فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مسارات بائع بوظة متجوّل  في مخيمات الشمال السوري

منيرة بالوش

فجر كل يوم يحضّر أبو رائد الحليب وهو يفكر بالمخيم الذي سيقصده ظهراً منذ أن تحول إلى بائع بوظة متجوّل . قبل أن ترتفع درجة حرارة الظهيرة، يتفقد أبو رائد […]

فجر كل يوم يحضّر أبو رائد الحليب وهو يفكر بالمخيم الذي سيقصده ظهراً منذ أن تحول إلى بائع بوظة متجوّل .

قبل أن ترتفع درجة حرارة الظهيرة، يتفقد أبو رائد آلة البوظة المركونة في صندوق الشاحنة، الوقود اللازم للمولدة، يتأكد من لباسه والقطع النقدية المعدنية في جيبه، باحثاً عن رزقه.

كل شيء جاهز قبل انطلاقه في الساعة العاشرة من مخيم اللطامنة في دير حسان، مكان سكنه، ليختار وجهته بين المخيمات التي تسمح له بالدخول، يحدد اتجاهه صور الأطفال المتجمعين حول آلة البوظة.

الحرارة المرتفعة أفرغت شوارع المخيم من السكان إلا من ضجيج إذاعة أبو رائد وندائه المتكرر ” يالله عالبوظة، قشطة وحليب يا بوظة، فريز وحليب يا بوظة” مجموعة عبر مكبر الصوت، لتكون بمثابة إعلان رسمي يخبر الأطفال بوصول بائع البوظة المتجوّل إلى مخيمهم.

فرضت حياة المخيم وقلة عدد المحلات وبعدها عن المدن وجود باعة متجوّلين لمختلف المنتجات، ألبسة، خضار، مواد تموينية، ومنتجات موسمية كالبوظة في أيام الصيف. وساهمت هذه المهنة في تأمين مصدر دخل للعاملين بها.

بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب
بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب

يستمر موسم باعة البوظة المتجوّلين لأربعة أشهر تبدأ من حزيران وحتى نهاية أيلول، بحسب أبو رائد الذي ينتقل شتاء لبيع الألبسة.

تسرع الفتيات الصغيرات والصبية، في “مخيم رحماء” الذي اختاره أبو رائد كوجهة له، باتجاه السيارة بعد أن ملأ نداؤه  أرجاء المخيم في منطقة كفر لوسين، يتجمعون حوله، يطلقون عليه “عمو أبو البوظة”، يقول إنه يحب هذا الوصف أكثر من بائع بوظة متجوّل ، يمدون أيديهم بالقطع النقدية من فئة الليرة ونصف الليرة التركية، يحتالون على أمهاتهم لشراء قمع ملون بنكهة الفريز المحببة.
 

يصف أبو رائد هذه الفرحة بأجمل ما يحصل عليه بعد تعبه طيلة النهار، تَعلق في ذهنه أغانيهم له وصياحهم عليه وانتظار قدومه في فترة الظهيرة من كل يوم. 

جهز باعة بوظة متجوّلين سياراتهم بآلة آيس كريم ومولدة وفريزة، ليستغل فصل الصيف ببيع المثلجات للأطفال ضمن تلك المخيمات.

بعد نزوحه من معرة النعمان فكّر باستثمار سيارته المركونة أمام باب الخيمة، يقول “إنه اشترى ماكينة البوظة بألف ومائة دولار، ومولدة كهرباء بمئتين وخمسين دولاراً و”فريزة” التبريد بمائة دولار لتصبح  سيارته جاهزة لبيع البوظة”. 

ثبّت أبو رائد في صندوق سيارته الخلفي آلة صنع البوظة بواسطة حبال متينة، ووضع قربها فريزة التبريد لحفظ الحليب طيلة النهار، وعلى الطرف المقابل مولدة كهرباء لتشغيل الأجهزة.

تتألف آلة صنع البوظة التي يستعملها أبو رائد  في قسمها العلوي من حوضين لوضع الحليب والنكهات الأخرى، يتسع كل منهما لثماني ليترات من الحليب.

على واجهتها ثلاثة مقابض تخرج منها ثلاث نكهات مختلفة من البوظة، اثنتين أساسيتين  كالحليب والفريز أو الشوكولا وواحدة مختلطة بنكهتين معاً. 

يحتفظ أبو رائد ضمن ثلاجته بكميات من الحليب التي جهزها مسبقاً في منزله بعد غليها وإضافة السكر و السحلب و نكهة الفريز لقسم منه، ثم يضعها في الآلة على دفعات إلى أن تنتهي الكمية التي جهزها مع نهاية جولته المعتادة. 

ليس كل باعة البوظة المتجوّلين يملكون ما يشترون به آلة البوظة ومستلزماتها، ويعتمدون على شراء المثلجات الجاهزة من المعامل والمحلات وبيعها في المخيم.

نقود قليلة يحصل عليها (أبو ابراهيم) بائع بوظة متجوّل ، يقول إن يشتري الكيلو غرام الواحد منها بنحو خمس عشرة إلى عشرين ليرة تركية، يضعها في “ترمس حافظ للبرودة”، ويبدأ جولته في المخيمات على دراجته النارية.

ويضيف أبو إبراهيم الذي يسكن أحد مخيمات قاح إن ما يجنيه “قليل جداً” بعد دفع ثمن  البوظة ووقود الدراجة النارية، في حين يجني أبو رائد نحو ثمان ليرات تركية من كل كيلوغرام واحد من البوظة والذي يقدر تكلفته بنحو اثنتي عشرة ليرة.

 يصنع أبو رائد يومياً نحو  ثلاثين كيلو  غراماً من الحليب (سعر الكيلو ثلاث ليرات تركية) وثمان كيلو غرامات من السكر (سعر الكيلو خمسة ليرات)، وقليل من مادة السحلب، إضافة لكؤوس البوظة (القمع)، و علب بلاستيكية صغيرة للبيع.

بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب
بائع بوظة متجوّل في واحد من مخيمات إدلب

يقابل فرحة الأطفال بقدوم بائع البوظة المتجوّل، غصة أمهات كثيرات في المخيم، تقول أم جلال (أم لخمسة أطفال في مخيم كنصفرة) إن وصول البائع يتزامن مع عراك 

و صراخ يومي مع أطفالها، “يبدؤون بالبكاء والتمسك بثوبي لإجباري على شراء البوظة، في الوقت الذي أعيش فيه حيرة كبيرة لتأمين ثمن وجبة الطعام اليومية، خمس ليرات تركية نصف ما يتقاضاه عمل مياومة في إدلب، ولا يمكن صرفها لشراء المثلجات”.

يسبب قدوم باعة البوظة المتجوّلين مصدر إزعاج أيضاً لكبار السن، يقول الحاج الستيني “أبو مصطفى” إنه يقضي يومه بالمشاكل مع أصحاب السيارات الجوالة والدرجات النارية، فهم لا يقدرون وجود المرضى وهم ينادون على بضائعهم، إضافة لضجيج السيارات والمولدة. 

مُنع أبو رائد من  دخول أكثر من مخيم لذات السبب، وهو يدرك أن النداءات المتكررة على بضاعته، والأغاني المرافقة وصوت مولدة الكهرباء والزمور مصدر إزعاج كبير للأهالي، خاصة وقت الظهيرة، لكنها وسيلته الوحيدة للترويج عن بضاعته وكسب رزقه.

يلتزم أبو رائد خلال رحلته اليومية بخط سير واحد اعتاد عليه، وكسب شهرة بين أهالي تلك المخيمات، يبدأ من مخيم اللطامنة مروراً بالنهضة والوضيحي ومخيمات كفر لوسين، انتهاء بمخيم كنصفرة، ينهي رحلته وقد باع بضاعته ونفذ وقود سيارته وجمع مبلغاً جيداً من المال يمكنه من تأمين مصاريف عائلته وشراء الحليب للانطلاق برحلته في اليوم التالي.
 

بعد كورونا والتعليم عن بعد في لبنان.. الطلاب السوريون في سوق العمل والأساتذة منشغلون بالإضراب

محمد كنعان

  يقف حسين (9 سنوات) على رؤوس أصابعه، في محاولة ليمسك صينية الطعام الموضوعة على الطاولة العالية، استعداداً لإيصالها على قدميه لأحد الزبائن القريبين من المطعم الذي يعمل داخله في […]

 

يقف حسين (9 سنوات) على رؤوس أصابعه، في محاولة ليمسك صينية الطعام الموضوعة على الطاولة العالية، استعداداً لإيصالها على قدميه لأحد الزبائن القريبين من المطعم الذي يعمل داخله في مدينة صيدا اللبنانية، إذ بدأ مهنته الجديدة ” ديليفري” منذ أسابيع، منهياً بذلك مسيرة ثلاث سنوات من الدراسة الابتدائية.

يقول بعد أن أزال كمامته عن وجهه إنه ترك المدرسة منذ انتشار فيروس كورنا، “صار التعليم عن بعد، وفي أيام الدوام الطبيعي يتغيب المعلمون بسبب الإضراب”.

