قرار قضائي في فرنسا بمحاكمة (علي مملوك، جميل الحسن، عبد السلام الحسن)، للتواطؤ في جرائم حرب ضد الإنسانية
أصدر القضاء الفرنسي، في ٢٩ آذار 2023، أمراً بمحاكمة 3 مسؤولين كبار في النظام السوري بتهمة التواطؤ بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سوريا.
وجاء في بيان صحفي مشترك أصدرته كل من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ((LDH، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، صباح اليوم، أن قضاة التحقيق بقطب الجرائم ضد الإنسانية بمحكمة باريس، أمروا بتوجيه التهم لكل من علي مملوك (الرئيس السابق للمخابرات السورية، ومستشار الرئاسة الخاص لشؤون الأمن مدير مكتب الأمن الوطني حالياً)، جميل الحسن (مدير إدارة المخابرات الجوية) وعبد السلام محمود (رئيس فرع التحقيق في إدارة المخابرات الجوية في مطار المزة) للتواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قضية “الدباغ”، إذ قام، بحسب البيان، عملاء من المخابرات الجوية السورية في شهر تشرين الثاني 2013، باعتقال المواطن مازن دباغ ونجله باتريك، يحملان الجنسيتان الفرنسية والسورية، في مطار المزة العسكري بدمشق.
يعد هذا القرار، الأول في فرنسا، لمحاكمة كبار المسؤولين السوريين. ومن المرجح عقد المحكمة غيابياً نظراً لعدم وجود المتهمين ضمن الأراضي الفرنسية.
قرار القضاء الفرنسي جاء، بعد تقديم عبيدة الدباغ، شقيق وعمّ المواطنين المحتجزين، في عام 2016، شكوى بالاعتقال، غير المبرر، لمازن وباتريك، واختفائهما هناك، حيث نقلا إلى مطار المزة العسكري، وغياب أي معلومات عنهما حتى تموز 2018، إذ أصدر النظام السوري شهادات وفاة لهما (توفي باتريك في كانون الثاني 2014، ومازن في تشرين الثاني 2017). وصدور مذكرة اعتقال دولية بحق المتهمين الثلاثة، من قبل قضاة التحقيق في فرنسا، في تشرين الأول 2018.
وكانت دول أوروبية، مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا، قد شهدت نشاطاً في إدانة متورطين بجرائم ضد الإنسانية، إذ تبحث المحاكم الألمانية بأكثر من 12 قضية تتعلق بجرائم ارتكبت في سوريا، ونحو 10 في بلجيكا، وعدد من القضايا في هولندا. وكان أول حكم قضائي في ألمانيا قد صدر في عام 2019، من قبل المحكمة العليا في كوبلنز، ضد إياد الغريب بالسجن أربعة سنوات ونصف السنة، والسجن المؤبد لزميله أنور رسلان في عام 2022، وآخرها بالسجن مدى الحياة على موفق دواه من قبل محكمة برلين في عام 2023.
إلى جانب “مازن وباترك”، لقي مئات آلاف السوريين حتفهم منذ بدء الثورة السورية في عام 2011، بينما ما يزال مصير أكثر من 100 ألف معتقل في السجون السورية مجهولاً، في انتظار إخراجهم أو تحقيق العدالة بمحاسبة المتهمين عن تغييبهم.
. منذ فترة غير قصيرة علم الحاج محمد الحسون -المقيم في تركيا -أن عائلة من بلدة كفريا سكنت منزله في حي المرجة بحلب، الحي الواقع في الحزام الشرقي لمدينة حلب […]
منذ فترة غير قصيرة علم الحاج محمد الحسون -المقيم في تركيا -أن عائلة من بلدة كفريا سكنت منزله في حي المرجة بحلب، الحي الواقع في الحزام الشرقي لمدينة حلب والذي يغلب عليه طابع العشوائيات بنسبة تتجاوز الثمانين في المئة.
وفي مقابلة مع فوكس حلب يقول الحاج محمد الحسون: في البداية قلت إنه منزل من أرض وحجر، ولن يضيره أن يسكن فيه أي أحد، لكن تبين أن الأمر ليس بهذه البساطة وأنني على بعد خطوة من خسارتي المنزل.
حي المرجة في حلب يعتبر توسعاً مخالفاً لحي باب النيرب، ويقول الحاج محمد إنه مثل غيره في الحي ليس لديه سند ملكية، إذ شيده مطلع سبعينيات القرن الماضي عند انتقاله من ريف حلب الجنوبي إلى المدينة بغرض العمل، وذلك بعد أن اشترى قطعة أرض كانت كرم زيتون قسم مالكها الأرض إلى قطع وباعها للوافدين إلى المدينة، وكانت عمليات البيع على أساس الثقة دون عقد أو ثبوتيات.
قصة تهجير الحاج محمد وعائلته تشبه حد التطابق قصة تهجير مئات الآلاف من أبناء حلب الشرقية، والملايين من سكان سوريا أيضاً، سواء في نزوح داخلي أو لجوء خارج حدود الوطن، فإن هؤلاء الملايين تتشابه أوضاع العقارات السكنية للغالبية العظمى منهم أيضاً، وهم الأكثر عرضة لخسارتها.
السكن العشوائي
أولا: التعريف
ثمة الكثير من التعريفات لمناطق السكن العشوائي، ومنها التعريف الذي يقرر بأنها “تجمعات سكنية نشأت من دون تخطيط، في أماكن غير مرخصة وغير معدة للبناء أصلاً، لأنها مخالفة لنظام ضابطة البناء، ولأن الباني في معظم الأحيان لا يملك سنداً للملكية، إنما يكون متعدياً على أملاك الدولة، أو الأوقاف أو أملاك الغير، أو أنه يبني ضمن الأراضي الزراعية” وفق ما أورده مركز حرمون للدراسات.
ثانيا: النشأة
يتذكر الحاج محمد الحسون، لحظة انتقاله من القرية إلى مدينة حلب، وكان ذلك في بداية العام 1970 قائلاً: لم نكن في وضع سيء لدرجة لم تعد الحياة معها ممكنة، لكن كنا أمام فرصة لتحسين ظروفنا على مختلف الصعد، وقد شجعنا من سبقنا من الأقارب والمعارف على هذه الخطوة يومها، ولم يكن أبناء قريتنا الوحيدين الذين قرروا خوض غمار الحياة الجديدة، بل كان موجة واسعة شملت ريف حلب كله تقريباً، حيث توزع القادمون على أحياء أقاموها في تلك الفترة عند مداخل كل منطقة في محيط المدينة، بحيث يسهل عليهم التنقل بين مكان إقامتهم الجديد وقراهم التي ظلوا مرتبطين بها بشكل موسمي على الأقل.
وبالفعل فإن إحدى أهم السمات التي تغلب على مناطق السكن العشوائي في سوريا أن كل منها تحتضن جماعة معينة، سواء على أساس عشائري أو مناطقي أو طائفي أو عرقي، إذ يمكن بسهولة تمييز كل منطقة بناء على هوية الغالبية العظمى من سكانها، ففي دمشق، مخيم اليرموك يضم بالأساس اللاجئين الفلسطينين، وناحية جرمانا يقطنها الدروز القادمون من جبل العرب، والمزة 86 وعش الورور معظمها يقطنها العلويين.
أما في حلب فإن الهلك هي منطقة يغلب عليها التركمان، والأشرفية والشيخ مقصود سكانهما من الأكراد، وبستان الباشا كانت مركز الفقراء الأرمن، بينما يقطن منطقة طريق الباب حتى المطار، القادمون من ريف حلب الشرقي، وينتشر أبناء الريف الجنوبي بين كرم الميسر والأنصاري، فيما تجمع القادمون من الريف الغربي بحي صلاح الدين، وهكذا.
ماسبق، سهّل المهمة، لاحقاً لاسيما بعد الثورة السورية. على النظام السوري في تعميم ممارساته تجاه منطقة بعينها، انتقاماً أو مكافأة، من خلال الاعتقالات بداية مروراً بالقصف وصولاً إلى محاولات استثمار حزم القوانين والتشريعات لسلب الأملاك.
ثالثا: الآليات
يأخذنا الحاج محمد إلى بدايات نشوء حي المرجة، يقول إن الحي كان حين وصوله مجرد كروم وبساتين، وهو واقع ينسحب على جميع أحياء ومناطق ما بات يعرف بحلب الشرقية، ويضيف أن مالك إحدى الأراضي وكانت مزروعة بالزيتون، قسم المزرعة وبدأ بيعها للوافدين.
ويكمل، بدأنا البناء دون التفكير حتى بالحصول على أي ترخيص، وما تزال هذه المناطق مسجلة حتى اليوم على أنها أراض زراعية، إلا أن بناء أحياء بالكامل، دفع الدولة حينها إلى تزويد المنازل بالمياه والكهرباء، ولاحقاً تم تخديمها بالصرف الصحي، ثم شق الطرقات وتزفيتها، وأصبحت بوضع مقبول نسبياً، لكن توسعة هذه المناطق لم تحظ بمثل هذه الخدمات، فحي المرجة بات يتبع له حي البلورة والشيخ لطفي على سبيل المثال، وبالقرب منه حي كرم حومد، وغيرها من الأحياء، وجميعها تجمعات سكنية جديدة ظلت دون خدمات، ولا زال حالها أكثر بؤساً من غيرها.
رابعا: التقسيم القانوني
بحسب عضو نقابة محامي حماة الأحرار، والمهتم بتوثيق الانتهاكات العقارية في سوريا، عبد الناصر حوشان، فإن الوضع القانوني للأراضي التي نشأت عليه العشوائيات تنقسم إلى ما يلي:
١ – الأراضي ذات الصفة الزراعية
أي الأراضي التي يحظر القانون تشييد المساكن عليها إلاّ وفق شروط خاصة جدًا، وبالتالي فهي أراضٍ غير مسموح لأصحابها أو غيرهم بتشييد المنازل عليها بقصد السكن، والتي يمكن وضعها في الفئات التالية:
الفئة الأولى: أراضٍ زراعية يقوم ملّاكها بتقسيمها وبيعها من دون أي موانع قانونية.
الفئة الثانية: أراضٍ زراعية مستملكة وفق قانون الاستملاك لصالح الوحدة الإدارية، يقوم ملّاكها بتقسيمها وبيعها لمن يرغب فيها من السكان استنادًا إلى سندات التمليك التي يحوزونها.
الفئة الثالثة: أراضٍ زراعية ” بديلة ” مستملكة من قبل محافظة دمشق، تم تقسيمها من قبل الوحدة الإدارية إلى مساحات صغيرة ووُزعتها على السكان الذين تم ترحيلهم من بعض الأحياء المخالفة لضرورات التوسع في خدمات المدينة.
الفئة الرابعة: أراضٍ زراعية مملوكة، تم وضع اليد عليها من قبل بعض السكان في أحوال طارئة (حرب 1967) أقام النازحون عليها مساكنهم دون تعويض مالي لأصحابها (مثل منطقة نهر عيشة في دمشق).
٢ – أراضي الأملاك العامة
وهي أراضٍ ليست ملكًا شخصيًا، كبعض التلال والسفوح المحيطة بالمدن والوحدات الإدارية والتي تم الاستيلاء عليها عن طريق “وضع اليد” كما هو حال الأحياء التي بنيت على سفح جبل قاسيون بدمشق.
٣ – الأراضي الحدودية:
تشمل مخالفات البناء على الأراضي المصنّفة أراضي حدودية ، ومخالفات البناء بدون ترخيص.
٤ – الأراضي الحراجيّة
وتشمل الأراضي التي ينبت عليها الحراج طبيعياً أو بمجهود بشري والأراضي المخصصة للحراج.
خامسا: أسباب التوسع والنمو
أرجع تقرير السكان الأول عن “حالة سكان سورية” الصادر عن (الهيئة السورية لشؤون الأسرة عام 2008) توسع ونمو ظاهرة السكن العشوائي في سوريا إلى جملة من العوامل أبرزها: قصور عملية التنمية، وافتقاد الرؤية التخطيطية بعيدة المدى، فضلاً عن أن القصور في التخطيط وفي إنجاز المخططات التنظيمية للمراكز الحضرية والمدن، نجم في جزء أساس منه عن آليات الفساد المستشرية ودور المتنفذين الباحثين عن الثراء السريع.
ويكاد يكون هناك اتفاق على أن نقطة التحول جاءت بعد قرار اتخذه حزب البعث في اجتماع اللجنة المركزية عام 1982، القاضي بتقديم الخدمات الأساسية لمناطق السكن العشوائي.
بل إن هذا القرار أوحى إلى الجميع بأن الدولة منحت هذه المناطق مظلة الحماية ونوعاً من الشرعية. وقد شجع ذلك تجار المخالفات على مضاعفة حجم أعمالهم، نظراً لارتفاع الطلب على هذه المساكن، مما ساعد في انتشار مناطق السكن العشوائي في سورية بشكل انفجاري وكارثي.
وترى ورقة بحثية بعنوان مناطق السكن العشوائي، نشرها مركز حرمون للدراسات المعاصرة، عام 2021،”إن غاية قيادة حزب البعث من هذا القرار هي تيسير ظروف السكن لمجاميع المتطوعين بالجيش الوافدين بمعظمهم من القرى الساحلية، لأن الضباط الذين حرضوهم على السكن في هذه المساكن حريصون على استقرار هؤلاء، ولهذا تم تمرير هذا القرار من الحزب القائد للدولة والمجتمع”.
نظرة على الأرقام
بحسب دراسة بحثية أعدّتها المديرية العامة للمؤسسة العامة للإسكان في العام 2007 فإن حجم السكن العشوائي على الشكل التالي:
–على المستوى الإجمالي الوسطي تشكل مناطق السكن العشوائي ” سكان، مساكن “بحدود 15 -20% من الإجمالي في سوريا، ريف وحضر ، و بحدود 25 -30% بالنسبة لمراكز المدن.
–ترتفع هذه النسبة إلى ما يزيد عن 30 إلى 40% في مراكز المدن الرئيسية.
– بلغ عدد المساكن في مناطق السكن العشوائي للمناطق المدروسة 486291 مسكن، ويمكن تقدير عددها الإجمالي الكامل بما يقارب 500 ألف مسكن، تعادل كقيمة عقارية بين 300 إلى 400 مليار ليرة سورية ( قبل الثورة).
– باعتماد معدل وسطي للكثافة السكانية في هذه المناطق 450 شخص/ هكتار، وعدد سكان إجمالي تقديري لهذه المناطق 2,500,000 نسمة، وبلغ عدد السكان المناطق المدروسة 2,423,056نسمة ، فيمكن تقدير المساحات التي تشغلها هذه المناطق بـ 5555 هكتاراً .
– من خلال مؤشر عمر المساكن في العشوائيات، يمكن استنتاج أن 55% من هذه المساكن شيدت في الفترة من 1965 و 1990، في مقابل 37 % تقريباً شيدت بعد عام 1990 وهذا يدل على التوسع السريع لهذه المناطق في ظل غياب المعالجات الجدية والبدائل .
السكن العشوائي وحزمة القوانين والتشريعات
أولاً: ما قبل عام 2011
كثيرة هي النصوص القانونية التي صدرت قبل الثورة من أجل معالجة أو احتواء ظاهرة السكن العشوائي، كما تتعدد مجالات عمل واختصاصات كل منها، ورغم أن المشرع بدا وكأنه يعمل على الاستجابة لجميع أوجه المشكلة من خلال هذا الكم الهائل، إلا أن الواقع أثبت أن الإفراط في الكم لم يزد المشكلة إلا تعقيداً.
بعض هذه القوانين عنيت بإزالة الشيوع والتعديات، وبعضها خصص لمنع إقامة أبنية مخالفة، ومنها ما خصص لتنظيم عمليات الهدم، وأخرى صدرت لمعالجة تشوهات المخططات التنظيمية التي تسبب بها السكن العشوائي، وهناك قوانين صدرت لتحسين الخدمات فيها، لكن النتيجة التي لا يمكن تجاهلها بأي حال هي أن الظاهرة استمرت بل وتفاقمت بشكل كبير بمرور الوقت.
والذي حدد في مادته الأولى صفات الأبنية المخالفة الواجب إزالتها، وخصوصاً تلك المتجاوزة على التخطيط المصدق والواقعة ضمن الأملاك العامة أو إذا تجاوزتها، والمشوهة للمنظر العام، وغير الحائزة على المتانة الكافية، مستثنياً في مادته الثانية بقية الحالات مع فرض غرامة على أصحابها.
وهو قانون تقسيم وعمران المدن وقد بين الباب الأول وجوب توفر مستندات ملكية ثم فصّل فيما يجب أن تراعيه مخططات التقسيم، وقد اعتبر في مادته السابعة أن أي بناء مشيد خلافاً لهذا القانون فهو واجب الهدم، ومضى في فصوله اللاحقة يوضح تفاصيل إحداث المناطق التنظيمية وعمليات التقدير وحل الخلافات، وقد ألغي هذا القانون بعد نحو نصف قرن بمفعول القانون ٢٣ لعام ٢٠١٥.
وهو قانون إعمار العرصات، المقصود بها كل أرض معدة للبناء أو ما هو في حكمها، حيث حدد شروط البناء على المقاسم والعقارات، وكذلك حدد سجلاً مؤقتاً يتضمن أسماء طالبي الترخيص مع أوصاف العقار وعقود البيع الأول أو اللاحقة له، واعتبر القانون أي بيع خارج هذا السجل هو بيع باطل واحتيال يعاقب عليه البائع أصيلاً أو وكيلًا. تم تعديل هذا القانون من خلال القانون 59 لعام 1979، وإلغائه تماماً بالقانون رقم 82 لعام 2010 .
وهو قانون التوسع العمراني والذي حدد بمادته الأولى مناطق التوسع العمراني، إلا أن مستلزمات تطبيق القانون لتحقيق غاياته لم تتوفر، وكذلك قيام مالكي الأراضي بالتهرب من تطبيقه من خلال فرز أراضيهم خلافاً للتخطيط المصدق وبيعها وفق أسلوب الأسهم، ولاحقاً جرى تعديل القانون وفقا للقانون 26 لعام 2000. وأُلغي القانونان بموجب القانون 23 لعام 2015
القاضي بإزالة الأبنية المخالفة ومخالفات البناء كافة ومهما كان نوعها بالهدم وذلك مع مراعاة أحكام المواد 6/7/11 من هذا المرسوم التي تنص على أن يصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة قراراً يتضمن تحديد أنواع المخالفات القابلة للتسوية وإمكانية معالجة أوضاع المخالفات في مناطق السكن العشوائي القائمة قبل تاريخ نفاذ القانون رقم 1 لعام 2003 مع الاحتفاظ بأحكام القانون 26 لعام2000.
وهو قانون التطوير والاستثمار العقاري، والذي يعده الكثير من الحقوقيين والمتخصصين، أكثر القوانين الصادرة قبل عام 2011 خطورة، بوصفه أكثر القوانين تركيزاً و وضوحاً، والذي بموجبه لاحقاً ترتبت عليه مخاطر جسيمة بالنسبة للمهجرين من سكان مناطق المخالفات.
