فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أطفال المدارس في إدلب ينتظرون أيلولهم الأسود

منيرة بالوش

تقول أم يوسف إن طفلتها قدمّت لها “حصالتها” التي جمعت فيها النقود لعام كامل، قالت إنها كانت تحرم نفسها من كل ما يشتهيه الأطفال، أرادت شراء حقيبة زهرية اللون عليها أميرة وأرنب وحقل أخضر، على مضض قبلت الأم، بينما راحت الطفلة الصغيرة تنام مع حقيبتها في فراش واحد، وفي الصباح ترتدي حقيبتها الفارغة وتخرج أمام قريناتها في الخيام بحذاء مهترئ.

ترى أم يوسف إنه من المستحيل تلبية لوازم الدراسة كاملة، “نحتال لتمر السنة الدراسية بسلام”، وتأمل أن تستطيع تعليم أطفالها الأربعة، “خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا سوى تعليمهم كحلّ أخير”، حالها كحال الجميع تقول السيدة، وهو ما وافق عليه أبو عمر، فكسوة أطفاله الثلاثة تتطلب ما يزيد عن دخله الشهري، لذلك “اكتفى بشراء حقيبتين وثلاثة دفاتر وبعض الأقلام”.

يحلم (عدنان) ذو العشر سنوات، بحقيبة جديدة، غير تلك التي تلبسها أخته، وتصل إليه بالتقادم، وحذاءً وملابس جديدة، لا يهمه إن كان اللباس موحداً أم لا، هو لم يعتد ذلك في سنوات الدراسية الماضية، ويريد أقلاماً ملونة ودفاتر بأوراق بيضاء ناصعة، تشبه تلك المعروضة في المحلات التجارية والتي يقول أصحابها إنهم يخرجونها في كل عام ويقومون بترتيبها علّها تباع، ويصفونها بـ “البضاعة الكاسدة”.

لن يتأخر العام الدراسي في الوصول، أيلول يعلن قدومه، تقول الأمهات “انتظروا قليلاً علنا نرتي لهم بقايا اللباس القديم ونحيك لهم من بقاياه حقائب مدرسية”، بينما يطالب الآباء بفسحة صغيرة من الوقت وبضعة أمتار تتسع لأمتعة الوافدين، في الأرض المزروعة بزيتون مغبر تنحني طفلة على حضن والدتها لتخبرها أنها الآن في السادسة وبعد أيام سيكون يومها الأول في المدرسة.

اعتدنا في السنوات الماضية مشاهدة صور ومقاطع فيديو للوح خشبي ومقاعد مدرسية في واحدة من الخيام الكثيرة المنتشرة على طول الشريط الحدودي، بمبادرة فردية من معلّم متحمس لزراعة الأمل في أعين الطلبة، مدارس من قماش لكافة الصفوف، بعد خروج ما يزيد عن 650 مدرسة عن الخدمة لتعرضها للقصف في إدلب، في الأشهر الثلاثة الأخيرة زادت الحصيلة عن مئتي مدرسة، بحسب “منسقو استجابة سوريا”، ما أدى لحرمان مئتي ألف طالب من حقهم في التعليم.

مدارس أخرى غصّت بالساكنين لا الطلبة، بعد أن تحولت إلى ملاذ من الحرب، أخرى امتلأت ساحتها بالشهداء، بعضها تحوّل إلى ملاعب لأطفال يعبثون بالأنقاض، أما ما تبقى منها فلأطفال يحلمون بحقائب جديدة، بلباس مدرسي يتخيلون لونه وشكله وحذاء يسير بهم نحو مستقبلهم لا يمّر الماء من خلاله، ولا يترك الشتاء آثاره على أصابعهم الباردة.

يأتي الحلّ هذا العام من وزارة التربية في حكومة الإنقاذ، يقول قرارها بوجوب “توحيد اللباس المدرسي” دون إشارة لاستيعاب الطلبة الجدد وقسائم المازوت الدافئ وخيام للساكنين على مقاعد أطفالهم ولو بخيمة، والأهم من ذلك دون الحديث عن ثمن هذا اللباس وتبعاته على العائلات المرهقة الهاربة من الموت.

تبدو فكرة” اللباس الموحّد” لكافة طلاب المدارس بجميع المراحل، خطوةً جيدة لو كانت في ظروف عادية وفي دولة مكتملة الحقوق ، بعيدا ًعن الحرب والنزوح، ليساهم “الزيّ الواحد “في إلغاء الفروق المادية بين الطلبة ، ويُشعر بالمساواة والالتزام بقوانين المدرسة كما في باقي الدول ، إلاّ أن القرار كما أيلول جاء متسرعاً، ولاسيما في هذا الوقت بالذات في بلد لم ينجُ أهله من دفع ضرائب الحرب منذ تسع سنين، ليدفع ثمن ملابس المدرسة التي قد ترهق أي عائلة لديها أكثر من طفلين في المدرسة. يقول من التقيناهم “الأجدر بالحكومة أن توزّع اللباس بالمجان على الطلبة مع الحقائب والقرطاسية كاملة كنوعٍ من دعم العملية التعليمية وتحمل جزء من الأعباء المادية عن الأهالي في هذه الظروف السيئة”.

في الأسواق تخطف لوائح الأسعار المرتفعة نظر الأهالي قبل معاينة جودتها، سريعاً يتنقلون أمام الواجهات التي يبدأ فيها سعر أي حقيبة بـ 2500 ليرة ولا ينتهي عند حدود، مثلها أسعار الحذاء والقميص والبنطال والقرطاسية، إذ لا تقل كلفة لوازم طالب واحد في الحد الأدنى عن 12 ألف ليرة ثمن “حقيبة من النوع الردي وبدلٍ واحد من الألبسة ودفتر وبضعة أقلام”.

تقول أم يوسف إن طفلتها قدمّت لها “حصالتها” التي جمعت فيها النقود لعام كامل، قالت إنها كانت تحرم نفسها من كل ما يشتهيه الأطفال، أرادت شراء حقيبة زهرية اللون عليها أميرة وأرنب وحقل أخضر، على مضض قبلت الأم، بينما راحت الطفلة الصغيرة تنام مع حقيبتها في فراش واحد، وفي الصباح ترتدي حقيبتها الفارغة وتخرج أمام قريناتها في الخيام بحذاء مهترئ.

ترى أم يوسف إنه من المستحيل تلبية لوازم الدراسة كاملة، “نحتال لتمر السنة الدراسية بسلام”، وتأمل أن تستطيع تعليم أطفالها الأربعة، “خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا سوى تعليمهم كحلّ أخير”، حالها كحال الجميع تقول السيدة، وهو ما وافق عليه أبو عمر، فكسوة أطفاله الثلاثة تتطلب ما يزيد عن دخله الشهري، لذلك “اكتفى بشراء حقيبتين وثلاثة دفاتر وبعض الأقلام”.

يحلم (عدنان) ذو العشر سنوات، بحقيبة جديدة، غير تلك التي تلبسها أخته، وتصل إليه بالتقادم، وحذاءً وملابس جديدة، لا يهمه إن كان اللباس موحداً أم لا، هو لم يعتد ذلك في سنوات الدراسية الماضية، ويريد أقلاماً ملونة ودفاتر بأوراق بيضاء ناصعة، تشبه تلك المعروضة في المحلات التجارية والتي يقول أصحابها إنهم يخرجونها في كل عام ويقومون بترتيبها علّها تباع، ويصفونها بـ “البضاعة الكاسدة”.

تجترح بعض الأمهات حلولاً لإسعاد أطفالهن، كما تفعل (سميرة) وهي أم لثلاثة أطفال باستعارة الملابس والحقائب المستعملة من أطفال أقاربها الذين يكبرونهم سناً، وبعض الدفاتر المتبقية من العام الماضي، أو كجارتها (رهام) التي حاكت لابنتها حقيبة من قماش بنطال جينز قديم لتوفر ثمن شرائها! بينما تستسلم

(عفاف) للأمر الواقع ولا تكترث بالحقائب الجديدة، والملابس الزاهية فهي مشغولة بتحضير مونة الشتاء لتشبع أولادها السبع ومستعدة لإرسال أبنائها بملابسهم البيتية، المهم بالنسبة لها أن يتعلموا ويلحقوا بما فاتهم من تقصير في السنين الماضية، بدل أن يبقوا بلا تعليم، كما حدث مع كثير من العائلات، التي تخلّت عن فكرة التعليم واستسلمت للأمر الواقع.

