تتجاوز قيمة القرض الذي حصل عليه طارق أربعمائة دولاراً، قام من خلالها بفتح مطعم صغير في قرية تل سلور بعفرين، يقول إنه استطاع بهذه النقود الحصول على فرصة عمل وتحسين مستواه المعيشي، ليكمل إنه يأمل بعد سداد قرضه من تطوير مشروعه الذي بدأه.
“قاربت على سداد نصف القرض، وعند الانتهاء منه سيكون بمقدوري تأمين أغلب الحاجيات الأساسية لأسرتي” يقول طارق فواز، أحد المستفيدين من مشروع “فرصة عمل” الذي أطلقته مؤسسة دعوة والتي تعمل كـ (صلة وصل بين المستفيد والمتبرع).
لا تتجاوز قيمة القرض الذي حصل عليه طارق أربعمائة دولاراً، قام من خلالها بفتح مطعم صغير في قرية تل سلور بعفرين، يقول إنه استطاع بهذه النقود الحصول على فرصة عمل وتحسين مستواه المعيشي، ليكمل إنه يأمل بعد سداد قرضه من تطوير مشروعه الذي بدأه.
محمود الدمشقي “مدير مؤسسة دعوة للشؤون الاجتماعية” قال إن “فرصة عمل” مخصصة للمشاريع متناهية الصغر، جاءت تلبية للظروف الحياتية التي يعيشها الوافدون (سكان المخيمات) في عفرين، وذلك من خلال الربط بين احتياجات المخيم لمحلات تجارية وورش صناعية وحاجة الأهالي لفرض العمل.
وعن آلية الحصول على القرض يقول الدمشقي إن الأمر يتم عبر تسجيل مقابلة مرئية مع طالب فرصة العمل يشرح فيها “مشروعه والكلفة التقديرية”، ثم يتم نشر الحالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى صفحة المؤسسة، بانتظار تبنيها من أحد المتبرعين.
تم تنفيذ أربعة مشاريع حتى اللحظة منها محلا بقالة ومولدة كهرباء لتزويد المخيم بالطاقة ومطعم، يقول الدمشقي الذي وصف تقبل الفكرة والإقبال عليها بـ “الضعيف”، إلّا أن المشاريع الأربعة أثبتت نجاحها وساعدت في تحسين ظروف المستفيدين من هذه القروض التي يتم سدادها على دفعات، قارب أحدها على الانتهاء بشكل كامل، بينما القرضان الآخران فقد طالب أصحابهما بتحويل المبالغ المترتبة على القرض إلى عائلات الشهداء والأرامل.
ليس هناك آلية أو عقود ملزمة أو طريقة معتمدة لسداد هذه القروض، وإنما يعول القائمون عليه على الالتزام الأخلاقي، إضافة إلى قيام المؤسسة الوسيطة بالتأكد من حالة الشخص الاجتماعية وحاجته للقرض، لتفاضل بين المشاريع المطروحة.
تتراوح قيمة القروض بين (300-400 دولار)، ويحاول أصحاب الفكرة الاعتماد على تدوير رأس المال، إلّا أن ذلك يخضع لرغبة مانحي القروض، بحسب الدمشقي الذي قال إن الفكرة لاقت رواجاً بين الوافدين في معظم المناطق “هناك أكثر من عشرين طلباً مسجلاً لدى المؤسسة بانتظار تبنيها، ولا تقتصر على أبناء المخيم بل تشمل معظم مناطق الشمال السوري”.
طلبات القروض المقدمة ليست مخصصة للذكور فقط، بل هناك نساء تقدمن بطلبات لـ “فرصة عمل” وهن غالباً نساء شهداء أو أرامل معيلات لأطفالهن.
وتكمن أهمية المشروع في خلق فرص عمل لسكان المخيمات وتحويلهم إلى منتجين بدل انتظار السلل الإغاثية، وتحسين ظروفهم والحدّ من البطالة من جهة، وتطوير هذه المشاريع متناهية الصغر إلى مشاريع صغيرة مستقبلاً تستقطب أيادٍ عاملة جديدة.
أربعمائة دولار كانت كفيلة بنجاة طارق فواز من قائمة العاطلين عن العمل والتي تصدرتها سوريا، وفق منظمة العمل الدولية، بعد أن وصلت النسبة إلى 50%، الإحصائية غير الدقيقة التي يرى فيها أستاذ الاقتصاد مرعي محمد، إضافة لعدد من التقارير المنشورة، أن نسبة البطالة في سوريا تجاوزت 70% من السكان.
بعد تفجير تلك الصخور نقوم بتقطيعها إلى حجارة صغيرة وتنجيدها وتسويتها بمقاس واحد، يضيف الحبيش الذي قال إنهم يستخدمون البارود وما يطلق عليه “العتلة” لحفر الألغام في الصخور وتفجيرها، إضافة إلى ما يعرف بـ “المهدّة” وهي مطرقة حديدية تزن ما يقارب تسعة كيلو غرامات تستخدم لتقسيم الحجارة المدورة والكبيرة، و”الإزميل” وهو أداة معدنية ذات طرف مدبب تستخدم لاختراق أو تكسير الخشب أو الباطون أو مواد صلبة أخرى، وكذلك “القارص” وهو قضيب حديدي طويل رأسه مدبب يستخدم لقلب الأحجار الثقيلة وتحريكها من مكانها و”الدبورة” وهي عبارة عن مطرقة شبيهة برأس الرمح تساعد في هندسة القطعة المخصصة لتنجيد الكتل الحجرية الصغيرة على قالب موحد بحيث تصبح صالحة للبناء.
“أصعب من قطع الحجارة” مثل شعبي متداول يستخدم كدليل على قسوة عمل ما والتعب الذي يخلفه، فكيف إن كان العمل فعلاً بتقطيع الحجارة أو تهذيبها، وهي مهنة قديمة يطلق على ممتهنيها اسم “الحجّارين”، وباللهجة العامية “الملطّش”، عادت لتجد حضوراً بعد تراجعها لصالح المعدّات الحديثة.
في مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي يتوجه فايز الحبيش برفقة عدد من أصدقائه إلى الجبال الصخرية في المدينة، يرتدي ثياب “العمل” ويتزود بطعام وإبريق من الشاي، يقول إن تقطيع الحجارة باتت مهنته منذ انشقاقه عن نظام الأسد، حيث كان يعمل في سلك الشرطة.
يختار الحبيش ورفاق المهنة السفوح البركانية للحصول على الحجارة، يتم تفجيرها إلى كتل صخرية كبيرة، ومن ثم يعمل الحجارون على تقطيع تلك الكتل إلى حجارة صغيرة يقومون بتهذيبها لتغدوا صالحة لعملية للبناء.
لا يمتلك الحجارون أدوات حديثة، بل يعتمدون على الأدوات البدائية القديمة والتقليدية يكمل فايز وهو يشرح لنا مراحل عمله “بداية نختار نوعية الصخور المناسبة، فليست كل الحجارة تصلح للبناء، كالكلسية الهشة والحمراء المنخورة، كذلك يقل الطلب على الحجارة السوداء فنادراً ما يتم شراؤها من قبل أحد الراغبين، وتعتبر البيضاء أفضل أنواع الحجارة وأكثرها رواجاً”
بعد تفجير تلك الصخور نقوم بتقطيعها إلى حجارة صغيرة وتنجيدها وتسويتها بمقاس واحد، يضيف الحبيش الذي قال إنهم يستخدمون البارود وما يطلق عليه “العتلة” لحفر الألغام في الصخور وتفجيرها، إضافة إلى ما يعرف بـ “المهدّة” وهي مطرقة حديدية تزن ما يقارب تسعة كيلو غرامات تستخدم لتقسيم الحجارة المدورة والكبيرة، و”الإزميل” وهو أداة معدنية ذات طرف مدبب تستخدم لاختراق أو تكسير الخشب أو الباطون أو مواد صلبة أخرى، وكذلك “القارص” وهو قضيب حديدي طويل رأسه مدبب يستخدم لقلب الأحجار الثقيلة وتحريكها من مكانها و”الدبورة” وهي عبارة عن مطرقة شبيهة برأس الرمح تساعد في هندسة القطعة المخصصة لتنجيد الكتل الحجرية الصغيرة على قالب موحد بحيث تصبح صالحة للبناء.
تحتاج تلك المراحل إلى جهد عضلي كبير، إضافة إلى مهارة ودقة كبيرتين، لذلك يلجأ الحجارون إلى تقسيم عملهم عبر مجموعات يقول فايز “نتوزع المراحل فيما بيننا، بعضنا يفجر الصخور، آخرون يكسرونها، ومن تبقى يقومون بتهيئتها لتصبح جاهزة للبيع”.
