فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“الخوف في منتصف حقل واسع”.. الخيال ينتصر على الجميع

عمر هشام

شدتني “الخوف في منتصف حقل واسع” منذ القصة الأولى، أدهشتني ذاتية الكاتب الطاغية على مسار القصة، قلت يكتب مصطفى تاج الدين من أجل نفسه أولاً، من أجل أن يتحرر من مشاعره اليومية التي تتنقل بين الخيبات العاطفية والهزائم السياسية والانتقال بين المدن. لا يهتم كثيراً بجرح مشاعر القارئ أو تغذية كآبته وكأنه يقول لنا “إذا كنت من هواة النوع تفضل وإلا فهذه الكتابة لي”.
بعد أن تندمج مع أسلوب الكاتب وتستمر بالقراءة يكافئك مباشرة بأن يقربك منه أكثر. يُعرفك على بعض أسماء حبيباته السابقات، أو يذكر لك ماذا يفعل مع أصدقائه المقربين في المقهى أو السكن. تشعر بالقرب أكثر عندما يفصح لك عن تصرفه عندما يقع في حب امرأة يراها في الشارع أو القطار. يعطيك مقابلاً سريعاً لقدرتك على التحمل فتُخلق الصداقة قبل أن تنتصف المجموعة

إنّ من أجمل التجارب التي تقدمها لك القراءة، هي القراءة لكاتب ما للمرة الأولى. تشكلت علاقات صداقة بيني وبين الكثير من الكتّاب على مدار سنوات، كانت قراءتي الأولى لهم هي مفتاح علاقتنا، حتى وإن كان صاحب النص ميتاً منذ ما يقرب من خمسين عاماً في بعض الحالات. لديّ قائمة معقولة من الأصدقاء-الكتّاب تعمقت صداقتنا بعدد أعمالهم، بعضهم صاروا أصدقاء مقربين نلتقي أكثر من مرة في الشهر، وبالطبع كان هناك ضحايا انقطعت علاقتي بهم قبل أن تبدأ.
اليوم، أقرأ “مصطفى تاج الدين الموسى” لأول مرة، وقد أصبح صديقاً مقرباً منذ الأسطر الأولى.
أكتب لنفسي أولاً.. ثم يأتي القراء إذا شاءوا.

شدتني “الخوف في منتصف حقل واسع” منذ القصة الأولى، أدهشتني ذاتية الكاتب الطاغية على مسار القصة، قلت يكتب مصطفى تاج الدين من أجل نفسه أولاً، من أجل أن يتحرر من مشاعره اليومية التي تتنقل بين الخيبات العاطفية والهزائم السياسية والانتقال بين المدن. لا يهتم كثيراً بجرح مشاعر القارئ أو تغذية كآبته وكأنه يقول لنا “إذا كنت من هواة النوع تفضل وإلا فهذه الكتابة لي”.
بعد أن تندمج مع أسلوب الكاتب وتستمر بالقراءة يكافئك مباشرة بأن يقربك منه أكثر. يُعرفك على بعض أسماء حبيباته السابقات، أو يذكر لك ماذا يفعل مع أصدقائه المقربين في المقهى أو السكن. تشعر بالقرب أكثر عندما يفصح لك عن تصرفه عندما يقع في حب امرأة يراها في الشارع أو القطار. يعطيك مقابلاً سريعاً لقدرتك على التحمل فتُخلق الصداقة قبل أن تنتصف المجموعة.

الخيال بطلي الوحيد!
يحضر الخيال في كل القصص تقريباً كبطل أوحد يتحكم في مصائر الشخصيات ويلعب بها كطفل متهور. يسلب منها الحياة بأن يقتل الأصدقاء بتحوليهم إلى سجائر يدخنها بدم بارد، أو يقع في حب الجمادات فيرغب بالزواج من المدخنة التي تشعره بالدفء في الشتاء، أو تنقذه الفتاة المرسومة في لوحة من وحدته وتشاركه الفراش أو تنقلب الأفعى المرسومة لتقتله.
الاستخدام الأقصى للخيال عبّر عن مشاعر متضاربة داخل القصص. الوحدة والخوف وعشوائية العنف وكثافته تحضر في مشاهد متكررة ساعد الخيال في التأكيد عليها دون الشعور بالملل، وساهم في بعض الحالات بتخفيف وطأة هذه المشاعر لتشعر بأنك تشاهد فيلماً من الرسوم المتحركة يصبح فيه النهر إنساناً يقع في الحب ويتحول البطل إلى ذبابة ويحكي العصفور عن كرهه لجاره.
استمتعت بقراءة الكثير من القصص أكثر من مرة. مرة أولى أتلقى فيها صدمة الحبكة السريعة المكثفة ومرة ثانية كي أُخدع مرة أخرى وأتخيل نفسي مكان البطل فأجد نفسي أقرأ قصة “لقاءات عاطفية سرية” لأربع مرات متسائلاً عن طبيعة الحب بين الرجل والمدخنة، هل من الممكن أن تجعلني المدخنة سعيداً؟ هل تقع في حب رجال آخرين وتتركني؟
الآن أفكر في تحسين علاقتي بالجمادات التي أعيش معها، يعيش معي خيال الكاتب لأيام بعد القراءة فأخاف أن تخرج الرسومات من اللوحة في غرفة المعيشة وتأكلني إذا غضبت مني، وأصبحت متحفظاً مع وسادتي كي لا تفاجئني بإعلان حبها لي ونبدأ علاقة قد تنتهي بالفشل!

السياسة تتغذى على الرصاص وصور السيد الرئيس

تحضر السياسة في الكثير من القصص بأشكال مختلفة. لكن أبرز سماتها يكون في إيقاع الكتابة نفسه، السريع والمكثف، الذي أشعرني بأن الكاتب يعيش في مناخ حرب ويتأثر به بشكل مباشر. الكثير من الأبطال يُقتلوا إما برصاص قناص أو على حاجز عسكري كعقاب على فقدان بطاقة الهوية.
القصص لا تُغيب وحشية الحرب، كان ذلك من أذكى تعاملات الكاتب مع واقعه. تأتي القصص بالحرب.. تستدعيها وتحاول التعامل معها بطرق مختلفة أهمها الإنكار أو الهرب وصولاً للتواجد في الحياة بعد القتل على هيئة مخلوق جديد. لا يستهلك الكاتب نفسه في تغييب الحرب فيجعلها ذات حضور أساسي وحقيقي، لأن الحرب حقيقية ببساطة!

