النظام، ويبدو أن مخاوف السوريين من انهيار اقتصادي جديد عقب الانتخابات الرئاسية […]

انخفضت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار في الأيام الأخيرة ما أضاف ارتفاعاً جديداً على الأسعار في مناطق سيطرة النظام، ويبدو أن مخاوف السوريين من انهيار اقتصادي جديد عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً كانت محقة، في ظل الرفض الدولي لهذه الانتخابات وعدم الاعتراف بشرعيتها.

ساهمت العقوبات التي فرضتها دول الاتحاد الأوربي على مسؤولين وشركات تابعة للنظام، وتمديدها لعام آخر بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، في تدهور قيمة الليرة وأظهرت عجز النظام عن القيام بأي إصلاح اقتصادي من شأنه تنشيط الحركة التجارية وتحسين الأوضاع.

بوادر انهيار جديد

أطلقت حكومة النظام تطمينات وعدت فيها باستقرار سعر صرف الليرة، وانخفاض الأسعار في السوق المحلية، عبر تطبيق إجراءات ومراسيم جديدة تتعلق بمراقبة السوق وتأمين تدفق السلع إلى الأسواق وتنفيذ قوانين حماية المستهلك، إلا أن الواقع كان خلاف ذلك، مع استمرار حالة الركود وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، ورفع التجار هامش الأمان النقدي خلال عمليات البيع والشراء بسبب التذبذب المستمر في سعر الدولار.

سجلت الليرة انحداراً جديداً خلال الأيام الأخيرة الماضية، حيث وصل سعر تداولها إلى 3280 ليرة مقابل الدولار، قبل أن تستقر عند عتبة  3200، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على أسعار البضائع والسلع، سواء المنتجة محلياً أو المستوردة.

رصد معد المادة حركة الأسواق في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وتبين أن الانخفاض الذي تحدثت عنه حكومة  النظام،  اقتصر على بعض السلع المحلية والتي لا ترتبط بالدولار بشكل مباشر، إضافة للمنتجات الزراعية التي توفرت في الأسواق بعد الإيقاف المؤقت لحركة التهريب إلى دول الجوار خاصة العراق، إذ شددت قوات النظام من ملاحقتها للمهربين، في خطوة يعتبر من سمعنا آرائهم أنها مؤقتة ومرهونة بفترة الانتخابات فقط.

ارتفعت أسعار المواد التموينية والمعلبات واللحوم المجمدة المستوردة بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40%، والحليب المجفف المستورد بنسبة تتراوح بين 40 إلى 60% في حين حافظت أسعار السلع الايرانية والمنتجات العراقية على استقرارها النسبي.

يقول أبو جمعة، تاجر تجزئة في مدينة حلب: “إن التذبذب المستمر في قيمة صرف الليرة دفع قسم كبير من تجار الجملة إلى العزوف عن بيع السلع المستوردة وخاصة المهربة التي لا تخضع للكشف الجمركي، وترتبط بسعر الصرف وفق السوق السوداء”.

وتابع رغم تحسن سعر صرف الليرة السورية في الشهر الماضي ووصولها إلى 2800، إلا أن التجار لم يثقوا بهذا التحسن متوقعين قفزات جديدة في السعر بحسب تجاربهم السابقة، الأمر الذي كان سبباً في استمرار ارتفاع الأسعار.
تخضع حركة البيع والشراء إلى تفاهمات ضمنية بين المورد وتاجر التجزئة، تقوم على ترك هامش أمان (فرق سعر التصريف) المحدد بـ 4200 ليرة لكل دولار، وهو ما يزيد عن السعر الحقيقي بنحو ألف ليرة سورية وأي تغيير في قيمة صرف العملة يعني رفع قيمة الهامش الذي قد يصل إلى خمسة آلاف أو أكثر، ما يعني زيادة جديدة في الأسعار وإرهاق إضافي للمواطنين، بحسب أبو جمعة.