في المادة الثانية من هذا القانون استُحدثت الهيئة العامة للتطوير والاستثمار العقاري، والمرتبطة بوزير الإسكان والتعمير، وقد أسند إليها بموجب المادة الثالثة مهمة معالجة مناطق السكن العشوائي. والتي تحولت فيما بعد إلى سيف مسلط على رقاب المعارضين أو من تريد السلطة وضعه في هذه الخانة إرضاء لجهود ممنهجة في سلب الأملاك.
ولتسليط الضوء على زخم القوانين ذات الصلة قبل عام 2011 أحصى فوكس حلب القوانين والمراسيم الإضافية التالية:
القانون 34 لعام 2010، تعديل قانون التطوير والاستثمار العقاري.
ب – أنواع المخالفات
وفق ما سبق، فإن القانون السوري حدد الأنواع التالية للمخالفات:
أولا: مخالفات خاضعة للإزالة:
1- مخالفات التجاوز على المخطط التنظيمي المصدق.
2- البناء على عقار يقع ضمن الأملاك العامة أو أملاك الدولة الخاصة ضمن الحدود الإدارية أو متجاوزاً عليها.
3- إذا كان البناء مشوهاً للمنظر العام ويعود تقدير ذلك للجنة فنية مختصّة.
4- إذا كان واقعاً ضمن المناطق الصادر بها صك استملاك أو ضمن مناطق التنظيم أو الممنوع عليها البناء.
5- إذا كان غير حائز على المتانة الكافية بحالة قد يتعرض معها البناء للانهيار وذلك بالاستناد إلى تقرير الدائرة الفنية.
6- إذا كان متعارضاً مع نظام البناء بإضافة طابق أو أكثر أو جزء من طابق غير مسموح ببنائها وفق نظام البناء النافذ أو تفريغ الأرض كلياً أو جزئياً أسفل الأبنية القائمة أو تعديل في الجملة الإنشائية، وفي هذه الحالة يعاد الوضع إلى ما كان عليه حسب الترخيص الممنوح.
ثانيا: المخالفات القابلة للتسويّة:
حدد القانون السوري الأبنية المخالفة القابلة للتسوية بتلك التي يحق للمجالس المحلية أن تستعيض عن هدمها بفرض غرامة على مرتكب المخالفة على أن تعادل الغرامة المفروضة ضعف المنفعة التي جناها المخالف أو كان في استطاعته جنيها، وتحدد هذه المنفعة بالزيادة التي طرأت على قيمة العقار أرضاً وبناء بسبب المخالفة، على أن تسوى المخالفات القائمة في مناطق السكن العشوائي بعد تأهيلها وتسوية أوضاع الملكيات القائمة عليها وإدخالها في المخطط التنظيمي بعد استيفاء الرسوم المقررة في القوانين والأنظمة النافذة.
ج – قوانين لم تغير شيئاً
كل تلك القوانين سابقة الذكر لم تتغير معها حقيقة أن هذه العقارات والمساكن ظلت خارج الاعتراف القانوني بها، إذ لم تخضع بأي حال لقانون السجل العقاري الذي يعتبر “المرجع الأساسي لتوثيق وحماية الملكية العقارية في سوريا”. وبطبيعة الحال، فإن مناطق السكن العشوائي ليست موثقة في السجل العقاري، كمبان وشقق سكنية على الأقل، وجزء منها غير ملحوظ نهائياً فـي تلك السجلات، ويلجأ أصحاب الحقوق فـي هـذه الحالة إلى العقود العرفية التي لا تكتسب أي صفة رسمية.
الجزء الأكبر من تلك العقارات مسجل كأراض زراعية وتأخذ شكل ملكيات على الشيوع، أي يكون العقار ملكاً لأكثر من شخص، وتكون ملكية كل واحد منهم عبارة عن حصة سهمية ضمن عقار غير مفرز. وحيث أن توصيف العقار بالسجلات العقاريـة، فـي أغلب الحالات، يكون على شكل أرض زراعية، يصبح من غير الممكن تثبيت/تسجيل أي أبنية أو إنشاءات تقام عليها.
ومثال على ذلك: حي جبل بدرو شرقي مدينة حلب، وهو حي عشوائي يقع داخل المخطط التنظيمي للمدينة، يجسد الحي بشكل صارخ أثر التباين بين محتوى السجلات العقاريـة وواقعها على الأرض. في هذه المنطقة تبلغ مساحة العقار الواحد وسطيا 40,000 م مربع، ويصل عدد المالكين إلى 500 مالك للعقار الواحد، فكل مالك يملك شقة سكنية غير مرخصة، أي موجـودة فـي الواقع وغير موجودة على السجل العقاري، وفق ما أوردته دراسة بعنوان “العشوائيات في سوريا: حصاد عقود من التجاهل”، التي نشرتها منظمة اليوم التالي، في كانون الأول 2020.
د – تثبيت الحقوق
بناء على مسابق،كان أصحاب المساكن العشوائية والمتعاملين بها يلجؤون إلى استصدار أحكام قضائية أو تسجيل إقرارات بيع وتنازل أمام المحاكم بعد إقامة دعوة قضائية شكلية، تنتهي بتوثيق إشارة دعوى في السجل العقاري. وبالنتيجة فلا يبقى ما يشير إلى حقوق الملكية في مناطق السكن العشوائي إلا مجرد إشارة دعوى قضائية موضوعة على صحيفة هذه الأرض الزراعية ضمن الآلاف من إشارات الدعاوى الأخرى.
يمكن القول إن ظاهرة الملكيات على الشيوع، والتي شكلت أبرز مظاهر التفاوت بين واقع الملكيات العقارية في البلاد وصورتها في السجلات الرسمية شكلت أيضا طريقة غير رسمية لتوثيق حقوق الملكية في مناطق السكن العشوائي. ورغم الثغرات التي تشوب طريقة التوثيق تلك، إلا أنها كانت الأكثر اتباعاً في مواجهة الاستعصاء القانوني الذي تمثله حالة مناطق السكن العشوائي”. وفق ما ورد في المصدر السابق.
الطريقة الأخيرة التي كان يلجأ إليها المتعاملون لتثبيت حقوقهم في مناطق السكن العشوائي، هي وثائق دائرة الكاتب بالعدل، والتي تقوم مهمتها على تثبيت وقائع التوكيل والبيع والتنازل وغيرها من العمليات التي تتم داخلها بين المتعاملين. لكن تلك الوثيقة تبقى غير مرتبطة بالسجل العقاري، ولا تحتاج هذه الوكالات إلى مطابقة أوصاف العقار في السجل العقاري وأوصافه على الحقيقة.
هـ – معضلة المخططات التنظيمية
بينما توصف حزمة القوانين والتشريعات السابقة على عام 2011 بهذه الخصوص بأنها “استراتيجيات قاصرة لحل هذه الإشكاليات”، حيث لم تتمكن خطط الحكومة من مواجهة الطلب الهائل للمسكن، ولم تبحث عن الحلول السريعة لإنجاز المخططات التنظيمية. وقد أدى ذلك إلى ندرة الشقق النظامية، ولجوء المواطن إلى تجار المخالفات لسد حاجته بالسكن، وأسهم ذلك في توسع العشوائيات.
وبالفعل فإن الحديث عن تأخر إصدار المخططات التنفيذية ينكأ جروح الذاكرة لدى الحاج محمد الحسون، الذي يروي لفوكس حلب كيف عاش هو وجميع سكان أحياء المخالفات سنوات طويلة من القلق والترقب، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي حتى اندلاع الثورة عام 2011 بانتظار صدور التعليمات التنفيذية والتفصيلية للمخطط التنظيمي للمدينة لكن دون نتيجة.
ويقول: توقف كل شيء بانتظار صدور المخطط التنظيمي الجديد لمدينة حلب، وحتى عام 2000 تقريباً لم يكن أحد مستعداً لصرف قرش إضافي جديد على منزله لخشيته من صدور تعليمات هذا المخطط وتنفيذ عمليات الهدم والترحيل، كما أن حركة البيع والشراء توقفت بشكل شبه كامل في تلك الفترة لأن أحداً لم يكن يدري أي العقارات واقعة داخل المخطط وأيها خارجه، لكن بعد ذلك لم يجد الناس بداً من تجاهل هذه المسألة والتصرف على أساس أن المخطط التنظيمي مجرد مزحة أو كذبة.
يتحدث الحاج محمد هنا عن المرار الذي عاشه سكان معظم مناطق الحزام الشرقي لمدينة حلب التي نشأت ضمن ظاهرة المخالفات في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث بقي المخطط التنظيمي فيما يتعلق بهذا الجزء من المدينة شبه سري تقريباً، وخاضع للتلاعب من قبل المتنفذين بالسلطة من أجل تجيير تطبيقه في النهاية لصالحهم.
تأخر المخططات التنظيمية بحسب فراس المصري، العضو السابق في مجلس محافظة حلب، مرده هـو فساد المؤسسات الإدارية. ويضيف المصري في الورقة البحثية المنشورة في موقع اليوم التالي إنه: و “بعد صدور المخططات التنظيمية والتي تعتبر مخططات عامة، يجـب أن تصدر المخططات التفصيلية والتي تأخذ وقتاً طويلاً قد يمتد لسبع سنوات أو أكـثر، نتيجة الأنظمة والقوانين المعقدة،، فإن تلك العملية لم تكن تتم بمنأى عن تدخلات الأجهزة الأمنية، وحتى بعد صدورها، لا يمكن البـدء فـي أعمال الإنشاء ما لم يصدر (نظام ضابطة البناء) الـذي يسمح بالبناء و الذي يأخذ بدوره وقتا طويلاً هو الآخر” .
يذكر المصدر مثالاً عن مدينة حلب، فقبيل صدور المخطط التنظيمي للمدينة عـام 1979، قام رئيس البلدية مع مجموعة شركاء بشراء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غرب المدينة بأسعار زهيدة، ثم وجهت المخططات التنظيمية للتوسع نحو الغرب لتشمل الأراضي التي تم شراؤها، ولاحقاً قام أولئك المقاولون ببناء هذه الأراضي وبيعها بأسعار باهظة.
ويضيف المهندس فراس المصري: إذا نظرنا اليوم إلى خارطة مدينة حلب الحالية، نجد أن التوسع العمراني المنظم في غرب مدينة حلب، فيما تتواجد مناطق السكن العشوائي في شمال وشرق وجنوب مدينة حلب، وهذه المناطق لم تصدر مخططات تنظيمية لها إلا بعد نشوء أماكن السكن العشوائي.
ثانياً: ما بعد عام 2011
في مادة سابقة، تناول فوكس حلب في مادته المعنونة ” أرقام وإحصائيات.. شهية النظام المفتوحة على قوانين العقارات في سوريا” تشريحاً أولياً لطبيعة حزم القوانين من حيث أنواعها وفئاتها وارتباط إنفاذها بمناطق دون أخرى، فيما اصطلحنا عليه الفرصة الذهبية، التي استفادت من حجم عمليات التهجير والدمار والتغييب القسري والقتل، وقد أحصى فريق العمل نحو 430 مرسوماً وقانوناً وقراراً.
لتخلص المادة إلى أن القوانين تحولت إلى أداة استخدمت بذرائع متعددة منها التنظيم العمراني ومكافحة الإرهاب وإزالة الأنقاض، لتحقيق غايات منها معاقبة المناوئين والتغيير الديمغرافي ومكافأة الحلفاء من مافيات وذوي القتلى وإيجاد مصادر دخل إضافية للنظام.
بموجبه تم إحداث منطقتين تنظيميتين ضمن المصور العام لمدينة دمشق، الأولى: تنظيم منطقة جنوب شرق المزة والثانية: تنظيم جنوبي المتحلق الجنوبي، وأبرز الانتقادات تمثلت في اعتباره ذريعة لتنظيم العشوائيات في الوقت الذي استثنيت مناطق عشوائية قريبة منها مثل مزة ٨٦ التي تضم أغلبية موالية للنظام.
قانون إزالة مخالفات البناء للحد من من البناء العشوائي والمخالف لنظام ضابطة البناء، والقوانين الأخرى التي تحدد وتصف الأبنية داخل المدن والبلدات والقرى من حيث ارتفاعها ومساحتها ومواصفاتها الهندسية اللازمة، ومدى متانتها وملاءمتها للشكل العام. إلا أن القانون فتح الباب واسعا أمام الرشاوى والفساد للتغاضي عن تنظيم المخالفات اللازمة والانتقائية في تطبيقه بحسب المنطقة.
الذي يحدد حالات السماح وعدم السماح لمالكي الأراضي الكائنة ضمن حدود المخطط التنظيمي، ورغم أن المرسوم يمنح في ظاهره الحرية للمالك بالتصرف في عقاره حتى لو كان ضمن المخطط التنظيمي، لكنه فعلياً وضع استثناءات تقيد المالك وتحرمه من التصرف ذلك.
يهدف إلى إحداث مناطق تنظيمية تضم مجموعة من العقارات بدمجها واعتبارها شخصية اعتبارية جديدة تؤلف الأملاك فيها ملكًا شائعًا بين جميع أصحاب الحقوق، وتفرض المادة (11) منه العقوبة على كل من يقوم بتقسيم أرضه خلافًا لأحكام هذا القانون بالعقوبات المنصوص عليها في قانون مخالفات البناء النافذ، وتعد الأبنية المشيدة على العقارات المقسمة خلافًا لأحكام هذا القانون واجبة الهدم. وأبرز الانتقادات لهذا القانون أنه يهدر حقوق المخالفين الذي بنوا فوق أراضي الأملاك العامة أو الخاصة أو المشترين منهم، إذ يقتصر حقهم على أخذ أنقاض أبنيتهم ولا يحق لهم سوى ذلك، وفقًا للمادة (51).
الظروف التي تعيشها سوريا غير ملائمة لتطبيق هذا القانون، نظرًا لغياب شريحة كبيرة من المالكين، مثل المعتقلين والمهجرين والمطلوبين أمنيًا، مما يستحيل مثولهم من أجل تقديم الثبوتيات ومستندات الملكية أو حضورهم للتصريح بحقوقهم وفق ما نصت المادة (18) من القانون، إلى جانب تخوف أقارب المهجرين والمطلوبين من تمثيلهم.
القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012. ويعد هذا القانون أكثر القوانين خطورة وإثارة للجدل، وجاءت الانتقادات عليه جارفة حتى من دوائر صنع قرار عالمية ومسؤولين أممين ومنظمات حقوقية دولية مستقلة.
ومن جملة ما أثير بشأن هذا القانون أن معظم المناطق المقصودة بالتنظيم هي عشوائيات، حيث الملكيات غير مُسجَّلة في سجل عقاري، وإنما يتمّ إثباتها بطرق مختلفة (فواتير الماء والكهرباء والهاتف)، أو وثائق غير رسمية مُوقَّعة بين أطراف تداولت شراء هذه العقارات، مع بقاء ملكية العقار -ومعظمها زراعي -باسم المالك الأصلي المتوفّى منذ عقود، وورثته لا يمكن تحديدهم ولهم الحق بالمطالبة بحقوقهم إضافة لحقوق واضعي اليد، أي أن الأمر يحتاج لمستويين من حصر الإرث على الأقلّ: للمالكين الأوليين أو الأصليين، وللمالكين بحكم وضع اليد، ومعروف أن هذه العمليات تستغرق وقتاً طويلاً يتجاوز عدة سنوات لإنجازها.
يختص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة نتيجة أسباب طبيعية أو غير طبيعية أو خضوعها للقوانين التي تقضي بهدمها. من أوجه مخاطر هذا القانون تكريسه للقانون رقم 10 لعام 2018 آنف الذكر، والذي يحول مناطق بالكامل إلى أراض خالية، وفي حالة العشوائيات تعود إلى وضعيتها السابقة، مما يفتح الباب واسعاً أمام خسارة العقارات وخصوصاً في ظل ضياع أدلة إثبات ملكية المساكن في حالة فقدان المالك سندات الملكية.فيسهل على الوحدة الإدارية التحكم بمصير هذه المساحات الخالية.
الثورة: خط فاصل في قضية العشوائيات
المحامي السوري عبدالناصر حوشان، وبناء على العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت حزمة القوانين الصادرة بعد عام 2011 بما يتعلق بالسكن العشوائي ومخالفات البناء خرج بالملاحظات التالية:
أولا: القوة القاهرة
القوانين الصادرة بعد عام 2011 لا تستند الى أسباب موجبة معقولة أو مقبولة قانونيّاً، لأنها استنساخ للقوانين السابقة مع إجراء تعديلات جوهريّة من الشروط و المهل القانونيّة، بهدف استغلال ظروف ” الحرب ” كقوة قاهرة لعدم تمكين أصحاب الحقوق من ممارسة حقوقهم الأساسية “التصرّف أو الحماية أو استردادها”، أو حتى ممارسة حق الاعتراض القانوني على الإجراءات الإدارية التي تتخذها السلطات الإدارية والتي تمسّ أصل هذه الحقوق.
ثانيا: العقاب الجماعي
من خلال استعراض مناطق السكن العشوائي التي طالتها الإجراءات التعسفيّة، وعمليات الهدم و التدمير، والتركيبة الاجتماعيّة للسكان وانتمائهم الطائفي، وجدنا أن أغلب المناطق التي تم استهدافها هي مناطق شهدت “مظاهرات أو احتجاجات” ضد النظام، بينما على الضفة الأخرى نشطت عمليات البناء و التوسع في العشوائيات التي تقطنها تجمعات موالية للنظام، وبهذا يمكن وصفها بأنها مظهر من مظاهر العقاب الجماعي ضد كل من عارض هذا النظام.
ثالثا: فريسة التطوير العقاري
لوحظ أن قوانين ما بعد 2011 حوّلت مناطق السكن العشوائي جميعها الى ملكيات على الشيوع، رغم وجود مناطق منظّمة أصولاً و وليست ضمن تصنيفات السكن العشوائي (مثل حي وبلدة جوبر بريف دمشق)، وفتحت الباب أمام شركات التطوير العقاري “السورية وغير السوريّة” والشركات القابضة التي تتبع الوحدات الإدارية، للدخول في مشاريع التنظيم والتطوير العقاري وتقاسم هذه العقارات مناصفة عن طريق لحظ 50% من ملكية هذه للمنشآت العامة و استملاكها بموجب قانون الاستملاك رقم “24” لعام 1983، و تمكين المطوّر العقاري “السوري و الأجنبي” من تملّك العقارات المذكورة سواء بالاتفاق مع المالكين على الشيوع، أو عن طريق البيع بالمزاد العلني في حال عدم إمكانيّة إزالة الشيوع الاختياري.
الهروب إلى البيع
دأب النظام السوري بعد عام 2011 على تعديل أو إلغاء قوانين متصلة بالعقارات، في حين أبقى على تلك التي يمكن من خلالها استغلال ظروف الحرب والدمار والتهجير، للوصول إلى الغاية الأكبر.