غابت عن قرارات مديرية التربية معالجة مشاكل التسرّب الدراسي وعمالة الأطفال، وانشغلت باختيار اللون البني الذي فرضته (لصدرية) طلاب المرحلة الابتدائية، لتعيد ذاكرتنا إلى أيامٍ خلت، كنا فيها طلاباً صغاراً في طلائع البعث، نلبس الزي البني والفولار البرتقالي ونردّد شعار الوحد والحرية والاشتراكية! ونقف باحترام وإجلال للعلم الأحمر الذي يُقتل أطفالنا اليوم برعاية حماته وحامليه، فهل سنُلبس أطفالنا ذات اللون متناسين “حقبة التدجين” التي حرصوا على تلقيننا إياها منذ الصغر لنهتف باسم القائد الخالد بكرة وعشية. 

أما نحن فسنظل ندق جدران الخزان

منيرة بالوش

تحت أشجار الزيتون، على الشاحنات، في الخيام التي نفدت طاقتها الاستيعابية ينتظر الجميع انتهاء حديث رجل التفتيش مع أبي الخيزران عن الراقصة، ويسقط في كل ثانية عشرات الأطفال والنساء والعجائز موتى من القهر والاختناق، ومع كل شخص يسقط تنكشف بوضوح صورة الضامنين وأصدقاء الشعب السوري والداعمين والمصالح والتفاهمات الدولية.
ينسى أبو الخيزران، وهو يستمع بلهفة إلى الرجل الذي سيمر دائماً من أمامه يحمل جثثاً أو ناجين آخرين في الطريق الذي اتخذه مهنة تدر عليه آلاف النقود، الرجال الثلاثة الذين تكفل بإيصالهم، في الوقت الذي يُنسى شعب بأكمله ويترك للموت أمام اجتماعات كرنفالية يسودها المزاح وإرضاء شرطيّي العالم أمريكا وروسيا، يضحك الضامن لنكاتهم السمجة، ويتساءل عمن سيدفع ثمن الآيس كريم في معرض الطيران الذي جُرب على أجساد أطفال سوريا ومنازلهم، وكانت نتائجه باهرة بحق.

في رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني يجسد الكاتب الآثار المريعة التي خلفتها النكبة على الحياة الفلسطينية، من خلال تجسيده لثلاثة أشخاص حطّ بهم المقام في العراق قبل أن تلتقي أهدافهم بالوصول إلى الكويت لتأمين بعض حياة يرجونها، قليل من الأمان ولقمة العيش، إلّا أنه أبقى السؤال معلقاً منذ عام 1963، بالرغم من كافة التحليلات والإسقاطات التي أضيء بها على الرواية التي تحولت إلى فيلم فيما بعد، لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟

بات باستطاعتنا أن نعيش أحداث الرواية في سوريا، ليس على الورق هذه المرة، بل من خلال مقاربة بسيطة لتسع سنوات عاشها السوريون خلال ثورتهم، مات فيها مئات الآلاف من المدنيين، وعبَر أضعافهم إلى بلدان اللجوء بكافة السبل برّاً وبحراً وعلى متن الطائرات وأمام أبواب القنصليات والسفارات، واعتقل منهم مئات الآلاف أيضاً، أما من تبقى فـ نازح يطرق جدران الحياة كي لا يستسلم للموت، بعضهم

ما يزال يحمل بندقيته أملاً في نصر يراه يقيناً، أو موت ليس بخيار سيءٍ، إن كان لا بدّ منه، فهو مريح وآمن إن كان بصاروخ أو شظية، أكثر بمئات المرات من مصير يشبه أبطال رواية كنفاني الذين ألقيت جثثهم في القمامة، اختناقاً وحرقاً تحت أشعة الشمس في الطريق الذي يشبه جحيم القيامة.

لم يكن هناك طريق آخر للهروب من نقاط التفتيش الثلاثة على الحدود العراقية الكويتية عبر الصحراء، سوى الاختباء داخل خزان فارغ فوق سيارة قديمة، نجحوا في النقطتين الأوليتين، وبقيت الأخيرة التي مثلت لهم كوة النجاة كما وعدهم “أبو الخيزران” سائق الحافلة، إن هم صمدوا لسبعة دقائق أخرى، قبل أن تنتهي معاناتهم ويصلون إلى وجهتهم.

نسيهم أبو الخيزران وهو يستمع إلى حديث موظف نقطة التفتيش الأخيرة عن الراقصة العراقية كوكب، لتمتد الدقائق السبعة إلى ما يزيد عن نصف ساعة كانت كفيلة بموت ثلاثتهم، عندما فتح الخزان ورأى مشهد موتهم، يقرر بسرعة رميهم على كومة قمامة بعد أن يجردهم من كل ما يحملونه. يلومهم وهو يحرك الجثث قائلاً “لماذا لم تدقوا جدران الخزان، لماذا لم تصرخوا؟

من قسوة النزوح إلى ظلام الخزان ثم إلى الموت خنقاً وبعدها الدفن في ظلمات القبر يسرد كنفاني لنا حكاية الحياة الفلسطينية، ليترك لنا الباب موارباً لنسأل أنفسنا، ما الذي كان سيحدث لو أنهم طرقوا الجدران الحديدية، من مات أولاً منهم، ما الذي شعر به آخر المتبقين على قيد الحياة، كيف يحولنا الخوف من الحياة إلى موتى، هل علينا أن نصمت دائماً؟

في إدلب اليوم أكثر من مليون نازح جديد، يعيشون تغريبتهم السورية، فيما يلاحقهم الموت إلى كل مكان يذهبون إليه، ولا إدلب جديدة ينجون إليها، أما نقاط التفتيش فباتت تتعامل بالرصاص الحي، خلف الخزان هناك قوات الأسد الذين لن يألون جهداً بإذلال من تبقى إن حاول العودة، هذا إن كتب له الحياة خارج جدران المعتقل الكبير أو التصفية المباشرة.

تحت أشجار الزيتون، على الشاحنات، في الخيام التي نفدت طاقتها الاستيعابية ينتظر الجميع انتهاء حديث رجل التفتيش مع أبي الخيزران عن الراقصة، ويسقط في كل ثانية عشرات الأطفال والنساء والعجائز موتى من القهر والاختناق، ومع كل شخص يسقط تنكشف بوضوح صورة الضامنين وأصدقاء الشعب السوري والداعمين والمصالح والتفاهمات الدولية.

ينسى أبو الخيزران، وهو يستمع بلهفة إلى الرجل الذي سيمر دائماً من أمامه يحمل جثثاً أو ناجين آخرين في الطريق الذي اتخذه مهنة تدر عليه آلاف النقود، الرجال الثلاثة الذين تكفل بإيصالهم، في الوقت الذي يُنسى شعب بأكمله ويترك للموت أمام اجتماعات كرنفالية يسودها المزاح وإرضاء شرطيّي العالم أمريكا وروسيا، يضحك الضامن لنكاتهم السمجة، ويتساءل عمن سيدفع ثمن الآيس كريم في معرض الطيران الذي جُرب على أجساد أطفال سوريا ومنازلهم، وكانت نتائجه باهرة بحق.

لا خلاف إذن على ما يحدث، الاتفاق قائم على أجرة السائق ورشوة الشرطي وموت من في الخزان، دون أن يسمح لهم بإصدار أي صوت خوفاً من إعادتهم وفشل المحاولة، أما من سيكتب له النجاة فسيموت في رحلة أخرى أو أستانا جديدة، وفي أفضل الأحوال ترمى جثته على القمامة هرباً من تحمل المسؤولية.

كانت الثورة بالنسبة للسوريين خزان الخلاص من الظلم والعبودية إلى الحرية، صعدوا إلى الخزان وكلهم أملٌ بالوصول إلى وجهة الخلاص، وإن طالت رحلة المسير واشتدّ لهيب الشمس عليهم، فلن يستسلموا للموت كما استسلم أبطال الرواية؛ بل سيطرقون الجدران والأبواب والنوافذ ويصرخون بأعلى أصواتهم، كما فعلوا منذ تسع سنين.

قرعت جدران الخزان عند أول مظاهرة سلمية خرجت في شوارع المحافظات، وصدحت حناجرهم بالحرية والثورة، ولم تسكتهم نيران البنادق الموجهة إلى صدورهم العارية، ولا الاعتقال التعسفي الذي زج بزهرة شبابهم في غياهب السجون والمعتقلات.

طرقوا الجدران بالسلاح والأرواح عندما تحولت الثورة إلى مسلحة لانتزاع الحق، غير أنّ سائق الشاحنة قد أُصيبَ بصممٍ تام، وفقدانٍ للذاكرة ولم يتذكّر الحالمين بالحرية داخل خزانه، وهم يصارعون الموت، فلا هم أخفضوا ضجيجهم وخنعوا للموت، ولا هوَ تذكرهم وأوصلهم إلى برّ الأمان، وما يزال الصراع قائماً ما دمنا قادرين على طرق الجدار.