يضيف أبو جمعة سبباً آخر لما سبق ويتعلق بالتضخم الذي يعاني منه الاقتصاد السوري، حيث ارتفع سعر المادة بنسبة 200 إلى 300 في المئة عما كانت عليه قبل عشر سنوات مقارنة بسعر الدولار، ويشرح قائلاً “يبلغ سعر كيلو السكر اليوم نحو 65 سنتاً أمريكياً، في حين لم يتجاوز ثمنه 20 سنت في السابق.

فوضى الإجراءات الحكومية

تأتي حالة الفوضى المصرفية، والانحدار التدريجي لليرة، بعد فترة من الاستقرار شبه النسبي عند حاجز 2900 ليرة لكل دولار، وذلك، قبيل الانتخابات الرئاسية، نتيجة لعمليات ضخ العملة الصعبة والتدخلات المصرفية التي يقوم بها البنك المركزي بشكل غير مباشر عن طريق أذرعه في السوق وشركات الصرافة المرخصة.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن أنيس: “إن معاناة السكان في مختلف المناطق السورية ستستمر، طالما أن النظام يستفيد من انهيار الاقتصاد وسعر صرف الليرة في تمويل حملاته العسكرية وتحقيق الأرباح لرجالاته وتجار الحرب المرتبطين به”.

ويرى: أن تحسن قيمة الليرة، لا يكون عبر إجراءات مؤقتة واعتراضية لا تدوم، كما هو الحال مع مواسم الأعياد التي تشهد ارتفاعاً في كمية الحوالات الخارجية، إنما يرتبط بإنهاء الحرب وعودة القطاعات الصناعية للاستثمار والإنتاج، وخاصة قطاعات النفط والسياحة والتصدير، وهذه أمور لا يمكن أن تتحقق طالما أن النظام يصر على الحل العسكري.

ويضيف أنيس سبباً آخر يحول دون انخفاض الأسعار، ويتعلق برفع النظام لسعر الصرف الجمركي من “1250” ليرة إلى “2525” ليرة، ما يعني مضاعفة الرسوم الجمركية والنفقات وبالتالي ارتفاع الأسعار.

لم تقابل تلك الإجراءات بأي إضافة جديدة على رواتب الموظفين وأجور اليد العاملة في البلاد، حيث يتقاضى موظفون راتب أربعين ألف ليرة سورية وتعادل سبعة عشر دولاراً، في حين كان راتب الموظف ذاته ثلاثمئة دولار قبل الثورة.

تؤكد المعطيات التي يعيشها السوريون في مناطق النظام حسب من تحدثنا معهم أن الوعود التي أطلقها رأس النظام والتي تحدثت عن عودة الحركة الاقتصادية وتحسن ظروف المعيشة لا تعدو كونها فقاعات انتخابية تلاشت بعد تولي الأسد لفترته الرئاسية الجديدة لتعود الأمور إلى سابق عهدها.

 

“الهدنة المخترقة” في إدلب تهدد بموجات نزوح جديدة

 محمود البكور

لم يمض على عودة أبو سامر (خمسيني من أهالي جبل الزاوية) إلى قريته  أياماً قليلة حتى عاد مرة أخرى لمكان نزوح ه في ريف إدلب الشمالي، بسبب تصعيد قوات النظام […]

لم يمض على عودة أبو سامر (خمسيني من أهالي جبل الزاوية) إلى قريته  أياماً قليلة حتى عاد مرة أخرى لمكان نزوح ه في ريف إدلب الشمالي، بسبب تصعيد قوات النظام وقصفها للمنطقة.

يقول: “إنه عاد لجني محاصيله الزراعية وكان يعلم أنه قد يدفع روحه ثمناً لهذه المخاطرة، إلا أن الحاجة وسوء الأوضاع الاقتصادية دفعاه لهذه المغامرة، لكن تصعيد قوات النظام أجبره على النزوح مرة أخرى من قريته”.

ارتفعت وتيرة القصف الذي تشهده قرى وبلدات جبل الزاوية منذ أيام، لكن قصف اليوم كان الأقسى وخلف شهداء وجرحى.

يقول رائد الصالح مدير الدفاع المدني السوري: “إن قوات النظام صعدت قصفها على قرى جبل الزاوية وسهل الغاب، خلال الأيام الماضية، مستهدفة الأحياء السكنية والأراضي الزراعية، ما أدى لاستشهاد أربعة عشر شخصاً خلال أربعة أيام”.

