فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في ذكرى كيماوي خان شيخون: منظمات سورية تقدم أدلة إضافية في ثلاث محاكم أوروبية

مصطفى أبو شمس

  قدّم الأرشيف السوري والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ظهر اليوم الاثنين، معلومات إضافية تتعلق باستخدام غاز السارين في الغوطة الشرقية 2013، وخان شيخون 2017، إلى سلطات التحقيق والادعاء في […]

 

قدّم الأرشيف السوري والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ظهر اليوم الاثنين، معلومات إضافية تتعلق باستخدام غاز السارين في الغوطة الشرقية 2013، وخان شيخون 2017، إلى سلطات التحقيق والادعاء في ثلاثة دول أوربية، كمساهمة في التحقيقات القضائية الجارية في هذه الجرائم.

وتحدث بيان مشترك أصدره الأرشيف السوري والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، عن تقديم هذه المعلومات الإضافية إلى كل من ألمانيا والسويد، إضافة لمعلومات تتعلق باستهداف الغوطة الشرقية إلى قضاة التحقيق في فرنسا.

وقالت ليبي مكافوي، باحثة قانونية في منظمة نيمنك والأرشيف السوري لفوكس حلب إن المعلومات المقدمة تحتوي على معلومات متسلسلة للقيادة، شهادات وقاعدة SCM جمعها المركز السوري، وقاعدة بيانات مفتوحة المصدر تم تجميعها بواسطة الأرشيف السوري ومنظمة مراقبة قوى الأمن.

يتزامن تقديم المعلومات مع ذكرى مجزرة الكيماوي التي استهدفت مدينة خان شيخون في الرابع من نيسان 2017، في خطوة لـ “دفع عمل المحققين نحو المساعدة”، بحسب الباحثة القانونية، التي أضافت أن المعلومات التي قدمها الأرشيف جاءت استكمالاً لما تم تقديمه سابقاً من معلومات مفتوحة المصدر، نشرت في السابق، من بينها تحقيقات وقاعدة بيانات للأسلحة الكيماوية، وتتضمن المعلومات الجديدة تحليلات ومواد أخرى حساسة للغاية، ولا يمكن إتاحتها للعموم في الوقت الحالي.

وحول تقديم المعلومات إلى ثلاث جهات قضائية، قالت مكافوي “إننا نعتقد أن تنسيق التحقيقات فيما بينها سيأتي بفوائد واضحة في التحقيقات”، خاصة وأن المعلومات المقدمة حديثاً تعزّز ما جرى تقديمه مسبقاً مع الشكاوى الأولية، وعند النظر إليها مجتمعة، نعتقد أن الحقائق تشير إلى المسؤولية الجنائية على أعلى مستويات حكومة النظام السوري”.

تقول حنين، مديرة مشروع الأرشيف السوري: “يجب أن يكون كل يوم يمضي على مرور هذه الهجمات خطوةً نحو تحقيق العدالة للضحايا. نأمل أن تفضي جهود المجتمع المدني المتواصلة إلى تحقيق العدالة للضحايا والناجين، ومساءلة مرتكبي هذه الجرائم لضمان عدم تكرارها، ومنع وقوع مزيد من الضحايا الأبرياء، في سوريا أو في أي مكان آخر في العالم”.

بدورها تقول عايدة سماني، المستشارة القانونية في منظمة المدافعين عن الحقوق المدنية: “فشلَ المجتمع الدولي في التصدي لتجاهل الحكومة السورية الكامل للمعايير الدولية والخسائر في أرواح المدنيين، ما مهد الطريق أمام مزيد من الفظائع التي ارتكبتها الحكومة وحلفاؤها على نطاق واسع، وذلك في سوريا ومواقع أخرى. أمامنا الآن عبء ثقيل يتمثل في محاسبة مرتكبي هذه الجرائم ضد المدنيين، وهي مسؤولية تقع على كاهل السلطات المحلية في مختلف أنحاء أوروبا، ونحن نعول على تحملهم هذه المسؤولية”.

ويقدم المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بحسب البيان، معلومات حول تسلسل القيادة لفصائل مختلفة ذات صلة بالقوات السورية، إضافة إلى مقاطع فيديو أصلية التقطها موظفون ميدانيون في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا وقت الهجوم على الغوطة الشرقية. وفيما يتعلق بالهجوم على خان شيخون في 4 نيسان/أبريل 2017، سيقدم المركز السوري للإعلام وحرية التعبير معلومات حول تسلسل القيادة ومعلومات إضافية بشأن الجريمة.

كما سيقدم الأرشيف السوري قاعدة بيانات إعلامية مفتوحة المصدر، فضلاً عن وثائق سمعية-بصرية تم جمعها لارتباطها بالهجمات، إضافة إلى التحقق من المحتوى وتقارير التحقيق في الحوادث. كما سيوفر الأرشيف السوري، بالتعاون مع منظمة مراقبة قوات الأمن، هيكل القيادة ومناطق العمليات لفصيل من القوات السورية يُزعم بأنه مرتبط بهجوم الغوطة عام 2013، والذي تم تحديده استناداً إلى مشاهدات يمكن التحقق منها، وغيرها من التقارير المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي.

وكانت منظمات غير حكومية، قد تقدمت بشكوى جنائية إلى الشرطة السويدية في نيسان الماضي، حول استخدام غاز السارين في هجومين للنظام السوري على كل من خان شيخون والغوطة الشرقية.

سبق ذلك، وفي آذار من العام الماضي تقديم شكوى أمام محكمة باريس في آذار من العام الماضي بشأن “جرائم ضد الإنسانية” و “جرائم حرب” مرتبطة بهجمات كمياوية بغاز السارين وقعت في آب 2013 في مدينة دوما والغوطة الشرقية، إضافة لشكوى إلى مكتب المدعي العام الفدرالي الألماني للتحقيق في الهجومين في تشرين الأول 2020.

 

 الماشية تأكل نفسها في الشمال السوري.. كساد في الأسواق وارتفاع في سعر الأعلاف

فاطمة حاج موسى

  تتقاسم الماشية مع عائلات مربيها قوت يومهم في الشمال السوري، ومع ارتفاع أسعار الأعلاف بات الاحتفاظ بها مهمة شائكة ما أجبر مربو الماشية على بيع قسم منها لإطعام ما […]

 

تتقاسم الماشية مع عائلات مربيها قوت يومهم في الشمال السوري، ومع ارتفاع أسعار الأعلاف بات الاحتفاظ بها مهمة شائكة ما أجبر مربو الماشية على بيع قسم منها لإطعام ما تبقى، الأمر الذي ساهم في انخفاض أعدادها وأسعارها ومثّل خسارة للمربين.

ليس الأمر محصوراً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لكن أعداداً كبيرة من المواشي وصلت إلى الشمال السوري من المناطق الشرقية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية عن طريق التهريب، لتحط رحالها في المنطقة التي فقدت في الأصل مراعيها بسبب قلة الأمطار وسيطرة قوات النظام، منذ عام ٢٠٢٠، على مساحات واسعة من الأراضي، إضافة للتمدد العمراني والزيادة السكانية في الأحراش والأراضي العشوائية التي كانت تستثمر كمراع سابقاً.

لم تنتهي بعد إحصائيات دائرة الزراعة في حكومة الإنقاذ عن عدد المواشي في المنطقة للعام الحالي، لكنها وصلت في كانون الأول من العام الماضي إلى نحو 22333 ألف رأس من الأبقار، و 284461 الأغنام ونحو 62525 من الماعز، تركزت معظمها في مناطق إدلب وأريحا وجسر الشغور وحارم والأتارب.

عبء تربية الماشية وإطعامها على المربي

“مواشينا تأكل لقمة أبنائنا” يقول أبو حسن، مربي مواشي من ريف جسر الشغور الشرقي يملك نحو 70 رأس من الأغنام.

ويضيف أبو حسن أن “تأخر هطول الأمطار هذا العام كان سبباً لغلاء الأعلاف، وأيضاً عدم وجود مراع كافية لأغنامه وماشية المربين الآخرين، خاصة أنهم لا يتلقون دعماً بمادة العلف سواء من مؤسسة الأعلاف أو من أي منظمة عاملة في هذا القطاع، لذلك أصبحت الخسارة واقعاً لا مفر منه”. 

يملك أبو حسن هكتاراً من الأرض زرعه في العام الماضي بمحاصيل علفية لماشيته، يقول إنه جنى نحو ثلاثة أطنان من التبن وطناً واحداً من الحبوب.

المحصول لا يكفي سوى لشهر واحد، يشرح أبو حسن أن قطيعه يحتاج يومياً لنحو مئة وخمسين كيلو غراماً من التبن و عشرين كيلو غراماً من الجلبان أو الشعير.

ويضيف، إنه ومربي الماشية في المنطقة لجؤوا إلى أساليب عديدة لإطعام ماشيتهم كرعي مخلفات الحصاد وضمان مراع غنية ببقايا الخضار الصيفية، وتراوح ضمان الدونم الواحد بين 10 إلى 25 دولار تقريباً.

تلك تجارة خسارة، يلخص أبو حسن حاله كمربي ماشية، وهو ما دفعه لإطعام ماشيته ما لم يكن يوماً ضمن ما يستهلكه قطيعه كورق أغصان الزيتون، يقول إن النقلة الواحدة، وهي حمل شاحنة صغيرة، تباع بنحو 25 دولاراً، تأكل المواشي الأوراق وتستخدم الأغصان في التدفئة.

ينتهي الحال عند مربي ماشية ببيع عدد من قطعانهم لإطعام ما يبقونه منها، يقول أبو حسن إن عدد المواشي في تراجع، خاصة وأنها تباع بأسعار رخيصة “صرنا نبيع الماشية للتخلص من عبء إطعامها”.

“استبدلت الأبقار بالماعز” يقول رائد تركماني، مربي ماشية في ريف جسر الشغور الغربي، بعد أن باع أربعة أبقار كان قد اشتراها في العام الفائت بنصف ثمنها منذ أسابيع، واشترى به  ماعزاً وعلفاً لإطعامها.

يشرح تركماني ما حدث معه بأنه استثمر ما يملكه من نقود بشراء أربع أبقار (بذرة هولندية) لما تنتجه من حليب، خاصة وأن البقرة الواحدة تنتج يومياً بين 25 إلى 30 لتراً، يباع كل لتر بنحو ست ليرات تركية.

ويضيف تركماني أن الأبقار الأربع بيعت بثمن بخس وقتها، مع نشاط التهريب إلى إدلب من مناطق سيطرة النظام وقسد، وفارق العملة، إذ تباع الأبقار بالليرة السورية.

غلاء الأعلاف وقلة المراعي دفعت التركماني للتقليل من كمية الغذاء الذي تحتاجه الأبقار وهو ما انعكس على إنتاجها للحليب، وبعد أشهر اضطر لبيعها بنصف الثمن الذي اشتراه بها، واستعاض عنها بشراء خمسة من رؤوس الماعز لتأمين مؤونة البيت من الحليب ومشتقاته.