منيرة بالوش

 

تقدم بـ “سكيك” .. وغموض على جبهة عابدين بريف إدلب الجنوبي

تحاول قوات الأسد والميليشيات الإيرانية المساندة لها التقدم على المحور الشرقي لمدينة خان شيخون، وعلى المحور الغربي للمدينة، لتطويق ريف حماة الشمالي ووصل مناطق سيطرة النظام من جهة الشرق من جبهة سكيك، مع القوات التي تتقدم على جبهات الهبيط وعابدين من الغرب، لتفرض حصاراً على ريف حماة المحرر، الذي يتمركز فيه “جيش العزة” الذي استطاع على مدى سنوات منع تقدمهم عبر جبهاته، ورفض مخرجات سوتشي، وتسيير الدوريات.

 

ما تزال الاشتباكات مستمرة على جبهة سكيك (جنوب شرق بلدة التمانعة) بريف إدلب الجنوبي إثر الهجوم المعاكس التي شنته الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية صباح اليوم الخميس والذي ترافق بتفجير عربة مفخخة، وقتل وإصابة عشرات من قوات الأسد والميليشيات الحليفة له، وتحرير عدد من النقاط، في الوقت الذي استطاعت الأخيرة من التقدم على نقاط في الجبهة الغربية لخان شيخون دون الثبات داخلها.
وبحسب الناشط عبد القادر البكري فإن الفصائل العسكرية تخوض الآن اشتباكات داخل سكيك وتسيطر على غالبها، وتحاول التقدم لاستعادة تلتها الاستراتيجية.

وبدأ الهجوم بعملية استشهادية استهدفت تجمعاً للميليشيات في المزارع الغربية للبلدة أدت إلى مقتل وإصابة ما يزيد عن عشرين عنصراً، تبعها تقدم بري أسفر عن تحرير وبسط السيطرة على معظم النقاط داخل سكيك.
وبحسب البيانات الصادرة عن غرفة عمليات معركة الفتح المبين فقد تمكن الثوار من تدمير دبابة بصارخ موجه على جبهة السكيك، وتحرير منطقة “مكسر الحصان” جنوب قرية ترعي، وإبعاد الخطر عنها، إضافة لقتل أربعة عشر عنصراً من حزب الله اللبناني في كمين قرب تل ترعي (جنوب غرب سكيك).
أما على الجبهة الغربية، فقد تقدمت قوات النظام ليلة أمس، على تلة “الطويلة” شمال غرب بلدة الهبيط، ودخلت قرية عابدين الاستراتيجية، والتي تشرف على بلدة الهبيط، وقرﻯ مدايا، والركايا، وكفرعين، وتطل على منطقة واسعة تصل للصياد وكفر زيتا بريف حماة، إلا أنها لم تتمركز فيها ولم تحصنها، وفي الغالب أن هذه القوات عادت باتجاه بلدة الهبيط التي انطلقت منها، لتصبح القرية منطقة خالية من الطرفين، و مرصودة للثوار من جهة الشمال، وما يثير الاستغراب، عدم دخول القرية من قبل الجهتين، رغم أهميتها.
وحاولت قوات الأسد والميليشيات التابعة لها ليل أمس التقدم على قرية مدايا، شمال غرب خان شيخون، منطلقةً من قرية أم زيتونة، إلا أن فصائل المعارضة تمكنت من التصدي لها، ومنعها من دخول القرية، لكنها سيطرت على مقبرة القرية، الواقعة جنوبها من جهة أم زيتونة.

ونفى الناشط الإعلامي عبد الرزاق الصبيح (المتواجد هناك) دخول قوات النظام للقرية، مكذباً إعلام النظام الذي ادعى ذلك، وذكر أن الاشتباكات تدور خارجها، بعد وصول الجيش إلى مقبرتها، كما نفى دخول القوات لقرية المردم وتل أرجى، بعد انتشار شائعات حول ذلك أيضاً.
وعلى جبهة كفرعين، غرب خان شيخون. تمكن “جيش العزة” من قتل وجرح عدد من عناصر النظام والميليشيات المساندة لها، بقصف مدفعي استهدف مواقعهم في منطقة تل عاس.

واستطاعت فصائل المعارضة يوم أمس إسقاط طائرة حربية نوع “سوخوي”، تتبع لطيران النظام وأسر قائدها، بعد استهدافها بالمضادات الأرضية، بأجواء بلدة التمانعة غربي خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، أثناء استهدافها للمدنيين. وتحمل الطائرة التي أسقطت رمز “بيارق”، وكانت قد أقلعت من مطار “T4” العسكري بريف حماة. بحسب مراصد الطيران.

تحاول قوات الأسد والميليشيات الإيرانية المساندة لها التقدم على المحور الشرقي لمدينة خان شيخون، وعلى المحور الغربي للمدينة، لتطويق ريف حماة الشمالي ووصل مناطق سيطرة النظام من جهة الشرق من جبهة سكيك، مع القوات التي تتقدم على جبهات الهبيط وعابدين من الغرب، لتفرض حصاراً على ريف حماة المحرر، الذي يتمركز فيه “جيش العزة” الذي استطاع على مدى سنوات منع تقدمهم عبر جبهاته، ورفض مخرجات سوتشي، وتسيير الدوريات.

وتستمر طائرات النظام وروسيا باستهداف قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي بالصواريخ والبراميل المتفجرة، كذلك بقذائف المدفعية، حيث استشهد اليوم مدني وأصيب آخرون بجروح، إثر قصف جويّ للطائرات الحربية، على بلدة كفرسجنة بريف إدلب الجنوبي، ويرجح زيادة عدد الشهداء لوجود مفقودين وعالقين تحت الأنقاض.
كما استهدفت الطائرات الحربية والمروحية والمدفعية الثقيلة كلاً من مدينة “خان شيخون”، وبلدات “التمانعة، ومدايا، وتل النار، والركايا” بريف إدلب الجنوبي الذي يشهد منذ الأمس حركة نزوح كبيرة جديدة، بعد تقدم الجيش باتجاه عابدين ومدايا، إذ يتخوف الأهالي من أن يكون خط خان شيخون الهبيط وخان شيخون التمانعة، والقرى المتاخمة لها من الشمال، منطقة اتفق على تسليمها من قبل رعاة سوتشي وأستانه، في حين يرى البعض الآخر أنها ما يدور فيها معركة حقيقية، مرجعين سبب تقدم النظام إلى القصف الشديد واتباع استراتيجية التقدم ليلاً للمرة الأولى، لتجنب استهدافه من قبل مضادات الدروع التي تعجز عن العمل ليلاً، حتى الآن.

أسامة الشامي

الإنسان السوري المقهور

سلام زيدان

“إن مقدار الدقة والضبط في التعامل مع الواقع والآخرين يدل على مدى السيطرة على الوجود” مصطفى حجازي في كتابه “مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”. ينقسم المزاج الشعبي السوري وما ينتج […]

“إن مقدار الدقة والضبط في التعامل مع الواقع والآخرين يدل على مدى السيطرة على الوجود” مصطفى حجازي في كتابه “مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”.

ينقسم المزاج الشعبي السوري وما ينتج عنه من ردود أفعال في المناطق التي وفد إليها، أعداد كبيرة من أهالي المناطق الذين أجبروا على ترك بيوتهم وقراهم بفعل القصف الكثيف والممنهج عليها، إلى سمات عديدة تتدرج بين اليأس والإحباط والرضى بالواقع، إلى سرديات ألمية وصولاً إلى ما يمكن اعتباره “خطاباً للكراهية”، وما بين لوم الذات أو البحث عن أشخاص وظروف لإلقاء اللوم عليها.

ومن خلال متابعة ما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يحصل فيها من نقاش يمكن التفريق بين عددٍ من السمات يجمعها الحساسية المفرطة، وتنامي الشعور بالقهر والغضب في كثير من الأحيان، أولها الاحتماء بالماضي كوسيلة دفاع عن الحاضر والتمترس خلفه دون محاولة لتغييره أو الإضاءة عليه ودون تخطيط مستقبلي أيضاً، إذ يبدو المستقبل بالنسبة إليهم غائماً وغير واضح المعالم.