أكثر ما أحببته كان قصة بعنوان “تحت صورة السيّد الرئيس” قرأتها مرات عديدة، سخرت فيها مع الكاتب من الأسد الأب والابن، فصورة السيد الرئيس تفسد كل شيء حتى وتعكر كل الأمزجة، فعندما ينظر إليها المراهق يفشل في الوصول للانتشاء حتماً!

الخيال عند “تاج الدين الموسى” لا يفصلنا عن الواقع، هو يعيد إنتاجه بصورة فنتازية لتحمله ومحاولة التعايش معه. لا يتحداه

 بل يحاول القفز عليه بطريقة تنتهي غالباً بالفشل في مرات عديدة. قد تساعدك سعة خيالك على تخطي أزماتك العاطفية وفقدانك للأصدقاء وقد تقدم لك عوناً إذا فكرت في الانتقام وتحويل حبيبتك السابقة إلى أي مخلوق آخر أو تحويل أعدائك إلى دخان. الخيال في صورته المحددة في هذه القصص كإعادة إنتاج للواقع بشكل آخر قد يتحمل معك أعباء الحرب وما تفرضه من واقع مرير متغير كل دقيقة. يدفع بنا الكاتب لرؤية حياتنا بشكل مختلف، يمسكنا من أيدينا لنضيف أو نحذف بعض الوقائع لجعلها محتملة.
الخيال قد ينقذك من الجنون وقد يكسبك بعض الأصدقاء الجدد كمصطفى تاج الدين الموسى.

“ضبع واد السبيل” عالق في ذاكرة ريف إدلب الجنوبي

 محمود يوسف السويد

حيكت القصص من أحداث واقعية، شابها التضخيم والمبالغة أحياناً، إلّا أنها اتسمت بما يألفه ويخافه السكان في المنطقة، وغلب في بنائها الحديث عن ضباع أو ذئاب مفترسة، أو جنّ يظهر ويختفي بأشكال وهيئات مختلفة، بيئة القصص كانت تفرض نفسها في كل مرة، ساعدها على ذلك جغرافية المكان المليء بالوحشة والدروب المقفرة والمغاور وبساطة المتلقي.

كان قتل أحد الضباع مدعاة للتفاخر، يتناقل الناس قصة بطلهم في أماسيهم، مع ما يضيفه الراوي من “بهارات” خاصة عن المكان والليل والوحشة وحجم الضبع وحديث البطل، كثيراً ما كانت تروى القصة بأشكال مختلفة بحسب راويها، إلّا أنها تعتمد على جذر واحد، وشخص معروف باسمه ونسبه، وهو ما كان يضفي عليها نوعاً من المصداقية التي تحتاجه لتعيش في الأذهان.

للشعوب ذاكرتها الجمعية التي أرشفت حياتها من خلال قصص وسرديات منقولة بشكل متواتر، كانت في زمن ما الوسيلة الأهمّ، خاصة في البيئات الريفية، يتصدّى لها أشخاص يعرفون بذكائهم الفطري وحضورهم الجاذب الذي يضفي على القصة شيئاً من الحياة لتعاد في كل مرة بانبهارها الأول، ولتغدو رفيقة سهرات الشتاء قبل أن تحلّ التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي كبديل أكثر شيوعاً وأقل ألفة.

لم تكن حالة الفراغ التي يعيشها سكان ريف إدلب الجنوبي شتاء في انتظار مواسمهم، بعد الانتهاء من أعمالهم الصيفية، جامدة بل كانت حياة مليئة بالتفاصيل المتنوعة غلب عليها السهر وتبادل القصص، يجتمعون شيباً وشباباً في واحد من البيوت يستمعون إلى أحداث وقع معظمها في بلداتهم أو البلدات المجاورة، أبطالها فلاحون بعضهم ما زال على قيد الحياة، أو من الذين انتهت آجالهم وورث أبناؤهم ما وُسموا به من حكايات يجمع بينها بساطة الطرح وخيال الراوي.

حيكت القصص من أحداث واقعية، شابها التضخيم والمبالغة أحياناً، إلّا أنها اتسمت بما يألفه ويخافه السكان في المنطقة، وغلب في بنائها الحديث عن ضباع أو ذئاب مفترسة، أو جنّ يظهر ويختفي بأشكال وهيئات مختلفة، بيئة القصص كانت تفرض نفسها في كل مرة، ساعدها على ذلك جغرافية المكان المليء بالوحشة والدروب المقفرة والمغاور وبساطة المتلقي.

كان قتل أحد الضباع مدعاة للتفاخر، يتناقل الناس قصة بطلهم في أماسيهم، مع ما يضيفه الراوي من “بهارات” خاصة عن المكان والليل والوحشة وحجم الضبع وحديث البطل، كثيراً ما كانت تروى القصة بأشكال مختلفة بحسب راويها، إلّا أنها تعتمد على جذر واحد، وشخص معروف باسمه ونسبه، وهو ما كان يضفي عليها نوعاً من المصداقية التي تحتاجه لتعيش في الأذهان.

(ضبع وادي السبيل) شكّل المادة الخام الأكبر في قصص أبناء الريف الجنوبي، والذي تردد في أمسيات كفرنبل وحاس وقرى كثيرة أخرى غرب معرة النعمان، و”السبيل” واد غير عميق يتسع في أماكن ليضيق في أخرى، على طول المسافة التي يتلوى فيها ليشكل حاجزاً طبيعياً بين بلدتي كفرومة وحاس، يضم على جانبيه مغاور وفتحات شكلت أوكاراً ملائمة لسكن الضبع وحيوانات أخرى، إلا إن الضبع أشهرها، لما تمتع به من “سطوة مخيفة” عند السكان، ولمن لا يعرف الضبع، هو حيوان مفترس ارقط الجلد، حاد الأنياب، تقصر قدماه الخلفيتان عن الأماميتان ما يمنحه ظهراً منحنياً، وهو ما جعل لأهالي يطلقون عليه وصف (الأسلت). يغلب على طعامه تناول الجيف لكنه يصطاد إن لم يجد ما يقتات به، ومما يروى عنه أنه يقوم بالسيطرة على فريسته بنثر بوله عليها، إذ شاع عند الأهالي احتواء بوله على مواد تؤثر في أعصاب الفريسة فتشل حركتها جزئياً، وقدرته على استقراء وجه الخائفين وتمييزهم عن أولئك الرجال الذين يتمتعون برباطة الجأش.