تحول المراعي إلى أراض زراعية

“يختلف واقع المراعي حالياً عن السابق” يقول محمد مصري، رئيس الجمعية الفلاحية سابقا في قرية المرج الأخضر الغربي في جسر الشغور،  وذلك بعد تحول أراضي الممتلكات العامة (المشاع) التي كانت مخصصة لرعي المواشي في السابق لأملاك خاصة، حيث قام بعض الأهالي  باستصلاح تلك الأراضي وامتلاكها ثم زراعتها بأشجار الزيتون  مما قلل مساحة مناطق الرعي و أثر سلباً على الثروة الحيوانية، وضيّق الحال على مربي المواشي وأماكن الرعي، ولا حلول تساند المربي، برأي المصري، سوى اعتماده على أرضه ومحصوله بعد عجزه عن رعي المواشي بتلك الأراضي.

 الأعلاف..  أسعارها ومشاريع دعمها

تتوفر في الأسواق أعلاف تختلف أسعار بيعها من مكان لآخر، لكنها دائمة الارتفاع  خاصة بعد انهيار الليرة التركية (العملة المتداولة في الشمال السوري) مقابل الدولار. وحسب آخر نشرة أسعار لشركة النماء التجارية، وصل سعر طن الجلبان إلى ٥٣٥ دولاراً، و سعر طن الشعير المستورد ٣٣٥ دولاراً تباع في المعبر، وسعر طن النخالة المستوردة ٢٥٠ دولاراً في المعبر، و سعر طن الفول العلفي ٤٠٠ دولار، وسعر طن تفل الشوندر ٦٧ دولاراً من معبر باب الهوى، و سعر طن قشر الأرز ١٣٠ دولاراً من معبر باب الهوى، وسعر طن التبن المستورد الأوكراني ١٨٠ دولاراً من معبر باب الهوى تضاف إليها أجور النقل للداخل السوري، نحو ٢٠ دولاراً لكل طن تضاف أثناء بيعها في مراكز بيع الأعلاف.

 وتغيب مشاريع دعم الأعلاف في محافظة إدلب، بحسب من تحدثنا معهم، لكن المهندس (أحمد الكوان) معاون وزير الزراعة والري قال إن ”الوزارة وجهت بعض المنظمات لتنفيذ مشاريع توزيع الأعلاف استفاد منها آلاف مربي الثروة الحيوانية في العديد من القرى في الشمال، إضافة إلى تنسيق وزارة الزراعة والري مع مؤسسة الحبوب لدعم مادة النخالة لمربي الثروة الحيوانية عن طريق تسليمهم المادة بسعر يقل عن سعر السوق بـ  20دولاراً للطن الواحد، إذ وزعت كمية 76 طناً من مادة النخالة منذ بداية هذا العام، و نفذت حملة تلقيح  مجانية للأغنام ضد مرض الجدري الذي يهدد الثروة الحيوانية، إضافة لوضع خطة تلقيح لكامل القطيع من المجترات ضد أهم الأمراض التي تصيبها، ونفذ من قبل بعض المنظمات”. 

أسعار الماشية و لحومها

تباع المواشي السمينة ذات الوزن الزائد بالكيلو ولا يوجد أسعار ثابتة للحوم خاصة بعد حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الليرة التركية حسب الجزار محمد الصوفي،  إذ وصل سعر كيلو لحم الغنم إلى ٦٠ ل.ت، أما لحم البقر ٥٥ ل.ت.

تصدر أسواق المواشي في الشمال نشرة سعرية تحدد فيها الأسعار في الأسواق كافة، بحسب عبد الرحمن أبو حمزة، أحد الراصدين المهتمين بأسعار المواشي.

 وبحسب نشرة سوق بشمارون اليوم السبت تراوح سعر خروف اللحم بين 27 إلى 30  ل. ت، أما الفطيمة اللحم بصوفها بيعت بنحو 25 ل. ت، و النعجة اللحم بـ 23 ل. ت، والجدي اللحم بـ 23 ليرة تركية الحي.

وهناك طلب كبير على المواشي خاصة الماعز رغبة بالحليب، بحسب أبو أسامة، مربي ماشية، والذي قال إن أسعار اللحوم ترتفع مع ارتفاع أسعار الأعلاف وأن اللحم الرخيص هو لحم الحيوانات هزيلة الوزن الخالية من اللحم أساساً، وتكون عادة مريضة لا فائدة منها لذلك تذبح أما السمينة تباع  من الحظيرة للحمها أو حليبها حسب غاية المشتري.

 وتخضع أسعار المواشي حسب المهندس (أحمد الكوان)  لنظام العرض والطلب وتتغير حسب تأخر الأمطار أو تبكيرها، وبسبب  تأخر هطول  الأمطار هذا العام لم ترتفع أسعار اللحوم، ويتوقع الكوان ارتفاع الأسعار بعد آخر منخفض مطري. 

يحاول مربي الحيوانات على مجموعات الواتساب والفيس بوك بيع مواشيهم بالدولار الأمريكي عبر المزادات المتواصلة، وذلك تداركاً للخسارات المتواصلة، وبهذه الخطوة يمكنهم تخفيف الخسائر والاستفادة من بيع مواشيهم بأعلى سعر ممكن.

مشتقات الحليب وأسعارها

اشترت (أم سامر) ربة منزل من ريف جسر الشغور الغربي بداية هذا العام الحليب من جارها مربي أبقار، بنحو أربع ليرات تركية، وقامت بصنع اللبن منه حتى تحضر جزء من مؤونة عائلتها من اللبنة والدوبيركة فقط، ولم تصنع الجبن لأنه حسب قولها، مكلف ولا يناسب غلاء المعيشة ويمكن الاستغناء عنه عكس (اللبنة) لبن مصفى يحبه أولادها على الفطور، و(الدوبيركة) لبن مغلي تحتاجه لطهي بعض الوجبات في الشتاء مثل الشيش برك واللبنية وغيرها من الوجبات.

تتفاوت أسعار مشتقات الحليب من مكان لآخر، ووصل سعر كيلو الحليب، بحسب أبو عدنان مالك محل لبيع وشراء مشتقات الحليب في مدينة جسر الشغور، إلى نحو سبع ليرات تركية و سعر كيلو الجبن بين ثلاثين إلى خمسين ل.ت، وسعر كيلو اللبن بنحو تسع ليرات تركية، أما باقي المشتقات من القشطة والقريشة وغيرها فعادة ما تكون موسمية قليلة الكمية لا تخزن وتباع لمحلات الحلويات أكثر من المحال ويكون سعرها حسب طلب العميل الذي يضعها في المحل.

 

“في حياتنا أمورٌ أقسى من الضرب”.. العنف بالإهمال أو باللفظ وعدم المشاركة مثالاً

هاني العبدالله

“ليش تركتي بيت زوجك طالما ما ضربك” أول عبارةٍ تسمعها نساء كثيرات من عائلاتهن حين يقررنّ ترك المنزل اعتراضاً على سوء معاملة أزواجهنّ، فبالنسبة للأهل “الضرب” فقط هو ما قد […]

“ليش تركتي بيت زوجك طالما ما ضربك” أول عبارةٍ تسمعها نساء كثيرات من عائلاتهن حين يقررنّ ترك المنزل اعتراضاً على سوء معاملة أزواجهنّ، فبالنسبة للأهل “الضرب” فقط هو ما قد يكون سبباً مقنعاً لجعل المرأة تلجأ إلى بيت والديها، أما باقي التصرفات مهما تركت جرحاً في قلب الزوجة، فهي تفاصيل ثانوية لا يجب عليها أن تأخذ موقفاً من أجلها.

الصمت يقتلني

تتلهف الزوجة لموعد عودة زوجها من العمل، لتجلس معه وتسمع أحاديثه وأخباره، تحكي له تفاصيل يومها وكل ما يجول في داخلها، فهو تفصيلٌ مهم جداً في حياة المرأة، إلا أن كثيراً من الزوجات يشتكينّ من صمت أزواجهنّ طوال فترة جلوسهم في البيت.

“خديجة قميناسي” من أهالي مدينة إدلب، تروي لنا مشكلتها مع زوجها، فهي بطبعها اجتماعيةٌ تحبُ تبادل الأحاديث، إلا أنها تعاني من عدم رغبة زوجها بالحديث، ما يُسبّب لها إزعاجاً كبيراً.

تقول خديجة: “حين يعود زوجي من العمل، يتناول الغداء ومن ثم يجلس لمشاهدة التلفاز بتركيز، لدرجة أنه لا ينتبه لي حين أتحدث معه، وحين يمل يفتح هاتفه المحمول ويبدأ بتصفح مواقع التواصل الإجتماعي أو الدردشة مع أصدقائه، دون أن يفكر للحظةٍ في الحديث معي أو سؤالي عن أخباري”.

تضيف خديجة لموقع فوكس حلب: “أحاول توجيه بعض الأسئلة له لأفتح حديثاً معه، لكنه يجاوب بشكلٍ مختصر، واذا أراد الحديث، يكون سؤاله المعتاد (شو بدك تطبخي بكرا)، وكأن الحياة الزوجية بالنسبة له فقط مرتبطةٌ بالطهي! صرت أكره صمته المطبق، والذي يدل على اللامبالاة وعدم الاهتمام بي”.

أم عماد (38 سنة) من سكان دمشق، انفصلت عن زوجها قبل عامين، والسبب كما قالت: “لم أكن أشعر بوجود زوجي في المنزل، وكأنه حجر أو صنم لا حياة له، فلم يكن يسأل عن أخباري أو حتى أخبار الأطفال، ودائماً مشغول البال وكثير التفكير ولا يأبه لأمور البيت، صمته كان يقتلني، وما كان يستفزني أكثر أني حتى حين أعاتبه لإهماله لي، كان يرفض الرد ويكتفي بالصمت”.

وترى دراسات إجتماعية، أن الرجل يُعبّر عن إنزعاجه من شيء ما بالصمت، على عكس المرأة التي تفضّل الفضفضة، كما أن الرجل قد يكون بطبيعته شخصٌ قليل الكلام نظراً للبيئة التي عاش فيها، لذا يجب أن تعلم الزوجة سبب صمت زوجها وتحاول تشجيعه على الكلام، بدلاً من تحويل صمته إلى سببٍ للخلاف.

العمل محط اهتمامه الوحيد

الظروف المعيشية الصعبة وغلاء الأسعار، تدفع أغلب السكان للعمل طوال اليوم، وهو ما انعكس سلباً على العلاقات الزوجية، هيام الحلبي (اسم مستعار) من سكان حلب (ربة منزل)، تعاني من عدم اهتمام زوجها بها رغم مضي عامٍ فقط على زواجها.

تقول هيام لموقع فوكس حلب: “اهتمام زوجي فقط يَنصبّ في العمل، فما أن يعود من عمله بعد الظهر حتى يتناول الغداء ويأخذ قيلولة، ومن ثم يفتح حاسوبه ويبدأ بعمله الثاني في مجال التسويق، ويستمر على ذلك لآخر المساء، دون أن يُخصص أي وقتٍ لي، لدرجة أنه يعمل حتى في أيام الإجازة”.

