فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الانتظار في طابور الرنين المغناطيسي المجاني الوحيد في إدلب.. “يا منموت يا منطيب”

فداء الصالح

  في غرفة الانتظار المخصصة داخل مشفى أورينت في إدلب، يجلس مرضى من مختلف الأعمار للحصول على صورة الرنين المغناطيسي لتشخيص أمراضهم، تطول فترة الانتظار وتقصر بحسب الحالة، إذ تصل […]

 

في غرفة الانتظار المخصصة داخل مشفى أورينت في إدلب، يجلس مرضى من مختلف الأعمار للحصول على صورة الرنين المغناطيسي لتشخيص أمراضهم، تطول فترة الانتظار وتقصر بحسب الحالة، إذ تصل أحياناً إلى ثلاثة أشهر، في الحالات الباردة، وتقل إلى أسبوع في حالات أخرى.

وسيم، مريض يسكن في مدينة الدانا شمالي إدلب، انتظر نحو شهرين ونصف الشهر ليدخل غرفة الأشعة لإجراء الرنين المغناطيسي، بعد آلام مبرحة أسفل العمود الفقري أقعدته عن الحركة، وعشرات المراجعات والصور البسيطة والطبقي المحوري التي لم تأت بنتيجة، على حد قوله.

يقول وسيم إن طبيبه المعالج استنفذ الحلول كافة قبل أن يوجهه إلى صورة الرنين المغناطيسي للوصول إلى قرار بشأن حالته، ولكنه “صدم بطول المدة التي عليه انتظارها، والدور الطويل للمرضى، أيضاً بالسعر المرتفع في المراكز الخاصة”.

يوجد في المحافظة  أربعة أجهزة رنين مغناطيسي، أحدها مجاني في مركز أورينت بإدلب المدينة، وثلاثة أجهزة خاصة في مراكز إدلب المدينة وسرمدا والدانا.

وتصل فترة الانتظار في الحالات الباردة، غير المستعجلة، كما أسماها الطبيب عمار الخطيب، مدير مركز أورينت، إلى ما يزيد عن ثلاثة أشهر في المستشفى المجاني، وإلى نحو أسبوع في الحالات الساخنة، المستعجلة.

يبرر الطبيب فترة الانتظار الطويلة بقدرة الجهاز على العمل وزيادة عدد المرضى المحوّلين لإجراء الرنين المغناطيسي، ويقدر عدد الحالات اليومية التي يستقبلها المستشفى بين  22 إلى 28 مريضاً يومياً خلال دوامَي المركز، وهي الاستطاعة القصوى لعمل الجهاز.

ويضيف الخطيب إن حالات كثيرة لمرضى يجري تحويلهم لإجراء رنين مغناطيسي لا تستدعي مثل تلك الصور، ويمكن الاستعاضة عنها بصور الأشعة البسيطة أو الطبقي المحوري، مثل صورة الرأس الخفيفة والقطني 

والديسك، وهو ما يزيد الضغط على المركز ويؤخر الحالات التي يستدعي علاجها إجراء رنين مغناطيسي، لإعطاء تصور أوضح وأكثر دقة عن الحالة المرضية، ويقول الخطيب إنه، وبسؤال المراجعين، يتبين عدم خضوعهم لأنواع أخرى من الاستقصاءات التي يمكن أن تشرح الحالة المرضية دون الحاجة للرنين المغناطيسي!

أيضاً، تؤثر الأعطال في زيادة طول مدة الانتظار، يقول الطبيب الخطيب مع تعيين مهندس مختص بصيانة الجهاز تبقى مشكلة استيراد القطع المعطوبة من موطن تصنيع الجهاز لعدم توافرها في تركيا، إضافة لتأمين تكلفة هذه القطع.

يقدر طبيب القلبية حمزة المروح عدد الحالات التي يضطر فيها الطبيب لإجراء صورة رنين مغناطيسي بواحد إلى اثنين بالألف.

ويرجع الطبيب المروح زيادة الطلب من قبل الأطباء على صور الرنين المغناطيسي إلى ضعف الخبرة وقلة الأخصائيين، إذ لا يمكن، على حد قوله، تشخيص المرض من قبل غير الاختصاصيين إلا بزيادة الاستقصاءات كالصور والتحاليل.

ويضيف الطبيب المروح سبباً آخر لمسه من خبرته وعمله خلال السنوات الماضية، إذ يربط المرضى بين كثرة الطلبات من صور وتحاليل وقدرة الطبيب، ويشيع بين السكان مقولة “هالدكتور شاطر” كلما زادت طلباته!

يكوّن الرنين المغناطيسي صورة للأنسجة الرخوة، إذ يستعمل هذا الفحص أساسًا لتصوير الدماغ والعمود الفقري والمفاصل، ويتم استعماله على سبيل المثال لفحص ما إذا كان هناك فتق قرصي في العمود الفقري، في حين يقوم التصوير بالأشعة السينية بتشكيل صورة للأنسجة الصلبة في الجسم مثل العظام.

لا ينتظر المرضى في المستشفيات الخاصة دورهم لأسابيع، إذ تستقبل المستشفيات طلبات الرنين المغناطيسي وتجريها في اليوم ذاته، ولا تتجاوز مدة الانتظار ساعتين إلى ثلاث ساعات.

وتختلف تكلفة الصورة، بحسب طبيعتها، إذ تتراوح بين 40 إلى 100 دولار، كذلك تختلف مدة التصوير بين 20 إلى 90 دقيقة، وهو ما يفرض إجراء تخدير كامل لبعض الحالات التي تخشى الأماكن الضيقة و الأطفال الذين لا يمكن منعهم عن الحركة أثناء إجراء الصورة

نجا رأفت محمود، مهجر من جنوب دمشق يقيم في مخيم دير بلوط، من جلطة دماغية، وتزامنت إصابته مع تعطل الجهاز المجاني الوحيد في إدلب.

يشرح رأفت ما حدث معه، يقول “حالة من الرعب عشتها، شعرت بالخدر التام في الجزء الأيسر من جسمي، ما يشبه الشلل أصابني، لم تنفع الأدوية التي أخذتها عقب إسعافي إلى أحد مشافي عفرين وإجراء صورة طبقي محوري للرأس مع الاشتباه بحالة جلطة دماغية، ما دفعني إلى مراجعة طبيب خاص طلب مني إجراء صورة رنين مغناطيسي للرأس”.

أسبوع من عدم القدرة على الحركة بالشكل الطبيعي، بحث محمود خلالها عن جهاز رنين مغناطيسي لإجراء الصورة، ومع تعطل الجهاز في إدلب، كان عليه تأمين 80 دولاراً لإجرائها في مركز خاص، إضافة لتكاليف أخرى من أجرة الطريق وغيرها، وهو ما لم يكن باستطاعته.

يقول المحمود إنه انتظر فترة طويلة لإجراء الصورة قبل أن يستطيع تأمين المبلغ من أصدقائه ليتأكد من وجود خثرة دموية في الدماغ ويبدأ بتلقي العلاج المناسب.

 

القمامة تغزو حلب

تموز نجم الدين

  منذ ثلاثة أسابيع أو يزيد، حدث خلل ميكانيكي في سيارتي ما اضطرني إلى ركنها بسبب الكلفة العالية لإصلاحها والذي لا يتوافق مع دخلي المترهل، ونتيجة لذلك فقد تحولت إلى […]

 

منذ ثلاثة أسابيع أو يزيد، حدث خلل ميكانيكي في سيارتي ما اضطرني إلى ركنها بسبب الكلفة العالية لإصلاحها والذي لا يتوافق مع دخلي المترهل، ونتيجة لذلك فقد تحولت إلى مواطن يمشي على قدمين، ويركب وسائل النقل العامة من حافلات صغيرة وكبيرة، ويمارس متعته بالركض ورائها، والانحشار بين ركابها، والتلذذ برائحة العرق التي تندلع من كل حدب وصوب وإبط، بالإضافة إلى روائح العطر الرخيص والتبغ الرديء.

قرأت مقالة منذ فترة تشير إلى أنه للأحاسيس والمشاعر روائح خاصة ومميزة عما سواها، فللخوف رائحة، وللحزن رائحة، وللألم رائحة، وأن لكل كائن بشري رائحته الخاصة التي تجتذب المفترسين من حيوانات وحشرات ومصاصي الكرامة.

في رواية (العطر) لباتريك زوسكيند كانت الروائح والعطور على أجساد الجميلات محرضاً شهياً للقتل عند بطل الرواية، ليستخرج عطراً فريداً من جثثهن، يكون ذلك العطر بذاته سبباً كافيا لنهشه بعد أول قطرة منه يفرشها على جسده، وهذه الرواية تتلاقح بشكل غرائبي مع الرواية السورية التي تمتز الحكومة فيها ما تبقى من ضوء ولون وروائح فرح، لتصنع مزيجاً من حزن السوريين وتقدمه إلى العالم كأنموذج فريد عن (الإنسان الأعلى) كما ذهب نيتشه، والسوبرمان السوري الصامد والقادر على تجاوز الأزمات والحروب (بوجه وضاح وثغر باسم)، ولكني أراه أشبه بكائن مشوه (فرانكشتايني) الملامح، سيدمر يوماً ما أولئك الذين صنعوه.