يختار الحجارون أماكن بعيدة عن المنازل السكنية للقيام بعملهم، تجنباً للمخاطر، خاصة خلال تفجير الصخور، ويتم نقلها وبيعها عبر وسطاء أو تجار بناء، وفي الآونة الأخيرة عن طريق أشخاص يشترونها ويبيعونها للراغب بالبناء بشكل مباشر، يقول محمد منصور الذي يمتهن بيع وتوزيع الحجارة في ريف إدلب إنه يحصل على القطعة الواحدة والتي تسمى “وجه” بتسعين ليرة من الأماكن المعروفة، ويبيعها بمائة ليرة أو أكثر بحسب الاتفاق وبعد المسافة، وغالباً ما تتم عملية البيع مباشرة لأصحاب المنازل دون حاجة لوسيط أو تاجر”.
ويرى المنصور إن أكثر الحجارة المرغوبة من قبل السكان هي البيضاء، وذلك لمتانتها ومظهرها الجميل، فضلاً عن ما تمنحه من دفء في الشتاء وبرودة في الصيف، وهو ما قاله حسين الذي بدأ ببناء منزل له في المدينة “اخترت الحجر لبناء منزلي لأسباب عدة أهمها المتانة والصلابة، إذ لا يمكن مقارنة نفاذية الشظايا، التي نتعرض لها من القصف اليومي، للحجر بغيرها من القرميد أو غير ذلك”.
يعود ظهور مهنة قطع الحجارة في جبل الزاوية بريف إدلب إلى ستينيات القرن الماضي، إذ شهدت عصراً ذهبياً في ذلك الوقت لممتهنيها، إلّا أنها تراجعت بعد دخول مناشر الحجر الكبيرة والاستغناء عن الحجارين اليدويين، لتعاود نشاطها في الآونة الأخيرة كمهنة لعدد ليس بقليل من أبناء المنطقة الباحثين عن فرصة عمل، كذلك لتجار مواد البناء الذين أعادوا فتح مراكز لهم مختصة ببيع الحجارة وأنواعها في المنطقة، إضافة إلى غياب المناشر الآلية وحاجة الناس إليها لبناء ما تهدّم.
تأخذ المراهقة اليوم شكلها الذي يتناسب مع الظروف الحياتية التي تعيشها المناطق المعارضة، والتي تتسم بانعدام الاستقرار وقلة فرص العمل وانتشار الأيديولوجيات الدينية، كذلك تعدد الفصائل العسكرية، وغياب الهدف والطموح مع ضبابية المشهد التعليمي والمستقبل، كل ذلك أدى إلى خلق سلوك مراهق يكاد يكون طاغياً بين الشباب، من الممكن أن نطلق عليه “مراهقة السلاح”
خلال تجولك في أي حيّ أو شارع من شوارع الشمال السوري، لا بدّ وأن تصادف شباناً بأعمار صغيرة، يرتدون ثياباً تشبه ما يرتديه المقاتلون مموهة بألوان مختلفة يغلب عليها اللون الصحراوي، وعلى خصرهم يرتفع ليُشاهد من قبل المارة أخمص مسدس.
لم تعد المراهقة بما تحمله من تغيرات فيزيولوجية ونفسية على حياة الشبان بين عمري الثانية عشرة والرابعة والعشرين، حالة مدروسة تتشابه سماتها مع تلك التي عشناها وأحيطت سلوكياتها بالدراسة والملاحظات، وبات وجودها أمراً مألوفاً، كملاحقة الموضة وتسريحات الشعر وأحدث الأغاني والرقصات والحب والسلوكيات الرومانسية، وما ينتج عنها من انعزال وحياء وخجل إضافة إلى التمرد السمة الأهم للمراهقين في مختلف الدول، مع بعض السلوكيات الخاطئة التي وضعت قوانين معينة للحدّ منها كالتحرش وملاحقة النساء وبعض المخالفات الجنائية كالتخريب والسرقة.
تأخذ المراهقة اليوم شكلها الذي يتناسب مع الظروف الحياتية التي تعيشها المناطق المعارضة، والتي تتسم بانعدام الاستقرار وقلة فرص العمل وانتشار الأيديولوجيات الدينية، كذلك تعدد الفصائل العسكرية، وغياب الهدف والطموح مع ضبابية المشهد التعليمي والمستقبل، كل ذلك أدى إلى خلق سلوك مراهق يكاد يكون طاغياً بين الشباب، من الممكن أن نطلق عليه “مراهقة السلاح”.
بات السلاح وحمله سمة مهمة عند فئة المراهقين، لارتباطه بالقوة والسلطة، هذان الشعوران اللذان يسعى المراهق للوصول إليهما دائماً من خلال طبيعته المتمردة، خاصة وأن معظم المراهقين في سوريا، ونظراً لطول المدة، فالثورة تدخل عامها التاسع، وغياب الضوابط والرقابة على الأسلحة، نشؤوا في بيوت لا يكاد يخلو أي واحد منها من قطعة سلاح أو أكثر، إضافة لاكتسابهم من خلال الحديث العام والمتداول خبرة بأنواع الأسلحة وشكلها وميزاتها وحتى أسعارها، هذا إن استثنينا الدورات التدريبية على السلاح للمراهقين، خاصة وأن الفصائل العسكرية لا تشترط عمراً محدداً على الراغبين بالانضمام إليها، وهذا ما يفسر وجود عدد ليس بقليل من المراهقين المنخرطين في الحرب.
يعتقد بعض من التقيناهم من المراهقين أن ما يشدّ انتباه أي فتاة له “مسدسه ولباس الكوماندوس الذي يرتديه”، وبدرجة أقل “طول شعره ولحيته”، ويحلمون باقتناء الأسلحة، وتسيطر على تفكيرهم فكرة الحصول على أنواع معينة كتلك المرتبطة بالقادة أو الأفلام التي يشاهدونها.
أحياناً “نطلق النار في الهواء، أو نتمازح بإطلاق النار على بعضنا دون إصابة للفت أنظار فتيات المدارس” يقول أحد الذين التقيناهم، آخر يروي لنا أنه يستعير “سيارة الدفع الرباعي من قيادة فصيله ليشفط بها أمام بيت الفتاة التي يحبها”، لا يخاف أن تعرف قيادة الفصيل بالأمر يقول “بتركهون وبروح لعند غيرون”، ويرى في سلوكه هذا “تعبيراً عن الحب”، وغالباً ما يختم المشهد بإطلاق الرصاص من مسدس “الغولت” خاصته.
أبو أحمد صاحب إحدى محلات بيع السلاح، يقول: “النسبة العظمى من زبائن محلات بيع الأسلحة هم من الشبان الصغار في السن، ولا يقتصر الأمر على السلاح فقط ،لكن يشمل كل ما يخص أدوات المقاتلين من لاسلكي وحربة ولباس حربي وبوصلة”.
اعتاد أبو أحمد أن يرى وجوه هؤلاء المراهقين تتكرر، “أصبحوا زبائني” يكمل أنهم وفي كل فترة يسعون بتغيير وتطوير أسلحتهم.
ليس هناك رقابة على تجارة الأسلحة يخبرنا أبو أحمد أن محاولات جرت لترخيص وتسجيل الأسلحة الفردية من قبل المجالس المحلية والشرطة الحرة سابقاً، لكن دون جدوى، بوجهة نظره “أعداد السلاح الفردي هائلة ولا يمكن ضبطها، وتحتاج إلى قوانين صارمة وقوة تنفيذية كبيرة”.
من جهته يقول أبو عبد الله (مقاتل في إحدى الفصائل) إن انتشار السلاح بين المراهقين مردّه لفتح المجال أمامهم للانضمام في صفوف المقاتلين، “يغارون من أقرانهم، يكفي أن ينتسب أحدهم إلى فصيل ما ليتبعه بعد يوم أو يومين الكثير من أصدقائه”، ولا يرى أبو عبد الله في الدورات التي تقدم لهؤلاء المراهقين حلّاً يُمكنّهم من تحمل مسؤولية السلاح والابتعاد عن ارتكاب الأخطاء، واصفاً بعض الفصائل بأنها “تعمل بعكس المنطق”، فهم يناصرون عناصرهم في أخطائهم “كثيراً ما تسمع إطلاق نار ضمن المناطق السكنية لخلاف على أمر تافه أو للتعبير عن الفرح في عرس أو لفت الانتباه” يتم ذلك الأمر بعلم القيادات دون أن يكون لها أي رد فعل.