مثال ذلك، الإبقاء على قانون التطوير والاستثمار العقاري رقم 15 لعام 2008، وتفعليه بدرجة أكبر حتى من وقت صدوره إلى حين اندلاع الثورة، إذ “منح هذا القانون صلاحيات واسعة للهيئة العامة للتطوير والاستثمار العقاري، منها ما نصت عليه الفقرة 2 من المادة 5، المتعلقة بهدم وإعادة بناء أو تأهيل أو تجديد مناطق سكنية قائمة، ولم يمنح هذا القانون أي حماية لأصحاب المساكن والشقق الواقعة ضمن مناطق العشوائيات، لأنه اعتمد على مبدأ “المسح الاجتماعي” لتحديد حق الحائز على ملكية سكنه، وهو ما تناولته الورقة البحثية المنشورة في موقع اليوم التالي، المذكورة سابقاً.
خطورة هذا المبدأ في أن المسح لاجتماعي -في حال تطبيقه في الوقت الراهن -سيحرم معظم المهجرين والنازحين واللاجئين من أي حق في المساكن الواقعة ضمن العشوائيات، بسبب غيابهم عند إجراء عمليات المسح الاجتماعي، وعندئذ يتم تثبيت الحق بالمسكن (للساكن العرضي)، أو للحائز الذي يصدف وجوده أثناء المسح، وسيؤدي ذلك إلى حرمان المالكين الحقيقيين للمنازل، وإعطائها للجماعات الموالية للحكومة الذين يشغلون هذه البيوت في الوقت الراهن”.
عند عرض ما سبق على الحاج محمد أكد أن هذا هو الخطر ومكمن القلق والأرق الذي يتغشاه خلال الأشهر الماضية، والذي بدأ حين شاهد صدفة على التلفاز محامياً يحذر من خطر حقيقي يهدد أملاك المهجرين والنازحين واللاجئين من مناطق العشوائيات.
وعلق الحاج محمد قائلاً: أنا غير قادر على إخراج السكان المقيمين في بيتي حالياً لأني غير موجود في حلب بسبب موقفي السياسي من النظام، أضف إلى ذلك أن العائلة التي تسكن بيتي تنتمي للطائفة الشيعية، والمدعومة ليس فقط من النظام، بل ومن الميليشيا التي تسيطر علي حينا (حي المرجة) وهي ميليشيا لواء الباقر.
ومن ناحية أخرى، يضيف الحاج محمد أنه غير قادر على التصرف بالبيت أو ما تبقى منه، جراء تضرره جزئياً من القصف، وأيضا غير قادر على التصرف بالأرض التي بني عليها لأنه لا يملك إثبات ملكية، حاله حال معظم أو جميع سكان المنطقة، بل وجل سكان العشوائيات في سوريا.
وحين سألنا الحاج محمد عن الحلول، قال إن جميع الحلول غير مفيدة، فهو حتى لو استطاع إخراج العائلة بدفع مبالغ مالية كبيرة للميليشيات المتنفذة في المنطقة، إلا أن عدم قدرته على الوجود في البيت لن تحل المشكلة. ويضيف: “لم أجد سوى البحث عن مشتر يمكنه أن يدفع لي ثمناً مناسباً ويقبل، في الوقت نفسه، بتحمل مسؤولية إخراج القاطنين الحاليين في منزلي، لكن المفاجأة كانت بالسعر البخس جداً الذي عرض علي، والذي لم يتجاوز ثمانية ألاف دولار أمريكي، بينما كان سعر المنزل قبل الثورة نحو خمسين ألف دولار”.
الحاج محمد هو من بين مئات الآلاف من سكان مناطق المخالفات ممن هجروا من منازلهم بعد العام 2011، الذي اضطروا إلى خيار عرض منازلهم للبيع بأي شكل تجنباً لخسارة كل شيء، إذ شهدت السنتان الماضيتان حركة متصاعدة في سوق العقارات بهذه المناطق، مع إقبال الكثيرين على هذا الحل، كما تم رصد عدد كبير جداً من الإعلانات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تعرض عقارات في أحياء حلب الشرقية للبيع بأسعار زهيدة، الأمر الذي يرى فيه المحامي عبد الناصر حوشان أنه إحدى نتائج التضليل المتعمد الذي لجأ إليه النظام ومشغليه من أجل استكمال مشروع التهجير والتغيير الديموغرافي والاستيلاء على أملاك وعقارات السوريين.
النظام اتخذّ من عمليات المسح الاجتماعي في قانون التطوير العقاري وسيلة لفرز المعارضين من الموالين وإعداد الخطط التي تضمن تجريد المعارضين من حقوقهم في مناطق المخالفات، سواء كانوا مالكين أو حائزين، من خلال تخصيص السكن البديل على أساس نتائج المسح الاجتماعي، وبالتالي لا يمكن للمتضرر من المهجّرين من عملية المسح الوصول إلى القضاء للمطالبة بحقوقه في ظل النظام القائم، إلا أن هذا محصور فقط في مناطق التطوير العقاري، أما المناطق الأخرى فتحكمها نصوص مختلفة، وجميعها بدايات مختلفة تؤدي إلى نهاية وغاية ومصير واحد، تجريد الناس من أملاكهم، أو دفعهم إلى بيعها لمنظومة النظام يرعاها ويديرها، بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل من سبيل لحماية الأملاك في مناطق العشوائيات؟
من أهم النصوص القانونية التي تُنظِّم أحكام “أسباب كسب الملكيّة و أسباب نزعها” المادتان ” 825 و 826 ” من القانون المدني، والتي بحسبهما فإن أسباب اكتساب حق التسجيل في السجل العقاري بالأسباب الآتية: بالإرث والهبات والاستيلاء وبالتقادم المكسب وبالعقد.
أما إذا كان البناء المخالف مقام على على عقار ليس له مالك، فقد نظم المشرع السوري أحكام الاستيلاء على هذا العقار في المواد من 832 إلى 835 من القانون المدني، والتي يمكن إجمالها بما يلي:
1- ملكية الدولة للأراضي غير المزروعة غير المملوكة لأحد.
2-الالتصاق: الالتصاق أو ما يسمى أيضاً بالإلحاق أو الاتصال، هو اتحاد أو اندماج شيء بآخر متمايز عنه اتحاداً أو اندماجاً مادياً، بحيث يتعذر بعده فصل بعضهما عن بعض من دون تلف يلحق بكليهما أو بأحدهما. ومن وجوهه أن البناء في أرض الغير بمواد مملوكة للباني: إذا شيد شخص أبنية على أرض الغير، أو غرس فيها غراساً بمواد أو غراس عائدة له فإن مالك هذه الأرض يصبح مالكاً لهذه الأبنية أو الغراس بالالتصاق.
وقد حصر المشرع الإفادة من هذه الأحكام بالباني أو الغارس حسن النية، و معيار حسن النية ولا أهمية لتغير هذه النية بعد ذلك، كما أن الأصل في الباني أنه حسن النية، ومن يدع غير ذلك عليه إثبات ما يدعيه.
3–الوعد بالبيع العقاري: نظمّت أحكامه المواد ” 899 الى 901 ” من القانون المدني، وبما أن الكثير من الأراضي التي شيدت عليه أبنية المخالفات تمت بهذه الطريقة فإنها تخضع لأحكام مواد هذا القانون وهي في صالح المنتفع، حيث يتولد عن الوعد ببيع عقار ما حق عيني يخضع بهذه الصفة لجميع الأحكام التي تجري على الحقوق العينية ومنها النصوص القانونية المتعلقة بالسجل العقاري التي تطبق أيضاً على انتقال الوعود بالبيع وتظهيرها.
4-التملّك بالحيازة: أو ما يدعى بالتقادم المكتسب، تتضمنه المواد ” 917 الى 919 ” من القانون المدني، ومن وجوهه:
– من حاز منقولاً أو عقاراً غير مسجل في السجل العقاري دون أن يكون مالكاً له، أو حاز حقاً عيناً على منقول أو حقاً عينياً على عقار غير مسجل في السجل العقاري دون أن يكون هذا الحق خاصاً به كان له أن يكسب ملكية الشيء أو الحق العيني إذا استمرت حيازته دون انقطاع خمس عشرة سنة.
-إذا وقعت الحيازة على العقارات أو الحقوق العينية المبينة في المادة السابقة وكانت مقترنة بحسن النية ومستندة في الوقت ذاته إلى سبب صحيح فإن مدة التقادم المكسب تكون خمس سنوات.
والسبب الصحيح هو سند أو حادث يثبت حيازة العقار بإحدى الوسائل التالية: الاستيلاء على الأراضي الموات. انتقال الملك بالإرث أو الوصية. الهبة بين الأحياء بدون عوض أو بعوض. البيع أو الفراغ.
كما ينص القانون على أنه يكتسب حق تسجيل التصرف بالأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة بمرور عشر سنوات من تاريخ الحيازة بسند أو بغير سند بشرط أن يكون الحائز قائماً بزراعة الأرض.
5-التملّك بالعقد: وهو ما عرّفته المادة 92 من القانون المدني: يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين.
كما يجب الانتباه إلى أن الدستور السوري لم يعترف بأي سبب من أسباب نزع الملكيّة الخاصة إلا الاستملاك للمنفعة العامة وفق ما أوردته المادة 15.
ملاّك المخالفات.. ليسوا سواء!
بناء على ماسبق، يمكن تقسيم حقوق “أصحاب المخالفات” وفقاً للنوع الشرعي للعقارات و أسباب الملكية، ويمكن تحديد آليات حفظ وحماية و استرداد هذه الحقوق وفقاً لنصّ المادة ” 15 ” من الدستور. وبالتالي تحدد أنواع المخالفات و النصوص القانونيّة الناظمة لها حسب أنواع الصكوك وفق ما يلي:
أولاً: إذا كانت مخالفات البناء على عقار يقع ضمن المخطط التنظيمي و مسجّل في الصحيفة العقارية على اسم “المالك” أو ما يطلق عليه “الطابو الأخضر” فنحن أمام خيارين:
1-أن تكون المخالفة من قبل المالك نفسه أو وكيله القانوني على عقار مسجل باسمه في الصحيفة العقارية: ففي هذه الحالة يبقى حق الإدارة العامة إما بتسويّة المخالفة و إما إزالتها وفق القواعد العامة المذكورة في القانون دون التعرّض لأصل الحقّ.
2-أن يكون المخالف مالكاً على الشيوع “وارثاً –أو شريك”: تنطبق عليه أحكام مخالفة المالك الباني في ملكه مع الأخذ بعين الاعتبار حفظ حقوق الشركاء.
ثانياً: أما بالنسبة لحالة الحيازة المستندة إلى ما يسمى “البيع بكلمة شرف”، وهي صيغة شعبية للبيع دون اشتراط نقل الملكيّة التي قد تكون غير ممكنة، والتي يباشر المشتري بعدها عمليّة البناء على مرأى ومسمع من الشركاء أو الورثة دون معارضة من قبلهم، وهي الصيغة التي تغلب على حالات التملّك في مناطق العشوائّيات، ففي هذه الحالة وضع القانون عدة نصوص تحمي صاحب الحيازة، شرط أن تكون الحيازة قانونيّة، وهي الحيازة “الهادئة ، المستقّرة ، العلنية، المستمرة”.
ويمكن لصاحب الحيازة ممارسة حقه في حماية حيازته وردّها أو منع التعرض من خلال ثلاث دعاوى تقوم على قاعدة “الحيازة سند الحائز في الملكية” وهي دعوى استرداد الحيازة، ودعوى منع التعرّض ودعوى وقف الأعمال الجديدة .
ملاحظة : بالنسبة لمن فقد حيازته بسبب القصف و التدمير والتهجير..، فإن كل هذه الأعمال تعتبر من قبيل القوة القاهرة والظروف الاستثنائية التي تقطع التقادم على المهل القانونيّة المحدّدة، سواء لإقامة الدعاوى أو مِهل التبليغ أو أي مهلة قانونيّة أخرى، وتنطبق على كل دعاوى الملكيّة ودعاوى الحيازة ودعاوى التعويض وغيرها من الدعاوى.
العيش في مناطق العشوائيات كان يزداد سوء بمرور الوقت، مع ازدياد عدد السكان فيها وعدم توفر مشاريع إسكانية يستطيع أي مواطن الحصول على منزل فيها، ما جعل الكثير من هذه التجمعات يغص بالشاغلين، بل ويستقبل أعداداً كانت تتزايد من خارجها، بسبب الارتفاع الكبير والمطرد في أسعار العقارات في سوريا، وتنامي نسب الفقر والبطالة، ما جعل أسعار المنازل في هذه المناطق مرتفعاً أيضاً، وكذلك تكاليف الآجار، الأمر الذي يؤكد وبشكل قاطع على الفشل المدوي لنظام البعث طيلة خمسين عاماً في التعامل مع هذه المشكلة، والتي شكلت إحدى البراكين التي انفجرت مع الثورة، ليستغلها النظام لاحقاً في مواجهة أهلها، وتكون إحدى أدوات رسم ملامح سوريا التي يشتهيها نظام الأسد. وهو ما سعى إليه من خلال القوانين والتشريعات والمراسيم التي تخص هذه المناطق لمعاقبة سكانها من جهة ولإرضاء الميليشيات وأمراء الحرب الذين وقفوا إلى جانبه، وسط ذلك سلبت الكثير من الملكيات العقارية، وضاعت حقوق مئات آلاف السكان غير القادرين على إثبات ملكياتهم لأسباب عديدة استغلها النظام السوري وسعى من خلالها لتقويض حقهم بالتصرف في ملكياتهم.
تمثل ظاهرة نساء داعش حالة ذات راهنية خاصة، إذ تحتاج إلى أكثر من مقاربة، نظرية وتحليلية، لجهة فهم الشروط المؤسّسة لحدوثها وتفاقمها. وتعكس الفتيات والنساء اللواتي ذهبن إلى التنظيم الجهادي، […]
تمثل ظاهرة نساء داعش حالة ذات راهنية خاصة، إذ تحتاج إلى أكثر من مقاربة، نظرية وتحليلية، لجهة فهم الشروط المؤسّسة لحدوثها وتفاقمها. وتعكس الفتيات والنساء اللواتي ذهبن إلى التنظيم الجهادي، المصنف على قوائم الإرهاب، تفاوتات شديدة ومعقدة، سواء من حيث الأعمار، والخلفيات الاجتماعية والثقافية، والانتماء الطبقي، وكذلك البيئات الحاضنة لهن، ناهيك عما تعرضن له من أفعال وسلوكيات أو صدمات، شكَّلت وعيهنَّ داخل الأسرة أو المجتمع، بينما وضعت عائقاً أمام مسعاهن الوجودي في الحياة.
يبرز كتاب “جهاد النساء.. لماذا اخترن داعش؟”، الصادر عن دار الساقي، باعتباره محاولة جادة للبحث وراء مصادر قوة الغواية التي جذبت الفتيات المراهقات في أفخاخ المشروع الداعشي، الأمر الذى تصدّى له الباحث في التحليل النفسي، فتحي بن سلامة، أستاذ علم النفس المرضي، وعميد قسم الدراسات النفسية التحليلية، في جامعة “باريس– ديدرو”، والباحث في علم الاجتماع، فرهاد خسروخاور، مدير الدراسات في “معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية” بباريس.
وقد سعى كل منهما، عبر استلهام مقارباته العلمية، وتطبيق مناهجه الخاصة، وأدواته النظرية في التحليل، نحو فهم وتشخيص هذا الموضوع الملغز، والإحاطة بتلك الظاهرة التي تتناقض والوعي الحديث، وتشكل قطيعة تامة معه، ما يستدعي جهداً بحثياً شاقاً، وتعاون بين فروع مختلفة، لتجاوز الأنساق المعرفية الضيقة والمحدودة التي تفرضها المعارف التخصصية، بغض النظر عن فكرة الوصول إلى تفسيرات نهائية وشمولية.
عمد الباحثان عبر مقارنتين، اجتماعية ونفسية تحليلية، إلى فهم الظاهرة المتشددة التي حازت قطاعات ليست بالقليلة في أوروبا. ومن ثم، تحديد الدوافع وراء ذلك، خاصة، بين الفتيات الصغار والمراهقات، وذلك على أساس معطى رئيس، تمثل في الاعتماد على أنّ التحليل النفسي إنّما يتقاطع والمبحث الاجتماعي الأنثروبولوجي، كما يكشف عن الصلات بين الحقائق النفسية والوقائع الاجتماعية.
استعان الكتاب المكون من (143) صفحة من القطع المتوسط بنحو ستين حالة، حصل عليها من مصادر متباينة، بغية استنطاقها وتأويل الخفي داخلها. وتراوحت المصادر التي اعتمد عليها بين شهادات مباشرة، من فتيات التحقن بالتنظيم، وأخرى “عيادية” ممن خضعن إلى التحليل النفسي، أو من حقل العلوم الاجتماعية، فضلاً عن تحقيقات قام بها صحفيون ومختصون في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.
كما ألمح الكتاب إلى وجود قرابة ثلاثين ألف مقاتل مسلم أجنبي، بحسب تقرير سري، بالإضافة إلى العراقيين والسوريين، تتألف منهم العناصر المسلحة في التنظيم الإرهابي، وذلك بين عامي 2014 و 2015. في حين بلغ عدد المقاتلين من أصل أوروبي فقط، نحو (5000) مقاتل، من بينهم (500) من النساء.
وفي نهاية العام 2015، بلغ عدد الجهاديات الفرنسيات (220) فتاة، من أصل (600) فرنسي في التنظيم. وعليه، يلفت الباحثان إلى أنّ نسبة الفتيات الفرنسيات ارتفعت من 10% من مجمل الفرنسيين، العام 2013، إلى 35%، نهاية العام 2015. وبالتالي، تكون المحصلة أنّ نسبة النساء بين الجهاديين الفرنسيين، في العام الأخير، فتاة واحدة من بين كل ثلاثة جهاديين فرنسيين، وهؤلاء ثلثهن اعتنقن الإسلام، في مقابل رجل واحد من كل خمسة في الفترة ذاتها.
وبخلاف الاستنتاجات السهلة والرائجة إعلامياً، خاصة في ما يتصل بأوروبا والغرب، حول جاذبية التشدد الديني بين مسلمي الضواحي، وكذلك، العرب والمهاجرين الفقراء في تلك المناطق؛ فإنّ الكتاب يوثق عبر الإفادات التي حصل عليها، وتحليل المصادر المتاحة، بأنّ أغلبية النساء الفرنسيات ينحدرن من الطبقات الوسطى، والشرائح العليا من الطبقات الوسطى، بينما لا ينتمي أي منهن إلى الضواحي.