وتابعت هيام قائلةً: “أي امرأة تمضي أجمل الأوقات مع زوجها في عام زواجهما الأول، لكن زوجي منذ تسعة شهر لم يصطحبني لأي مكانٍ، وحين أشكي حالي لأمي، ترد عليّ: (ليش هو مو عم يشتغل منشانك! أشعر أني أعيش أقسى أنواع التعنيف النفسي”.

قصص محرجة صامتة

لا شك أن هناك تصرفاتٍ تجرح المرأة في الصميم، لكن طبيعة مجتمعنا تمنعها من البوح، لذلك لم أستطع التواصل مع أي سيدة لتتحدث عن قصص معاناتها، وهذا دفعني إلى البحث طويلاً في شبكات التواصل الإجتماعي، كونها منبرٌ لجأت إليه كثيرٌ من الزوجات للتفريغ عن وجعهنّ هرباً من صمت الواقع.

إحدى القصص كانت في مجموعة فيس بوك، تنشر فيه سيدات سوريات قصصهن. لفتني قصة لسيدة تقول فيها: “أنا “متزوجة عمري 24 سنة، لكن زوجي بارد في كل شيء، بمشاعره واهتمامه، وحتى ولا يطلب مني العلاقة الحميمية إلا مرة كل أسبوعين، أحاول التقرّب منه بكل الطرق، لكنه يقضي وقته على الهاتف أو ينام باكراً، أشعر بجرحٍ عميق، وأخجل أن أطلب منه حرفياً العلاقة الحميمية”.

واشتكت سيدة أخرى على ذات المجموعة، من مبالغة زوجها في طلب العلاقة الحميمية، ورغم رفضها إلا أنه يُجبرها على ذلك، لدرجة كان يطلب منها ذلك حتى خلال فترة الحيض، وكان يستخدم أسلوب العنف خلال الممارسة الجنسية، وهو ما كان يُسبب لها آلاماً جسدية والتهابات، إضافةً إلى تدهور حالتها النفسية من هذه المشكلة، طالبةً من المتابعين تقديم حلٍ لها، خاصةً أنها لا تريد الطلاق حرصاً على أطفالها، ولا تجرؤ على الإفصاح بقصتها لأهلها وأقاربها خوفاً من ردات فعل المجتمع.

وفي هذا السياق قال رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار، غزوان قرنفل لموقع فوكس حلب: إنه “لا يوجد في القانون السوري جريمة تسمى الاغتصاب الزوجي، وبالتالي فإكراه الرجل زوجته على الجماع لا يعتبر جريمةً أو فعلاً مخالفاً للقانون، ولا تملك الزوجة حق مقاضاته على هذا الأمر، ولا يعتبر سبباً مشروعاً من أسباب الطلاق والانفصال”.

لكن الاغتصاب الزوجي مجرّم في تشريعات دولٍ غربية منذ فترة طويلة، ففي 2019، قبضت قوات الشرطة الألمانية على لاجئ سوري، اتهمته زوجته بالاغتصاب الزوجي، وهو أمر مجرّم في القانون الألماني، وقال الرجل أمام المحكمة إنه لم يكن يعلم أن الإجبار على العلاقة الزوجية مجرّم في المانيا، وتعهد للمحكمة بأن زوجته إذا قالت “لا” بعد ذلك، أن يُنصت لرغبتها.

كلمة واحدة وزهرة

الإهانة اللفظية من الزوج إحدى المشاكل التي تشتكي منها كثيرٌ من الزوجات، ولاسيما في ظل ضغوطات الحياة التي تفاقمت خلال سنوات الحرب في سوريا، وهو شكلٌ آخر من أشكال العنف ضد المرأة يندرج تحت مسمى العنف العاطفي.

تقول “هيام الحلبي” من سكان حلب: “أتلهف لعودة زوجي من العمل، ولاسيما أني أعيش وحيدةً ولم أنجب أطفالاً حتى الآن، إلا أنه حين يعود يكون غاضباً من ضغط العمل والازدحام في الطرقات، فبدلاً من أن يقوم باحتضاني حين وصوله وقول الكلمات الرومانسية لي، يبدأ بالصراخ والتذمر، (ليش لهلأ ما صار الأكل، ليش ما خلصتي شغل البيت، وين بيجامتي، وين حطيتي اللابتوب؟!)

ولا يتوقف هذا النوع من العنف على الإساءة اللفظية، بل يتضمن أيضاً قيام الزوج بانتقاد زوجته بشكلٍ مستمر والسخرية من شكلها ولباسها، والتقليل من قدراتها، أو محاولة فرض السيطرة على المرأة، وإهمال رأيها وعدم إعطائها الفرصة لاختيار أي أمر متعلق بها وبحياتها الخاصة.

تابعت هيام حديثها قائلةً: “في بعض الأحيان حين أحضّر طبخة معينة لزوجي لا تعجبه، ويبدأ بالتذمر ويرفض أكلها، بدلاً من تقديم الشكر لي على تعبي، أو على الأقل مجاملتي والتظاهر أن الأكلة لذيذة، وأحياناً أقوم بارتداء لباسٍ معين، فيقول لي: (شو هالموديل هاد روحي غيريه)، دون أن يدرك لأي درجة تؤذي تلك الكلمات مشاعر الزوجة، فنحن النساء نحب الرومانسية، فكلمة واحدة من القلب وهدية بسيطة حتى لو كانت زهرة، تجعلنا نتعلق بأزواجنا، ونغض الطرف عن كثيرٍ من أخطائهم”.

“الخيانة” أقسى درجات العنف

من أقسى الأمور التي تجرح الزوجة وتؤلمها هي الخيانة، والتي تُحدث شرخاً عميقاً في الحياة الزوجية، وتؤدي لفقدان الثقة بالزوج وقتل كثير من المشاعر الدافئة للمرأة، وإهانة لكرامتها، وإهدار العشرة، وقد تنتهي الأمور بالانفصال.

سيدة من سكان جرمانا في ريف دمشق، تواصلنا معها فضّلت عدم ذكر اسمها، اكتشفت خيانة زوجها لها رغم مضي خمسة أشهر فقط على زواجهما.

تقول السيدة: “سافرت قبل شهر الى حمص في زيارةٍ لأهلي، بينما بقي زوجي في دمشق بحكم عمله، وحين عدت إلى بيتي اكتشفت أشياءً غريبة، حيث لاحظت شعراً نسائياً على السرير، كما أن هناك رائحة عطر نسائي على بعض ملابسي التي كانت في الخزانة، صرخت من الفزع وطلبت من زوجي تفسير ذلك، لكنه أنكر أن يكون قد ارتكب أي خيانة في غيابي، حتى أنه حلف على المصحف”.

تضيف السيدة: “لم أصدقه، فالمرأة تشعر بكذب زوجها مهما حاول المراوغة، لذا حاولت مراقبة تصرفاته وهاتفه المحمول، وبالفعل عثرت على محادثة بينه وبين فتاة، يتحدثان عما جرى بينهما في المنزل خلال سفري، ووعدها باستئجار منزلٍ لتكرار العلاقة الحميمية التي جرت بينهما، شعرت بصدمة قاسية خاصة أننا تزوجنا عن حب ولم يمض سوى خمسة أشهر فقط على الزواج، لذا تركت المنزل فوراً وسافرت لعند أهلي وفي قلبي حرقة كبيرة، حاول زوجي مراراً طلب السماح بعدما اعترف بالخطأ، لكني رفضت وطلبت الطلاق، فالشيء الذي انكسر لن يعود كما كان، وصرت أحقد على كل الرجال”.

حين يتحوّل المال الى نقمة

“يخفي راتبه عني ولا أعلم كم يقبض”، هكذا تقول أم حسان سيدة من الأتارب، معبّرةً عن معاناتها من مشكلةٍ قد لا يتم تسليط الضوء عليها كثيراً، حيث أن زوجها يعمل في إحدى المنظمات، لكن لا يخبرها بمقدار راتبه أو المكان الذي يُخبئ به الأموال.

تقول أم حسان: “المرأة شريكة زوجها، ومن حقها أن تعرف كل شيء، بمافي ذلك مقدار الأموال التي يجنيها ومصدرها ومكان إيداعها، لكن زوجي يرفض ذلك، حتى أنه لا يترك أي مصروفٍ لي، واذا أعطاني فبالقطّارة وعلى مضض، وحجته في ذلك أنه لا داعي أن تكون الأموال بيد الزوجة، طالما أنه يتكفل بتأمين كل مستلزمات المنزل”.

تضيف أم حسان: “سئمت من هذا الواقع المزعج، حيث أشعر أنه يحاول فرض سيطرته عليّ من خلال حجب الأموال عني، وأكثر من مرة أحتجت للمال لشراء بعض الأشياء الطارئة، لكن لم أجد أي مبلغٍ في البيت، واذا استمر على هذا الطبع، فلن استطيع إكمال حياتي معه”.

ويرى باحثون أن هناك شكل من أشكال العنف ضد المرأة يسمى “العنف الإقتصادي”، والذي يتضمن صعوبة حصول الزوجة على الأموال، إلى جانب تحكم الزوج في مستوى الرعاية الصحية والتعليم للمرأة، وعدم أخذ رأيها بعين الاعتبار في القرارات المالية، الى جانب منعها من العمل أو إجبارها عليه.

دبس الرمان .. صناعة الفائض لكسر كساد التصريف

 محمود يوسف السويد

عشرات الورش تنهي عملها اليومي بقطاف الرمان وفرطه، يباع قسم منه في أسواق إدلب المحلية بعد أن توقفت طرق التصدير، ويحال القسم الأكبر إلى ورش أخرى تعمل في صناعة دبس […]

عشرات الورش تنهي عملها اليومي بقطاف الرمان وفرطه، يباع قسم منه في أسواق إدلب المحلية بعد أن توقفت طرق التصدير، ويحال القسم الأكبر إلى ورش أخرى تعمل في صناعة دبس الرمان وتخزينه للاستعمال المنزلي أو بيعه وتصديره، إن أتيحت الفرصة.

موسم وافر للرمان في العام الحالي شهدته محافظة إدلب، ثالث المحافظات السورية في مساحة زراعة الرمان التي استغلت نحو ألف وثلاثمائة وستين هكتاراً لهذا النوع من الزراعة، أقل من نصفها بعلي، ويقدر إنتاجها بنحو عشرين ألف طن سنوياً.

بعيداً عن المكننة

يعمد مزارعو الرمان إلى صناعة دبس الرمان يدوياً، يفضلون الشكل التقليدي لما يضفي من مذاق ونكهة تختلف عما تنتجه المكننة الغائبة في إدلب والموجودة في مناطق أخرى كمدينة حلب المجاورة.

تقول أم محمد وهي تحرّك عصير الرمان داخل حلة نحاسية اجتمعت حولها نساء من الحي الذي تسكنه في بلدة اسقاط، إن دبس الرمان البيتي وصناعته بالطريقة التي ورثتها، أباً عن جد، يمتلك مذاقاً وجودة أعلى من تلك المنتشرة بعبوات جاهزة في الأسواق.