والدي كان أحد الخائفين حال ملاقاته للضبع، هذا ما أدركته عندما سرد على مسامعنا في إحدى ليالي الشتاء الباردة ونحن متحلقين حول المدفأة قصته مع ضبع وادي السبيل في ليلة لا قمر فيها.

“كلفني جدكم المرحوم بحمل نقالين من العنب من بلدة بليون لأقصد سوق السقيلبية بريف حماة، ابيع حملي وأعود”. يقول والدي، “وصلت السوق قبيل الظهيرة بعد مسيرة ساعات بدأتها قيبل الفجر، أفرغت حمل حماري عند تاجر الجملة (بائع الكومسيون)، وقفلت راجعاً من طريق معرة النعمان، لشراء بعض الحاجيات”.

بعد أن أخذ سحبة من لفافة تبغه العربي أكمل “حثثت السير باتجاه الشمال لأصل المعرة بعيد عصر ذاك اليوم، جلت سوقها وتبضعت الأغراض التي أوصوني بها أهلي، واسترحت قليلاً، تناولت غدائي وسقيت حماري بعد أن فككت عنه النقالين الفارغين ليستريح”. (النقال عبارة عن صندوق خشبي مفتوح من الأعلى، متوسط الحجم يتسع لما يقارب الخمسة وعشرين كيلو غراماً من العنب وخلافه، يوضع اثنان منهما على ظهر الدابة ويربطان معاً).

أنهى والدي غدائه، فأعاد النقالين مكانهما على ظهر الحمار، وقصد طريق الغرب، ووجهته كفرنبل. كان الوقت قد جاوز المغرب بقليل، وفي هذا الوقت يعزف كثر عن السفر فالطرقات لم تكن كما هي عليه في يومنا، كانت ترابية وضيقة وموحشة في معظم أجزائها، فلا إضاءة سوى ضوء القمر أو النجوم، ولا عابرين في الغالب بعد أن تتجاوز بيوت أي من القرى الموجودة على الطريق.

“سرت بجوار حماري المتعب”، يقول والدي “ما إن جاوزت عمران المعرة حتى سرت في جسدي قشعريرة سببها الظلام الذي هبط سريعاً، كان لابدّ من المرور بوادي السبيل للوصول إلى القرية، وهنا شعرت برهبة المكان، فالوديان كما يقولون مأوى للحيوانات والجن، لكني قرأت المعوذات وتابعت مسيري”.

في منتصف الوادي حرن الحمار، حاول والدي جره من رسنه دون جدوى، وما هي إلا لحظات حتى انهالت عليه حصى كثيرة من جانب الطريق الشمالي، اختبأ والدي خلف حماره ليحتمي من الحصيات المتطايرة تجاهه، تطلع ناحية مصدر الحصى ليتراءى له الضبع، وهو يرشق الحصى بقدميه الخلفيات، ليبث الرعب في قلب والدي، وقد نجح في ذلك فعلاً.

وصف والدي حاله وقتها “جثيت على ركبتي وتسارعت دقات قلبي، وعبثا حاولت أن أصرخ بعبارة (تخسا)، التي يقال إنها تجعل الضبع ينسحب، سمعت نفسي أصرخ لكن لساني لم يسعفني لأتلفظ بها، وأثناء موجة خوفي تلك أتت من يدي حركة نحو خصري لتصطدم بمسدس قديم (ردنيه) مذخر جلبته معي لمثل هذه المواقف، استشعرت القوة من مسدسي، سحبته وصوبته جهة مصدر الحصى، وضغطت الزناد وأنا مغمض العينين، علا على إثرها صيحة مدوية صادرة عن الضبع، تراكض نحوي راعيان تصادف مرورهما بالجوار، أضاء أحدهما بيله (مصباح الجيب)، نحو الكومة السوداء التي تئن وإذ به الضبع يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن اصابته رصاصتي اليتيمة، “وكانت رمية من غير رام، كما يقولون”.

“سقاني أحد الرعيان الماء، وهدؤوا من روعي قليلاً ورافقوني حتى بيوت حاس، المضحك بالأمر وقتها، هو حماري الذي راحت قدماه تسابق الريح جرياً، بعد أن شم رائحة الضبع الذي حمل جثته الرعيان إلى قريتهما، ما أثار خوف الحمار فأسرع بالمسير”. كما يقولون ” الفزع يذهب الوجع”.

مات ضبع تلك الليلة، لكن ضبع وادي السبيل ظل يظهر للناس بين الفينة والأخرى، فالوادي يعج بالضباع والتسمية لم تكن تعني ضبعاً بعينه، وما حدث مع والدي حدث مع كثر قبله وبعده، وتواترت الروايات والحكايات حول كيف تمكن فلان من قتل الضبع، والبعض وصلت به المفاخرة حداً ليقول إن أحدهم قتل ضبعاً بيديه العاريتين، نعم فالخوف الذي كان ينشره ذكر الضبع، يستدعي المفاخرة بقتله الذي أصبح ضرباً من ضروب البطولة في ذلك الوقت، ومحركاً لروايات تنسج حوله، تشابه بطولات الفرسان وحكايات الزير وعنترة التي اشتهرت في الموروث الشعبي العربي. فدائماً تبحث الشعوب عن صور البطولة لتمجدها.

اختفت روايات الأمس عن الضبع وهالة الخوف المرتبطة به، من سهرات أيامنا هذه، فمتغيرات عدة طرأت على مجتمع المنطقة منذ ذاك الوقت، كمستوى الوعي الذي تنامى لدى أغلب أبناء غربي المعرة، والتطور الحضاري الذي ترافق مع طرقات معبدة ووسائل نقل سريعة لا يتسرب لها الخوف من الضباع، وانحسار وجود الضبع نفسه عن الظهور كما كان في السابق لكثرة العمران والحركة ليلاً ونهاراً.