يعجز حسين وأخوه منير(10 سنوات) عن قراءة سطر باللغة العربية بشكل جيد، أو إتمام عملية حسابية تلقوها في دراستهم، حسب والدهم، ويقول إنهما لم يتلقيا التعليم كما يجب، وخاصة في الآونة الأخيرة إذ اقتصرت الدراسة على التعليم عن بعد خلال فترات طويلة من السنة”.

لا يختلف حسين عن آلاف الطلاب السوريين ممن فقدوا فرصهم في التعليم بعد انتشار كورونا في لبنان، تقول دراسة مشتركة للمفوضية السامية للأمم المتّحدة وبرنامج الأغذية العالمي، إنّ 65% من الأطفال السوريين المسجلين في المدارس ( بين 6 و17 سنة) لم يتابعوا تحصيلهم العلمي بعد الانتقال لنظام التعليم عن بعد، وذكرت الدراسة أن ثلث الطلاب الذين تلقوا التعليم عن بعد لم يتمكنوا من متابعة دروسهم بالشكل المطلوب بسبب انعدام أو عدم كفاية خدمة الإنترنت، و تضاعفت نسبة الأطفال المنخرطين في العمل لترتفع من 2,6% في 2019 إلى 4,4% في 2020.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، نقلاً عن مسؤولين في وزارة التربية إن عدد الأطفال السوريين بين (6 و17 سنة) كان 660 ألف طفل في العام الدراسي 2018-2019، (277 ألف منهم التحقوا بالمدرسة)، وفي العام 2020-2021 تم تسجيل 190 ألف طالب فقط، بينما لم يسجل 25 ألفًا آخرين ممن كان ينبغي أن يلتحقوا بالصف الأول.

إغلاق، مدمج، عن بعد

أغلقت المدارس اللبنانية أبوابها بشكل مؤقت في نهاية شباط 2020 واستمر الإغلاق حتى 15 آذار 2020، وذلك خلال خطة الحكومة في رفع حالة التأهب في مواجهة كورونا، تخلل هذه الفترة نشر فيديوهات على صفحة الوزارة في فيس بوك تظهر تعقيم المدارس وتجهيزها للطلاب، وتعاميم لتنظيم عمل الهيئة الإدارية، ووعود بفتح المدارس.

تزامن ارتفاع أعداد كورونا في لبنان مع موعد فتح المدارس في 15 آذار، وقتها أقر مجلس الوزراء الإغلاق العام لأسبوعين بما فيها المدارس العامة والخاصة والجامعات والروضات. واعتمدت الوزارة نظام التعليم عن بعد لتفادي انقطاع الطلاب عن حصصهم حتى نهاية العام الدراسي في 13 حزيران 2020.

بداية العام الدراسي 2020-2021، وفي 10 تشرين الأول بدأت المدارس تفتح أبوابها باعتماد خطة التعليم المدمج، والتي تقوم على دراسة الطلاب أسبوعاً في المنزل وأسبوعاً حضورياً، مع مراعاة تواجد نصف عدد الطلاب في المدرسة والنصف الآخر في المنزل، والمبادلة بينهما في الأسبوع التالي، بحسب الأستاذ وجيه المصري مدرس في إعدادية عبرا الرسميّة.

لم يدم هذا النظام طويلاً فقد ارتفع أعداد المصابين بكورونا وعاد التعليم عن بعد إلى الواجهة في 11 تشرين الثاني، إلى أن أصدرت الوزارة قرار العودة للتعليم المدمج في 15 نيسان والعمل به في 21 نيسان ٢٠٢١. ومن خلال رصدنا عدد أيام الدراسة لهذا العام ( من بدايته حتى موعد الامتحانات في تموز) وباستثناء يومي السبت والأحد كعطلة رسمية تبين أن نسبة الأيام التي حضر فيها الطلاب السوريون إلى مدارسهم لم تتعدّ 10%، ونسبة 90% كانت للتعليم عن بعد والعطل والأعياد والمناسبات.

العملية التعليمية معطلة في مدارس كثيرة

“الفساد يساوي الجوع” عبارة كتبت على رغيف خبز ونشرتها صفحة “الأساتذة المتعاقدون لتعليم اللاجئين السوريين في لبنان”، في إشارة لاتهام السلطات اللبنانية بسرقة رواتبهم وتأخيرها، إذ لم يستلم المدرسون رواتب الفصل الثاني في العام الماضي وفصلي هذه السنة.

أعلن معلمون عن إضرابهم عن الدوام في 6 كانون الثاني 2021، إذ انقضى أكثر من شهرين في عام دراسي جديد، ولم يحصل معظمهم على رواتب الفصل الثاني من العام الماضي، بدأ الإضراب مثل كرة الثلج، بعد ستة أيام من بدئه، وارتفع عدد المدارس التي امتنعت عن التعليم إلى 144 مدرسة، من أصل 340 مدرسة وفقاً للوائح المقدّمة من الوزارة إلى المفوّضية.

خلال الإضراب نفذ المعلمون اعتصامات أمام مبنى وزارة التربية، والمفوّضية، واليونيسيف، والتي  قالت ممثلتها في لبنان يوكي موكو في بيان نشرته الوكالة الوطنية للإعلام في 25 شباط 2021 “إنها تدرك الوضع الصعب للمعلمين، وأكدت أنها تتابع الموضوع، و أبدت تعاطفها معهم وأثنت على استمرار قسم منهم بتعليم السوريين”.

هذا الثناء والتعاطف مع عدم تقديم ضمانات باقتراب موعد الرواتب وتحسينها من الدولة لم يثر اهتمام المعلّمين بحسب من تحدّثنا معهم، ما دفع لجنة (الأساتذة المتعاقدون) لإعلان استمرار إضرابهم في اليوم نفسه، والدعوة إلى تنفيذ إضراب شامل بعد زيادة عدد المدارس التي امتنعت عن تعليم لاجئين سوريين.

كذلك انضمت رابطة التعليم الأساسي إلى الإضراب في 25 شباط، ودعت إلى وقف التدريس بداية شهر آذار 2021. وقالت الرابطة إن لديها معلمون في الدوام الصباحي لم يحصلوا على مستحقاتهم من العام الماضي، كما طالبت بصرفها (إن قبضت)، حسب سعر صرف الدولار في السوق.

في حين حملت وزارة التربية اللبنانية الجهات المانحة كالاتحاد الأوروبي والمفوضية واليونيسيف مسؤولية التأخير والإطالة في دفع رواتب عشرة آلاف مدرس، ودعت هي الأخرى إلى تعليق أعمال التدريس عن بعد (من 8 حتى 14 آذار 2021) عبر موقعها الرسمي لمدة أسبوع.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها بعنوان (لبنان: الحاجة إلى اتخاذ إجراءات بشأن تعليم النازحين السوريين، ونشر في موقعها الإلكتروني في 26 مارس) إن الحكومات الأوروبية تقوم بدفع رواتب المعلّمين بالدولار الأميركي، ومع ذلك، يتم إيداع الأموال في البنوك وتصرف الرواتب بالليرة اللبنانية بسعر أقل من سعر السوق.

وفيق سيف الدين مدرس متعاقد خاض تجربة إضرابات كثيرة، واتجه مؤخراً للعمل كسائق تاكسي يقول إنه يشعر بوجع أهالي الطلاب السوريين إثر حرمان أبنائهم من التعليم، لكنه في الوقت ذاته يخبرنا أنه يشعر بالحرج أمام عائلته التي تحتاج نفقات مضاعفة في ظل الضائقة الاقتصادية.

“كيف يريدوننا ان نعلّم من دون مقابل، لا يمكن أن يستمر الوضع هكذا، صرفت كافة مدخراتي وعليّ ديون، أين الحكومة واليونيسف والمفوضية، لماذا لا يلتفتون إلينا”.

سعيد أبو العينين مهندس لبناني دفعه قلة فرص العمل إلى تعليم الطلاب السوريين بعد الظهر، إلى جانب عمله في صيانة الموبايلات، لكنه توقف عن التدريس مع بداية الإضراب “مش مجبورين نعلم من دون مصاري”.

إضراب المعلمين وامتداده لأشهر سبب شلل شبه كامل للحركة التعليمية بحسب أهالي الطلاب السوريين الذين تحدّثنا إليهم، ما دفع قسم منهم لدفع أبنائهم لسوق العمل، وخاصة بعد استفحال الازمة المالية بإعطاء الأولوية للعيش قبل الدراسة.

تحدّث معد المادة مع 20 عائلة سورية من مختلف المناطق اللبنانية، 12عائلة قالت إنها لم تعد ترسل أولادها للمدرسة بسبب تغيب المدرسين أو امتناع المدارس عن استقبال أبنائهم نتيجة استمرار عدد لا بأس به في الإضراب.