ترجع ذلك لأسباب عديدة أهمها قدرة صانع دبس الرمان البيتي على تكييف الكثافة ودرجة الحموضة بحسب الرغبة، ويلعب في ذلك نوع الرمان وساعات الطهي، يضاف إلى ذلك نوع الوقود، فالحطب يختلف عن وسائل الوقود الأخرى ويمنح دبس الرمان شكلاً أكثر تماسكاً، أيضاً الوعاء المستخدم، فللنحاس بحسب أم محمد، رفعة عن باقي الأواني في هذه الصناعة، وأخيراً عدم تكسر حبات الرمان خلال فرطه لتجنب ما يمكن أن يتعشق في طعم المزيج من مرارة.

“هي صنعة” تقول أم محمد إنها رافقتها ونسوة كثيرات في المنطقة الغنية ببساتين الرمان، لكنها تتقنها بجودة أكبر، تضحك وهي تخبرنا عن سعادتها بمديح من يتذوق دبس الرمان الذي تصنعه، ما يدفعها لتجاهل صعوبة إعداده، خاصة حين تضيفه إلى أطباقها من السلطات والتبولة واللحم بعجين، أو ترفقه إلى جانب أطباق اللحم والفروج والكبة..

يقطف الرمان ويفرط بعد غسله، وتنتزع حباته من خلاله ضربه بقطعة خشبية تجنباً لكسر حباته، قبل أن يعصر ويترك على نار هادئة ليغلي نصف يوم أو يزيد، قبل أن يبرد ويوضع في زجاجات لتموينه أو بيعه.

الهواء الطلق مطبخ دبس الرمان

بالقرب من غرف صغيرة بنيت داخل بساتين الرمان تشاهد مواقد من الحطب تعتليها قدور من النحاس لصناعة دبس الرمان في الهواء الطلق، تنتشر هذه المواقد في بساتين الرمان الممتدة على ضفاف نهر العاصي من جسر الشغور ودركوش مروراً بعشرات البلدات والقرى على الحدود التركية.

في القطاف يفرز رمان البيع وذلك المخصص للدبس، وفي المكان ذاته وتحت أشجاره تنتزع حبات الرمان بعد أن تنقسم الورش بين من يجني ومن يفرط، قبل أن تعصر وتوضع في القدر، ومن حطب أشجار الرمان توقد النار لتحضيره.

يقول محمد فراس حاج بكور، رئيس المجلس الأهلي في دركوش، إن دبس الرمان المنتج في الحقول أعلى جودة من المصنع في المنازل أو ذلك الذي يباع في الأسواق، وذلك لسرعة إنتاجه، فحبات الرمان من الشجرة إلى القدر، دون المرور بمراحل التخزين، أيضاً لتوفر الحطب في الأراضي الزراعية ما يمنح صانعيه رفاهية إبقائه على النار للوصول إلى الكثافة المطلوبة دون التقتير من المحروقات مرتفعة الثمن.

ويوفر المزارعون في عملية صناعة دبس الرمان داخل الحقول تكلفة نقل الرمان وثمن الصناديق التي يوضع داخلها لبيعه داخل أسواق الهال، وهو ما دقع كثر منهم لتحويله إلى دبس خاصة مع تراجع سعر الرمان في السوق إلى نحو ليرة تركية واحدة، وتوقف تصديره ما يؤدي إلى كساد كميات كبيرة منه وتلفها.

كثافة دبس الرمان المصنع في الحقول، بحسب الحاج بكور، هي ما يدفع التجار للقدوم الى البلدات الريفية مع كل موسم، لشراء إنتاج الفلاحين من الحقول مباشرة، وتعبئته في زجاجات خاصة بعد وضع علاماتهم التجارية عليها، وطرحها في الأسواق.

بالتوازي مع إنتاج الدبس من قبل الفلاحين في حقولهم، تنتشر ورش ومعامل لإنتاج دبس الرمان، تبدأ عملها مع بداية الموسم وتستمر حتى بعد انتهائه بفترة قصيرة.

يشرح حسان البنشي ( أبو زكي) صاحب ورشة لصنع دبس الرمان في مدينة سلقين كيفية صنع دبس الرمان، يقول إن العاملات تفرط ثمار الرمان وتستخرج حباته، بعد ذلك تضعنها في حوض وتعصرنها بشكل تام، ليتم تجميع العصير المنساب من فتحة في الحوض معدة لهذا الغرض، ليوضع العصير بعدها داخل حلة نحاسية كبيرة، وتركه يغلي لساعات متواصلة على نار الحطب، حتى يكتسب اللزوجة والهيئة المطلوبة، من ثم يفرغ في أوان معدنية كبيرة، ويترك مدة قد تصل لثلاثة أيام أحيانا حتى يبرد تماماً، ويتم بعدها تصفيته من الشوائب وتعبئته في عبوات بلاستيكية بسعات مختلفة، بانتظار قدوم المشترين سواء من الأهالي أو الباعة وأصحاب المحال الصغيرة أو تجار الجملة”.

يحتاج صنع كيلو غرام واحد من دبس الرمان لكمية رمان تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشرة كيلو غراماً، وكلما تأخر قطاف الرمان كان الدبس أكثر جودة ويدل على ذلك لونه الأحمر القاتم المائل للسواد أحياناً. ويحتاج لوقود بكميات كبيرة، ويبلغ سعر طن الحطب في إدلب نحو مئة وخمسين دولاراً، يضاف إليها أجرة عمال القطاف وصناعة الدبس، ما يعني أن تكلفة كيلو غرام من دبس الرمان تصل إلى نحو عشرين ليرة تركية أو أزيد من ذلك، بحسب كثافته.

يقول أبو زكي “يباع كيلو غرام دبس الرمان بين عشرين إلى ثلاثين ليرة تركية، وهي لا تغطي تكاليف إنتاجه التي شرحها سابقاً”، ويرى أبو زكي أن ثمن الدبس اليوم أقل من أسعاره في السابق، رغم الحديث بين السكان عن ارتفاع ثمنه، يحدد ذلك ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين وانخفاض أسعار صرف الليرة التركية، وضعف متوسط دخل الفرد.

في الجهة المقابلة من إدلب وفي مدينة الباب التي تشتهر بالرمان وصناعة الدبس ورش ضخمة لا تقارن بتلك المنتشرة في إدلب، بحسب أبو زكي الذي قال إن شريكه (أبو الوليد) استغنى عن اليد العاملة واستبدلها بآلات تدعى (الطبابة)، تفرط حوالي 600 كغ يوميا من الرمان وهو أربعة أضعاف ما تنتجه ورشته المؤلفة من أربعة عشر عاملاً وعاملة.

يفضل أبو الوليد دبس الرمان المنتج في الحقل، وفي مناطق إدلب أيضاً، يقول إن نوع الرمان المزروع في هذه الأراضي أكثر جودة، ويصفه بـ “المز” ويختلف عن “الحامض” المزروع في المناطق الشرقية من حلب.

ويشرح أبو الوليد سبب تفاوت أسعار دبس الرمان في المنطقة ويرجع ذلك لنوعيته من جهة، ولبعض الأنواع التي يخلطها التجار بالسكر وحمض الليمون والماء لتباع بأسعار أرخص في الأسواق، إذ توجد أنواع تباع بأقل من خمس عشرة ليرة وهو مبلغ أقل من التكلفة.

ليست إدلب سوقاً رائجة لبيع دبس الرمان، ولا يمكن لها استيعاب الكميات المصنعة، يقول أبو الوليد إن التصدير هو الحل، سواء الداخلي إلى مدن كدمشق وحلب اللتين كانتا تستهلكان الكميات الأكبر في كل عام، أو إلى دول الخليج العربي وأوروبا.

لا يرمى شيء من الرمان، يقول مزارعوه، الحب للأكل أو الدبس، أما القشر والبذور فتباع كعلف للحيوانات والدواجن، وتضاف البذور إلى الزعتر، لكن أسعارها انخفضت في العام الحالي، للأسباب ذاتها، إذ انخفض سعر الطن من ثلاثمائة إلى خمسين دولاراً.

بعيداً عن ورش بيع دبس الرمان تقضي أم علي وقتها في صناعة ما ينتجه حقلها، تقول إنها تصنع مؤونة منزلها وتبيع الفائض لتحتفظ بثمنه لحاجياتها بعد أن أقر لها زوجها بموسم الرمان ليكون مصدر دخل خاص بها تصرفه كيفما تشاء.

الألغام ومخلفات الحرب موت يتربص بالمدنيين في الشمال السوري

هاني العبدالله

  “لم تكن خبرتي في إزالة الألغام كفيلةً بتجنيبي مخاطرها فكنت أحد ضحاياها”، هكذا يصف “حسن مقداد” ما حصل معه، فرغم عمله مع الدفاع المدني في إزالة الذخائر والقنابل، إلا […]

 

“لم تكن خبرتي في إزالة الألغام كفيلةً بتجنيبي مخاطرها فكنت أحد ضحاياها”، هكذا يصف “حسن مقداد” ما حصل معه، فرغم عمله مع الدفاع المدني في إزالة الذخائر والقنابل، إلا أنه فقد أحد ساقيّه بانفجار لغمٍ أرضيّ، حاله كحال مئات المدنيين الذين فقدوا حياتهم أو أصيبوا بسبب مخلفات الحرب التي باتت كابوساً يؤرق أهالي محافظة ادلب.

الإصابة أو الوفاة بأحد الألغام أو القنابل العنقودية، بات خبراً تتداوله وسائل الإعلام كل يومٍ أو أسبوعٍ تقريباً، ففي الإثنين الماضي قُتل الطفل “عبد الوهاب أصلان” (١٥ عاماً) من أهالي بلدة فيلون بريف إدلب، بانفجار ذخيرةٍ حربية من مخلفات قصفٍ سابقٍ لقوات النظام أثناء عمله في قطاف الزيتون.

ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” منذ آذار 2011 حتى كانون الأول الحالي، مقتل ما لا يقل عن 2773 مدنياً، عبر المئات من حوادث إنفجار الألغام في مختلف المحافظات السورية، بينهم 672 طفلاً، و292 سيدة (أنثى بالغة)، مشيرةً الى أن 156 منهم قُتل في ادلب بسبب مخلفات الحرب.

“الخبرة لا تحميك من الخطر”

“حسن مقداد” كان متطوعاً في الدفاع المدني منذ بدايات تأسيسه، وكان يعمل ضمن فريق إزالة الألغام، وخلال عمله في البحث عن بعض القنابل العنقودية نهاية 2014، انفجرت به إحدى القنابل، ما أدى الى بتر أحد ساقيّه وتفتت عظم الساق الأخرى

يقول حسن مقداد لفوكس حلب: “سبع سنوات مضت على تلك الحادثة الأليمة، وماتزال تفاصيلها عالقةً في ذهني، لا أنسى كيف استيقظت في المشفى بعدما كنت غائباً عن الوعي بسبب الإصابة، لأتفاجأ أن ببتر قدمي. صرخت حينها عالياً من شدة القهر، ودخلت في أزمةٍ نفسية شديدة”.