ما زال وادي السبيل راسخاً في مكانه يمر به الذاهبون والعائدون، ومازال الضبع يسكن مغاور الوادي المترامي الأطراف، دون أن يعبأ العابرون بما كان للوادي ولضبعه من صيت وشهرة في الماضي، ودون أن يعايشوا تلك اللحظات التي عايشها والدي وكثر أمثاله، ممن عاشوا أيام البساطة العفوية، وتحولت قصصهم إلى إرث تحكيه الجدّات لأحفادهن، والرواة لسمّارهم في شتاءات المنطقة الطويلة.

محمود يوسف السويد

الأندية الرياضية في عفرين.. استقطاب كبير وإمكانيات محدودة

يضم نادي سوريا لاعبين من كافة المحافظات وبمختلف الألعاب “الكاراتيه والتايكوندو والملاكمة والجمباز والمصارعة والكيك بوكسنغ بالإضافة إلى فريق كرة القدم والسلة والطائرة”، وتشارك الإناث في عدة ألعاب ضمن النادي منها التايكوندو والكاراتيه والجمباز للناشئات والأشبال، إضافة إلى فريق كرة الطائرة وكرة السلة للناشئات والسيدات تحت إشراف مدربات، وقد بدأت الإناث بتنفيذ التدريبات ضمن الصالة الرياضية، بحسب العمر الذي رأى أن ألعاب السيدات ما زالت في مراحلها الأولى وأن ناديه يسعى لاستقطاب المزيد من اللاعبات.

مرّت عدة عقود قبل أن ترى المدينة الرياضية في مدينة عفرين النور، إذ تم استكمالها في آذار من العام 2018 برعاية المجلس المحلي في المدينة ودعم من وزارة الرياضة والشباب التركية بعد سيطرة الفصائل عليها. ومع إتمام بنائها تنوعت الرياضات وازداد عدد الأندية المؤسسة حديثاً، بعد أن كانت تقتصر على لعبة كرم القدم ونادي عفرين الذي تأسس في العام 1984، والذي صعد فريقه إلى الدوري الممتاز للمحترفين للعام 2007-2008.

تضم المدينة الرياضية الحديثة ثلاثة ملاعب معشبة لكرة القدم، أحدها كبير يحتوي مدرجاً يتسع لأربعمائة مشجع، أما الآخران فعبارة عن ملاعب سداسية صغيرة، كما يحتوي على صالة رياضية مغلقة (بطول أربعين متراً وعرض سبعة عشر متراً) تضم ملعباً لكرة السلة والطائرة مع منصة للألعاب الفردية “الكاراتيه –التايكواندو –المصارعة –الملاكمة”، وركناً خاصاً لألعاب الطاولة “شطرنج –بينغ بونغ”، وتجهيزات خدمية وصحية.

كغيره من القطاعات في الداخل السوري لم يسلم القطاع الرياضي من التجاذبات الحاصلة وغياب الدور الرسمي الفاعل من قبل مؤسسات الثورة المعنية، والانخراط فيها للمشاركة في النشاطات الداخلية مع كل فرصة متاحة بإمكانيات ودعم محدودين.

المدينة الرياضية فرضت واقعاً تنظيمياً على الرياضيين في المنطقة، إذ لا يسمح باستخدامها سواء للتدريبات أو المشاركة في البطولات إلّا للفرق المنتظمة ضمن أندية والمسجلة في المكتب الرياضي التابع للمجلس المحلي، بحسب فؤاد الزامل (مدرب نادي أبناء جنوب دمشق المؤسس حديثاً، ولاعب فريق المجد سابقاً) والذي قال إن الرياضات خلال السنوات الأخيرة تحوّلت إلى ألعاب شعبية تمارس بعيداً عن الملاعب والأماكن المقنوصة التي باتت هدفاً لقذائف قوات الأسد وطائراته، خاصة في فترة حصار جنوب دمشق، ومع التهجير القسري الأخير إلى الشمال السوري عملت بعض الفرق على إحياء أنديتها ومنها ناديه الذي يضم عدة ألعاب “كرة القدم –ألعاب القوى –البينغ بونغ –البلياردو”.

لا يخلو الأمر من الصعوبات الجمة التي تلاحق الرياضيين في كل مكان من المناطق المحررة، فكل ما حصلت عليه الأندية كان لباساً لفريق كرة القدم مع كرات للتدريب قبيل انطلاق الدور التصنيفي وهو (دوري لتحديد مستويات الفرق وتصنيفها ضمن درجات)، ووقَع عبء تأمين الأمور المالية وأجور التنقل على النادي واللاعبين أنفسهم، بالإضافة لغياب الأماكن المخصصة للتدريب والتي حُصرت في المدينة الرياضية التي لا تلبي احتياجات جميع الأندية، إذ يخصص للأندية ساعات قليلة للتدريب الأسبوعي بسبب كثرة الأندية وقلة الملاعب.

يضرب الزامل مثالاً عن مشاركتهم في الدوري التصنيفي للرجال والذي تقام مبارياته في الوقت الحالي، إذ يبلغ عدد الأندية المشاركة أربعة وعشرين فريقاً، سبقه الدوري التصنيفي للناشئين بمشاركة أربعة عشر فريقاً، وسيليه الدوري التصنيفي للشباب، أما خلال العام الدراسي فيضاف إلى هذه الفعاليات بطولات المدارس والتي تقام على الملاعب الصغيرة.

أنشئت بعض الأندية قبل الانتهاء من تجهيز المدينة الرياضية، ومنها نادي “سوريا” تحت إدارة محمد عمر (مهجر من الغوطة الشرقية والحائز على حزام دان اثنان في لعبة التايكوندو)، أسس النادي مع مجموعة من أبطال الجمهورية السابقين منهم (جمال الأحمد حاصل على سبع ميداليات ذهبية محلية ودولية منها بطولة العرب في لعبة المصارعة، و محمد الغزاوي  مدرب كاراتيه يحمل حزام دان اثنان، ومدرب الجمباز حاصل على سبع بطولات جمهورية وعدة أبطال آخرين).