قصف اليوم الخميس كان الأكثر ضرراً، حيث استهدفت قوات النظام طريقاً رئيسياً في قرية إبلين جنوبي إدلب ما أدى لاستشهاد أحد عشر شخصاً بينهم أم وطفليها، إضافة لإصابة أحد عشر شخصاً بجروح.

الصورة من الإنترنت لرجال الدفاع المدني بعد قصف استهدف جبل الزاوية
الصورة من الإنترنت لرجال الدفاع المدني بعد قصف استهدف جبل الزاوية

تزامن القصف مع عودة جزئية للمدنيين لجني محاصيلهم الزراعية، وخلال الأيام الأربعة الماضية أدى القصف المستمر على قرى وبلدات جبل الزاوية لمقتل طفل وشاب  في بلدة بليون، وشابّ آخر في قرية بلشون و إصابة عشرة مدنيين بينهم ثلاثة أطفال في سهل الغاب، إذ لم يكن المشهد مختلفاً وصعدت قوات النظام  قصفها في موسم الحصاد مستهدفة قرى “الزيارة ،المشيك وزيزون” ما أدى لحرائق ضخمة أتلفت أكثر من ثمانمائة دونم أغلبها مزروعة بالقمح، ولم تتمكن عناصر الدفاع المدني من الوصول لجميع النطاق لإخمادها كونها منطقة مكشوفة على قوات النظام، بحسب الصالح.

وثقت فرق الدفاع المدني منذ بداية العام 2021 حتى العاشر من  حزيران أكثر من خمسمائة وثلاثين هجوماً، من قبل النظام وروسيا، تسببت الهجمات بمقتل سبعة وستين شخصاً بينهم خمسة عشر طفلاً و عشرة نساء ، فيما أصيب مئة وسبعون شخصاً بينهم عشرة أطفال، وتركزت تلك الهجمات على منازل المدنيين والحقول الزراعية وعدد من المنشآت الحيوية، بحسب الصالح.

تركز القصف المدفعي على قرى وبلدات “إبلين، البارة، سفوهن، قوقين، الفطيرة، الموزة، كفرعويد، ومجدليا، في ريف إدلب الجنوبي، إضافة لقرية العنكاوي في سهل الغاب بينما طال قصف الطيران الروسي محاور الكبانة بريف اللاذقية، والكندة وقوقفين والحلوبة والموزرة في جبل الزاوية.

مخاوف من نزوح جديد

القصف المتصاعد خلق مخاوف من موجة نزوح جديدة من عشرات القرى في جبل الزاوية وسهل الغاب، نحو مخيمات الشمال المهددة أساساً بكارثة إنسانية مع اقتراب موعد التصويت في مجلس الأمن حول آلية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، واحتمالية استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لإيقاف إدخالها من معبر باب الهوى الحدودي الذي يشكل شريان الحياة الوحيد لمناطق شمال غربي سوريا.

اسعاف مصابين بعد استهدافات طالت جبل الزاوية -إنترنت
اسعاف مصابين بعد استهدافات طالت جبل الزاوية -إنترنت

يقول محمد حلاج “مدير فريق منسقو استجابة سوريا” شددت قوات الأسد وروسيا من قصفها لمناطق المعارضة وتطور القصف ليبدأ باستهداف مخيم الأبرار في بلدة طعوم، ما أدى لأضرار في تجمع خيام هي عبارة عن مدرسة ومسجد إضافة لخيمة أحد النازحين.

يتابع الحلاج: تزامن القصف مع اقتراب جلسة مجلس الأمن المخصصة للتصويت على استمرار إدخال المساعدات الإنسانية لمناطق المعارض من معبر باب الهوى، مع تخوف من استعمال روسيا لحق النقض ضد القرار.

وأصدر فريق “منسقو الاستجابة” بياناً طالب فيه المجتمع الدولي الضغط على روسيا والنظام السوري لإيقاف العمليات العسكر التي تعرض حياة المدنيين للخطر.