يضيف مقداد: “بعد عامٍ من الحزن والألم، قررت تحدي الإصابة والعودة للعمل، فسافرت إلى تركيا لتركيب طرفٍ صناعي، ومن ثم عدت الى إدلب لمواصلة عملي مع الدفاع المدني، فالإصابة زادتني تصميماً على العمل مع الفريق على إزالة الألغام، كي لا يذوق أحدٌ مرارة ما حصل معي، لاسيما أني كنت من ذوي الخبرة بمخلفات الحرب ورغم ذلك لم أنجو منها، فكيف هو الحال مع المدنيين الذين ربما يجهلون أغلب أشكال تلك الذخائر وطرق التعامل معها”.

موسم الرعب!

مخلفات الحرب سبّبت حالةً من الرعب لدى العاملين في مجال الزراعة، خاصةً ضمن المناطق الزراعية القريبة من خطوط التماس مع النظام، وزادت حالات الوفاة في إدلب بسبب الألغام خلال الفترة الأخيرة، ففي الشهر الماضي قُتل مدنييّن اثنيّن وأصيب آخرون بجروح، جراء انفجار لغمٍ أرضي بعددٍ من المدنيين، أثناء عملهم في قطاف الزيتون بالقرب من قرية سان بريف إدلب الجنوبي.

وفي آب الماضي قُتلت شابة وأُصيبت شقيقاتها بينهم طفلة، إثر إنفجار لغمٍ أرضيّ من مخلفات قوات النظام، خلال عملهم على جرارٍ زراعي ضمن أرضهم الزراعية في محيط بلدة كفرسجنة جنوبي محافظة إدلب، وفي الشهر ذاته قضى رجلٌ وطفله، عقب انفجار قنابلٍ عنقودية في محيط بلدة البارة في ريف إدلب الجنوبي خلال عملهما في جمع ثمار التين.

وسبق أن قُتل طفل في الـ15 من عمره، وأصيب آخر بجروحٍ متفاوتة، جراء انفجار جسمٍ من مخلفات الحرب في الأراضي الزراعية بمحيط قرية عين الحمرا في ريف إدلب الغربي، خلال عملهم برعي الأغنام في الخامس من شباط الماضي.

عبادة الخطيب من أهالي بلدة مغارة في جبل الزاوية، فقد أخاه العام الماضي خلال عمله في قطاف الزيتون، يقول إن السكان في جبل الزاوية أصبحوا يخشون من الدخول الى الأراضي الزراعية، بسبب انتشار مخلفات الحرب والقنابل العنقودية والألغام وتزايد تصعيد النظام، خاصة في مواسم القطاف التي أصحبت موسم الرعب بالنسبة لهم، بعدما كانت موسم الفرح بجني المحصول بعد تعبٍ طوال العام

يقول الخطيب: “في شهر آب من العام الماضي خرجت مع أخي لقطاف التين. كنا سعيدين بوفرة المحصول حينها، لكن سعادتنا تحوّلت الى حزنٍ وألم، فحين شارفنا على الانتهاء، فارق أخي الحياة عقب انفجار قنبلةٍ عنقودية كانت مزروعةً أسفل شجرة التين التي كان يعمل على قطافها”.

يتابع الخطيب قائلاً: “معظم سكان جبل الزاوية حرموا من أراضيهم، فأنت مُعرّضٌ بأي لحظةٍ لأن تكون ضحية انفجار الألغام، وأصبح المزارع محتاراً، هل يُراقب الطيران الحربي أم الاستطلاع أم القذائف أم القنابل والألغام، لكن البعض مضطرٌ للمجازفة بحياته لقطاف محصوله، فهو مصدر رزقه الوحيد”.

وتمنع هذه الألغام والقنابل، أغلب السكان والنازحين من العودة إلى منازلهم وإزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل وزرع أراضيهم، كما أنّها تؤذي الأطفال الذين لا يتمكنون من اللعب بأمان والذهاب إلى مدارسهم.

ثلاث خطواتٍ لإزالة الخطر

مع بداية عام 2016 عملت منظمة “الدفاع المدني السوري” على تدريب عددٍ من متطوعيها على كيفية التعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وقال مدير مركز الذخائر في المديرية الرابعة في الدفاع المدني، رائد الحسون لموقع فوكس حلب: إن “الأنشطة التي يقوم بها الدفاع المدني في مجال مخلفات الحرب تنقسم الى ثلاثة محاور: الأول هو التوعية من مخاطر الذخائر غير المنفجرة والألغام والعبوات الناسفة، حيث تم تنفيذ 1608 جلسة توعية من مخاطر الألغام ومخلفات الحرب، وبلغ عدد المستفيدين من تلك الجلسات 24324 شخصاً منذ تأسيس الفريق في 2016”.

وتتضمن جلسات التوعية إعطاء المعلومات الكافية للمدنيين، حول كيفية التصرف في حال مشاهدة أي ذخيرة أو جسم غريب، وضرورة تنبيه من حولهم وإخبار المختصين في “الدفاع المدني السوري”، حيث يتم تنفيذ تلك الجلسات عن طريق حملات مركزة تستهدف كافة شرائح المجتمع، وتركز بشكلٍ أكبر على الأطفال والنساء.

المهمة الثانية للدفاع المدني تندرج في مجال المسح، من خلال فريق يقوم بزيارات اعتيادية للفعاليات المدنية وإجراء إستبيانات للمجتمعات المحلية، بهدف الوصول للمناطق الملوثة بالذخائر وتحديدها، أو التعرّف إذا كانت تلك المنطقة قد تعرّضت لقصفٍ سابق، أو يُشتبه بوجود ذخائر غير منفجرة فيها، إضافةً لرسم الخرائط للمناطق التي يتم العثور على مخلفات حرب فيها وتزويد فريق الإزالة بها.

وأشار الحسون الى أن “المهمة الثالثة للدفاع المدني في مجال الألغام، تتمثل في التخلص الآمن من الذخائر، والتأكد من نهاية خطورتها وتأمين المنطقة، والبحث عن ذخائر غير منفجرة في حال هناك شك بوجودها، وذلك بواسطة الأجهزة التقنية أو الطرق اليدوية”، لافتاً الى أنه “تم التخلص من 22766 ذخيرة متنوعة، بينها أكثر من عشرين ألف قنبلة عنقودية”.

وتابع قائلاً: “في حال وجود جسم غريب، يجب على من يجده عدم الإقتراب واللمس، وتحذير من حوله من مدنيين آخرين، والإبلاغ عن الذخيرة عبر إخبار أقرب مركز دفاع مدني، أو الاتصال معنا عبر أرقامنا التي قمنا بتوزيعها عن طريق فرق المسح والتوعية، التي قامت بزيارات سابقة لجميع المناطق والقرى، وبعد تلقي البلاغ نقوم كفرق إزالة بالتوجه لهذا المكان، وإتلاف الذخائر والتأكد من انتهاء خطورتها، ومن ثم القيام بحملة توعية جديدة للمدنيين المحيطين بالمكان الذي تم إتلاف الذخائر فيه”.

الخطأ الأول هو الخطأ الأخير

تحديات كثيرة تواجه فرق الدفاع المدني في التعامل مع الألغام، يقول رائد الحسون “ما نقوم به يعد من أخطر الأعمال على الإطلاق، فعملنا يقوم على مبدأ أن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير، فأي ثغرة في عملية تفكيك اللغم أو إزالة القنبلة أو المرور فوق أي ذخيرة غير منفجرة، يعني فقدان الحياة أو الإصابة، على عكس باقي المهن، التي ربما يكون فيها مجال للخطأ أكثر من مرة، دون أن يتعرّض صاحبها للأذى”.

وفقدت فرق “الدفاع المدني السوري” أربعة متطوعين، أثناء عمليات ميدانية للتخلص من الذخائر غير المنفجرة في إدلب وبعض أرياف حلب، منذ تأسيس فريق إزالة الألغام في 2016 وحتى الآن.

كما يعاني الدفاع المدني من القصف المستمر والممنهج من قبل النظام وروسيا، والذي قد يتسبّب في مقتل وإصابة عناصر الدفاع المدني خلال عملهم، وبنفس الوقت تعرّض نفس المكان الذي قاموا بتأمينه من مخلفات الحرب للتلوث مجدداً بالذخائر غير المنفجرة.

كذلك يصطدم الدفاع المدني بعوائق أخرى، تتمثل في وجود أشكال كثيرة من مخلفات الحرب، والتي قد تتطلب طرقاً وخبرة كبيرة في التعامل معها، إضافةً إلى ضرورة توفّر معداتٍ خاصة لها، قد لا تتوفر لدى أعضاء الفريق.

ويشير الدفاع المدني باستمرار إلى ضرورة الإبتعاد عن أي جسمٍ غريب، وعدم جمع مخلّفات القصف، التي قد تعرّض حياة الأطفال وذويهم للخطر، وإبلاغ فرقه على الفور.

أبو أكرم حج خلف من قاطني مخيمات أطمة شمال إدلب، فقد ابنه قبل عامين بسبب مخلفات الحرب، ليتحدث عن ذلك قائلاً: “البحث عن لقمة العيش قد تكون تكلفته الموت، ففي ظل وضعنا المادي السيء، كان يخرج ابني للبحث عن الخردة والمواد التالفة لبيعها، وفي إحدى المرات وجد قطعاً حديدية متناثرة في إحدى الأراضي الزراعية، فأسرع لالتقاطها لتنفجر إحداها وتخترق شظاياها جسده الضعيف، حيث فارق الحياة في المشفى بعدما أسعفه أحد المزارعين الذين كانوا في محيط المنطقة”.

نهاية الحرب لا تعني زوال الألغام

تتنوع أشكال وألوان الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة ضمن مناطق الشمال السوري، ووثق “الدفاع المدني” استخدام قوات النظام وروسيا أكثر من 11 نوعًا من القنابل العنقودية خلال عمليات القصف.

كما عمد النظام وروسيا الى استخدام طائرات إستطلاع لإلقاء قنابل مزودة بألغام معدة للتفجير عبر أسلاك، علماً أن هذا النوع من الألغام يقوم بنشر أسلاك في محيطه بطول 10 أمتار لتشكل أفخاخاً، وأحياناً تنفجر ذاتياً بعد تفعيلها بمدة 4 – 24 ساعة حسب حرارة الجو.

ووثق الدفاع المدني إلقاء تلك الألغام في منطقة معرتمصرين بريف إدلب نهاية العام الماضي، دون تسجيل خسائرٍ بشرية.

وقال مدير مركز الذخائر في المديرية الرابعة في الدفاع المدني، رائد الحسون: إن “أشكال الذخائر التي تودي بحياة المدنيين لا يمكن حصرها في نوعٍ محدد، لأن أي ذخيرة غير منفجرة مهما صغُر حجمها أو كبُر، فهي خطيرة قد تؤدي للوفاة في حال لمسها أو الاقتراب منها، ولكن القنابل العنقودية هي من الأنواع الأكثر خطورة، لإنتشارها الواسع وخطورتها الكبيرة”.

ويدعو الدفاع المدني بشكلٍ مستمر خلال حملاته التوعوية المدنيين، إلى توخي الحذر في المناطق السكنية التي شهدت معارك سابقة، نتيجة ارتفاع مخاطر وجود قنابل غير منفجرة وألغام أرضية فيها، إضافةً إلى الأراضي والمناطق الزراعية ومكبّات النفايات والمناطق الصخرية، حيث تُعدّ تلك المناطق من أكثر الأماكن خطورة باعتبارها حاضنةً لمخلفات الحرب.