هذا البعد في التحليل، على وجه التحديد، سبق للباحث فتحي بن سلامة أنّ أكد عليه في كتابه “رغبة عارمة في التضحية.. المسلم الأعلى”. وقد ذكر فيه أنّ الراديكالية الإسلاموية لا تخرج من حواضن الطبقات الشعبية وبيئات الضواحي (الفرنسية)، فبين هؤلاء شباب ملحدون وآخرون ليسوا من أبناء المهاجرين. كما أنّ تسارع ونمو الراديكالية يعود إلى عدّة متغيرات اجتماعية وبنيوية، منها انهيار البنى العائلية وتراجع سلطة الأب، وفقدان الإنصات للسلطات المؤسسية (الجيش، المدارس، والكنائس…)، وإلغاء الخدمة الوطنية التي تقدم الاختلاط الاجتماعي ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، فشل في السلم الاجتماعي، الغيتوهات في الأحياء.
وتنتمي الفتيات والنساء إلى مرجعيات دينية واجتماعية ثقافية متفاوتة؛ إذ إنّ بعضهن من أُسر مسيحية، وأخرى يهودية (حالات نادرة)، بحسب ما ورد في الكتاب، وأخريات، تتراوح بين بوذية أو لا إدرية أو ملحدة. كما يردف بأنّ عدد الفتيات القاصرات يفوق عدد الفتيان القاصرين. مع الأخذ في الاعتبار أنّ هناك قطاعاً، لا يستهان به، من الشباب المنتمي إلى التنظيم الإرهابي ينتمي ثلثهم أو ثلاثة أرباعهم إلى الضواحي الفقيرة.
وفي حين تتفاوت حالات الفتيات والنساء اللواتي ذهبن إلى داعش ما بين السوي والمَرضي، وفق الحالات السريرية التي تابعها بن سلامة، إلا أنّ ذلك لا يعني، بالتبعية، أنّ الحالات المرضية صريحة في معظمها، خاصة أن كثير منهن عانين صدمات متنوعة، مثل العنف الجسدي. كما أنّ فكرة الانجذاب نحو الموت والقوة القمعية اللتين ضغطتا الفتيات إلى هذا العالم المتخم بالقتل والعنف والموت، إنّما تقف وراءها معطيات متباينة ومختلفة.
وتتمثل هذه المعطيات في ما يمكن تسميته بـوجود “تعالٍ قيمي”، حسبما ورد في الكتاب. وهذا التعالي القيمي يعد بمثابة رد فعل في مواجهة أنماط هشة من العلاقات المجتمعية، وأوضاع رخوة وضعيفة، فقدت فيها السلطة عالمها الرمزي بالغرب وأوروبا، بينما تعيد الحالة الجهادية بناء خصائصها في هذه العوالم المفككة، لجهة بناء تركيبة متمايزة، تتقدم من خلالها بإغراءات جديدة للمستهدفين، سواءً كان ذلك على مستوى الهوية أو الأسرة أو غيرهما.
يشير الكتاب إلى أنّنا أمام التماس يستهدف “سد الثغرة في المجتمع الفائق في علمانيته، حيث انتهى كل تعالٍ مقدس، فيبدو الشاب الجهادي المصنوع داخل البروباغندا الجهادية ويواجه الموت رجلاً جديداً، يميزه العنف عن الحشد ويعطي المعنى لوجوده”، الأمر الذي يشبه “حالة الفتيات اللواتي يكتبن رسائل غرامية إلى المجرمين في السجن”. وبالتالي، فإنّ البحث عن السلطة بأيّ ثمن قاد هؤلاء الفتيات إلى الإقبال غير المشروط على القوة بصورتها الأشد قمعية وتوحشاً.
وإلى ذلك، فإنّ غالبية الفتيات اللواتي قدمن إلى سوريا والتحقن بالتنظيم الإرهابي، هنَّ من أصل مسلم، وثلثهن تقريباً ممن اعتنقن الإسلام وجدت بعضهن فيه إحساساً بالوجود، وإثباتاً لكيانهن كشخصيات اعتبارية، بحسب ما أورد الكتاب. إذ لا تقتصر المسألة على الجهاد فقط، بقدر ما هي الرغبة في الوجود من خلال قنواته، وفي المشاركة والتزود بهوية إسلامية ترتق ثقوبهن الداخلية، النفسية والمعنوية، وتعمل على تجسير علاقاتهن مع المفقود والمتخيل في ذاكرتهن.
إذ إنّ بعض الفتيات هن من عائلات هاجرت من أفريقيا الشمالية، كما يذكر الكتاب، بينما تحاول بعضهن استعادة شتات هذه الهوية، على نحو يدعم توهمهن الانتماء إلى عالم عربي إسلامي، في أكثر نسخه راديكالية. وبالتالي، يبدو أنّ ولع النساء بالانخراط في هذا العالم، بواسطة تأبيد الصراع والمواجهة مع الآخر والمختلف باعتباره عدواً، الذي ترتكز عليه الحالة الداعشية، إنّما يبعث صورة الهوية القلقة، والتي تبرز باعتبارها حالة مصيرية، تستدعي معها تقديساً جديداً وتضحيات مستمرة.
وفي ما يتصل بعدد العمليات الإرهابية والهجمات الانتحارية التي نفذتها الجهاديات، فإنّها لا تقتصر على داعش، فقط، بحسب ما يلفت الباحثان، إنّما تتجاوزه على أكثر من مستوى تنظيمي، حيث تقوم بها نساء أخريات، تنتمي إلى عوالم غير إسلامية، وتحت غطاء منظمات أخرى راديكالية، تتبنى مرجعيات إيديولوجية غير دينية، سيما تنظيم “نمور التاميل” الماركسي، في سريلانكا، وقد بلغ عدد العمليات الانتحارية التي نفذتها النساء، بين عامي 1981 و 2011، نحو 125 اعتداءً انتحارياً، من حصيلة 2300 عملية.
وعلى كل حال، يبقى اصطفاف المرأة وبروزها الجهادي في الحالة الداعشية حدثاً ملفتاً واستثنائياً، منذ عمد قادة التنظيم إلى تجنيد فتيات في لواء “الخنساء”، أحد ألوية التنظيم، المسؤول عن فرض تطبيق الشريعة، وفق أدبياتهم، وممارسة النساء القوة والقمع ضد المخالفات لأفكارهن، ما فرض أدواراً مغايرة للمرأة في الحالة الجهادية.
هذا التحول للمرأة الجهادية جعلتها تضطلع بمسؤوليات أوسع داخل الأجندة الأيدولوجية والعملياتية للتنظيم الإرهابي، كما وضعتها في بؤرة النشاط الذي كان في السابق خافتاً وهامشياً، مثلما كان الحال مع تنظيم القاعدة، مثلًا. ومن ثم، قام التنظيم بتوظيف المرأة الحربي في الجهاد، بصورة تقطع مع ما سبقه من تنظيمات إسلاموية جهادية.
تحتوي حبة الغاز الواحدة على جرعة مميتة من فوسفيد الألمنيوم، ولا تتجاوز نسبة نجاة من يتناولها 5 بالمائة، وإن نجا سيصاب بإعاقات دائمة. توفّيت “أمل” (19 عاماً) النازحة من بلدة […]
تحتوي حبة الغاز الواحدة على جرعة مميتة من فوسفيد الألمنيوم، ولا تتجاوز نسبة نجاة من يتناولها 5 بالمائة، وإن نجا سيصاب بإعاقات دائمة.
توفّيت “أمل” (19 عاماً) النازحة من بلدة كفرسجنة جنوبي إدلب إلى أحد مخيمات دير حسان شمالي إدلب، الشهر الفائت، نتيجة تمزّق أحشائها بعد تناولها حبة غاز بنية الانتحار، إثر خلاف مع زوجها ووالدته تسبّب بطلاقها. تقول والدة أمل: غسل الأطباء والممرضون معدتها لمنع انتشار المادة السامة في جسمها، وأعطوها العديد من الأدوية، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، خرج أحد الأطباء من العناية المركزة وقال “البقية بحياتكم”. كانت الوالدة توضّب ثياب أمل التي أرسلها أهل زوجها، عندما بكت وقالت “لا أعرف كيف وصلت إليها حبة الغاز، كنت لا أفارقها لخوفي الشديد من إقدامها على إيذاء نفسها، بسبب ما نالها من الحزن، نتيجة طلاقها بعد تسعة أشهر فقط من الزواج”. ما هي حبة الغاز؟
حبة الغلة أو حبة التعقيم الزراعية تصنع من خلال مزج كربونات الأمونيوم و فوسفين الألمنيوم، وتتحول إلى مركب عند تعريضها لغاز الفوسفين شديد السميّة. استخدامها الرئيسي إبادة الحشرات والقوارض، وتعقيم المحاصيل والحبوب في المستودعات أثناء تخزينها، كما تستخدم أيضاً لتعقيم حبوب المؤونة في المنزل.
تحتوي حبة الغاز الواحدة على جرعة مميتة من فوسفيد الألمنيوم تتراوح بين ربع الغرام إلى غرام واحد.
يقول الطبيب البيطري محمد الأسعد “تنقسم حبوب الغاز إلى قسمين، الأول حجمه صغير ونوعيته صينية ويأتي بعيار 56، ويكون غير مغلف وتحوي العلبة الواحدة 1666 حبة، ووزن العلبة كيلوغرام واحد، ويعرف باسم “بيستوكسين”، أما القسم الثاني المعروف تجارياً باسم “فيستوكسين” فيعبأ ضمن مواسير، كل ماسورة تحوي 20 حبة وكل حبة تزن 3 غرامات، ويكون حجمها كبيراً وتأتي بعيار 57 لكن تركيزها أعلى وأقوى.
يضيف “الأسعد” أن مصدر هذه الأنواع إما صيني أو هندي، والصيني تكون أسعاره أغلى من الهندي ومرغوبة من قبل الزبائن بسبب جودته، وتدخل هذه الحبوب إلى الشمال السوري عن طريق شركات محلية مستوردة عن طريق باب الهوى.
يقول الطبيب وأخصائي الأمراض الهضمية خالد السويد، إن مادة فوسفيد الألمنيوم شديدة السمية، وعند تعرضها للهواء أو العصارة المعدية تتحول إلى غاز الفوسفين القاتل الذي يسبب تلفاً شديداً للخلايا، ويؤثر بصورة مباشرة على الأوعية الدموية وعضلة القلب، ويحدث التسمم بهذه المادة إما عن طريق البلع أو عن طريق الاستنشاق وهذا الغاز يؤثر بصورة مباشرة على العصيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة ما يؤدي إلى توقف عمل العديد من الإنزيمات، كما يؤثر على عملية الفسفرة التأكسدية ويؤثر أيضاً على الأوعية الدموية وعضلة القلب والرئتين محدثاً انخفاضاً شديداً بضغط الدم، وصدمة وعائية وحموضة بالدم واضطرابات في توصيل ضربات القلب، إضافة إلى التهاب بعضلة القلب ووذمة مائية بالرئة، تزامناً مع متلازمة ضيق التنفس للبالغين.
تبدأ الأعراض بعد التعرض للمادة السامة بقليل، وهذا ما حدث مع أمل تماماً، بحسب والدتها، وهي أعراض غير مميزة في البداية مثل الغثيان والإقياء والإسهال والصداع والمغص. وتتطور بعد ذلك لتشمل أعراضاً تنفسية وقلبية وعصبية مثل ضيق التنفس والشعور بثقل على الصدر وسعال وشعور بالإرهاق العام، وضعف بالعضلات مع حدوث اضطراب في التركيز دون فقدان للوعي في البداية، مع إمكانية حدوث تشنجات عصبية، بحسب الطبيب السويد.
تشخيص الأعراض
لم تخبر أمل أحداً بتناولها حبة غاز، لكن والدتها قالت: إن الأطباء أكدوا ذلك بعد معاينتها وتحليل دمها. يقول علي غزال، طبيب الأمراض الداخلية في مدينة إدلب، “يصعب الكشف سريرياً عن حالة المريض وتشخيصه إلا في حال إقراره بتناول الحبة، أو عند إخبار أحد أفراد أسرته للطبيب بتناولها، أو من خلال انتشار رائحة تشبه رائحة الثوم من فمه. نتعامل مع المريض بحسب الأعراض الظاهرة عليه، ونقدّم له الأوكسجين من أجل تحسين الحالة العامة وهبوط الضغط وتصحيح الحماض الاستقلابي الذي يحدث في الجسم، حيث يقلل استخدام كبريتات المغنيزيوم من الوفيات.
يجري الأطباء والممرضون تحاليل مثل تحليل الغازات في الدم لاكتشاف نوع الغاز الذي دخل جسم المصاب، بحسب “غزال” وغالباً يجرون تحليلاً كاملاً للدم، كما يلجؤون إلى غسل المعدة في بعض الحالات، إذا كان الوقت الذي تم تناول حبة الغاز فيه قريباً، ولم تنحل الحبة في المعدة بشكل كامل لتخفيف المادة السامة.
يؤكّد الطبيب أن عامل التوقيت مهم جداً في التعامل مع حالات التسمم بفوسفيد الألومنيوم، حيث أنه كلما كان التدخل سريعاً بعد التعرض للمادة السامة كلما كانت النتيجة ونسبة النجاة أفضل، ويلفت إلى أنه لا يوجد مضاد معين لفوسفيد الألومنيوم ومعظم الإجراءات المتخذة في التعامل مع مثل هذه الحالات هي إجراءات داعمة إسعافية.
ويشير إلى أن العديد من الدراسات الحديثة أثبتت أن استعمال “سلفات المغنيزيوم” عن طريق الوريد قد يقلل من معدل الوفاة لنسبة قد تصل إلى 50 بالمائة من الحالات، وبخاصة إذا ما كان هناك اضطراب في توصيل ضربات القلب، وبالرغم من جميع الإجراءات يقول “إن معدل الوفيات لحالات التسمم بفوسفيد الألمنيوم في الشمال السوري عالية جداً، وقد تصل إلى ما بين 85 إلى 100 بالمائة”.
ماهي النسبة القاتلة وكم نسبة النجاة
تعتقد والدة أمل أن ابنتها تناولت حبة واحدة على الأقل، وهي كمية كافية لقتل الإنسان، بحسب الطبيب “غزال” الذي يشير إلى أن نصف أو ربع الحبة يكون ضرره أقل، وربع الحبة تكون نسبة النجاة فيه أفضل وأقوى، أي أنّه كلما زادت الجرعة زادت نسبة الوفاة وقلت نسبة النجاة، مع مراعاة سرعة إسعاف المريض لأن عامل الزمن هو الأهم في هذه الحال. يؤكد الطبيب على أنه في حال تعرض الحبة الكاملة للرطوبة أثناء وضعها في المؤونة أو في المستودعات من الممكن أن تخسر قسماً من غازاتها، وعندها يقل خطر الموت. ويلفت إلى أن من يحاول الانتحار بحبة الغاز قد ينجو من الموت في حالات نادرة جداً، ولكن قد تصيبه إعاقات دائمة مثل التهاب الدماغ، والقصور الكلوي الحاد، وما يتبعه من آثار جانبية سلبية، آثار تجعل الحياة صعبة جداً، إذ يؤكد الأطباء أن معدل نسبة النجاة بهذه الحبوب لا تتجاوز 5 بالمائة في حال تم إسعاف المريض للمستشفى فوراً، وتم تقديم جميع الإجراءات له، قبل أن تأخذ الحبة مفعولها، وإذا كانت الحبة منتهية الصلاحية. على عكس أمل، نجا أحمد (22 عاماً) من ريف معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، النازح إلى بلدة أرمناز غرب إدلب، من محاولة انتحار بكسرة من حبة غاز، حيث تم إسعافه فوراً إلى مستشفى أرمناز الجراحي، وقام الكادر الطبي بتقديم جميع الإجراءات والإسعافات، من غسيل للمعدة بالزيت وإجراء تحاليل وصور ومراقبة لوضعه السريري. ما زال أحمد يعاني من التهاب دماغي أدى لشلل الجزء اليساري من جسده، وفقدانه النطق، كما أصيب في الوقت ذاته بقصور كلوي، وتعطل عمل جزء من كبده، إنه يصارع الأمراض وتبعات محاولته الانتحار منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم.
لا ضوابط حقيقية على بيع حبة الغاز
تظّن والدة أمل أن ابنتها حصلت على حبة الغاز من أحد محلات الجملة المنتشرة في المنطقة، حيث تباع هذه المادة القاتلة في الصيدليات ومحلات بيع المواد الغذائية، وهي رخيصة الثمن، يقول محمد المحمد النازح من ريف حلب الغربي إلى أحد مخيّمات دير حسان “تباع حبة الغاز في محال بيع المواد الغذائية في بعض القرى والمخيمات، وتتم عملية البيع دون أي سؤال عن دراية المشتري بمخاطر استخدامها، “اشتريت الأسبوع الفائت حبات الغاز من أجل حفظ المؤونة، من محل لبيع المواد الغذائية بالجملة، لم يتحدث معي البائع إلا حول الثمن”.
يؤكّد المهندس الزراعي خالد الموسى، العامل في إحدى صيدليات مدينة سرمدا الزراعية على ضرورة فرض السلطات المحلية مراقبة شديدة على بيع هذه الحبوب وخاصة في غير الصيدليات، وتقييدها بالمزارعين، بعد تدوين أسمائهم وأرقامهم، بموجب فاتورة بيع معتمدة، ويلفت إلى أن ما قد يجعلها سهلة التداول رخص أسعارها، حيث يبلغ سعر العبوة التي تزن 1 كيلوغرام والتي تحوي 350 حبة نحو 10 دولارات. أعداد المنتحرين في ازدياد أمل لم تكن وحيدة، فقد أعلن فريق “منسقو استجابة سوريا” أن أعداد حالات الانتحار المسجلة خلال العام الجاري تخطت ما تم توثيقه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث لم يحدد حالات الانتحار بحبة الغاز فقط.
وأوضح الفريق أن عدد الحالات وصل في مناطق شمال غربي سوريا إلى 53 حالة، توزّعت إلى 40 حالة انتحار انتهت بالموت، وكان المنتحرون 13 طفلاً و16 امرأة و11 رجلاً، إضافة إلى 13 حالة انتحار فاشلة، بينما وثّق 19 حالة في عام 2021.
أثناء إعداد المادة وبحثنا عن اجراءات الجهات المسؤولة لمكافحة هذه الظاهرة تحدثنا مع المدير العام للتجارة والتموين في حكومة الإنقاذ محمد السليمان، فأخبرنا أن وزارة الاقتصاد والموارد والمديرية العامة للتجارة والتموين، منعت تداول حب الغاز في المحلات التجارية ومحلات المواد الغذائية، وعمّمت قراراً على كافة الفعاليات، وحصرت بيعها بالصيدليات فقط.
وأضاف أنهم يسيّرون دوريات الرقابة التموينية بجولات مكثفة على محلات المواد الغذائية، حيث ضبطوا عدة مخالفات وتمت إحالة مرتكبيها إلى لجنة مختصة. ويقول في سياق حديثه “أصدرنا قراراً بمنع تداول حبوب الغاز حتى لا تستخدم في غير مكانها، ووضعنا خطة لهذا الأمر، ونقوم الآن بتنفيذها بشكل جيد ووصلنا لنتائج جيدة”.