لم يعد الأمر يقتصر على المراهقين بل طال الفتيات وكبار السن أيضاً، حتى بات مهر الفتيات أحياناً “قطعة من السلاح”، يخبرنا الأستاذ أحمد من ريف حلب أن أحد أبناء قريته المغرمين بالسلاح قام بتزويج ابنته (16 عاماً) لرجل متزوج من ثلاثة نساء كان المهر مسدس “جلوك” من النوعية الفاخرة، أما الفتاة فقد دام زواجها أسبوعاً واحداً وهي الآن تقبع “مطلقة في بيت والدها”.
للسلاح طغيانه وسحره على نفوس الشبان وخاصة في الأعمار الصغيرة، يقول المرشد النفسي أحمد الحسين، إن على المجتمع والمؤسسات المدنية والأهالي التحرك للحدّ من هذه المشكلة التي يمكن أن تنفجر بأي وقت، مخلفة مآسي لا يمكن حلّها.
لم تفلح جميع محاولاتنا في التواصل مع الكفلاء للوقوف على طريقة حياتهم وتعاملهم مع الأطفال، ورفضوا استقبالنا
نشرت صورة لطفل مرمي على قارعة الطريق في مدينة سراقب منذ أيام وآخر في مدينة أريحا منذ أسابيع، كما عثرت الشرطة في مدينة إعزاز على طفلة حديثة الولادة مرمية على مدخل حي العصيانة في المدينة، وخلال العام الحالي تُرك خمسة أطفال حديثي الولادة على طرقات مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي، أمام المساجد أو في الحدائق العامة، لم يعرف لهم أهل ولم تفلح جميع المحاولات التي قامت بها الشرطة والمجلس المحلي بالوصول إلى ذويهم، أيضاً الصور التي نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت دون جدوى.
يقول رئيس النيابة العامة في مدينة إعزاز “ياسر الباشا” إن تحقيقات تجرى لتعقب ذوي هؤلاء الأطفال، إلّا أن الولادات تتم في الغالب خارج نطاق المشافي أو المراكز الصحية وهو ما يصعب المهمة، وغالباً ما نفشل في العثور عليهم في ظل “فوضى التنظيم الطبي” في المنطقة، وامتهان عدد من النساء التوليد عن طريق الخبرة.
“يعامل الطفل اللقيط معاملة اليتيم في القانون السوري، وذلك بموجب المرسوم رقم 107 لعام 1970” يكمل الباشا الذي يشرح لنا “إن القاضي بموجب القانون يمنح الطفل اللقيط الجنسية السورية واسماً ولقباً”، كما يُشترط في القانون أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بتولي شؤون الأطفال اللقطاء ورعايتهم وضمان حمايتهم.
يبدي الباشا أسفه لعدم وجود مؤسسات مختصة في الشمال السوري لرعاية هذه الحالات، ويقتصر العمل على ” أن نعهد إلى من يطلب حضانة ورعاية هذا اللقيط إليه بموجب الضبوط القانونية المنظمة، وقرار من القاضي الشرعي حسب الاختصاص ووفق الأصول المذكورة”.
عماد حمشو رئيس السجل المدني في مدينة إعزاز قال لفوكس حلب “إن السجل المدني يقوم بتنظيم شهادة ولادة للطفل اللقيط تبقى في السجلّ فقط، ويتم منح الطفل رقم قيد خاص به، وينظم بعدها الضبط الخاص من قبل الشرطة بالواقعة، ومن ثم يعطى للشخص الذي تكفل برعاية هذا الطفل إخراج قيد ليساعده على الحياة كمواطن سوري في المستقبل”، وتابع” عند تنظيم شهادة الولادة ننتحل اسماً لهذا الطفل بالإضافة لاسم أب وأم وجد وجدة على أن تكون هذه الأسماء حسنة ك ” أحمد، إبراهيم، محمد، آدم.. وغيرها” ثم يتحول هذا الاسم إلى المحكمة ليعرض على القاضي ويُعطي الموافقة على تلقيب هذا الطفل بهذا الاسم، وبعد ذلك يتمكن هذا الطفل في المستقبل عن طريق شهادة الولادة وإخراج القيد من استحصال البطاقة الشخصية السورية كمواطن سوري”.
“لا توجد أي قوانين أو قواعد على الشخص الذي سيكفل الطفل، ويكتفى بالسؤال عن سيرته السلوكية وسمعته وتعامله في المجتمع” بحسب رئيس السجل المدني الذي أضاف إن أغلب الكفلاء هم من “الرجال الذين يعانون العقم وهو ما يزيد فرصة تعلقهم بالأطفال ومعاملتهم كأبنائهم”. إيمان محمد الأخصائية النفسية في الداخل السوري تقول إنه لا يجب أن يتم الأمر بهذه السهولة والاستهتار، فكيف يسلم الطفل دون شروط منها معرفة حياة الكفيل وقدرته الاقتصادية ومستواه التعليمي وعائلته، إضافة لتشكيل لجان خاصة من شأنها متابعة حياة هذا الطفل وتقييم طريقة عيشه، وفيما إن كان يعاني من انتهاك أو تقصير أو سلوك مشين من قبل الكفيل.
وتتساءل إيمان عن العمل في حال أن هذا الكفيل أراد الهرب بالطفل إلى مكان آخر أو استخدامه وإجباره على العمل في سن مبكرة أو بمهن لا تليق أو حرمانه من التعليم، أو أن يتم بيعه وهي حوادث ليست بغريبة وتتصدر في كل فترة نشرات الأخبار القبض على عصابات لبيع البشر أو تجارة الأعضاء؟ هذا إضافة لما يحتاجه هذا الطفل من معاملة خاصة نتيجة نظرة المجتمع الدونية للطفل اللقيط، وتحميله آثار فعل لم يرتكبه تقول إيمان، مطالبة الحكومة أو المجالس المحلية والقضاء في المنطقة بمتابعة قضية كفالة هؤلاء الأطفال، وحمايتهم وتقديم العون النفسي لهم من قبل أخصائيين أو من خلال المنظمات الإنسانية التي تعمل في المنطقة.
ولم تفلح جميع محاولاتنا في التواصل مع الكفلاء للوقوف على طريقة حياتهم وتعاملهم مع الأطفال، ورفضوا استقبالنا.
القراءة بالفعل هي انتهاك ضخم للذات وإعادة تشكلها في عملية طويلة، لكنه انتهاك يرغبه الفرد لتنمية ضميره ومساءلة نفسه على نحو أفضل.
حين اكتملت فكرة مشروع الكتابة عن المنتج الأدبي والفكري في الثورة السورية، كنا أمام مفترق للطرق وكان عليناً أن نبحث عن شكل ومعنى لما سنقوم به، في البداية دارت نقاشاتنا حول مراجعة نقدية وفكرية للكتاب ودوره وأثره في الحياة السورية العامة وتوجيه الذائقة، إلّا أن هذه الفكرة سرعانما تلاشت أمام الحديث عن التجربة، ربما ليس لدينا القدرة الحقيقية لكتابة مراجعات نقدية ولن نضيف إلى ما كتبه النقاد والصحفيون أي جديد، ولهذا ركنا لفكرة التجربة، وتوثيقها، تجربتك مع القراءة أولاً، ثم ومن خلالها انفعالاتك وشعورك خلال رحلتك مع كتاب معين بحد ذاته، ما الذي تشكّل في داخلك خلال ساعات القراءة، وأي ملامح رافقتك وأنت تقترف هذا الفعل المحبب؟
في هذا الباب والذي سيضم مادة أو مادتين شهرياً على الأكثر، سنتناول كتباً بعينها، وسيبدأ صديقنا عمر هشام من مصر بالحديث عن تجربته في كل مرة عن الكتاب، مع إبقاء الباب مفتوحاً لكل من يريد الكتابة عن ذات الكتاب بوجهة نظره، وسنكون سعداء جداً لو حدث ذلك.
لن نطلق على هذا الباب اسماً، من قبيل “تجربتي أو حكايتي مع كتاب”، سنترك الأمر حرّاً للكتاب في اختيار مسميات موادهم التي سنعمل على نشرها تباعاً، كما نتمنى من أصحاب الكتب أنفسهم أن يطلعونا على “تجربتهم الشخصية وانفعالاتهم حين قرؤوا منتجهم الذي خرج للنور أو عند كتابته”.
