فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

المولود الجديد فرحة وراها مية غصّة

وأضافت أم أنس أن “الكراوية اختلفت من حيث الشكل بالنسبة لسكان الغوطة الشرقية، حيث فقدت كثيراً من مكوناتها، إلا أن طقوسها لم تختلف أبداً، فخلال فترة الحصار قبل التهجير، استعاض الناس الأرز الذي يعتبر مادة أساسية في تحضيرها بسميد القمح كونه أرخص ثمناً، لكن هنا عدنا لاستخدام الأرز مجدداً كونه متوفر بسعر مناسب”.

كما أن نسبة الكراوية تم تخفيضها وأصبحت لا تتجاوز الـــ 20%، أما الزينة فهي الأكثر تأثراً، فغابت المكسرات كالفستق الحلبي والكاجو واللوز، وحلّت محلها بذور المشمش المقشرة والتي باتت الزينة الرئيسية، إضافةً لجوز الهند.

 

ملامح الفرح التي رافقت “هدى عودة” المُهجرة من مدينة دوما بعد أن أخبرها الطبيب بحملها الأول بدأت بالانحسار، فبالرغم مما تركه الخبر من أثر جميل في نفسها، وشعورها للمرة الأولى بالأمومة، والأفكار التي راودتها حول الاسم الذي تطلقه على صغيرها التي بدأت بتخيل ملامحه والألبسة التي ستختارها له بعناية، إلّا أن الأكلاف المادية التي سترافق قدومه طغت على فرحها، شعور بالرضا رافقها عند وصولها إلى المنزل بعد أن سكنت روحها لكلام والدتها بأن “الولد بيجي وبتجي رزقتو معو”.

منغصات وعقبات كثيرة تعترض العائلات السورية منذ اللحظة الأولى لمعرفتهم بقدوم المولود الجديد، تقول هدى لفوكس حلب، فسوء الأوضاع الاقتصادية وما يقابله من ارتفاع جنوني في أسعار الأدوية المرافقة للحمل وزيارات الأطباء الدورية إضافة إلى كلفة الولادة وألبسة الأطفال ومستلزماتهم من (حليب وغذاء وحفاضات)، ناهيك عن الطقوس والعادات التي تأتي بعد الولادة، باتت تشكل عبئاً كبيراً أدخل الأسرة السورية في تعقيدات الحسابات اليومية قبل اتخاذ القرار بالإنجاب، أو اجتراح حلول بديلة للتحايل على الظروف القاسية التي يعيشونها.

خلال فترة الحمل

تحتاج الأم الحامل لزيارة طبيبها شهرياً وبشكل دوري، للاطمئنان على صحة الأم والجنين، وتصل كشفية طبيب النسائية حالياً لـ 3 آلاف ليرة سورية، إضافة إلى كلفة التحاليل الطبية اللازمة، وأسعار الأدوية المرتفعة، إذ تحتاج الحامل في الحالة الطبيعية إلى أدوية “الفيتامين” ومضادات الإقياء وحامض الفوليك (في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل)، ومسكنات للألم، وتقدر الكلفة الوسطية لهذه الأدوية بـ (5 آلاف ليرة على الأقل)، كما تحتاج الأم الحامل، في كثير من الأحيان، لأدوية تثبيت الحمل في الأشهر الأخيرة ما يؤدي لمضاعفة المبلغ.

“ديارة” الأطفال والحلول البديلة

مع اقتراب فترة الولادة، تبدأ رحلة شاقة لتأمين ألبسة “الديارة”، والتي قد تكلّف 75 ألف ليرة سورية، فـ طقم المشفى المعروف (بطقم النزلة)، يبلغ ثمنه لوحده 15 ألف ليرة.

وفي ظل غلاء أسعار ألبسة الأطفال لجأت بعض النساء إلى حلول بديلة، تقول منى صوّان من مدينة معرتمصرين بريف إدلب “تلجأ النساء اليوم لشراء الألبسة المستعملة من البازارات ومحلات البالة، أو للاستعارة من الأقرباء والجيران، في حين تحتفظ النساء بلباس أطفالهن القديمة وإعادة استخدامها”.

ويرى الباحث الاقتصادي محمد بكور أن سبب ارتفاع أسعار ألبسة الأطفال يعود إلى توقف الكثير من المعامل والورش، ولجوء المحال التجارية للاستيراد من الدول المجاورة، أو الحصول عليها من المحافظات الأخرى ما يزيد من الكلفة، إضافة إلى نوعية الأقمشة التي يفترض أن تكون قطنية بجودة عالية لتتناسب مع بشرة الطفل الحساسة، ناهيك عن كلفة الإكسسوارات والتطريز.

حليب الأطفال والحفاضات هم ثقيل

بعد أن تنتهي المرأة الحامل من تأمين ألبسة طفلها ومستلزماته، تدخل في هم جديد يتمثل في دفع تكاليف الولادة والتي باتت باهظة للغاية، حيث تكلّف الولادة القيصرية في المشافي الخاصة ما بين 150-200 ألف ليرة سورية حسب طبيعة المشفى، ومن 50-100 ألف ليرة للولادة الطبيعية.

تقول منى صوّان: “معظم السيدات ليس لديهن القدرة على دفع تكلفة الولادة، فأجرة ولادة قيصرية تعادل راتب موظف لخمسة أشهر، وهنا تضطر أغلب النساء الحوامل إلى الولادة في المشافي أو المراكز الطبية العامة”.

إنجاب المولود لا يعني نهاية المصاريف، فالطفل بحاجة إلى حفاضات بشكل يومي، تقول منى صوّان: “في القديم كانت النساء تستخدم قطع القماش للأطفال، لكن في التسعينات ظهرت الحفاضات، لذا تم الاستغناء عن قطع القماش التي كانت هماً حقيقياً للنساء، كونها بحاجة لتنظيف دائم”، ويصل سعر الكيس الواحد من الحفاضات متوسطة الجودة إلى حوالي 1500 ليرة سورية، ويحتاج الرضيع إلى خمسة أكياس شهرياً.

حليب الأطفال يعتبر العبء الأكبر على السوريين، فهناك نساء ممن لديهن مشكلة صحية ولا يستطعن إرضاع أطفالهن بشكل طبيعي، فيلجأن إلى الحليب الصناعي، ويحتاج الرضيع إلى علبتي حليب أسبوعياً (ما يقارب 5000 ليرة وسطياً)، وتزداد الكمية مع تقدم الطفل في السن، إضافة إلى أغذية الأطفال، ويبلغ سعر علبة السيريلاك وزن 400غرام حوالي 1450 ليرة.

 

الكراوية بحلّة جديدة

الكراوية إحدى أهم أطباق الحلويات الدمشقية، التي تُقدَّم في الغالب للضيوف المهنئين بالمولود الجديد، وهي عبارة عن نبتة عشبية عطرية شبيهة بالكمون أواليانسون، تُطحن وتُستخدم في الحلويات أو كبهارات أيضاً.

تقول أم أنس: “تهجيرنا إلى الشمال لن يمنعنا من نقل بعض طقوسنا إلى هنا، تحضير الكرواية بات مكلفاً، خاصةً أنها تحتاج الى الكثير من المكسرات، فسعر كيلو الكاجو أو اللوز 8 آلاف ليرة، إضافة إلى ندرة وجود الكراوية في أسواق الشمال السوري”.

وأضافت أم أنس أن “الكراوية اختلفت من حيث الشكل بالنسبة لسكان الغوطة الشرقية، حيث فقدت كثيراً من مكوناتها، إلا أن طقوسها لم تختلف أبداً، فخلال فترة الحصار قبل التهجير، استعاض الناس الأرز الذي يعتبر مادة أساسية في تحضيرها بسميد القمح كونه أرخص ثمناً، لكن هنا عدنا لاستخدام الأرز مجدداً كونه متوفر بسعر مناسب”.

كما أن نسبة الكراوية تم تخفيضها وأصبحت لا تتجاوز الـــ 20%، أما الزينة فهي الأكثر تأثراً، فغابت المكسرات كالفستق الحلبي والكاجو واللوز، وحلّت محلها بذور المشمش المقشرة والتي باتت الزينة الرئيسية، إضافةً لجوز الهند.