يلجأ أصحاب هذه الفكرة إلى التغني بالظروف الماضية، ومقارنتها بالأحوال الحالية، وهو ما يمكن ملاحظته عند الكثير من الذين لجؤوا إلى الدول المجاورة أو إلى أوروبا، ومردّ ذلك إلى انعدام الاستقرار في الواقع الذي يعيشونه، ويتنامى هذا الخطاب عند الاصطدام ببعض القرارات الجديدة في تلك الدول، أو نتيجة الصدمة المباشرة مع حقيقة “الحياة القاسية والعملية جداً”، وكمية البيروقراطية، يضاف إليها الانتظار والظروف المعيشية الصعبة، خاصة مع تناقص درجات التعاطف مع “اللاجئين السوريين”، وبروز أصوات جديدة وعالية تعتبرهم “مشكلة وعائقاً، لا ضحايا”، ودخول قضيتهم في السياسات الداخلية لهذه البلدان ومسار جدل بين الأحزاب السياسية (تركيا وألمانيا تمثلان صورة واضحة عن ذلك).

في الداخل السوري ينظر إلى المسألة بشكل مشابه في المدن والقرى التي نزح إليها أعداد كبيرة من السكان، يرى أولئك الأشخاص أن هناك ظلم قد وقع عليهم، خاصة في طريقة تعاطي أصحاب هذه المناطق مع الوافدين، وبسبب الظروف الاقتصادية السيئة وحالة اليأس والإحباط المرافقة لخسارة قراهم وبيوتهم وأملاكهم وضعف الاستجابة الدولية وطول المدة الزمنية، يلجأ كثير منهم إلى التعبير عن مشاعره سواء على صفحات التواصل الاجتماعي أو من خلال جلسات النقاش والحوار، دائماً ما تحضر ذكريات الماضي يضاف إليها في بعض الأحيان “تضخيماً” للاستقرار والحياة الهانئة التي كانوا يعيشونها، مع غياب واضح للحديث الواقعي حول الصعوبات والاستغلال والتسلط العسكري الذي كان موجوداً في هذه المناطق، شأنها شأن الأماكن التي وفدوا إليها، مع اختلاف بدرجاته.

الطبيعي أن يجد الإنسان في “داره” موطناً مصغراً لا يمكن التمتع بلذة العيش بعيداً عنه، وأن تخلق مشاعر الحنين وذكريات المكان حالة من تجميل المكان الذي كان في السابق مصدر مظلومية وسردية ألمية، وبغياب القدرة على العودة إليه يتحول إلى ما يشبه الحلم ويسعى الجميع إلى توصيفه بعيداً عن المحاكمة العقلية بل من خلال الإحساس والمقارنة غير العادلة.

يكتفي أصحاب هذه الفكرة بالتغني بماضيهم مع مقارنة الواقع الحالي، ويجدون أنفسهم أسرى لتلك الأفكار التي طغت على يومياتهم، ليركنوا لفكرة الغربة، وتبدوا عليهم ملامح الحزن والسكون.

اليائسون والمحبطون هم فئة أخرى تجد ملامحها واضحة عند الوافدين واللاجئين السوريين، إذ تعتمد فكرة اللاجئين على تقريع الذات والشعور بالندم، كذلك الشعور بتخليهم عن قضيتهم وهو ما يمنعهم في كثير من الأحيان من الاندماج في المجتمع الجديد، ويحول دون رسم مستقبل واضح لحياتهم سواء على الصعيد العلمي أو العمل، وتغلب على أحاديثهم وكتاباتهم عقدة الذنب والشعور باليأس سواء من “انتصار الثورة التي فارقوها لأسباب كثيرة يحاولون جاهداً تبريرها في كل مناسبة”، أو من العودة كـ “خيار لم يعد متاحاً بعد أن وصلوا إلى حالة من الأمن الذي غاب عنهم خلال سنوات الحرب”، تبدو سوريا عند هؤلاء أكثر بعداً وتلك حقيقة لا يمكن تجاهلها، ولا ينسون في كل حديث عابر مع أحد أقاربهم أو أصدقائهم تصدير مشاعر الإحباط التي يعيشونها والتذكير بأيامهم الماضية، حتى في لقاءاتهم وعند التعريف عن أنفسهم.

في الداخل السوري ترتفع درجة الإحباط واليأس مع كل خسارة عسكرية أو تقدم لقوات النظام أو حركة نزوح جديدة، تزيد المشاهد الواقعية التي يرونها من حدّة السردية الألمية، كذلك من عودة المشاعر والأحاسيس القديمة لتهدم حالة التعايش التي وصلوا إليها بعد عناء مع ظروفهم وأماكنهم الجديدة.

في الوقت نفسه ومع ارتفاع حدة الألم يعلو خطاب واضح عن الهروب من الواقع والاعتراف بالمسؤولية المباشرة وإلقاء اللوم على الآخرين، سواء على الفصائل العسكرية أو الحكومة والمجالس المحلية بالرغم من أحقية هذا اللوم في جزء منه، وصولاً إلى الأشخاص وأصحاب الأملاك والتجار والأسواق وبائعي الخضار، وغالباً ما يغيب النقاش العقلي أو الحوار الهادئ، لصالح الصراخ والانفعال الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى التخوين أو اتهام الآخرين بمشاركة “نظام الأسد” في معركته ضدهم، كذلك الدعاء عليهم بمصير مشابه من النزوح لتذوق الكأس نفسه التي يقولون إنهم يعمدون إلى “سقياهم منه”، وسرعان ما تجد في التعليقات موافقة شديدة من معظم الفئات التي ذكرناها سابقاً، ويبدو أن هؤلاء يعبرون بلسان حالهم، مع غياب واضح من قبل “المتهمين” إن صح التعبير للردّ عن أنفسهم وتبرير أفعالهم، كذلك يغيب الخطاب العاقل لعدم الانزلاق إلى مهاترات وحوار طرشان، إذ يصعب بمكان المناقشة وتقديم الحجج في لحظات القهر الشديد، وعدم الاستماع.

يردّ من التقيناهم في الداخل السوري من المناطق التي وفد إليها النازحون بأنهم يتصرفون معهم بحالة طبيعية، فغلاء الأسعار ليس مرتبطاً باستغلالهم لقضية الوافدين، مع التأكيد على وجود بعض الحالات، إلّا أنهم يرجعون الأمر إلى ظروف الحرب نفسها، خاصة فيما يتعلق بارتفاع الدولار وما يفرضه هذا الارتفاع من زيادة في الأسعار، كذلك الإتاوات التي تفرض على المعابر، واستيراد معظم المواد من تركيا بأسعار لا تتناسب مع دخل المواطن السوري، أما فيما يخص ارتفاع الإيجارات فيرى قسم ممن التقيناهم بأن إيرادات المنازل هي كل ما تبقى لعدد كبير من العائلات في هذه المناطق مع غياب فرص العمل، وتتناسب طرداً مع ارتفاع أسعار المعيشة، ناهيك عن ما قالوا إنه “لا مبالاة” من قبل بعض الوافدين بأثاث هذه المنازل ونظافتها، كذلك بعض التخريب الحاصل فيها، يضاف إلى ذلك النبرة العدائية التي يقابلون بها في كثير من الأحيان.

كثرة الطلب وقلة البيوت فرض أيضاً ظروفاً خاصة على السكان وساهم في هذه الارتفاع من خلال المضاربة، ولا ينكر هؤلاء إن عدداً من الأشخاص استغلوا ظروف الوافدين وفرضوا مبالغ كبيرة كبدل إيجار على منازلهم إلّا أن هذا الأمر لا يمكن تعميمه، ويرون في خطاب الكراهية الذي يطلق ضدهم “مجحفاً ومخالفاً للحقيقة”، وإن أوصافاً تطلق عليهم كـ “اليهود وعملاء النظام” هي أوصاف مؤذية وتزيد من احتقان السكان في المنطقة.

تحميل وزر ردود الأفعال هنا للآخرين وسلوكياتهم قد يكون مخالفاً للحقيقة، وعلينا البحث عن آلية إنصاف لا تنمية خطاب كراهية، قد يتحمل مسؤولية تشكيلها المجالس المحلية من خلال فرض قوانين معينة على الجميع، والحد من حالة الفوضى المنتشرة في الأسعار وغياب الرقابة.

مصطفى أبو شمس -سلام زيدان

 

في انتظار “خورتو” يضيع مستقبل عشرات الطلاب في عفرين

في انتظار “خورتو” تضيع فرصة يصفها محمد بأنها “لن تتكرر” بإكمال دراسته الجامعية، متسائلاً كغيره من الطلبة عن عدم وجود “مكتب تنسيق للتعليم الجامعي” يدير شؤون الطلبة الحاصلين على رسائل قبول من الجامعات التركية في الشمال السوري، وحصر الأمر بشخص “المشرف التركي” الذي نادراً ما يأتي، دون جهة رسمية للتواصل معها.