 خيط رفيع

مطلع نيسان الماضي  حذّرت منظمة أنقذوا الطفولة في تقرير   لها بعنوان (أزمة التعليم في لبنان: دق ناقوس الخطر)، من “كارثة تربوية” في لبنان ستنعكس على الفئات الأضعف جراء الانهيار الاقتصادي الذي فاقمته تدابير التصدّي لفيروس كورونا. وقدرت عدد الأطفال الموجودين خارج مدارسهم بأكثر من 1.2 مليون طفل.

وجاء في التقرير أيضاً أن نسبة الفقر في صفوف اللاجئين السوريين ارتفعت إلى 90%، إذ لا تستطيع العديد من العائلات تأمين مستلزمات التعليم عن بعد، أو تضطر عوائل للاعتماد على أولادها لتوفير الدخل، فضلاً عن أن الطلاب السوريون تلقوا تعليماً متدنياً قياساً بالطلاب اللبنانيين.

وقالت مديرة المنظّمة في لبنان جينيفر مورهيد في ذات التقرير إن تعليم آلاف الأطفال في لبنان معلّق بخيط رفيع، وقد لا يعود عدد كبير منهم إطلاقاً إلى المدرسة، واعتبرت مورهيد أن العدد الأكبر من اللاجئين في لبنان هم الأكثر تضرراً من الأزمة المتدهورة بسرعة.

بينت دراسة استقصائية   نفذتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، استهدفت 10 آلاف عائلة محتاجة في نيسان 2020  أن كل عائلة تملك هاتف ذكي واحد في المنزل في وقت لا تملك فيه أي عائلة تقريباً أجهزة لوحية أو حواسيب.

إخراج الأطفال من المدرسة ودخولهم في سوق العمل لاقى ردود أفعال ووجهات نظر مختلفة بين مؤيد ومعارض. أبو منير “والد الطفل حسين” هو أول من دافع عن هذا الموضوع يقول إن عمل أبنائه اختصاراً لفترة “دراسة لن تفيدهم”، فهم محرومون من الوظائف في حال أتموا تعليمهم، والحكومة اللبنانية والمفوضية لا تكفل لهم العمل الوظيفي.

أبو يونس هو رب أسرة من خمسة أفراد يقول إن أغلب عائلات اللاجئين فقيرة وتكافح لتأمين عمل لأولادهم حتى وإن كان على حساب تعليمهم، ويشبه واقع تعليم السوريين بـ”الثوب المهترئ والذي مهما حاولت رتقه لن تحصل على نتيجة جيّدة”.

سعاد لاجئة سورية وهي أم لأربعة أطفال اتجه أبناؤها للعمل رفقة أبيهم، تقول إنهم لم يتسربوا من المدرسة لأنه أساساً لم يكن هنالك تدريس، تخبرنا أن عملهم في الوقت الحالي لتسديد نفقات المنزل، وتؤكد سعاد أن هناك عجزاً في تأمين متطلبات التعليم عن بعد كالإنترنت الجيد والكهرباء، والأجهزة اللوحية والأجهزة الخليوية التي تمكنهم من الرجوع للدرس في أي وقت، فهي لم تستطع توفير موبايل لكل ولد من أبنائها.

تقول سعاد إن المفوضية تركت الطلاب لمصيرهم المجهول، فمنذ انتشرت الجائحة وأغلقت المدارس لم يحصل الطلاب على أي دعم رغم الوعود الكثيرة بتزويدهم بأجهزة لوحية وبطاقات إنترنت.

نتعلم لنعلّمهم

تتزايد التحدّيات التي تقف في طريق عائلات اللاجئين في رحلة تعليم أولادهم، ومع ذلك يرى عدد منهم أن هناك ما يمكن إنقاذه لحين انتهاء الجائحة.

فاطمة لاجئة سورية وتعمل في مجال التسويق الإلكتروني قررت خوض تجربة تعليم أبنائها بمفردها، تقول إنها تقضي ساعات أما شاشة هاتفها في تعلم المنهج الدراسي وخاصة مادة الرياضيات واللغة الإنجليزية، تحاول حفظ الدروس وطريقة شرحها مستعينة بفيديوهات ومقاطع مسجلة على الإنترنت، وبذلك تهيئ نفسها لشرح المنهاج لأولادها ومن معهم من أبناء الحي السوريين.

تقول فاطمة إنها وصلت في دراستها للصف الثامن قبل أن يخرجها عمها من المدرسة، “بكفي لهون دراسة خليكي بالبيت” ولا تريد لأبنائها أن يكبروا بدون تعليم، وتصر على متابعة تدريسهم حتى بعد عودتهم للصفوف، إذ ما زالت المدارس تعاني نقصاً في المعلمين على حدّ قولها، وخاصّة بوجود قسم معلمين أصحاب اختصاصات لا علاقة لها بالتعليم ( مهندس، محاسب، محامي ).

أثناء تجوالك في شوارع مدينة صيدا تشاهد طلاباً بملابس أنيقة في طريقهم إلى مدراسهم، التي ما تزال ملتزمة بأسلوب التعليم المدمج إذ لم ينته الفصل الدراسي الثاني وممكن أن يتحدد موعد الامتحان في منتصف تموز القادم .

فادي (14) عاماً عاد مؤخراً للتعلّم رفقة زملائه وقد لفّت يده بضمادات طبية، تقول فاطمة إنه منذ فترة توقف عن التعليم اتجه للعمل في منشرة خشب “مصلحة دهب هكذا قالت والده، لكنه عاد بعد أيام بيد تنقص إصبعين”، تبتسم لتقول” أنا والإصابة كنا السبب في عودته للمدرسة”، حيث كان لفاطمة دور في إقناع والدة فادي بأهمية التعليم وضرورة عودته للمدرسة.

 نباتات الزينة تُهجّر من أحواضها إلى شرفات منازل النازحين وربات المنازل فقدن الاهتمام

 محمود يوسف السويد

تتفقد فاطمة أصص نباتات الزينة المرصوفة بجانب بعضها البعض بالقرب من شجيرة الياسمين البلدي في منزلها الجديد بمدينة سلقين، تفرغها من تراب العام الماضي، تخلطه التراب الجديد بسماد عضوي حصلت […]

تتفقد فاطمة أصص نباتات الزينة المرصوفة بجانب بعضها البعض بالقرب من شجيرة الياسمين البلدي في منزلها الجديد بمدينة سلقين، تفرغها من تراب العام الماضي، تخلطه التراب الجديد بسماد عضوي حصلت عليه من مربي أغنام يسكن جوارهم، وتستبدل أيضا التالف والمهترئ من عبوات معدنية بفعل الرطوبة والشمس بأخرى جديدة.

من الحوض إلى الشرفة

الفترة الزمنية، بين مطلع نيسان حتى أوائل حزيران، موسم لهواة الورد ونباتات الزينة لجمع أصناف مختلفة واقتناء أنواع جديدة وزراعتها والعناية بها حتى تنمو وتزهر على شرفات منازلهم، أو في فسحات البيوت السماوية ويقتني قسم من السكان ورد الصالون الذي ينمو داخل المنازل، للاستمتاع بمشهد النباتات الخضراء وروائح الزهور العطرة، أثناء جلساتهم الصباحية لتناول فنجان القهوة، أو عصراً في استراحة ما بعد الغداء.

تفضل أم محمد نبات الحبق والريحان والسجاد البلدي بلونه الخمري على بقية أصناف الورد الموسمية الأخرى، كونها تمنح الرائحة العطرة والمنظر الجميل منذ اللحظة الأولى لزراعتها، دون داع لانتظارها حتى تزهر. وعن تعلقها بنبتة الحبق تقول أم محمد: “يكفي أن تلمس أوراقها الناعمة بيديك، لتعلق بهما رائحتها الزكية فأصلي على النبي كلما شممتها”. أما نسرين فتقصد مشاتل الورد في حارم بحثاً عن أصناف ورد جديدة، فهي كما تقول: “تفضل الأنواع النادرة والمستهجنة حديثاً، كونها تتمتع بالتفرد”.

غياب المساحات في منازل المهجرين وخيامهم، وعدم الاستقرار في المنازل المستأجرة، دفع كثر من ربات المنازل للتخلي عن تربية نباتات الزينة، تقول أم يوسف (مهجرة من مدينة حلب) إن أكثر ما عز عليها وقت تهجيرها كانت نباتاتها التي تركتها في حي طريق الباب الذي كانت تسكنه، هي لا تريد “التورط” مرة أخرى بمفارقة ما تحب، ولذلك امتنعت عن تزيين منزلها بالنباتات الجديدة.

مقابل ذلك، تشاهد حين مرورك في شوارع مدن وبلدات إدلب، شرفات مزينة بنباتات الزينة، تقول نوال مصطفى (مدرسة) إن التهجير لم يمنعها من زراعة بعض نباتات الزينة والاعتناء بها على شرفة منزلها، تخبرنا أنها لن تستطيع أن تبدأ نهارها دون “عِرق أخضر” في المنزل. كما تداولت مواقع إخبارية صوراً وفيديوهات لخيام زينت بأحواض الورد من قبل ربات منازل يعشن في المخيمات.