الكراوية -أنترنيت
الكراوية -أنترنيت

تدخل أم أنس وهي تحمل أكواب الكراوية الساخنة، وتوزّعها على النساء اللواتي جئن للتهنئة بولادة شقيقتها، يبدأ البعض بتناول حصته، بينما هناك نساء ترددن في تناولها، كون أهل الشمال السوري غير معتادين عليها، لكن سخونة الكراوية ومظهرها الجميل شجّعتهم على أكلها، وأدخلت الدفء إليهم في ظل الطقس البارد.

بعد أن أعجبت بعض النساء الحاضرات بطعم الكراوية، سألن أم أنس عن طريقة تحضيرها فأجابت: “تُطحن الكراوية ومن ثم توضع كمية من الأرز المطحون من ضعفين حتى خمسة أضعاف بحسب رغبة الضيوف، ويضاف إليها السكر والماء والقرفة واليانسون، وتغلى حتى ينضج الأرز ويصبح المزيج لزجاً، تسكب بعدها بأكواب وتزيّن بالفستق الحلبي والكاجو واللوز أو الاستعاضة بالجوز والفستق العبيد، وتقدّم ساخنة فهي حلوى شتوية بامتياز”.

“الفارغ” مشروب شتوي غاب بريقه

تقاليد استقبال المولود مختلفة من منطقة لأخرى، ففي الشمال السوري لا تقدم الكراوية، وإنما هناك مشروب آخر شعبي يُسمى شراب “الفارغ” أو “المغلي”، والذي يُعد غالباً بيد الـ “حماية أو الأم” بعد الولادة بيومين أو ثلاثة، لنسمع رنة الهاون وهو جرن من النحاس الخالص تدق به حبات البهارات التي تتضمن اليانسون والزنجبيل والشمرا والقرفة، أو يمكن جلبها مطحونة من السوق.

الفارغ أو المغلي - أنترنيت
الفارغ أو المغلي – أنترنيت

أم عبدو دسوقي من سكان أرمناز بريف إدلب، تتحدث عن طريقة تحضير الفارغ قائلةً: “بعد طحن بهارات الفارغ، نقوم بتحميص الشمرا مع اليانسون ثم خلطها مع الزنجبيل، ونغليها جميعاً حتى يصبح المزيج لزجاً، ثم نضيف لها السكر والقرفة، بعد ذلك نضع كمية قليلة من اليانسون والشمرا المحمصة مع بعض قطع الجوز وجوز الهند في كل كوب، ثم نسكب فوقها الماء المغلي مع البهارات، ليصبح الفارغ جاهزاً للتقديم”.

وأضافت أم عبدو “اعتاد الأهالي قبل الثورة على تقديم هدية للطفل، وهي في الغالب قطعة ذهب أو مبلغ من المال بعد احتساء شراب الفارغ، ويطلقون الدعوات وتمنيات العمر المديد للطفل وعدد من العبارات التي تقال في هذه المناسبة، لكن خلال السنوات الماضية أصبح شراب الفارغ من الماضي ولم يعد أحد يهتم بتقديمه كونه بات باهظ الثمن، وأصبح يُقدم عوضاً عنه القهوة والشعيبيات”.

ويعتبر مشروب الفارغ مميزاً جداً في فصل الشتاء، فهو يمد الجسم بالحرارة ومفيد للحماية من نزلات البرد ومشكلات السعال، ويعالج الغثيان والدوخة ويزيل المغص عند البالغين والأطفال، كما أنه يُعيد الطاقة للمرأة المنجبة، ومُدرَّ للحليب الذي تحتاجه المرأة لإرضاع مولودها الجديد.

وتابعت أم عبدو قائلةً: “كان تحضير الهدية التي يقدِّمها الناس للمولود الجديد، من أهم الأمور التي يحاولون أن تكون منتقاة بعناية أثناء الزيارة، أما اليوم فتقتصر على ألبسة رخيصة الثمن، وبعضها مباركات بدون أي هدية”، مضيفةً “صرنا نخجل من المناسبات، وماذا سنقدّم فيها من هدايا، حتى أن الكثيرين يعتذرون عن الحضور للسبب المادي، والبعض يحضر بدون هدية، ومن يجلب هدية تكون عادية جداً وغير مكلفة”.

هاني العبد الله

تعليق التدريس في كلية الشريعة بكلس.. وحلول مجحفة بحق الطلبة

لم تجدِ نفعاً جميع المحاولات التي قام بها طلاب كلية الشريعة في جامعة طرابلس فرع كلس لثني اتحاد خريجي العلوم الشرعية عن قراره بتعليق التدريس في الشعبة منذ بداية العام […]

لم تجدِ نفعاً جميع المحاولات التي قام بها طلاب كلية الشريعة في جامعة طرابلس فرع كلس لثني اتحاد خريجي العلوم الشرعية عن قراره بتعليق التدريس في الشعبة منذ بداية العام الحالي، والذي أدى إلى حرمان (35 طالباً وطلبة) من متابعة تحصيلهم العلمي، بعد وصولهم إلى السنة الثالثة، ليخلص الاتحاد إلى حلّ يقضي بالسماح لهم تقديم امتحاناتهم في فرع الجامعة بولاية غازي عينتاب، بالرغم من الصعوبات والعوائق التي تسبب بها القرار الذي وصفه الطلاب بـ” الجائر”.

الدكتور عصام عبد المولى رئيس الاتحاد عزا أسباب تعليق التدريس في شعبة كلس والتي تم افتتاحها من قبل جامعة طرابلس اللبنانية بالتعاون مع اتحاد خريجي العلوم الشرعية وبشراكة مؤسسة الرسالة إلى “الخسارة المالية”، مضيفاً أن افتتاح الشعبة جاء بطريقة استثنائية وذلك لعدم وجود دعم مستقل لها، ومؤكداً أن قرار التعليق سيستمر حتى تدارك الخسارة، الأمر الذي نفاه محمد الحوت (المسؤول الإداري في الشعبة) والذي أكد أن لديه جميع الوثائق التي تثبت عدم الخسارة، قائلاً إن السبب الرئيسي لإغلاق الشعبة هو “ادعاء الاتحاد بخسارتها بسبب مطالبتنا بمبلغ 2000دولار، والتي تم استلامها من قبل الداعم لافتتاح مركز جديد لشعبة كلس وتجهيزه، ولكنها صرفت على غير ما حددت له”.

من جهته قلل الدكتور عماد كنعان (مدرس في الشعبة) من أهمية الخسارة المالية، واعتبر أن هناك إمكانية حقيقية للاستمرار، واصفاً قرار الإغلاق بـ “الصادم”، إذ لم يكن من المخطط ومن خلال التواصل مع رئيس الاتحاد ورئيسة المجلس العلمي إصدار مثل هذا القرار، مؤكداً أن الأمور كانت تسير بخطى واثقة، كما عدّه “ظلماً كبيراً لحق بالطلبة” مطالباً الاتحاد بمراجعة قراره.

الطلاب الذين رفضوا القرار، تساءلوا عن سبب افتتاح الشعبة وعدم إخبارهم بأنها استثنائية وتكبدهم للرسوم المالية والبالغة (650 دولار) سنوياً، إن كانوا سيعلقون التدريس بها، وهو ما عبرت عنه روان (طالبة في المعهد) بقولها “إن كانوا يعرفون إنها استثنائية وستغلق في أي وقت، فلماذا لم يخبرونا بذلك، وتركونا نعلق في منتصف الطريق”، الأمر الذي أكده أسامة (واحد من الطلبة) والذي اعتبر قرار التعليق “ظلماً كبيراً سيضطرنا لترك الجامعة وعدم إكمال تحصيلنا العلمي”.

حلول مؤقتة غير مرضية

حاول الاتحاد إيجاد حلول اسعافية لتمكين الطلبة من متابعة تحصيلهم العلمي، إذ قرر، في الاجتماع الذي نظمه في 15/11/2018 ودعا فيه الطلبة للحضور، نقل الامتحانات الفصلية للطلاب إلى ولاية غازي عينتاب (60 كم عن كلس) وذلك على نفقة الاتحاد، وزيادة رسوم التسجيل لتصبح (700 دولاراً) بدلاً من (650 دولاراً).