الروائح تصر على الإحاطة بي مع أني لا أملك أنف بدري أبو كلبشة الحساسة للجرائم، إلا أني استنشقت روائح نتنة تجول في محيط سيارتي الذي تحول إلى مركز معتمد لدى أهل الشارع، لرمي أكياس قمامتهم الملونة، وبقايا أعواد الملوخية، وقشور البطيخ الأحمر والأصفر. لم أجد مبرراً للأمر سوى أن الجيران اعتبروها خردة مهملة ستلبث إلى أمد طويل، وعليه فإن اعتبارها مكباً للنفايات أمر وارد جداً.

هذا الأمر جعل موضعها مكاناً خصباً للقوارض والحشرات الزاحفة والطائرة، ونتيجة لذلك لم استغرب وجود بضع عظيمات منهوشة فوق محرك السيارة. فصرت مضطراً لتغيير موقعها كل يومين حرصا على المصلحة العامة.

مؤسسة النباشين

لم تمر ليلة أو ضحاها حتى تم نبش أكياس القمامة بطريقة عشوائية لتنتثر في الأرجاء مشكلة لوحة سوريالية في الشارع، يكاد المرء لا يطأ شبراً إلا ووجد تحت قدميه ما يثير الاشمئزاز.

تلك المجموعات من النباشين تبدو فوضوية للوهلة الأولى، ولكني لاحظت مدى التنظيم الذي يعملون به، من ناحية تقاسم النفوذ على المناطق فيما بينهم، ليأتي لاحقاً فرز الأولاد واليافعين على الحاويات، ومجاميع النفايات المنتشرة في نواصي الشوارع والأزقة، إذ يقومون بفرز البقايا البلاستيكية والورقية والمعدنية، ومن ثم تجميعها وبيعها في أسواقهم الخاصة.

وقد كشف أحد المسلسلات السورية (على صفيح ساخن) والذي عرض في رمضان تلك الشبكات والمافيات التي تستغل الأطفال لرميهم في قيعان الجهل والرذيلة والمخدرات.

قال لي أحدهم بأن متوسط دخله يتجاوز عشرة دولارات بمتوسط عمل يومي لا يتجاوز ست ساعات في المناطق الشعبية، أما الأحياء الراقية فيسيطر عليها عمال النظافة التابعين لمجلس مدينة حلب، حيث تدر دخلاً إضافياً لا يستهان به مقارنة مع الراتب الذي لا يتجاوز 20 دولاراً شهرياَ.

وما يدعو للاستغراب ان اليونيسف منذ فترة قامت بزرع حاويات ملونة بثلاثة ألوان في شوارع حلب، من أجل الفرز التلقائي للفضلات البلاستيكية أو الكرتونية، أو بقايا الأطعمة، ليصار إلى الاستفادة منها لاحقاً، والذي يدر بدوره أموالاً طائلة على المجالس المحلية للمدن، ولكن الإهمال والفساد وضعف التعاون من قبل المواطنين جعل المشروع يموت في الحاويات.

عمال نظافة الوطن

لا يختلف وضع عامل النظافة قانونياً عن أي موظف حكومي من ناحية الحقوق والواجبات، ولكن المجتمع وحتى الموظفين في القطاعات الأخرى يعتبرونهم موظفين من الدرجة العاشرة نتيجة ظروف عملهم الرديئة، حتى أن أحد جيراني أخبرني بحديث تهكمي عابر عن عمال النظافة: “إن عملهم هو التنظيف، وعملنا رمي القمامة، وإن قمنا برمي فضلاتنا في الحاويات لانقطع رزق الكثير منهم، وقد يصار إلى تسريحهم، وبخاصة أن عقود عملهم موسمية أو سنوية”. ضحكت، ولكنه أصاب عين الحقيقة الأعمى.

هؤلاء الموظفون الذي نحتت لهم اليابان تماثيل من تقدير واحترام عرفاناً بدورهم وتفانيهم، مازالوا يعانون من الإذلال والتهميش والدونية في مجتمعاتنا العربية، ويبدو التناقض واضحاً في غرب الكرة الأرضية عندما تولى جونسون رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن عمل بالتنظيف وغسل الصحون يوما ما!

في رواية الكاتب الارجنتيني برناردو كوردون والتي حملت عنوان (إضراب الزبالين الأخير)، يبدأ الكاتب روايته بمسؤول حكومي يمر بسيارته الفارهة أمام تجمع لـ “الزبالين” وعندما يطول به الانتظار يطلق شتائمه عليهم وينعتهم بالـ (زبالة)، ليقوم أحد العمال بتفريغ حاوية القمامة في سيارته، فما كان منه إلا أن أخرج مسدسه وأطلق النار على العامل ليرديه قتيلاً فيعم الهرج والمرج.

يخرج العمال المسؤول من سيارته ويلقوه في مقلب النفايات، لتلتهم شاحنة نقل النفايات جثته. تبدأ السلطة بملاحقة الزبالين، فتعم الاحتجاجات البلاد، وتتكدس النفايات في المدن، وتعم الروائح النتنة في كل مكان وتنتشر الأوبئة، إلى أن تنتهي الرواية بسقوط السلطة وهروب الأغنياء والفاسدين وكبار المسؤولين إلى الدول المجاورة. ثم يقوم العمال بالعودة إلى عملهم بتنظيف مدينتهم من النفايات والفاسدين والمرتشين.

بعد دعم مادي خارجي، قمت بمسح سيارتي من ذراق الطيور وما تهاوى على ظهرها من نفايات وغبار، ثم توجهت إلى ميكانيكي (يخاف الله).

في الطريق شاهدت عمال النظافة بلباسهم الأزرق يكنسون إحباطنا ووجعنا وكرامتنا عن الأرصفة والشوارع، لترمى في أقرب حاوية بلا وطن.

 “بي سي آر” في إدلب.. خدمة مخبرية مأجورة بتكلفة مرتفعة

محمد الأسمر

  تمتلك إدلب جهازي “بي سي آر” أحدهما مجاني للعموم خُصص لفايروس كورونا، والثاني خاص لأنواع مختلفة من الفيروسات لكن بتكلفة مرتفعة لا يمكن لمعظم المرضى في إدلب تأمينها. مرضى […]

 

تمتلك إدلب جهازي “بي سي آر” أحدهما مجاني للعموم خُصص لفايروس كورونا، والثاني خاص لأنواع مختلفة من الفيروسات لكن بتكلفة مرتفعة لا يمكن لمعظم المرضى في إدلب تأمينها.

مرضى التهاب الكبد ضحية ارتفاع تكلفة الـ “بي سي آر”

تزامن توفر أجهزة “بي سي آر” في إدلب مع انتشار فايروس كورونا في المنطقة، وحصرت صحة إدلب استخدام جهازها المجاني الوحيد لخدمة المرضى المصابين بالفايروس، بينما تغيب الخدمة عن مرضى آخرين ما يضطرهم لإجراء التحاليل المخبرية في مخبر خاص وُجد في الفترة ذاتها.

قبل هذا التاريخ كان مرضى التهاب الكبد يحصلون على التحاليل الخاصة بالفايروس عبر إرسال العينات إلى مخابر في مناطق النظام أو إلى تركيا، وبتكلفة أعلى من التي يدفعونها اليوم، لكن ذلك بقي حكراً على من يستطيع تأمين هذه التكلفة، إذ يتقاضى المخبر نحو خمسين دولاراً في كل مرة يحتاج مريض التهاب الكبد فيها إلى مراجعة طبيبه ليطمئن على سير العلاج.

غياب النسب والتحاليل المخبرية زاد من انتشار فيروسات التهاب الكبد، خاصة C و B، وهي أمراض وبائية تنتقل بالعدوى، وعند التأخر في كشفها وعلاجها قد تؤدي إلى الوفاة.

يقول وليد رعدون، مصاب بالتهاب الكبد منذ عامين، إنه كان يرسل العينات إلى دمشق للحصول على نتيجة التحاليل، وكان يدفع لقاء ذلك نحو خمسين دولاراً، إذ كانت تحاليل مخابر إدلب تقتصر على مراقبة خمائر الكبد بشكل دوري، دون القدرة على إجراء تحليل “بي سي آر” لعدم توفر الأجهزة.

رحلة العلاج كانت طويلة ومكلفة، يقول رعدون، لكن الكشف المبكر عن المرض والمتابعة الدورية ساهمت في شفائه، وهو ما لم يتمكن من تأمينه حسن سويدان، مصاب آخر بالتهاب الكبد.

تفاقمت حالة حسن ليصاب بـ “تشمع الكبد”، نتيجة تأخر الكشف عن المرض وتأمين تكلفة التحاليل والأدوية اللازمة.

يقول حسن إنه توقف عن تناول الأدوية وزيارة الطبيب منذ عام ونصف العام، رغم تحذيرات الطبيب، لكن الأمر تعدّى قدرته المادية.

يعيش حسن بعد نزوحه في أحد المخيمات، وبسبب انتشار المرض فقد شهيته على الطعام وخسر القسم الأكبر من وزنه. حال ذلك من قدرته على العمل في الوقت الذي كان عليه دفع نحو خمسين دولاراً كل ثلاثة أشهر ثمناً لتحليل “بي سي آر” ومثلها للتحاليل الأخرى المرافقة، ونحو مئة ليرة تركية شهرياً ثمناً للأدوية، كذلك معاينة الطبيب وأجرة التنقل.