يستكمل فوكس حلب ثلاثية حرب الأملاك في مناطق سلطات الأمر الواقع، الخارجة عن سيطرة قوات النظام، كلياً أو جزئياً، وكنا قد بدأنا في تقرير معمّق سابق تسليط الضوء على مصير […]
يستكمل فوكس حلب ثلاثية حرب الأملاك في مناطق سلطات الأمر الواقع، الخارجة عن سيطرة قوات النظام، كلياً أو جزئياً، وكنا قد بدأنا في تقرير معمّق سابق تسليط الضوء على مصير الأملاك في مناطق سيطرة قسد، لنستعرض في هذا التقرير دوافع وأدوات الاستحواذ على الأملاك في إدلب، وفي تقرير لاحق تكون مناطق سيطرة “الجيش الوطني” في دائرة الضوء.
وتأتي هذه الثلاثية في مسعى لرسم صورة كاملة لعموم مناطق سوريا، وهي بمثابة جزيرة تتوسط سلسلة تحقيقات بدأت، وستُستكمل في مناطق سيطرة النظام، حيث حرب الأملاك أشد ضراوة، من حيث اتساعها وكارثية نتائجها، وخصوصاً أن عنوانها العريض هو الاستملاك والحرمان الدائم من الأملاك، على عكس ما نلحظه في مناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع، التي يكون وضع يدها على الأملاك من باب الاستحواذ والاستيلاء والمنفعة المؤقتة.
حين نذكر إدلب، فإننا نعني مناطق هيمنة تنظيم هيئة تحرير الشام، وهنا لا بد من استعراض زمني لتطور شكل هذه الهيمنة، وأدواتها في الوقت الراهن، وهو ما يستدعي بالضرورة مروراً سريعاً على بنية هيئة تحرير الشام نفسها، و واجهاتها الأمنية والعسكرية والمدنية.
من النشأة إلى الهيمنة
ظهر تنظيم “جبهة النصرة لأهل الشام” أواخر العام الأول من الثورة السورية، وبث أول بيان في بداية 2012، وأكد زعيمها في مقابلة مع الجزيرة أن التأسيس كان في فبراير عام 2012، وربطته الولايات المتحدة لاحقاً بتنظيم القاعدة (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) في العراق، ليعلن زعيم التنظيم “أبو محمد الجولاني” فك الارتباط عن القاعدة، وتغيير الاسم إلى “جبهة فتح الشام” في يوليو عام ٢٠١٦، تخلل ذلك الانفكاك التدريجي والقطيعة الكاملة ولاحقاً الاقتتال الاستئصالي مع تنظيم داعش تحت قيادة أبو بكر البغدادي حينها.
سبق ذلك معركة مفصلية وهي السيطرة على إدلب في مارس 2015 ، في مهمة أنجزت في وقت قصير، نحو أربعة أيام، من خلال جيش الفتح، كانت جبهة النصرة إحدى التشكيلات المساهمة في المعركة، ليشهد جيش الفتح لاحقاً توترات واقتتالات كانت كافية لإنهائه.
سمحت التحوّلات السابقة بظهور “هيئة تحرير الشام” التي انضوت فيه فصائل أخرى، وبدأ التنظيم الجديد إظهار براغماتية أكبر، فتحت له الأبواب نحو الهيمنة المطلوبة، التي تعززها تشكيلات عسكرية شديدة التنظيم، وأدوات أمنية وإدارية تقف وراءها قوة تنفيذية ضاربة، وعلى رأس هذه المنظومة قائد الهيئة المعروف، أبو محمد الجولاني، يليه مجلس شورى، ومكاتب (العسكري والاقتصادي والشرعي والأمن والعلاقات العامة)، وفق مركز أبحاث ودراسات مينا.
ولسنا في هذا المقام بمعرض تشريح بنية هيئة تحرير الشام ككل، ونكتفي عند النقطة التي ظهرت فيها “حكومة الإنقاذ” في نوفمبر 2017، وهي عمليّاً الجناح السياسي والإداري المدني الناعم لهيئة تحرير الشام، والمؤلفة في الوقت الحالي من 10 وزارات، بينها العدل والداخلية والإدارة المحلية.
بدء من النشأة تحت مسمى جبهة النصرة، وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، أثبت هذا التنظيم مرونة عالية وقدرة على اتخاذ قرارات مفصلية من شأنها إحداث تغييرات شكلية وتكتيكية وتنظيمية جذرية، دون الإجهاز على البنية الصلبة للتنظيم، عدا أن ذلك ليس مستحيلاً، كما أنه ليس سهلاً، وفق ما خلص إليه مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ولنا من كل ذلك، تتبع مآلات وتبدلات حرب الأملاك في ظل هذا التغيّر العاصف الذي لا شبيه له لا بمناطق سيطرة النظام ولا قسد، وهو ما يمكن أن يُعقّد قضية الأملاك واسترداد الحقوق.
جبل الزاوية: نمذجة الواقع
لم تكن رحلة البحث والتقصي، الميداني أو في المصادر المفتوحة، رحلة هيّنة، لعقبات ومطبات مصدرها الشح في تناول قضية الأملاك في إدلب، وتوجّس المعنيين بهذه القضية، ضحايا أو مسؤولين، من فتح هذا الملف، لأسباب تبدأ بالخوف، لأذية جسدية أو ضرر معنوي في ظل الاستقطاب الحاد الحاصل وخصوصاً بما يتعلق بالانحياز إلى النظام في ظل فتكه بالمناطق المحررة والاحتقان اتجاه كل ما يتصل به.
اختار معد التحقيق عينة من مناطق إدلب، وهي جبل الزاوية، لقدم وجود هيئة تحرير الشام فيه، ما يسمح برصد مديد لتحولات قضية الأملاك، بما يمكن تعميمه جزئياً على بقية مناطق إدلب، ويتألف جبل الزاوية من نحو 32 بلدة، واجتهد معد التحقيق في الحفر بهذه المنطقة، لكن مع تعذر ذكر أسماء صريحة، أو حتى في بعض المفاصل ذكر طبيعة عمل أو دور المصادر، منعاً من الاستدلال عليها، وهو ما قد يعرضها للخطر.
ضيّقنا حرصاً على دقة نتائج البحث والاستقصاء لتشمل سبع قرى في جبل الزاوية، دون تسميتها، للأسباب الأمنية الآنفة الذكر، وأحصى معد التحقيق مصادرة 113 منزلا، و 24 محلاً تجارياً، و 390 قطعة أرض زراعية، بمساحات مختلفة تبدأ من دونم واحد، وحتى 10 دونمات. وكان لافتاً أن طلب قوائم رسمية لهذه المصادرات لم يكن سهلاً إذ كانت الإحالة حتى من جهات رسمية تتبع لحكومة الإنقاذ دائماً إلى هيئة تحرير الشام. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأرقام نتيجة جهد معد التحقيق وانتقاله بين مصادر ثقات، وهو ما يعني أن الأرقام الحقيقة أكبر مما سبق.
الإحصائية السابقة توزعت فيها المصادرات وفقا للمسوغات كما يلي: 51 منزلا، و 9 محلات تجارية، 167 أرضاً زراعية، كون أصحابها يقاتلون إلى جانب قوات النظام، فيما صودرت أملاك الموظفين والمتقاعدين في أو من دوائر النظام وهي 30 منزلا، و 8 محلات تجارية، 128 أرض. وتكفلت بالباقي تهم التشبيح والعمالة أو حتى معاداة هيئة تحرير الشام، وكثير من هؤلاء يعيشون في مناطق النظام أو خارج سوريا.
مع اتساع رقعة سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب وريفها، زادت أعداد العقارات المصادرة وتعددت أسبابها، وبدأت تتشكل ملامح سطوة عقارية مارستها الهيئة في كل قرية دخلتها، وكانت التهم جاهزة إبان كل حالة استيلاء، وهي ما أفضت في المحصّلة إلى معاقبة المقاتلين في صفوف النظام من ( أمن، جيش، شرطة)، أضافت إليهم لاحقاً الموظفين الذين يقبعون في مناطق النظام ويقبضون رواتبهم منه، إلى جانب من عرف عنهم تأييدهم للنظام أو معاداتهم لجبهة النصرة أو عدم تبنيهم للثورة.
وما حصل يتجاوز مسألة معاقبة المناوئين، إنما الأهم من ذلك ما بدا أن للهيئة، اليوم، امبراطورية عقارية قوامها آلاف المنازل والمحلات التجارية، إلى جانب آلاف الهكتارات الزراعية توزعت على قرى ومناطق إدلب.
الدوافع والذرائع
١- التشبيح
أبو المجد، اسم مستعار لشاهد واسع الاطلاع على هذه القضية، يقول لفوكس حلب، إن مصادرة أملاك “الشبيحة” لم تحدث في بدايات الثورة، او السيطرة على إدلب، وخصوصاً أن من اختار الانحياز للنظام عمد إلى إسكان أحد أقربائه في بيته، وكذلك رغبة من بعض الفصائل، وهيئة تحرير الشام أحدها، منح المقاتلين المنخرطين في صفوف قوات النظام فرصة للانشقاق.
وتأكيداً على ما سبق، يروي “سميح”، وهو اسم مستعار لمقاتل سابق في هيئة تحرير الشام، تفاصيل سجال على خلفية توجه هيئة تحرير الشام أواخر عام 2014 لمصادرة منزل عائد لمساعد أول في قوات النظام بقرية كنصفرة بجبل الزاوية، لكن ابن عمه وهو مقاتل في حركة أحرار الشام منعهم الاقتراب من البيت، وأفلح في ذلك.
ومما يعكس تنامي الهيمنة وتطورها، شكل وضع اليد على العقارات، فالحادثة السابقة تكررت في وقت لاحق لكن بنتائج مختلفة، إذ يقول نور، وهو اسم مستعار، إن الهيئة صادرت منزل والده وأبلغه حينها مسؤول في الهيئة: ” إن المصادرة ليست لبيته ولا لبيت شقيقه الذي استشهد وهو يقاتل إلى جانب إحدى الفصائل، إنما المصادرة سببها كون ربّ الأسرة لا يزال موظفا في قوات النظام”.
ردة فعل نور المعلنة والغاضبة في ذلك الوقت، دفعته إلى محاججة الهيئة بعد زيارة المكتب الاقتصادي للهيئة في أريحا، إلا أنه لم يسمح له بدخول المكتب، لكن أحد المسؤولين أبلغه أنه يمكن له استئجار منزل أبيه بالتفاهم مع رئيس المكتب ( الأمير) الاقتصادي التابع للهيئة.
2- شبهة التشبيح
لم تعد ذرائع المصادرة بسبب قتال أصحاب العقارات إلى جانب قوات النظام كافية، ولا حتى تهم التشبيح المثبتة، بل صار التشبيح شبهة يفقد البعض أملاكهم بسببها، فعلى سبيل المثال، أبو علي وهو من جبل الزاوية، ويقيم في دمشق منذ عشرين عاماً، صودرت أرضه ومحل تجاري، لأنه زوج ابنته لشاب يؤدي الخدمة الإلزامية في قوات النظام.
وبدرجة مثيرة للاستغراب بشكل أكبر، حسين، صودرت أملاكه لأنه غادر إلى مناطق النظام نازحاً، بعد الحملة العسكرية قبل عامين، ورفض حسين الإدلاء بأي تصريح لفوكس حلب، لكن أحد أقاربه أدلى بتصريح لافت، قال إن حسين زج بأبنائه للخدمة في قوات النظام ولم تصادر أملاكه حين كان في المناطق “المحرّرة”، لكن نزوحه استوجب ذلك، و حينها بررت الهيئة أن حسين كان الأجدر له أن ينزح إلى الشمال ويقنع أولاده بالانشقاق والقدوم إليه.
٣- الموظفون لدى النظام
يُضاف إلى ما سبق، الموظفون المدنيون لدى دوائر النظام، إذ صودرت أملاك قسم منهم بذريعة أنهم يقبضون رواتب ممن قتل وهجر أهلهم وشعبهم، وهذا ما حدث مع أبو سائر، وهو أيضا اسم مستعار، وهو موظف في حماة، انتقل إليها عام 2016، وبلغه أن الهيئة صادرت جميع أملاكه، ولم تعترف بالعقد المبرم لبيع الأرض كونها ما زالت باسمه في السجلات العقارية، فما كان منه إلا أن يعيد ثمنها للشاري على دفعات انتهى من سدادها العام الماضي.
عزيمة الهيئة في مصادرة الأملاك وفق ذاك النحو لم تقف في وجهها مصادرة منزل صاحبه يقيم في مناطق النظام رغم أن من كان يقيم فيه شقيقه، والمعروف بتاريخه الجهادي، وفق ما نقلت شبكة شام، ولكن في هذه القصة ثمة تفصيل بسيط على الأرجح يخفي وراءه المزيد من الأسباب، وهو أن الجهادي ويعرف باسم “أبو شامل”، وهو من بلدة كفر سجنة بريف إدلب، التزم “الحياد” إبان الاقتتال بين هيئة تحرير الشام، وأحرار الشام.
٤ – المسيحيون
في نهاية عام عام 2018 بدأت الهيئة تخطو أول خطوات تنظيم وضع يدها على أملاك المسيحيين، إذ تناقل ناشطون،بكثافة، أخباراً تفيد أن مكتب العقارات والغنائم (لجنة الغنائم) قد أرسل مذكرات حضور إلى كل الذين يقطنون في بيوت المسيحيين لتسليم هذه العقارات إلى المكتب العقاري تمهيداً لإسكان عوائل العناصر المقاتلة معها أو لتأجيرها للمقاتلين”المهاجرين” القادمين من الخارج بمبالغ جيدة، ملغية بذلك كل عقود الإيجار القديمة والوكالات، ومتفرّدة بالانتفاع من عائدات هذه العقارات بدلاً من أصحابها.
محمد عفيف كان من الذين استدعتهم الهيئة كونه مستأجراً لمنزل صديقه المسيحي الذي يعيش في أوروبا، يقول بعد مراجعتي لمكتب الغنائم، خيّروني إما أن أدفع إيجار المنزل لهم أو أغادره ويصبح تحت تصرّفهم، معتبرين أن عقد الإيجار الذي أملكه قد أصبح لاغياً وأن على صاحب المنزل القدوم إلى إدلب لتنظيم عقد جديد في حكومة الإنقاذ، وهذا ما كان مستحيلاً لتواجده في أوروبا، لذا قررت البقاء والدفع لهم، ومنذ سنة رفعوا الإيجار إلى 70 دولار، وقتها قررت المغادرة إلا أن مالك المنزل طلب مني البقاء وبدأ يساعدني مادياً في دفع الإيجار لهم.
من جهتها وثقت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة مصادرة نحو 550 منزل ومحل تجاري تعود ملكيتها لمسيحيين في إدلب بين أواخر عام 2018 ومنتصف تشرين الأول عام 2019، وفي جسر الشغور وريفها وثقت المنظمة مصادرة نحو 750 منزل يغيب أصحابها المسيحيين عنها، من جانب تنظيم حراس الدين والحزب الإسلامي التركستاني وهيئة تحرير الشام، وهذا لم يتسن لفوكس حلب التأكد من هذه الأرقام من مصدر مستقل، أو التثبت منها من مصادر رسمية أو مصادر متعددة.
وفقاً لعدة ناشطين تحدّثنا إليهم أخبرونا أن هذه الإجراءات كانت غير عادلة ويكتنفها الغموض، فتارة تسمى أملاك المسيحيين “غنائم” وتارة تسمى “قيد الأمانة” وتارةً “واردات بيت مال المسلمين”، لكن ما كان واضحاً أنها كانت سالبة لإرادة أصحابها وحريّتهم في إدارة أملاكهم والتصرّف بها كما يشاؤون، وهذا ما يفسر نشر بيانات رأي من قبل ناشطين تدين ممارسات لجنة الغنائم، أتبعها خروج سكان إدلب في مظاهرة قيل في بيان الدعوة إليها أنها احتجاجاً على الاعتداء على الأموال العامة والخاصة، منها أموال المسيحيين.
صحيفة المدن قالت في تقرير نشرته أواخر 2016، بعنوان “مسيحيو ريف إدلب.. لا عيد هذه السنة أيضاً” إن دار القضاء التابعة لتنظيم “جبهة فتح الشام”(هيئة تحرير الشام) ومقرّها في دركوش قد استولت على منزل أحد المسيحيين وكافة أملاك والده في قرية الجديدة في ريف جسر الشغور بذريعة تواجد أخوته في مدينة اللاذقية.
التقرير ذاته أشار إلى أن المحكمة الإسلامية التابعة لفصائل من جيش الفتح تدخلت عدة مرات وكان لديها 13 قضية إعادة أملاك للمسيحيين، إلا أن دار القضاء التابعة لجبهة فتح الشام كانت تعرقل إعادة هذه الأملاك حتى الموجود أصحابها أو المالكين لها بحكم الورثة مثل قصة ناديا خوري التي خسرت بستان أبيها بعد وفاته بمساحة 60 دونم.
موقع سيريا ريبورت قال في نوفمبر 2020 قال إن هيئة تحرير الشام أجبرت عناصر تنظيم حراس الدين على الخروج من منازل وعقارات قرية الغسانية المسيحية غربي مدينة جسر الشغور، واستولت بدلاً عنهم على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس ومعظم عقارات القرية التي أتبعتها لإدارة منطقة جسر الشغور التابعة لحكومة الإنقاذ.
وذكر الموقع أن الغسانية شكلت نقطة جذب للتنظيمات الجهادية بسبب الأعداد الكبيرة من المنازل الخالية والتي تركها أهلها بعد عام 2012 نتيجة سيطرة المعارضة السورية عليها وخوفاً من قصف طيران النظام واشتداد المعارك وبروز الصبغة الإسلامية على الفصائل، لافتاً أن عدد سكانها كان قرابة 10 آلاف نسمة، نزح أغلبهم بسبب الحرب، إلا أن مصدر مطلع أكّد لفوكس حلب أن لم يعد فيها أي من سكانها وباتت كل عقاراتها تحت تصرف الهيئة.
أما في القرى المسيحية الواقعة شمالي جسر الشغور وغربي إدلب والمجاورة لبعضها وهي: القنية واليعقوبية والجديدة، فكان واضحاً امتداد أذرع الهيئة العقارية في غالبية عقارات هذه القرى، خاصة في ظل تواجد تنظيم حراس الدين والحزب التركستاني الإسلامي واكتناز حصتهم من عقارات غاب أصحابها عنها، مع السعي الدائم والحثيث للهيئة لتقليص وجودهم وهذا ما حصل.
نادر أحد المسيحيين الذين استولت هيئة تحرير الشام على بيته وأرضه في قرية الجديدة في جسر الشغور، يظهر مقطع الفيديو الذي أرسله نادر اقتطاع نحو ثلاث دونمات من أرضه البالغة نحو 30 دونم مزروعة بالزيتون وبناء مركز لاستقبال حالات كورونا من قبل حكومة الإنقاذ، مع ظهور عبارة هيئة تحرير الشام على جدار المبنى، لتصبح الأبنية مقرّاً للمكتب الزراعي التابع للهيئة، وهو المشرف على إدارة الأراضي الزراعية في القرى الثلاث وما حولها.