ويرى الحسون أنه “رغم العمل الكبير على إزالة مخلفات الحرب، إلا أن عدداً كبيراً من الذخائر غير المنفجرة والألغام لا تزال موجودة بين الأراضي الزراعية ومنازل المدنيين وأماكن لعب الأطفال، وستبقى قابلة للإنفجار لسنواتٍ وسنوات، ما يعني أن الخسائر ستمتد لفترة طويلة حتى بعد انتهاء الحرب، ما لم يكن هناك جهود دولية لإزالتها”.

وسجلت سوريا الحصيلة الأعلى في عام 2020 من ضحايا الألغام بـ 2729 ضحية (قتلى ومصابين) 80 % منهم مدنيين، من أصل 7073 قتلوا أو أصيبوا في العالم أجمع، بحسب التقرير الصادر عن التحالف الدولي للقضاء على الذخائر العنقودية والحملة الدولية لحظر الألغام الأرضي قبل أيام.

 

 

تراجع سعر صرف الليرة التركية وبال على اقتصاد الشمال السوري الهش

فرحات أحمد

  طوابير طويلة يمكن مشاهدتها أمام أفران خبز مدعومة في الشمال السوري بعد ارتفاع غير مسبوق شهدته المنطقة على الأساسيات الحياتية بشكل كامل، خاصة الخبز والوقود والمواد التموينية خلال الأشهر […]

 

طوابير طويلة يمكن مشاهدتها أمام أفران خبز مدعومة في الشمال السوري بعد ارتفاع غير مسبوق شهدته المنطقة على الأساسيات الحياتية بشكل كامل، خاصة الخبز والوقود والمواد التموينية خلال الأشهر الماضية والذي تزامن مع تراجع سعر صرف الليرة التركية.

على باب أحد أفران إدلب يقضي أشخاص ساعات طويلة للحصول على خبز بأسعار أقل، يقول محمد الخطيب إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إذ يحتاج رب أسرة مكونة من خمسة أشخاص إلى ما يزيد عن نصف ما يتقاضاه موظف أو عامل مياومة ليؤمن خبز عائلته فقط، إذ يقدر متوسط دخل العامل شهرياً بنحو ثمانمائة ليرة تركية، وهو ما كان يساوي نحو مئة دولار نهاية العام الفائت، ونحو ستين دولاراً بحسب سعر الصرف الحالي.

الليرة التركية بديل سيء

وصل تذمّر السكان تجاه الواقع الاقتصادي في الشمال السوري إلى درجة غير مسبوقة، وذلك بسبب التقلّبات العنيفة لليرة التركية، التي اعتمدت عملة أساسية في جميع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام شمال غربي البلاد، منذ حزيران 2020، في خطوة اتخذتها حكومتا الإنقاذ والمؤقتة المعارضتين بسبب تدهور الليرة السورية آنذاك، واعتبرت حلاً مؤقتاً إلى حين التوصّل إلى اتفاق سياسي قد يقود البلاد وعملتها إلى الاستقرار.

لكن ومنذ ذلك التاريخ تعرّضت الليرة التركية التي عارض اقتصاديون اعتمادها عملة أساسية لعدة هزات أفقدتها أكثر من 40 بالمئة من قيمتها فقط منذ مطلع عام 20٢١، وكانت أعنف هذه الهزات خلال الشهرين الماضيين بعد عدة خطوات اتخذها البنك المركزي من تخفيض سعر الفائدة، وإقالة حاكم للبنك من قبل الرئيس رجب طيب إردوغان ونائبيه لاحقاً، إضافة إلى أعضاء في لجنة السياسة النقدية في المصرف المركزي.

أثّر هذا التراجع في قيمة العملة أمام العملات الأجنبية على الاقتصاد التركي بشكل عام، لكنه كان أكثر تأثيراً على اقتصاد الشمال السوري، الذي لا يقارن بالاقتصاد التركي وتماسكه، ما أدى إلى موجة من الانتقادات لسياسات الحكومتين المعارضتين الاقتصادية بسبب انفلات الأسعار وارتفاع مستويات التضخم إلى أرقام قياسية، وسط دعوات للتراجع عن اعتماد الليرة التركية عملية أساسية في المنطقة.

وأشار فريق “منسقو الاستجابة في سوريا” في تقرير أخير إلى أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت في الشمال السوري بنسبة 400 بالمئة، وأسعار المحروقات بنسبة 350 بالمئة، والخبز بنسبة 300 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، كما وصلت معدلات الفقر إلى 90 بالمئة، وسط بوادر انهيار اقتصادي، تمثّل بارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، وزيادة ملحوظة في معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للمدنيين.

لم يترافق الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية بتدابير حكومية لتأمين بدائل للسكان، أو رفع رواتب الموظفين والعاملين، ويعود ذلك لأسباب كثيرة أهمها غياب الموازنة المالية لدى هذه الحكومات، واعتماد سكان المنطقة على المواد المستوردة بعد غياب الاكتفاء الذاتي وضعف الناتج المحلي وارتباط أسعارها بالتغيرات السعرية في الدول المصدرة وأهمها تركيا، أيضاَ اعتماد الليرة التركية في المعاملات التجارية والاقتصادية، وتراجع سعر صرفها في الأشهر الماضية.

التراجع عن الليرة التركية قرار يحتاج إلى سيادة

موجة الغلاء المتفاقمة دفعت سكان في المنطقة للمطالبة بالتراجع عن استخدام الليرة التركية في الشمال السوري، يقول إبراهيم الأسعد، وهو مدرس يتقاضى سبعمائة وخمسين ليرة تركية كراتب شهري، “إن اللجوء إلى الليرة التركية كان بعد الانهيارات المتلاحقة لسعر صرف الليرة السورية، وإن كنا سنعيش الأمر ذاته الآن فلماذا لا نغيرها، طالما أن الأسباب واحدة، ونبحث عن بديل أكثر استقراراً كالدولار على سبيل المثال”.

آخرون قللوا من أهمية التخلي عن الليرة التركية، يقول سعيد، وهو تاجر مواد تموينية بالجملة بريف إدلب، “إن الأسعار ترتبط بالمكان الذي يتم تصدير المواد منه، أياً كانت العملة سيكون هناك ارتفاع في الأسعار، خاصة إن بقي دخل المواطن على حاله، فالأولى أن تدعم الحكومات المواد الغذائية أو ترفع متوسط دخل الفرد ليكون مناسباً لتغيرات الأسعار في المنطقة”.

“هذا إن كان الأمر بيدنا”، يقول من تحدثنا معهم في إشارة لعدم قدرة حكومتي المنطقة، الإنقاذ والمؤقتة، على اتخاذ قرار بهذا الشأن بمعزل عن الموافقة التركية، ويقول الخبير الاقتصادي مسلم عبد طالاس، إن التراجع عن اعتماد الليرة التركية عملة أساسية في الشمال السوري أمر ممكن من حيث المبدأ، لكن هذه الخطوة تحتاج إلى قرار سياسي، إذ إن من الواضح أن اعتمادها في الأساس جاء بإيحاء تركي، واتخاذ قرار بالتراجع عن استخدامها غير وارد نظراً لوجود تحالف سياسي بين القوى المسيطرة في المنطقة وتركيا، كما أن اتخاذ هذا القرار سيفسّر على أنه محاولة أخرى لإضعاف الليرة التركية من قبل هذه القوى.

وبحسب “طالاس” فإن الانتقال السريع بين اعتماد أي عملة وأخرى ضار بالمعنى الاقتصادي، وقد يؤدي إلى أضرار أكبر، لكن من الممكن القيام بمثل هذه الخطوة بشكل تدريجي، وهذا أيضاً يحتاج سلطة مركزية وهي غير متوفرة، وبنية مصرفية وهي غير موجودة أيضاً، لكن لو وجدت الرغبة لدى سلطات الأمر الواقع فإنه ينصح بالاتجاه إلى العملات الأكثر استقراراً كالدولار الأميركي أو اليورو.

ويؤكّد أن الحلول ليست نقدية فحسب، والتدهور الاقتصادي الحاصل عائد إلى تدهور اقتصاد سوريا بشكل عام، وللخروج من هذا الواقع في المنطقة ينبغي على السلطات تنشيط الاقتصاد من خلال دعم المشروعات وإقامة مشروعات جديدة، والسماح لها بالتحرك نحو الاستيراد والتصدير، وعلى المدى المستقبلي ينبغي دعم التعليم والتكنولوجيا، ومن ثم اعتماد الرواتب والأجور بالدولار وصولاً إلى دولرة اقتصاد المنطقة بشكل كامل.

بدورها تقول رئيسة المكتب القانوني في نقابة الاقتصاديين المعارضة نجمة عبد الغني إن التضخم في الشمال السوري عائد إلى عدة أسباب منها تراجع الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، أما أهمها فهو ارتفاع أجور النقل البحري لمعظم المنتجات المستوردة لنسبة تصل إلى 15 بالمئة، وارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 20 بالمئة، نتيجة لارتفاع سعر برميل النفط عالمياً، وهنالك سبب نفسي يتمثّل بلجوء معظم المستهلكين إلى شراء كميات كبيرة من المنتجات والسلع خوفاً من ارتفاع الأسعار، ما تسبّب بزيادة في الطلب ونقص في العرض، أدّيا إلى حدوث حالة من الجشع لدى معظم الباعة، الذين بادروا  إلى شحن وتخزين واحتكار المواد الاستهلاكية، رغبة في بيعها لاحقاً بأسعار مرتفعة.

وتستبعد “عبد الغني” اتخاذ أي قرار يعيد التعامل بالليرة السورية، بسبب اعتبار ذلك خطوة في اتجاه دعم اقتصاد النظام السوري من قبل السكان، وتؤكّد أن معظم الصفقات الكبيرة في الشمال السوري تتم بالدولار، وهذا يضمن استقرار الأسعار، إذا ما تمّ ضبطها من قبل السلطات المسؤولة.

ويوافق خالد العيسى وهو نازح من ريف إدلب الجنوبي إلى أحد المخيمات القريبة من مدينة سرمدا بأن الأسعار تحتاج إلى ضبط، إذ تشهد أسعار السلع ارتفاعاً جنونياً، على حد تعبيره، ولا تهتم السلطات المحلية بمتابعة التجار، الذين يرفعون أسعار المبيعات إذا تراجعت قيمة الليرة التركية، بينما لا يخفّضونها إلى تحسّن سعر الصرف.

ويشير إلى أن أكثر ما يثقل كاهل المواطن هو الارتفاع المتكرّر في أسعار المحروقات التي تتحكّم بها شركة “وتد للمحروقات” والخبز الذي تسيطر على معظم مخابزه حكومة الإنقاذ، إضافة إلى الأدوية التي لا تصل المنطقة من تركيا في الغالب، لكنّها تخضع لضرائب مرتفعة، جعلت الزيادة في أسعارها لا تطاق.