كما خلص في اجتماع اللجنة الإدارية المكلفة من قبل مجلس الاتحاد منذ يومين، إلى قرار يقضي بصرف المبلغ المتنازع عليه والبالغ 2000 دولار على الطلاب المسجلين في شعبة كلس، والذين قبلوا بمتابعة تحصيلهم العلمي في غازي عينتاب وتقسيمه بينهم بالتساوي. بحسب الحوت

هذا القرار الملزم أدى إلى ترك عدد من الطلاب والطالبات للجامعة، وذلك ﻷسباب كثيرة منها رفض بعض الأهالي إرسال أبنائهم إلى ولاية أخرى، بينما اعتبر آخرون أن إغلاق الشعبة سيؤدي إلى “غياب التدريس والمحاضرات، فكيف سنقدم امتحانات وندفع الرسوم ونحن نعرف سلفاً أننا لن ننجح، وذلك لصعوبة العلوم الشرعية وحاجتها للشرح والمناقشة”، بحسب الطالب حاتم الذي اعتبر الحلول المطروحة تعطيلاً لمسيرتهم التعليمية.

وفي الوقت الذي تشعر فيه بشرى وزميلاتها علا وإسراء بالنقص والضياع بعد توقفهن عن الدراسة يرى الدكتور عماد أن ما حصل “مهين” جداً للعمل الإسلامي في قضية شعبة كلس، آملا أن يكون التعليق لفصل دراسي واحد مع التأكيد على إعطاء وعد قطعي بذلك.

آية عبد اللطيف

ازدياد العنف ضد النساء وكسر للتقاليد بوصولها إلى المحاكم

لا يقصد هنا بمفهوم “العنف” حالات الشجار المترافقة بالصراخ وبعض الألفاظ التي تفلت من الألسن بحالة غضب، بل ذلك العنف الممنهج المقصود والذي يتحوّل إلى نوع من الأذية الجسدية والنفسية […]

لا يقصد هنا بمفهوم “العنف” حالات الشجار المترافقة بالصراخ وبعض الألفاظ التي تفلت من الألسن بحالة غضب، بل ذلك العنف الممنهج المقصود والذي يتحوّل إلى نوع من الأذية الجسدية والنفسية التي غالباً ما تترافق مع نظرة دونية للمرأة وتشييئها، في ظل عادات وتقاليد موروثة، أجبرت المرأة على السكوت والرضى بـ قدرها، خاصة في المجتمعات الريفية المحكومة بسلطة عائلية تفترض المسؤولية المباشرة عن المرأة باعتبارها “مملوكة” لا شريكة حياة.

وفي الوقت الذي ازدادت به نسبة “المعنفات” في المجتمع السوري، لأسباب كثيرة تتعلق بالظروف الحياتية والمعاشية والضغوط النفسية التي خلفتها الحرب، بدأت ظاهرة الدعاوى القضائية بحق الأشخاص الذين يمارسون “العنف” ضد النساء بالانتشار أيضاً، وخلافاً للمتوقع، فقد سجلت خلال الأشهر الأربع الماضية 87 قضية تم رفعها في واحدة من محاكم ريف إدلب الجنوبي، 60 منها لنساء تعرضن لعنف جسدي أو لفظي.

ويعزو بعض النساء السبب في خروج النساء عن صمتهن إلى “ارتفاع حالات العنف، وتجاوزه للحد”، يضاف إلى ذلك انتشار حملات التوعية والنشاطات والبرامج التي عملت على توعية النساء والفتيات وإعادة تأهيل الناجيات من العنف وتقديم الدعم والاحتياجات الأساسية لهن، من قبل المنظمات الإنسانية في المناطق المحررة.

وإن كانت ظاهرة العنف “منتشرة” في معظم دول العالم، بما فيها الدول التي ترتفع فيها نسبة الحريات وحقوق الإنسان، بحسب إحصائيات للأمم المتحدة، والتي أقرت بتعرض امرأة من كل ثلاثة نساء للعنف في العالم، إلّا أن هذه النسبة ترتفع في البلدان النامية، التي يتدنى فيها مستوى الثقافة الأسرية، والتي كانت النساء فيها وما زالت تعاني من “التهميش”، واقتصار دورها على “التبعية المطلقة”، وفي كثير من الأحيان “تلقي العنف، دون أي حق بالرد أو الشكوى”، وذلك بحسب “مزاجية الرجل” تقول المرشدة النفسية إيمان الحميدي، التي رأت في “انتشار المفاهيم الدينية الخاطئة” سبباً رئيساً في تعزيز “العنف”، إذ يتمسك كثر من الرجال بمفهوم “القوامة”، و كلمة “اضربوهن” الواردة في القرآن الكريم، دون معرفة الشرح الحقيقي للآيات الكريمة، متناسين أو متجاهلين حالة “السكنى” المفروضة في القرآن وما تعنيه من استقرار وأمن على الرجل أن يحيط به زوجته، والأحاديث الكثيرة عن النبي محمد (ص) والتي أوصى فيها بالنساء والإحسان إليهن واعتبارهن شريكات في الحياة.

مشهد تمثيلة لإحدى المشاركات في "حملة 16 يوم".
مشهد تمثيلة لإحدى المشاركات في “حملة 16 يوم”.

رافق ذلك الفهم الخاطئ للدين، تحول المرأة في بعض المجتمعات إلى مصدر “للعار” و “الدونية”، وانتقال هذا الشعور للنساء ما سبب حالة من “الرضوخ والانكسار” في تكوين شخصيتها، وهو ما أدى بدوره إلى “تفاقم العنف”، فالمرأة “من بيتها إلى القبر”، ذلك الرد القاسي الذي تواجه به النساء عند كل شكوى من سوء المعاملة أو التعرض للعنف، تكمل إيمان.

شهادات لنساء تعرضن للعنف

تختلف طرق التعاطي مع قضية العنف باختلاف النساء، فمنهن من “يضعن على الجرح ملح ويسكتن حتى النهاية”، كحال أم محمد، وأخريات يقمن بالإبلاغ عن عنف “ضاقت به صدورهن وأجسادهن” لسنوات، بينما تتحدث أخريات عن العنف ويدافعن عن حقوقهن بشكل مباشر.

أم محمد (40 عاماً) نازحة من ريف حماة الغربي وأم لخمسة أطفال ابتدأت حكايتها لفوكس حلب بالقول ” فوق الفقر والنزوح والتعب النفسي لسا ضرب وإهانة “، تتعرض أم محمد للضرب من قبل زوجها منذ بداية زواجها، وازداد الأمر سوء بعد نزوحها وعائلتها، تعزو المرأة السبب “للظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها”، وتلجأ للصمت إزاء “الضرب المتكرر والشتم، بسبب وبدون سبب” على حد قولها، فالتفكير بأطفالها وخوفها من المجتمع الذي لن يتقبل فكرة طلاقها أو رفع دعوى قضائية بحق زوجها يجعلها تتوقف في كل مرة تراودها فيها فكرة الشكوى، لتلجأ إلى الصبر والتحمل بينما يتمادى زوجها في كل يوم بـ “إذلالها”.

مشهد تمثيلي لإحدى المشاركات في "حملة 16 يوم".
مشهد تمثيلي لإحدى المشاركات في “حملة 16 يوم”.

أما رانيا (20 عاماً) تبدأ حكايتها قائلة: تزوجت في السادسة عشر من عمري، لم تكن لدي الخبرة والوعي الكافي لتقبل وجود رجل يأمر وينهى ويفرض رأيه بشكل قسري، وعندما كنت أناقشه أو أرفض أوامره كان “يهددني بالسلاح الناري”.

منعت رانيا من زيارة أهلها، وتعرضت للضرب والشتم من قبل زوجها، وفي واحدة من المرات التي تعرضت فيها للضرب كسرت يدها، ما دفعها لرفع دعوى قضائية ضده، رافضة كل محاولات الأقارب لحل الأمر بالطرق السلمية، مصممة “إيصال صوتها للقضاء” وأخذ حقها كاملاً، كما تقول.

في المحاكم

يقول أحد “الكتاب” في غرفة الأحوال الشخصية، رفض ذكر اسمه، “لا توجد احصائية دقيقة للنساء اللواتي يتعرضن للعنف”، والدعاوى المرفوعة لا تمثل الأعداد الحقيقة التي وصفها بـ “الكبيرة”، فمعظم النساء لا تقوم برفع الدعاوى القضائية خوفاً من نظرة المجتمع، أو لإيمانهن بغياب العقوبات الرادعة، والمؤسسات التي تدعم حقوقهن، وهو ما أكدته كريمة ذات الثلاثين عاماً والتي قامت برفع دعوى قضائية على زوجها “بعد أن قام بضرب رأسها بالحائط وركلها بالبوط العسكري” على حد قولها، إلّا أنه لم يبق في السجن سوى لـ “بضعة” أيام، ليعود إلى منزله و “كأن شيئاً لم يكن”، شأنها بذلك شأن أم أحمد التي حكم على زوجها بـ “السجن” لمدة شهر واحد، بعد أن قام بضربها و”كسر يدها”.