 بدأت قصة حسن مع المرض منذ 2014، حين أصيب بالتهاب الكبد B، ترافق مرضه وقتها مع خلو المنطقة من أي جهاز “بي سي آر”، ما كان يجبر الأطباء على إرسال التحاليل إلى مناطق النظام والانتظار نحو شهر حتى تعود نتيجة التحليل. يقول “يمكن لو كان التحليل متوفر بإدلب ما كانت تفاقمت حالتي ووصلت لدرجة التشمع”.

التهاب الكبد يعيش بيننا دون تشخيص

لا نملك أعداداً دقيقة للمصابين بالتهاب الكبد في إدلب، وهم الأكثر حاجة لإجراء تحاليل طبية على جهاز “بي سي آر”، لكن بمتابعتنا مع أحد مراكز التبرع بالدم في إدلب تبين أن 2% من المتبرعين تظهر لديهم أعراض التهاب الكبد B، بينما تتراوح نسبة المصابين بالتهاب الكبد C من المتبرعين، بين 0.5 إلى 1% شهرياً، بحسب الدكتور يحيى بكار مدير مركز وطن3 للتبرع بالدم. يستقبل المركز نحو 900 متبرع شهرياً ويوجد في إدلب سبعة مراكز، وهو ما يعكس حجم المشكلة الحقيقي وحاجة المنطقة لتفعيل أجهزة التحليل المجانية.

وكان موقع فوكس حلب قد نشر تقريراً في سنة 2018 تحدث عن وجود أكثر من ألفي إصابة بالتهابي الكبد C و B في إدلب في سنة 2014.”

“بي سي آر” الآلية والتكلفة

 يستعمل الجهاز في تحليل إصابات الكورونا وتنميط الكورونا، وبعض الأمراض التنفسية مثل السارس” متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد”، إضافة لأمراض الكبد مثل التهاب الكبد B وC وحمى البحر الأبيض المتوسط والإيدز، ويوجد في المشافي العامة أربعة أجهزة واحد منها في إدلب وثلاثة في ريفي حلب الشمالي والشرقي، إعزاز وعفرين وجرابلس، بحسب مدير مخبر الترصد الوبائي في إدلب، والذي أرجع اقتصار عملها على الكورونا فقط، بسبب غياب الدعم اللازم لتشغيلها ضمن بقية الاختصاصات.

تقنية الـ “بي سي آر” إحدى التقنيات المخبرية الحديثة المستعملة في الأبحاث ودراسة بعض الأمراض الوراثية سواء الإنتانية أو الجرثومية، ولها الكثير من الاستعمالات بهدف التشخيص أو العلاج و متابعة العلاج، بحسب الدكتور خالد السويد، أخصائي الأمراض الداخلية، والذي قال إنهم كانوا يعتمدوا على عدة بدائل لتشخيص ومعالجة المرض قبل وصول الجهاز إلى إدلب، لكنها كانت أقل فائدة وقدرة على المساعدة في التشخيص مقارنة بالنتائج التي يمنحها الـ “بي سي آر” مثل تحليل العامل الاسترالي أو أضداد التهاب الكبد.

ويضيف السويد “يحتاج المصاب بأحد أمراض الكبد الفيروسية لإجراء التحليل بعد شهر من بدء العلاج، ثم بعد ثلاثة أشهر، ثم بشكل دوري كل ستة أشهر لمعرفة تعداد الفيروس وتحديد نشاط الفايروس من خموله”.

ويتابع “إن تأخر إجراء التحليل كان ينعكس بشكل سلبي على علاج المريض لأنه يؤدي لتأخر تشخيص الحالة وتأخر علاج المريض”.

ارتفاع ثمن الجهاز و نفقاته التشغيلية المرتفعة كانا سببا في امتناع أصحاب المخابر الخاصة عن اقتنائه، إذ ينبغي أن يستعمل المخبر الكيتات اللازمة للجهاز بعد فتح العلبة مباشرة، ما يعني أنه يجب أن ينتظر حتى يتجمع لديه عدد كاف من التحاليل يتناسب مع عدد الكيتات الموجودة ضمن العلبة أو سيضطر إلى تحميل المريض ثمن علبة الكيتات في حال كانت الحالة مستعجلة.

يتوفّر جهاز واحد في مخابر إدلب الخاصة، يقول الطبيب المخبري شهم مكي، إنهم يقومون بأجراء أربعة تحاليل لأنواع مختلفة من الأمراض، أهمها التهابي الكبد C وB”،  وتتراوح كلفة التحاليل الموجودة بين خمسة وعشرين إلى خمسة وخمسين دولاراً، وقد  منح وجود هذه التحاليل في إدلب القدرة للطبيب على مراجعة المخبر ومناقشته في نتائج التحليل، في حين لم يكن الأمر متاحاً خلال الفترات السابقة.

وجود “بي سي آر” في إدلب خفف من متاعب الحصول على التحاليل، لكن كلفته المرتفعة مقارنة بدخل الفرد قللت من الفائدة، إذ يأمل المرضى في الحصول على دعم من منظمات طبية لتجهيز مخبر بإمكانيات جيدة يحوي “بي سي آر” لمساعدتهم في الكشف المبكر عن الأمراض ومتابعة العلاج بشكل مستمر.

 

مصابو الحروق .. نريد أن ننظر في المرآة

منيرة بالوش

ننام بأعين مفتوحة، نخفي ندباتنا عن الناس في منازل دون مرايا، نبحث عن حلول في مكان يندر فيه البحث عن علاج، تضيق بنا طرقات المرور إلى مشافٍ خارج الحدود، ويقلل […]

ننام بأعين مفتوحة، نخفي ندباتنا عن الناس في منازل دون مرايا، نبحث عن حلول في مكان يندر فيه البحث عن علاج، تضيق بنا طرقات المرور إلى مشافٍ خارج الحدود، ويقلل طول الزمن فرصتنا في العودة إلى ما كنا عليه. 

مصابو الحروق في الشمال السوري 

 

إلى الطفلة شمس.. كيف ننام دون أن نطبق أجفاننا

تنام شمس فتلة منذ سبعة أشهر مفتوحة العينين، ينكمش الجلد في منطقة الأجفان العلوية والسفلية، يشد جفنيها ليحرمها من إغماضة تريحها من الألم.

نجت ذات الأعوام الخمسة من الموت بـ “أعجوبة” إثر انفجار المدفئة في منزل عائلتها بريف مدينة سلقين، غطّت الحروق مساحات واسعة من جسدها، تاركة ندباتها وآلاماً لا تطيق حملها، ولم يكتب لأختها الصغيرة الحياة في الحادثة نفسها.

“انطفأت شمس بيتنا، الحريق شوه وجه طفلتي الملائكي وجسدها قبل أن تكمل عامها الخامس”، يبدأ والد شمس حديثه عن التجربة القاسية التي يعيشها ورحلة العلاج التي لم تكتمل.

أحيلت شمس رفقة والدها إلى أحد المشافي التركية، عبرت الحدود لتبقى أربعة أشهر داخل جدران المستشفى، يقول والدها إن الأطباء هناك أخبروه أن رحلة العلاج ستكون طويلة وعلى مراحل عديدة.

خطأ صغير في تحديد موعد العودة إلى تركيا بعد إجازة قضاها والد شمس وطفلته في إدلب حال دون عودتهم لإكمال العلاج، لتبدأ شمس رحلة جديدة في مستشفيات إدلب.

يقول الطبيب مالك بزع، اختصاصي الجراحة الترميمية في مستشفى معرتمصرين بريف إدلب إنه أجرى لشمس عملاً جراحياً على مرحلتين، وإن حالتها تستدعي علاجاً مستمراً لأكثر من سنتين في مراكز تجميل ترميمية متقدمة، إضافة لعلاج فيزيائي ومشدات ضاغطة وشرائح سيليكون، وإن هذه الاحتياجات غير متوفرة في مستشفيات إدلب.

تنتظر شمس أن يسمح لها بالعودة إلى تركيا بعد عجز مراكز الحروق في إدلب عن علاجها، يشرح الطبيب بزع ذلك في تقريره عن حالة الطفلة، يقول إن شمس وحالات أخرى تحتاج إلى إجراء عمليات تجميلية في مستشفيات متقدمة ومتخصصة، وهو ما لا يتوفر في الشمال السوري.

إلى أن يسمح لها بالعلاج، تنام شمس مفتوحة العينين، تحمل على جسدها الطري حروقاً وندبات لا يمكن تجاوز ألمها، يرافق ذلك خطورة لتأخرها في العلاج. شمس لا تملك رفاهية الوقت والانتظار علّها تحظى بمساعدة تخفف من آثار الحروق وتبعاتها.

مراكز محدودة واختصاصيون معدودون على الأصابع

يوجد في إدلب ثلاثة مراكز متخصصة بعلاج الحروق، مستشفى العيادات في إدلب ومعرتمصرين، ومركز الحروق في أطمة، يقوم عليها خمسة أطباء فقط.

يقول الطبيب بزع إن أعداد المراكز والأطباء قليلة جداً إذا ما قورنت بعدد الإصابات والسكان، إذ أن أرقام الصحة العالمية تحدد وجود طبيب متخصص بالجراحة التجميلية والترميم لكل مئة ألف من السكان، ما يعني أن عدد الأطباء الموجودين اليوم لا يغطي 15٪ من الاحتياجات.