مضى عام وثلاثة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين تركيا وروسيا في السادس من آذار ٢٠٢٠، في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب، لكن من سمعنا آراءهم من أهالي إدلب يقولون إنهم فقدوا ثقتهم بتلك الاتفاقيات لاسيما أن سيناريو التهجير نفسه بات يتكرر قبل كل عملية عسكرية لقوات الأسد.

مرضى “السكر الشبابي” في إدلب.. مضاعفات خطرة بكلفة عالية

مريم الإبراهيم

أصيب سامر (مهجر من ريف حماه) باعتلال حاد في شبكية العين وأذية كلوية رافقهما ارتفاع في ضغط الدم الشرياني، جميعها نتجت كمضاعفات عن مرض “السكر الشبابي” الذي يعانيه منذ أربعة […]

أصيب سامر (مهجر من ريف حماه) باعتلال حاد في شبكية العين وأذية كلوية رافقهما ارتفاع في ضغط الدم الشرياني، جميعها نتجت كمضاعفات عن مرض “السكر الشبابي” الذي يعانيه منذ أربعة عشر عاماً.

يقول سامر، الشابّ في منتصف العقد الثالث من العمر، إنه لا يذكر كيف بدأ معاناته مع “السكر الشبابي” ، لكنه اكتشف إصابته منذ سنوات بعد إجراء التحاليل الطبية نتيجة تدهور حالته الصحية، ومنذ ذلك الوقت ربطت حياته بـ “جهاز لقياس مستويات السكر في دمه، وجرعات الأنسولين كعلاج يومي”.

لا يعاني المصابون بهذا المرض صعوبة في الحصول على العلاج المتوفر في جميع المراكز الصحية بإدلب، ويحصل سامر عليه مجاناً من مشفى في بلدة بنش، لكن المضاعفات التي ترافق الإصابة وكلفة علاجها العالية هي ما يؤرق المصابون بـ “السكر الشبابي”.

ظهرت المضاعفات على سامر منذ ثلاثة أعوام، فاقمها الطوابير الطويلة على أبواب العيادات الطبية المجانية والكلفة العالية في المشافي والعيادات الخاصة، إضافة للالتزام بالعلاج دون مراجعات دورية للمراكز المختصة، يقول “يوجد عيادة خاصة بمرضى السكري في معظم مستشفيات إدلب، لكن الأعداد الكبيرة للمصابين تحول دون تنظيم المتابعة الدورية لزيارة الأطباء وأجراء الفحوصات اللازمة، وهو ما يولد التقاعس والإهمال عند المرضى أيضاً ما يؤدي إلى مضاعفات يصعب حلّها مستقبلاً”.

مثل سامر، اكتشفت سمر (شابة في الثامنة عشر من عمرها) إصابتها باعتلال في الشبكية وعدم وضوح الرؤية، تقول سمر إنها تستخدم الأنسولين منذ أن كانت في سن السابعة لإصابتها بـ “السكر الشبابي” ، وتحتاج سمر لعبوتين ونصف العبوة من الأنسولين شهرياً بمقدار جرعتين يومياً.

غياب المراجعات الدورية والتعامل مع مرض “السكر الشبابي” الذي يصنف كسكّر من الدرجة الأولى، دون دراية طبية فاقم هذه المضاعفات، يضاف إلى ذلك الكلفة العالية للعلاج والحمية الصحية وغياب التوعية بالرياضات والعادات الصحية المناسبة.

المضاعفات أخطر من المرض

تشيع الأذية العينية كواحدة من أكثر المضاعفات المرافقة لمرضى “السكر الشبابي” وقد تصل إلى حصول نزوف في الشبكية ما يؤدي إلى فقدان البصر بشكل تام، إن لم يتوفر العلاج في الوقت المناسب، ويحتاج المرضى إلى حقن عينية إضافة لجلسات ليزرية للحد من مضاعفات الأذية العينية، كذلك ضبط مستويات السكر في الدم بطريقة صارمة.