أغلقت جامعة غازي عينتاب أبوابها منذ يومين في وجه الطلبة السوريين الحاصلين على الشهادة الثانوية العامة من مناطق عفرين بعد انتهاء مدة التسجيل الذي اشترطت فيه الحضور الشخصي أو التوكيل الرسمي لإتمام العملية، ليحرم عشرات الطلبة من مقاعدهم التي تحصلوا عليها من عملية المفاضلة الشرطية التي تمت عبر روابط الانترنيت، وسط غياب لأي حلول من قبل المكتب التعليمي في المنطقة وجامعة عينتاب لتقديم التسهيلات اللازمة.

وقال عدد من الطلاب الذين حُرموا من التسجيل للعام الحالي إنهم حصلوا على وعود وصفوها بـ “الكبيرة” من قبل مديرية تربية عفرين بالتعاون مع جامعة غازي عينتاب اللتين أشرفتا على اختبار “اليوز” في الرابع من أيار الماضي، وبناء على هذه الوعود تقدم سبعمائة وخمسة طلاب إلى الامتحان الذي حددت تكلفته بخمسين ليرة تركية.

مع انتهاء الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية والتي تمت بإشراف مديرية التربية التركية حصل ما يزيد عن مئة طالب على مقاعد في جامعة غازي عينتاب عن طريق التسجيل الالكتروني في مفاضلات الأجانب، وحجزوا مقاعدهم بانتظار تثبيت تسجيلهم بشكل نهائي، ليتفاجأ الطلبة بشرط التسجيل الشخصي، والذي حال دون حدوثه منع الحكومة التركية لأولئك الطلبة بالدخول لإتمامه، أو الوكالة مع رفض الجامعة للوكالات الصادرة عن المجالس المحلية في الشمال السوري!

يقول أحمد لصالح (أحد الطلاب الحاصلين على مقعد في الجامعة) إن كل الوعود والتسهيلات التي قُدمت للطلبة كانت حبراً على ورق، إذ لم يتم السماح لهم بالدخول رغم تقديم الأوراق اللازمة حتى الآن، كما رفضت الوكالة لعدم “وجود جهة تصدر توكيلاً رسمياً معترفاً فيه داخل تركيا”، يضاف إلى ذلك تأخر الحصول على “الدينكليك” وتعني “أوراق المعادلة التركية للشهادة الثانوية السورية الصادرة عن مديريات التربية في المناطق التي تشرف عليها وزارة التربية التركية” وانتهاء مدة التسجيل في الجامعة، وهو ما أدى إلى ضياع حلم الطلبة بإكمال تحصيلهم العلمي.

يتساءل الطلبة عن مصيرهم، ويطالبون مديرية التربية بإيجاد حلول تنصفهم، فهل عليهم الذهاب إلى مناطق نظام الأسد للحصول على وكالة رسمية، خاصة وأن الجامعات التابعة للائتلاف الوطني لا تعترف بالشهادات الصادرة عن مديريات التربية غير التابعة لها، أم أنهم سيكتفون بالحصول على الشهادة الثانوية كشهادة أخيرة سيتوقف بعدها تحصيلهم العلمي ومستقبلهم؟

يقول الطلبة إن الأسئلة التي طرحت على المكاتب التعليمية في عفرين لم تلق إجابات واضحة، وإن هذه المكاتب قامت بمراسلة الجامعة دون أن تتلقى رداً حتى اللحظة، كذلك نقلت مشاكل الطلبة إلى المنسق التركي في مكتب التعليم الذي وعد بإيصال الأمر إلى الوالي، دون أن تصدر أي تعليمات واضحة بهذا الخصوص.

لا يملك الطلبة ومن خلفهم مكاتب التعليم سوى الانتظار الذي لم يعد يجدي نفعاً بعد انتهاء مدة التسجيل، ليعبروا عن قلقهم تجاه ضياع عام دراسي عليهم، هذا إن استطاعوا تحصيل مقعد دراسي في العام القادم، أو سمح لهم الوالي بالدخول، بحسب الصالح الذي قال إن الحل الوحيد في تمديد فترة التسجيل والسماح للطلبة بالدخول، أو أن يتم الأمر عن طريق مكاتب التعليم.

لم يقتصر الأمر على طلبة الداخل السوري، بل شمل أيضاً المقيمين في تركيا والذين دخلوا إلى سوريا خلال الإجازة التي تمنحها الحكومية التركية خلال فترة الأعياد، يقول محمد المحمد والذي دخل لزيارة سوريا منذ عيد الفطر الماضي، إن موعد السماح له بالعودة حُدد في أيلول القادم، ومع صدور نتائج الفاضلة وحصوله على مقعد في الجامعة راجع معبر باب السلامة لمرات عديدة، والذي رفض بدوره السماح له بالدخول قبل الموعد المحدد في الوثيقة التي يحملها.

أضاف محمد بأنه لجأ إلى توكيل أحد أفراد أسرته لإكمال تثبيت التسجيل في الجامعة إلّا أنه التوكيل قوبل بالرفض، بحجة “عدم قبول الوكالات الصادرة من الشمال السوري”، وينتظر محمد كغيره من الطلبة مقابلة مسؤول التعليم العالي التركي (فرهاد خورتو) لشرح مشكلته، بحسب توجيهات من مكتب التربية والتعليم في المجلس المحلي بعفرين عند مراجعته، والذي أوضح أن الأمر متعلق بـ “خورتو” الذي نادراً ما يتواجد في الداخل السوري!

في انتظار “خورتو” تضيع فرصة يصفها محمد بأنها “لن تتكرر” بإكمال دراسته الجامعية، متسائلاً كغيره من الطلبة عن عدم وجود “مكتب تنسيق للتعليم الجامعي” يدير شؤون الطلبة الحاصلين على رسائل قبول من الجامعات التركية في الشمال السوري، وحصر الأمر بشخص “المشرف التركي” الذي نادراً ما يأتي، دون جهة رسمية للتواصل معها.

يزداد الأمر صعوبة لدى الطلاب غير الحاصلين على شهادة اليوز، والذين قُبلوا في جامعات لا تشترط الحصول عليه للتسجيل، يقول محمد أمين الحاصل على الثانوية العامة في العام 2015، إنّ ردّ المكتب التعليمي في عفرين على طلبه للسماح له بالدخول إلى تركيا لمتابعة دراسته في جامعة “بينغول” التي قبل في صفوفها لدراسة التاريخ كان واضحاً، فـ “الدخول فقط محصور بعدد معين من الجامعات، وبينغول ليست واحدة منها”، وبذلك يكون قد خسر دراسته والمبالغ التي دفعها للتسجيل.

توصد الأبواب في وجوه جميع الطلبة، سواء الحاصلين على اليوز أو غير الحاصلين عليه، ليبقى الأمر معللاً بالانتظار الذي لم يحدد بمدة، في ظل غياب أي جهة رسمية لمتابعة شؤونهم بالرغم من وجودها، ما دام كل شيء منوطاً بـ “مزاج شخصي” يحكمه والي المعبر و “خورتو”.

فداء الصالح 

تين بلا “توب”.. خسارة أخرى لمزارعي إدلب

حسن كنهر الحسين

“أكثر من 70% من ثمار “التوب” تصل من الريف الشمالي لمحافظة إدلب، وقد تعذر وصولها هذا العام نتيجة خوف البائعين من الدخول إلى المنطقة، كذلك لخلو معظم هذه القرى من سكانها” بحسب محمود “تاجر توب” والذي قال إن الريف الشمالي من إدلب شهد فائضاً كبيراً من ثمار التوب، نتيجة قلة الطلب عليه واستحالة إيصاله إلى الريف الجنوبي (المستهلك الأكبر)، مستدلاً على ذلك بانخفاض أسعاره في العام الحالي. ويشرح محمود بأن ثمن مئة حبة من “التوب” كانت تباع بما يقارب ألف ليرة في العام الماضي، ومع الكساد الحالي لا يتجاوز السعر مئة وخمسون ليرة.
يرى “الخلف” إن هذه العملية ضرورية لتنشيط نمو ونضج الثمار وبدونها تضمر الثمرة وتسقط قبل وصولها إلى مرحلة اكتمال النمو ما سيؤدي إلى انخفاض كبير في الإنتاج، كذلك حجم الثمرة وجودتها.

يستقبل مزارعو إدلب موسم التين هذا العام (ثاني أبرز محاصيل المحافظة بعد الزيتون) بكثير من التخوّف، بعد توقعات بتراجع الإنتاج السنوي وانخفاض في الأسعار وصعوبة الوصول إلى الأراضي للقطاف والتسويق.

