فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

يوميات مواطن في حلب .. أياماً معدودات

تموز نجم الدين

تكتظ المساجد بالمصلين والمسبحين والراكعين والذاكرين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يرجون فضلاً من الله ورحمة، بدءً بالليلة الأولى من رمضان حتى ليلة القدر حيث يتجلى الله وتتنزل الأنوار في […]

تكتظ المساجد بالمصلين والمسبحين والراكعين والذاكرين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يرجون فضلاً من الله ورحمة، بدءً بالليلة الأولى من رمضان حتى ليلة القدر حيث يتجلى الله وتتنزل الأنوار في أغزر صورها على القلوب والأرواح المتعبة.

تتشابك في الأفئدة غابات من الأوجاع التي تنمو بكثافة في ظل الكساد المتراكم، وتغول الأسعار التي تبتلع فتات الراتب الشهري وصاحبه في أقل من ثلاثة أيام من بداية الشهر الكريم، ولا حلّ إلا أن ينزل الله مائدة من السماء، أو يرسل غيمة خضراء، أو يداً بيضاء، أو حوالة عابرة للحدود تحفظ ماء الوجه، وما تبقى من حياة.

أحلام بطعم “البروستد

بعد وصول حوالة مجزية من أحد أقربائي، بدأت الأحلام بالنمو في رأس زوجتي، ومشاريع الشراء والتبضع بالتوسع في مخيلتها، بالإضافة لقائمة الدائنين الطيبين والمتوحشين الذين ينتظرون على صفيح ساخن.

وكان إفطارنا الأول بعد انفراج مغارة علي بابا بأن قررنا أن نستضيف ضيفاً عزيزاً على قائمة الإفطار، وهو (الفروج المشوي) وملحقاته من المايونيز والكتشب والحمص وعبوة كبيرة من الكولا، ومن ثم استكمال هذا الحدث بدعوة والدي زوجتي وابنهم العازب إلى طبقنا المبجل.

منذ عام اشتريت دجاجة مشوية بأربعة آلاف ليرة، فجمعت وطرحت وقسمت وطرحت وكان النتيجة أن خمساً وعشرين ألف ليرة تكفي لهذا الكرنفال الذي لا يتكرر. توجهت إلى المحل واثقاً ومختالاً بنفسي وبجيبي وبما حوى.

-لو سمحت، فروجتان مشويتان، مع كيس حمص، وعلبة كولا “هيفاء”.

-الحساب 38 ألف ومئة ليرة

فروجتان حمراوان بـ 34000

كيس حمص لين الجانب 2300

كولا باردة الجسد 1800

لتبدأ عملية التنقيب في جيوبي الخلفية والأمامية، ما ظهر منها وما بطن لكي أكمل المبلغ المطلوب، والذي رافقه تعرق حزين، وارتفاع ضربات الدهشة، وارتعاش أصفر الساقين.

نقدته المبلغ ثم توجهت إلى بائع المعروك صاحب الوجه المدور، ريثما تشوى الفروجتان وأنا على نار هادئة، وقد احدودب ظهري مثل أحدب نوتردام، ومال جسدي مثل برج بيزا النائم.

– أريد قرصا جميلا مثل وجهك يا سيدي.

-هل تريده محشواً أو خالياً مثل جيوب السوريين.

ثم أردف وابتسامة خافتة تعلو وجهه

– القرص المحشو بالجبن أو الشوكولا أو التمر ب 4500، أما بالزبيب فسعره 5000، أما السادة فهو ب 2500 ليرة فقط.

-أعطني قرصا محشواً بالحب.

عدت إلى البائع الأول الذي أعطاني ما طلبت ورائحة الفروج المشوي تسيل بين يديه.

لم يكن بائع السوس والتمر الهندي بعيداً عن متناول عيني، رويداً بدأ ينكشف بلباس بائعي السوس الرسمي، قبعة حمراء، صدرية مزركشة بخيوط القصب، وشروال تتهدل زوائده بين ساقيه، وصولاً إلى التاسومة الحمراء اللامعة وإن لم يمسسها ضوء.

-أريد كيساً بخمسمائة ليرة لو سمحت

– (التقلي)الإبريق بألف ليرة وذلك أضعف الإيمان.

– اللهم قوّي إيمانك.

تقيأ جيبي آخر ما تبقى فيه، بخمسمائة أخرى، وقفلت إلى البيت مهزوماً مدحوراً. أثناء الفطور تم القضاء على الفروجتين بشكل كامل، وكانت حصتي مؤخرة الدجاجتين المسكينتين، ولله الحمد

وللمصروف بقية….

فرق تطوعية تُسعِد الأطفال المحرومين من فرحة العيد في الشمال السوري

هاني العبدالله

نظمت فرق تطوعية تعمل في مناطق الشمال السوري نشاطات خاصة بالأطفال خلال فترة العيد لإدخال البهجة لقلوبهم، ولتعويض ما عجز الأهل عن تقديمه نتيجة الأحوال الاقتصادية السيئة والظروف النفسية القاسية […]

نظمت فرق تطوعية تعمل في مناطق الشمال السوري نشاطات خاصة بالأطفال خلال فترة العيد لإدخال البهجة لقلوبهم، ولتعويض ما عجز الأهل عن تقديمه نتيجة الأحوال الاقتصادية السيئة والظروف النفسية القاسية التي عاشوها خلال الحرب.

“بدنا نعيّد”

أطلق فريق إحياء التطوعي حملة “بدنا نعيّد” لزرع البسمة على وجوه الأطفال ولمشاركتهم بأجواء العيد، من خلال تأمين كسوة العيد لهم ومنحهم “للعيديّات” وإقامة الحفلات.

يقول جميل حمودي المدير العام للفريق: انطلقت الحملة ثاني أيام العيد في مدينة جسر الشغور، عبر توزيع مبالغ نقدية لخمسين طفلاً”، إضافةً لاستهداف مئة وعشرين طفلاً بحملة “حلاقة عيد” طوال أيام عيد الفطر في مدينة إدلب بالتعاون مع منظمة سيما، كما قام المتطوعون في فريق إحياء بتوزيع بعض الألبسة على الأطفال”.

حلاقة العيد للأطفال في مدينة ادلب ضمن حملة "بدنا نعيّد" التي أطلقها فريق احياء التطوعي
حلاقة العيد للأطفال في مدينة ادلب ضمن حملة “بدنا نعيّد” التي أطلقها فريق احياء التطوعي

وأضاف: في ثالث أيام العيد سيكون ختام حملة “بدنا نعيّد”، حيث من المقرر تنظيم حفل في مدينة إدلب يستهدف مئة وعشرين طفلاً، يشمل توزيع العيديّات والهدايا إلى جانب بعض الأنشطة الترفيهية، وسيتخلّل الحفل فقرات خاصة للدعم النفسي للأطفال لإخراجهم من ظروف الحرب والنزوح .

ألبسة وعيديّات للأيتام

أطلق فريق إدلبيون التطوعي حملة “كسوة العيد” بهدف تأمين ألبسة جديدة وتوزيعها على الأيتام الذين فقدوا آبائهم خلال الحرب، ومحاولة تعويضهم عن ألم فقدان الأب وزرع الفرحة في قلوبهم، وتعزيز ثقتهم بأن هناك من يقف إلى جوارهم في ظل الغلاء الذي تشهده الأسواق وعجز كثير من العائلات عن شراء كسوة العيد، ما يحرم الطفل من لباس العيد الذي يعتبر أحد أهم الأمور التي تمنحه الفرحة.

يقول يوسف محمود حسن مدير العمليات في الفريق: ” إن أعضاء الفريق بدأوا الحملة عبر إحصاء أعداد الأيتام ومناطق توزعهم وتقدير الميزانية اللازمة لتغطية نفقاتهم، ثم بدأ الترويج للحملة إعلامياً عن طريق مواقع التواصل الخاصة بالفريق”.

لاقت الحملة تفاعلاً كبيراً من المتابعين، وجمعت تبرعات من المغتربين السوريين في مختلف الدول الأوروبية، إضافةً إلى تبرعات من الداخل السوري.