قاضي الأحوال الشخصية بريف إدلب الجنوبي قال إن آلية الحكم تختلف من قضية لأخرى، وتتراوح بين التنبيه والسجن والغرامة المالية، إلا أن ذلك “لا يعتبر حلاً جذرياً للمشكلة” يكمل القاضي الذي يرى أنه من المفترض “إصدار قوانين جديدة لحماية الأسرة تضمن حماية حقوق المرأة، وإخراجها من دائرة العنف، وتحقيق الردع” فـ “غياب القوانين الرادعة سهّل لكثير من الرجال الاستمرار في عنفهم”.

مع إطلاق الأمم المتحدة لـ “حملة 16 يوم”، والتي تبدأ في 25 تشرين الثاني وتستمر حتى 10 كانون الأول من كل عام، ضد العنف الممارس بحق النساء، بهدف رفع الوعي وخلق رأي عام مساند في كل مكان لإحداث التغيير ومناهضة كل أشكال العنف الموجهة ضد النساء والفتيات، يبقى العنف الجسدي واللفظي في مجتمعنا دفين المنازل والعادات الاجتماعية البالية، مع بصيص أمل في انتشار “ثقافة الشكوى” للحد من ارتفاع معدلات العنف الأسري، وإيجاد قوانين صارمة لمحاسبة مرتكبيه.

ورشة عمل حول العنف ضد المرأة في مدينة الأتارب 

أقام مكتب المرأة في المجلس المحلي بمدينة الأتارب (غربي محافظة حلب) بالتعاون مع جمعية “سحابة خير”، يوم أمس الخميس، ورشة عمل حول العنف الذي تتعرض له المرأة (العنف الجسدي والقانوني […]

أقام مكتب المرأة في المجلس المحلي بمدينة الأتارب (غربي محافظة حلب) بالتعاون مع جمعية “سحابة خير”، يوم أمس الخميس، ورشة عمل حول العنف الذي تتعرض له المرأة (العنف الجسدي والقانوني والاقتصادي والجنسي).
وقالت مديرة مكتب المرأة (أمون العاروف) في المجلس المحلي إن “هذه الورشة جاءت لتوعية المرأة بحقوقها ومناقشة كافة أشكال العنف الذي تتعرض له”.

من جهتها قالت المدربة أسماء المحمود “إن الورشة اقتصرت على بعض النساء المثقفات والعاملات في منظمات المجتمع المدني” ليقمن بدورهن بتوعية “النساء في المجتمع”، مؤكدة أن هذه الورشة جاءت “رداً” على “شيوع” العنف ضد المرأة في المجتمع.

وتضمنت الورشة “التعريف بالعنف”، والتعرف على “أشكاله” من خلال فيديوهات وحوارات طالت ما تتعرض له النساء في المجتمع السوري ، خاصة في “أماكن العمل والمخيمات” بحسب المحمود.
عفراء (واحدة من المتدربات) قالت لفوكس حلب إن “هذه الورشة فتحت أفقاً جديداً للنساء بالتعرف على حقوقهن التي تضمنها القوانين الدولية والاجتماعية”، آملة أن تستمر هذه الورشات لتطال جميع “الفئات” من النساء العاملات وربات المنازل.

حملة اللقاح ضد الحصبة والحصبة الألمانية تستمر لليوم الثالث

تستمر حملة اللقاح ضد مرض الحصبة والحصبة الألمانية في الشمال السوري لليوم الثالث على التوالي، والتي انطلقت بالتعاون بين مديرية صحة إدلب وفريق لقاح سوريا وبإشراف من منظمة الصحة العالمية […]

تستمر حملة اللقاح ضد مرض الحصبة والحصبة الألمانية في الشمال السوري لليوم الثالث على التوالي، والتي انطلقت بالتعاون بين مديرية صحة إدلب وفريق لقاح سوريا وبإشراف من منظمة الصحة العالمية واليونيسيف.

وقال الدكتور رفعت مدير حملة اللقاح لـ فوكس حلب “إن الحملة ستستمر على مدار 15 يوماً، من تاريخ 3/11/2018، وحتى 19/11/2018، وتستهدف الفئات العمرية بين 5-15 عاماً”، وستشمل “الروضات والمدارس الابتدائية والإعدادية، إضافة إلى التجمعات السكنية في القرى والبلدات والمخيمات”.

ومن المتوقع أن تشمل الحملة نحو مليون و300 ألف طفل، موزعين على كافة المناطق المحررة في الشمال السوري، واللقاح عبارة عن إبرة تحت الجلد يتم إعطاؤه عبر كوادر مدربة لهذا الغرض.

وشهد اليومان الماضيان من انطلاق الحملة استجابة كبيرة من قبل الأهالي لحملة اللقاح، مع وجود بعض الحالات الرافضة، وعن طريقة التعامل مع مثل هذه الحالات يقول الدكتور “عبد الكريم ياسين” مشرف محافظة حلب في برنامج اللقاح “تعرضنا لحالات رفضت اللقاح في المدارس، وفي هذه الحالة نعتبر هؤلاء الأطفال (مفوتين) وتسجل أسماؤهم وعناوين منازلهم، ويقوم فريق اللقاح بزيارة الأهالي، خاصة (محرك المجتمع)، وشرح أهمية اللقاح وسلامته وضرورته للأطفال، وهو ما أثبت نجاعته وعودة الكثير من الأهالي عن قرارهم بالرفض”.

معظم حالات اللقاح تجري في المدارس، إضافة إلى وضع مراكز ثابتة في مناطق التجمعات السكنية، ليتسنى لجميع الأطفال الحصول على اللقاح، بعد انتشار مرض الحصبة في الشمال السوري، والذي أدى إلى وفاة “خمسة أطفال” بحسب مدير الحملة، الذي عزا سبب انتشار المرض إلى عدم استكمال الأطفال في المناطق المحررة للقاحاتهم، مؤكداً على ضرورة “تعاون الأهالي مع فريق الحملة”، لإكساب الأطفال مناعة ضد المرض.

والحصبة الألمانية (الحميراء) عدوى حادة فيروسية معدية، تتميز بظهور طفح جلدي أحمر مائل إلى اللون الوردي، إضافة إلى حمى باردة وغثيان والتهاب في البلعوم، تصيب الأطفال في أغلب الأحيان، عواقبها وخيمة عندما تصيب الحوامل لأنها تسبب قتل الجنين أو إصابته بتشوهات خلقية، وتُعرف باسم متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية، وينتقل الفيروس بواسطة الرذاذ المحمول بالهواء (وهو المضيف الوحيد المعروف لهذا المرض) عندما يعطس الإنسان أو يسعل.

المواقع الأثرية في محافظة إدلب ..ضحايا حرب

من مبادرة تطوعية إلى نظام مؤسساتي .. مركز آثار ادلب سبع سنوات من حفظ للتاريخ والحضارة (1) تفتح فوكس حلب ملفاً أسبوعياً خاصاً يهتم بآثار مدينة إدلب والتعريف بها، والسرقات […]

من مبادرة تطوعية إلى نظام مؤسساتي .. مركز آثار ادلب سبع سنوات من حفظ للتاريخ والحضارة (1)

تفتح فوكس حلب ملفاً أسبوعياً خاصاً يهتم بآثار مدينة إدلب والتعريف بها، والسرقات التي طالت المواقع الأثرية في المحافظة، والجهات المسؤولة عنها، هذا التقرير هو الأول، والذي يتحدث عن مركز آثار مدينة إدلب الذي تشكل من عدد الأكاديميين والباحثين إضافة لمهندسين وحقوقيين متطوعين لحماية وتوثيق ما تبقى من آثار المدينة

عند مدخل المدفن الأثري في بلدة جرجناز، يقف أيمن نابو متأملاً تاريخ العصور القديمة، يتجول في أرجائه، ويعود بذاكرته لعشرات المناطق الأثرية التي تم اكتشافها، “تجويف ضمن صخر طبيعي، يتوسطه دعائم اسطوانية يعلوها زخارف من أوراق الأكانثا ” يبدأ بوصف المكان محاولاً معرفة الحقبة التاريخية التي يعود لها عُمر هذا “المدفن”، فلكلّ منها طابعها الخاص، من نقوشٍ، وزخارف تعبّر عن مراحل حياة الإنسان. يعلو صوته بين أصدقائه “إدلب.. متحف يعيش في الهواء الطلق”.