وتضيف المصطفى أن ربات منازل فقدن الاهتمام بنباتات الزينة، الحرب وعدم الاستقرار سبب مهم في تراجعهن عن زراعتها، أعرف نساء احتفظن بأصص من نباتاتهم ونقلنها معهن في رحلة النزوح، ومع تكرار الأمر، وفي كل منزل سكنه أو خيمة، تركن قسماً منها، إضافة لعدم التعود، تشرح نوال “نحن معتادات على البيوت العربية بمساحات واسعة، تأخذ أحواض الورد جزء كبيراً منها، أما اليوم فبيوتنا المستأجرة لا تتسعنا نحن دون نباتاتنا”.

نباتات الزينة في إدلب
نباتات الزينة في إدلب
تراجع عمل مشاتل نباتات الزينة

العناية والاهتمام بـ نباتات الزينة وزراعتها ليست حكراً على النساء فقط، بل يتشارك فيها الرجال أيضاً، إذ يزرع “عهد الحسين” المولع بالورد منذ الصغر، نباتات الصبار الشوكية داخل “مشتل خاص” في كفر تخاريم، المكان الذي هجّر إليه بعد خروجه من مدينة كفرنبل، يقول إنه يقتني اليوم أزيد من أربعين صنفاً من النباتات الشوكية بأشكال وألوان مختلفة، بلدية مثل (أذان الأرانب وتاج الملكة) ومستوردة مثل (الألوفيرا والأوركيد).

يرى أبو وليد (صاحب مشتل للورد والأشجار في بلدة اسقاط)، أن تجارة نباتات الزينة تراجعت عن السابق، وذلك لأسباب عدة أهمها: ارتفاع أسعار النباتات، وضيق مساحات الأسواق عما كانت عليه في السنوات السابقة.

ويرجع أبو الوليد السبب في ارتفاع الأسعار لتكاليف الإنتاج الباهظة، ثمن التراب والأسمدة وعبوات الغراس، كذلك أسعار المحروقات اللازمة لتوليد الكهرباء وإيصال المياه إلى الشتلات، إضافة لأجور العمال.

ينتج مشتل أبو وليد مئات الأصناف من نباتات الزينة مثل (الريحان وشجيرات الغاردينيا والأوكالبتوس وأشجار الكينا والسرو والعنب). إضافة لأنواع مستوردة من أوروبا يجهل هو نفسه اسمها، لكن منظرها الجميل يبعث الراحة في النفس. ويختلف السعر بحسب حجم النبتة ونوعها، منها ما يتراوح بين ليرة إلى خمس ليرات تركية للواحدة، وأخرى يصل ثمنها لخمسين ليرة تركية، وأحيانا أكثر من عشرين دولاراً كبعض أنواع الشوكيات والصبار، والشجيرات المستوردة.

يصرف أبو وليد منتجاته من الورد والشجيرات عبر باعة المفرق الذين يسوقون إنتاجه إلى المدن والبلدات الأخرى في الشمال السوري، فبلدة كإسقاط لن تستوعب مئات الغراس والشتلات التي ينتجها.

باعة جوالون

أبو العبسي بائع ورد متجول، وأحد المهجرين من ريف حلب الشمالي، يتنقل بين مدينة وأخرى في سيارته لمكشوفة، ينادي على نباتاته في شوارع المدن والبلدات، بعد أن يكون قضى القسم الأول من النهار يبيع في بازارها الأسبوعي، يتفق أبو العبسي مع أبو وليد بأن إقبال الناس على شراء الورد أقل من السنوات الماضية. يقول أبو العبسي: ” بعد أن كنت أرجع عصراً إلى منزلي وقد بعت حمولة يومي، الآن لا أكاد أجني ثمن الوقود للسيارة، في أيام كثيرة”.

نباتات الزينة في إدلب
نباتات الزينة في إدلب

تقول أم يوسف إن السبب الرئيسي في تراجع الإقبال على نباتات الزينة هو “اليأس”، ربات منازل فقدن الاهتمام بترتيب منازلهن المؤقتة، أما الخيام فمكان لا يصلح لتلك الهواية، مع ما تفرضه حياة الخيام من نقص في المياه وتقلب المناخ والغبار، وهو ما يُفشل زراعة نباتات الزينة ويؤدي إلى موتها.

ضمن عبوة سمن معدنية فارغة زرعت حسنة نبتة الحبق، علها تضفي شيئا من حياة ونوعا من الدفء على جمود خيمتها في أحد مخيمات كفرلوسين، تشمها كل صباح، تهز وريقاتها في المساء، تحتفظ برائحتها على كفيها وهي تضع رأسها على الوسادة، تسترجع بها صورة حديقة منزلها الغناء في ضيعتها بريف المعرة الشرقي، قبل النزوح.

 

 

عودة جحا إلى حلب.. بساق واحدة!

تموز نجم الدين

في تلك الليلة لم ينم (أبو زكي) في المقهى كعادته، بل قرر الذهاب إلى منزله بغرض الاستحمام، ولكنه استفاق على ثلاث تفجيرات متوالية، هزت مدينة حلب، تلتها سحب الدخان لتغطي […]

في تلك الليلة لم ينم (أبو زكي) في المقهى كعادته، بل قرر الذهاب إلى منزله بغرض الاستحمام، ولكنه استفاق على ثلاث تفجيرات متوالية، هزت مدينة حلب، تلتها سحب الدخان لتغطي ساحة سعد الله الجابري بكاملها، حيث (ملتقى جحا) الذي يعمل فيه، والذي أصبح أثراً بعد عين، في تاريخ لن ينساه أبداً، وهو الثالث من تشرين الأول من عام 2012.

بيوت تركت سكانها

قبل هذا التاريخ بسبعين عاما، وضعت الأوقاف يدها، على جميع أملاك اليهود، الذين توجهوا نحو (أرض الميعاد) ، وبدأت بفتح فمها وجيوبها للمستثمرين والمستأجرين، حيث أنها لا تستطيع البيع والشراء فيه .

في نهاية شارع شكري القوتلي الغربية، وعلى ضفة نهر قويق، الذي غطته ساحة سعد الله الجابري برداء إسمنتي صلب، حل ضيف جديد على مقاهي حلب وهو مقهى (منتدى الشام) وقد أضيفت كلمة (الشام)، حتى لا يتم الخلط بينه وبين مقهى المنتدى في شارع بارون (البرازيل سابقاً). وكان المبنى قديماً للسيد “فاخر الجابري” ابن عم سعد الله الجابري الذي سميت الساحة باسمه.

منتدى الشام المصدر دليل حلب المصور
منتدى الشام المصدر دليل حلب المصور

تلج إلى منتدى الشام بعد الارتقاء ثلاث درجات، ليمتزج الزائر مباشرة برائحة القهوة المغلية، وصوت فيروز صباحاً، والقدود والموشحات ظهراً، وأم كلثوم مساء.

باريس بنكهة حلبية

يذكر الدكتور جوزيف زيتون في مذكراته أن المنطقة تلك وبالتقاطع مع شارع بارون، كانت تعج بالمقاهي الفنية والأدبية، إذ كان روادها يملؤون الأرصفة من الطبقة الراقية، بالإضافة لدور السينما والفنادق، حتى وصفه البعض بشارع (الشانزيليزيه) لتقارب المزاج العام بين حلب وباريس.

يتميز المقهى بواجهته الزجاجية الواسعة التي تطل على ساحة سعد الله الجابري من الجهة الغربية، ويشعر زائره أنه دخل إلى صندوق

(الدنيا) مباشرة، وبأنه ليس بحاحة لجريدة (الجماهير) لكي يطمئن على صحة مدينته وأحوالها، حيث الوجوه التي تمر، والبائعون الجوالون، وماسحو الأحذية، والسيارات، كلها تشي بحجم الحياة والفرح الذي ينبعث في المحيط.

شريعة (أبو زكي)

عندما يدخل أبو زكي إلى دائرة أي زائر غريب، يخبره مباشرة بالقواعد والقوانين، قهوة، شاي، زهورات، فقط.

ويبدو جليا تحت سطح الطاولة الزجاجي نقش رقعة الشطرنج، وغياب النرد (طاولة الزهر)، وورق اللعب (الاسكمبيل)، والنرجيلة، والتلفزيون، إلا من هاتف قرصي قديم في بداية الصالة، يرن أحياناً، لتكتشف أن أبا زكي يعمل عامل مقسم -بالإضافة لعمله- للزبائن المواظبين، حيث يخترق صوته الصالة:

-أبو محمد تلفون إلك.

-أستاذ وليد اتصلت مرتك.

وبالرغم من انتشار الهواتف النقالة، فقد استمر رنين الهاتف، لتعرف زوجات زبائنه عن حركة أزواجهن، ومواقيت حضورهم وخروجهم، ومع الأشخاص الذين يجالسونهم، وبمعنى آخر كان يمثل أبو زكي ال Gps لجميع زبائنه وعائلاتهم وأصدقائهم.