المادة الأولى ستكون لـ “عمر هشام” وهو كاتب من مصر شديد الالتصاق بالثورة السورية، يحكي لنا تجربته مع القراءة بالعموم، والأسئلة التي واجهته شخصياً خلال فعل القراءة الذي ترافق مع تطورات شخصيته وتكوينها خلال التغيرات السياسة والحياتية التي مرّ بها.
وسيكون كتاب “بالخلاص يا شباب“ للكاتب “ياسين حاج صالح” أول الكتب التي سيتناولها هذا الباب، للحديث عن تجارب لقرّاء معه، انفعالاتهم وشعورهم وما طرحه الكتاب من تساؤلات وما قدمه من إجابات أيضاً.
القراءة كانتهاك محبب للذات
طلب مني صديقي “مصطفى أبو شمس” منذ يومين كتابة مقالة افتتاحية لهذا الباب، منذ ذلك الوقت وأنا أشعر بحيرة شديدة. أفتح حاسوبي وأجلس أمام الصفحة البيضاء ولا أكتب شيئاً. قررت أن تكون هذه الحيرة هي البداية!
كيف نرى القراءة؟ كيف نفكر بها؟ أشعر بأني عند قراءة أي نص جديد ألتف حول ذلك السؤال.
جعلتني تلك الدعوة للكتابة أواجه ذلك السؤال وجهاً لوجه، قد تكون هذه أول مرة يحدث ذلك، مستدعياً عشرات النصوص المتراكمة داخل دماغي مع عشرات الانفعالات والذكريات.
أول ما نطق به دماغي، أن القراءة كـ “فعل” هي انتهاك للذات. تنتهك القراءة ذاتنا المغلقة التي نتخيل أننا شكلناها بحرص على مدار سنوات. أي نص جديد قرأته كان بمثابة تحطيم للبناء المسمى بالذات. الكتب تعيد تشكيل هويتنا كل مرة، تتداخل الخبرات الحياتية مع النصوص وتصوراتنا عنها ليغيب الحد الفاصل بين القراءة والتجربة وينتج ثالث جديد هو مزيج من الاثنين.
كطفل أتيحت له فرصة تعلم القراءة مبكراً، ثم سهولة الحصول على الكتب، تشكلت ذاكرتي عن القراءة كعالم عشوائي غريب. كنت أقرأ كل ما تتمكن عيناي من ملاحظته بداية من الجريدة اليومية التي يحرص أبي على شرائها منذ ما يقرب عن ثلاثين عاماً حتى لافتات الإعلانات في الشارع.
عالم غريب وواسع، هو أوسع بأي حال من حياة طفل ثم مراهق من الطبقة الوسطى في مدينة القاهرة أثناء حكم حسني مبارك، حيث لا أشياء جديدة مهمة تحدث، استقرار أشبه بجثة تعيش بفضل التنفس الصناعي في مستشفى كبرى اسمها القاهرة.
كانت القراءة أثناء المراهقة منقذاً، وكانت نظرتي إليها تقليدية كـ التي نحفظها في المرحلة الابتدائية (بأن القراءة هي غذاء الروح وتجعلك تسافر وأنت في مقعدك. وكشخص كسول منذ الصغر، أحببت ذلك الوصف للغاية).
بعد ذلك بسنوات قليلة ومع بداية العمل السياسي الذي رافق الثورة المصرية، بدأ شكل القراءة يتغير بشكل جذري. اختلطت الأحاسيس وتحوّلت القراءة إلى أداة للاشتباك السياسي وتطوير الممارسة السياسة، مع تحولها في بعض الأحيان لسجن حزبي مع برامج القراءة المرتبة وتوصيات بقراءة نصوص بعينها قبل نصوص أخرى.
لا أريد الإطالة في هذه المرحلة لأسباب كثيرة، ولكن أهم ما اختبرته في هذا الوقت هو إمكانية تحول القراءة –وأي فعل آخر- من عالم واسع ومَهرب إلى سجن دوجمائي ضيق، وأن للفعل نفسه أوجه كثيرة لم أكن أعرفها بل لم أكن أتوقعها أثناء فترة المراهقة وتصوراتها الرومانسية.
إلا أنه وبالنسبة لي، فتدخل القراءة في حياتي بالشكل الأعمق لم يأت إلا منذ حوالي عامين بعد تجربة شخصية طويلة الأمد انتهت بالفشل، بدأت أولاً في استعادة القراءة كمهرب كما تدرب دماغي منذ المراهقة، ومع تجربة انعزال طويلة بدأ دور القراءة في إعادة تشكيل هويتي مرة أخرى عن طريق النقد الذاتي للتجربة.
في تلك الأيام، بدأت في نقد تجربتي الشخصية كبديل عن الجنون. بدون إرادة تداخلت التجربة العامة مع الخاصة ورأيت أن ما يفصل العام عن الخاص هو خط وهمي غير موجود في الأصل.
شكلت إعادة القراءة مثلاً معنى هام عن تلقي النص والتفاعل معه، لأن قراءة نصوص في ذلك الوقت للمرة الثانية أعطت استنتاجات مختلفة تماماً عن القراءة الأولى.
كانت القراءة مدخلاً لما يسميه ياسين الحاج صالح (الخروج خارج النفس ومساءلتها ومحاولة تنمية الضمير)، شكل كتابه “بالخلاص يا شباب” مصدراً واسعاً للإلهام في شجاعة مساءلة الذات ومحاسبتها، ولعل هذا المقطع من الكتاب لن أنساه أبداً (نسائل أفكارنا فنمتلكها، لا تصير ملكنا قبل هذه المساءلة والامتحان؛ ونسائل أنفسنا فنمتلكها، ننتزعها من الجماعة والقبيلة والطبيعة).
قرأت لسنوات طويلة بلا هدف محدد. ساعدني ذلك على التحرك بحرية وسط النصوص والتفاعل معها ولكن منذ وقت ليس بطويل وبشكل غير واعي أدركت أن القراءة تساهم في تشكيل أسئلتنا، عن العالم وذواتنا والسياسة والهوية.
أفكر الآن بأن الأسئلة أهم بكثير من الإجابات، لا أعتقد بأن هناك إجابة نهائية لأي موضوع أياً كان. امتلاك السؤال يأخذ سنوات من العمل والتفكير والاختبار وهو بحد ذاته هدف شخصي أسعى إليه.
أفكر بأن تجربة الكتابة في هذا الموقع تساعدني على تطوير أسئلتي، عن طريق العمل مع نساء ورجال لديهن/م أسئلة مختلفة وإن كان فيها بعض من المشترك. نساء ورجال مر أغلبهن/م بتجربة الثورة في سوريا وتشكلت ذواتهن/م من خلالها. يساعدني في التشجع على التجربة شعوري بأن هناك ما يجمعنا من تجربة عامة، عن طريق ثورتي سوريا ومصر وما مررنا به-على اختلافه- في السنوات الثمان السابقة.
لعل ذلك هو ما يحركني للكتابة عن القراءة والكتب، باعتبارها أي القراءة ثاني أصعب فعل على النفس بعد الكتابة، فكيف إن الكتابة عن القراءة نفسها؟ ذلك أشبه بالمستحيل…
القراءة بالفعل هي انتهاك ضخم للذات وإعادة تشكلها في عملية طويلة، لكنه انتهاك يرغبه الفرد لتنمية ضميره ومساءلة نفسه على نحو أفضل.
يرى المحلل الاقتصادي يونس الكريم إن “أزمة البنزين مفتعلة من قبل نظام الأسد لعدة أسباب، ففي شهر نيسان من عام 2008، حصلت أزمة بنزين خانقة تعمد النظام افتعالها بغية تخفيض الدعم عن البنزين وهو ما ساهم في ارتفاع سعره حينها”، مؤكداً أن “النظام يعاود اليوم نفس السيناريو الذي حصل في 2008، بغية خفض الدعم مجدداً عن البنزين، فالدعم على المحروقات قبل 2011 كان يصل إلى 25 مليون دولار يومياً، أما اليوم يصل الدعم إلى 2 مليون و180 ألف دولار، وربما يسعى لإزالة الدعم الكامل لاحقاً، وهذا يتيح له الحصول على قرض من البنك الدولي مقداره 21 مليار دولار، ما يساهم في دخول شركات متعددة الجنسيات للاستثمار في سوريا، وهذا في المجمل يدرّ أموالاً ضخمةً على النظام ويساعده كذلك على تعويم نفسه دولياً”.