وثقت جمعية حماية الآثار السورية (التي تتخذ من فرنسا مقرّاً لها) “أضراراً وتدميراً طال أكثر من 900 موقع أثري في سوريا، خلال السنوات الأخيرة”، كما أظهرت صور التقطت عبر الأقمار الصناعية، في كانون الأول 2014، نشرتها صحيفة “نير ايسترن اركيولوجي”، لأكثر من 1300 موقع أثري في سوريا “انتشار أعمال النهب” في المواقع الأثرية السورية، بحسب جيسي كازانا “الأخصائي في علم الآثار في الشرق الأوسط، محمّلاً المسؤولية بداية للقوات السورية ومنذ عام 2012، في عمليات التخريب والسرقة للمواقع الأثرية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إضافة إلى تنظيم الدولة “داعش” وقوات قسد وقوى المعارضة الأخرى. وحدد النسب المئوية لأعمال التدمير والسرقة بـ 42.7% على يد “داعش” و22.9% لقوات الأسد، و14.3% للمجموعات المعارضة، و9.4% لقوات “قسد”.

أثناء جولة أحد القائمين على المتحف مع السادة الزوار.
أثناء جولة أحد القائمين على المتحف مع السادة الزوار.

آلاف من القطع الأثرية وجدت طريقاً لها عبر شبكات التهريب إلى خارج البلاد، والتي كانت محافظة إدلب (التي تضم 50% من التلال الأثرية الموجودة في سوريا أهما تل إيبلا وتل دينيت وآفس) المسرح الأهمّ لها، وذلك عبر قوات الأسد بداية والتي “سرقت” أهم القطع الأثرية في المتاحف التي كانت تحت سيطرتها كـ “متحف معرة النعمان” والذي حوّلته هذه القوات إلى ثكنة عسكرية لمدة ثلاث سنوات، وليخلو من كافة موجوداته بعد “سيطرة قوى المعارضة” عليه في العام 2014، إضافة لانتشار أعمال الحفر والتنقيب العشوائي في الكثير من المواقع الأثرية، من خلال “عمليات بحث ممنهجة” للصوص محترفين، مزودين بأجهزة وخرائط لأماكن تواجد القطع الأثرية، أو عبر “لصوص غير محترفين” يقومون بالتنقيب، وعرض ما يحصلون عليه بأسعار زهيدة، لتجار آثار ازداد عددهم كثيراً خلال سنوات الثورة، دون إدراك لقيمة ما يبيعونه والتي تصل إلى ملايين الدولارات، يبيعونها بأسعار لا تصل إلى 1% من قيمتها.

مركز آثار إدلب., حلول إسعافية وأمنيات كبيرة

فشلت جميع محاولات مركز آثار إدلب في تفعيل “القائمة الحمراء” لإدراج المواقع الأثرية في سوريا لدى منظمة اليونسكو، لـ تحييدها عن القصف، إلا أنه استمر في توثيق الأضرار الناجمة عن ذلك، في وقتٍ تراجع فيه الاهتمام “بالبحث التاريخي” وقلّ عدد” الباحثين والأكاديميين”، وغابت “السلطات التنفيذية والقانونية التي من شأنها الحفاظ على تلك الآثار، والتي تحدد الهوية الحضارية والإنسانية للمنطقة”، إضافة إلى الفوضى الناجمة عن ظروف “الحرب”، وما خلّفته من ضياع وسرقة لآلاف من القطع الأثرية واللوحات الفسيفسائية، سواء بأيدي “القوى المسيطرة والمتحاربة” أو من خلال شبكات منظمة تمتهن “بيع وتجارة الآثار”، أو أناس فطريون “غير محترفين” وجدوا في هذه “المهنة” مصدر دخل جديد لهم، مع غياب المساءلة والقوانين الرادعة.

جانب من زوار متحف إدلب.
جانب من زوار متحف إدلب.

تأسس مركز آثار إدلب مطلع 2012 بجهود عددٍ من الأكاديميين، كــ نتاجٍ لسد الثغرات بعد انحسار سلطة القانون، وتحول العديد من المناطق في محافظة إدلب إلى سوق سوداء لبيع القطع الأثرية، والتجار إلى سماسرة لبيع وتهريب القطع الأثرية خارج البلاد، فكانت الانطلاقة من ريف إدلب الجنوبي لبدء مبادرة تسعى لحماية الآثار، والتعريف بقيمتها الحضارية، لتتمكن بعد سنوات من استلام زمام المُبادرة، وطرح أفكار جديدة من إعادة ترميم بعض المواقع الأثرية “المتروكة عرضة للإهمال” ومنع تفاقم الانهيارات فيها.

يقول مدير مركز آثار إدلب، أيمن نابو لــ فوكس حلب “إن آثار الحرب باتت ظاهرة على المعالم الأثرية، بعد تعرض الكثير منها للقصف والسرقة كمتحف مدينة معرة النعمان الذي يضم أكبر مجموعة للموزاييك في الشرق الأوسط، ومتحف مدينة إدلب، وآثار خربة الخطيب والمدن الميتة وغيرها من الأماكن الأثرية التي لم يشفع قِدمها لها، فكانت هدفاً للقصف الجويّ، وتجارة رابحة لضعفاء النفوس”.

عمل المركز على توثيق المواقع الأثرية، وإنشاء أول قاعدة بيانات تضم كافة المواقع في محافظة إدلب، ويجري العمل على تحديثها من قبل كادر المركز بشكل دوري، يُضاف عليها شهرياً ملاحظات تشير إلى تعرض تلك المواقع لقصف قوات النظام والسرقة، مع تحديد نسبة الضرر، وتدوين تلك الملاحظات بشكل دقيق ليتم إرسالها إلى منظمة اليونسكو سنوياً.

يبلغ عدد المواقع الأثرية في محافظة إدلب 760 موقعاً أثرياً تعود لحقب زمنية مختلفة، كما وتضم محافظة إدلب مواقع أثرية مسجلة على قانون التراث العالمي، إضافة للمدن المنسيّة والبالغ عددها 40 قرية أثرية تشكل خمس (باركات) مسجلة في قوائم التراث العالمي.

مدينة سرجيلا الأثرية بريف إدلب.
مدينة سرجيلا الأثرية بريف إدلب.

استطاع المركز التدخل اسعافياً في متحف معرة النعمان بعد تعرضه للقصف، وحماية اللوحات الفسيفسائية وتغليفها وتحصينها بأكياس الرمل، كما عمل المركز على تدعيم أساسات معبد عشتار والدرج المؤدي إلى القصرجية في موقع إيبلا العائد للألف الثالث قبل الميلاد.

وأضاف النابو “قدم المركز الحماية لآلاف القطع الأثرية من خلال تغليفها ووضعها في صناديق خاصة وفق الطرق العلمية المتبعة، وإعداد استمارات خاصة لكلّ قطعة أثرية، بعد إخضاع كوادرها لدورات عملية ونظرية في مجالات الترميم وطرق التوثيق الحديثة” مشيراً إلى “ضرورة وجود خطوات لضمان حماية الأثار، ومن أبرزها اعتراف منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة بالمبادرات المدنية المختصة بالآثار، مع تقديم الدعم الكافي لمراكز المناطق المحررة، ونقل القطع الأثرية إلى مكان آمن ريثما ينتهي الصراع الداخلي وذلك منعاً للسرقة “.مسؤول صيانة المباني الأثرية في مركز آثار ادلب، عبد السلام الحمو، يرى أن ” الحل يكمن في زيادة الوعي لدى المجتمع فيما يتعلق بالآثار السورية لأهميتها وقيمتها المعنوية والتاريخية، يعتقد البعض بأنها ربح مادي شخصي، ولكنها في الحقيقة حضارة شعب وتاريخ بلد بأكمله. المناهج التعليمية لا تكرّس الاهتمام بالآثار، وإنما هي عبارة عن سرد لتاريخ بعض الأقوام الذين عاشوا في العصور الوسطى، ونحتاج لزرع أفكار عميقة في عقول السكان، لتعريفهم بأهمية هذه الآثار التي تشكل جزء مهماً من مستقبلهم”.