ومن الممنوعات الطريفة أنه لا يسمح لصغار السن بالدخول إلى المنتدى إلا برفقة ذويهم، ماعدا بائعي اليانصيب والجرائد وماسحي الأحذية.

كان المقهى يضم مجاميعاً كثيرة ومتنوعة المشارب كالفنانين، والأدباء، والمثقفين، والمدرسين، والمتقاعدين، ولاعبي الشطرنج المحترفين، وسادة النميمة وتجار الفضائح، ولكنه كان خالياً تماما من الجنس اللطيف وبنات حواء.

الهاتف الخليوي يلتهم المثقفين

في عام 2009 وبعد تغول شركتي الاتصالات الخليوية في حلب، وتوسيع أعمالهما ومقارهما، وضعتا نصب عينيهما وسط المدينة، وقد وقع اختيار شركة MTN للاتصالات الخليوية على مقهى منتدى الشام، لموقعه الاستراتيجي والحساس، وبمؤامرة بسيطة، وإغراءات مادية كبيرة، وخطوط مجانية كثيرة لمديرية الأوقاف في حلب، تم افتراس المكان، وتحويله إلى كائن أصفر الملامح والقلب.

ملتقى جحا وشركة الاتصالات التي حلت مكان منتدى الشام -المصدر دليل حلب المصور
ملتقى جحا وشركة الاتصالات التي حلت مكان منتدى الشام -المصدر دليل حلب المصور

أما السيد أبو بكري وهو المستثمر للمقهى، فقد تم تعويضه بالطابق العلوي، والذي كان عبارة عن مستودع كبير ملطخ بالفراغ، وروث الجرذان، وبالعث الذي ينهش خشب سقفه، بعد أن عرضت عليه الأوقاف تخفيض مبلغ الاستثمار، مقابل أن يقوم بإعادة تأهيل المكان على نفقته الشخصية، وتحت ضغط رواد المقهى وزبائنه، فقد قرر الانصياع للقرار مرغماً، وأسماه (مقهى قصر جحا)، وبعد فترة بسيطة تم اختصار التسمية ليصبح (ملتقى جحا).

حارة (كل مين إيدو ألو)

عندما وصل أبو زكي إلى مكان التفجير، لم يجد إلا غبار الذكريات، وتلالاً من الفقد، وصفعة قاسية من الأيام أخبرته بأنه أصبح عاطلا عن العمل، وبأن جحا أصبح يمشي بساق اصطناعية.

 صورة لملتقى جحا بعد التفجير المصدر ملتقى دور الثقافي
صورة لملتقى جحا بعد التفجير المصدر ملتقى دور الثقافي

لم تقم بلدية حلب، أو مديرية السياحة أو مديرية الأوقاف بأي ردة فعل تجاه مأساة أبي بكري الذي أصبح بساق واحدة، ولا بأبي زكي الذي لم يستطع التأقلم مع مقهى آخر، ولا مع الأنقاض التي كانت تنتظر من يقرأ عليها سورة (يس).

ومع محاولاته المتواصلة لإعادة تهيئة المكان، لم تكن الردود تشفي حزنه، بقول المسؤولين: “تلك الأرض من أملاك اليهود”، وقد طلبت منه الأوقاف أن يقوم بإعادة بناء المكان وإعادته لهيئته الأولى، على نفقته الشخصية، إن كان يرغب بإحياء (جحاه) من جديد.

جواز سفر باتجاه واحد

أبو بكري صاحب المقهى رجل ستيني، يصبغ شعره وشاربيه باللون الأسود، وساقه الاصطناعية بحفنة من الوجع والحزن، يتأمل صورة تظهر موقع المقهى القديم، ثم يتابع عمله وحيداً في المكان الجديد، بعد أن قدم الكثير من التنازلات على مستوى المقهى، فقد سمح بلعب الورق، وشرب النرجيلة، ولعب الطاولة، ومتابعي المباريات، والعشاق الحالمين، والنساء والأطفال، وجميع الكائنات المموهة (بالبوط العسكري)، نتيجة ضعف الحال وصعوبة الحياة ومرض أبي زكي المزمن. حافظ الرجل على مشروباته الثلاث، ولكنها أصبحت بلا طعم أو لون أو رائحة.

مقهى عودة جحا في حلب
مقهى عودة جحا في حلب

ينظر إلى الخارج وهو يتأمل صورة تظهر جحا، يركب حماره الباسم، وتبدو أعلى اللوحة جملة حزينة مكتوب عليها (مقهى عودة جحا).

ولكنه يعرف أنه لن يعود أبداً، بعد أن هاجر إلى الشمال، وفي حقيبته بعض الذكريات، وكمية كبيرة من الأحلام الخضراء.

 

“أصوات زراعية” أول تطبيق إلكتروني لإرشاد المزارعين في سوريا

فاطمة حاج موسى

أطلقت منظمة الخبرات الأكاديمية السورية “منظمة مجتمع مدني غير ربحية تضم مجموعة من الأكاديميين والخبراء السوريين من تخصصات متنوعة” تطبيقاً إلكترونياً يهتم بالشأن الزراعي ويقدم نصائحه للمزارعين في الداخل السوري، […]

أطلقت منظمة الخبرات الأكاديمية السورية “منظمة مجتمع مدني غير ربحية تضم مجموعة من الأكاديميين والخبراء السوريين من تخصصات متنوعة” تطبيقاً إلكترونياً يهتم بالشأن الزراعي ويقدم نصائحه للمزارعين في الداخل السوري، يتوفر التطبيق على متجر غوغل باسم “أصوات زراعية” وهو مدونة صوتية لسلسلة من الحلقات الزراعية الدورية، يقدمها خبراء حول مواضيع زراعية إرشادية متنوعة رغبة بدعم الزراعة ونقل العلوم الزراعية إلى المزارعين.

يأتي هذا المشروع ضمن سلسلة من البحوث والمشاريع التي تنفذها المنظمة بمجال الزراعة والأمن الغذائي  تهتم بالدراسات والأبحاث الزراعية، بهدف تزويد المهندسين الزراعيين والمزارعين بخبرات ومهارات جديدة تسهم في زيادة الإنتاج.

يهدف التطبيق لبناء جسر من التواصل المباشر بين الأكاديميين  والمزارعين، لتطوير القطاع الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، ونقل وتبادل المعرفة، ومعالجة الصعوبات من خلال الاستفادة من الخبرات الزراعية السورية في الداخل أو ضمن دول اللجوء (تركيا)، بعد أن فرضت الحرب تحديات اقتصادية جديدة فيما يتعلق بالتسويق والوصول إلى الأسواق، بحسب الدكتور شاهر عبد اللطيف مدير منظمة الخبرات الأكاديمية السورية.

وأضاف الدكتور عبد اللطيف “أن التطبيق مثّل فرصة ممتازة لنقل خبرات الأكاديميين الزراعيين ووضعها في خدمة المزارعين، والتعاون مع جميع الفاعلين المحليين والدوليين، الذين يعملون على تعزيز الأمن الغذائي وتحسين الظروف المعيشية في سوريا“.

يعد “أصوات زراعية” أول مشروع من نوعه، مخصص لدعم الزراعة ويقدم آخر التحديثات عن الابتكارات والتقنيات الزراعية من قبل فريق مؤلف من خمسة عشر أكاديمياً سورياً مهمتهم تحضير ومراجعة محتوى الحلقات وتسجيلها لتبث لاحقًا عبر التطبيق،  كما يعمل ضمن الفريق خمسة عشر مرشداً زراعياً في الشمال السوري، لديهم تواصل مباشر مع المزارعين، كل مرشد مسؤول عن التواصل مع ستين مزارعاً.

يقول أحمد محمد عبد اللطيف (مرشد زراعي من ريف حلب الغربي) إن مهمته التواصل مع ستين مزارعاً عن طريق “الواتس آب” أو بشكل فيزيائي، لشرح كيفية تحميل التطبيق واستخدامه، وإجراء استبيان مع المزارعين حول رأيهم بالمدونة الصوتية واقتراحاتهم عن المواضيع التي يرغبون بتغطيتها من قبل فريق الخبراء والباحثين، إضافة لمعرفة العقبات التي تواجه المزارعين.

يقدم الحلقات الزراعية، عبر التطبيق، المهندس الزراعي زهير مجيد آغا ومن المواضيع التي نوقشت ضمن الحلقات، “”ري وتسميد المحاصيل والخضار وأشجار الفاكهة، تحضير التربة وتحسين الإنتاجية والحفاظ على حيويتها، المكافحة المتكاملة لأمراض المحاصيل وأشجار الفاكهة، المحاصيل البديلة أو المحاصيل الاقتصادية وأهميتها في تحسين دخل المزارعين، إنتاج البذور وحفظ الخضار المحلية، الأسمدة العضوية” وغيرها من المواضيع التي تهم المزارعين.
وسيركز مشرفو البرنامج في الأيام القادمة على المعلومات التي تتعلق بالزراعات الموسمية ونشرها في وقتها المناسب إضافة لتسليط الضوء على مواضيع تهتم بالثروة الحيوانية من أمراض وتغذية وغيرها.