لاتزال حكومة النظام عاجزة عن إيجاد حلّ جذري لتأمين معظم الخدمات الأساسية في مناطق سيطرتها، كـ “الغاز والكهرباء”، والتي كان آخرها اندلاع أزمة الوقود المستمرة منذ ما يزيد عن الشهر، وسط تنبؤات بأزمات لاحقة.
ومع اعتراف مسؤولي النظام بوجود نقص في كميات الوقود، مبررين ذلك بالعقوبات الاقتصادية وعمليات التهريب، بعد أن إنكارهم لوجود أزمة في البداية، إلّا أن الحلول التي تم اجتراحها أثبتت عدم نجاعتها، واقتصرت على تخفيض الكمية المسموح بها للسيارات والحافلات.
أزمة مفتعلة
شهدت مناطق النظام حالة تذمر من قبل الموالين سببتها أزمة البنزين المستمرة، والذين تساءلوا عن عجز الحكومة في حل تلك الأزمة رغم استعادته لعدد من آبار النفط، إضافة إلى السخرية من الإعلام الرسمي الذي تحدث عن عودة الحياة إلى طبيعتها.
ازدحام السيارات أمام احدى محطات الوقود في دمشق/ انترنت
ويرى المحلل الاقتصادي يونس الكريم إن “أزمة البنزين مفتعلة من قبل نظام الأسد لعدة أسباب، ففي شهر نيسان من عام 2008، حصلت أزمة بنزين خانقة تعمد النظام افتعالها بغية تخفيض الدعم عن البنزين وهو ما ساهم في ارتفاع سعره حينها”، مؤكداً أن “النظام يعاود اليوم نفس السيناريو الذي حصل في 2008، بغية خفض الدعم مجدداً عن البنزين، فالدعم على المحروقات قبل 2011 كان يصل إلى 25 مليون دولار يومياً، أما اليوم يصل الدعم إلى 2 مليون و180 ألف دولار، وربما يسعى لإزالة الدعم الكامل لاحقاً، وهذا يتيح له الحصول على قرض من البنك الدولي مقداره 21 مليار دولار، ما يساهم في دخول شركات متعددة الجنسيات للاستثمار في سوريا، وهذا في المجمل يدرّ أموالاً ضخمةً على النظام ويساعده كذلك على تعويم نفسه دولياً”.
ويستدل الكريم في وجهة نظره “أن الإعلان عن وجود أزمة بنزين جاء بشكلٍ مفاجئ، حيث كان بإمكان حكومة النظام تدارك الأمر من خلال الاحتياطي الذي لديها لكنها لم تفعل ذلك، إضافةً إلى أن المؤسسة العسكرية لم تعاني من أزمة محروقات، وهي مؤشرات تدل أيضاً على افتعال أزمة غير موجودة أصلاً”.
ويكمل الكريم أن “الأسد لم يُدخل إيرادات آبار النفط التي سيطر عليها ضمن موازنة الدولة، وإنما يضعها في خزائنه، ولاسيما الآبار في جنوب غرب الرقة وبادية تدمر وريف حمص وبعض مناطق دير الزور، ويتحدث إعلامياً دوماً عن الحد الأدنى لإنتاج تلك الآبار، رغم أن إنتاجها أعلى بكثير، فعلى سبيل المثال تدّعي حكومة النظام أن إنتاج حقل الشاعر النفطي ألفي برميل، لكن طاقته الفعلية 13 ألف برميل”.
“العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام من أميركا ودول أوروبا والتي تمنع النظام من استيراد المحروقات ساهمت أيضاً في خلق أزمة البنزين، إضافةً إلى أن الليرة السورية شهدت تراجعاً كبيراً خلال الأيام الماضية ووصلت إلى حوالي 600 ليرة مقابل الدولار، وهذا انعكس سلباً كذلك على أزمة البنزين”، بحسب الكريم.
ازدحام السيارات أمام احدى محطات الوقود في دمشق/ انترنت
من جهته قال الخبير في الشأن الاقتصادي محمد بكور إن “فقدان نظام الأسد الكثير من حقول النفط، كان أحد الأسباب التي ساهمت في عدم قدرته على حل أزمة البنزين حتى الآن، حيث تقع أغلب آبار النفط الموجودة شرق الفرات تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً، ويواجه الأسد صعوبةً في التنسيق معها لشراء النفط كما كان يفعل خلال سيطرة تنظيم داعش على تلك الآبار”.
وأضاف بكور لــ فوكس حلب أن “قسد قامت قبل أيام بإغلاق معبر الصالحية البري في دير الزور الواصل بين مناطق سيطرتها ومناطق النظام، حيث يُشكّل هذا المعبر الشريان البري الرئيسي لتبادل النفط بين الطرفين عبر مجموعة (القاطرجي)، وهذا سينعكس سلباً بشكل أكبر على أزمة البنزين الحاصلة في مناطق سيطرة الأسد، علماً أن الأخير كان يشتري النفط من داعش خلال فترة سيطرته على آبار شرق الفرات بأسعارٍ زهيدة، وذلك لأن التنظيم لا يستطيع تصريف إنتاج النفط خارجياً”، لافتاً إلى أن “سيطرة الأسد على مساحات واسعة من سوريا، كانت عاملاً سلبياً، إذ بات اليوم مطالباً بإعادة تأهيل تلك المناطق وتوفير الخدمات لها، وهذا يتطلب مبالغ ماليةً ضخمةً ترهق النظام المتهالك أصلاً، إضافةً إلى أن الأخير كان يقوم بسرقة المساعدات القادمة الى المناطق المحررة ويفرض إتاوات ضخمة على البضائع التي كانت تدخل الى تلك المناطق، وهذا كلّه خلق أزمات اقتصادية بينها أزمة البنزين”.
روسيا وإيران تعمّقان جراح الأسد
ومع استمرار تواصل أزمة البنزين، زاد تساؤل الموالين، عن سبب عدم تقديم روسيا وإيران أي دعم اقتصادي لنظام الأسد، أو إمداده بالمحروقات لإنقاذه من تلك الأزمة.
ازدحام السيارات أمام احدى محطات الوقود في دمشق/ انترنت
وفي هذا السياق قال يونس الكريم إن “إيران تعمّدت وقف إمداد النظام بالمحروقات منذ 20 تشرين الأول الماضي للضغط عليه وإجباره على تنفيذ التفاهمات بين إيران وسوريا وتحويلها إلى عقود فعلية، لكن الأسد يرفض حتى الآن، ويُفضّل منح كل الامتيازات لروسيا”.
وأضاف الكريم أن “إيران تحرم الأسد من المحروقات، بغية الضغط على الحاضنة الشعبية الموالية لروسيا والرافضة للتواجد الإيراني في سوريا، بينما تسعى روسيا في المقابل للضغط عن طريق إسرائيل، لمنع وصول شاحنات النفط الإيرانية إلى سوريا عبر البحر أو البر، بهدف زعزعة العلاقة بين طهران ودمشق”، يضاف إلى ذلك “خوف الأسد من التمرد الأمني للميليشيات الإيرانية المنتشرة في سوريا، كذلك إثارة حنق روسيا الداعم الأهم لبقائه، ما يجعل الصراع في سوريا خارج قرارات الأسد وحكومته”.
أزمات لاحقة تلوح في الأفق
لم تكن أزمة البنزين الوحيدة التي تشهدها مناطق النظام، فطوال فصل الشتاء الماضي، عانى السكان من أزمة خانقة في الغاز والمازوت والذي ترافق معه زيادة ساعات التقنين الكهربائي، ما جعل السكان يتخوفون من أزمات لاحقة تعصف بهم وتضاعف معاناتهم.
وحذر نبيل صالح عضو في “برلمان الأسد”، الأهالي في مناطق النظام، من أن الأيام القادمة ستكون أكثر سوء مما تشهده اليوم تلك المناطق من أزمة خانقة في المحروقات، وعجز واضح من حكومة الأسد في تأمين الاحتياجات المعيشية للمواطنين، وحتى تأمين حاجة المؤسسات والدوائر الحكومية من المحروقات لمركباتها.
سوريون ينتظرون وصول دورهم في محطات الوقود/انترنت
ودعا صالح، في حديثه لوسائل إعلام موالية، الأهالي إلى التأهب والتحضّر لما أسماه “فن الاقتصاد المنزلي وشد البطون وبراغي العقول”، مضيفاً “قانون (سيزر) سيضاعف الحصار خلال أيام قليلة، ورغم ذلك لا يوجد خطط حكومية واضحة ولا إعلام شفاف”.