ندوة حول أهمية الآثار في متحف إدلب.
ندوة حول أهمية الآثار في متحف إدلب.

وأضاف “يُعتبر ملف الآثار ملفاً سيادياً، تستطيع الهيئات المدنية من خلاله تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية، ومما لا شك فيه أن تحقيق الاستقرار يقع على عاتق المجالس المحلية والشرطة والمحاكم المختصة، وهو ما دعا المركز إلى إعداد مسودة قرار يمكن تطبيقها من خلال المحاكم لإيقاف الانتهاكات التي تتعرض لها المواقع الأثرية”.

 

ومن المقرر إعادة تأهيل وترميم 30 موقعاً أثرياً في الفترة المقبلة، ويرتبط مدى نجاح عملية الترميم بالقدرة على تحقيق الاستقرار، وشعور الجهات الداعمة بأن هناك من يسعى للحفاظ على الآثار والمواقع الأثرية، لتبقى المهمة الأصعب في استعادة آلاف القطع الأثرية التي هُرّبت إلى خارج البلاد، أما اليوم فتحتاج المدينة إلى تضافر الجهود وإصدار قوانين رادعة لحماية ما تبقى من تاريخ سوريا المنهوب.

أهازيج عن ذاكرة المطر في سوريا

مصطفى أبو شمس

أمام منزل “الحجة” أم محمد في جبل الزاوية، تجمّع بعض الأطفال يحملون في أيديهم عيداناً صغيرة من الرمان وصحوناً من الألمنيوم، يطرقون عليها بلطف، ويطالبون أهل المنزل بحفنة من “البرغل” […]

أمام منزل “الحجة” أم محمد في جبل الزاوية، تجمّع بعض الأطفال يحملون في أيديهم عيداناً صغيرة من الرمان وصحوناً من الألمنيوم، يطرقون عليها بلطف، ويطالبون أهل المنزل بحفنة من “البرغل” أو “العدس” وقليلاً من “زيت الزيتون” والبصل” في استحضار لـ “طقس” قديم موروث، قالت أم محمد إنه “من العادات القديمة لاستسقاء المطر ، عند تأخره”.

وروت أم محمد (72 عاماً) إن هذه العادة رافقت أيام طفولتها، إذ كان الأطفال في مثل سنها (6-12 عاماً) يجتمعون في ساحة القرية، بطلب من أمهاتهم، بعد تزويدهم بصحون من الألمنيوم “لإصدار الصوت” وعيداناً من شجر الرمان “لليونته وهو دليل على احتفاظه بالماء”، أما اختيار الأطفال فـ “ذلك لبراءتهم وخلوهم من الذنوب، وكرامتهم عند الله” على حد قولها “عسى الله يستجيب لهم، ويسقيهم المطر لمحاصيلهم الزراعية”.

يمر الأطفال بكل بيوتات القرية، ليأخذوا من كل بيت “حفنة من البرغل أو العدس”، ومن بيوت أخرى “قليلاً من الزيت والبصل”، وهم يرددون: “ربنا يا ربنا بالغيث تسقي زرعنا /هم الكبار الـ أذنبوا نحنا الصغار أشو ذنبنا /يا ربنا يا ربنا”

يترافق غناء الأهزوجة مع الطرق على الصحون، والشكر والدعاء للبيوت التي يمرون بها، وإن صادف أن أحد البيوت “نهرهم أو امتنع عن تقديم ما يريدون” فيرددون صفات “هجائية بالبخل واليد الماسكة” على صاحبة البيت خلال غنائهم.

وعند الانتهاء تقوم الفتيات الأكبر بإشعال النار وطبخ طبق من “المجدرة” من المواد التي حصلوا عليها، وتسكبن للأطفال في صحونهم، في جو من “الفرح والغناء وترديد الأهزوجة ذاتها”.

ليس ببعيد عن قرى جبل الزاوية كان الأطفال في قرى سهل الغاب والساحل السوري يحملون “بعض الدمى” التي كانت الأمهات تصنعها لـ بناتها من “بقايا القماش التالف وبعض الصوف، أو من الاسفنج” في طقس يسمى “أم الغيث”، يمرون على بيوت القرية ويطلقون العنان لأصواتهم ببعض الأغاني

“عروستنا عطشاني.. يا رب تردها غرقانة”، “عروستنا مهمومي.. يا رب تردها مبلولي”، ويقدم لهم أصحاب البيوت شيئاً من منتجات حقولهم كـ “القمح والبرغل والطحين”، وأحياناً “النقود”.

في دمشق انتشرت أهزوجة يعتقد أنها من التراث الفلسطيني، ويطلق عليها “شوربنه”، إذ كان الأطفال يجتمعون في الأزقة والحواري، في حال تأخر المطر ويرددون، فيما يشبه كلمات الأغنية في قرى جبل الزاوية مع زيادة في بعض المقاطع: “يا ربنا يا ربنا واحنا الصغر ويش ذنبنا / طلبنا الخبز من إمنا ضربتنا على تمـنا /يا ربنا ما هو بطر تعجل علينا بالمطر / يا ربي بل الشرموح واحنا تحتك وين نروح”.

أما في المناطق الشرقية من سوريا فكان الصبية يتجمعون مساءً، حول واحدة من الفتيات التي تحمل بيدها “عوداً” تضع في رأسه “قطعة ثياب لامرأة “مباركة، كبيرة في السن” من نساء القرية، ليبدأ الصبية جولتهم في أزقة القرية وهم ينشدون: “أم الغيث غيثينا بلي بشيت راعينا/ راعينا حسن أقرع لو سنتين ما يزرع /والحنطة بطول الباب والشعير مالو حساب”

وهي أغنية يقال إنها، سابقاً، ارتبطت بمخاطبة الآلهة للتضرع إلى السماء حتى تبتل عباءة راعي الغنم، وعند مرور الصبية وهم يرددونها على أبواب البيوت، تقوم ربات المنازل بإكرامهم وإعطائهم الطعام، وتسكبن الماء وراءهم “طمعاً بنزول الغيث”. وإن استجابت السماء لدعائهم كان الصبية يركضون في الأزقة ويغنون: “مطر مطر عاصي بلل شعر راسي / راسي بالمدينة ياكل حبة وتينه”

ويعتقد أنها أغنية عراقية في الأصل، وانتقلت إلى المناطق الشرقية لسوريا بحكم القرب الجغرافي وتشابه اللهجات.

يترك الصبية بيت أم محمد، ليمروا ببيوت أخرى خلال رحلتهم الصغيرة لاستسقاء المطر، وهم يرددون: “تنسقي حلق القطة يا رب نقطة نقطة /حتى نسقي هالبقر يا رب مطر مطر”.

الثلاسيميا في الشمال السوري.. ندرة في الأدوية والتحاليل الطبية وغياب لمراكز العلاج النفسي

الثلاسيميا في الشمال السوري.. ندرة في الأدوية والتحاليل الطبية وغياب لمراكز العلاج النفسي

“عمّو شو زمرة دمك –عمّو تتبرعلي بالدم الله يوفقك” يوقف الطفل محمد (15 عاماً) المّارة في مدينة الباب (شرق حلب)، أمام مشفى الحكمة، طالباً منهم التبرع له بالدم الذي يحتاجه لثلاث مرات شهرياً، بعد إصابته بمرض الثلاسيميا.

يحاول محمد تأمين متبرعين للدم له ولأخوته الثلاثة الذين يعانون من مرض الثلاسيميا (15-12-10-8 سنوات)، بالتعاون مع كادر المشفى “صاروا يعرفوني ويساعدوني للاقي متبرعين، أو يعطوني دم إذا موجود عندهون”، لكن ندرة زمرة دم العائلة (O+) تضطره في كل مرة للبحث عن متبرعين في شوارع المدينة.

التعريف بالثلاسيميا

الثلاسيميا اضطراب وراثي مرتبط بالدم، ينجم عن غياب أو انخفاض إنتاج الهيموجلوبين (بروتين في كريات الدم مسؤول عن حمل الأكسجين إلى الأنسجة)، وهو مرض وراثي مزمن يحدث نتيجة خلل في المورثات المسؤولة عن تصنيع الخضاب، ونتيجة لذلك تتكسر خلايا الدم باكراً، ولا يستطيع نقي العظم تعويض هذا النقص الكبير من كريات الدم، ما يؤدي لحدوث فقر شديد في الدم يحتاج تعويضه عن طريق نقل الدم أو زرع نقي للعظام.