يرحب فريق “أصوات زراعية” بالمساهمات من جميع أفراد المجتمع، من منظمات محلية ودولية، ويوجه القائمون عليه دعوة عامة للمساهمة في دعم هذا المشروع للاستمرار به، وتقديم الخدمات للمزارعين والمهندسين والطلاب وكل مهتم بالشأن الزراعي، بحسب الدكتور شاهر.

تم تنظيم فعالية حشد وتعريف بالمدونة عبر الإنترنت في الرابع من أيار الماضي حضرها أكثر من خمسين مشاركاً من المنظمات الدولية والمحلية الحكومية وغير الحكومية، إضافة لباحثين من الجامعات والمراكز البحثية والمهتمين بالشأن الزراعي.

حرش الخالدية في عفرين.. مساكن عشوائية وتحطيب جائر

فريق التحرير

تجاوزات كبيرة على الأملاك العامة يشهدها حرش الخالدية في عفرين، من مساكن عشوائية وزعتها فصائل عسكرية على مهجرين من مختلف المناطق السورية، وتحطيب طال أشجار الحرش خلال السنتين الماضيتين. وكانت […]

تجاوزات كبيرة على الأملاك العامة يشهدها حرش الخالدية في عفرين، من مساكن عشوائية وزعتها فصائل عسكرية على مهجرين من مختلف المناطق السورية، وتحطيب طال أشجار الحرش خلال السنتين الماضيتين.

وكانت فصائل عسكرية تسيطر على “جبل ترندة” في حرش الخالدية قد قامت باقتطاع مساحات من الأملاك العامة وتوزيعها مجاناً على مهجرين، بواقع أربعمائة متر لكل عائلة، وتدفع الأخيرة تكاليف البناء على نفقتها الشخصية، ويحق لها بناء المساحة التي اقتطعت لها بالشكل الذي تراه مناسباً وبحسب قدرتها المالية، لكنها لا تملك وثيقة تثبت ملكيتها للأرض وأحقيتها في البناء عليه، بحسب أبو خالد العامل في صفوف الجبهة الشامية.

يقول أبو خالد: “الأراضي الموزعة هي ضمن أملاك الدولة ولا وجود لأملاك خاصة فيها”. ويتم توزيع الأراضي على المهجرين الراغبين بذلك عن طريق لجان من مختلف المناطق.

بناء بمصير مجهول

يبدي مهجرون قلقهم من تبعات ما يبنونه من مساكن عشوائية في حرش الخالدية، فغياب أي وثيقة رسمية تثبت ملكية صاحب المنزل للأرض، دفعت البعض لصرف التفكير عن البناء.
يقول مصطفى العلي “مهجر من دمشق يقيم في عفرين”: إن البناء في الحرش يعد مجازفة بمدخراتنا المالية، لا شيء يضمن حقوقنا بعد البناء، إضافة لانعدام أي نوع من الخدمات في المنطقة وصعوبة الطريق الواصل إلى الحرش”.

محمد “مهجر من خان الشيح في ريف دمشق ” قال إنه غامر بما يمتلك من نقود، وبنى منزلاً ليسكنه رغم المصير المجهول مع انعدام ما يثبت ملكية البناء، يقول: “تعبنا من دفع الإيجارات والتنقل من منزل لآخر في عفرين، الحصول على منزل بات حلماً لكل مهجر”.

وبنى محمد غرفة واحدة إضافة لمطبخ وحمام في قطعة الأرض المخصصة له، يقول إنه وفي حال حدوث أي طارئ وإخراج المهجرين من الحرش سيخرج معهم، ويرى أن التكاليف التي دفعها للبناء كان سيدفعها ثمناً لمنزل بالإيجار.

قلع جائر لأشجار الحرش

عند مرورك في الجبل تشاهد بقايا أشجار الصنوبر التي اقتطعت أخيراً لتتحول إلى أبنية جديدة، كذلك تشاهد مساحات واسعة من الأراضي قطعت أشجارها وبيعت كوسيلة للتدفئة.

تقدر هذه الأراضي بهكتارات كانت تضم آلاف الأشجار، وإن كانت هذه الأراضي ما تزال أملاكاً عامة وفق صكوك الملكية، لكن الأشجار المقطوعة لن تعود للحياة مجدداً. لتتغير ملامح جبل ترندة والأحراش المجاورة بعد زحف الكتل الاسمنتية على مساحنه الخضراء.

مساكن عشوائية في حرش الخالدية في عفرين
مساكن عشوائية في حرش الخالدية في عفرين

تختلف المنازل التي بنيت في حرش الخالدية من ناحية المساحة والتجهيز بحسب إمكانيات أصحابها، منها مؤلف من غرفة واحدة يجاورها مطبخ صغير وحمام دون إكساء بكلفة وسطية قدرها أصحابها بألف دولار أمريكي، ومنازل أخرى بمساحة أكبر مكونة من غرف عديدة، إضافة لمطبخ وحمّام وتتراوح كلفتها بين ثلاثة إلى أربعة آلاف دولار حسب نوع الاكساء. كما كان للمزارع حضورها في الجبل إذ تجد منازل محاطة بحدائق وقد لفها سور حجري، تتفاوت مساحة البناء فيها بين مئتين إلى أربعمئة متر، قسم منها جهز بمسبح، تقدر كلفتها بنحو عشرة آلاف دولار، وتعود ملكيتها في الغالب لعناصر وقيادات عسكرية.

بعيداً عن أولوية المنظمات

بنى مهجرون سوراً حول الأرض التي وُزعت لهم للحفاظ على مساحتها دون تجاوز من الأراضي المجاورة، لعجزهم مادياً عن الاستمرار بالبناء، يروي من تحدثنا معهم إنهم ينتظرون تبني مشروعهم من قبل إحدى المنظمات ومساعدتهم في الإنشاء، ويقول حسين “مهجر من ريف دمشق” إنه لا يمتلك القدرة المادية لبناء المنزل، بعد أن أرهقته تكاليف الإيجارات المرتفعة، في انتظار أن تأتي بعض المنظمات لمساعدته وأقرانه في البناء وتخديم المنطقة.

سور حول أراض في حرش الخالدية في عفرين
سور حول أراض في حرش الخالدية في عفرين

“السكن في الحرش سيكون مؤقتاً لحين إيجاد حل لما يمر به الواقع السوري من تعقيدات وفي أول فرصة سأعود إلى منزلي الذي هُجرت منه” يضيف حسين.

فقدان الخدمات الرئيسة في موقع البناء يشكل تحدٍّ للراغبين في السكن بحرش الخالدية، الطرقات جبلية وعرة والطريق الرئيسي الواصل للحرش شديد الانحدار، يمر بالقرب من عدة مقالع حجر تركت آثارها من التراب الناعم والغبار على جانبيه، ما شكل معاناة إضافية للعابرين عليه.
كما تغيب الخدمات الطبية عن الموقع كلياً ويلجأ الأهالي إلى مشافي عفرين للعلاج. وتوجد مدرستان ضمن مخيمين قريبين من الموقع يضطر سكان الجبل لنقل أولادهم إليهما رغم افتقارهما لأدنى مقومات العملية التعليمية.
حفرت إحدى المنظمات ثلاثة آبار في المنطقة لتخديم المنازل بالمياه، وافتتح بعض السكان بقاليات ومحلات بيع الخضار، لتأمين مصدر دخل لهم وبث الحياة في أرجاء الجبل، لكن تبقى مدينة عفرين وجهة السكان الرئيسية لتأمين احتياجاتهم.

بين الاستقرار وحق العودة

يتخوف ناشطون من محاولة توطين المهجرين بما ينسيهم حقهم في مناطقهم التي هُجروا منها، معتبرين أن هذا الأمر قد يساهم بتقبل المهجرين لواقع الحال الذي يعيشونه، ويلغي من أذهانهم فكرة العودة و المطالبة بحقوقهم.

يقول عز الدين العلي “مدير اتحاد نشطاء جنوب دمشق” : يحق لكل المهجرين البحث عن الاستقرار والأمان، شريطة ألا يكون ذلك على حساب حقهم الأصلي بالعودة، وذلك لا يعني أننا نطلب من المهجرين البقاء في الخيام وما تمثله من معاناة، لكن الحياة في ذلك الموقع لا تختلف كثيراً عن حياة المخيمات، وبالتالي يمكن تحسين ظروف معيشتهم بالمخيم بجزء من المبلغ المالي الذي سيدفعونه في بناء منزل ضمن حرش الخالدية.

منطقة مخالفات ولا يوجد أوامر قضائية للتعامل معها

سمح المجلس المحلي في عفرين لمنظمتين ببناء منازل صغيرة في محيط حرش الخالدية للمهجرين، وباقي عمليات البناء تمت دون رخص صادرة عن المجلس.