ويرى يونس الكريم أن ” افتعال أزمة البنزين يهدف إلى تخفيض الدعم عن هذه المادة تمهيداً لرفع الدعم بشكل كامل عنها وبيعها في الأسواق بالسعر العالمي، وهذا مؤشر أن رفع الدعم سيطال اساسيات أخرى وعلى رأسها مادة الخبز الذي لا يزال يباع بـ 50 ليرة حتى اللحظة”
بدوره قال محمد بكور إن “الأزمات في المستقبل القريب لن تقتصر على المحروقات، وإنما سنشهد انهياراً أكبر في سعر صرف الليرة السورية، وقد تهبط لمستويات قياسية غير مسبوقة، ستساهم في ارتفاع الأسعار بشكل جنوني”.
أزمة مستمرة
يقول أيمن من سكان ضاحية قدسيا في دمشق إن “قلة كميات البنزين دفعت سائقي التكسي لرفع أسعار الطلبات دون محاسبة، وبنفس الوقت لا نستطيع الاعتراض على السعر الذي يطلبونه، فكثيرٌ من السائقين مرتبطين بمخابرات النظام أو من الشبيحة، لذلك صرنا نصعد بالتكسي وفق نظام (تطبيق الركّاب)، أي يقوم سائق التكسي بتجميع أربعة ركاب متجهين إلى نفس المكان، ويتم تقاسم الأجرة بينهم”.
وأضاف أيمن “ما زاد الطين بلّة، قيام سائقي السرافيس برفع الأجرة أيضاً، فأجرة الراكب الواحد من جسر الرئيس وسط دمشق إلى ضاحية قدسيا، أصبحت ٣٠٠ ليرة سورية، بعد أن كانت ١٠٠ ليرة فقط”
وقال يونس الكريم إن “أزمة البنزين مستمرة ربما لستة أشهر أو أكثر، وذلك في ظل إيقاف الواردات من إيران إلى النظام السوري، كما أن الأسد يواجه صعوبة في الحصول على البنزين من لبنان والأردن، إضافةً إلى سوء الوضع الاقتصادي في الأصل للنظام بالتزامن مع انخفاض سعر صرف الليرة السورية”.
سوريون ينتظرون وصول دورهم في محطات الوقود/انترنت
وأشار الكريم إلى أن “ترويج إعلام النظام على أن أزمة البنزين انتهت مجرد تضليل إعلامي، وتراجع الضغط على بعض الكازيات هو حالة مؤقتة ونتيجة انخفاض السيولة المالية للسكان، ولجوء البعض الآخر إلى شراء البنزين الحر بدلاً من الوقوف لساعات في طوابير البنزين، فضلاً عن تكيّف الغالبية مع أزمة البنزين، ولجوئهم إلى حلول بديلة كالمشي أو ركوب المواصلات العامة، كما تكيّفوا سابقاً مع القطع المتواصل للكهرباء”.
وقام النظام قبل شهر بتخفيض كميات البنزين المخصصة لكل مواطن عبر نظام “البطاقة الذكية”، من 20 ليتر يومياً إلى 20 ليتر كل يومين، ومن ثم أصبحت كل خمسة أيام.
وأصدر نظام الأسد هذا الأسبوع، قائمة جديدة بالمخصصات من مادة البنزين للآليات الخاصة والدراجات النارية والسيارات العمومية وغيرها، وتم تخصيص (100 لتر) شهرياً للآليات الخاصة و(25 لتر) للدراجات النارية المرخصة بسعر 225 ليرة سورية، بينما خُصص (350 لتر) للسيارات العمومية، وهي كميات غير كافية ما سيجبر السكان على الشراء من السوق السوداء.
كما أشارت وزارة النفط في حكومة النظام أن كل كمية تزيد عن الكمية المحددة بشريحة الدعم تباع بقيمة / 375 / ليرة سورية لليتر الواحد وهو سعر (متغير تبعاً لسعر التكلفة)، وكان موقع “هاشتاغ سوريا” الموالي نشر قبل حوالي شهر خبراً يخص هذه الدراسة وتم اتهامه حينها بأنه يروج لإشاعة سببت ازدحاماً واختناقاً على محطات البنزين.
تعد سلالة النحل السوري من أجود السلالات في بلاد الشام، ويعتبر الشمال السوري والمناطق الساحلية بيئة مناسبة لتربية النحل، في ظل توفّر المناخ الجيد والمراعي الخصبة
تنشط في مثل هذه الأيام من شهر نيسان تربية النحل، فتجد الكثير من مربي النحل في المراعي يرتدون لباسهم الأبيض التقليدي الذي يقيهم من لسعات النحل، ليقوموا بنقل الخلايا من مكانٍ لآخر، إلا أن ذلك المشهد أصبح نادر المشاهدة اليوم في المناطق المحررة، بعد تراجع تربية النحل وعزوف الكثير من المربين عنها.
وتعد سلالة النحل السوري من أجود السلالات في بلاد الشام، ويعتبر الشمال السوري والمناطق الساحلية بيئة مناسبة لتربية النحل، في ظل توفّر المناخ الجيد والمراعي الخصبة، وكانت تربية النحل مهنة رائجة في سوريا قبل اندلاع الثورة، ويعتمد عليها المربون كمصدر دخل.
واحتلت محافظة إدلب المركز الأول في سوريا بعدد طوائف النحل، والتي كانت تقدّر بأكثر من 90 ألف طائفة في 2011، وبلغ إنتاج المحافظة من العسل في ذلك العام 550 طناً، حسب إحصائية وزارة الزراعة في حكومة النظام، حيث تتركز تربية النحل في أريحا والدانا ومعرة النعمان وخان شيخون ودركوش.
ومع تصاعد القصف واندلاع المعارك في السنوات الماضية، تراجعت تربية النحل كثيراً، وعزف العديد من المربين في الشمال المحرر عن مزاولة تلك المهنة، فمنهم من نزح الى مناطق أخرى أو هاجر خارج سوريا، بينما فضّل الباقي مزاولة عملٍ آخر، وبدأت المناحل بالاختفاء تدريجياً من السهول والمراعي التي تشتهر بها، بعدما طرأت صعوبات وتحديات كثيرة على تلك المهنة ولم تعد مصدر دخلٍ مجدٍ لأصحابها.
وقال أسامة شيخ تلت أحد مربي النحل في سهل الروج بريف ادلب “تربية النحل إحدى المهن التي تضررت نتيجة ظروف الحرب، حيث ساهمت تحديات وصعوبات كثيرة في تراجعها بعد أن عزف الكثير عنها، بينما تقلّصت بشكل كبير عدد المناحل لدى من بقي يزاول المهنة، فأنا كنت أملك أكثر من 80 خلية نحل قبل سبع سنوات، أما اليوم لم يبق لديّ سوى 15 خلية، وهو حال الكثير من مربي النحل في المنطقة”.
وتابع شيخ تلت “في السابق كانت هذه المهنة مصدر دخلٍ رئيسي بالنسبة لي، وكان كل وقتي منصبّاً في تربية النحل وتسويق العسل، بينما في هذه الأيام أعمل بالزراعة بشكلٍ أساسي، وباتت تربية النحل مصدر دخلٍ ثانوي”، مضيفاً “فكرت في العزوف عن تربية النحل بشكل كامل والتفرّغ فقط للزراعة لكن تعلّقي بهذه المهنة التي ورثتها عن أبي وجدي دفعني للاستمرار بمزاولتها ولو بشكلٍ جزئي”.
النحل بلا مراعي
يعتبر توفير المراعي والمناخ المناسب أحد أهم الشروط التي تساعد النحل على إنتاج العسل، إلا أن تصاعد القصف والمعارك، حال دون قدرة مربي النحل على نقل الخلايا من مكانٍ لآخر لتوفير البيئة المناسبة للنحل.
وقال يحيى حج يوسف أحد مربي النحل في كفر حمرا بريف حلب: إن “النحل بحاجة إلى مراعي مختلفة ومتنوعة الزهور لإنتاج أصناف متعددة من العسل، لذلك كنا سابقاً خلال فترة الربيع نترك النحل يرعى ضمن البساتين المتواجدة في ريف حلب الغربي، ومع حلول الصيف نتوجه إلى الرقة حيث تتوفر المراعي الخصبة، التي تحوي شجرة الكينا وزهر القطن على طرفي الفرات خاصةً في شهري تموز وآب”.