لم يتمكن نادر المقيم منذ 25 سنة في مدينة دمشق من إجراء وكالة لشقيقه المقيم في قرية الجديدة، وفشلت كل محاولات الأخير أثناء زياراته المتكررة لمكتب الغنائم في جسر الشغور، الأمر الذي أبقى منزل وأرض نادر بحوزة الهيئة مع خشيته من استملاكهم إلى الأبد.
إدارة المصادرات
تولّت حكومة الإنقاذ إدارة مكتب الغنائم في إدلب/المدينة بدءاً من عام 2019 دون أن تتبعه لأي من وزاراتها. يكشف قصي (اسم مستعار لموظف في أحد مكاتب الغنائم) أن سجلّات المكتب من العقارات المبنية والأراضي باتت تدار بطريقة تشاركية مع الهيئة، مؤكّداً أن رواتب الموظفين الذين هم في الأصل أفراد في الهيئة تصرف من حكومة الإنقاذ، في الوقت الذي تذهب فيه أجور البيوت والمحلّات إلى خزينة وزارة الاقتصاد والموارد، أما المحاصيل الزراعية، أهمها الزيت، وثمنها فهي إلى الآن تذهب إلى خزينة المكتب الاقتصادي في الهيئة.
وكان لافتاً في يونيو/حزيران الماضي مذكرة الإخلاء التي صدرت بحق عائلة نازحة من قبل ما يسمى الإدارة العامة للإسكان، دون تبيان عائدية هذه المؤسسة لأي وزارة في الحكومة وغموض تابعيّتها للهيئة، إلا أن وسائل إعلامية وناشطون قالوا إنها الاسم الجديد لمكتب(لجنة) الغنائم، حتى الشخص الذي صدرت بحقه المذكرة ذكر في منشور على فيسبوك أن لجنة الغنائم هي من طالبته بمغادرة المنزل.
أمّا خارج مدينة إدلب والقرى المسيحيّة،أولت الهيئة لمكاتبها الاقتصادية والقوة التنفيذية التابعة لها متابعة عمليات الاستيلاء، واستغلت العقارات التي كانت بيد الجيش الحر وخاصة تلك التي لم يعد أصحابها إليها، وحوّلتها إلى مقرّات ومكاتب تابعة لها أو لاستثمارات مصلحتها، مثّلت جميعها مصدر تمويل يضاف لمصادرها الأخرى ويرعاه المكتب الاقتصادي.
يقول سميح، الذي ورد ذكره سابقاً، وهو اسم مستعار لأحد أفراد هيئة تحرير الشام سابقاً، إن البيوت المصادرة أصبحت إما مقرات أو أجرت للنازحين أو أسكنت فيها عوائل المقاتلين، بموازاة ذلك كان عناصر الهيئة يجمعون محاصيل الأراضي المصادرة أو يلجؤون لاستثمارها في “الضمان السنوي”، وكل هذا كان يحصل بأوامر من أمير الاقتصادية.
يوضح سميح أن أمير الاقتصادية هذا، غالباً ما يكون من أبناء القرية أو المنطقة، وأحد قيادات الجبهة، ويجب أن يكون لديه دراية بأبناء القرية ومنازلهم وممتلكاتهم، يعيّنه المكتب الاقتصادي، ويتمتع في اتخاذ قراراته بسلطة مستقلة عن الأمير العسكري والإداري في نفس المنطقة.
نظرة قانونية على المصادرة
ما سبق من قصص دفعنا إلى أسئلة: ما هي الاعتبارات التي تقوم على أساسها المصادرة، ومن هي الجهة الرئيسية التي تصدر قرار المصادرة، وهل هناك سبيل أو منفذ لفك الحجز وإعادة الملكية لصاحبها، وما هو دور حكومة الإنقاذ من كل ما يحصل.
قبل البحث عن إجابات لتلك الأسئلة، وتنويهاً، من باب حق الفرد في ملكيّته وحمايته من المصادرة، لا بدّ من ذكر ما تضمنته المادة 15 من الدستور السوري التي قالت إن الملكية جماعية وفردية مصانة، ومنعت نزعها إلا للمنفعة العامة، وأجازت المادة المصادرة الخاصة لكنها لا تفرض إلا بحكم قضائي مبرم، في حين قالت المادة 768 من القانون المدني السوري إن لمالك الشيء وحده، في حدود القانون، حق استعماله واستغلاله والتصرّف فيه.
يقول المحامي حسام سرحان، رئيس المكتب التنفيذي في تجمع المحامين الأحرار، إنّ إتيان المصادرة بحكم قضائي هي بمثابة عقاب، ويبيّن أنها نزع المال أو العقار أو أي ملكية عن مالكها وإضافتها إلى أملاك الدولة من دون تعويض، وخير مثال على هذا أحكام المصادرة التي أقرها النظام السوري في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012.
أما غصب العقار فهو الاستيلاء أو وضع اليد على ملك الغير دون رضاه أو علمه ودون وجود سند قانوني يثبت الملكية أو سبب مشروع، وهذه عقوبتها بالحبس حتى ستة أشهر وفقاً للمادة 723 من قانون العقوبات السوري، على أن تصبح العقوبة مدة سنة إذا رافق الجرم تهديد أو جبر على الأشخاص، ويعاقب بالحبس مدة ثلاث سنوات إذا ارتكب الجرم جماعة من شخصين على الأقل مسلّحين بحسب المادة ذاتها.
وتلخيصاً فإن المصادرة هو إجراء تتخذه مؤسسات عامة ذات شخصية اعتباريّة، أما غصب العقار أو وضع اليد يقوم به أشخاص عاديون وسلطات أمر واقع، وما يحصل في مناطق الشمال السوري هو مصادرة من حيث الشكل، إذ إن هناك قرارات تصدر من سلطات الأمر الواقع سواء حكومة الإنقاذ أو هيئة تحرير الشام، بينما هي غصب عقار أو وضع يد من حيث التنفيذ طالما لم تنقل الملكية إلى أملاك الحكومة أو الهيئة في السجلّات العقارية.
البحث عن حكم قضائي
تواصلت فوكس حلب مع مسؤول العلاقات العامة في هيئة تحرير الشام محمد الصادق الذي أكّد أنّ الملكيّة الخاصّة مصانة طالما لم يثبت على الشخص تعامله مع النظام السوري، منوّهاً أنّ الهيئة لم تعد معنيّة بإصدار قرارات المصادرة والإدارة والتحكم بهذه الأملاك، وأن هذا قد جرى قبل عام 2018 دون استثناء لأي فصيل، إذ كان لكل منها مكتبه الاقتصادي الذي يصادر عقارات من تمّت معاقبتهم، أمّا الآن هناك فقد انتهى زمن الفصائليّة وهناك إدارة موحّدة وعمل مؤسّساتي منظّم تحت مظلّة حكومة الإنقاذ، لافتاً أن وزارة العدل باتت مصدر القرار في هكذا حالات.
لم يتسنّ لنا التواصل مع وزارة العدل قبل التنسيق مع مديريّة الإعلام في الحكومة والتي بدورها طلبت ان نرسل الأسئلة مكتوبة وهذا ما فعلنا، إلّا أننا لم نلق رداً حتى الآن، لذا توجّهنا إلى الجريدة الرسمية في الموقع الرسمي الخاص بحكومة الإنقاذ بحثاً عن قانون ينظم عمليات المصادرة أو وضع اليد وقرارات حجز ملكيّة على من جرى معاقبتهم لكننا وجدناها فارغة، ما دفعنا إلى البحث في كافة التعاميم والقرارات والبيانات في الموقع الرسمي للحكومة ولوزارة العدل دون أن نعثر على شيء.
يقول موسى.أ وهو مقاتل سابق في تنظيم جند الأقصى ومقاتل ثم شرعي في هيئة تحرير الشام إن عملية البت في المصادرات قد انتقلت بعد عام 2018 من المكتب الاقتصادي إلى أروقة المحكمة العسكرية في إدلب التي تتبع اسميّاً لوزارة العدل فيما تدار من قبل الهيئة، حيث يتولى قاضي ما يسمى “المصادرات الاقتصاديّة” مهمة إصدار القرار بناء على دراسة أمنيّة – يجريها إما مكتب الدراسات التابع للهيئة أو مكتب الدراسات التابع لوزارة الداخلية- تثبت أن هذا الشخص قد قام بالتشبيح أو تعامل وتخابر مع النظام.
“تتجلى عمليات الاستيلاء ووضع اليد على عقارات الموظفين والمتهمين بالعمالة أو التشبيح في حال غيابهم، ويحق لأي شخص كان في إدلب أن يقدم معلومة للهيئة أو الحكومة لتبدأ الدراسة حوله والتي قد تطول حتى ثلاثة أشهر وإن ثبت عليه شيء تنقل نتيجة الدراسة إلى المحكمة العسكرية لإصدار القرار الذي ينفّذه المكتب الاقتصادي عبر الأمير والقوة التنفيذية التي تسانده” يقول موسى.
إلى جانب ذلك فرضت حكومة الإنقاذ الحصول على موافقة أمنية في عمليات بيع العقارات ونقل الملكيّة، سواء للمقيمين في مناطق سيطرتها أو الموجودين خارجها، وهو ما عدّه المحامي حسام سرحان، وسيلة لتقييد حرية التصرّف التي ضمنها القوانين السورية آنفة الذكر، كون الدراسة الأمنية تخضع لمزاجية الأجهزة التي تصدرها وقرب أو بعد الشخص عن الخط الثوري أو الجهادي وطبيعة مواقفه السياسيّة، وهي خطوة تلاقي ممارسات النظام في انتهاكاته السافرة لحقوق الملكيّة.
وعن آلية إصدار الموافقة الأمنية التي لم تصدر وفق قرار رسمي واضح يخبرنا محامٍ في إدلب رفض ذكر اسمه في هذا التحقيق أنها تبدأ بأن يقوم الشخص أو موكلّه بتقديم طلب يسمّى”بيان وضع” إلى مكتب الدراسات التابع لوزارة الداخليّة، قبل أن يثبّت ملكيته أو يجري معاملته في السجل العقاري، وفي فترة أقصاها ثلاثة أشهر تصدر نتيجة الدراسة، فإن كانت سلبية يمنع صاحبها من التصرّف بممتلكاته، وعليه أن يقوم بتقديم طلب إعادة نظر إلى الوزارة، على إثره يخضع لتحقيق في فرع المعلوماتيّة ينتهي إما بإعادة دراسة لملفّه أو وضع إشارة قصر تصرّف تمنعه من التصّرف بأملاكه.
أما المقيمون في مناطق النظام أو خارج سورية فهؤلاء ليس عليهم إلّا أن يأتوا إلى مناطق حكومة الإنقاذ، وقيامهم بالإجراءات السابقة في حال كانت الدراسة سلبيّة، يخبرنا أبو منجد من أبناء مدينة بنّش في إدلب ومقيم في حلب إنّه تعثّر في فراغ(نقل ملكية)أرضه لأخيه في بنّش الذي اشتراها، وذلك بعد أن جاءت نتيجة الدراسة سلبية. هذه النتيجة ستتكرّر في حال قرر أبو منجد تثبيت عقد البيع في سجلات النظام بسبب انضمام أخيه لحركة أحرار الشام سابقاً، وسط ذلك بقي عقد البيع هو الوثيقة الوحيدة التي تثبت ملكية أخيه للأرض.
فتاوى واجتهادات
“ملك الشبيح حق للمجاهدين”، كثيراً ما كانت تسمع هذه العبارة وما زال يتردد صداها إلى الآن في أروقة المدينة وأريافها، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الهيئة اتكأت على فتاوى ونصوص شرعية وجدت في بيئتها الحاضنة وأوجدت الأرضية المناسبة لوضع يدها العقارات مع غض الطرف عن النصوص والقوانين التي تحفظ حق الملكية الخاصة في مواد القانون المدني السوري ودستور سوريا والقانون الدولي العرفي، والركن لمقولة “هؤلاء شبّيحة ويستحقّون العقاب، بل هذا هو السبيل الوحيد لمعاقبتهم في غيابهم”.
في صورة لإحدى أسئلة امتحان مادة فقه الجهاد في كلية الشريعة في إدلب، يبرز سؤال: ما حكم الأموال العقارية التي يستولي عليها المجاهدون”. بمساعدة أحد طلّاب الشريعة حصلنا على نسخة pdf من مقرر كتاب “مختصر فقه الجهاد ونوازله المعاصرة في بلاد الشام”، وجدنا أن هذه الأموال العقارية في باب الغنائم التي يحصل عليها المجاهدون في سوريا مثل النقود والعقارات وسائر الممتلكات التي يملكها النظام و”الشبيحة” و”النصيرية”.
وفقاً للكتاب فهذه الأموال جميعها غنائم يصرف خمسها في الكراع( الآليات التي تنقل المجاهدين وسابقاً كانت تدل على الخيل) والسلاح ومصالح المسلمين، وتحقّ للذين نصبوا أنفسهم للقتال وانفردوا للثغور وسدها، إذ يقسم فيهم على قدر كفايتهم، ويصرف قسم منها أيضا على قرابة النبي والأيتام والفقراء والمساكين وابن السبيل، ثم يوزع الباقي بالعدل على بقية المجاهدين على طريقة أن للراجل سهم ولصاحب الدبابة والمصفحة ثلاثة أسهم.
تواصلت فوكس حلب مع مؤلف الكتاب ابن النجار الدمياطي، المقيم في تركيا، وهو ياسر أحمد بدر أحمد النجار، مواليد دمياط في مصر عام 1982، وحائز على شهادة دكتوراة في الشريعة الإسلامية من جامعة استانبول.
يقول المؤلف إنه أجاز للمجاهدين اغتنام عقارات الشبيحة وقوات النظام في بداية الثورة، وقتها قصد بالاغتنام الاستفادة من بيوتهم ومحاصيل أراضيهم بالإضافة إلى نزع ملكيتهم منها مدى الحياة إن أمكن ذلك، موضحاً أنه استند في هذه إلى نصوص واجتهادات شرعية بغض النظر عما تقوله القوانين السورية والدولية التي تكفل حقوق الملكية، أما الآن يقول أنه لا يستطيع أن يحدّد إن كان هذا حق للمجاهدين أم لا، خاصّة أنّ هناك أملاكاً لفئات غير مقاتلة، من موظفين ومتّهمين بالعمالة والتشبيح ومسيحيين، وهذا كلّه يعود تقديره للهيئات الشرعية العاملة اليوم في إدلب.
كلمة”شبيح” لا وجود لها في نصوص الشريعة الإسلاميّة، صاحبها يعامل معاملة المرتدّ عن الإسلام، والاخير تصادر أملاكه وتزول ملكيته عنها إن أقدم على ترك الإسلام، بحسب فتوى شرعية نقلها إلينا موسى من قاضٍ في الهيئة بطريقة غير مباشرة، أما المسيحي فيصادر ماله إن ثبت “تشبيحه”، ويبقى في عهدة المجاهدين الذين يحق لهم الانتفاع منه طوال غياب صاحبه غير المدان.
الفتوى التي وصلتنا تتناقض مع ما تناقله ناشطون وعدة وسائل إعلامية ما أسموه “وصايا اللجنة الشرعية لغرفة عمليات جيش الفتح “للمجاهدين المقتحمين”، قبيل معركة تحرير مدينة إدلب في آذار 2015، وكان أبرز ما جاء في الوصايافتوىلرئيس مركز دعاة الجهاد في سوريا، عبد الله المحيسني يطلب فيها عدم التعرّض لدماء وأموال النصارى”المسيحيين” الذين لم يقفوا مع النظام، ومن وقف منهم معه فيعامل مثله، مشيراً أنّه نقل لشيخه “العلوان”(لقب الشيخ) أن بعض الفصائل تأخذ أموال النصارى فأنكر ذلك بشدّة،كما نقلت صحيفة المدن عن المحيسني قوله” إن رأي علماء الجهاد وشرعيي الفصائل هو حرمة التعرّض لدماء وأموال النصارى”، بموازاة ذلك أدانت دار الإفتاء المصريّة الهيمنة العقارية على أملاك المسيحيين في إدلب.
اليد الطولى للهيئة
مسؤول العلاقات العامة في الهيئة محمد الصادق أكّد لفوكس حلب أن الحكومة هي المعنية بإدارة العقارات في إدلب، مضيفاً أنه في حال حصل تدخل من الهيئة فهو فقط في سياق المؤازرة للحكومة في تنفيذ قراراتها الملزمة، وهو ما يفسر اتهامات كثيرة طالت الهيئة بأن الأخيرة أرادت إخراج المقاتلين الأجانب”المهاجرين” من العقارات التي يسكنوها والاستيلاء عليها في فبراير من هذا العام، ما دفعها لإصدار بيان يوضح ذلك
فوكس حلب حصلت من مصدر خاص على وثيقة تؤكد الصلاحية المطلقة للهيئة في إدارة العقارات، ذلك من خلال كتاب وجهه جهاز الأمن العام التابع للهيئة إلى ستة أشخاص، تطلب منهم إخلاء العقارات التي يشغلوها في قرية اليعقوبيّة خلال مدة أقصاها 15 يوماً، وتسليمها للمكتب العقاري (مكتب الغنائم) الذي يدار من قبل الهيئة والحكومة كما أسلفنا.
الأمن العام وجه الكتاب في منتصف 2020، وهو ذات الوقت الذي بدأت فيه بإخراج عناصر تنظيم حراس الدين من عقارات الغسّانيّة، وهنا أكّد المصدر لفوكس حلب أن الأشخاص الواردة أسماؤهم في الكتاب قاموا ببيع العقارات التي يشغلونها أو قسم منها لعناصر من حراس الدين أو الحزب التركستاني أو لأشخاص عاديين بمبالغ بين 1000 إلى 3000 دولار.
منفعة اقتصاديّة
بحسب شهادة موسى الذي كان ضمن عناصر جند الأقصى حين تحرير إدلب إن عمليات الاستيلاء على منازل في المدينة عائديتها فقط للموالين والشبيحة ومن شابههم من المسيحيين، مؤكّداً أنها جرت بشكل تعسفي وبطرق غير منظمة، بالإضافة إلى منازل وضعت اليد عليها بغرض السكن فقط، إذ بات كل منزل فارغ مقصداً لإحدى العوائل المقاتلة او النازحة، وهو ما اختلف عن السياسة الواضحة للهيئة اليوم، حيث لم تسعى الفصائل لتأجير المحلات والمنازل والاستفادة منها ماديّاً كما فعلت الهيئة التي اعتبرت فيما بعد كل أملاك المسيحيين الغائبين غنائم يحق للمجاهدين الاستفادة منها حتى يعود أصحابها.