وتسمى الثلاسيميا بـ “أنيميا البحر المتوسط ” نظراً لزيادة المصابين بها في البلدان الواقعة في حوض البحر المتوسط، ويعود أول وصف لها للعام 1925 على يد الطبيب “توماس كولي من ديترويت في الولايات المتحدة”، وفي العام 1930 عرف المرض، وفي عام 1959 شرح العالم “انغرام” التركيب الجيني للهيموجلوبين وعرف سبب المرض وطريقة توارثه.

وينقسم إلى ثلاثة أقسام، الثلاسيميا الكبرى “بيتا ثلاسيميا” وهي غياب الهيموجلوبين وينقص تشكله بسبب غياب سلاسل “بيتا” غياباً تاماً أو بنقص تشكلها، وتظهر أعراضه بعد الولادة من عمر 6 أشهر وحتى السنتين ويستمر مدى الحياة، ولا يوجد له علاج سوى بنقل الدم بشكل دوري ومنتظم.

الثلاسيميا الوسطى: تتراوح نسبة الهيموجلوبين بين 7-10 غ/دل وهي لا تحتاج إلى نقل الدم بشكل دوري.

الثلاسيميا الصغرى وهي تشكل لا عرضي لـ “الثلاسيميا الصامتة” تتراوح نسبة الهيموجلوبين فيها بين 10-12غ/دل، ويسمى المريض حينها بالحامل للمرض، ولا تظهر عليه الأعراض ولا يحتاج لعلاج أو نقل للدم.

وتسبب الثلاسيميا الكبرى، بسبب انحلال الدم المزمن وانقلاب الدم المتكرر طيلة الحياة، تراكم لشاردة الحديد الناتجة عن الانحلال وفقر الدم ما يسبب اختلاطات كـ قصور القلب وتشمع الكبد وضخامة في الطحال وفشل في النمو وترقق في العظام وداء السكري.

الثلاسيميا بالأرقام

يموت 80% من المرضى المصابين بالثلاسيميا في العقد الأول من العمر، إن لم يتلقوا العلاج المناسب، ويبلغ متوسط أعمار المرضى في سوريا 25-30 سنة، 55% منهم من الذكور و45% من الإناث بحسب، ماهر الحسامي وزير الصحة في حكومة النظام 2013، في ندوة بمناسبة اليوم العالمي للثلاسيما الذي حددته منظمة الصحة العالمية في 8 أيار/مايو من كل عام.

عالمياً، قدرت منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بالثلاسيميا في تقرير لها صدر في عام 2015بـ (4.4 مولود من كل 10000 ولادة طبيعية) في جميع أنحاء العالم، وأشار القرير الصادر عن المنظمة أن 5% من سكان العالم حاملين لسمة الثلاسيميا (ثلاسيميا صغرى) ويطلق عليهم “الناقلين الصامتين”، بينما قدرت نسبة الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض سريرية نتيجة الطفرات الجينية (ثلاسيميا كبرى أو متوسطة) بـ 1.7%.

في سوريا (مناطق حكومة الأسد): أقرت وزارة الصحة في تقرير لها عام 2013 أن عدد المصابين بالثلاسيميا والمسجلين في مراكزها أكثر من 8300 مصاباً (ثلاسيميا كبرى)، أما الحاملين لسمة الثلاسيميا فيقدر عددهم بـ (مليون إلى مليون ونصف المليون) وهو ما يقارب 7% من عدد السكان بحسب ماهر الحسامي وزير الصحة

في الشمال السوري (مناطق المعارضة) لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد المرضى وتقدر في المناطق الشرقية والشمالية لحلب، من خلال إحصائيات أجراها معدا التحقيق بما يقارب 200 مصاباً (60 في وحدة الثلاسيميا -في مشفى الشهيد محمد وسيم معاز بالقرب من باب السلامة شمال إعزاز- التابعة لمنظمة الأطباء المستقلين ida، و50 في المركز التخصصي لعلاج مرضى الثلاسيميا والأطفال في إعزاز المدعوم من قبل منظمة الإغاثة الإسلامية، إضافة إلى مرضى الثلاسيميا الذين يتلقون العلاج في مشافي مدينتي الباب وجرابلس، وهم مرضى غير مسجلين ولا يوجد في هذه المشافي قسم خاص بمرضى الثلاسيميا، ويقدر عددهم بـ 50 مريضاً، يضاف إليهم مرضى الثلاسيميا الذين يتوجهون إلى مدينة حلب (تسيطر عليها حكومة النظام) لتلقي العلاج.

أما في ريف حلب الغربي ومناطق محافظة إدلب (تسيطر عليها المعارضة) فيزيد عدد المصابين عن 935 (300 في مدينة إدلب -398في كفرنبل -60 في مركز معرة النعمان -50 في سراقب -125 في الأتارب)، يضاف إليهم أكثر من 100 مريض (يتوجهون إلى المشافي لنقل الدم أو إلى مناطق خاضعة لحكومة الأسد).

بنوك الدم في الشمال السوري تؤمن حاجة مرضى الثلاسيميا والمراكز تؤمن الأدوية اللازمة

يوجد في محافظة إدلب وريف حلب الغربي 6 بنوك للدم، في (مدينة إدلب –كفرنبل –سراقب –معرة النعمان -باب الهوى –الأتارب) ويتم الحصول على احتياجات هذه المراكز من خلال عمليات قطاف دورية، تختلف بحسب الحاجة والاحتياطي في بنك الدم.

يقول مدير بنك الدم في معرة النعمان “إن هذه الحملات تتكرر مرتين على الأقل أسبوعياً، وتتم بالتعاون بين بنك الدم والمجالس المحلية”، ويقدم بنك الدم للمشافي ومراكز الثلاسيميا الدم ومشتقاته (دم –بلاسما –صفيحات) بعد إجراء التحاليل اللازمة، وتدعم هذه البنوك مديريات الصحة في مناطق المعارضة أو منظمات إنسانية كمنظمة “سامز” ومنظمة الأطباء المستقلين ida.

بينما لا يوجد في المناطق الشرقية والشمالية من حلب سوى بنك دم مركزي واحد في مدينة إعزاز تدعمه منظمة ida تم افتتاحه في العام 2016، إضافة إلى بنك دم مصغر في مركز “خير” في مدينة مارع والذي تدعمه منظمة وطن، ويوجد في المستشفيات برادات خاصة لتخزين الدم الذي يتم طلبه من بنك الدم.

يقول الدكتور أحمد الحسن مدير بنك الدم في إعزاز “لا تختلف آلية الحصول على الدم عنها في محافظة إدلب، إذ يعتمد بنك الدم على الجولات مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً لتأمين احتياج المشافي ومراكز الثلاسيميا في المنطقة”، ويتم الاحتفاظ بعناوين وأرقام هواتف أصحاب الزمر النادرة للتواصل معهم وقت الحاجة، وكان المركز قد وجه كتاباً رسمياً إلى المجلس المحلي بفرض بند التبرع بالدم على المواطنين عند التسجيل أو الحصول على الوثائق الرسمية، لكن هذا الأمر لم يتم حتى اللحظة.

وتقدم مراكز الثلاسيميا “أدوية خالبات الحديد، الديس فرال ( فيال ) و فيروبروكس (حبْ) ، ونقل الدم الدوري (يحتاج مريض الثلاسيميا إلى ما يقارب 1200 وحدة دم شهرياً، وبعض التحاليل” بحسب الممرض محمود حسون (مركز ثلاسيميا الأتارب)، وينقص المراكز “مضخات لتسريب حقن الديس فرال والأدوية التي تقدم غالية الثمن” الأمر الذي أكدته الدكتورة غفران مديرة وحدة الثلاسيميا في مشفى الشهيد محمد وسيم معاز في إعزاز ” أهم الصعوبات التي تواجه العيادة التكلفة المرتفعة لثمن الأدوية وعدم وجود داعم لها”.

عبد الرزاق عيسى والد الطفل محمد قال إن هناك زمر للدم مفقودة، ونادراً ما يؤمن له بنك الدم حاجة أطفاله الأربعة ما يضطره للبحث عن متبرع، كما أنه يضطر لإجراء التحاليل اللازمة غير المتوفرة في المشافي على نفقته الخاصة، وشراء بعض الأدوية اللازمة لمعالجة الاختلاطات التي سببتها الثلاسيميا، على الرغم من ارتفاع ثمنها.