يضم نادي سوريا لاعبين من كافة المحافظات وبمختلف الألعاب “الكاراتيه والتايكوندو والملاكمة والجمباز والمصارعة والكيك بوكسنغ بالإضافة إلى فريق كرة القدم والسلة والطائرة”، وتشارك الإناث في عدة ألعاب ضمن النادي منها التايكوندو والكاراتيه والجمباز للناشئات والأشبال، إضافة إلى فريق كرة الطائرة وكرة السلة للناشئات والسيدات تحت إشراف مدربات، وقد بدأت الإناث بتنفيذ التدريبات ضمن الصالة الرياضية، بحسب العمر الذي رأى أن ألعاب السيدات ما زالت في مراحلها الأولى وأن ناديه يسعى لاستقطاب المزيد من اللاعبات.

يرى العمر أن  ألعاب القوى مهمشة بشكل كبير في منطقة عفرين لصالح الألعاب الجماعية خاصة كرة القدم، إذ لا يوجد أي اهتمام حقيقي بها ولم تلق الرعاية المطلوبة، يقول “لدينا في نادي سوريا القدرة على المشاركات الدولية ولاعبونا يطمحون لرفع العلم الأخضر في المحافل الدولية، ونحن نسعى لتسليط الضوء أكثر على ألعاب القوى من خلال تنظيم دورة للمدربين على مستوى الشمال المحرر خلال الأسبوع القادم في مختلف الرياضات، ليتبعها تنظيم بطولة ألعاب قوى تكون الأولى من نوعها في المنطقة، طموحنا هو إعادة الأندية السورية إلى البطولات العالمية رغم صعوبة الأمر حالياً مع انعدام سبل إخراج اللاعبين للمشاركة خارج سوريا، في ظل غياب كامل لدور المؤسسات الثورية الرياضية التي باتت غير قادرة على تقديم أي دعم يذكر، وخاصة الدعم المادي حيث أصبحت الديون المترتبة على إدارة النادي أكثر من أربعة آلاف دولار إلى الآن”.

أما أبناء المنطقة في مدينة عفرين فكان لهم دور بارز في الفعاليات الرياضية، كـ نادي “السلام عفرين” المؤسس منذ عام 2017 بحسب مديره أبو جوان الذي يقول إن معظم الأندية في عفرين في طور الإنشاء وتحتاج إلى كثير من الجهد والتعب لتطويرها، وجميعها تنتظر الدعم من قبل المنظمات أو من قبل جهات أخرى، إذ لا يوجد ضمن عفرين إلا المدينة الرياضية مما يجعل الضغط كبيراً عليها في عملية تنظيم التدريبات، ونادي السلام يحتوي على عدة ألعاب أهمها كرة القدم بكافة الفئات وكرة الطائرة والبينغ بونغ.

فداء الصالح 

حصار جوي على من تبقى في ريفي إدلب وحماه.. وتأمين رغيف الخبز عمل فدائي

تُحاصر طائرات الاستطلاع حياة من تبقى في قرى وبلدات ريف إدلب وحماه والذين يعيشون فيما يشبه السجون الكبيرة، يتحايلون على ظروفهم لتأمين الخدمات الأساسية بعد أن دُمرت معظم المرافق والبنى […]

تُحاصر طائرات الاستطلاع حياة من تبقى في قرى وبلدات ريف إدلب وحماه والذين يعيشون فيما يشبه السجون الكبيرة، يتحايلون على ظروفهم لتأمين الخدمات الأساسية بعد أن دُمرت معظم المرافق والبنى التحتية، وبات ليلهم “معاشاً” يسعون فيه فيما يشبه المقامرة للحصول على رغيف خبز أو علبة دواء.

القصف الممنهج أجبر مئات الآلاف من سكان هذه المناطق على النزوح، فيما حالت الظروف من قدرة عائلات على الالتحاق بأقرانهم، وتنوعت أسباب البقاء بين “عدم توفر القدرة المالية على النزوح واستئجار منزل أو خيمة للسكن”، وهو حال صلاح (يعمل كبنّاء) الذي آثر البقاء برفقة زوجته وأطفاله الخمسة في منزلهم، يقول “في كل يوم أتعرض للانتقاد من قبل أقاربي وأصدقائي بسبب بقائي في البلدة التي تتعرض للقصف، لكن ظروفي المالية تمنعني من المغادرة، فلا قدرة لدي على تأمين بدل الإيجار ووسيلة النقل”، مؤكداً أن “بقاءه في البلدة هو المرّ، ونزوحه هو الأمرّ والأقسى”.

ليست الظروف المالية وحدها من أبقت بعض السكان في قراهم، يقول الحاج سليمان الذي بقي برفقة زوجته في منزلهم إنه يفضل إكمال ما تبقى من حياته داخل جدران منزله، فهو لا يحتمل قسوة النزوح والابتعاد عن المكان الذي حمل ذكريات مراحل عمره كافة، مستنداً على يقينه بأن “الأعمار بيد الله”. أمّا أحمد وهو (ناشط صحفي ويعمل في الشأن الطبي) فقال إن واجبه الإنساني في إسعاف المرضى وعلاج المصابين هو ما دفعه للبقاء، إلّا أنه قام بإرسال زوجته وأطفاله إلى مكان أكثر أمناً في الشمال.

يصف من التقيناهم الحياة في هذه المناطق بـ “القيامة المصغرة” التي تبدأ أحداثها مع شروق شمس كل يوم، إذ غالباً ما توقظهم أصوات طائرات الاستطلاع الباحثة عن أهدافها، وتمثل حركة المدنيين أبرز ما يستوجب القصف، بحسب عبد القادر الذي قال إن الطائرات الحربية تبدأ باستهداف كلّ ما رصدته طائرات الاستطلاع بعد وقت قليل، لتبدأ بعدها الطائرات المروحية بإلقاء البراميل المتفجرة كيفما اتفق، وبطريقة عشوائية تهدف لتدمير المنازل والبنى التحتية أيّاً كان ساكنوها ومدى أهميتها. “أحياناً تبقى المروحيات ما يزيد عن ثلاث ساعات في الأجواء” بحسب الأهالي الذين قالوا إن مغادرة الطائرات المروحية تستوجب بالضرورة بداية عمل راجمات الصواريخ المتمركزة في معسكرات “جورين وبريديج” بعشرات الصواريخ العنقودية والقذائف، لمنع إسعاف المصابين وحركة الناس وإجبارهم على النزوح أو الموت.