توزيع الألبسة على الأطفال ضمن حملة "كسوة العيد" التي أطلقها "فريق ادلبيون"
توزيع الألبسة على الأطفال ضمن حملة “كسوة العيد” التي أطلقها “فريق ادلبيون”

قدمت الحملة لباس العيد لثمانين طفلاً مقيمين ضمن مناطق جبل الزاوية ومدينة إدلب ومخيمات أطمة وقاح وسرمدا وبلغت قيمة الكسوة لكل طفل خمسة عشر دولاراً لكل طفل، وقد حرص أعضاء الفريق على شراء الألبسة بأنفسهم لضمان أن يحصل الطفل على كسوة العيد، بدلاً من تقديم مبلغ ربما يتم الاستفادة منه في شراء أشياء أخرى، وبالتالي يُحرم اليتيم من لباس العيد.

بدأت الحملة في الثامن والعشرين من رمضان وانتهت مع بداية العيد، لكن سيتم استكمال توزيع الألبسة للأطفال بعد انتهاء العيد، بسبب وصول بعض التبرعات في وقتٍ متأخر، بحسب الحسن.

كما سيقوم “فريق إدلبيون” بتنظيم نشاط ترفيهي ضمن منتزه الرابية الخضراء في مدينة إعزاز بريف حلب في ثالث أيام العيد، يتضمن بعض الأنشطة الترفيهية والمفيدة مع المهرج والرسام، إلى جانب فقرات تحدّ بين الأطفال وجوائز للرابحين.

وفي ذات السياق وزّع “فريق ملهم التطوعي” كسوة العيد على الأطفال ضمن حملة “عيدية9” في مختلف مناطق النزوح، لاسيما في مخيمات ادلب والباب وعفرين وتل أبيض وعرسال، حيث تم تأمين لباس لكل طفل بقيمة عشرين دولاراً، وعيديّة قدرها 3 دولارات، إضافةً لتوزيع حلويات العيد على عائلات مقيمة في المخيمات.

كذلك أطلق فريق شباب الخير التطوعي حملة “فرحة عيد”، من خلال توزيع عيديّات بقيمة عشر ليرات تركية للأيتام في مخيمات إعزاز وريفها، عبر الاعتماد على تبرعات جمعها الفريق من وجهاء المنطقة وأهل الخير، واستهدفت الحملة أربعمئة وستين يتيماً.

وقال أحمد هنداوي مدير الفريق إنهم وزعوا العيديات على الأطفال الأيتام إضافة لتوزيع جوائز على أطفال أدوا صلاة العيد.

أنشطة ترفيهية في العيد

ركّزت فرق تطوعية على الأنشطة الترفيهية خلال العيد، لتسلية الأطفال وتقديم المتعة والفائدة لهم وإخراجهم من أجواء الحرب، ففي أول أيام عيد الفطر نظّم فريق “غراس النهضة” نشاطاً ترفيهياً لمئة وأربعين يتيماً في دار العارضية للأيتام في مدينة سرمدا شمالي إدلب إضافة لتوزيع ألبسة لأطفال الدار.

شارك حسين برتاوي أحد أعضاء الفريق والذي عمل كحكواتي في المخيمات طيلة شهر رمضان في زرع الفرحة على وجوه الأطفال في العيد.
يقول البرتاوي: إن الفريق زين ساحة الملاهي الخاصة بالميتم، وبعد الانتهاء تم تقسيم الأطفال على مجموعات كل مجموعة تضم عشرين طفلاً. وأجريت مسابقات للأطفال تميّزت بالحماس والمنافسة، وسط أجواء من الفرح والبهجة، وفي النهاية كرّم الفائزين في كل مسابقة بجوائز”.

بدورها نظمت جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية كرنفالات العيد في الشمال السوري، وكان اليوم الأول ضمن منطقة سرمدا، بينما ستتركز الأنشطة الترفيهية خلال ثاني وثالث أيام العيد في منطقتي أطمة وجسر الشغور.

خلال الحفل الترفيهي الذي أقامته جمعية عطاء في مخيم براعم أبي الفداء بمنطقة سرمدا
خلال الحفل الترفيهي الذي أقامته جمعية عطاء في مخيم براعم أبي الفداء بمنطقة سرمدا

يقول عبد الرحمن جوخداء منسق الأنشطة الترفيهية في المنظمة: إن خلو مخيمات الشمال من مدن الملاهي دفعنا لجلب الألعاب للأطفال في العيد، حيث تضمنت أنشطتنا مسابقات وألعاب هوائية كبيرة وقطار وبعض الألعاب الأخرى التي تُدخل الفرحة إلى قلوب الأطفال، كما قدّمنا للأطفال ألبسة وعيديّات وهدايا، بالتعاون مع فريق تراحم التطوعي”.

عبر الطفل براء الحسين (12 سنة) مقيم في مخيم براعم أبي الفداء بمنطقة سرمدا، عن فرحته حين شاهد الألعاب التي جلبتها جمعية عطاء للمخيم: يقول أجمل شيء في العيد وجود الألعاب والتي حُرمنا منها في المخيم لسنوات، وحتى حين كنت مع أهلي في مدينة إدلب، لم يكن بمقدورهم اصطحابي إلى مدينة الملاهي لعدم امتلاكهم المال الكافي، بينما استطعت أن ألعب لساعات طويلة هذا العيد.

 

كعك العيد “تنور وفرن ولمة جيران”

 محمود يوسف السويد

في أحد مشاهد الفيلم المصري “عسل أسود” ينقل تحضيرات وصناعة كعك العيد في مصر، يشبه المشهد إلى حد كبير طقوس عيدنا في قرى وبلدات إدلب وكيف كان لكعك العيد دور […]

في أحد مشاهد الفيلم المصري “عسل أسود” ينقل تحضيرات وصناعة كعك العيد في مصر، يشبه المشهد إلى حد كبير طقوس عيدنا في قرى وبلدات إدلب وكيف كان لكعك العيد دور في جمع أفراد الأسرة للمشاركة بصناعته.

تتشابه طقوس العيد في سوريا مع كثير من البلدان العربية، لاسيما في صناعة كعك العيد والذي يعتبر أحد سمات العيد الرئيسية، وتتشابه طقوس تحضيره في عدة بلدان. لكن آلية شيّ كعك العيد تختلف بين منطقة وأخرى، فبعض النسوة كنّ يقمن بشيّه في المنزل في حين ترسله أخريات إلى الأفران العامة والتي تنتشر في المدن الكبرى.

الأفران العامة في المدن تخبز كعك العيد في المناسبات

بعد انتصاف رمضان يقتصر عمل غالب أفران المعجنات على صناعة كعك العيد ، يسهر أبو هيثم مع عماله حتى ساعات الفجر الأولى ضمن فرنه ببلدة اسقاط شمالي إدلب حتى يتمكن من تلبية طلبات زبائنه. يقول: إنهم يعدون الكعك بنكهات مختلفة، فمنها المالح والحلو والمنكّه بالفليفلة الحارة أو بعشبة الزوبعة، في حين يطلب آخرون نكهات إضافية مثل الزعتر والكمون.

يرسل أبو هيثم “صاجات” فرنه الفارغة للزبائن الراغبين بشيّ كعكهم في الفرن، حيث يتم ملؤها ثم إرسالها له ليقوم بعمله، ويتقاضى سبع ليرات تركية على كل “صاج”.

عبد القادر الأخرس ابن مدينة أريحا وصاحب فرن معجنات الناصر في مدينة سلقين، تعلم صناعة كعك العيد بنكهات جديدة خاصة في المنطقة التي يعيش فيها، بعد أن كان يعدها بنكهتي المالح أو الحلو في مدينته سابقاً.

كعك العيد أو الزرد كما يسمى في إدلب
كعك العيد أو الزرد كما يسمى في إدلب

يستقبل عبد القادر طلبات الناس لتجهيزها كاملة أو لشيّها فقط ضمن فرنه شريطة أن تكون موضوع ضمن صاجات الفرن، ففرنه من الأفران الحديثة التي تعمل على المازوت، وتستخدم في عملية الشي عربات تحمل كل الصاجات معاً ويتم إدخالها للفرن دفعة واحدة.

يقول عبد القادر: “استقبل كعك المنازل في حال لم يكن الفرن مشغولاً، وأترك تقدير الأجور للزبون ، حتى أنني  قد لا أتقاضى شيء أحياناً إن كانت الكمية قليلة فأدخلها للفرن مع معجناتي”.