يقول محمد حاج عبدو مدير المكتب القانوني في مجلس محلي عفرين: “منح المجلس قطعتي أرض لمنظمتين من أجل بناء بيوت عوضاً عن المخيمات، وسيتم نقل النازحين إليها قريباً. وهناك من يقوم ببناء مساكن عشوائية خارج إرادة المجلس، حيث تم توزيع الأراضي من قبل جهات لا تتبع المجلس، وهي مخالفات تعامل كأي مخالفة وتعدٍّ على الأملاك العامة، يرفع المجلس المحلي المخالفات إلى القضاء لكن لم يصدر أي قرار بإزالة أي مخالفة في عفرين حتى الآن”.

وتابع العبدو: “لا يمكن للمجلس تخديم المنطقة فطبيعتها تحتاج إمكانيات كبيرة لا يستطيع المجلس المحلي تقديمها”.

عدم شرعية البناء في أملاك الدولة

أقر القانون السوري قوانين خاصة للتعامل مع أملاك الدولة، منها القانون رقم 252 لعام 1959 الذي عرّف أملاك الدولة الخاصة والذي يمنع إشغال أملاك الدولة من دون ترخيص مسبق من قبل مديرية الإصلاح الزراعي، والقانون المدني الصادر عام 1949 و الذي نص على عدم جواز التصرف بالأموال العامة أو الحجز عليها أو تملّكها بالتقادم، والقانون رقم 273 لعام 1956 و الذي لا يعترف بأي أبنية شيّدها الأفراد على أراضي الدولة بطريق الغصب أو الاستيلاء أو الإشغال بدون ترخيص.

يقول المحامي علي رشيد الحسن: إن التجاوزات التي تحصل اليوم على أراضي أملاك الدولة وسياسة الأمر الواقع التي تتبعها الفصائل المسيطرة على الأرض ليس لها أي أثر قانوني في المستقبل، وبالتالي فكل سكن قائم عليها يعتبر سكناً عشوائياً تتوجب إزالته.

تتفاوت آراء من تحدثنا معهم من المهجرين، يقول بعضهم إن مصاعب وتكاليف الإيجار تدفعهم للمجازفة وبناء مساكن عشوائية بكلفة بسيطة تمنحهم بعض الاستقرار، في حين يرى آخرون إن أي بناء بهذا الشكل مخاطرة قد يتحمل تبعاتها المهجر عند أي تغيّر في خارطة السيطرة على المنطقة.

الذهب في إدلب..  الأسعار محددة والصياغة “على كيف صاحب المحل”

محمد الأسمر

دفع عامر وهو شاب مقبل على الزواج اثنان وأربعين دولاراً ثمن الصياغة لقطعتي ذهب اشتراها لعروسه بمبلغ أربعمائة وعشرين دولاراً، يقول إن قيمة الصياغة بلغت ١٠٪ من قيمة الذهب، وهو […]

دفع عامر وهو شاب مقبل على الزواج اثنان وأربعين دولاراً ثمن الصياغة لقطعتي ذهب اشتراها لعروسه بمبلغ أربعمائة وعشرين دولاراً، يقول إن قيمة الصياغة بلغت ١٠٪ من قيمة الذهب، وهو ما اكتشفه بعد عودته إلى المنزل وحساب القيمة الفعلية للمصاغ، بعد أن خلت الفاتورة من تفاصيل توضيحية.

لا يخفي الصائغ أثناء عملية البيع أجرة الصياغة التي سيتقاضاها، ويشتري الصائغ الذهب بحسب التسعيرة اليومية ويضيف إليه قيمة التصنيع “الصياغة”، و تسمح جمعية الصاغة في إدلب بنسبة ربح تصل إلى 100% على قيمة الصياغة، بحسب مصعب الأسود مدير الجمعية.

يقول الأسود إنه وفي شهر شباط الماضي تأسست جمعية الصاغة في محافظة إدلب، بهدف تنظيم عمل سوق الذهب والإشراف على عمل الصاغة وتم انتخاب سبعة أعضاء لتمثيل الجمعية ورئيس لها.
تصدر الجمعية نشرة يومية بأسعار الذهب في إدلب، بحسب سعر الأونصة عالمياً، وتراقب سوق الذهب من ناحية العيار وفواتير البيع والشراء وتحدد نسبة ربح الصائغ.

وبلغ عدد الصاغة المرخصين في إدلب مئة وستين صائغاً، وقدمت الجمعية ترخيصها للجميع ضمن شروط مثل “الخبرة بالبيع والشراء، خبرة بمعرفة العيارات، امتلاكه معدات لوجستية دقيقة”.

يقول عامر إن تحديد الجمعية لنسبة الربح لا تحمي الزبون من الغبن، لأنه لا يعلم أساساً القيمة التي دفعها الصائغ كمصاغ للقطعة، وبالتالي هو مضطر للتسليم بكلام الصائغ ودفع المبلغ المطلوب.
ويضيف بما أن الجمعية تراقب سوق الذهب فمن السهل تحديد قيمة صياغة كل قطعة، وترك هامش ربح للبائع حتى لا يتعرض أي زبون للاستغلال، لاسيما أن سوق الذهب يعتبر من الأسواق المجهولة بالنسبة للزبون، وقد لا يدخله إلا مرة خلال عدة سنين.

جولة في السوق

مازن قوصرة يعمل في صياغة الذهب منذ خمسة عشر عاماً، يقول إنه لمس تغيرات كبيرة طرأت على أسواق الذهب خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت المهنة لتجارة أكثر منها حرفة، ساهم في ذلك تدهور قيمة الليرة السورية ورغبة بعض أصحاب رؤوس الأموال بالحفاظ على قيمة أموالهم بالذهب، ما دفعهم لافتتاح محال صياغة.

أحد محلات الذهب في مدينة إدلب.
أحد محلات الذهب في مدينة إدلب.

تختلف أجور الصياغة بين تاجر وآخر، بحسب القوصرة. ويرى أنه من الصعب إلزام التاجر بسعر صياغة محدد كما كان معمول قبل الثورة إذ كان يحدد سعر صياغة ثابت لكل غرام بحسب نوع القطعة، بينما يصعب تحديد السعر اليوم بسبب تعدد مصادر البضائع واختلاف تكاليف وصولها وصياغتها.

يميل كثير من الزبائن للحصول على الذهب المستعمل “الذهب الذي قام أصحابه ببيعه للصائغ والذي نظفه وأعاد عرضه دون أن يحرقه ويكسره كما كان متداولاً من قبل” بهدف توفير سعر الصياغة، إذ يشتري الصائغ الذهب المستعمل بسعر أقل من السعر الحقيقي ويبيعه بسعر الذهب دون إضافة أجور الصياغة، وهو ما وفر مبالغ جيدة على الزبائن وخاصة الراغبين بالتجارة، بحسب الصائغ إبراهيم العوض.

ويقول إن أسواق الذهب مضبوطة بشكل دقيق من ناحية الوزن والعيار، لكن أسعار الصياغة تختلف بين محل وآخر، إذ تسمح الجمعية بهامش ربح يصل إلى 100%، تضاف لتكاليف القطعة كحد أقصى، ما يسمح للصائغ بمراعاة زبون دون آخر الأمر الذي يترك فروقاً قد يراها المشتري كبيرة.
تختلف تكاليف القطعة بحسب التصميم والوقت المطلوب لإنتاجها، فقد تتساوى قطعتين بالوزن، لكن تكون صياغة إحداها ضعف الأخرى بحسب العوض.

يخضع الذهب الموجود في مناطق إدلب لمراقبة الجمعية سواء كان تركياً أم محلياً ويتم مطابقتها مع العيارات المعمول بها، وقد تم ضبط كميات من الذهب المغشوش تم توزيعها في المنطقة بعيارات منخفضة، مخالفة للعيار الأساسي 21، وتم تحويل العاملين بها إلى القضاء.

تبحث إدارة الجمعية بأسباب المخالفة بالدرجة الأولى قبل أن يتم تحويل الصائغ للقضاء، وتحدد فيما إن كان الخطأ مقصوداً، وإن كان هناك تكرار للمخالفة في أكثر من قطعة، إضافة لعملية ترويج هذه القطع، ويتم بعدها اتخاذ الإجراء المناسب لكل حالة على حدة، والذي قد يبدأ بالإنذار ثم تكسير القطع المخالفة لمنع بيعها، أما في حالات الغش المتكرر يمكن أن يحال الصائغ للقضاء.

ويشرح الأسود العملية بقوله “قد نضبط قطعة ذهب لدى أحد الصاغة بعيار 20 بدلا من 21، وقد يجهل الصائغ هذه المسألة نتيجة دخول عشرات التجار على المهنة دون أن يملكوا دراية كافية بها، وفي هذه الحالة تكتفي الجمعية بتكسير القطعة لمنع تداولها في السوق ويقوم الصائغ بإعادتها للورشة لصهرها وتصنيعها من جديد دون إحالته للقضاء”.