يقدر الطبيب بزع النقص في المستشفيات وعدد الأسر بنحو مئة سرير، إذ لا يتوافر في الوقت الحالي سوى ثلاثين سريراً لعلاج الحروق، عشرين منها في مستشفى الحروق بأطمة وعشرة أسرة في مستشفى العيادات.

وتتنوع أسباب حالات الحروق في الشمال السوري بين القصف والحرائق المنزلية وحرائق الأراضي الزراعية والغابات والمناطق الصناعية، يقول حميد القطيني، المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني السوري “إن فرق الدفاع، منذ بداية العام الحالي حتى اليوم، استجابت لأكثر من ألفي حريق نشب في شمال غرب سوريا، ١٩٠٩ حريق منها كانت منذ بداية العام حتى نهاية شهر أيلول، أدت تلك الحرائق لوفاة ١٦ شخصاً بينهم ٥ أطفال وامرأتان، و إلى إصابة ١٨٦ شخصاً بينهم ١٨ طفلاً و٨ نساء”. 

تُعالج هذه الحالات في مستشفيات ومراكز الحروق، وتجرى لها الإسعافات الأولية وعمليات الترميم والجراحة بشكل مجاني، بينما يتجه  عدد من المرضى إلى المستشفيات والمراكز الخاصة لمتابعة العلاج التجميلي، إن وجد، مثل العلاج بالليزر، أو يحالون إلى المستشفيات التركية.

بطء العلاج يؤخر التعافي 

أنهت أميرة (40 عاماً) رحلة العلاج الترميمي بعد إصابتها بحروق طالت خدها الأيمن وجزء من ذراعها، لكن نسبة التحسن لم تتجاوز 50٪، بحسب طبيبها المعالج.

يعزو طبيب أمينة انخفاض نسبة التعافي إلى طول المدة قبل تلقي العلاج، فقد مرت أربع سنوات على الحادثة التي تعرضت لها السيدة التي قالت إنها خضعت للعلاج في مستشفى عقربات قبل أن تزور عدة مراكز متخصصة بالتجميل والعلاج بالليزر، لإزالة ما أسمته “التشوه” الذي تركه الحريق على جسدها.

يؤكد الطبيب مالك بزع كلام أمينة وطبيبها، يقول ” إذا تم علاج الجلد المحروق في الوقت المناسب وبطريقة مناسبة ثم أجري له تجميل بالليزر فإن نسبة التعافي قد تصل بين 70 إلى 80 بالمئة. ولكن  تأخر العلاج وإهماله فترة من الزمن أو التداوي بوصفات الطب الشعبي يزيد من التصبغات والاختلاطات، وتقل فائدة العلاج بالليزر إلى ما دون 50 %، وتختلف بين حالة وأخرى”.

تكلفة عالية  

تحتاج أميرة لنحو 250 دولاراً كحد أدنى لعلاج الحرق في وجهها فقط، تقول إنها أجرت الحد الأدنى من الجلسات وتحتاج لاستكمالها.

تعجز أمينة عن تأمين تكلفة العلاج، حالها كحال العشرات من أبناء المنطقة الذين تعرضوا للإصابة بالحروق، إذ لا يزيد متوسط دخل العائلة في إدلب عن مئة دولار شهرياً، إن توفرت فرص العمل.

يشرح الطبيب بزع تكلفة العلاج بالليزر، يقول إن تكلفة الجلسة الواحدة لمساحة تعادل نصف الوجه تصل إلى 40 دولاراً، ويحتاج المصاب بين ست إلى سبع جلسات للتعافي، وكلما زادت مساحة الحرق ارتفعت التكلفة.

ويضيف البزع إن العلاج بالليزر يستخدم لإزالة التصبغات والندبات والانكماشات والسماكة بعد الحروق أو الإصابات الحربية، ويصف تكلفتها بالعالية لما تحتاجه من مواد مرتفعة الثمن.

ولا تعالج مراكز التجميل والعناية بالبشرة الحالات المعقدة من تشوهات الجلد وندبات الحروق، بحسب أمينة، إنما يقتصر عملها على إزالة تصبغات الجلد والكلف والشعر الزائد، وهو ما يحول دون القدرة على الاعتماد عليه في علاج ندبات المصابين بالحروق وآثارها.

عزلة دون مرايا

 لم تتعايش أمينة مع ندباتها، تقول إنها تمقت ما هي عليه وتعجز عن تأمين تكلفة العلاج، أيضاً تمقت غياب الجراحة التجميلية المتخصصة في المنطقة والمستشفيات التي تمتلك أجهزة متقدمة.

ليست “رفاهية”، تقول من تحدثنا معهن من المصابات، هو علاج يترك أثره عميقاً في حياتنا، ولا يمكن أن يكون الاهتمام به أقل من غيره من الأمراض، هو يرسم حياتنا القادمة وقدرتنا على الاستمرار.

حروق أمينة كانت من الدرجة الثالثة، بحسب تشخيص الأطباء، تسبب بها انفجار مدفأة المازوت في منزلها بسرمدا، تقول إنها عولجت في المستشفى المجاني وأجريت لها عمليات التطعيم “أخذ الجلد من منطقة غير مصابة وزرعه مكان الجلد المحترق”، لكن ذلك ترك آثاراً وندوباً ما تزال تؤرق حياتها.

تخبرنا أمينة أنها كسرت جميع المرايا في منزلها، تقول “كان حدثاً مفصلياً في حياتي حين شاهدت ما تركه الحريق على وجهي من ندبات، دخلت في اكتئاب حاد، كرهت نفسي وعزلتها عن العالم الخارجي، لا أرغب برؤية أحد، وصرت أخاف أن أرى وجهي في المرآة”.

“الجمال فطرة النساء”، تختم أمينة حديثها، وهو الأمل الذي يدفعها يومياً للبحث والسؤال عن حل لمشكلتها، تتابع لذلك فيديوهات ومقالات عن إزالة الندبات، مراهم وأدوية ابتكرت، أطباء جدد، حالات مشابهة تماثلت للشفاء، تقول إنها ترغب في استعادة “ثقتها بنفسها لتنظر في المرآة من جديد”.

تنمّر على مصابي الحروق 

لنوّار (أم علي) غصة لا تستطيع ابتلاعها، تقول إنها بدأت منذ سنتين بعد احتراق ذراع طفلها ذي السنة الواحدة بالزيت المغلي.

سنتان مرتا على احتراق الطفل علي، ولم تنفع رحلة العلاج الطويلة بتحسين الندبات على ذراعه المحترقة، تقول نوار “”يقتلني الذنب وأخاف أن يكبر ويلوموني على التشوه الذي أصاب يده، أو على تقصيري في البحث عن علاج تجميلي يخفي الندبات”.

تبتعد نوار بطفلها عن أقرانه وجيرانها، تفضل العزلة وعدم الاختلاط، تقول إن ذلك لم يكن قرارها لكنه جاء تجنباً للوم وأسئلة كثيرة تواجهها في كل مرة ينظر الآخرون إلى ذراع طفلها، وتروي “منذ أيام قليلة سمعت جارتي تبعد طفلها عن علي، تصفه بالمشوه، آلمني هذا الكلام بشكل لا يوصف”.

أن يشيح الأشخاص بوجههم عن ندباتك، أن يشفقوا عليك ويتبعون ذلك بأسئلة كثيرة محرجة، أو بكلمات لا تقع في النفس موقع المواساة، “يا حرام، ليش هيك، منيح ما كانت بنت، حطي مكياج بلكي بيخف، بيوجّع، الحمد لله الي شافانا وعافانا، الله يحمل معك..” كل تلك العبارات وغيرها تزيد من قسوة الحياة على مصابي الحروق، يقول من تحدثنا معهم إن كلمة “مشوّه” تأكل معهم وتشرب في إشارة لطنينها الدائم في آذانهم، دون أن يلقون عناية خاصة أو اهتماماً من مؤسسات طبية قد تدعمهم وتعيدهم إلى الحياة من جديد.

 

بعد نزوح أصحابها.. السرقات تطال أثاث منازل في جسر الشغور وتعيدها على “العضم” 

فاطمة حاج موسى

بيوت كثيرة في مدينة جسر الشغور بريف إدلب تستقبلك دون إذن، مشرعة أبوابها ونوافذها بعد أن سرقت محتوياتها، يخالها المار من الطريق بيوت تبنى من جديد بعد أن فقدت كسوتها […]

بيوت كثيرة في مدينة جسر الشغور بريف إدلب تستقبلك دون إذن، مشرعة أبوابها ونوافذها بعد أن سرقت محتوياتها، يخالها المار من الطريق بيوت تبنى من جديد بعد أن فقدت كسوتها أيضاً، كشوف الأبواب والنوافذ، بلاط الأرضيات والسراميك، وحتى أشرطة الكهرباء وصنابير المياه.

تجرّأ أشخاص في المدينة على بيوتها التي هُجر سكانها، وزادوا من مرارة النزوح باقتلاع ما لم تستطع الطائرات والقذائف هدمه، تاركين أصحابها بلا مأوى، حتى وإن سمحت لهم الظروف بالعودة.

لا تسرق هذه المنازل ليلاً، أحياناً في وضح النهار، دون رادع أو وازع، وبات كل بيت خال من سكانه عرضة للنهب.