كما لعبت الأفران العامة دوراً إضافياً في سلقين خلال سنوات طويلة، إذ كانت النسوة تلجأ إلى المخبز ليعلمن المقادير اللازمة لتحضير عجينة الكعك.

تستذكر الحاجة أم عبدو الضرف فرن جدها الحجري في سلقين، وكيف كان جدها يعد خلطات الكعك للنسوة بيديه بعد أن تذكر السيدة كم “تنكة” طحين ترغب بعجنها، فالمقدار كان بالتنكة وليس بالكيلو غرام. تصف الحاجة أم عبدو تلك الأيام بأنها كانت جميلة ببساطتها فتقول: “لولا وجود جدي وغيره من أصحاب الأفران لا أظن أن كعك العيد كان سينتشر بالصورة التي هو عليها اليوم”.

بدائل الأفران العامة

لا تتوفر أفران المعجنات العامة في المناطق الريفية، ما يدفع ربات المنازل لاستخدام أفران الغاز ذات الطبقات الثلاث في صنع كعك العيد،  قبله كان فرن الكهرباء المدور المصنوع من الألومنيوم، والذي غاب عن المشهد اليوم لغياب الكهرباء اللازمة لتشغيله.

كعك العيد.. رفيق الشاي والسهرات في إدلب
كعك العيد.. رفيق الشاي والسهرات في إدلب

تروي “أم خالد “سيدة خمسينية من كفرنبل بريف إدلب” كيف كانت تجتمع مع جاراتها بعد صلاة التراويح في منزل إحداهن، يتعاونّ على صنع الكعك لصاحبة المنزل، وبعد الانتهاء من المهمة تستعير إحدى السيدات فرن الكهرباء معها في إشارة إلى أنها التالية لتقوم النسوة بمساعدتها، وهكذا يتم تدوير الفرن من جارة إلى أخرى حتى يزور أغلب بيوت الحارة.

تفضل رحاب المحمد من ريف حلب فرن الكهرباء فهو أجود من ناحية النضج، وصحي أكثر، فلا تنبعث منه روائح الغاز كحال الأفران الأخرى”. في حين ترى جارتها أم حسن في فرن الغاز ميزة الإنتاج السريع، لأن فرن الكهرباء لا يتسع إلا لطبق واحد بينما يتسع فرن الغاز لثلاثة أطباق ، وأنها كانت تحتاج أضعاف الوقت الذي استغرقته في شيّ الكيلوغرامات العشر من الكعك لو استخدمت الفرن الكهربائي .
أثناء مرورك في أي حي من أحياء إدلب ستطالعك رائحة الكعك الزكية، تعبر نوافذ البيوت باتجاه الحارة، تلك الرائحة يشمها خليل الموسى (أحد سكان المدينة) أثناء عودته من صلاة التراويح يقول: “كنت أتثاقل في سيري، كي استنشق أكبر قدر من تلك الرائحة”.

عودة للماضي

تعود بنا الحاجة أم أحمد لذكرياتها مع كعك العيد في مدينتها مورك بريف حماة الشمالي، تتذكر كيف كانت والدتها تستخدم التنور الطيني المعد لصنع الخبز في شيّ الكعك أيضاً، تروي كم كانت سعادتها غامرة وهي في سن العاشرة بعد أن سمحت لها والدتها أن تلصق كعكاتها الخمس للمرة الأولى على جدار التنور الحار.

تقول أم أحمد أذكر أن نار التنور كانت خامدة إلا أن وهجها كان كفيلاً بأن يترك أثره على أصابعي أثناء نزع الكعكات من على جدار التنور بعد نضجها، “وقتها عرفت ليش في طاسة ماء دايما جني أمي أثناء الشغل”. كانت الجارات تجتمعن حول التنور منذ الصباح الباكر ويستمر عملهن لبعد الإفطار في أحيان كثيرة.

قلائد كعك العيد
قلائد كعك العيد

بعد استواء الكعك كان النسوة يصنعن منه قلائد عبر ضم الكعكات بخيط قطني، أو تعلق بحبل رفيع يمر من وسط الكعكات، وينصب بين جدارين في غرفة المعيشة. حتى إذا قدم زائر لهم يكفي أن يقوموا بكسر بضع كعكات وتقديمها للضيف مع ابريق الشاي دون الحاجة لفك الحبل. ويظل هذا الحبل قائما لأشهر طويلة، فكمية الكعك التي يعدها البيت الواحد في تلك الأيام تزيد عن عشرين كيلو غراماً.

وبين تلك الحبائل والقلائد كنت ترى كعكة أو اثنتين بأحجام أكبر من باقي الكعكات، رسمت عليها نقوش بديعة تتفنن النسوة بنقشها بواسطة كشتبان الخياطة المعدني أو المكوك الصغير، تسمى تلك الكعكة بكعكة العيد “تبقى معلقة على الجدار ولا تسمح والدتي لأحد بأكلها إلا بعد نفاذ كمية الكعك كلها” تقول أم أحمد.

حاولت الحاجة نجمة الحمود مع جارتها أم عبدو إعادة إحياء ذكرياتهن مع كعك التنور، وكانت التجربة ممتعة كما يصفنها، لكن في هذه المرة استخدمن “الكارة” لوضع الكعكات داخل التنور تجنباً لحراة النار، وكونها أسرع من إلصاق الكعكات براحة اليد واحدة تلو أخرى، كما وضعن صفيحة حديدية تحفظ الكعك المتساقط من الاحتراق في حال سقطت داخل النار. تحمل كعك العيد الناضج بين يديها وتصف بعناية داخل وعاء وهي تتذكر “التنور” القديم في مدينتها كفرنبل آملة “أن تكون خبزة العيد القادمة في بيتها المحتل”.

طوابير “الأنس في فيينا”

طارق منصور

أتساءَل وقد قاربت الثلاثين من عمري، قضيت منه ست سنوات في الحصار وعامين أبحث فيهما عن مدينة الأحلام. هل بات الطابور ركناً من أركان حياة السوري؟ ضحكت وأنا أقف في […]

أتساءَل وقد قاربت الثلاثين من عمري، قضيت منه ست سنوات في الحصار وعامين أبحث فيهما عن مدينة الأحلام. هل بات الطابور ركناً من أركان حياة السوري؟

ضحكت وأنا أقف في طابور استلام الطعام لأول مرة في مدينة الأحلام، لم أر “شام وأنعام “وهما تقفان في الطابور وأطرافهن ترتعد من البرد.. لم أر أقدامهما المغطاة بالطين، ولم اسمع مشاحنات عادةً ما كانت تدور بينهما على مهمة حمل “القصعات” وتنتهي بالاحتكام إلى عجوز يقف خلفهما بسؤال “عمو أنت شفت بعينك مو أنا حملت الطنجرة أكتر منها؟”. يومئ العجوز برأسه مؤكداً.

الطابور هذه المرة منظم، لا صراخ فيه ولا تهديدات من الموظف المسؤول عن توزيع الطعام بإغلاق المطعم والتوقف عن التوزيع في حال عدم المحافظة على مسافة المتر الواحد بين المصطفين، والتي فُرضت كخطة وقائية من خطط مكافحة فيروس كورونا.

من يقف أمامي ينتعلُ حذاء جلد من ماركة “لاكوست”

وأنا الذي لم اعتد على الوقوف في طابور كهذا اعتدت أن أرى “صندل شام” المرصع بالألماس البلاستيكي، أطراف قدميها المليئة بالطين، ندبات جروح التأمت على أصابع قدميها أقدر أنها أُصيبت بها أثناء جمع الحطب أو تكسيره، فقد كانت وأختها من حمالات الحطب في الحصار، وحمالاتُ الحطب في الحصار كُثر إلا أنهم لا يرمونه في الطرقات بل يحملونه إلى منازلهن لينعموا ببعض الدفء.

مقارنة سريعة عقدت في ذهني ما بين تمساح لاكوست وألماسة شام البلاستيكية التي تأخذ شكل قلب الحب دفعتني للضحك والامتعاض من منتعل الحذاء وصديقه.

سمعت أحدهم يقول للآخر همساً: ما الذي يضحكه! أجابه الآخر: لا أدري لعله مجنون! سترى غداً سيحصل على الإقامة بأقل من ثلاثة أشهر. وقد تحققت نبوءة العاقلان وحصلت على الإقامة في فترة قصيرة.