بين دولرة الاقتصاد أو تتريكه، يعيش نحو خمسة ملايين شخص في الشمال السوري ظروفاً بالغة القسوة، ينامون على أسعار محددة ويستيقظون على أخرى أكثر ارتفاعاً، ليس على صعيد الكماليات، ولكن على أساسيات الحياة، ما يوحي بانهيار جديد يضاف إلى الكوارث التي يعيشها سكان منقسمون بين نازح ومهجر، دون أن يكون لهم أو لحكوماتهم يد في تغيير واقعهم في انتظار ما يعصف بالدول المسيطرة على قرارهم وقوت يومهم.

حقائب الإقبال على الحياة.. سيدات يسوقن الجمال في الشمال السوري

مصطفى أبو شمس

ليس هناك مفقودات في حقائب الإقبال على الحياة، تعتريك الدهشة وأنت تستمع للبائعات يشرحن عن بضائعهن

قبل الذهاب إلى قطاف الزيتون، تجمعت فتيات ونساء متوسطات العمر في واحد من المخيمات حول بائعات جوالات يزرن المكان، بعضهن ثابتات في المخيم، أخريات يزرن مخيمات عديدة، يفردن حقائب تطلق عليها نساء المخيم “حقائب الإقبال على الحياة”، يوزعنها في الحقيبة الممتلئة ويشرحن بإسهاب عن كل عبوة.

اشترين واقيات شمسية وخلطات لتصفية البشرة، تقلن إن ذلك يشبه “علاج داء السكري”، دواء وليس زينة للحفاظ على وجوههن، ريثما ينتهين من عملهن، لتبدأ حملة تبييض البشرة وإزالة القشب وجفاف البشرة.

تقول أم مصطفى، وهي سيدة أربعينية تعيش في أحد المخيمات، إن سباقاً نحو الحفاظ على الجمال ينتشر في المكان، تدفع النساء مبالغ وصفتها بـ “الكبيرة” في سبيل ذلك، وتخبرنا أن الأمر يتعلق بـ “المبالاة” التي بدأت تدخل حياة النساء، خاصة الفتيات منهم.

تروي أم مصطفى حكاية “دهن القطن”، رفيق قشب نساء في أرياف إدلب، يستخدمنه لأيديهن المشققة من العمل في الأراضي الزراعية، ويغطين به حفراً كانت تتركها الأحذية المطاطية والتراب على كعب أقدامهن. تقول إن منه ما كان برائحة الليمون وأكثره كان بلا لون أو رائحة، يترك طبقة دهنية على وجوه وأيدي وأقدام السيدات “كان لمعان دهن القطن رفيق الرفوف الخشبية في منازل النساء، وعدة الجمال والزينة”.

تيوبات من المراهم والكريمات تحتل زوايا حقائب مندوبات التجميل، في الوسط أنواع كثيرة من العطورات المقلدة والأصلية، في الجيوب خلطات لم يكتب عليها ما تحتويه، والفيصل في استخدامها الإقناع والتجربة.

تقول سيدات تحدثنا معهن إن أزواجهن لا يمانعون شراءهن أدوات الزينة، بل على العكس “باتوا يلاحظون الفرق ويحبونه”، يسهم في ذلك الإنترنت! عند سؤالنا عن دهشة المصطلح كان الجواب حاضراً، نعرف ما يحبونه من الأشياء التي يتعلقون بها على صفحات الإنترنت، يدفعنا ذلك إلى “الغيرة” ومحاولة البحث عن حلول في وقت زادت فيه أعداد النساء وقلت فيه فرصهن بالزواج والاكتفاء بزوجة واحدة، يبتسمن وهن يخبرننا أن الأزواج اليوم عرضة للمشاركة أكبر بكثير منه في أي وقت مضى.

ليس هناك مفقودات في حقائب الإقبال على الحياة، تعتريك الدهشة وأنت تستمع للبائعات يشرحن عن بضائعهن، تقول سيدات في المخيم إن هناك خلطات ومراهم كان الحديث عنها في زمن مضى ممنوعاً، أو على الأقل يتداول في نطاق السر، كريمات وخلطات لتكبير الصدر أو تصغيره، أخرى لتبييض الجسم، تكبير الخدود، إزالة الشعر الزائد..

تبتسم أم مصطفى وهي تروي لنا قصة سيدة ابتاعت من مندوبة علبة من الحبوب زيتية المحتوى لـ “تكبير الخدود”، تطلب منا أن نشارك القصة كطرفة، كان عليها أن تثقب الحبة وتدهت السائل على وجهها، لكنها نسيت فتناولتها كحبوب منتظرة أن تستيقظ بوجه خال من التجاعيد..

النحافة أيضاَ سوق رائجة للبائعات، أنواع مختلفة بين الأدوية الفموية والكريمات الموضعية، قصص كثيرة عن نساء تغيرت علاقتهن بأجسادهن “أصبحن ممشوقات القوام، يمر الخاتم في أجسادهن”، تعبير نقلته لنا أكثر من سيدة تحدثنا معها، يقابل ذلك حديث عن أدوية بلا نفع دفع فيها ثمن باهظ.

“أهم من الطعام”، تقول أم مصطفى وهي تتحدث عن الإقبال الكبير على مواد التجميل، تتحدث عن نساء يدفعن ما يمتلكن وما يجنينه على مواد التجميل عوضاً عن شراء الطعام، معرفتها بحالهن تثير دهشتها، لكنها تراجع عن ذلك، تقول “الدهشة هنا غير مبررة، تلك أشياء لا تدخل في الرفاهية، هي جزء أصيل من حياتنا يشبه الخبز، علينا أن نحتال على الحياة، ومن حقنا أن نعيش أيضاً”.

ليست الغاية إرضاء الأزواج، لا يمكن تضييق العبارة إلى هذا الحد، يقلن، ولكن “ألا تنظر النساء في مراياهن”، نفعل ذلك لإرضاء أنفسنا، وعلينا أن نفعل.

بمئة ليرة تركية، وهو مبلغ تعمل فيه عاملة قطاف الزيتون أسبوعاً كاملاً، اشترت فتاة في المخيم زيتاً وكريماً لتسبيل الشعر، تحدثنا أنها ما تزال تنعم بمفعوله كل يوم، وأن وقع الأمر كان “رائعاً” حين نظرت إلى المرآة وهي تمشط شعرها الأملس للمرة الأولى في حياتها.

تتقاضى البائعات عشرين بالمائة من مبيعاتهن، يتقاسمن البيوت والخيام التي يزرنها، تقول بائعة منهن إنها تبيع يومياً بنحو ألف ليرة تركية، وهو ضعف ما تبيعه صاحبة محل لبيع أدوات الزينة في إدلب، تحدثنا معها، وهي تمتلك محلاً في سوق رئيسي.

تخبرنا البائعة أن عشرات النساء يمتهن بيع أدوات الزينة اليوم، ويعملن مع شركات بنسبة مئوية، قسم منهن يعمل لحسابه الخاص، لكن أكثرهن يبعن المنتجات مقابل نسبة مئوية، وتتحدث عن الإقبال الكبير على هذه المنتجات، تقول إن نساء ينتظرنهن دائماً، إضافة لأرقامهن التي لا تهدأ لفتيات يوصينهن على أنواع محددة رأينها على الإنترنت أو عند نساء أخريات.

تؤكد أم مصطفى أنه لا يمر يوم دون زيارة لبائعة، وأن اليوم الذي لا يطرق بابها إحداهن هو يوم غريب يثير التساؤل بينها وبين بناتها، وأن بعضهن يبعن بالدّين بعد أن تحولت النساء إلى زبائن دائمين.

تقول البائعة إن كريم تبييض البشرة والنحافة يتصدر قائمة المبيعات، وإن أدوات الزينة غير الفاقعة تدخل في قائمة الأكثر مبيعاً، قلم الحمرة البني والزهري هو الأكثر مبيعاً، وبودرة الوجه وأساس المكياج بلونها “البيج”، وكذلك كريم تشقق البطن، وفي مواسم القطاف والصيف تكون واقيات الشمس هي أكثر ما نبيعه.

رتبت سيدة في المخيم داخل حقيبتها التي ستحملها معها إلى عفرين، حيث اتفقت مع ورشة قطاف الزيتون، جوارب سميكة وقبعة لحمايتها، دون أن تنسى أن تضع واقي شمسي من عيار100، وكريم لترطيب البشرة وجورب يحوي كريماً لكعب القدمين، تقول إنها ستشتري بما ستجنيه عند عودتها ثلاجة وسجادة جديدة، دون أن تنسى أن تدفع دينها لبائعة جوالة تقول إنها ستجلب لها مبيضاً لأسنانها وعطراً من ماركة أصلية، إضافة لصندوق زينة رأته في واحدة من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.

البحث عن أصابع طفلتي

آية سرحان

“لم أكن أعرف كيف سيمرّ الوقت بعد خسارة طفلتي لأصابعها، بدت الحياة نفسها غائمة، وكغريق يبحث عن قشة بات التقاط أي جملة أو معلومة أو حديث عابر يأكل كل وقتي”. […]

“لم أكن أعرف كيف سيمرّ الوقت بعد خسارة طفلتي لأصابعها، بدت الحياة نفسها غائمة، وكغريق يبحث عن قشة بات التقاط أي جملة أو معلومة أو حديث عابر يأكل كل وقتي”.

“ست ساعات”

لم أكن أحتاج للنظر في ساعتي لأعرف أن الوقت قد مضى، كان الطبيب يتحدث عن ست ساعات تفصل بين بتر الأصابع وإمكانية وصلها بنجاح، ومع غياب مثل هذه الجراحات التي يطلق عليها الجراحة المجهرية في مستشفيات إدلب، واقتصار وجودها في الأراضي التركية على مستشفيات إسطنبول، وطول مدة الجراحة التي تصل إلى أربع ساعات، شعرت أن كل الحلول لم تكن متاحة، وأن طفلتي ستخسر أصبعيها إلى الأبد.

الوقت يقاس بالساعات في مدينة نسيت الإحساس بالزمن منذ سنوات، يحكمها الترقب والانتظار، وتختصر مفرداتها كلمة “يعاني”، غياب للاختصاصات النادرة والأجهزة الطبية النوعية، طوابير من الواقفين على دور المكاتب الطبية في معبر باب الهوى للحصول على علاج داخل الأراضي التركية، مبتورون يبحثون عن أطراف صناعية تساعدهم على الاستمرار، أوراق رسمية وقوانين، كل ذلك مرّ في مخيلتي وأنا أعيد ترتيب الوقت، قبل أن أسأل نفسي، هل كان ذلك ممكناً لو توافر جهاز جراحة مجهرية، كيف سيعيد وجوده آلاف البتور إلى الحياة من جديد؟

تنهد الطبيب، ومثله أنا، وهو يخبرنا بأسفه لعدم قدرته على إنقاذ إصبعي يارا، قال إنه بتر الإبهام والسبابة، كان الضرر الذي أصاب الأعصاب والأوعية الدموية أكبر من القدرة على إصلاحه لعدم وجود مجهر جراحي متخصص لإجراء مثل هذه العمليات الدقيقة، ووصل الأعصاب والأوعية الدموية التي يقلّ قطرها عن ميليمترات دون تكبير المنطقة المستهدفة على الشاشة.