عائلة عبد الرزاق عيسى المصابة بالثلاسيميا – فوكس حلب 

وتقدر وزارة الصحة في مناطق النظام كلفة علاج مريض الثلاسيميا بـ (10000 دولار) سنوياً، تتكفل بها الحكومة، وهذا ما أكده عبد الرزاق الذي كان يعالج عائلته في مركز الثلاسيميا في حلب، “الأمور كانت منيحة ولكل واحد إضبارة وموعد محدد، وكل الأدوية والتحاليل مجانية”، الأمر نفسه تقدمه مناطق المعارضة حالياً إلّا أن الإمكانيات مختلفة “مو كل التحاليل والأدوية موجودة” – يحتاج المريض بعد إخضاعه لنقل الدم إلى مراقبة وظائف الكبد والكلية وإعطائه لقاحات السحائيات والمستديمات النزلية ومراقبة السكر والكالسيوم- يضاف إلى ذلك بعد المسافة بين بنك الدم والمشافي، إذ تحتاج عائلة عبد الرزاق للوصول إلى مدينة اعزاز ما يقارب (50 دولاراً في كل مرة يراجعون فيها مركز الثلاسيميا)، في الوقت الذي يعيش فيه الرجل كنازح في بلدة قباسين بلا “أبواب أو شبابيك” الأمر الذي اضطره للعمل كـ مياوم في مدينة الباب وبأجر شهري لا يتجاوز (100دولار)، كما يعمل طفله الكبير محمد (مصاب بالثلاسيميا) في محل “كومجي” في المنطقة لمساعدة أسرته.

لا يتم تغذية المشافي بالدم إلّا عند الطلب، “فكيس الدم يتلف بعد شهر من القطاف أما الصفيحات فتتلف بعد خمسة أيام” يقول الدكتور الحسن مدير بنك الدم، إلّا أن الأهالي يتساءلون عن السبب الذي يمنع قيام بنك للدم في منطقة متوسطة، على الأقل، بين المدن الكبرى الثلاثة (الباب –إعزاز –جرابلس)، أو تسجيل مرضى الثلاسيميا في المشافي ومنحهم أضابير يتم بموجبها إرسال أكياس الدم والعلاج من بنك الدم وعلى نفقته.

وبالرغم من أن حكومة النظام تقدم العلاج والدم والتحاليل بشكل مجاني لمرضى الثلاسيميا، إلّا أن المرضى يخشون الذهاب إليها بسبب الحواجز المنتشرة على الطريق، يضاف إلى ذلك كلفة الطريق والوقت الذي يحتاجه الوصول.

سائق السيارة محمد عبد المنعم قال لمعد التحقيق إن الوصول من إدلب وحتى حلب “يحتاج إلى 22 ساعة، إن جرت الأمور على ما يرام، ولم توقفنا الحواجز على الطريق، وبكلفة تصل إلى 53دولاراً للراكب الواحد” بينما يحتاج الطريق من مدينة الباب إلى حلب إلى “تسع ساعات و33.5 دولاراً للراكب الواحد”، ناهيك عن “مصاريف الطعام والمنامة، والتي تتجاوز 150 دولاراً للإقامة لمدة يومين”، والأهم من ذلك تعرض هذه الممرات التي تفصل مناطق المعارضة عن النظام للإغلاق ودون سابق إنذار، تقول السيدة سعاد أم لطفل مريض بالثلاسيميا “عند عودتي من حلب في 11 آب الماضي، تم إغلاق ممر عون الدادات –الممر الوحيد نحو مناطق المعارضة- واضطررنا للنوم في العراء لمدة يوم كامل ليسمح لنا بالدخول”، بينما أغلقت كافة الممرات أمام المدنيين من محافظة إدلب نحو مناطق النظام منذ بداية شهر آب 2018.

أما كلفة عملية زرع نقي أو خلايا فتصل إلى أكثر من 110 آلاف دولاراً أمريكياً، في الوقت الذي لا يزيد فيه متوسط الدخل في سوريا عن 100 دولاراً، ويعيش 86.7% من السكان تحت خط الفقر بموجب دراسة أجراها مركز فيريل للدراسات في ألمانيا.

زواج المصابين بالثلاسيميا أهم أسباب انتشار المرض، وغياب لطرق منعه

لا ينتقل مرض الثلاسيميا إلّا عن طريق الوراثة، ويشكل احتمال ولادة طفل مصاب بهذا المرض لأبوين مصابين (أيّاً كان نوع الثلاسيميا) 25%، ويرى الطبيب مصطفى شعبان (أخصائي بأمراض الدم) أنه “بالإمكان تجنب هذا المرض من خلال تحليل بسيط للثلاسيميا (تحليل دم هيموجلوبين الكتروفوريسييز) يكون شرطاً للزواج، لتجنب ولادة طفل مصاب”، وعليه “يجب على المصاب أن يختار شريكاً لا يحمل هذا الجين، وفي هذه الحالة تكون احتمالية ولادة طفل مصاب شبه معدومة”.

وعلى الرغم من وجود قانون في مناطق النظام يفرض إجراء هذه التحاليل إلّا أن 25 % من حالات الزواج في العام 2010 في مدينة دمشق وحدها، تمت خارج نطاق المحاكم “كتاب شيخ –عقد قران ينظمه أحد المشايخ أو الأشخاص وهو عقد جائز شرعاً بوجود الشهود، وتثبته المحاكم الشرعية بعد دفع مخالفة مالية” بحسب وزير الصحة، بينما لا تشترط المحاكم التابعة للمعارضة السورية إجراء هذه التحاليل، وأكثر من 90% من حالات الزواج تتم عن طريق “كتاب الشيخ”.

ويرى المحامي عادل الأسعد أن على المحاكم فرض هذه التحاليل بصورة إجبارية للخطيبين قبل الزواج، ومنع حدوثه في حال كانا مصابين.

غياب مراكز الدعم النفسي لا يقل أهمية عن غياب العلاج

تقول دراسة ماجستير أجرتها الطالبة بشائر مرسي الربّاط (قسم الإرشاد النفسي في كلية التربية) بعنوان “البناء النفسي لمرضى الثلاسيميا” على عينة من المصابين بالثلاسيميا ومثلهم من الأصحاء بأعمار مختلفة في دمشق “إن استجابة الأطفال المرضى تختلف عن استجابة أقرانهم الأصحاء، كما تظهر أعراض القلق بشكل حاد وقلة التكيف الأسري والنظرة السلبية للحياة وعدم الكفاءة الشخصية والاعتمادية عند المراهقين المصابين، يضاف إلى ظهور أعراض العدوان/العداء والتقدير السلبي للذات عند بعض المصابين، وتظهر في شخصياتهم: السلبية والشعور بالنقص والسعي الدائم للكمال ومشاعر الذنب والاغتراب”.

وأوضحت الدراسة نقلاً عن دراسة أجراها الباحث شاليغرام ” أن 44% من المصابين بالثلاسيميا لديهم مشكلا نفسية، و74% لديهم درجة منخفضة في نوعية الحياة، و67% يعانون من قلق الموت و20% من اكتئاب ومشاكل عاطفية و49% من مشكلات في السلوك والتصرف”، كما أكدت الدراسة أن النقل المتكرر للدم يؤثر سلباً على الصحة النفسية المرتبطة بنوعية الحياة والحياة المدرسية.

ولا توجد أي عيادات متخصصة للعلاج والدعم النفسي في مراكز الثلاسيميا في الشمال السوري، ولا يخضع المصابين لمثل هذه العلاجات، كما لا توجد حملات توعوية للتعريف بالمرض وآثاره وكيفية التعامل مع المرضى، ما يسبب تفاقماً في الآثار النفسية لهم، لظهور تغيرات جسدية على المصابين تجعلهم مصدر خوف وتجنب وأحياناً سخرية من قبل أقرانهم في المدارس والأحياء السكنية.

في الوقت الذي يخرج فيه عبد الرزاق عيسى والد الطفل المصاب محمد باحثاً عن لقمة عيشه، يضطر محمد للتغيب عن محل “الكومجي” ثلاث مرات شهرياً لتلقي العلاج مع أخوته الثلاثة، لتبدأ رحلة البحث عن متبرع من جديد.

معدا التحقيق مصطفى أبو شمس – ابراهيم ابوالسيف