أسير بهدوء نحو الموظف ابتسم فيبتسم يقدم ليّ مخصصاتي من وجبة العشاء وليس عليّ بعدها أن أدعو له بطول العمر وزيادة الرزق كما هيَّ طوابير الحصار، فهذه الأدعية غير مطلوبة في أرض الأحلام كما أنه لا وجود للكاميرات هنا لتسجيل الفيديوهات والتقاط الصور أثناء توزيع الطعام، وهذا يعني أني لست مضطراً للركض أو التخفي خشية أن يظهر وجهي في فيديو مصور

وصلة من الذاكرة على تفاصيل عشاء دسم

أسير نحو الغرفة التي أتقاسمها مع شريك آخر. ابتسم له، يسألني فيما إن كان سر الابتسامة عشاء دسماً، تتحول ابتسامتي إلى ضحك يشاركني فيه مستبشراً بعشاء على مزاجه.

اتفحص الوجبة “قطعة من لحم البقر محكمة التغليف رائحتها لا توحي إلى أن البقرة ماتت بقذيفة هاون وقطعت لإطعام الجياع، كذلك لا تحمل رائحة لحم القطط أو طعمه”، يقولون إنه في هذه البلاد تحصل البقرة على ميتة كريمة، فهي تذبح بعد تنويمها مغناطيسياً، ومن ميزاتها أيضاً أنها لا تستدعي أن تفرك لثتك بالملح بعد تناولها للتخلص من المرار، فهي ليست كرجل العصفورة السامة مرة المذاق.

أضعها جانباً لأتفحص قطعة شوكولا صُنعت تحت الرقابة وبالمواصفات العالمية، هي خالية من مادة السكرين والقطر الإفرنجي لهذا فإن تناولها عدة مرات في اليوم لا يسبب حالة إسهال كتلك التي تسببها شوكولا الحصار.

أكملُ تفحص الوجبة لأجد قرناً من الموز، والموز سمة للممنوع في أزمنة سورية كثيرة، ليس الحصار الأخير أولها، بل بدأت منذ أن أقسم صديق لي في المرحلة الابتدائية أنه لا يعرف طعم الموز حتى الآن، وأنه لا يعلم عن الموز سوى أن قشوره تتسبب بزحلقة المارة على الطرقات. زجاجة العصير الطبيعي حلت مكان نصف قرص من الفوّار بطعم البرتقال لكل لتر من الماء في زمن الحصار، وكنا نادراً ما نحصل عليه..

"نبتة رجل العصفور" طعام المحاصرين في دمشق -إنترنت
“نبتة رجل العصفور” طعام المحاصرين في دمشق -إنترنت

لم أتعمد المقارنة والدخول في التفاصيل الدقيقة، لكنها فرضت نفسها منذ أن وقفت في طابور آخر غير ذاك الذي ألفته، وقادتني إلى السوق العام في مدينتي المحاصرة، وقتها كنت أعقد المقارنة بين زي الأنواع التي ستكون طبق هذا اليوم “حشائش بلون أخضر، رجل العصفورة، فجل، سلق، سبانخ”.

الأخيرة لذيذة تحتوي على الحديد وستساعدك على الصمود لثلاثة أيام ولكنها باهظة الثمن، بنفس السعر تستطيع أن تعيش على الفجل لخمسة أيام متتالية، هل عليّ أن أجوع ليومين مقابل السبانخ! إذن، سأشتري الفجل لأنني حتماً لن أكل رجل العصفورة في هذا اليوم أيضاً حتى لو أن ثمنها أرخص من الفجل، ما زلت أعاني الإسهال منذ أيام..

آن للفجل أن يعلو على غيره من الخضروات، وهو الذي اشتهر بالمثل الشعبي الشهير “أرخص من الفجل”.. في أرض الموت كان الإنسان ورجل العصفورة أرخص من الفجل. حُسم الأمر سأشتري الفجل اقترب من البائع مخاطباً إياه “أعطني رجل العصفورة لو سمحت..”

هامش أول

رجل العصفورة لمن يجهلها هي “رجل العصفورة.. غسلين الحياة الدنيا وزقومها لا تُسمن ولا تغني من جوع. كنا نحن المحاصرين نفضلها على السبانخ مع مرارة مذاقها وكثرة أضرارها الصحية لأننا نفكر في التفاصيل، دائماً منهمكون في إيجاد الحلول والابتكار لأننا نطمح للعيش طويلاً”.

هامش أخير

صقلنا الحصار وأغرقنا بتفاصيله، نحن لا نستطيع العيش بعيداً عن المقارنات اليومية، أن نستعيد مرارة رجل العصفور قبل أن نبدأ بوجبتنا الحالية، أن نحاكي سؤالاً لديستوفسكي في رواية “حلم رجل مضحك” حين يقول “هل ثمّة عذاب على هذه الأرض الجديدة؟ على أرضنا لا نستطيع أن نحب إلا مع الألم والعذاب، وفقط من خلالهما وإلا فإننا لا نستطيع أن نحب، بل لا نعرف حب آخر، لهذا أنا أطلب العذاب كي أتمكن أن أحب”.

 

المعمول في الشمال السوري.. “شم ولا تدوق”

منيرة بالوش

تستنشق رائحة المعمول وتوابل كعك العيد عند مرورك بالقرب من منزل هدى دحروج في حي الشيخ ثلث بمدينة إدلب، السيدة التي امتهنت صناعته وتجهيزه لزبائنها منذ تهجيرها القسري من مدينتها […]

تستنشق رائحة المعمول وتوابل كعك العيد عند مرورك بالقرب من منزل هدى دحروج في حي الشيخ ثلث بمدينة إدلب، السيدة التي امتهنت صناعته وتجهيزه لزبائنها منذ تهجيرها القسري من مدينتها دمشق.
تستقبل هدى الطلبات من زبائنها في النصف الثاني من رمضان، بعد أن ذاع صيتها بإتقان صناعة الحلويات الغربية والشرقية، نتيجة استعمالها لمواد عالية الجودة تمنح منتجاتها مذاقاً شهياً يتفوق على الأصناف الموجودة في الأسواق.

سخرت هدى خبرتها القديمة في صنع الحلويات، للتغلب على الواقع الذي تعيشه، فحولت مطبخها في مدينة إدلب إلى ورشة صغيرة لإعداد الحلويات الشرقية والغربية بإمكانيات متواضعة جداً كما أخبرتنا.

بدأت فكرة العمل المنزلي عند هدى بتشجيع ممن تذوق حلوياتها، كالجيران والمعارف المقربين، على توسيع عملها والاتجاه نحو الإنتاج والبيع، وقد تمكنت حسب قولها من إرضاء أذواق الناس بمختلف مناطقهم وعاداتهم، تقول: تعاملت مع شريحة متنوعة من شتى المناطق وأضافت “تختلف عادات كل منطقة بتحضير الحلويات واكتسبت خبرة وتجربة مميزة من صناعتها”.

تقصد النسوة هدى لصنع حلوياتهن كونها مريحة في التعامل والتوصية أكثر من أصحاب المحال في السوق، فالنساء تهتم بتفاصيل صغيرة أكثر، من ناحية الطعم والحجم والشكل والنكهات المضافة إليها، وهذا ما وفرته هدى لزبائنها من السيدات اللواتي كسبت ثقتهن وأرضت أذواقهن.

تثني “منال٣٢ عاماً” معلمة وأم لأربعة أطفال على حلويات هدى، وقد أصبحت زبونة دائمة تبتاع من عندها الحلويات في كل مناسبة، وفضلت هذا العيد أن تشتري معمول العيد أيضاً لانشغالها بوظيفتها وامتحانات أطفالها.

خطوات التحضير

لتجهيز عجينة المعمول تخلط هدى مقادير معينة من طحين “الزيرو” والسميد الناعم المعروف بطحين “الفرخة”، مع السمن الحيواني والسكر ثم تضيف إليهم المحلب، بينما تعتمد نساء أخريات على السمن النباتي والزيت لانخفاض سعرها مقارنة بالسمن الحيواني الذي يبلغ سعر الكيلو منه نحو خمسين ليرة تركية.