حجارة مسروقة

لم يكتف اللصوص بسرقة أثاث المنازل الذي تركه أصحابه في رحلة نزوحهم بعد تعذّر حمله وتكلفة النقل وضيق الخيام، وتعدّوا ذلك إلى تجريد المنازل من كل شيء يستطيعون الحصول عليه، حجارة، بورسلان، جرانيت، أبواب ومنازل، سيراميك، بلاط والقائمة تطول.

السرقات تطال المنازل في جسر الشغور
السرقات تطال المنازل في جسر الشغور

يقول رفعت الأحمد، مهجر من مدينة جسر الشغور انتقل للعيش في الريف الشمالي منذ عدة سنوات هرباً من القصف العشوائي الذي تعرضت له المدينة، إنه وضع أثاث منزله في غرفتين، وقام بإغلاقها بالحجارة والإسمنت خوفاً من السرقة. 

لكن هذه الإجراءات لم تحم منزله من السرقة، إذ وجد بعد فترة من الزمن، وخلال تفقده لمنزله، أن أثاث مطبخه من الحجر والرخام مسروقاً، كذلك الرفوف والخزانات.

ويروي الأحمد أن جيرانه سمعوا أصواتاً تخرج من منزله لكنهم لم يتدخلوا ظناً منهم أن صاحب المنزل يجري إصلاحات لبيته كغيره من السكان، وإنه رأى أحد العاملين بتجهيز المطابخ من أبناء المنطقة يخرج من البيت، وهو ما زاد من حظ الأحمد في استرجاع ما سرق منه.

لم يكن حظ خالد العبدو مهجر من جسر الشغور أفضل من الأحمد، إذ تعرض منزله للسرقة وعاد على “العضم”، على حد قوله، إذ سرقت حتى المغاسل والحنفيات منه، دون أن يعرف غريمه.

حماية مؤقتة للمنازل

اجترح أصحاب المنازل حلولاً لحماية منازلهم خوفا من السرقة وفقدان أغراض وتجهيزات منازلهم.

يقول وليد بكور من مدينة جسر الشغور إنه بنى شرفة وباب المنزل بالحجارة قبل رحيله عنه، حتى لا يتمكن أحد من دخوله والعبث بما فيه، ومنذ أشهر أعاد فتح المنزل وقام بتجهيزه ثم تأجيره لواحدة من العائلات النازحة.

أما علي المحمد من مدينة جسر الشغور فقد وضع شبكاً حديدياً متيناً على باب الشرفة وباب المنزل، يقول إنه يتفقد منزله كل فترة ليتأكد من سلامته ووجود محتوياته.

شهود عيان 

تضم جسر الشغور سكاناً من مناطق مختلفة، كثر منهم لا يعرفون أصحاب المنازل الموجودة، وهو ما يحول دون قدرتهم على منع السرقات حتى لو شاهدوها، ظناً منهم أن أصحاب المنازل أنفسهم من يقومون بزيارة البيت أو الاستفادة من محتوياته وبيعها.

يقول حسن اللاذقاني، شاب مهجر من مدينة الحفة في اللاذقية، إنه وفي بداية سكنه في أحد المباني بجسر الشغور “كان المبنى خاوياً، لكن تدريجياً يأتي أناس جدد يصلحون المنازل ويسكنون بها، لا أعرف من يعمل في المنزل ويقوم بتكسيرالأثاث، إن كان سارقاً أو صاحب المنزل لجهلي بصاحب المنزل الأساسي، ولا يمكنني التدخل بكل ساكن جديد في المبنى لأنني في النهاية مستأجر ولست مالكاً”.  

محمد الشامي، مهجر من دمشق يسكن في مدينة جسر الشغور، يقول: “هناك الكثير من أصحاب المنازل في المبنى الذي أقطنه يطرقون عليّ الباب ويطلبون مني الانتباه إلى منازلهم، و في حال سماعي لأي صوت غريب في منازلهم أخبرهم وهذا ما أقوم به بشكل دائم”.

دوريات مكثفة في جسر الشغور 

يقول الرائد علاء عمران، قائد شرطة جسر الشغور، “تردنا بعض الشكاوى من المواطنين في مدينة جسر الشغور تخص سرقة بيوتهم المغلقة والمهجورة، وتكون أغلب السرقات للأثاث المنزلي الموجود ضمن هذه البيوت، والتي تكثر خلال حملات القصف الممنهج من قوات النظام على المدينة، ويعود السبب في ذلك لوجود أزقة ومناطق مهجورة بالكامل مما يهيء جواً مناسب لأصحاب النفوس الضعيفة للقيام بالسرقات”.

وأضاف عمران أن السرقات انخفضت في المدينة لعدة أسباب، منها تكثيف المخفر للدوريات الليلية وتمكنهم من إلقاء القبض على عدد من السارقين، وأيضا بسبب عودة نسبة جيدة من الأهالي إلى منازلهم وتقلص الأماكن المهجورة في المدينة، وبسبب التعاون الوثيق بين الأهالي و الشرطة و إعلام المخفر بأي أمر مريب يخص السرقة.

وعن آلية تعاملهم مع الشكاوى يقول: “بعد  ورود أي شكوى إلى المخفر تتحرك دورية فوراً لمكان السرقة لإجراء الكشف اللازم ومحاولة جمع الأدلة في حال وجودها.

 وبعد إلقاء القبض على السارق يحقق المخفر معه عن جميع السرقات التي أبلغ عنها وبعد اعترافه يحول السارق أصولاً للقضاء لينال الجزاء، وبحال وجود مسروقات يخبر المخفر أصحاب الشكاوى للتعرف عليها وإعادتها لهم، أو دفع تعويض للمتضررين يقدره القضاء في حال عدم وجودها من قبل القضاء المختص”. ويقدر عمران عدد شكاوى السرقات الشهرية في الوقت الحالي بثلاثة شكاوى.

تجهيزات المنزل المستعملة بيعها وشرائها

تختلف أسعار تجهيزات المنازل المستعمل، بحسب الجودة والنوعية، وكلما كانت خالية من العيوب كان السعر أفضل.

يقول عبد السلام أبو أحمد الذي يعمل في بيع وشراء تجهيزات المنازل المستعملة “إنه يشتري من الزبائن دون أن يسأل عن مصدر الأشياء المستعملة، لأن الكثير من العائلات المهجرة قبل خروجهم من منازلهم حملوا معهم كل ما يمكن فكه، وكلما ضاقت بهم الحال يبيعون أحد الأغراض لتأمين معيشتهم، إضافة إلى الأغراض الناجية من القصف التي يخرجها أصحابها خوفاً من سرقتها، لذلك يصعب عليه تحديد الأغراض المستعملة كانت مسروقة أم لا”.

وبالرغم من عدم وجود أسعار ثابتة في سوق المستعمل إلا أن أبو أحمد زودنا بأسعار تقريبية لمعظم الأدوات والتجهيزات عنده، يقول: “اشتري الأبواب المستعملة مثل أبواب المداخل من ٥٠ إلى ٧٥ دولار وبعد إصلاحها وتجهيزها أبيع الباب بنحو ١٠٠ دولار، أما أبواب المنازل الخشبية الداخلية اشتريها بنحو ١٠ دولارات، وأبيعها بنحو ٣٠ دولاراً بعد إصلاحها وبخّها، أما نوافذ الألمنيوم المسحوب فيصل سعر شراء النافذة إلى نحو ١٥ دولاراً والبيع إلى ٢٥ دولاراً، تزيد وتنقص حسب جودتها، أما عن  تجهيزات المطابخ كاملة من رفوف و خزن و حجر رخام و بورسلان يصل سعر شرائها إلى نحو ١٥٠ دولاراً ومافوق ،ويكون البيع من ٢٥٠ إلى٤٠٠ دولار، حسب جودة ونوع المطبخ،  أما مغاسل البورسلان يصل سعر الشراء نحو ١٠ دولارات والمبيع ١٥ دولاراً، وكل هذه الأدوات تخضع لتصليح وتعديل عليها قبل البيع”.

استطاع  رفعت الأحمد التعرف على مسروقاته واتفق مع سارقها على بناء مطبخة وإعادته إلى ما كان عليه، شريطة عدم إخبار الشرطة، بينما ضاع حق العشرات من أصحاب المنازل الذين فقدوا أثاث منازلهم التي تحتاج إلى مبالغ كبيرة لإعادتها إلى ما كانت عليه، وهو ما لا يطيقه أصحاب البيوت المهجرين، ما يعني بقاءهم بعيداً عن منازلهم في المخيمات أو المنازل التي نزحوا إليها.

 

الفروج يتصدر موائد الطعام في إدلب وقوائم الأطباق في مطاعمها

 محمود يوسف السويد

يتصدر الفروج (لحم الدجاج) قائمة اللحوم المستخدمة في موائد ربات منازل إدلب ومطاعمها، وتتنوع الوجبات والأطباق التي يدخل في تكوينها. تغزو صور الفروج واجهات المطاعم وقوائم المأكولات السريعة، إضافة لرزنامة […]

يتصدر الفروج (لحم الدجاج) قائمة اللحوم المستخدمة في موائد ربات منازل إدلب ومطاعمها، وتتنوع الوجبات والأطباق التي يدخل في تكوينها. تغزو صور الفروج واجهات المطاعم وقوائم المأكولات السريعة، إضافة لرزنامة ربات المنازل اللواتي حوّرن ملاط أطعمتهن ليتناسب مع ظروفهن الاقتصادية بإدخال الفروج إلى أنواع جديدة من الأطعمة لم تكن يوماً في قاموس مفرداتها.