من جانبها قالت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في تقريرها المشار إليه سابقاً إن عائدات هيئة تحرير الشام من إيجار المنازل في مدينة إدلب وحدها قد تجاوز 70 ألف دولار، وهو رقم قد تضاعف لمرّات بعد زيادة عدد البيوت التي استولت عليها الهيئة منذ 2019 إلى اليوم إضافة إلى رفعها لقيمة الإيجارات إلى الضعف بحسب مصادر فوكس حلب من داخل المدينة، إذ وصل إيجار بعض المنازل إلى أزيد من مئة دولار وخمسين في الحد الأدنى، أما المحلّات يتراوح إيجارها بين 200 و400 دولار.
وإن افترضنا أن الهيئة أجرت المنازل والمحلّات التي صادرتها وبأدنى سعر ، فإنها ستكسب سنوياً نحو 300 ألف من البيوت، و120 ألف دولار من المحلّات، هذا ما عدا المحاصيل والتي أغلبها من الزيتون والمجنيّة من آلاف الدونمات التي تعود لمسيحيين.
يتولّى المكتب العقاري تأجير وإسكان العائلات في المنازل المصادرة، جميعها تحمل أرقاماً تسلسلية باللون الأزرق على جدرانها، وتدفع مبالغ الإيجار للمكتب كل ثلاثة أشهر، ويتفاوت سعر الإيجار حسب طبيعة المستأجر وعمله بالإضافة إلى مساحة المنزل وموقعه، فعلى سبيل المثال يدفع مقاتلي الهيئة مبالغ “رمزية” مثل 50 ليرة تركية في الشهر، في حين تؤجّر بعض المنازل للمقاتلين المهاجرين من غير صفوف الهيئة أو لنازحين بمبالغ تصل إلى 500 ليرة تركيّة، وهي الطريقة ذاتها التي يتبعها المكتب الاقتصادي في منازل المناوئين، بينما تذهب عائدات إيجار المحلّات التي ترقّم تسلسليّاً باللون الأسود إلى المجلس المحلى التابع لحكومة الإنقاذ، وذلك لقاء الخدمات التي يقدّمها للسكّان، مع العلم أن المكتب العقاري كان في الأعوام السابقة مسؤولاً عن تأجيرها.
يقول وسام، وهو مسيحي مقيم في القنيّة، إنّ المكتب الزراعي قد سعى هذه السنة للاستفادة القصوى من الأراضي الزراعية، فعلى الرغم من قلّة أراضي السليخ فقد استعملت أراضي الزيتون لزرع الجلبان من قبل الهيئة نفسها ومن قبل مزارعين مستأجرين، أما المواسم وأهمها الزيتون فأغلبها تجنى من قبل المكتب الزراعي وقسم منها يخضع للاستثمار”الضمان السنوي”، وكل هذا يجري عبر لجان زراعية تحدد قيمة الإيجار ومبلغ الاستثمار وتحدد ما ستجنيه الهيئة وما سيضمّن.
يروي وسام ان المكتب الزراعي لديه كل سنة خطة مختلفة لاستثمار الأراضي، فهو لا ينتهج نمطاً معيّناً، يخبرنا أنه في عام 2018 وما قبله كانت غالبية الأراضي تخضع لنظام الضمان، لكن الهيئة غيرت سياستها بعد أن رأت أن قسم كبير من الضمّانين يقومون بقطع الأشجار بعد القطاف للاستفادة من حطبها، ما دفعهم لتضمينها لأقارب الغائبين المسيحيين وإعطائهم الأولوية ومساحات وصلت إلى مئة دونم لكل شخص، في وقتٍ كثرت فيه التقارير الإعلامية والتوصيات والمناشدات التي تطالب بإعادة عقارات المسيحيين وكف يد الهيئة عنها.
يقول وسام إن شروط الضمان كانت مجحفة جدّاً، إذ اشترطت اللجان حصول المزارع على نسبة 40%، وعليه أن يدفع أجور العمال و وتكلفة حراثة الأرض وتقليمها بعد موسم القطاف وعنايتها مثل وضع الأسمدة ورش المبيدات، مقابل حصول المكتب الزراعي على نسبة 60%، لافتاً أن هذا طبّق فقط في عامي 2019 و2020، أما السنة الماضية وهذه السنة تفرّدت الهيئة بجني معظم المحاصيل وضمّنت قسم منها لأشخاص مقرّبين منها ومحسوبين عليها أو موالين لها.
أمام هذا الواقع يروي وسام كيف أن عشرات المسيحيين في قريته ممن بقوا باتوا يتمنون أن يكونوا مستأجرين لأملاك ذويهم بعد حرمانهم منها، ما عزز مخاوفهم بنزع الملكية منهم على المدى الطويل خاصة أن القنية مثلاً لا يوجد بها أكثر من ستين نسمة ومعظمهم من كبار السن، يسمح لهم بالانتفاع من عقاراتهم ويمنع عليهم بيعها أو توريثها.
يخبرنا من تحدّثنا معهم أنه قبل كل موسم (زيتون، محلب، كرز، مشمش، تين)يخرج موظفو المكتب الاقتصادي في أريحا إلى قرى جبل الزاوية التابعة إدارياً لأريحا حتى قبل الثورة، بمرافقة أمير الاقتصادية في كل قرية، يبدؤون بإحصاء الأراضي وتقييم مواسمها، وعلى هذا الأساس ينتقون ما ستجنيه الهيئة بنفسها أو ما سيذهب للضمان.
عودة عسيرة مع وقف التوريث
مع نهاية شهر أيار الفائت، اكتملت عشر سنوات عدّها أبو أحمد(اسم مستعار) بعيداً عن بيته في جبل الزاوية في ريف إدلب، حاله يختلف عن بقية السوريين الذين هجروا منازلهم إلى مناطق أخرى داخل سورية، أو اختاروا السفر خارجها، على أمل أن يعودوا إليها مع انتهاء الحرب وتوقف المعارك، إذ تسيطر الآن هيئة تحرير الشام على منزله، حارمة إياه من بيعه أو التصرّف به كما يشاء.
بدأت القصة في أيار 2012، وقتها حصل خلاف بين أحد أخوة ابو أحمد مع فصيل جبهة شهداء سورية في الجيش الحر، والتي كان يقودها جمال معروف آنذاك، نتيجة إيقاف شقيقه على الحاجز وطلب هويته في قريته، فما كان منه إلا أن يقيم حاجزاً أمام بيته اعتراضاً على ممارسات الفصيل.
اعتبر جمال معروف ما حصل تحدّياً للجيش الحر والثورة بأكملها، سريعاً توجه ليلاً مع مجموعة مسلحة أنهت حياة شقيق أبو أحمد، فيما لاذ الأخير بالفرار قبل اقتحام بيته المجاور لبيت شقيقه.
كانت التهمة الموجّهة لأبو أحمد أنه العقل المدبّر لما فعل أخوه، وعليه صودر منزله ومنزل شقيقه، ومنع أولادهما من الاقتراب من المنازل، كما صودرت الأراضي الزراعية التي تعود لمعظم أفراد العائلة.
مع نهاية عام 2014 أفرزت الحرب الدائرة بين جبهة ثوار سورية وجبهة النصرة(هيئة تحرير الشام الآن)، سيطرة الأخيرة على عموم جبل الزاوية ومن ضمنه قرية أبو أحمد الذي وجد أن الفرصة باتت سانحة لاستعادة أملاكه وأملاك أخيه المتوفى.
اعتقد أبو أحمد أن عملية إزاحة جمال معروف ستعيد إليه ولورثة أخيه أملاكهم، تواصل مع جبهة النصرة عبر عدة وسطاء من أهل القرية ومن مقربين من النصرة مستفيداً من العداء المشترك لجمال معروف، إلا أنّ أمير النصرة في قريته قال إنه سينظر في وضعه وإن كان لديه حق سيستعيده.
يقول ” تفاجأت حين أخبروني أن الجبهة قد أسكنت عائلتين من المقاتلين المهاجرين في منزلي ومنزل أخي منتصف 2015، بالإضافة إلى وضع يدهم على أراضينا وإخبارنا أنها أصبحت من الغنائم حتى تثبت براءتنا”.
على الرغم من مرور وقت طويل على مصادرة منزل أبو أحمد، وخلوه بعد نزوح أغلب أهالي قريته إلى مخيمات الشمال إثر الحملة العسكرية الأخيرة للنظام على إدلب مطلع 2020، إلا أن منزله بقي تحت تصرف هيئة تحرير الشام باستعماله كمستودع ومؤخراً مقراً لهم، ومنع أبناء أخيه من إرث أبيهم المتوفّى،ومنذ بضعة أشهر كان آخر ما وصل لأبو أحمد من الهيئة، بطريقة غير مباشرة، أن عملية استعادة منزله يمر من بوّابة حكومة الإنقاذ، وأن الهيئة لم يعد لها شأن بحجز الملكية واستردادها.
يقول موسى بالإضافة إلى أحد المحامين في إدلب إنّ خيارات استرداد الملكية تشترط العودة إلى الشمال المحرر والخضوع لمحاكمة، إمّا تبرّئ المتّهم وتعيد له ملكيته أو تدينه وتحكم عليه ثم تعاد له ملكيته بعد تنفيذ الحكم، فعلى سبيل المثال لا يكفي أن يقوم أبو علي الذي ذكرناه سابقاً بتطليق ابنته من زوجها العسكري ليستعيد أملاكه أو حرية التصرف بها، إنما عليه المجيء والخضوع لمحاكمة، وهذا ينطبق على الموظفين والمدنيّين، أما المقاتلين مع النظام فقد صودرت أملاكهم إلى الأبد ولا يحق لأبنائهم أن يرثوها.
وسام هو اسم مستعار لرجل ستيني من أهالي قرية القنيّة، يقول إنه إضافة إلى سبعة أشخاص قد تمكنوا من استعادة عقاراتهم التي استولت عليها الهيئة، إذ شكّل تواجده في مدينة حلب بحكم وظيفته (في شركة خاصة)فرصة سانحة لوضع اليد على محلّه الذي كتبت عليه عبارة جبهة النصرة بالإضافة لأراضيه الزراعيّة، مع الإبقاء على منزله لتردّده عليه في فصل الصيف، والذي صودر لاحقاً بعد تقاعد وسام وغيابه مدة سنة كاملة عن القرية.
اختار وسام أن يعود للإقامة في قريته في 2019 ليقضي فيها بقية عمره ليستعيد أملاكه وأملاك أخوته الخمسة، يقول إن الإقامة الدائمة وسندات إثبات الملكية هي الشرط الأساسي لاستعادة العقار، فضلاً عن حضور عدة جلسات في محكمة جسر الشغور و تحقيقات أمنيّة ودراسات مطوّلة عن صاحب الملكية قد تمتد لستة أشهر بالنسبة للقادمين من مناطق النظام.
وفقاً لوسام يحرم المسيحيون، الغائبون والمقيمون، من التصرّف بأملاكهم بالبيع أو الشراء وحتى التوريث، كما لا يسمح للغائبين منهم لإجراء وكالات لأقربائهم داخل القرى لإدارة أملاكهم والانتفاع منها، خاصة أن الهيئة ولاحقاً حكومة الإنقاذ قد ألغيا كل الوكالات القديمة واعتبروها باطلة، في حين سمحوا لهم بعد عام 2018 باسترداد عقاراتهم شرط الإقامة الدائمة في القرى.
جوزيف شاب مسيحي ينحدر من قرية الجديدة في ريف جسر الشغور ومقيم في بيروت، يروي لفوكس حلب أن الهيئة منعت والدته من الدخول إلى أراضي والده بعد وفاته منتصف 2018، إذ أخبروها أن أملاك المتوفّى قد أصبحت قيد الأمانة وتحت تصرّف المجاهدين، وستأخذ حصتها وفقاً للشريعة الإسلامية كزوجة، أي ثمن مساحات الأراضي، إلا أنها من أصل نحو 80 دونم أعطيت ما يقارب 4 دونمات فقط، يؤكد جوزيف أن والده قد تعثر قبل وفاته ببيع املاكه أو جزء منها، لأجل اللحاق بأولاده إلى أوروبا والعيش معهم، لكن الهيئة كانت تنتهج سياسة “وضع العصي في العجلات” إذ لا أحد سيشتري طالما أن الشاري لن يستطيع تثبيت ملكيته في السجل العقاري.
مسؤول في هيئة تحرير الشام أكد لفوكس حلب أنه لا أحد يحرم المسيحي او أي شخص في الشمال المحرر من التصرف بملكيته، طالما يمتلك ما يثبت ذلك، ولم يتعامل أو يشبّح مع النظام، وسأل”من سيمنعه، هذا ملكه الخاص ولا يحق لأحد منعه أو التعرّض له؟”.
لأجل ذلك تواصلت فوكس حلب مع المديرية العامة للمصالح العقارية في إدلب، والتي نشرت انفوغرافاً يوضح أعمالها المنجزة في عام 2021، منها 15809 عقد نقل ملكيّة، لتبيان وضع عقارات المسيحيين في إدلب وقرى ريف جسر الشغور، وما حصل عليها من تعديلات سواء بنقل الملكية أو بمعاملات حصر الإرث طوال السنوات الماضية، لكن المديرية رفضت التصريح قبل الحصول على إذن من مديرية الإعلام في حكومة الإنقاذ وهذا ما ننتظره إلى آن.
وانطلاقاً من الأسئلة التي وضعناها في تحقيقنا وحاولنا العثور على إجابات لها من خلال حديثنا إلى مصادرنا الخاصة وبحثنا في المصادر المفتوحة، يمنح فوكس حلب الجهات ذات الصلة حق الرد المفتوح بعد النشر، والالتزام أصولاً بنشره والرد عليه وفق الأصول المهنية المتبعة.
حين سرّبت صور، قيصر، بحثت في وجوه القليل من الشهداء، علّي استدلّ على صورة لأخي بينها، في كل مرة كنت أتوقف وأغلق الجهاز ليقيني أنه لن يكون هناك، فاعتقاله جاء […]
حين سرّبت صور، قيصر، بحثت في وجوه القليل من الشهداء، علّي استدلّ على صورة لأخي بينها، في كل مرة كنت أتوقف وأغلق الجهاز ليقيني أنه لن يكون هناك، فاعتقاله جاء بعد زمن تصويرها.
في فيديو مجزرة التضامن بحثت عنه، رغم يقيني أيضاً أنه لن يكون بينها، ذلك أنها حدثت بعد سنتين وفي مكان يبعد مئات الكيلو مترات عن وقت ومكان اعتقاله.
الصور الجديدة لمعتقلين سرّبت صورهم خلال الأيام الماضية بعد قرار العفو عنهم كانت أقرب الاحتمالات لظهوره بينها، لكني لم أستطع متابعتها والتدقيق فيها.
صباح اليوم كانت غرف تلغرام تنقل صوراً لمعتقلين من مدينة حلب في صالة داخل مبنى المحافظة، صالة وثيرة من الخشب المحفور بمقاعد حمراء اللون، على جدرانها ثلاثة أعلام حشر داخلها المعتقلون مع أشخاص وصفهم الخبر بالوجهاء والوحدات الإدارية التي ستتولى استلام المعتقلين وإيصالهم إلى ذويهم.
هذه المرّة دققت في الصور، رغم يقيني أن أخي ليس بينهم، فقيد نفوسه يعود إلى مدينة إدلب التي لم يسكنها يوماً. قبل ذلك بيوم انتشرت صور لمعتقلين داخل مبنى محافظة دمشق، أو في قاعة من محاكمها، بحسب سيل الأخبار المتدفق، والذي لا يتيح لك الفرصة للتأكد، الحقيقة الوحيدة أنهم معتقلون، تلك الحقيقة تأخذ مصداقيتها من الوجوه والأيدي التي لم تقوَ على النهوض والارتفاع أكثر من سنتيمترات قليلة لتهتف للسجّان رغماً عن أنوفها.
في البداية يبدأ البحث من خلال الأسماء، تقف عند كل اسم باسمه، تعيد الكرة باستخدام الحرف الأبجدي الأول، ثم الاسم الأول، الكنية، اسم الأم، المحافظة، تاريخ الميلاد، تقلب الهاتف بيدك، وتعيد من جديد البحث في الأسماء ذاتها، في مواقع أخرى، تنتبه أنك مررت بهذه الأسماء سابقاً، لكن ذلك لا يوقفك خوفاً أن تكون أهملت اسماً في عملية البحث.
تتفلت الأسماء منك، تحاول حفظها بعد مرات عديدة، تفشل في ذلك، فتختار اسماً لافتاً تحفظ تفاصيله، لكن، هذه المرة أيضاً، تعيد قراءة الأسماء من جديد.
يخبرك أشخاص في فيسبوك عن عدم صدق هذه الأخبار، أسماء قديمة وأخرى حديثة، يطلبون التحرّي والدقة، تحاول حذف من لا تثق بصدق أخباره، لكن يدك لا تطاوعك، ويزيد في كل عملية بحث مجموعة أو قناة أو حساباً آخر إلى المفضلات في جهازك.
ثلاثة هواتف وجهاز محمول على الطاولة، جميعها ترن في الوقت ذاته مع كل إشعار، لتبدأ رحلة البحث في كل منها في الإشعارات والأسماء والصور ذاتها.
تقف، تتجول في الغرفة، تدخّن، تصنع لنفسك أكواباً كبيرة من القهوة، تجلس، تحاول التوقف عن الانتظار، لكن دون جدوى.
أربعة أيام مرّت دون أن نستطيع النوم، كل إشعار بات بمثابة منبه، نبهتني زوجتي إلى وقوفي على قدمي عند كل إشعار، مسكت يدي لأجلس لكن عظام مفاصلي لم تساعدني على ذلك.
لم أكن أدرك أني مررت بالصور ودققت فيها لولا أنها شاركتني دقائق النوم القليلة التي غابت فيها الإشعارات، تجوّلت في نومي بين الصور، رأيتها جميعها، هذه المرة لم يكن بإمكاني التوقف، كان الأمر أكبر من قدرتي على الهرب، وجوه مرهقة بملامح بعيدة، ذهول من لم ير النور منذ سنوات، خوف من لم يصدق أنه يوماً سيعود للحياة، وجوه عائدة من الموت، النجاة هي الكلمة الوحيدة التي رافقتني خلال دقائق الحلم، عانقتهم جميعاً دون خوف، لمست وجوههم الصفراء، وضعت يدي على برفق على أكتافهم، خفت أن ألمس فيهم مكان ندبة فيصرخون من جديد.
بين الوجوه لم أجد صورة أخي، حاولت مراراً أن أعيد تشكيل وجهه في ذاكرتي، كل ما أحمله له في خيالي صورته بشعر أقرب إلى الأشقر، يسرحه إلى الخلف، وشاربين شقراوين خفيفين، عيون بنية، أنف متوسط الحجم، وجه مستدير ممتلئ، قامة قصيرة، ووفرة في الصحة. أصابع يديه قصيرة، على أظافرها بقايا بقع سوداء اللون اكتسبها من عمله.