مكونات المعمول
مكونات المعمول

تجهز حشوة العجوة على يدها لتحصل على “طعم أصيل” خالٍ من التلاعب أو الغش، تخبرنا أنها تشتري كمية من أجود أنواع التمور، بسعر عشر ليرات تركية للكيلو الواحد ثم تنزع نواته وتمزجه جيداً مع السمنة، وتضيف إليه النكهات العطرية كالقرفة أو الهال أو ماء الزهر، لتحصل على عجينة طيبة المذاق، ثم تحضر حشوات أخرى من الجوز البلدي وجوز الهند.

أما السيدة “أم عبد الله ٤٧عام” من ريف إدلب، فقد صنعت حشوة كعك العيد بما توفر لديها من مكونات بسيطة مستغنية عن السمن الحيواني والجوز والفستق الحلبي، تقول: “احتفظت بعلبتي تمر حصلت عليهم من معونة الشهر الماضي، ووفرت أربع كيلو غرامات من الطحين وبعض السكر، واستخدمت نصف علبة السمنة مع قليل من الزيت، وصنعت من حبات فستق الفول السوداني حشوة أخرى مع العجوة، تقول مبتسمة “لم نعرف هذه الحيل إلا في أيام النزوح، المهم ألا يشعر أولادي أن عيدهم ينقصه كعك العيد”.

تتوافر في محال الحلويات في أسواق مدينة إدلب مكونات أخرى من مختلف النكهات، وخاصة بعد التنوع السكاني الذي ميز المدينة، فهناك كعك العيد المصنوع من الطحين فقط، والمعمول المحشي بالجوز بالفستق الحلبي وجوز الهند، كما تتميز مدنية إدلب بالكعك المالح المصنوع من زيت الزيتون والمنكه بالتوابل كالشمرا واليانسون.

تختلف أشكال المعمول باختلاف القوالب المستخدمة بصنعها، وتتفنن هدى باختيار قالب لكل نوع من الحشوة، مستخدمة قوالب بلاستيكية،

وأداة خاصة تسمى “الملقط” محتفظة به منذ كانت في دمشق. تقول: “لكل حشوة رسمة معينة تميزها عن غيرها، ويجب أن تكون قطعة الجوز طويلة محززة وقطعة العجوة مدورة محلاة بحبة فستق حلبي تزيدها لذة وجمالاً”.

فيما تعتمد “أم شادي” من مدينة حماه، على يديها وشوكة الطعام لرسم شكل جميل لقطعة المعمول دون أن تستخدم أي قالب آخر، تخبرنا طريقتها سريعةً وشكلها جميل”.

أما جارتها عفاف فما يزال للقالب الخشبي المستعمل في صناعة المعمول منذ عشرات السنين وجود في منزلها ولا يمكنها الاستغناء عنه.

أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف

تبيع هدى كيلو المعمول بخمسين ليرة تركية، والبتيفور والغريبة بأربعين ليرة تركية، أي ما يعادل أجرة عمل أربعة أيام لعامل مياومة، وهذه الأسعار زادت الضعف عما كانت عليه في العيد الماضي.

المعمول المنزلي في إدلب
المعمول المنزلي في إدلب

بينما يباع كيلو المعمول بعجوة والبرازق وباقي البيتفورات بعشرين ليرة تركية في السوق. تبرر هدى سبب ارتفاع أسعار حلوياتها مقارنة بالأسواق باستخدامها للسمن الحيواني والطحين الجيد والتمر بدل العجوة والجوز البلدي، وهذا ما ميز عملها عن منتجات السوق التي تكون بمواد أقل تكلفة على حساب الجودة، كما أن اعتمادها على فرن الغاز لعدم وجود أفران كهربائية، قد زاد من كلفة الإنتاج، فسعر أسطوانة الغاز تسعة وثمانون ليرة تركية.

يعتبر تحضير كعك العيد المنزلي من طقوس العيد المهمة وهو ما أمن فرصة عمل لعشرات السيدات اللواتي يعملن بصناعته في منازلهن مثل هدى، لكن غلاء الأسعار، ساهم في تقليص الكمية المصنوعة أو استبدال بعض المكونات الأساسية بمواد أقل ثمناً عند بعض الأهالي، وهذا ما لمسته هدى من طلبات النسوة اللواتي تواصلن معها تقول: إن بعض الأسر كانت تطلب نحو عشرة كيلو غرام من كل صنف في حين تقتصر توصيات بعضهم اليوم على كيلو واحد فقط أو كيلو من كل صنف للحفاظ على تقاليدهم القديمة.
تقول إنها كانت تستقبل عبر هاتفها اتصالات عديدة يومياً لتلبية زبائنها في الأعياد الماضية، غير أن الطلب في هذا العيد كان أقل ولم تتلقَ سوى عشر طلبات فقط، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الأهالي في مدنية إدلب.

في الوقت نفسه هناك عائلات ألغت من عيدها شراء الحلويات أو صنعها منذ أعوام بسبب ظروف الحرب والنزوح التي مرت عليهم، وأجبرتهم على التخلي عن فرحة العيد.

تخشى” ليلى” أم لأربعة أطفال أن يمر هذا العيد أيضاً دون أن يشم أطفالها رائحة كعك العيد من مطبخها كما كانت تصنع في بيتها بمدينة حمص قبل التهجير وقد تحتال عليهم بشراء بعض “السكاكر” وصنع أقراص بلا حشوة كما فعلت العيد الماضي.

مع اقتراب نهاية شهر رمضان.. نساء يتحملن مزاجية أزواجهن بالكثير من الصبر

سيرين مصطفى

تتمنى منار العبود “سيدة مقيمة في مخيمات قاح” أن يمر يوم من أيام شهر رمضان دون أن تتعرض للتعنيف اللفظي أو الجسدي من قبل زوجها الذي اعتادت أن تصطدم معه […]

تتمنى منار العبود “سيدة مقيمة في مخيمات قاح” أن يمر يوم من أيام شهر رمضان دون أن تتعرض للتعنيف اللفظي أو الجسدي من قبل زوجها الذي اعتادت أن تصطدم معه خلال ساعات النهار نتيجة انفعاله الزائد أثناء الصيام.

تقول: إن انفعالات زوجها قد تصل أحياناً إلى رمي أطباق الطعام على الأرض أو ضرب الأولاد ناهيك عن صراخه المتواصل، حتى الجيران باتوا يتحاشون الاحتكاك به نتيجة غضبه  على أدنى المواقف”.

متاعب زائدة تتحملها النساء

تتضاعف المسؤولية المنزلية الملقاة على عاتق النساء خلال شهر رمضان، إذ ينبغي أن تقوم السيدات بكافة الواجبات المنزلية وتجهيز وجبات متنوعة للإفطار وتنظيف المنزل والاهتمام بالأولاد ناهيك عن تجهيز الأطعمة للولائم التي تقام للأقارب في رمضان، لكن انفعالات بعض الأزواج زادت من معاناتهن وباتت تسبب لهن تعباً يضاف لمشقة الصيام.

يقول من التقيناهن من السيدات إن أزواجهن يغضبون بسرعة خلال ساعات الصيام وتختلف ردود أفعالهم بحسب طبيعة لتصل عند بعضهم لضرب الزوجة والأطفال.

بينما يتدخل آخرون بأعمال الزوجات في المنزل بطريقة “مزعجة” حسب وصفهن، مثل التعليق على كمية الملح في الطعام، طريقة ترتيب  المائدة ، وافتعال مشاجرة في حال كانت كمية الطعام كبيرة أو قليلة عدا عن مقارنة أطعمة الزوجة بأطعمة نساء أخريات.

كما تتعرض سيدات أخريات للاتهام بالتبذير في حال طلبن بعض الاحتياجات لتحضير وجبة الإفطار، وبالمقابل في حال لم يطلبن تلك الاحتياجات، وقمن باختصار بعض الأطباق على المائدة، يُقال عنهن مقصرات، وأنهن لسن كباقي السيدات.

تقول مريم البيوش (مقيمة في مخيم مشهد روحين): “زوجي يتدخل بعملي في المطبخ بشكل كبير، ويلاحقني بتعليماته المستمرة “السلطة ناعمة، السلطة خشنة، اغسلي الفروج منيح”.
تشعر مريم بأنها فقدت كامل قواها بعد الانتهاء من تحضير وجبة الإفطار ولم يعد لديها أي طاقة للقيام بعمل أو تلقي انتقادات حسب قولها.