غروب الشمس موعد “الحربي الرشاش” الذي يرصد مختلف الطرق لشل حركة القرى والبلدات ومنع أي شيء من الدخول إليها، أما الساعة التاسعة من مساء كل يوم فيطلق عليه الأهالي “ساعة السيمرتش”، وتتحول المنطقة إلى مدن للأشباح بعد توجه الأهالي إلى الملاجئ والاختباء يقول مصطفى (ضابط منشق عن نظام الأسد (إن “وزن الصاروخ يتجاوز ثلاثمائة كيلو غرام، بطول ثلاثة أمتار وقطر ثلاثمائة ميليمتر، وقدرته التدميرية توازي البرميل المتفجر، ويتم قذفه بواسطة راجمة السيمرتش العملاقة على القرى والبلدات دون هدف محدد”، غالباً ما يتم استهداف البلدات بهذه الصواريخ بمعدل سبعة إلى خمسة عشر صاروخاً يومياً، يكمل مصطفى.

لا أفران خبز عاملة في هذه القرى ولا دكاكين للسمانة أو لبيع الخضار، المنشآت والمراكز الطبية دُمّرت (الإصابة أو المرض يعادل الموت، خاصة وأن أقرب النقاط الطبية تبعد ما يزيد عن ثلاثين كيلو متراً، مع استحالة الوصول بسبب الاستهداف للآليات المتحركة)، أبراج الانترنيت نقلها أصحابها إلى أماكن نزوحهم الجديد منعاً من استهدافها أيضاً، كثيراً ما ترى السكان على أسطحة المنازل للحصول على برج لإرسال رسالة عبر الواتس آب للاطمئنان على ذويهم، أو لشرح ظروفهم، أما المياه فغابت صهاريج النقل واعتمد السكان الذين لم يغادروا على مياه الآبار و والجمع، وغدت تلبية الاحتياجات اليومية أشبه ما يكون بالعمل الفدائي الذي تقاسمه شبان هذه المناطق بشكل دوري.

يقول عبد الله “نظمنا أنفسنا نحن الشباب في الحي، لتأمين احتياجات الأهالي اليومية وعلى رأسها مادة الخبز بعد تدمير كافة الأفران في المنطقة أو إغلاقها. بشكل دوري يقصد عدد من الشبان القرى المجاورة لجلب المستلزمات، عليهم تأمينها والعودة قبل شروق الشمس خوفاً من طائرات الاستطلاع، لتبدأ مع ليل اليوم التالي مهمة شبان جدد في تكرار العملية نفسها، بالرغم من وحشة الطريق وصعوبة الوصول”.

حسن الحسين

 

الصيد في إدلب.. تداعيات في ظل الحرب

ٲسامة الشامي

يتحدى عبد القادر الديب وأقرانه من الصيادين القلة، الذين ما يزالون يمارسون هذه الهواية، ظروف الحرب، يقولون إن المتعة والترويح عن النفس هو ما يدفعهم للاستمرار، يتتبعون أسراب الطيور في البراري برحلات صيد نهارية أو ليلية، يحملون بنادقهم و “مسجلاً للصوت عليه نغمة لتغريد طائر الحجل، والذي يجذب بصوته أسراب الطيور، نلتقطها بشبك منصوب فوق المسجل، أو نطلق عليها النار لاصطيادها”.
ظروف الحرب ألقت بثقلها على الصيادين، ففي الوقت الذي ما يزال عدد منهم يمارس هوايته أقلع كثر عنها، يقول حسين الطويل “عندما شعرت بالموت يلاحقنا من كل جانب، توقفت عن الصيد، أردت أن أعطي الطيور ما سلب منا خلال السنوات الماضية بالتمتع بالحياة”، أما أبو أسامة والذي رافقته مهنة الصيد لسنوات طويلة فقد أقلع عنها بعد مشاهدته “بعض النمامات التي اصطادها وهي تنزف”، يقول إنه رأى في تلك اللحظة “من أصيبوا في القصف من الذين يعرفهم، وهو ما دفعه لكره الصيد والتوقف عنه

ببنطال قطني يساعد على حرية الحركة والتنقل يُمضي مالك أبو أحمد غالب يومه على ضفاف نهر العاصي بالقرب من مدينة سلقين (غرب إدلب)، ينصب الشباك ويتنقل بين سنارات الصيد، بينما تترك شمس الصيف آثارها على وجهه ويديه.

“لا يمكنني العيش في مكان لا تتوفر فيه المياه والأسماك، فقد رافقتني هذه الهواية منذ الصغر، وباتت مصدر سعادتي ورزقي”، يقول أبو أحمد الذي اختصر ما يريد إيصاله لنا بـ “أن الصيد يعادل حياته كلها، ليس مهماً إن كان الصيد وافراً أم لا”.

نزوحه من قريته المتاخمة لنهر العاصي في سهل الغاب، وخسارته لبيته الذي دمر بغارة جوية وأرضه التي تنتظر حصاد “الشبيحة” لها بعد سيطرتهم على القرية كل ذلك لم يحرمه متعة الصيد، يشير إلى دراجته النارية وقصبات الصيد الطويلة والحقيبة المليئة بالمعدات وهو يخبرنا أنه يتجاهل ظروف الحرب والخسائر بمساعدتها، وهو ما يثير غضب زوجته التي تحاول منعه من الصيد، على حدّ قوله، ففي كل مرّة يصطدم بمعارضتها لهوايته كان يجيب “خدو واحد من الولاد ولا تمنعوني من الصيد”، لتحوقل زوجته مكتفية بضرب أكفها ببعضهما البعض، يقول إنها الحقيقة وعلى الجميع تصديقها.

في البقعة التي اختارها أبو أحمد للصيد هذه المرة يتجمع عدد من الصيادين، ليس بينهم سابق معرفة، تجمعهم الهواية وتغيب عنهم صفة التنافس، يتبادلون أحاديث جانبية دون اهتمام، بينما أنظارهم معلقة بسنارة الصيد، سرعان ما تنقطع ليتبع كل منهم شباكه، يتساعدون فيما بينهم أيضاً حين تستدعي الحاجة، ويتشاركون المعلومات والنصائح لإنجاح صيدهم، يقولون إنهم يهربون من أوجاع الحرب التي تختفي ملامحها في هذا المكان.