تقوم الجمعية بجولات دورية مستمرة على محال الصاغة لمراقبة عملهم إضافة لعملها في استقبال شكاوى المواطنين للوقوف على أي مخالفة سواء بالوزن أو بالسعر والتعامل معها.

تراجع في الحركة الشرائية

انخفض تداول الحلي الذهبية بعد اعتماد إدلب على الليرة التركية، يقول القوصرة أثناء التعامل بالليرة السورية كانت تشهد الليرة تذبذباً مستمراً في الأسعار، ما أجبر البعض على تحويل أموالهم لقطع ذهبية للمحافظة على قيمتها، وهو ما دفع بعضهم للتجارة بالذهب عند احساسهم بإمكانية الربح، أما اليوم فقد تم تحديد سعر الذهب بالدولار وفروقات تصريف الليرة التركية باتت أقل بكثير ما انعكس بشكل سلبي على سوق الذهب، وانحصر غالبية زبائن السوق بالراغبين بالزواج والذين تتراوح الكمية التي يشترونها بين خمسة إلى خمسين غراماً.

تعتمد أسواق إدلب على الذهب التركي بنسبة 80%، والجزء المتبقي يتم تصنيعه داخلياً في حين انخفضت كمية الواردات من مناطق النظام بشكل كبير بعد إغلاق المعابر، تتواجد في إدلب نحو عشرة ورش مختصة بصياغة الذهب، وتنتج معظم المصاغ المعروف بـ “البلدي”، تكفى تلك الورش أسواق إدلب المحلية بمنتجاتها لكن السوق يحتاج لتصاميم وموديلات مختلفة تتطلب استيرادها من تركيا لتعذر صناعتها في هذه الورش، إذ تحتاج لمعدات حديثة في صناعتها بحسب أبو أحمد صاحب ورشة.

يعمل أبو أحمد في هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً، ويقول إن كلفة صياغة كل قطعة مختلفة عن الأخرى، نتيجة انخفاض كلفة إنتاج بعضها مقارنة بأنواع أخرى تحتاج لوقت وجهد في صنعها، فكلفة تصنيع خاتم تبلغ نحو سبعة دولار ويبيعه الصائغ بين عشرة إلى خمسة عشر دولاراً.

يقول أبو أحمد إن الزبون قد يرى أن أسعار الصياغة مرتفعة لكنها متناسبة مع رأس المال الذي يستعمله الصائغ في تجارته، ويؤكد بأن أسعار الصياغة منخفضة أكثر من مناطق النظام الذي يسمح بنسبة ربح 300%.

يشرح أبو أحمد هذه المسألة بقوله إن سعر السوار بوزن اثني عشر غراماً يبلغ ستمئة دولار، وإذا ربح الصائغ ببيعها عشرة دولار فهو ربح زهيد لا يقارن بأي مجال عمل آخر.

القوانين التركية تحدّ من ظاهرة الزواج المبكر لقاصرات بين اللاجئين السوريين

منصور حسين

رفضت أم محمد وهي سيدة سورية تعيش في تركيا طلبات الزواج المبكر التي عرضت على ابنتها والتي لم تنه عامها السادس عشر. تقول إنها لم تفكر بالموضوع أبداً، ولم تسأل […]

رفضت أم محمد وهي سيدة سورية تعيش في تركيا طلبات الزواج المبكر التي عرضت على ابنتها والتي لم تنه عامها السادس عشر.

تقول إنها لم تفكر بالموضوع أبداً، ولم تسأل عن حال العريس ولا عمره ولا مهنته، فعمر ابنتها يدفعها لرفض فكرة الزواج بالمطلق مالم تتجاوز ابنتها السن القانوني، فالعادات والأنظمة التركية تختلف عن عادات سوريا، وتفرض الحكومة التركية قوانين صارمة للحد من الزواج المبكر .

ملاحقات قانونية

شددت مؤسسات الدولة التركية في تطبيق قوانين تمنع زواج القاصرات وخاصة في ولاية إسطنبول، ما أدى لامتناع سوريين عن تزويج بناتهن قبل بلوغهن الثامنة عشر وذلك خشية العقوبات التي قد تصل للسجن لمدة ستة عشر عاماً.

ترى أم محمد أن قرارها برفض زواج ابنتها لمياء كان صائباً، فالتجارب التي سمعت بها لعائلات سورية عززت رأيها بأهمية الالتزام بالقانون نظراً لما تعرض له الأزواج المخالفون للقانون من صعوبات، لعدم قدرتهم على تثبيت الزواج لدى الدوائر الحكومية، وتجنبهم مراجعة المشافي أثناء تعرض الزوجة لأي وعكة صحية خشية المساءلة، فضلاً عن تخوف أهل الفتاة من انكشاف أمرهم أثناء عمليات الإحصاء الدورية التي تقوم بها المراكز المعنية باللاجئين السوريين، حيث يركز العاملون بالإحصاء في أسئلتهم على الفتيات بين عمر 15_17 سنة.

أما لمياء فتنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، تعتبر الزواج مسؤولية تفوق طاقتها، كما أنه يمكن أن يقضي على أحلامها في استكمال تحصيلها العلمي وهي ما تزال طالبة في المرحلة الثانوية.

عقوبات صارمة

راجع فاضل، وهو شاب سوري من إدلب، مديرية الهجرة العامة في إسطنبول لتسجيل زواجه رسمياً بعد مضي ثلاث سنوات على الزواج وإنجاب زوجته لطفل.

يقول: “إنه عقد قرانه على يد شيخ “غير قانوني” لأن زوجته كانت قاصراً”، تعرض فاضل لضغوط نفسية ومادية وصفها بالكبيرة في فترة حمل زوجته وولادتها، فقد كان مجبراً على دفع تكاليف العيادات الخاصة والتي أرهقت كاهله لعجزه عن مراجعة المشافي العامة أثناء الحمل حتى لا تكتشف قصة زواجه من قاصر، كما اضطر لإجراء الولادة في مشفى خاص لتجنب المساءلة القانونية إلا أنه تعرض للحجز لدى أمن المشفى ليوم كامل، بسبب مخالفته القوانين وتم إطلاق سراحه بعد أن تأكد الأمن من جهله بالقوانين التركية، لكنه كان مجبراً على تسجيل طفله على قيود والدته نظراً لغياب الأوراق الرسمية التي تؤكد واقعة الزواج.

تنص المادة “124” من القانون التركي المدني على أنه لا يحق للشاب أو الفتاة الزواج قبل أن يتم كل منهما سن الـسابعة عشر، لكن يجوز للقاضي السماح بعقد النكاح للفتاة أو الشاب ممن أتم سن السادسة عشر، في ظروف استثنائية ولسبب مهم، بعد الاستماع إلى ولي الأمر المكلف.

يقول فاضل إنه لم يتمكن من عقد قرانه العام الماضي رغم إتمام زوجته سن السادسة عشر، لأن الموظفين ومكتب المحاماة رفضوا ذلك، بسبب وجود طفل عمره أكثر من عام ما يعني أن الزواج قد تم قبل بلوغها السن المطلوب للزواج.

تراجع حالات الزواج المبكر

لا توجد إحصاءات دقيقة توثق حالات الزواج المبكر بين السوريين بسبب غياب المؤسسات والمنظمات المختصة بمتابعة وكشف عن هذه الحالات، لكن الباحثة الاجتماعية وضحة العثمان “مديرة جمعية رفقاً بالإنسانية”، تقول إن معدلات الزواج المبكر تراجعت خلال النصف الأول من العام الجاري والعام الماضي، مقارنة بالأعوام السابقة.

وترجع العثمان أسباب التراجع لتنامي قناعة اللاجئين السوريين بأنهم موجودين على أراضي دولة يحكمها القانون لا العادات والتقاليد، حيث بدأ الخوف من القانون يطغى على قناعة كثير من السوريين الذين كانوا يعتبرون زواج الفتاة دون الثامنة عشر أمراً عادياً.

كما يعتبر عامل الاستقرار المعيشي والأمان الاقتصادي الذي يعيشه السوريون في تركيا، نتيجة توفر فرص العمل إضافة لتلقيهم الدعم الحكومي، من أهم الأسباب التي تساهم في حماية الفتاة، إضافة إلى عامل الوعي الذي بات يتمتع به اللاجئون، والشباب منهم على وجه الخصوص، حيث بدأت أحلامهم تتجاوز قضية الزواج المبكر ، حسب العثمان.

وترى بحسب متابعاتهم أن الظاهرة ماتزال موجودة لدى الأسر التي تعاني من مشاكل اقتصادية، وتجد بأن زواج الفتيات في سن مبكرة سيخفف عنهم من الأعباء المعيشية بحسب العثمان.

حذر ناشطون ومؤسسات حقوقية من عودة ظاهرة الزواج المبكر بين اللاجئين السوريين في تركيا، خاصة في الولايات الجنوبية، جراء الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تفشي وباء كورونا، وطالبوا بتكثيف حملات التوعية والدعم المادي لتلك العائلات.