ترى النساء اللواتي تحدثنا معهن أن طبيعة العمل في رمضان ووجود غالبية الرجال في المنزل في وقت تحضير الإفطار تخلق لديهم حالة من الضجر ما يدفعهم للتدخل بشؤون عمل الزوجة وللدخول معها في صدامات مستمرة بينما ينشغل الرجال بأعمالهم في الأيام الطبيعية ما يخفف من تلك المشاحنات.

تفسيرات ونصائح

يقول صافي بخصو “أخصائي نفسي” إن الحالة العصبية التي نراها في رمضان تتواجد لدى النساء والرجال على حد سواء لكن يختلف التعبير عنها بين الرجل والأنثى”.

وفسر بخصو هذه الحالة بقوله ” يوجد في دماغ الإنسان مركزاً مسؤولاً عن الجوع وبمجرد حصول خلل أو اضطراب في هذا المركز، يحدث توتر في الجهاز العصبي يدفع الإنسان للتصرف بردات فعل عنيفة تنعكس على الوسط المحيط به. كما أن تغيّر روتين الحياة اليومي في رمضان ينعكس على الحالة النفسية للإنسان، خاصة في حال كان الصائم معتاداً على سلوك ما وتوقف عنه مثل شرب الدخان والقهوة.

ينصح صافي بخصو السيدات اللواتي يعانين مع أزواجهن خلال هذا الشهر بتفهم المرحلة التي يمر بها الزوج خلال هذه الفترة، ما يساعد المرأة على التعامل معه بشكل إيجابي، كما أكد أن قدرتها على تحديد الأمور التي تسعد زوجها والقيام بها ستخفف من حالات الصدام المنزلي، كما يجب عليها أن تتناسى أو تتجاهل عصبية الزوج بتخفيف النقاش، واستبدال الجدالات الطويلة ببعض العبادات التي تبعث الطمأنينة وراحة البال في النفس.

تستغرب سيدات من تحميلهن عبء ما أطلقن عليه “مسايرة المزاج المتقلب لأزواجهن”، تقلن إنهن أيضاً “متعبات وصائمات”، وإن مشاغلهن تزيد في أيام رمضان ما يستوجب مراعاة “أزواجهن لظروفهن ومساعدتهن” لا الوقوف عند كل تفصيل ومحاسبتهن عليه، أو التعرض لهن بالأذى اللفظي والجسدي.

وتكمل سيدات التقيناهن إن شهر رمضان يحمل في معانيه “الصبر”، والصبر هنا ليس درساً على النساء فقط أن يتعلمنه، بل على الرجال أيضاً توخيه، إذ لم تعد تنفع “حجة الصيام” في تبرير ما يقومون به.

تسعى بعض النساء اللواتي التقينا بهن للتعامل بحكمة مع غضب الزوج تقول ريما “سيدة من إدلب” إنها تتجنب انفعالات زوجها وتلبي جميع متطلباته دون أن تدخل معه في أي جدال بينما تدخل مرام إلى المطبخ رفقة زوجها وتطلب منه أن يخبرها بالطريقة التي يود أن تحضر بها الطعام لتتجنب انتقاداته، في حين تسعى فاطمة لإبعاد زوجها عن المنزل وإشغاله حتى وقت الإفطار عبر ذهابه مع أخيها إلى الأماكن التي يرتاح بها.

من ناحية أخرى ذكرت بعض السيدات أن حياتهن مع أزواجهن في رمضان لا تختلف بشكل كبير عن الأيام الأخرى، فانشغال أزواجهن في أعمالهم اليومية كان له دور في استقرار حياتهن خلال هذا الشهر.

“البيت التدمري” رعاية وتأهيل للأطفال وتمكين للشباب

عبدالله البشير

ركز مشروع “البيت التدمري” منذ تأسيسه في سنة 2016 وحتى اليوم على المرحلة الأولى في تأسيس الحياة التعليمية والتربوية للطفل، رياض الأطفال، ويركز على نازحي ومهجري مدينة تدمر والمجتمع المضيف […]

ركز مشروع “البيت التدمري” منذ تأسيسه في سنة 2016 وحتى اليوم على المرحلة الأولى في تأسيس الحياة التعليمية والتربوية للطفل، رياض الأطفال، ويركز على نازحي ومهجري مدينة تدمر والمجتمع المضيف لهم في أماكن النزوح شمال غرب سورية.

انطلقت فكرة المشروع من العاصمة الفرنسية باريس، وتهدف للمساعدة في تطوير وتأهيل المجتمع المدني في مدينة تدمر وتخليصه من التبعات النفسية والاجتماعية التي لحقت به بعد نزوحه من المدينة، نتيجة سيطرة تنظيم الدولة ومن بعده قوات الأسد والقوات الروسية وميليشيات إيران عليها، بحسب أحمد طه المدير التنفيذي للمشروع.

ويقول الطه “إن الأزمات المتعاقبة التي عاشها سكان المدينة أدت لتخريب العلاقات المجتمعية، فضلاً عن الدمار المادي الكبير الذي لحق بالمدينة وآثارها وبناها التحتية والخدمية والمدنية، ما دفعنا لإطلاق المشروع بغية تطوير وتأهيل المجتمع المحلي التدمري، بحيث يكون قادراً على إعادة إعمار الإنسان والمدينة في تدمر، وقبل ذلك المساهمة مع المجتمعات المحلية التي يحل بها حالياً نازحو تدمر”.

يتألف المشروع وفق مخططاته الأساسية من عدة مراكز، ” للإعمار، للتراث، للطفولة، للمرأة، للعودة، للتعليم الشعبي، الصحة، التوثيق والدراسات والإحصاء، البيئة، الزراعة فضلًا عن المركز الإعلامي”. كل مركز يحاول إيجاد السبل لتهيئة وتطوير كوادر المدينة بحسب تخصصه، من خلال توفير الأدوات اللازمة لذلك بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات محلية ودولية لديها الخبرة في هذا العمل.

يستهدف المشروع كافة الشرائح العمرية لأهالي المدينة إضافة لأهالي المجتمعات المحلية التي يقيم أهالي تدمر حالياً بينها، وقد لاقى المشروع قبولاً ودعماً من السكان والجهات المسؤولة، في مقدمتها مديرية التربية بحسب الطه.

بدأ عمل المشروع عبر تدريب الكوادر الأساسية من خلال دورات مباشرة أو عن طريق الانترنت، وشملت التدريبات اختصاصات عدة مثل “التعليم، قيادة المشاريع، أصول التوثيق القانوني، الإعلام، إضافة إلى رفع المهارات الوظيفية ودورات في الرعاية النفسية و الوقائية الطبية”، وتم إنشاء مراكز في مجالات “التراث، الأطفال، المرأة، الشباب، الصحة، البحث، البحث والتحليل، التعليم، التعاون بين مكونات المجتمع ، حقوق الإنسان ، منع / حل النزاعات”.

وأضاف الطه تم التركيز في المرحلة الأولى بشكل خاص على تدريب الشباب من أجل ملء أدوار القيادة في المجتمع وتنمية المهارات التقنية بهدف توفير فرص العمل لجميع قطاعات المجتمع، وتم تزويد المراكز الصحية بالتدابير الوقائية والعلاجية والرعاية الصحية والتدريب على الإسعافات الأولية، إضافة للاهتمام بالجانب التعليمي للأطفال والتركيز عليه.

في بلدة كللي شمالي إدلب تقدم روضة البيت التدمري الرعاية والتعليم للأطفال بشكل مجاني، كما أطلق المشروع مدرسة زراعية، فضلاً عن أنشطة أخرى منها مركز للتدريب المهني.
بينما يدير البيت التدمري في مدينة حزانو شمالي إدلب مركزاً للتوثيق والبحث وإعادة تأهيل الأطفال، كما ينظم دورات للمساعدة في الإسعافات الأولية.

كما كان للمشروع نشاطات في مخيم الركبان عند المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، حيث نظم  دورات التصوير الفوتوغرافي والإعلامي، فضلاً عن أنشطة تهتم بالدرجة الأولى بالتعليم والتوعية الصحية والدعم النفسي للأطفال و النساء ضمن نشاطات تقام في مدرسة البيت التدمري بمخيم الركبان.