حاولت أن ألعب بالصورة، بحكم الزمن ومحاكاة لوجوه أخرى رأيتها بين قبل وبعد، افترضت أن لا يزيد الوزن عن أربعين كيلو غراماً، شعر حليق (ع الصفر) مرّة، ومرات بتدرج طول الشعر، استبدلت لون الوجه الأبيض والوجنتين المكتنزتين بلون أصفر وبوجنة غائرة)، نسيت أن أخبركم عن أسنانه الصفراء بفعل الدخان، افترضت أن لونهما تحوّل إلى الأبيض، راودتني فكرة أخرى أنه فقد أسنانه، حلقت شاربيه مرة، وتركتهما مرات أخرى، ذقنه أيضاً، جميع تلك المحاولات أفقدتني القدرة على معرفته.
ركنت لفكرة أنه يحفظ الأرقام، كان عمله في الحياة أن يحفظ أرقام الهواتف، جميع هواتفنا تغيرت في السنوات الثمان الماضية لاعتقاله، هاتف بيتنا الأرضي في حلب، هواتفنا المحمولة، هواتف أصدقاؤه، ثم ارتعدت من فكرة أن يكون قد فقد ذاكرته.
ذاكرتنا جميعاً تغيرت، الأماكن التي كنا نقصدها، بيوتنا المدمرة التي تركناها، حياتنا الجديدة في المنافي وأراض النزوح واللجوء، أشكالنا، عدد أفراد أسرتنا، موتنا ومهنتنا، انتماءاتنا السياسية، بائعو الخضار والفاكهة، صاحب الدكان، القصاب، الخضرجي، كنت سأتوه لو عدت أنا إلى المدينة التي عشت تفاصيلها وأعيشها كل يوم، ما الذي سيجده معتقل بعد سنوات من حياته داخل زنزانة بلا ضوء حين سيخرج إلى شوارع لم يعد يألفها.
قالت لي أمي يوماً أن لا علامات فارقة لأخي، سرّاً لمتها لأنها لم تلده بوحمة على الوجه أو القدمين، كنت سأعرفه حينها.
كان أخي، خفيف الظل، تشترى جلسته، إن أتيح لي الكلام معه سأعرفه من ضحكته، إن بقي له قلب لذلك، لكن سريعاً طردت الفكرة من رأسي، أنا الذي أبعد آلاف الكيلو مترات عن مكانه، وعرفت من وجوه المعتقلين أن خفة الظل غادرتهم مع أول يوم من خوفهم الأبدي.
مرة أخرى، أخبرتني زوجتي أني أبحث عنه في المدينة الخاطئة، عليّ أن أبحث في إدلب إذن، حيث لا وجهاء ولا إدارات نظام ستلتقيهم، شعرت بالفرح لذلك، قلت في نفسي سيخفف عنهم جلسة تعذيب أخرى تحت صورة الجلاد محشورين داخل الأعلام والوجهاء، يصرخون بصوتهم الذي نسوا نبرته، بالروح بالدم نفديك..
تحت جسر الرئيس في دمشق، كتب صحفي عن امرأة تتفحص وجوه جميع الأشخاص في المكان، كان وجهه أحدها، بحثاً عن ولدها المعتقل، وضعت رأسي على الطاولة وأنا أقرأ ما كتبه، قاس أن يتوه دليل الأمهات بمعرفة أطفالهن من رائحتهم ودمائهم.
أمام مرآة مكسورة معلّقة على سور مطعم السبيل العائلي في مدينة حلب يفرش أبو أحمد عدّة الحلاقة، مقص ومشط وفرشاة وموس حلاقة، ويضع كرسيه لاستقبال الزبائن “الطيارين” كما يطلق عليهم، […]
أمام مرآة مكسورة معلّقة على سور مطعم السبيل العائلي في مدينة حلب يفرش أبو أحمد عدّة الحلاقة، مقص ومشط وفرشاة وموس حلاقة، ويضع كرسيه لاستقبال الزبائن “الطيارين” كما يطلق عليهم، بعد أن أصبح شراء أو استئجار محل في المنطقة أمراً مستحيلاً لغلاء الأسعار وكساد الحلاقة.
لا يحمل الحلاق أبو أحمد أي معدّات كهربائية تعينه في الحلاقة، مثل السشوار، ولا يملك معدّات تنقية البشرة أو إزالة الزيوان وحب الشباب، ويكتفي بمعدّات الحلاقة القديمة، يقول إنّ ذلك “أريح لرأسه”، فهو حلّاق تقليدي قديم، كما يصف نفسه، رأسماله المقص والمشط، ذلك من جهة، ومن جهة ثانية تلك المعدات تحتاج إلى الكهرباء الغائبة منذ سنوات والمحلات التي لا يمكن طرق باب أصحاب المكاتب العقارية لاستئجارها إلا بكيس كامل من النقود.
يحمل أبو أحمد عدّته على دراجته النارية، عصر كل يوم، إلى الرصيف حيث مكانه المؤقت، بعد أن ينهي وظيفته الرسمية في أحد المشافي، يتأكد من شحن “ماكينة حلاقة قديمة” في منزله، ويبدأ باستقبال زبائنه الذين اعتادوا حضوره وألف ما يطلبونه من “قص شعرهم”، بعيداً عن “الموضة وقصات الشعر الجديدة” التي وصفها بـ “قصة الحداثويين”، يضحك وهو يعيد اللفظ مراراً ليتأكد من إيصال كلماته التي قلبها في رأسه مراراً وأعادها على مسمع كل من يمرّ على كرسي الحلاقة في رصيفه.
في الجانب الآخر من حلب، الشرقية كما بات اسمها الجديد، وبين طريق الباب وحي الحلوانية أكثر من خمسين حلاقاً اليوم، معظم محلاتهم فارغة إلا من زبون عابر، بعد أن كانت تضيق مثل هذه الأيام محلات الحلاقة، قبيل عيد الفطر، وينتظر الشخص لساعات قبل أن يجد راحة عموده الفقري على الكرسي، تاركاً ألم الفقرات والدوالي للحلاقين الذين كانوا يتناوبون على الكراسي لساعات طويلة دون راحة.
أبو محمود، حلّاق في طريق الباب، قال إن الكساد يرافق مهنة الحلاقة طيلة أيام السنة، يتحسن الأمر أيام الخميس من كل أسبوع، وفي بداية كل شهر. حين مررنا بقربه اليوم، كان مشغولاً بقراءة القرآن، وحيداً في دكانه.
يقول أبو محمود إنه كساد عام، لكنه جهز نفسه لاستقبال موسم العيد عسى يعوض قسماً من خسارته، سنّ المقصات، نظف الأمشاط، اشترى لوازم جديدة من الكولونيا وشفرات الحلاقة والبودرة ومصففات الشعر ومعاجين الحلاقة والشبة، إضافة للملح ودواء البنادول!
الأخيرتان ليستا للزبائن، يقول، هي استعداداً لألم قدمي ومفاصلي بعد أن أتعبهما الجلوس الطويل، والأمل في موسم العيد وزبائنه.
يزيد سعر معجون الحلاقة، من النوع المتوسط عن أربعة آلاف ليرة، وعلبة شفرات الحلاقة ماركة “تمساح” عن ألف، ومثبت الشعر عن سبعة آلاف، وعلبة الكولونيا عن عشرة.
يتقاضى حلاقو المناطق الشرقية بين ثلاثة إلى خمسة آلاف ليرة عن كل حلّاقة، بينما يزيد ذلك المبلغ في الغربية عن عشرة آلاف، يضاف إليها مبلغ آخر عن كل إضافة، مثل غسيل الشعر، تجفيف البشرة، إزالة الدهون..
“الأجرة ليست عادلة”، يقول أبو محمود، هذا إن كان هناك زبائن وفرص عمل، لكن أغلب سكان المنطقة يعيشون تحت خط الفقر، وباتت الحلاقة آخر أولياتهم، في الشارع كل صاحب مهنة يلفت انتباهه ما يدخل في صلب مهنته، في حالتي أرى الذقون الفوضوية والشعر الأشعث، لم يعد هناك سوى قلة ممن يهتمون بمظهرهم الخارجي.
يتأفف، سعيد، أربعيني ترك لذقنه حرية اختيار شكلها، يقول إنه كان، في شبابه، يمرّ بالحلاق مرة أسبوعياً على الأقل، تلك الزيارات اليوم تحتاج لربع دخله الشهري، لذلك اقتصر على زيارة ربع سنوية، أحياناً نصف سنوية، بعد جدال ونقاش وقتال مع زوجته التي بات شغلها الشاغل إرساله إلى “الحلاق”.
يرى زبائن تحدثنا معهم إن الأجرة أيضاً ليست عادلة، الحلاقة مثل رغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنها، ولذلك يجب أن تكون الأسعار متهاودة، رأس مال القصة مشط ومقص وشفرة حلاقة، فلماذا كل هذا الغلاء!
يتحدث أبو أحمد عن تكلفة لا يقدرها الزبائن، يقول إن إيجار أقل محل في المناطق الشرقية، (يختار رؤوس الزبائن كعملة يجيد حسابها باعتبار الحد الأعلى الذي يتقاضاه خمسة آلاف ليرة)، إيجار أقل محل يتراوح بين ثلاثين إلى خمسين رأساً محلوقة، في مناطق مثل الشعر يحتاج إلى مئة رأس، ويحتاج إلى أمبيرات للكهرباء (أقل المحلات تحتاج إلى أمبيرين والكبرى إلى أربعة)، يتراوح سعرها بين (ثمانين إلى مئة وستين رأساً محلوقة)، إضافة للمعدات التي تحتاج بين (ثلاثين إلى خمسين رأساً) على الأقل.
بحساب أبو أحمد، تكون أجرة أول عشرة زبائن يومياً مخصصة لدفع التكلفة، ويعيش الحلاق على الزيادة عن هذا العدد وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي تعيشها المدينة.
لا يوجد حلّاق، إلا ما ندر، يكتفي بمهنته، يقول من حدثناهم من حلّاقين، قسم منهم اتجه إلى مهنة الأجداد في الحجامة، آخرون وضعوا أمام محلّاتهم مشاريب رمضانية للبيع مثل السوس والتمر الهندي أو مأكولات مثل المعروك، كذلك بسطات للألبسة، عطورات ومصففات شعر ومثبت شعر وغيرها من المواد للبيع، دلالون عقاريون..
على الرصيف، لا يحدّد أبو أحمد حلاق السبيل أجرة لما يقوم به، يقول إنه يكتفي بما يقدمه الزبائن من نقود دون النظر إليها، وهو ما يجعل زبائن كثر ينتظرون دورهم على رصيفه، يقول إنه سينظم دوراً بمواعيد لحل مشكلة التجمع أمام رصيفه، مع مراعاة ضوء الشمس قبل أن تغيب ووظيفته الحكومية وملاحقة الأطفال الذين يريدون اللعب في المكان.
في المنزل، كانت أم مصطفى تحمل مقص الحلّاقة لتزيين شعر أطفالها، تقول إنها لن ترسلهم إلى الحلاق، تعلّمت في رؤوسهم خلال هذه السنوات وتشعر أن قصاتها تضاهي بل أفضل من الحلّاق في حي مساكن هنانو، حيث تسكن، أما زوجها الذي احتج على تسليمها رأسه فقد ترك لماكينة الحلاقة أن تجزّ ما تبقى من شعره بالكامل، أنهى ما بدأ، غسل رأسه، وأخبرنا أن “رأسه بدأ يتنفس من جديد”.
“عيد الفصح مناسبة دينية، كنا نستعد لها بصنع الخبز أو كعك التنور المالح، والمعمول المحشي بالجوز أو العجوة، والكبب والعصائر الطبيعية، وفي سبت النور كنا نُحضّر الأرز بالحليب الشهي، وتستمر […]
“عيد الفصح مناسبة دينية، كنا نستعد لها بصنع الخبز أو كعك التنور المالح، والمعمول المحشي بالجوز أو العجوة، والكبب والعصائر الطبيعية، وفي سبت النور كنا نُحضّر الأرز بالحليب الشهي، وتستمر الأجواء الاحتفالية إلى أحد الفصح وفيه نُعد البيض الملون، رمزاً للحياة والتجدد”.
هكذا تتذكر جانيت (اسم مستعار)، وهي سيدة أربعينية من جسر الشغور بريف إدلب، طقوس الاستعداد لعيد الفصح، قبل أن تسوء الأحوال المعيشية والاقتصادية في المنطقة، وتضيف: “الآن اختلف الوضع، وأصبحنا نخبز كعك التنور المالح فقط”.
يوافق اليوم 17 نيسان (أبريل) الاحتفال بعيد الفصح، أحد أهم الأعياد الدينية لدى المسيحيين، والذي يُحيي ذكرى قيامة السيد المسيح، في ختام الاحتفال بأسبوع الآلام، وهو الأسبوع الأخير من حياة يسوع، وفقاً للديانة المسيحية.
يبدأ الاحتفال بأسبوع الآلام يوم أحد الشعانين، يليه عدد من الأيام المقدسة، خميس الأسرار، الجمعة العظيمة، سبت النور، وينتهي بأحد عيد الفصح، وفيه يُنهي المسيحيون صيامهم الكبير ويحتفلون بالعيد الذي يليه اثنين الباعوث.
طالما ارتبط الاحتفال بأحد الشعانين في سوريا بطقوس مبهجة، تبدأ في الكنيسة حيث يوزع رجال الدين أغصان النخيل والزيتون على الناس، وخصوصاً الأطفال، ليلوحوا بها في المواكب ويسيرون أمام الخوري والرجال والنساء من خلفه.
كنيسة القديس مار يوسف في ريف جسر الشغور
اختلفت مظاهر الاحتفال اليوم لدى المسيحيين في الشمال السوري، وانحصرت داخل حدود الكنيسة، ولم يعد المسيحيون قادرون على إعلان مظاهر العيد خارج منازلهم، نزولاً عند قرارات الحكومة في إدلب، كما أزالوا جميع الصلبان خارج الكنيسة، وتوقفوا عن قرع الأجراس، لتفادي أن يتعرّض لهم أحد.
عيد تنقصه لمّة العائلة
يقول يعقوب (اسم مستعار)، وهو رجل خمسيني يعيش في ريف إدلب، بعد هجرة عائلته: “أحرص على الاستيقاظ باكراً يوم أحد الشعانين، للذهاب إلى الكنيسة للصلاة والاحتفال، لكن مظاهر العيد لم تعد كما عهدتها طوال عمري. حتى العام الماضي كنت أقضي العيد مع عائلتي وأصدقائي، لكني اليوم أقضيه وحيداً، بعد أن غادر أغلبهم البلد”.
يعقوب هو واحد من نحو مائتي مسيحي قرروا البقاء في ريف إدلب ورفضوا الهجرة، بعدما كان عدد المسيحيين يتجاوز 10 آلاف مواطن، يتوزعون في مدينة إدلب وجسر الشغور، وقرى القنية واليعقوبية والجديدة والغسانية وحلوز، وينتمي معظمهم إلى طائفة الروم الأرثوذوكس، وفقاً لإحصائيات غير رسمية. هذه الهجرة الكبيرة غيّرت خارطة الاحتفال بعيد الفصح في المنطقة، فمن جانبها تقول جانيت: “العيد هو لمة الأهل واجتماع العائلة، حين يجتمع الأجداد والأبناء والأحفاد في بيت واحد، وهذا ما نفتقده اليوم”.
تُعقد الاحتفالات حاليّاً في كنيسة القديس مار يوسف، في بلدة القنية، والتي تستقبل مسيحيي البلدة، ومسيحيي الجديدة واليعقوبية، كما تقام فيها المراسم الدينية وقداس الأحد الأسبوعي. يصف حنا خوري، راعي الكنيسة، الوضع الحالي قائلاً: “لم يعد لدينا عيد، نحن حزينون للغاية، وعيدنا يقتصر على الصلاة في الكنيسة”.
كنيسة القديس مار يوسف في ريف جسر الشغور
متاعب اقتصادية رغم أجواء العيد
يواجه مسيحيو الشمال السوري تحديات اقتصادية عديدة، أغلب جهات الإغاثة تعتبرهم سكاناً أصليين غير نازحين، وبالتالي لا تنطبق عليهم شروط المساعدات الإنسانية، رغم صعوبات الحياة.
يشرح يعقوب المصاعب الاقتصادية: “لا نملك موارد تُحسّن وضعنا المالي إلا قطعة أرض صغيرة، نزرعها ونعيش على محصولها، بعد أن أعادت حكومة الإنقاذ في إدلب، في السنوات الأخيرة، أراضي وبيوت من يمتلكون أوراقاً تثبت ملكيتهم”.
يأتي هذا بعدما كانت جميع أملاك المسيحيين مُصادرة من قبل “مكتب أملاك النصارى”، وهو مكتب تابع لهيئة تحرير الشام، متخصص بأمور ممتلكات المسيحيين في إدلب وريفها، إذ صادرت الحكومة في إدلب أملاك المسيحيين النازحين إلى خارج المنطقة، وكذلك الممتلكات العامة، واستثمرتها كلها. أمّا المسيحيون القاطنون في إدلب ممن يمتلكون أوراقاً رسمية تثبت ملكيتهم للعقارات والأراضي، فيمكنهم استردادها بشكل شخصي، إذ لا تقبل وكالة شخص آخر.
وقد وثقت منظمة “سوريون من أجل تحقيق الحقيقة والعدالة” مصادرة 550 منزلاً ومحلاً تجارياً في مدينة إدلب، من قبل هيئة تحرير الشام، إضافة إلى 750 منزلاً تعود ملكيتها لعائلات مسيحية في قرى ريف جسر الشغور، في 2018.
وانخفض عدد المواطنين المسيحيين في العام 2021، إلى 677 ألفاً، بعد أن بلغ عددهم في العام 2011 نحو 2,2 مليون نسمة، بحسب إحصائيات نشرتها المنظمة غير الحكومية “أوبن دورز”.
كنيسة القديس مار يوسف في ريف جسر الشغور
عيد الفصح وشهر رمضان يلتقيان
يتزامن صيام المسيحيين هذا العام مع صيام شهر رمضان عند المسلمين، ويختلف الصيام المسيحي عن الإسلامي في أن المسيحيين ينقطعون عن الطعام والشراب من منتصف الليل حتى الظهيرة (12 ساعة)، ثم يمتنعون عن تناول اللحوم والدهون والبيض والحليب والألبان ومشتقاتها لباقي اليوم، ولمدة خمسين يوماً متواصلين.
يؤكد يعقوب: “لا توجد أي مشاكل بيننا وبين جيراننا المسلمين، بل تربطنا صداقات قوية مع كثير منهم، على الرغم من وجود بعض المتشددين الذين يُكفّروننا”.
يحرص يعقوب على تصوير أجواء الاحتفال بالعيد في قريته، وإرسال الصور والفيديوهات إلى عائلته وأصدقائه في الخارج، بعدما أصبحت هذه هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لمشاركتهم العيد، وبعد أن أُغلقت الطرقات والمعابر بينهم منذ أكثر من عامين.
في نهاية حديثه يقول: “أمنيتي الوحيدة التي أصلي لأجلها، وأرجوها من الله كل عام، هي أن يلتئم شملنا مع أهلنا وأصدقائنا ونحتفل بالعيد معاً من جديد”.