يصف عبد الكريم أبو زياد (من جبل الزاوية) رحلته مع الصيد الذي تعلمه زمن الثورة منذ خمس سنوات، يقول إنه يلجأ إليها كلما ضاق صدره “أنسى همومي وأنا أمارس الصيد، هي ترويح عن النفس”.

تناقص عدد الصيادين في المنطقة، يقول أبو أحمد الذي أرجع الأسباب لغياب الأمن وسيطرة قوات الاسد على معظم القرى المتاخمة للنهر، إضافة لاستهداف قواته للصيادين، كذلك حرس الحدود التركية الذين يمنعون الصيادين من الاقتراب إلى ضفة النهر المقابلة لحدودهم والتي تشكل خطاً فاصلاً بين الدولتين، ناهيك عن قلة معدّات الصيد وغلائها.

الأرانب والصقور في مأمن من الصيادين

لصيد الأرانب البرية مكانة في نفوس الصيادين، وهي هواية تراثية قديمة محبوبة ووسيلة تفاخر بين ممتهنيها، كانت تنتشر في أحراش جبل شحشبو وبعض مناطق جبل الزاوية وجبال حارم في محافظة إدلب، خاصة في الأراضي الصخرية أو تلك المزروعة بأشجار الزيتون المتلاصقة، والتي يقلّ فيها مرور أو تواجد السكان.

ويروي ماهر الخليل (صياد سابق) أن صيادي الأرانب كانوا يعتمدون على بندقية الصيد “الكسرية”، كما يطلق عليها أهالي المنطقة، وطلقات الخردق، غالباً ما يصحبون معهم كلاب صيد سريعة من نوع “سلوكي” أو “بوجي”، مهمتها اللحاق بالأرانب إن لم يطلق عليها الصيادون النار واصطيادها.

يقول الخليل إن هذه الهواية “انقرضت” في الشمال السوري، ويرجع ذلك لـ “غياب الأمان”، فالأرانب البرية تُصطاد في الليل أو مع ساعات الفجر الأولى، وهو ما يحول دون ممارستها في الظروف الحالية.

أما صيد الصقور والذي كان محط اهتمام عدد من الهواة في إدلب، يقطعون لأجلها مسافات طويلة نحو البادية السورية برحلات قد تستمر إلى أيام فقد غابت تماماً، يقول أبو علي الكندوشي (أحد صيادي الصقور من خان شيخون) إنها هواية ممتعة وذات مكاسب مادية عالية، بسبب غلاء أسعارها.

غالباً ما يخرج لصيد الصقور مجموعة من الصيادين يترافقون في رحلتهم بسيارة محملة لكافة احتياجات الرحلة التي قد تستمر لأيام، يتجولون في البادية، بعد إلباسهم لـ “حمامة” قميصاً شبكياً يسمونه “النقط”، يطلقونها عند رؤيتهم لأحد الصقور الذي ينقض عليها فيعلق بالشباك التي تعيق حركة طيرانه، يتبعه الصيادون أحياناً لبضعة كيلومترات قبل أن يسقط ويقومون بإمساكه، على حد قول أبو علي الذي رأى أن هذا النوع من الصيد قد انقرض “لم يعد هناك أمان في البادية السورية، ناهيك عن غياب المزاج والظروف الملائمة للبقاء في البرية لأيام عديدة”.

صيد الطيور البرية بين بين

بين الفينة والأخرى، وتبعاً لأجواء القصف والمعارك يخرج عدد من هواة صيد الطيور البرية إلى البساتين، يمارسون هوايتهم التي يحبونها ويطمعون بوجبة في الهواء الطلق، يحملون بنادق الصيد “الخردق” أو “بارودة الضغط” ويتتبعون طيور النمل والحجل والفري والغنبز.

 

يتحدى عبد القادر الديب وأقرانه من الصيادين القلة، الذين ما يزالون يمارسون هذه الهواية، ظروف الحرب، يقولون إن المتعة والترويح عن النفس هو ما يدفعهم للاستمرار، يتتبعون أسراب الطيور في البراري برحلات صيد نهارية أو ليلية، يحملون بنادقهم و “مسجلاً للصوت عليه نغمة لتغريد طائر الحجل، والذي يجذب بصوته أسراب الطيور، نلتقطها بشبك منصوب فوق المسجل، أو نطلق عليها النار لاصطيادها”.

ظروف الحرب ألقت بثقلها على الصيادين، ففي الوقت الذي ما يزال عدد منهم يمارس هوايته أقلع كثر عنها، يقول حسين الطويل “عندما شعرت بالموت يلاحقنا من كل جانب، توقفت عن الصيد، أردت أن أعطي الطيور ما سلب منا خلال السنوات الماضية بالتمتع بالحياة”، أما أبو أسامة والذي رافقته مهنة الصيد لسنوات طويلة فقد أقلع عنها بعد مشاهدته “بعض النمامات التي اصطادها وهي تنزف”، يقول إنه رأى في تلك اللحظة “من أصيبوا في القصف من الذين يعرفهم، وهو ما دفعه لكره الصيد والتوقف عنه.

أسامة الشامي 

فوضى المراصد والأخبار الزائفة

فداء الصالح

في تشرين الثاني من العام 2013 كانت معركتنا الإعلامية في بلدة سبينة جنوب دمشق أطول وأقسى من الدفاع عن البلدة، فأمام مربض الهاون أو بالقرب من الخنادق كنت ترى القذيفة […]

في تشرين الثاني من العام 2013 كانت معركتنا الإعلامية في بلدة سبينة جنوب دمشق أطول وأقسى من الدفاع عن البلدة، فأمام مربض الهاون أو بالقرب من الخنادق كنت ترى القذيفة أو البندقية بيد، وفي اليد الأخرى هاتفاً محمولاً ورجالاً منهمكين بنفي إشاعات سقوط البلدة خلال أيام المعركة التي استمرت أحد عشر يوماً.

كل الإثباتات التي نشرناها عن وجودنا في المكان قوبلت بالتكذيب من بعض المواقع الإخبارية وناشطي الفيس بوك الذين اعتمدوا على أنفسهم كمصدر للخبر، الفارق هنا أن من يتابعنا قلّة ولديهم الآلاف من المتابعين، ما تسبب بنقل الشائعات وسريانها كالنار في الهشيم دون معرفة الحقيقة، وخلق حالة من الفوضى.