بدأت علامات نضج ثمار التين تلوح على الأشجار في قرى وبلدات إدلب (تحتل المركز الأول بإنتاجه في سوريا، إذ تقدم ما يقارب نصف الإنتاج السوري الذي يحتل المرتبة الثالثة عالمياً بتصدير التين بعد تركيا وإيران)، والتي تشكل مصدر دخل للكثير من العائلات، إذ تقدر آخر الإحصائيات لوزارة الزراعة في المحافظة عام 2011عدد أشجار التين بما يزيد عن 880 ألف شجرة تتوضع على مساحة قدرها 3880 هكتاراً بمتوسط إنتاج يقارب 25 ألف طن سنوياً، ويتركز القسم الأكبر منها في مدينة معرة النعمان وكفرنبل وكنصفرة وجسر الشغور وقرى وبلدات جبل الزاوية والأراضي المحيطة بإدلب المدينة.

وشهدت السنوات الأخيرة اهتماماً كبيراً من قبل المزارعين بأشجار التين، وذلك لأسباب كثيرة يلخصها المهندس الزراعي محمد الخلف بوصفها شجرة معمرة (تعيش بين 70 إلى 100 سنة) وقلة الأكلاف المادية التي تحتاجها، وإمكانية زراعتها في كافة البيئات تقريباً، خاصة مع تراجع الهطولات المطرية، وقدرتها على التأقلم والعيش في بيئة قاسية لا تستطيع كثير من الأشجار المثمرة العيش فيها، وبأنها لا تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء والأسمدة ومقاومتها للآفات والأمراض، كما أن إمكانية “تجفيف التين” تمنحه ميزة أخرى، إذ لا تحتاج ثماره للتسويق المباشر ويمكن الاحتفاظ به لمدة طويلة، ناهيك عن ارتفاع أسعاره باعتباره سلعة مرغوبة للتصدير إلى كافة الدول العربية والأوروبية.

توقعات بتراجع الإنتاج هذا العام

يقول عدد من المزارعين الذين التقيناهم من أصحاب حقول التين إن إنتاج هذا العام سيشهد تراجعاً كبيراً في إدلب، وهو ما أكده المهندس الخلف، ويعزو المزارعين ذلك لأسباب تتعلق بالحملة العسكرية الأخيرة لقوات الأسد وروسيا على قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي بشكل خاص، والتي امتدت لتشمل معظم المناطق في المحافظة منذ نيسان الماضي، ما أثر على المواسم الزراعية في هذه المناطق التي تعتبر الزراعة فيها مصدر الدخل الرئيسي للسكان.

بقايا صواريخ متفجرة داخل حقل تين في كفرنيل بريف إدلب الجنوبي
بقايا صواريخ متفجرة داخل حقل تين في كفرنيل بريف إدلب الجنوبي

يقول الحاج عبد الكريم التعتاع (مزارع من ريف إدلب الجنوبي) إن المفاضلة خاسرة بين قطاف موسم التين وحياة أبنائه وأحفاده، ومع أن مصدر دخله الوحيد هو بيع ثمار التين بنوعيه (الطازج والمجفف)، إلّا أنه يرفض الذهاب إلى حقوله والمجازفة، آملاً بتحسن الأوضاع الأمنية خلال الفترة الحالية.

محمد السويد (صاحب أحد كروم التين في ريف إدلب) قال إنه اعتاد رعاية حقله باستمرار، إلّا أن القصف منعه من ذلك لفترة طويلة، وعند وصوله تفاجأ بقسم كبير من الأشجار قد قطعت بفعل الشظايا الصاروخية، واحتراق قسم آخر منها.

شظايا صواريخ تقطع أشجار التين في حقول ريف إدلب
شظايا صواريخ تقطع أشجار التين في حقول ريف إدلب

وكانت الأراضي الزراعية في المنطقة قد استهدفت من قبل قوات الأسد، ما اعتبرته تقارير صحفية ومنظمات إنسانية حملة ممنهجة لإحكام الحصار على المنطقة وإجبار أهلها على النزوح أو المصالحة، وحرمانهم من مصدر الدخل الأساسي الذي يعتمدون عليه.

يقول “الخلف” إن المعارك حالت من قدرة المزارعين على رعاية حقولهم، ما أدى إلى موت الأشجار الصغيرة التي تحتاج للسقاية، كذلك يتخوف الأهالي من القنابل العنقودية التي ألقيت على المنطقة ولم تنفجر، والتي وصفها أحمد الحمود (أحد المزارعين الذين رفضوا الذهاب إلى حقلهم طيلة الفترة الماضية) بـ “الألغام الموقوتة تحت الأشجار”.

ويتوقع الحاج فاتح الموسى (أحد التجار المحليين) أن تتراجع عملية شراء التين بنسبة تتجاوز الـ 60%، بالمقارنة مع الأعوام السابقة بسبب ترك الأهالي لأرزاقهم ونزوحهم الى أماكن أكثر أمناً.

تين بلا توب

نزوح الأهالي من قراهم خلال الفترة الأخيرة (أكثر من 600 ألف شخص نزحوا خلال الحملة الأخيرة إلى الشمال السوري بحسب منسقو الاستجابة)، وصعوبة التنقل حالت دون إتمام عملية إلقاح التين والتي يطلق عليها أهالي المنطقة “التتويب”، وتتم مع بدء ظهور ثمار التين “الطقيش”، وتلعب الدور الأبرز في تحديد كمية الإنتاج وضمان محصول وفير.

وتتم عملية “التتويب” عن طريق حشرة محملة بغبار الطلع موجودة داخل ثمار “التوب” الخضراء والمشابهة تماماً لثمار التين، حيث تنضج قبل نضوج الأخير بحوالي 40 يوماً في أشجار التين اللقح، ويتم قطفها في الصباح الباكر ووضعها في قلائد يتراوح عددها بين 10إلى20 حبة في القلادة الواحدة، ومن ثم توضع على أغصان شجر التين لإكمال عملية الإلقاح بواسطة حشرة البلاستوفاجا (وهي حشرة طفيلية مسؤولة عن تلقيح ثمار التين. حيث تبيض داخل الأزهار الأنثى لثمار التين البري، أو “الذكار”)، التي تخرج من فوهة الحبة وتذهب لتلقيح ثمرة التين الصغيرة، حيث يضمن المزارع بتلك العملية بقاء ثمار التين على أغصانها حتى نضوجها والحفاظ عليها من التلف والسقوط قبل أوانها.

“أكثر من 70% من ثمار “التوب” تصل من الريف الشمالي لمحافظة إدلب، وقد تعذر وصولها هذا العام نتيجة خوف البائعين من الدخول إلى المنطقة، كذلك لخلو معظم هذه القرى من سكانها” بحسب محمود “تاجر توب” والذي قال إن الريف الشمالي من إدلب شهد فائضاً كبيراً من ثمار التوب، نتيجة قلة الطلب عليه واستحالة إيصاله إلى الريف الجنوبي (المستهلك الأكبر)، مستدلاً على ذلك بانخفاض أسعاره في العام الحالي. ويشرح محمود بأن ثمن مئة حبة من “التوب” كانت تباع بما يقارب ألف ليرة في العام الماضي، ومع الكساد الحالي لا يتجاوز السعر مئة وخمسون ليرة.

يرى “الخلف” إن هذه العملية ضرورية لتنشيط نمو ونضج الثمار وبدونها تضمر الثمرة وتسقط قبل وصولها إلى مرحلة اكتمال النمو ما سيؤدي إلى انخفاض كبير في الإنتاج، كذلك حجم الثمرة وجودتها.

أسعار منخفضة

“لم يرتبط سعر التين بوفرته أو قلته هذا العام” يقول الخلف، والذي رأى أن أسباباً أخرى من شأنها رفع الأسعار لتعويض بعض الخسارة على المزارعين، أهمها فتح باب التصدير، وفتح المعابر لتسويقه سواء في المدن السورية الخاضعة لقوات الأسد، أو إلى تركيا ومنها إلى دول الخليج، وهو ما أكده الموسى الذي قال “إن أسعار التين في الأسواق ترتبط بالاستغلال وكذلك المضاربة بين التجار، كما تتغير الأسعار تبعاً لتغير صرف الدولار بالإضافة لفتح مجال التصدير”.

ويتراوح سعر التين في أسواق إدلب بين (500-700) ليرة، وهو سعر يصفه المزارعون بـ “الرديء” إذا ما قورن بالأسعار في الأعوام السابقة والتي وصل فيها سعر الكيلو غرام إلى (1500 ليرة).