وأضاف حج يوسف “في الشتاء ننقل خلايا النحل إلى المناطق الساحلية حيث المناخ المعتدل والدافئ، وهو ما يتناسب مع بعض أنواع العسل، وفي بعض الأحيان إذا أردنا الحصول على عسل اليانسون ننقل الخلايا إلى مراعي ريفي حماة وحمص، أما اليوم فبات من المستحيل التنقّل الى تلك المناطق خوفاً من الملاحقة الأمنية أو القصف، لذلك اضطر الكثير من المربين إلى تخفيض عدد الخلايا والاقتصار على بعض المراعي في المناطق المحررة”.
خلايا نحل في سهل الروج بإدلب
وأِشار حج يوسف الى أن “اعتماد النحالين على المراعي في مناطقهم، يتطلب كذلك ري بعض المحاصيل لزيادة انتاجيتها من الزهور والنباتات التي يتغذى النحل من رحيقها، لكن ارتفاع أسعار المحروقات حل دون إمكانية ريها بشكل كافٍ، واقتصارهم في أغلب الأحيان على الأمطار، وهذا يؤثر سلباً على النحل كونه بحاجة لغذاءٍ جيد كي يكون قادراً على إنتاج العسل”.
وتختلف أنواع العسل تبعاً لنوع النحل أو المراعي التي يتغذى عليها، فعسل الكينا والقطن يتم الحصول عليه من مراعي الرقة، وعسل الحمضيات كان يُنتج من مراعي الساحل، فيما اقتصر الإنتاج حالياً على عسل اليانسون والشوكيات وحبة البركة والجيجان وعبّاد الشمس واللوزيات، لتوفر مراعيها في المنطقة.
أوبئة فتّاكة وأدوية غير فعّالة
لا تقتصر معاناة مربي النحل على قلة المراعي وصعوبة التنقّل، بل يعتبر انتشار الأوبئة التي تصيب النحل مشكلةً أخرى تتضاعف مع عدم توفر الأدوية الفعّالة لمكافحة الآفات والأمراض.
وقال المهندس الزراعي عمر شعار “انتشرت خلال الفترة الماضية أدوية غير فعّالة ألحقت الضرر بخلايا النحل، ومنها المبيدات الحشرية (اللانيت)، أما الأدوية شديدة الفاعلية فأسعارها ارتفعت ستة أضعاف، كونها تصل من مناطق سيطرة النظام وتمر عبر الحواجز التي تتقاضى أتاوات للسماح بمرورها، إضافة إلى فقدان كثير من أنواع الأدوية من الأسواق”.
وتعتبر الحشرات من أشد أعداء النحل، ولاسيما الدبور الأحمر الشرقي والدبور الأصفر الغربي، الذي يهاجم النحل ويقوم بافتراس النحلات العاملات وسرقة العسل، كما أن طائر الوروار الذي يعيش في المنطقة الشرقية ولاسيما حول ضفاف الفرات، يُشكّل خطراً على النحل، ويقوم بافتراسه أثناء طيرانه في الجو، ما يجعل النحل يبقى قابعاً في خلاياه.
وأضاف المهندس شعار أن “النحل يعاني من الكثير من الأمراض أبرزها الطفيليات التي تنتشر في أمعائه وتؤدي الى انتفاخ بطونه ليصبح غير قادر على الطيران، ويمكن أن يتعرض النحل أيضاً للإصابة بالقمل في منطقة الصدر، إضافةً إلى مرض تكيّس الحضنة، الذي يتسبب في موت يرقات النحل، بعد أن يتم تغطيتها بالشمع”.
وحول كيفية التعامل مع تلك الأمراض يكمل الشعار “يمكن العلاج عن طريق تبخير المناحل بالكامل بمادة تسمى التمول، أو تقديم محلول للنحل المصاب يتضمن مقدار 0.25 جرام من مادة تسمى الفومديل مع حوالي 25 لتراً من محلول السكر بمعدل أربع مرات خلال شهرين، وفي بعض الأحيان يجب إستبدال الملكة المصابة بأخرى سليمة، كما على المربي أن يحافظ على الخلية ممتلئة وخالية من الفراغات حتى لا تستطيع الفراشات الدخول إلى الخلية ووضع بيوضها فيها”.
بدوره قال يحيى حج يوسف أحد مربي النحل “عانينا هذا العام من تغييرات كثيرة في المناخ، ولاسيما الأيام الماضية التي شهدت موجة بردٍ قارصة، وهذا أثّر بشكلٍ كبيرٍ على النحل، كما أن المربين باتوا يعتمدون على النحل المحلي، الذي يعتبر إنتاجه للعسل قليل ومناعته ضد الأمراض ضعيفة، بينما كنا نعتمد سابقاً على نحلٍ مستورد كالأوكراني أو الإيطالي، وكلا النوعين يعطي كمية عسلٍ أكبر ولديه قدرة أعلى على مقاومة الأمراض ويحتاج لجو معتدل كجو الساحل”.
كما ساهم قطع الأشجار في الشمال المحرر في تراجع مهنة تربية النحل، حيث تعد الأشجار المرعى الطبيعي للنحل، في ظل قصف قوات النظام للمنطقة وعدم قدرة المربين على نقل الخلايا من مكان لآخر من أجل رعايتها والاهتمام بها، وبذلك بات النحل بلا مراعي تقريباً.
إنتاج ضئيل وتكلفة باهظة
وفي ظل صعوبة استيراد النحل الايطالي والأوكراني، اعتمد المربون على النحل السوري الذي أصبح هجيناً بفعل استيراد ملكات التلقيح وإنتاج البيوض من تركيا أو من مناطق سيطرة النظام، والتي بلغ سعر الواحدة منها 300 دولاراً، والنحل السوري له نوعان: السيوفي وهو شرس، والغنامي الأكثر هدوءاً، ولكن إنتاجهما للعسل ليس وفيراً كالأوكراني والإيطالي.
كما يعاني المربون من صعوبة تأمين مادة الشمع اللازمة لعمل إطارات خلايا النحل، فلا يوجد سوى معمل واحد في بلدة سرمدا بريف إدلب لإنتاج الشمع، إضافةً إلى ارتفاع أسعار الخلايا الفارغة؛ فسعر الخلية الواحدة بلغ 15000 ل. س، بعدما كان سعرها لا يتجاوز الألف ليرة.
وقال يحيى حج يوسف “أصبحت كلفة إنتاج العسل مرتفعة مقارنةً بسعره في الأسواق، ففي ظل انتشار الأوبئة التي أضرّت بالنحل، أصبحنا نحتاج إلى شراء الأدوية والملكات الأجنبية، إضافةً لتكلفة التنقّل وتأمين مستلزمات النحل من خلايا وإطارات، فضلاً عن صعوبة التسويق مع انخفاض الطلب على العسل نظراً لارتفاع سعره، وهذا سبّب لنا خسائر كبيرة، فكلفة إنتاج كيلو العسل تتراوح ما بين 4000-5000 ليرة سورية، بينما يتراوح سعره في السوق ما بين 6000-7000 ليرة سورية، وبالتالي فإن هامش الربح بات ضئيلاً للغاية”.
وأضاف حج يوسف “في ظل ارتفاع تكاليف إنتاج العسل أصبحنا نعتمد على النحل السوري المهجّن وليس الأوروبي، كما نقوم بإعادة تأهيل المناحل بمادة الشمع اللازمة بشكل يدوي، بينما كان تأهيلها يتم سابقاً في معامل مختصة، وهذا يؤثر على كمية الإنتاج، حيث باتت المنحلة الواحدة لا تنتج أكثر من أربعة كيلو غرام من العسل في الموسم الواحد، في حين كان يبلغ إنتاجها سابقاً حوالي 8-9 كيلو غراماً”.
وكان العسل السوري يُصدَّر لدول الخليج ولبنان، أما اليوم فيقتصر الأمر على بعض المحلات الصغيرة والمشافي التي تستخدمه كعلاج لالتهاب الكبد المزمن والالتهابات العامة والحروق، إضافةً للمصابين بمرض السكر.
عسل مغشوش أما لا؟
مع ارتفاع تكاليف إنتاج العسل الطبيعي بات الكثير من التجار والنحالين ضعاف النفوس، يلجؤون إلى غش العسل بطرق مختلفة، وحول طرق الغش وكيفية كشفها، قال المهندس الزراعي والخبير في مجال العسل مصطفى وهوب إن “هناك طرقاً مختلفةً لغش العسل منها إضافة محلول سكر الجلوكوز التجاري أو سكر السكروز أو محلول السكر المحول أو الماء”.