كيفما اتجهت في أسواق وشوارع المدن الرئيسية تطالعك لافتات لمحلات بيع الفروج الحي، إذ لا يكاد يخلو حي في بلدة أو طريق من إحداها، في قوائم المحلات تجد الفروج بأنواعه المختلفة، الكامل والمقطع، إضافة لكباب الفروج الممزوج بـ “دهن” الغنم للاقتراب من نكهة الكباب بلحم الغنم.

محل لبيع الفروج في إدلب
محل لبيع الفروج في إدلب

تجارة الفروج الرائجة في إدلب زادت من أعداد المحال التجارية ومورديها من المداجن، قبل أن تؤسس شركات كبيرة تغطي احتياج السوق وتفرض أسعارها.

من مداجن صغيرة إلى شركات كبيرة موردة

اضطر محمد، صاحب واحدة من المداجن المنتشرة في محيط مدينة سلقين بريف إدلب، إلى إغلاق مدجنته بعد منافسة الشركات الكبيرة، يقول إن أصحاب المداجن لم يعد بمقدورها تربية الدجاج وتفقيسه بعد ارتفاع أثمان الصيصان والعلف والدواء والوقود، إضافة لمنافسة الشركات الكبرى والكميات التي تطرحها في السوق بأسعار لا يمكن لهم مجاراتها.

ويضيف محمد أن الصوص الصغير “الفقاس” يحتاج لخمسة وأربعين يوماً ليصبح فروجاً جاهزاً للبيع، بوزن يزيد عن ألف وثمانمائة غراماً، ويحتاج فيها للغذاء والدفء والدواء، ومع الارتفاع في الأسعار تزيد الكلفة على أصحاب المنشآت الصغيرة.

الفترة القصيرة التي يحتاج الصوص قبل أن يصبح جاهزاً للبيع ساهمت في زيادة الاعتماد المحلي على الفروج في الأسواق وتحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة الفروج لإمداد المحلات به.

يملك محمد محلاً لبيع الفروج في إسقاط إلى جانب مدجنته التي أغلقها، يخبرنا إنه كان يؤمن احتياجات محله من المدجنة ويبيع الفائض عنها إلى المذابح القريبة التي تبيع بدورها إلى المحلات الأخرى، لكنه اليوم يستجر ما يحتاجه من شركة اليمامة التي وصفها بأكبر منتج للفروج في محافظة إدلب، بكل أنواعه الحي والمذبوح والمقطع أيضاً.

أطنان من الفروج بأسعار عالية

للمذابح دور هام في انتشار مادة الفروج المنظف والمقطع، إذ يجلب الدجاج من المداجن بكميات كبيرة، ضمن أقفاص معدة خصيصاً لنقله بواسطة سيارات الشحن، يشرح يوسف تكس، صاحب مذبح للفروج ببلدة غصن الزيتون الواقعة على طريق حارم سلقين، “يذبح الفروج ومن ثم ينتف ريشه بواسطة آلات مجهزة لهذا الغرض، لتأتي عملية تقطيعه إلى أقسام منها الصدر والفخذ والورك والأجنحة، إضافة إلى الكبدة والقوانص التي يتحصل عليها من أحشاء الدجاج”.

ينتج مذبح يوسف كمية تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أطنان يومياً، من الفروج المذبوح، يوزعها على محال بيع المفرق، المنتشرة بين مدينة سلقين وضواحيها، وصولاً إلى مدينة سرمدا في الشرق، هذه الكمية تقدر بنسبة 5% من حاجة السوق المحلية يومياً، يقول يوسف: “تعد منشأتنا صغيرة إذا ما قورنت بشركات كبرى للفروج كاليمامة والمراعي وغيرها، وهي المتحكم الأكبر في كمية الفروج وأسعاره في إدلب”.

يستهلك السوق في إدلب كميات تتراوح بين ثمانين إلى تسعين طناً يومياً من مادة الفروج، بحسب تقديرات أحد المدراء التنفيذين العاملين ضمن واحدة من الشركات الكبرى المختصة بإنتاج الفروج وملحقاته، والذي فضل عدم ذكر اسمه واسم الشركة التي يعمل لها، لأسباب شخصية.

وبحسب المصدر فإن الشركة أوقفت خط إنتاج البيض الملقح في الآونة الأخيرة، وذلك بسبب حالة عدم الاستقرار في الشمال السوري، واحتمال تعرض مداجن الدجاج البياض للقصف والتدمير، وانتقلت الشركة اليوم لتأمين بيض التفقيس من مؤسسات تركية، ويتم تفقيسه ضمن مفاقس اوتوماتيكية تملكها الشركة، وبعدها ينقل إلى مداجنها للعمل على تسمينه وحضانته مدة شهر ونصف الشهر.

علف مركز غذاء الفروج في إدلب
علف مركز غذاء الفروج في إدلب

بعد أن يصبح الفرخ جاهزاً للبيع يساق إلى مذابح الشركة ومنها إلى فروعها المنتشرة في أغلب المدن الكبرى في محافظة ادلب. وعن عملية تربية الدواجن وتكلفتها يحدثنا المدير التنفيذي بقوله: “يحتاج الصوص كي ينمو جيداً إلى علف مركز وإشراف طبي ودوائي، وهذا كله تنتجه شركتنا لكنه يخضع أيضا لتبدل سعر المواد الأولية التي يتم جلبها من الأراضي التركية”.

يذكر المصدر أن كل يوم تأخير في بيع الفروج، بعد أن انقضاء مدة الحضانة يعد خسارة للمنتج، بسبب كلفة إطعامه ورعايته الباهظة، دون تطور يطرأ على الفروج من ناحية الوزن، هذا ما يدفع المنتجين لطرح إنتاجهم في السوق دفعة واحدة، ما يسهم في زيادة العرض قياساً على حجم الطلب، وبدوره تنخفض أسعار الفروج في السوق، والعكس صحيح فأي نقص في المادة يؤدي لزيادة الطلب وارتفاع الأسعار.

علاء مسؤول أحد مراكز توزيع الفروج الكبرى في مدينة سلقين، يؤكد على مسألة العرض والطلب ودورها في تحديد سعر الفروج، يصف الأسعار بـ “المقبولة” إذا ما قيست بأسعار اللحوم الحمراء، وهو ما يدفع المواطن للإقبال على شراء الفروج حسب رأيه. يقول علاء: “بأن سعر الطن الواحد للفروج الحي تراوح خلال الشهر العاشر من العام الحالي، بين ألف وأربعمئة إلى ألف سبعمئة دولار”.

تبلغ أسعار الكيلو غرام الواحد للفروج بأنواعه اليوم، وبحسب نشرات الأسعار الموضوعة على واجهات محال بيع الفروج، نحو 15 ليرة تركية للفروج الحي، و17 ل. ت للفخذ والأجنحة، و25 ل ت للكباب والشيش. وهي أسعار مرتفعة بنظر عنتر أحد أبناء بلدة اسقاط، إذ يعادل سعر الكيلو غرام الواحد منه أجرة عامل مياومة ليوم كامل.

تستهلك المطاعم كميات كبيرة من الفروج يومياً، فهي منتشرة على مساحة المحافظة بالكامل، ويختلف استهلاكها بحسب موقعها وإقبال الناس على تناول مأكولاتها، يقدر إبراهيم الذي يعمل محاسباً في مطعم الفصول الأربعة في مدينة سلقين، استهلاك مطعمهم اليومي بأزيد من مئة وخمسين كيلو غراماً. يقول إبراهيم: “يشكل الفروج مادة رئيسية لأصناف كثيرة من المأكولات، منها الكريسبي والسبايسي والمسحب والمشوي والبروستد بالإضافة للمناسف والمندي” ولا يغفل إبراهيم  ذكر الشاورما التي تعد من الوجبات السريعة المحببة لدى الكثيرين اليوم.

تفضل أم عبدو الفروج على غيره من المنتجات الحيوانية، فهو إضافة لانخفاض أسعاره قياساً بغيره من اللحوم، يشكل لها حلاً جيداً حين يستعصي عليها اختيار وجبة الغداء لأسرتها، فالفروج بحسب أم عبدو يصنع منه أطباق لا تعد ولا تحصى، مثل الدجاج المسلوق (اليخنة) والكبب المشوية والمقلية، وصواني الفروج مع البطاطا، وأيضا الكبسة الشهيرة ومقلوبة الأرز، وعند انشغالها تلجأ لكباب الفروج والشيش طاووق كحل سريع وسهل التحضير.

الوثائق الجامعية .. أعباء مادية ممزوجة بالنصب تحول دون عودة الطلاب المنقطعين إلى مقاعد الدراسة

حسن كنهر الحسين

أعادت وزارة التعليم العالي في مناطق النظام شرط الموافقة الأمنية للحصول على الوثائق الجامعية أو كشوف العلامات، ما يشكل عقبة أمام عشرات الطلاب المنقطعين عن تلك الجامعات ويحول دون قدرتهم […]

أعادت وزارة التعليم العالي في مناطق النظام شرط الموافقة الأمنية للحصول على الوثائق الجامعية أو كشوف العلامات، ما يشكل عقبة أمام عشرات الطلاب المنقطعين عن تلك الجامعات ويحول دون قدرتهم على إكمال دراستهم الجامعية في مناطق سيطرة المعارضة، بعد عجزهم عن تأمين الوثائق المطلوبة.