يوجد 48 نوعاً للتين في إدلب أهمها “الكرسعاوي والشتوي والسوادي والعنزوكي..” وغيرها من الأسماء وجميعها مخصصة للأكل الطازج، كما يوجد الصفراوي والبياضي المخصص للتجفيف والتصدير للخارج.

أيادٍ صغيرة في سوق العمل السوري

محمد أبو سيف

تترك عمالة الأطفال بمفهومها السلبي أثرها في الحياة الاجتماعية لأعداد كبيرة من العائلات السورية التي أجبرت بفعل الحرب على النزوح إلى مناطق أكثر أمناً في المناطق الشمالية من سوريا أو […]

تترك عمالة الأطفال بمفهومها السلبي أثرها في الحياة الاجتماعية لأعداد كبيرة من العائلات السورية التي أجبرت بفعل الحرب على النزوح إلى مناطق أكثر أمناً في المناطق الشمالية من سوريا أو إلى المدن الرئيسية للبحث عن لقمة العيش كخيار لا بدّ منه، وساهمت الظروف الاقتصادية السيئة التي رافقت سنوات الحرب وكذلك فقدان كثير من الأطفال لآبائهم نتيجة الموت أو الاعتقال أو الهجرة وارتفاع معدّلات الطلاق في تعزيز هذه الظاهرة، وحرمان الأطفال من بيئة مستقرة للتعلم والتفكير بمستقبلهم ليتحولوا إلى سوق العمل وسط استغلال من أصحاب الورش والمعامل لهم باعتبارهم بديلاً رخيصاً عن العمال البالغين، وليمتهن قسم ليس بقليل منهم أعمالاً تهدّد سلامتهم وصحتهم العضوية والنفسية.

تلقي الحرب بثقلها على الأطفال في هذه المنطقة الذين سرقت طفولتهم في غياب الرقابة والحماية، كيفما اتجهت في شوارع المدن والبلدات بالشمال السوري تجد ضحايا منهم يتشاركون في مختلف الأعمال وبشتى المجالات، صبية في محال تجارية يمتهنون التنظيف وحمل طرود المواد الثقيلة، باعة جوالون في الشوارع يحملون ما يبيعونه على أكتافهم الصغيرة بوجوه يعلوها الإرهاق والتعب وانعدام الصحة والنظافة، ماسحو أحذية يتوزعون على الأرصفة وفي مختلف الظروف المناخية، “حويصون” في المطاعم وورش الأحذية والخياطة، وعمّال صغار في مهن تتطلب جهداً ومشقة كبيرين، لا تتناسب مع أعمارهم وأيديهم الصغيرة، في ورش الحدادة ومعامل المنطقة الصناعية وورش تصليح السيارات، يضاف إلى ذلك ما تسمعه حين دخولك على أي من هذه المحلات من امتهان لفظي وأحياناً جسدي لهؤلاء الأطفال من قبل أرباب عملهم.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

بين أكوام من الحديد المتناثرة هنا وهناك، يخرج الطفل مروان (14 سنة) وهو يحمل قضيباً حديدياً يصعب على الكبار حمله، يقول إنه يعمل في ورشة الحدادة الإفرنجية منذ ثلاثة أعوام، وتبقى له سنة واحدة كي يختم المصلحة، بحسب تقديرات صاحب الورشة.

والحدادة الإفرنجية واحدة من المهن العضلية التي تمتاز بصعوبتها لاعتمادها على الجهد العضلي والقوة، كذلك الخطرة لاعتمادها على المعدات الكهربائية لقص وتليين الحديد وتحويره.

يشرح مروان قصة التحاقه بالعمل في هذه المهنة الخطرة يقول إنه هُجّر من مدينة حلب نهاية العام 2016، كان في العاشرة من عمره آنذاك، في الصف الرابع الابتدائي حين قُصفت مدرسته، وبمجرد وصوله إلى مدينة سرمدا (شمال إدلب) كان عليه ترك المدرسة والاتجاه للعمل لمساعدة والده (فصله نظام الأسد من عمله كموظف حكومي) على تحمل مصاريف الحياة وأعبائها المتزايدة في كل يوم.

“عملت ببيع الخبز في البداية”، يقول مروان، إضافة لأعمال أخرى وصفها بـ “البسيطة” قبل أن يختار له والده مهنة “الحدادة” التي تعتبر بوجهة نظر الأب “صنعة تؤمن حياته وتقيه الفقر والعوز”، بعد أن فُقد الأمل بإكمال تحصيله العلمي الذي كان هاجسه الدائم. يحب مروان المدرسة على حدّ قوله، ومنظر الطلبة الذاهبين إلى مدارسهم يشعره بالغيرة والحزن لما آلت إليه حياته بين الحديد والمطارق الثقيلة.

ليس ببعيد عن ورشة الحدادة في مدينة سرمدا، وعلى الشارع الرئيسي يتجمع عدد من الأطفال على نافذة واحدة من السيارات، يحملون “مماسح من الجلد والأقمشة” ودلاء من الماء لتنظيف زجاج السيارات، غير آبهين بما قد يصيبهم من مخاطر بسبب السيارات المسرعة، أو تعرضهم للإهانة من قبل السائقين الذين غالباً ما يمتعضون من هذه الظاهرة، بحسب الأطفال فإن تأمين القوت اليومي لهم ولعائلاتهم هو الأساس، غير ذلك هي تفاصيل غير مهمة، ويغيب عنهم أي ذكر “للمستقبل أو الدراسة أو الصحة”، أطفال بأعمار صغيرة، بعضهم لا يعرف (حقيقة عمره)، وتوحي وجوههم وقاماتهم القصيرة بأنهم لا يتجاوزون العاشرة، دون أي رعاية أو محاسبة من قبل الجهات المسؤولة.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

تنظر أم ياسر وهي أمٌّ لخمسة أطفال أكبرهم في الثالثة عشر من عمره بعين الحسرة والحزن إلى أطفالها وهي تعدّ لهم الفطور وتهيئهم للخروج إلى العمل، كل منهم بحسب المهنة التي اختارها له والده، بحسب تعبيرها.

لا تبدو أم ياسر سعيدة بخيار زوجها، تقول إنها حاولت مراراً ثنيه عن قراره بإخراج أطفالهم من المدرسة وتوزيعهم في سوق العمل، وما سيؤدي ذلك من تبعات على نفسيتهم ومستقبلهم، إلّا أن محاولاتها باءت بالفشل، كان زوجها يختصر تبريره بمقولة “عيشني اليوم وموتني بكرا” التي اعتبرها قانوناً ينظم حياتهم الحالية.

“ياسر” ذو الثلاثة عشر عاماً يعمل في ورشة للألمنيوم، أما يزن (12 عاماً) فيعمل في مشغل للخياطة، في حين اختار لسامر (10 أعوام) عملا يناسب عمره (على حد قوله) وهو بائع وقود على الطريق!

يرى سامر في نفسه رجلاً كبيراً يستطيع أن يكون عوناً لوالده في تأمين مصروف المنزل مع أخويه، إذ يقول مبرراً عدم إكمال دراسته “جعلني والدي أترك المدرسة، لأنه لا يستطيع تأمين مصاريفي أنا وإخوتي، ودفع بي إلى هذا العمل، كي أساعده بالمصاريف، ولأتعلم من عملي هذا الحساب من خلال تعاملي مع الزبائن”.

بعض الأهالي حاولوا التوفيق بين تحصيل أطفالهم الدراسي وبين العمل الذي بات ضرورة لاستمرار الحياة، تقول أم علي إنها اضطرت إشراك أطفالها (تتراوح أعمارهم بين 11-17 عاماً) بالعمل معها في قطاف المحاصيل الزراعية الموسمية بعد وفاة زوجها وتركها دون معيل، إلّا أنها حافظت على وجودهم في مدارسهم أيضاً، فلا تصطحبهم معها إلّا خلال العطلة الصيفية أو عطلة نهاية الأسبوع.