رياض الأطفال أولوية

يسعى “البيت التدمري” للتركيز على بعض المشاريع بهدف الاستمرار بها وقد كان لرياض الأطفال النصيب الأكبر من الرعاية، ويقول أحمد طه: تم إنشاء روضة أطفال  في مدينة كللي لتوفير خدمات تعليمية مجانية لأطفال مدينة تدمر النازحين في هذه المدينة إضافة لأطفال المدينة.

تتراوح أعمار الأطفال ضمن الروضة بين أربع إلى ست سنوات،  وقد تم التركيز على فكرة الروضة لمنح هؤلاء الأطفال بعض الوقت الذي يعيد لهم طفولتهم الحقيقية، ويبعدهم عن أجواء الحرب التي عاشوها جميعاً لاسيما أطفال تدمر الذين تعرضوا لأكثر من نزوح قبل أن ينتهي بهم المطاف في هذه المدينة، إضافة لرغبة “البيت التدمري” بتنفيذ برنامج يعتمد على محاولة ربط الأطفال ببيئة مدينتهم الأم كمحاولة لتقوية الجذور، حتى لا يشعروا بغربة ووحشة حين عودتهم و أهاليهم إلى مدينتهم.

ويؤكد أن العمل الطوعي كان سبباً بنجاحهم، حيث قدمت لهم المجالس المحلية كافة التسهيلات اللازمة كما منحتهم مديرية التربية ترخيصاً للروضة، ووضع البيت التدمري منهاجاً تعليمياً خاصاً بالروضة تم التركيز في نهايته على فقرة “نشاط من بلدي”، بهدف تذكير الأطفال النازحين بأوطانهم.

قدم مشروع رياض الأطفال في البيت التدمري دعماً نفسياً للأطفال عبر وسائل الترفيه من ألعاب وفنون كالرسم والأشغال إضافة للتعليم، حيث أبقت هذه النشاطات الطفل بعيداً عن الظروف التي يعاني منها، مع التركيز على محافظة الطفل على النظافة الشخصية والنظام والالتزام بالوقت والتصرفات السليمة على مستوى العائلة والأصدقاء والمعلمين.

يقول علي اسماعيل “مهندس من كللي” إن البيت التدمري مشروع رائد ومميز بالخدمات التي يقدمها، ويعتني بشرائح المجتمع كافة، ويركز على فئة الشباب ببناء القدرات وتمكينهم في سوق العمل، والاهتمام بالأطفال.

ويجد الأهالي فائدة كبيرة لتلك الأنشطة، سواء في بناء الشباب وتطوير مهاراتهم في الحاسوب والمعلوماتية ومجالات مختلفة بما يتناسب مع الوقت الحالي، إضافة للتعليم المميز في رياض الأطفال.  لمس الأهالي تميز الأطفال بعد انتقالهم من روضات البيت التدمري إلى المدارس دون أي صعوبات بتعلم الأحرف والأرقام.

حافظ المشروع على استمراريته لسنوات مضت رغم نقص الدعم، ويرى العاملون به أن العمل التطوعي كان عاملاً مهما لنجاحهم واستمرارهم وتفاعل الناس معهم.

 

 

 

الحظر الكامل في تركيا يرهق السوريين ويُشعل الخلافات العائلية

هاني العبدالله

انعكس الحظر الكامل المعمول به في تركيا على اللاجئين السوريين بشكل سلبي إذا باتوا مجبرين على الجلوس في منازلهم، وخسر كثير منهم مصدر دخله بشكل نهائي نتيجة فصلهم من عملهم، […]

انعكس الحظر الكامل المعمول به في تركيا على اللاجئين السوريين بشكل سلبي إذا باتوا مجبرين على الجلوس في منازلهم، وخسر كثير منهم مصدر دخله بشكل نهائي نتيجة فصلهم من عملهم، أو بشكل مؤقت لحين انتهاء الحظر الذي بدأ في التاسع والعشرين من نيسان وسيستمر إلى السابع عشر من أيار.

عمال المياومة المتضرر الأكبر

يعمل معظم السوريين في تركيا وفق نظام المياومة لتأمين قوت يومهم، لكن مع إعلان حظر التجول لم يعد بإمكانهم توفير الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وسكن ولباس.

يقول أبو نديم الخلف “لاجئ سوري مقيم في منطقة “بغجلار” في اسطنبول”: ” إن قرار الحظر ألحق ضرراً بكثيرٍ من السوريين، خاصةً من يعملون وفق نظام المياومة، إذ لا تملك هذه الشرحة إذن عمل أو إجازة أو ضماناً صحياً، ويتقاضون رواتبهم وفق أيام العمل التي أنجزوها، ما دفع أرباب عمل لاستغلال هذه الناحية وفصل بعضهم بشكل نهائي، أو منحهم إجازات بلا راتب ريثما ينتهي الحظر”.

يضيف الخلف: “إذن العمل يحمي اللاجئ السوري ويضمن له حقوقه، ما يدفع أرباب عمل للتهرب من منحه للعامل السوري حتى يتثنى لهم التحكم به وطرده إذا اعترض على أي قرار، كما يرفض صاحب العمل دفع رسوم التأمين الصحي للدولة عن العمال السوريين ما يحرمهم من التأمين الصحي، كما يحرم العامل السوري من الإجازات السنوية مدفوعة الأجر، ما يجعله عرضة لخسارة مصدر رزقه مع كل حظر تجول تفرضه الدولة”.

تعرض كثير من أصحاب الورشات والمصانع، لخسائر عقب تفشي فيروس كورونا، بسبب عدم قدرتهم على تصدير منتجاتهم إلى باقي الدول، وتعطل أعمالهم مع فرض الحظر من قبل الحكومة التركية بين الفينة والأخرى، فكان العمال السوريون هم “كبش الفدا” بحسب تعبير من التقيناهم، حيث يقوم صاحب العمل بطرد العمال السوريين للتخلص من رواتبهم وتخفيف خسائره، بينما لا يستطيع طرد العمال الأتراك كونهم يملكون أذن عمل.

يعمل أحمد العبسي “وهو أحد السوريين المتضررين من قرار الحظر” في مجال الديكورات بمدينة انطاكية، ويتفق مع الزبائن على أجرة يومية مقابل إنجاز العمل المطلوب، لكن قرار الحظر أُجبره على الجلوس في المنزل ما كبّده خسائر كبيرة.

يقول العبسي: “اتفقت مع أكثر من زبون على القيام بأعمال الديكور والطلاء في منازلهم، لكن مع بدء حظر التجوال فقدت أغلب زبائني الذين اتفقت معهم، فكل واحد يحتاج لإنجاز عمله بأسرع وقت، ولم يقتصر الأمر على خسارة الأجرة، بل خسرت عشرة آلاف ليرة تركية، ثمن المعدات التي اشتريتها للعمل، حيث جلبت تلك المعدات وفق القياسات والألوان المطلوبة، بمعنى أني لا أستطيع استعمالها لزبونٍ آخر”.

يتابع العبسي: “لا أدخر أي مبلغٍ من المال، وما أتقاضاه من العمل بالكاد يكفي لدفع أجرة المنزل والفواتير وتأمين أدنى المستلزمات الأساسية، ومع توقف عملي بسبب الحظر، لم أعد أملك أي مبلغ ولا أعرف كي سأدفع أجرة البيت بعد عدة أيام”.

تضرر السوريين لم يقتصر على الحظر المفروض مؤخراً والذي يستمر لعشرين يوماً، بل هناك كثير من السوريين خسروا عملهم بسبب الإجراءات الاحترازية التي فرضتها الحكومة التركية مسبقاً، وأبرزها إغلاق المطاعم أمام الزبائن، واقتصار البيع على الطلب الخارجي فقط، وبالتالي تم الاستغناء عن جميع العمال السوريين الذين كانوا يعملون لخدمة الزبائن ضمن المطعم.

الجلوس في البيت يُشعل الخلافات

قرار حظر التجوال كان باباً للخلافات العائلية، حيث زادت الشجارات بين الأزواج، تقول صفاء صطوف “لاجئة سورية تقيم في حي اسنلار في اسطنبول: “حين تم الإعلان عن قرار الحظر الكامل، أصيب زوجي بحالة غضبٍ واكتئاب، وأصبح يُفرّغ غضبه بالصراخ في وجهي، فهو معتادٌ على العمل، ولا يتحمّل الجلوس طوال اليوم في المنزل”.