شروط عدة وضعتها وزارة التعليم العالي في مناطق النظام لقاء تسليم الوثائق الجامعية للطلاب الراغبين، يأتي في مقدمة تلك الشروط وجوب التسليم باليد لصاحب العلاقة أو لأحد أقربائه بموجب وكالة قانونية يتم مهرها من الكاتب العدلي والمحامي العام وحاصلة على موافقة أمنية، إضافة لإحضار البطاقة الجامعية والتبرع بالدم وبراءة ذمة.

شكل الحصول على كشف العلامات عقبة مادية أمام عشرات الطلاب في العودة الى مقاعد الدراسة ضمن الجامعات الحرة، بعد فرضه كشرط أساسي على الطلاب المنقطعين لإكمال تحصيلهم العلمي، وصعوبة تأمينه، إذ يتطلب ذلك كلفة عالية وعدم الوقوع في يد سماسرة التزوير.

مضر، طالب سابق في كلية التاريخ بجامعة حلب، قال إنه توقف عن الدراسة بشكل نهائي ضارباً ستة عشر عاماً قضاها في التحصيل العلمي عرض الحائط. قرار مضر جاء نتيجة لعجزه عن تأمين مبلغ يستطيع من خلاله تأمين كشف علامات منذ توقفه عن الدراسة في العام ٢٠١٤.

ثياب مضر الملطخة بالإسمنت بعد أن تحول لعامل مياومة في البناء تنهي حلمه بمستقبل كان يرجوه، يقول “أتقاضى نحو خمسمائة ليرة تركية شهرياً من عملي، وازيد كلفة كشف العلامات عن خمسمئة دولار، تضاف إليها رسوم التسجيل والمواصلات والسكن، وهو ما يعني أن أعمل سنة كاملة لتأمين ما يعينني على العودة لجامعتي”.

ويضيف “لن يتوقف الأمر عند ذلك، فكلفة التسجيل الجامعي والتنقل لا تتوافق مع قدرتي على دفعها، ولا يمكن أيضاً التوفيق بين دراستي وعملي في آن معاً”

تنوع تلك القرارات التي اتخذتها جامعات النظام على مر السنوات السابقة لم يغير من تكلفة الحصول على الوثائق الجامعية بالنسبة للطلاب المتوقفين عن دراستهم في المناطق المحررة، حيث سبق قرار الموافقة الأمنية قرار سابق صدر بتاريخ 15-10-2019 يقضي بالسماح لأشخاص من عائلة الطالب باستلام الوثائق والثبوتيات الجامعية دون الحصول على موافقة أمنية، إلا أن التكلفة لم تتأثر بتلك القرارات الصادرة.

مصطفى المنصور أحد طلاب اللغة الإنكليزية استغل ذلك القرار للحصول على كشف علامات من جامعة حماة أملاً في اختصار التكلفة، بعد التنسيق مع أحد الأشخاص ضمن المناطق المحررة، يقول إن أحد السماسرة طلب منه 300$ وهي التكلفة ذاتها التي طلبت منه أثناء قرار النظام الصادر بتاريخ 22-12-2016 والذي جعل الموافقة الأمنية شرطاً أساسياً لحصول الطالب على بياناته الجامعية بما فيها كشف العلامات.

يقول مصطفى ” اضطررت لإخراج الكشف بعد توقفي لمدة خمس سنوات عن الدراسة تخللها محاولات عدة لإحضاره، بما فيها توكيل خطي من قبلي لأحد أقاربي في مدينة حماة وجميعها باءت بالفشل”.

قوانين خاصة بالطلاب المنقطعين

اتخذت إدارة جامعة ادلب قوانين قالت إنها سنت لأجل تلك الشريحة من الطلاب، مثل افتتاح برنامج النظام الإكمالي لمدة خمس سنوات والذي تم وضعه بشكل استثنائي مراعاة لظروف الطلبة المنقطعين عن الدراسة.

كما سن قانون التقديم الشرطي كإجراء تسهيلي من قبل الجامعة، والذي يعتبر أقصى ما تستطيع الجامعة تقديمه للطلاب المنقطعين عن دراساتهم الجامعية في مناطق النظام، لحين حصولهم على الوثائق الجامعية المصدقة من لجنة تصديق الوثائق.

يقول أحمد أبو حجر رئيس جامعة إدلب “في حال عجز الطالب عن تأمين الوثائق الجامعية يحمّل جميع المواد التي لم يقدمها”، وقد لاقت تلك الخطوة إقبالاً من قبل عدد كبير من تلك الشريحة، حسب قوله، إذ بلغ عدد الطلاب الجامعيين المسجلين في جامعة إدلب بعد انقطاعهم عن جامعات النظام نحو خمسمائة طالب وطالبة.

لم تشكل تلك القرارات طوق نجاة لتلك الشريحة من دفع رسوم الكشف الذي تتراوح تكلفته بين ثلاثمئة إلى ستمائة دولار، بعد أن فرضته الجامعات ضمن مناطق المعارضة كـ شرط أساسي لنيل شهادة التخرج.

صفحات مزورة وضحايا نصب

تزايدِ الطلب على كشف العلامات أفسح المجال لظهور صفحات وأشخاص يدّعون قدرتهم على تأمينها مقابل مبالغ مالية، وتنافست فيما بينها، إذ تفاوتت أسعار الوثائق بين شخص وآخر وجامعة وأخرى.

معظم السماسرة والصفحات اتخذوا من هذه الوثائق واحتياج الطلبة لها لإكمال تحصيلهم العلمي باباً من أبواب “النصب” الجديد، وقع فيه العشرات من الطلاب ضحية وثائق مزورة أو إغلاق هذه الصفحات وعدم الرد بعد الحصول على المبلغ المالي أو جزء منه.

يخبرنا رياض، طالب سابق في كلية التربية معلم صف جامعة حلب، إنه وقع ضحية واحدة من صفحات الفيسبوك شاركها أحد أصدقائه، وتعرف عن نفسها بأنها صفحة لشركة معتمدة تعمل على التنسيق بين جامعات النظام والمعارضة لاستخراج الوثائق الجامعية.

يقول رياض إنه توقف عن الدراسة منذ سنوات لصعوبة الحصول على الوثائق وتأمين الكلفة المالية لاستخراجها وخوفه من عمليات التزوير والاحتيال، لكن ما عزز ثقته بتلك الصفحة التعليقات التي رافقت المنشورات، والردود المباشرة عبر الماسنجر من قبل القائمين على الصفحة على تساؤلات مراسليها وإقناعهم بصدقها.

ويتابع “زاد من ثقتي بالشركة تواصلي مع الشخص الذي قام بمشاركة المنشورات، والذي أكد لي أنها شركة متعارف عليها في جامعات المعارضة والنظام”.

تلك المغريات دفعت رياض للتواصل مع القائمين على الصفحة، إذ طلب منه تحويل ثلاثمئة وخمسة وسبعين دولاراً، بحجة دفعها قيمة معاملات وأجور للطلاب القائمين على تأمين الكشف في تلك الجامعات، وهو ما دفعه إلى تحويل المبلغ بشكل فوري ليحصل بعد ثلاثة أشهر على كشف علامات تبين له بعد التسجيل بعدة أشهر أنه مزور، بعد إبلاغه من قبل إدارة الجامعة، والتي قامت بإحالته إلى النيابة العامة في الجامعة والتي أصدرت قراراً بإيقافه عن إكمال دراسته لحين جلب كشف حقيقي بعلاماته.

خسر رياض فرصته في إكمال تعليمه واتهم بالتزوير، إضافة لخسارة المبلغ الذي دفعه، يقول رئيس الجامعة الذي أجاب عن سؤال حول حالة رياض ومن يقع مثله ضحية لعمليات التزوير أنه “في حال اكتشاف أي عملية تزوير يتم إحالة الطالب الى النيابة العامة في الجامعة لتبت في أمره بعد التحري، إذا ما كان الطالب وقع ضحية للتزوير حيث يتم التقصي عن الشخص الذي قام بالتزوير لإحالته الى القضاء بشكل فوري، أو إن كان الطالب لجأ إلى تزوير الكشف عمداً حيث يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقه بعد إحالته الى النيابة العامة للجامعة”.

سماسرة وموظفون

تواصلنا مع سماسرة للاستفسار عن الطريقة المتبعة للحصول على الوثائق الجامعية رغم قرار جامعات النظام بعدم تسليمها إلا باليد لصاحب العلاقة، واقتصرت الإجابات على أقوالهم بأنهم مجرد صلة وصل بين الطالب والمسؤول الذي يستطيع الحصول على الوثائق المطلوبة من خلال علاقاته القوية مع كثير من الموظفين، ويتقاضى المعقب النسبة الأقل من المبلغ فهو الوسيط الذي يسلم ويستلم من الطرفين.

وبحسب أحد العاملين في ذلك المجال، فإن أسعار تلك الوثائق تختلف من جامعة لأخرى نتيجة القوانين والتشديدات التي تحكم كل جامعة، إضافة للتاريخ الذي توقف فيه الطالب عن الدراسة، ووضعه الأمني ضمن مناطق النظام.