يحظر القانون الدولي عمالة الأطفال، ويفرَّق بين كل من التشغيل الطوعي والجبري معتبراً أن النوعين يجب منعهما، في حال لم يتجاوز الطفل السن القانوني والذي يسمح له بالعمل، يقول المحامي والناشط الحقوقي عبد الناصر العمر حوشان الذي شرح لـ فوكس حلب حكم القانون الدولي حول مسألة حظر تشغيل الأطفال في العمل الجبريّ، أي تشغيل و توظيف الأطفال إكراهاً و إجباراً، أو فيما يُعرَف دوليّاً بالاستعباد و الاتِّجار بالبشر، و العمل لسداد الدين، أو استخدامهم في الأنشطة غير المشروعة مثل المشاركة في النزاعات المُسلَّحة و الأعمال الإباحيّة، أيضا تشغيل الأطفال دون الحَدّ الأدنى للسن، و هو العمل الذي يُمارسه الطفل و الذي يكون من شأنه إعاقة تعليمه و نُموّه التامّ، حيث أنّه لم يصل السنّ المُحدَّد للعمل، و الذي حَدَّده التشريع الوطنيّ وِفقاً للمعايير الدوليّة المُعترَف بها، و العمل الذي يُهدِّد صحّة الطفل (العمل الخَطِر)، و هو عمل الأطفال، في مجالٍ من شأنه الإضرار بصحّتهم النفسيّة أو الجسديّة أو الفكريّة، سواء كان السبب في هذا الضرر طبيعة العمل أو الظروف التي يتمّ فيها.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

يرى “الحوشان” أن حل مشكلة عمالة الأطفال يحتاج إلى خطة شاملة تقوم على جمع البيانات والإحصائيات، وتحديد أنواع العمل ورقعة انتشار هذه الظاهرة، لتقدير كلفة حلها، وهذا يتطلب ميزانية، تفوق ميزانية المنظمات، أو المؤسسات الحقوقية، معتبراً أن أفضل وأقدر منظمة للقيام بهذا العمل، هي منظمة “اليونيسيف”، التي يمكنها معالجة هذه الظاهرة الخطيرة التي تترك آثاراً وانعكاسات سلبية على الأطفال، إذ يتطبع أغلب الأطفال، الذين يتم تشغيلهم في سن الطفولة، على الفوضى في الأسرة و المجتمع، نتيجة الإهمال من الأهل، أو من أرباب العمل، ما يؤدي إلى جعلهم عرضة للابتزاز المادي و الجنسي و الاستغلال بكافة أنواعه، و يحرم الأطفال من حقوقهم الطبيعية في التعليم و الحماية من المخاطر الجسدية و المعنوية.

ولا يقتصر انتشار ظاهرة عمالة الأطفال على الشمال السوري المحرر فحسب، إنما هي ظاهرة متفاقمة في العالم، وزادت نسبتها في عموم سوريا نظراً لظروف الحرب والفقر، إذ قدّر تقرير صادر عن اليونيسيف في اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال (12 حزيران الماضي) عدد ضحايا عمالة الأطفال في العالم بـ 152 مليون طفل ما يقارب من نصفهم تتراوح أعمارهم بين 5-11 سنة، 42 مليون (28 ٪) أعمارهم ما بين 12-14 سنة؛ و37 مليونًا (24٪) أعمارهم بين 15 و17 عامًا.

عرائش العنب وحقول التين وحيدة دون أصحابها

ودوالي العنب غصة النازحين يتذكرونها كأطفالهم، يقول أحمد السلوم إنه تخلى عن أكل العنب بعد خروجه من قريته، يشعر بغصة في روحه “فلا ظل غير ظل عرائشه، ولا عنب كعنبها”، خاصة بما تحمله من حكايات وقصص لـ “لمات الأحبة وسهرات الأهل والأقارب”.
وللدوالي أيضاً ذاكرة توثيقية بعد أن نالت حظها من الدمار والقصف، وهي شاهدة على دمار المنازل التي اعتلتها يوماً وتسلقت جدرانها، وموت سكانها الذين احتضنت لعب أطفالهم ومرحهم، وسهرات ورق الشدة وطاولة الزهر والداما والضحك وقصص كبار السن والعتابا

عند صورة “العريشة المقطوعة” تسمّرت يد سلمى البرهوم وهي تقلب ما وصل إليها من صور الدمار التي طالت منزلها بريف إدلب، حدّقت في الأغصان والأوراق المتناثرة والتي كانت يوماً “روح البيت” تقول “إن دمار المنزل كله بكفة، وتلك العريشة بكفة أخرى”، لترفع يديها إلى السماء وتدعو بـ “حريق قلب” من أحرق قلبها.

لا يكاد يخلو منزل في أرياف إدلب من عرائش العنب، تخيم بظلالها على ساحة الدار (مكان السهر)، وتتسلق مداخل البيوت والأسقف وشرفات المنازل، وتشكل أوراقها سقفاً نباتياً لشرفات المنازل، ومؤونة للبيوت تستخدم لأطباق “اليبرق والتبلة واليالانجي”، إضافة لثمارها الشهية والتي غالباً ما شكلت برفقة خبز التنور فطور الصباح وضيافات المساء.

وتدخل العرائش في أرياف إدلب ضمن المخطط الهندسي لعمارة أي منزل، إذ تُنصب الأعمدة الحديدية وتسقف بالشبك لضمان امتداد فروع الدالية، وأحياناً يضم البيت أكثر من دالية واحدة، يقول ميلاد كرم (من ريف إدلب) إن لفنجان قهوة الصباح تحت العريشة مزاج خاص، يشعرك بالراحة والطمأنينة، أما في ساعات العصر فيكتمل الطقس برش الماء على العريشة لترطيب الهواء الذي يمر عبر أوراقها، والذي ينعش سهراتك تحتها.

ودوالي العنب غصة النازحين يتذكرونها كأطفالهم، يقول أحمد السلوم إنه تخلى عن أكل العنب بعد خروجه من قريته، يشعر بغصة في روحه “فلا ظل غير ظل عرائشه، ولا عنب كعنبها”، خاصة بما تحمله من حكايات وقصص لـ “لمات الأحبة وسهرات الأهل والأقارب”.

وللدوالي أيضاً ذاكرة توثيقية بعد أن نالت حظها من الدمار والقصف، وهي شاهدة على دمار المنازل التي اعتلتها يوماً وتسلقت جدرانها، وموت سكانها الذين احتضنت لعب أطفالهم ومرحهم، وسهرات ورق الشدة وطاولة الزهر والداما والضحك وقصص كبار السن والعتابا.

تقول فطيم المحمود التي خسرت زوجها بالقصف، وتركت بيتها وعرائشها للقصف “لم يعد هناك قيمة للبيت بعد موت صاحبه، ضاعت كل الذاكرة الجميلة، فالبيت بسكانه”، إلّا أنها دائماً ما تتذكر حياتها برفقة زوجها تحت ظلال الدالية.

للتين قصة أخرى

كما العنب رفيق خبز التنور في صباحات أهالي محافظة إدلب يعتبر الدين مكوناً لا يغيب عن موائدهم الصباحية طيلة موسم قطافه الذي يبدأ في منتصف شهر حزيران، وانتعشت زراعة التين في السنوات الأخيرة لقدرتها على تحمل الظروف المناخية وقسوتها، وهو ما جعل أشجاره تحتل تخوم الأراضي الزراعية وتنتشر في المناطق الجبلية إضافة لوجودها الكثيف داخل حقول خاصة بها أو بمشاركة أشجار الزيتون.

ولقطاف التين طقوس اعتادها أبناء جبل الزاوية وريف إدلب الجنوبي، أهما “هدايا التين” ويتم فيها تبادل أطباق من أنواع التين المختلفة بين المنازل التي تصلها حصتها الصباحية طازجة يومياً، خاصة لمن ليس لديه أرض. كذلك “مشوار القطاف” والمقسم إلى قسمين، المسائي وهو أشبه بمشوار يبدأ بعد العصر حتى قبيل وقت الغروب تشترك به العائلات والأصدقاء لقطاف ثمار التين والتلذذ بأكلها من على أشجارها مباشرة، أما الصباحي ففيه تجمع الثمار الناضجة من الشجر للبيع في الأسواق.

تغيب هذه الطقوس لهذا العام في معظم المناطق بسبب القصف ونزوح الأهالي يقول فايز العابديني “لا يهدأ الطيران في جنوب إدلب، ما أدى إلى حرمان المزارعين من موسم التين، كذلك من مشوار القطاف، وهو ما سيؤدي إلى يباس الثمر على أغصانه، إن استمر الوضع الراهن”.

وللتين في إدلب أنواع كثيرة أهمها الأصفر والأسود، والخضراوي، والأحمر، وتقدّر أعداده بـ 850 ألف شجرة تتوزع على مساحة تبلغ 3733 هكتاراً، بإنتاج وسطي حوالي 25 ألف طناً، بحسب إحصائية مديرية الزراعة في إدلب، ويشكل بنوعيه الطازج والمجفف مصدر رزق لعدد كبير من أهالي المنطقة.

في قرية قاح مسكن زهير الحسين الجديد بعد نزوحه يتحسر الرجل على “الشوبات = الحرارة المرتفعة” تحت أشجار حقله، يقول إن “صحناً من العنب والتين في مساء هادئ تساوي عنده أعظم أمنياته”.

أسامة الشامي