ويقول الطبيب مالك عطوي أخصائي أمراض العين في إدلب إن على مرضى “السكر الشبابي” مراجعة طبيب مختص، وبشكل دوري، مرتين سنوياً على الأقل، فـ ” المصابون غير المتبعين لحمية غذائية، ولا يلتزمون بدواء الأنسولين الذي يعدل مستوى السكر بالدم، تبدأ لديهم حالات تراجع النظر، ما يؤدي لاحقاً للإصابة باعتلال يتراوح بين الحاد والمتوسط، وإعتام العدسة والمياه البيضاء أو الزرقاء والتي تكون بحاجة إلى عمل جراحي مستعجل”.

تدفع سمر أسبوعياً نحو خمسمائة ليرة تركية مقابل جلسة الليزر التي تجريها لعينيها في مدينة إدلب، وهو سعر مرتفع مقارنة بأسعار العلاج في مشفى باريشا الذي يتقاضى مئة وخمسين ليرة تركية، إلا أن سمر مضطرة لتلقي العلاج في إدلب بسبب قرب المسافة من بلدتها بنش، ولتوفر تكاليف ومتاعب السفر من بنش إلى البلدات الحدودية.

كما تتوفر في مشفى الحكمة بمعرة مصرين جلسات مجانية، لكن حالة سمر لا تسمح لها بانتظار دورها والذي يطول لشهرين، بسب تراجع النظر الحاد في عينيها. تقول “اكتشفت إصابتي متأخرة، أخبرني الأطباء أني مصابة باعتلال النظر منذ عامين دون أن أعلم”.

وينتظر سامر دوره في مشفى باريشا لإجراء عملية “قطع زجاجي داخل شبكة العين” لإيقاف النزف المتكرر لديه بعد خضوعه لعلاج بالحقن والجلسات الليزرية لمدة عامين، دون نتائج جيدة. يقول إن حالته المادية لا تسمح بإجراء العملية في مشفى خاص ودفع نحو ثمانمائة دولار، ما يجبره على الانتظار لشهرين أو ثلاثة أشهر للحصول على موعد لإجراء العمل الجراحي وإيقاف نزف الشبكية.

يتسبب “السكر الشبابي” بمضاعفات أخرى عند المصابين مثل أمراض القلب والأوعية الدموية (الاعتلال العصبي)، تلف الكلى وتلف القدم السكرية ما يؤدي لاحقاً إلى بتر إصبع القدم أو بتر القدم أو بتر الساق في حال العلاج المتأخر، بحسب الطبيب “عبد الحميد محمد رضا” أخصائي الأمراض الداخلية والغدد.
ويقول الطبيب رضا إن الجهات الصحية والمنظمات الإنسانية لم تول اهتماماً جيداً بمرضى “السكر الشبابي”، إذ لم نشهد حملات توعوية للمرضى حول ضرورة اتباع الحمية بشكل مناسب، والالتزام بحقن الأنسولين، ومراجعة العيادة الطبيبة بشكل دوري مع ممارسة الرياضة  لتخفيف حدة النتائج التي تتبع المرض.
يعالج الشاب (فايز 33 عاماً ابن بلدة سفوهن بريف إدلب الجنوبي) من قصور في الكلى، بعد معاناة مستمرة مع مرض “السكر الشبابي” منذ ستة عشر عاماً، ويخضع لجلسات غسيل كلوي بشكل مستمر في مشفى الهداية على الحدود السورية التركية بمنطقة أطمة.

يراجع فايز عيادة خاصة باستمرار، ويدفع خمسة وعشرين ليرة تركية في كل معاينة، لأن حالته المستعجلة تمنعه من انتظار دوره الذي قد يمتد لأيام في المشافي المجانية. يقول إنه باع بعض أثاث منزله في المرة الأخيرة التي راجع بها طبيبه المختص لأنه لم يستطع تحمل الأوجاع المرافقة لألم الكلى.

أخيراً قامت مديرية صحة إدلب بافتتاح عيادة مختصة بالقدم السكرية في المشفى الجراحي التخصصي بمدينة إدلب، لرعاية المصابين ومحاولة علاجهم قبل الوصول لحالة البتر. ويحتاج مرضى “السكر الشبابي” إلى مراكز مخصصة بعلاج مضاعفات إصاباتهم، خاصة في العين والإصابات الكلوية، لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف الزائدة، إضافة لعدم امتلاكهم رفاهية الانتظار.