كما يعمد البعض الى إضافة العسل الأسود لإعطاء العسل المغشوش لوناً داكناً، وقد يكون الغش من خلال جعل النحل يتغذى على محلول السكر بدلاً من رحيق الأزهار، وانتشرت هذه الطريقة في الغش نظراً لقلة المراعي وصعوبة التنقّل من مكانٍ لآخر.
وأضاف وهوب أن “هناك من يعتقد أن العسل الطبيعي داكن اللون، وكلما كان لونه فاتحاً فهذا يعني أنه مغشوش، لكن هذا اعتقاد خاطئ، فلون العسل يختلف حسب المرعى الذي تعذى عليه النحل، فعسل اليانسون داكن اللون، أما عسل الحمضيات فلونه فاتح، كما أن تجمّد العسل في الشتاء ليس دليلاً على أن العسل مغشوش”.
وانتشرت العديد من الطرق التي يمكن من خلالها كشف العسل المغشوش، فهناك من يقوم بغمس ملعقة فى العسل وسحبها إلى أعلى، فإن نزل العسل كخيط متواصل فهذا دليل على أنه عسل جيد، وإذا انقطع هذا الخيط فان ذلك يدل على أنه عسل مغشوش، وهناك من يغمس عود ثقاب فى العسل ويحاول إشعاله فى جدار علبة الكبريت، فإذا اشتعل العود دلّ ذلك على أن العسل جيد، وإذا لم يشتعل فهذا يعني أن العسل مخلوط بالماء.
كما يعمد البعض إلى إلقاء قطرة من العسل على الرمل فإذا تكوّرت هذه القطرة، فذلك يعني أن العسل سليم، وإذا لم تتكوّر فمعنى ذلك أنه عسل مغشوش، أو عن طريق طلاء ورقة بيضاء عادية بالعسل، ومن ثم حرقها فإذا انطفأت يكون العسل جيداً؛ بينما العسل المغشوش بالسكر لا يحترق.
لكن مصطفى وهوب يرى أن “كل تلك الطرق السابقة ليست دقيقة لكشف العسل المغشوش، لأن ذلك يعتمد على نسبة الرطوبة فى العسل، أما الطريقة الأدق هي عبر التحليل الكيميائي، كما أن بعض الخبراء يمكن لهم معرفة العسل الطبيعي من خلال مذاقه”.
تطغى ثيمات معينة للحزن والحنين على الأغاني المتداولة في إدلب، قلّما تجد دندنة لأغنية مفرحة أو واحدة من تلك الأغاني القديمة لمطربين تعشقوا في ذاكرة الأهالي، لم تعد فيروز تعيش مع صباحات الريف الهادئ، كذلك غابت رفقة أم كلثوم وآهاتها عن لياليهم، بين هذا وذاك غابت الأصوات الجديدة لمطربين ومطربات، وربما صرعات جديدة من الموسيقا عن الحضور.
ليس ذلك سمة مطلقة في المدينة التي تعيش ظروف الحرب منذ سنوات، وإنما تكاد تكون السمة الأعم فيها، إذ لا تتصدر القنوات الفنية قائمة شاشات التلفاز، بينما وضعت أجهزة الكاسيت والسيدي في خزائن مغلقة، لتبقى الهواتف المحمولة نافذة الشباب في ملاحقة الأخبار، غالباً ما يكون الاهتمام مقتصراً على مشاهد وأخبار معينة تخص ظروف الحياة والواقع المعاش، بينما تنفلت بين حين وآخر عن قبضة الحزن أغنيات تعيد للذاكرة روحها.
اعتادت أم محمود أن تطلق لحزنها العنان مساء كل يوم، تتنهد وهي تعيد نغماً حزيناً من العتابا “الأكثر تداولاً على ألسن الأهالي في المنطقة” ترثي ولدها الشهيد، وتندب غياب ابنتها الوحيدة عن مراسم عزائه، تضمن الكلمات أحياناً أسماء أخرى لأصدقاء ولدها أو أقربائه، دون أن تأبه لكسر الوزن، كل ما يهمها أن تزفر ما في صدرها من ألم، علّها تستطيع النوم.
تطغى ثيمات معينة للحزن والحنين على الأغاني المتداولة في إدلب، قلّما تجد دندنة لأغنية مفرحة أو واحدة من تلك الأغاني القديمة لمطربين تعشقوا في ذاكرة الأهالي، لم تعد فيروز تعيش مع صباحات الريف الهادئ، كذلك غابت رفقة أم كلثوم وآهاتها عن لياليهم، بين هذا وذاك غابت الأصوات الجديدة لمطربين ومطربات، وربما صرعات جديدة من الموسيقا عن الحضور.
ليس ذلك سمة مطلقة في المدينة التي تعيش ظروف الحرب منذ سنوات، وإنما تكاد تكون السمة الأعم فيها، إذ لا تتصدر القنوات الفنية قائمة شاشات التلفاز، بينما وضعت أجهزة الكاسيت والسيدي في خزائن مغلقة، لتبقى الهواتف المحمولة نافذة الشباب في ملاحقة الأخبار، غالباً ما يكون الاهتمام مقتصراً على مشاهد وأخبار معينة تخص ظروف الحياة والواقع المعاش، بينما تنفلت بين حين وآخر عن قبضة الحزن أغنيات تعيد للذاكرة روحها.
تقول سعاد إن أمها “أم علي” أفرجت أخيراً عن ابتسامة بعد سماعها لطفلها محمد يدندن بأغنية “هات قلبي وروح”، تقول إن لهذه الأغنية مكانة في قلب الأم رفضت دائماً أن تخبرنا بقصتها، إلّا أننا نستخدمها كلما أردنا أن نرى وجه أمي مضيئاً بفرح.
“لا يرتقي فنّ إلا بمحاكاته لأوجاع الناس” يقول محمد الذي يرى في أغاني الثورة ومنشديها مكاناً لإراحة النفس والاستماع، ويسعد الرجل بتحوير جزء من الأغاني التراثية لترتبط بكلمات من رحم الثورة مع الحفاظ على اللحن.
لا يرى محمد أن تلك الأغاني أقل متعة ونشوة من الأغاني الطربية التي سادت في السنوات قبل الثورة، ولا عن العتابا والعديويات الموروثة في المكان، “هي تبكينا وتفرحنا”، وبذلك تؤدي جوهر الشيء المطلوب فيها، أيضاً هناك ارتباط بين ذاكرة تلك الأغنيات مع الأشخاص والأماكن، وتدفعنا لاستحضارهم عند سماعها، منهم من قتل، آخرون هجروا ودمرت أماكنهم، أما من تبقى فقد سافر بعيداً، وباتت تلك الأغنيات التي سمعناها سوياً أو اقترفناها معاً في المشاوير والقصف والموت والمعارك كل ما يربطنا بهم.
تخاف هيام أغنية “أبكي على شام الهوى” تقول إنها تعيدها دائماً لارتباطها بأمها المعتقلة منذ ست سنوات، هناك خط فاصل بين ما يدفعها لتكرار الأغنية وما يجبرها على الامتناع من إعادتها، تقول “أمي هي الشام التي أبكيها عند سماعي للأغنية”.
لكل جيل أغانيه ومطربيه التي ارتبطت بحياته وعشقه ومغامراته، بدت تلك الملامح منقسمة في جيلنا تقول “نسرين”، كان الشابّ غالباً ما يضع نغمة لجواله عن أحدث الأغاني لإثارة اهتمام الفتيات في الطريق أو في الحافلات، كانت الأغاني رسائل عند بعضهم من خلال الاشتراك بها كذاكرة واحدة، وكانت أحياناً “شيفرات بين اثنين لا يستطيعان البوح”، أما في الأعراس فكانت العتابا تحاكي النساء المستمعات على أسطح المنازل، ويعرفن مقصدها من خلال تلك الإشارات المضمنة داخل الكلمات.
وإن كانت الأغاني الجديدة قد وجدت طريقها إلى قلوب الجيل الجديد في ذلك الوقت، مبتعدين عن إرث الآباء وموسيقا الحزن لصالح الفرح والرقص، فهو تطور طبيعي فرضته الحياة الجديدة والسريعة وتغير الذائقة، تقول فاطمة التي لا تزال تفضل الموشحات والقدود وأغاني اللغة الفصحى، هي “دقة قديمة” في المصطلح الشائع، إلّا أنه ومع تنامي الحزن وسرديات الألم ركن حتى أولئك للحزن وابتعدوا عن ضجيج الأغاني المفرحة، “لعلّه قدرنا” يقول علي، فـ “قلوبنا المعطوبة لا تطرب إلّا على الأغاني الحزينة”.