وأضافت صفاء “ما زاد غضب زوجي أكثر أن الحظر جاء في شهر رمضان، والذي يكون فيه كثير من الأشخاص في الأحوال الطبيعية بمزاجٍ عصبي، وتزامن اليوم مع فقدانٍ للعمل ومصدر الدخل وجلوسٍ طويل في البيت!”

وتابعت صفاء: “تعرّضت ابنة عمي التي تقيم في نفس منطقتي للضرب من قبل زوجها بعد أن نشب خلاف بينهما على قائمة الطلبات التي أصرت الزوجة على إحضارها وتمنع الزوج نتيجة ضيق أحواله المادية، ولو كان عمل زوجها مستمراً لما وصل بهم الخلاف إلى هذا الحد”.

اعتاد أحمد درة لاجئ سوري يقيم في منطقة الفاتح بإسطنبول، على الخروج من منزله للعمل أو لقضاء الوقت مع الأصدقاء، لكن قرار الحظر أجبره على الجلوس في المنزل.
يقول: “لا أعرف كيف سأقضي الأسابيع الثلاثة في البيت، فقد ضجرت من ضجيج أولادي منذ اليوم الأول، وأقضي ساعات النهار بالصراخ عليهم وزجرهم وضربهم أحياناً”.

من جهتها قالت ياسمين علو “استشارية نفسية”: “إن عجز الرجل عن تأمين مستلزماته الأساسية، ووجوده في البيت ضمن بيئة لم يعتد عليها دائماً، كأصوات الأبناء أو وجود الزوجة معه طوال 24 ساعة، يُسبّب له ضغوطاتٍ نفسية، يُعبّر عنها بالعصبية، وما يتبعها من سلوكيات صراخ وتحطيم الأثاث، وأحياناً ضرب زوجته وأطفاله”.

وأوضحت ياسمين “الشيء الأهم لتجنب الخلافات خلال الحجر المنزلي، هو أن يُخصص كل طرف وقتاً لشريكه وأن يتبادلا النقاشات باحترام، ويسترجعا ذكريات الماضي، فحظر التجوال أصبح أمر واقع ولا فائدة من الانزعاج والتوتر”.

كما يمكن للزوجين أن يقوما بنشاطاتٍ مشتركة، كتحضير طعام الإفطار أو الحلوى، أو استغلال هذا الوقت في العبادات خلال رمضان، أو يتعلما اللغة التركية أو أي شيء آخر عبر اليوتيوب، كما يجب على الزوجة تجنب إزعاج زوجها بطلباتٍ كثيرة، وألا تطلب منه أن يخرج أكثر من مرة في اليوم لشراء لوازم البيت.

باب للنصب والاحتيال

أعلنت الحكومة التركية عن مساعداتٍ مالية للمتضررين من قيود “كوفيد 19″، لكن ذلك لم يشمل السوريين، بل خصّ العمال الأتراك، على أن يتم منحهم نحو ألف ومئتي ليرة تركية.

واستغل “تجار الأزمات” حاجة السوريين إلى المال بسبب توقف عملهم مع بدء الحظر الكامل في تركيا، وبدؤوا بنشر أخبار على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون فيها عن وجود منح مالية من الحكومة التركية للسوريين، وأنه يمكنهم الحصول عليها عبر الدخول إلى الرابط الموجود وتسجيل البيانات المطلوبة.

وقال الصحفي المعني بالشأن التركي أحمد خورشيد: “ليس هناك قرار جديد بشأن منحة مالية، فالمساعدات المقدمة للسوريين موجودة منذ دخولهم لتركيا وتُقدّم من الاتحاد الأوروبي، لكن مع ظهور كورونا في تركيا العام الماضي وفرض قيود مشددة، أعلنت المديرية العامة للبريد التركي (PTT)، عن فتح رابط للتسجيل للحصول على ألف ليرة للأسر السورية الفقيرة”.

وأضاف خورشيد “يجب الدخول إلى الرابط من موقع (PTT)، وعدم فتح أي رابط على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أن مستغلي الأزمات يضعون روابط وهمية لدفع الناس للدخول إلى مواقعهم بغية زيادة أعداد رواد الموقع، أو ربما تكون روابط اختراق لهواتفهم، أو أسلوب احتيال للحصول على بياناتهم الشخصية ومعلومات حسابهم البنكي”.

يجب أن تتوفر شروط معينة في الشخص المتقدم للحصول على المنحة المالية الخاصة بكورونا، كدرجة الفقر وعدد الأولاد وطبيعة المسكن وغيرها، علماً أن من يُوافَق على طلبه تصله رسالة باللغة العربية إلى هاتفه من (PTT) حصراً، أو يمكنه الدخول إلى (إي دولات) للتأكد، لذا يحب عدم تصديق أي رسائل أخرى تصل إلى الهواتف من أرقامٍ غريبة أو من روابط على الانترنت، تدّعي أن اسمه تمت الموافقة عليه للحصول على منحة مالية بحسب خورشيد.

كما استغل آخرون ظروف كورونا وقاموا بالتوجه إلى بيوت السوريين، والادّعاء أنهم يريدون الكشف على وضع المنزل وحالة العائلة فيه لمنحهم كرت الهلال الأحمر وتعويضات بسبب كورونا.

تقول صفاء صطوف: “إن صديقتها التي تقيم في منطقة اسنيورت باسطنبول تعرّضت لعملية احتيال، حيث طرق شخصان باب منزلها وأخبراها أنهما من الهلال الأحمر التركي ويودّان تقديم مساعدات مالية لها كتعويض بسبب كورونا، وحين فتحت لهما الباب حاولا رش بخاخ عليها لسرقة البيت، لكنها صرخت بقوة ليهرع الجيران نحوها، ما دفع السارقين للهرب بسرعة”.

الحظر يدفع سوريين للعودة

من جهة أخرى غادر سبعمئة شاب سوري الأراضي التركية إلى إدلب الأسبوع الماضي، متنازلين عن حقهم في “الحماية المؤقتة” بسبب توقف أعمالهم، عقب قرار الإغلاق الأخير للحكومة التركية في عموم الولايات، وفق مازن علوش مدير العلاقات الإعلامية في معبر باب الهوى.

وبحسب ما ذكرت عدة تقارير إعلامية، فإن عشرات الشباب السوريين، توجهوا إلى مبنى الأمنيات في منطقة “نارلجا” بولاية هاتاي، من أجل تسليم بطاقة الحماية المؤقتة والعودة الطوعية إلى سوريا، وأن كل من سلّم “الكيملك” من أجل العودة إلى بلده، هم من فئة الشباب ولم يُسجّل وجود أي عائلات بينهم، حيث عبروا باتجاه مناطق إدلب وريف حلب.

وقال أحمد درة، إن أحد أصدقائه عاد إلى سوريا، بعد أن خسر عمله عقب قرار الحظر الأخير، لكنه دخل الأراضي السورية بشكلٍ غير شرعي، كي لا يضطر لتسليم الكيملك، وبالتالي يستطيع العودة مجدداً بنفس الطريقة، في حال تحسّنت ظروف العمل في تركيا”.

وأضاف درة أن “من عاد الى سوريا مؤخراً كان لسببين، الأول سوء الواقع المعيشي، بسبب توقف أغلب الأعمال نتيجة حظر التجوال، والثاني لقضاء العيد مع ذويهم، بعدما ألغت الحكومة التركية الإجازة هذا العام بسبب كورونا كما فعلت العام الماضي”.

وأصدرت المديرية العامة للهجرة التركية، إحصائية جديدة لعدد اللاجئين السوريين على أراضيها نهاية العام الماضي، ذكرت فيها أن عددهم بلغ 3.627.481 لاجئاً سورياً، وتصدرت إسطنبول قائمة الولايات التركية من حيث عدد السوريين بـ 511.498 سورياً، ولا توجد إحصائيات رسمية دقيقة عن عدد العمال السوريين الموجودين في تركيا، لكن تشير بعض التقديرات إلى أنهم يصلون لنحو مليون، موزعين على مختلف الولايات.