فقدت توازني وكدت أقع على الأرض لولا مريضة عابرة أمسكت بي وقادتني إلى مقعد في الجهة المقابلة لغرفة العمليات. أثناء سيري كان صوت الطبيب يصل إلى إذني وهو يتحدث عن الأمل والدعاء في عودة التروية إلى أصبع ابنتي الأوسط علّه ينجو من مقصلة البتر.

“التصبير بحجم المصيبة”

“حرارة العالم كانت عالقة في قلبي، نظرت إلى يدي وضممت أصابعي المقابلة لأصابع يارا المبتورة. منذ تلك اللحظة أدركت أني أنا أيضاً فقدت أصابعي وجزء من قلبي”

متسمرة فقدت أي رد فعل، حتى البكاء استعصى عليّ، أنا التي أبكي لصورة وردة جميلة ذابلة، ويقتلني صراخ طفل، ابتلعت صوتي وأنا أستمع من بعيد لأطراف حديث يتبادله زوجي مع الطبيب، كان يواسينا بحديثه عن حالات بتر لأطفال كاملة تمرّ على المستشفى بشكل شبه أسبوعي، معظمها ناتجة عن إصابات حربية أو حوادث سير.

تحدث عن بتر ثلاثة أطراف لطفل لم يتجاوز العاشر إثر إصابته بقذيفة في الشهر الماضي، عن امرأة فقدت ساقاً كاملة إثر حادث سير. علينا أن نتقبل الأمر، نقيسه بمصائب غيرنا، ونشعر بالعرفان لأن باقي أصابع يد طفلتي بخير.

ليس معاندة للقدر كان رفضي لما يحدث، كل ألم هو كبير على صاحبه، لا تقاس الآلام والمصائب بالمقارنة، عليك أن تبحث في قلبي عما أشعر به.

نبحث عما نحتاجه، شتمت وأنا أتخيل عودة أطراف أطفال إلى الحياة، أو ساق المرأة المصابة لتتكئ عليها عائلتها من جديد، أو أن يمسك طفل بقلمه بكل أصابعه، كان الطبيب يتحدث عن الجراحة المجهرية المفقودة والتي من الممكن أن تفعل ذلك لو وجدت، وأن غيابها يقتضي بالضرورة بتر الطرف، في الوقت الذي كنت أبحث فيه داخلي عن إجابات لأسئلة أكثر خصوصية، لماذا إذن، مع أهميتها، غير متوافرة، وكم يبلغ ثمنها، والأهم من ذلك، ألسنا في حرب يومية، ما الذي يحتاجه من ينتظر سقوط قذيفة سوى أطراف مقطعة!

صور شعاعية ليد الطفلة يارا
صور شعاعية ليد الطفلة يارا

فقدت يارا، ذات الأربع سنوات، إصبعيها في أيلول الماضي بعد حادثة، كانت قد وضعت يدها في “الماكينة الكهربائية” وأنا أعد طعام الغداء، كان ذلك في أيلول الماضي، أيلول الذي ترافق هذا العام مع قصف طال معظم بلدات وقرى جبل الزاوية وخلف عشرات الضحايا والمبتورين.

في القصف على قرية مرعيان، فقد الطفل محمد والدته وذراعه في لحظة واحدة، لينضم لأزيد من 86 ألف شخص تعرضوا لبتر في واحد من الأطراف أو أكثر، بحسب إحصائية صدرت عن منظمة الصحة العالمية عام 2018، والتي أوردت أن أكثر من 300 ألف مصاب زادت حالتهم سوء نتيجة التأخر في العلاج أو نقلهم إلى المراكز الطبية بشكل خاطئ.

تداخلت الأرقام في ذهني وأنا أتأمل وجوه المرضى الشاحبة في المستشفى، جميعهم يجرون آلامهم، بعضهم يتكئ على عكازات خشبية، آخرين يستندون إلى مرافقيهم يحملون أكياس السيروم والدم المعلقة.

كتف عجوز يحملني

“لا تزال باقي أصابعها بخير.. واقع علينا أن نعيشه”

الممر إلى الغرفة، حيث وضعوا يارا بعد العملية الجراحية، كان طويلاً جداً، استندت على الجدران ومسكات الأبواب للوصول إليه. عند سريرها توجهت عيناي إلى أكوام الشاش الأبيض المحيطة بيدها، بينما كانت أذني تلتقط صوت نقط السيروم المحقون بالمسكنات.

خذلتني دموعي هذه المرة، دائماً تأتي في غير موعدها، أبكي حين يكون علي الصبر وتتجمدان حين يريحني الدمع، كانت يارا تناديني متلعثمة بأحرف “ماما” نتيجة تأثير البنج، وتطلب الماء الذي حذرني الطبيب من إعطائه لها قبل ساعة.

الوقت مرّة أخرى يختبر أمومتي، لكني هزمته بقطعة شاش بللتها بالماء ومررتها على شفتيها القشيبتان، قطع المشهد امرأة مسنّة، ثوبها المزهّر وتجاعيد وجهها أجبراني على التحديق، مسحت دمعتي بكف يدها، وسالت دموعي فوق نقش يبدو أنها رسمته منذ زمن طويل.

فقدت المسنة حفيدتها، وفقدت ذراع حفيدة أخرى في قصف على بيتها في سراقب قبل نحو عام، قالت إن نور، اسم حفيدتها، بقيت أزيد من أسبوع أمام محاولات الأطباء لتجنب البتر، لكن ذلك لم يفلح.

يارا، نور، وأسماء أخرى جميلة اختيرت بعناية، وكبر حاملوها أمام أعيننا دون أن نملك القدرة على مساعدتهن، وقفت مجدداً أمام لعنة الأسماء والحرب، فيما كانت المسنة تقول وهي تشاهد يارا إن أكثر أصابعها ما زالت بخير، وهي تلمسها بحنان.

ألم شبحي

“يتألم الجسد لما يفقده، يصل الوجع إلى الفراغ المفقود، لعلّه يبكي مكانه هو الآخر”

نامت يارا بجواري في الليلة الأولى لوصولنا، لم أكن أستطيع النوم وبقيت مترقبة حتى ساعات الصباح ألبي طلباتها المتزايدة من الماء، وأهدئ من بكائها بعد زوال فاعلية مسكنات الألم.

صباحاً أخذ الألم شكلاً مختلفاً، كانت يارا تصرخ بشدة وفشلت المسكنات في إيقاف معاناتها، كنت أترقب ما أخبرني الطبيب أنه سيحدث بعد وقت قصير، وأرجو ألا تمرّ به.

تحدث الطبيب عما أسماه “متلازمة الألم الشبحي”، وشرحها لي بأنها متلازمة تصيب المصابين بعد عمليات البتر لأجزاء من أجسادهم، تتسبب بألم طاعن يشبه آلام الحروق في شدته في الفترة الأولى، وأرجع سببه للأذية التي تعرضت لها الأعصاب عند البتر، ما يؤدي إلى تغييرات في طريقة قراءة الدماغ للرسائل الآتية من الجسم، إذ أن الأجزاء في الدماغ التي تسيطر على الطرف المفقود تبقى نشطة وهذا ما يسبب خداعاً حقيقياً للطرف الشبحي.

عقلها كان يرسل أوامره إلى مكان لم يعد متاحاً، يشبه بذلك ما أعيشه وأنا أتخيل أصابعها كاملة، كأن هناك تواطؤاً بين قلبي وعقلها في آن معاً، كلانا يرفض ما حدث، وكلانا ما يزال يتصرف كأن شيئاً لم يكن، خاصة وأن أصابع يد طفلتي ما تزال ملفوفة بالشاش، ولم أقوى على رؤيتها حتى تلك اللحظة.

أعيش بلا إصبعين

“تجاهلت إبهامي وسبابتي في ذات اليد التي فقدت منها أصبعيها، أعيش اليوم بثلاثة أصابع في يدي”

حين فككنا الضماد عن يد يارا، بدت يدها الصغيرة بشكل جديد، ومنذ رؤيتي له أخذت يدي شكل يدها، ترافقني اليوم عقدة الأصابع. منذ ذلك الوقت وأنا أمارس أعمالي وحياتي بثلاثة أصابع، أطبخ وأغسل وأسرح شعري وأجلي الأطباق وأكتب وأمسك ملعقة الطعام وأقطع الخضراوات بذات الأصابع التي تمتلكها يارا. لدي شعور بأن علّي التكيف مع هذا الوضع لأستطيع تعليمها ومساعدتها لاحقاً.

هو اختبار آخر للأمومة، ومنذ ذلك الوقت وأنا أفشل في كل عمل باستخدام عشرة أصابع، كل ما أنجح به يكون فقط بما تبقى من يدي صغيرتي.

جوجل المتواطئ مع طفلتي

صغر سن يارا أنساها الألم باكراً، تكيفت مع ما حدث أو ربما يكون ذلك، أما أنا فما تزال كلمة البتر محور يومي، في الأحاديث الصباحية، على صفحات التواصل الاجتماعي، في عمليات البحث عبر الإنترنت، حتى بات كل ما يدور في فلك هذه الكلمة يتصدر ما أشاهده وأقرؤه.

مئات التقارير والأبحاث المنشورة في مواقع طبية وعند أطباء اختصاصيين بالبتر، تحدثت عن حلول بديلة كان أفضلها وأصعبها في آن معاً “عملية الزرع”، وتشترط العملية توافق الأنسجة بين الشخص ومن سيتم زرع العضو في وجده، حتى وأن تحقق الشرط فسيعيش من تمت زراعة العضو في جسده حياته مع مثبطات المناعة، وهو ما سيحرم يارا أن تكون أماً يوماً ما، ما جعلني أستبعد هذا الخيار من قائمة الاحتمالات.

الأطراف الذكية كانت الحل الثاني، أراحني ما قرأت عنه بالاستعاضة عن الأصابع المبتورة بأطراف ذكية، وتعتمد هذه التقنية على

قدرة تستخدم الرؤية لتمكين الطرف الصناعي من الإمساك بالأشياء تلقائياً عبر كاميرا تلتقط صورة الأشياء أمامها، وتعطي أوامرها للطرف الصناعي بالتحرك خلال أجزاء من الثانية، وبذلك فستكون قادرة على التحرك والتجاوب بذات المدة التي يستهلكها الطرف الحقيقي.

كان هذا الحل أقرب إلى قلبي، لكن عليّ الانتظار حتي تكبر طفلتي وتصل إلى مرحلة البلوغ، ليأخذ كفها وأصابع يدها الحجم والطول النهائيين.

لا تتوافر هذه التقنية في الشمال السوري، ويتراوح سعر الطرف الصناعي بين 900 إلى 2500 دولار أمريكي للطرف الواحد، وهو ما يجعل هذا الحل بعيداً عن متناول آلاف المبتورين في المنطقة، نتيجة الظروف المادية القاسية التي يعيشونها.

تلعب يارا أمام عيني وأنا أقلب صفحات المواقع الطبية، تمسك بأصابعها لعبتها وتحملها في وجهي، ربما تريد أن تخبرني أنها بخير، لكني لست بخير، أنا أبحث عن أصابع طفلتي وربما يكون الحل في مجهر واحد يريح عشرات المصابين.