وحول آلية استخراجه تابع “يستغرق إخراج الوثائق الجامعية، مثل كشف العلامات، أكثر من ثلاثة أشهر لتأمينه من قبل الشخص الذي يتم التعامل معه ضمن مناطق النظام.

ويتم التأكد من مصداقيته عبر صورة يتم إرسالها عبر الواتس آب لصاحب الوثيقة، ليتسنى له التأكد من صحة علاماته والأختام الموجودة عليه، يتم بعدها استلام المبلغ المتفق عليه وتحويله الى ذلك الشحص في مناطق النظام، والذي بدوره يقوم بإرسال الوثيقة الأساسية بعد استلامه للمبلغ إلى الوسيط في مناطق المعارضة.

يقول من التقيناهم من الطلاب، إن معظم السماسرة يطلبون جزء من المبلغ في البداية، وإنهم يعتمدون على عدم قدرة الطالب على تذكر علاماته للتأكد منها، كما أن صورة عبر الواتس آب لا يمكن التحقق منها، فيما إن كانت الوثيقة مزورة أم غير ذلك.

ويضيفون، من الممكن أن يكون هناك تعاون بين أشخاص في الجامعات وسماسرة يقومون بتصوير النسخة الأصلية وبعد ذلك يستبدلونها بأخرى مزورة، كما أكد طلبة على حصولهم على نسخ أصلية استطاعوا من خلالها إكمال تحصيلهم العلمي بعد التحقق من صحتها.

ما يزال الحصول على الوثائق الجامعية مشكلة تؤرق مئات الطلبة في المنطقة، وهي شرط لا يمكن الاستغناء عنه لإعادة قبولهم في فروع الجامعة التي كانوا يدرسونها، إذ كيف يمكن التأكد في الأصل من سنوات دراستهم وكشوف علاماتهم دون الحصول عليها.

 

 

الزيتون في عفرين .. قطاف قبل أوانه وبيع دون منافسة

فريق التحرير

  يُجنى الزيتون في عفرين بعد “مطَرين على الأقل” ويؤخر مزارعوها القطاف لأسابيع أخرى لضمان وفرة أكبر في الإنتاج، لكن، ونتيجة لظروف المنطقة والخوف من السرقة عمد مزارعو الزيتون في […]

 

يُجنى الزيتون في عفرين بعد “مطَرين على الأقل” ويؤخر مزارعوها القطاف لأسابيع أخرى لضمان وفرة أكبر في الإنتاج، لكن، ونتيجة لظروف المنطقة والخوف من السرقة عمد مزارعو الزيتون في عفرين للتعجيل بقطافه الأمر الذي أثر على كميات الزيت المنتجة بعد عصرها.

يقول مزارعون تحدثنا إليهم إن موسم القطاف، في السنوات الثلاث الأخيرة، لم يكن محدداً بسقوط المطر، بل كان يبدأ عندما تتاح إمكانية القطاف، وغالباً ما يبدأ في أيلول من كل عام، بفارق شهر على الأقل عما اعتاده ملاك الزيتون.

انخفض معدل الزيت في العام الحالي، بحسب بشير العلي أحد مزارعي الزيتون في عفرين، يقول إن مئة كيلو غراماً من الزيتون لم تنتج سوى تنكة زيت واحدة (وتساوي ١٦ كيلو غراماً)، وإن هذه الكمية كانت تنتج سابقاً أزيد من تنكة ونصف التنكة.

قطف العلي موسمه الحالي مع نهاية شهر أيلول، يقول إن المطر لم يكن قد هطل بعد، لكن خوفه من سرقة محصوله دفعه وغيره من المزارعين للبدء باكراً، ما تسبب بخسارته نصف إنتاجه على الأقل.

ويضيف العلي إن الإنتاج بشكله الحالي، لا يغطي النفقات المدفوعة للزيتون، إن حسبنا أجرة العمال والنقل وأجرة المعصرة والعناية بالأشجار للموسم الجديد.

رسم حماية

توقف العمل بالقرار الذي أصدرته المجالس المحلية في العام 2018، والذي يفضي إلى ضرورة دفع 10٪ من محصول الزيتون للمجالس كضريبة للحصول على رخصة القطاف، منذ العام الماضي، لكن السرقات والإتاوات لم تتوقف، بحسب من تحدثنا معهم.

ورغم تشكيل لجنة مشتركة لرد الحقوق في عفرين جراء تزايد شكاوى الأهالي في أيلول الماضي، إلا أن استباحة الزيتون في عفرين ما زال مستمراً، إذ لجأت الفصائل في عموم عفرين إلى اتباع طريقة جديدة لتحصيل مبالغ مالية من الأهالي، عبر فرض رسوم حماية لأراضيهم من السرقة من خلال تسيير دوريات حماية ليلية.

يقول مزارعون، إن أجور الحماية في جنديرس بريف عفرين بلغت تنكة زيت عن كل عشرين تنكة، وإن هذه النسبة تزيد بحسب كميات الإنتاج وتختلف باختلاف المنطقة والمسيطرين عليها.

حسن الحمود، أحد مزارعي الزيتون في جنديرس، قال إنهم مضطرون للقبول بهذه الحماية خشية سرقة المحصول كاملاً، وإن عليهم دفع المبلغ “عن طيب خاطر” لقاء الخدمات المقدمة لهم بالحماية.

دوريات الحماية المزعومة لم تمنع السرقات في حقيقة الأمر، هنالك حالات كثيرة تم فيها سرقة جزء من محصول الزيتون عبر قطافه من قبل أشخاص “يعتقد أنهم مدنيون من سكان المخيمات”، وقد تعرض أحد المزارعين، رفض التصريح عن اسمه، للترهيب بقوة السلاح من قبل بعض الأشخاص عقب قيامه بطرد نسوة يقطفن أشجار الزيتون في أرضه، يقول: “بعد أن قمت بطرد النسوة بنصف ساعة أتى أشخاص يحملون السلاح إلى أرضي ما دفعني للفرار قبل وصولهم، ولا أعلم إن كانوا يتبعون لفصيل ما، لأعود لاحقاً وأجد جزء آخر من الأشجار قد تم قطافها”.

يخشى أصحاب الأراضي اللجوء إلى اللجنة المشتركة لرد الحقوق خشية انتقام من يشتكون عليهم، وهم غالباً يتبعون للفصائل أو مدنيين تحت حمايتها، وهو ما عبر عنه أحد المزارعين قائلا: “لمين بدك تشتكي طالما حاميها حراميها، نشتكي اليوم وبكرا نلاقي كل شجر الزيتون مقطوع، الله بعوضنا”.

لا نأكل من زيتوننا

يدفع المزارعون 10٪ من إنتاجهم إلى معاصر الزيتون لاستخلاص الزيت، إضافة لبقايا العصر الذي تصنع منه المعاصر “البيرين”، وقود التدفئة، ويقول محمد أحد المراقبين المعينين من قبل فصيل عسكري على واحدة من المعاصر، إن الفصيل يأخذ 5٪ من الإنتاج رسم حماية الأراضي الزراعية، إضافة لما يتقاضاه من المعصرة، ويقدره بنصف أرباحها، خاصة إن كانت مملوكة لأحد عناصر الأحزاب الكردية.

ويندر دفع مبالغ مادية كأجرة لعمال القطاف في عفرين، ويعتمد المزارعون النسبة من الإنتاج، إذ يتقاضى العمال سُبع الإنتاج أو ثُمنه من الزيتون قبل عصره، بحسب الحمود.

وزاد سعر تنكة الزيت الفارغة من دولار ونصف الدولار إلى دولارين ونصف الدولار في العام الحالي، كذلك أجرة النقل، وتبلغ نحو نصف دولار عن الكيس الواحد.

يباع الزيتون غير المستخدم للعصر، مخصص للأكل، بنحو ثلاث ليرات ونصف ليرة تركية، يقول الحمود إن هبوط سعر الليرة التركية أثر بشكل كبير على أسعار الزيتون، فسعر كيلو الزيتون في العام الحالي أقل من نصف دولار، في حين بلغ العام الماضي نحو دولار.

ويقدر سعر تنكة الزيت الأولي بين 37 إلى 40 دولاراً، بحسب نسبة أسيده، وهو ما يقارب سعرها في إدلب أيضاً، يقول من تحدثنا معهم إن التجار هم من يحددون الأسعار، ولكن الدور الأكبر في تحديد السعر تلعبه الشركات التركية المنتشرة في المنطقة، والتي تشتري من التجار ما يجمعونه من زيت، إذ يبلغ سعر الزيت في تركيا نحو خمسين دولاراً للتنكة الواحد بأسيد أقرب إلى ثلاث شخطات.

ليس لزيتون عفرين سوى ممر واحد نحو الأراضي التركية بعد توقف المعابر الأخرى، وهو ما قلل المنافسة بين التجار وفرض أسعاراً تقارب لسعر الزيت التركي، إذ تباع تنكة الزيت في مناطق النظام بنحو خمسة وخمسين دولاراً.

ومع ارتفاع التكلفة وقلة الإنتاج يصعب على المزارعين تخزين إنتاجهم، كما كان في السابق، للحصول على أسعار مناسبة، إذ يشكل الزيت لأهالي عفرين عملتهم الرئيسة ومصدر دخلهم، خاصة وأن 90٪ من أشجار عفرين المثمرة هي من الزيتون.