سهّلت شبكات التواصل لاجتماعي عملية نقل الأخبار والوصول إليها بسرعة، واعتمد الباحثون عن الخبر من المنخرطين في صفوف الثورة أو المهتمين بالشأن السوري تلك الصفحات كمصدر أول لمتابعة مجريات الأحداث أولاً بأول، وتصدر الناشطون ساحة الإعلام الثوري، وتشكلت في المقابل مواقع إعلامية وصحف ثورية كان لها دور كبير في نقل الخبر بأقصى ما تستطيع من مهنية، إلا أنها لم تستطع الحدّ من انتشار حالة الفوضى ونشر الأخبار المزيفة.

سرديات طويلة نقلت، وملايين مقاطع الفيديو والأخبار التي وثقت جزء هاماً من مجريات الثورة، قابلها ما اصطلح على تسميته “فوضى المراصد والأخبار”، ولا يمكن هنا تجاهل دور الماكينة الإعلامية لنظام الأسد في بث ونشر الأخبار المزيفة بما يخدم مصالحه، وإنشاء حسابات وهمية من خلال عملائه على الأرض، كذلك، وعن غير قصد، دور بعض الناشطين الثوريين في نقل هذه الأخبار المزيفة، عن حسن نية أحياناً، دون إخضاعها لعملية التدقيق والتحقق، خاصة مع الأحداث المتسارعة وضعف الاتصالات، خاصة بداية الثورة، وردود الفعل السريعة، كذلك من الأهمية بمكان التوقف عند ظاهرة “الفيسبوكيين” الباحثين عن الوصول والشهرة، دون التساؤل عن “الجدوى والضرر”، فـ مستخدمو الفيس بوك والتوتير من أصحاب اختصاص “نسخ لصق” استغلوا حاجة الناس للخبر ومعرفة ما يحدث في نشر تلك الأخبار المزيفة ما جعل من تداركها أمراً غاية في الصعوبة، خاصة من قبل المستخدمين العاديين الذين وجدوا في تلك المنصات مصدراً للأخبار مع عدم قدرتهم على تمييز الصحيح أو الكاذب منها.

عدة صفحات موالية “مزورة” هدفت إلى نشر الشائعات ضمن مناطق النظام ملقين بالطعم لبعض الصفحات الإخبارية الثورية الذين اعتمدوا عليها كمصدر رئيسي لأخبار انسحاب النظام وانكسار شوكته على جبهة ما، رغم كل التحذيرات من زيف هذه الصفحات، مما يقلل من مصداقية الأخبار الصحيحة من أرض المعركة حيث يصبح خبر الثبات والتقدم مشكوكاً بمصداقيته.

في عالم التلجرام ينتشر مصطلح المراصد، وهم أشخاص تصدروا لعملية مراقبة حركة الطيران منذ بداية الثورة، وكان لهم دور أساسي في تقليل ضرر غارات الطيران والقذائف بفعل تحذيراتهم ورصد حركة الطيران المستمرة من الإقلاع إلى الهبوط، و مع تحول الأمر إلى عملية تقليد ومحاكاة انتشرت بعض المراصد المعروفة بمصطلح “اسمع وكبرررر يا بطل”، تلك العبارة بات الخبر المرافق لها مشكوك في صحته لدى جمهور الثورة، وتجاوز الأمر حد الأخبار إلى إطلاق التعميمات والمطالبة بالاعتقال أو التخوين أحياناً دون التأكد من صحة هذا التعميم على الوجه المطلوب.

الحجة المرافقة لنشر بعض الأخبار الزائفة هي رفع المعنويات والتأثير إعلامياً على بيئة النظام، إمبراطوريات إعلامية عالمية تدفع ميزانيات طائلة ليكون لديها القدرة على تنفيذ هكذا مشاريع “تضليل إعلامي” على جمهور العدو، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تنافسها في هذه المهمة حتى بات لزاماً في كثير من الأحيان لمواجهة خبر مضلل أن يصدر بيان حكومي رسمي بهذا الشأن في بعض الدول.

رغم اتخاذ بعض التدابير لمواجهة الأخبار المغلوطة والتضليل الإعلامي الحاصل من قبل إدارة تلك المواقع إلا أنها لم تكن ذات أثر أمام عدد المستخدمين الهائل للإنترنت الذي بلغ 4.34 مليار حسب موقع ويكبيديا.

ومع تفاقم مشكلة الأخبار الزائفة أنشئت عدة منصات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لمواجهتها، أبرزها منصة تأكد والتي يعود تأسيسها إلى آذار من عام 2016، وأتت فكرتها من واقع الحاجة إليها، وسط غزو الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام، وللوسط السوري بشكل خاص، نتيجة الانقسامات التي ألمت بالشعب السوري. إضافة إلى الحاجة الملحة لمكافحة الدعاية (البروباغندا) التي يمارسها نظام الأسد والقوى الكبرى الفاعلة في الشأن السوري، وتهدف المنصة إلى المساهمة في رفع وعي المتابع السوري لأهمية التحقق ومكافحة التضليل، وتحفيز المنصات الإعلامية على إيلاء المصداقية والحقيقية أقصى درجات الاهتمام.

يقول ضرار خطاب (مدير تحرير منصة تأكد) “إن لمواقع التواصل الاجتماعي دور كبير في انتشار الأخبار الزائفة والمغلوطة، يعود ذلك إلى سهولة النشر والمشاركة والتفاعل عبر هذه المواقع، فصاحب كل حساب على مواقع التواصل، من الممكن أن يكون مصدراً للإشاعة، ومتابعوه من الممكن أن يكونوا مروجين لها. ومع عدم وجود آليات وأدوات لدى مواقع التواصل لمكافحة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، يجد مروجو الإشاعات في مواقع التواصل بيئة خصبة لممارسة نشاطهم في التضليل”.

وعن مدى تأثير هذه الأخبار يقول الخطاب “يختلف التأثير بحسب نوعية الأخبار وأهميتها، فبعض المعلومات الصحية المغلوطة قد تسبب خطراً على حياة إنسان ما، وبعض الأخبار المغلوطة عن سيطرة قوة عسكرية ما على منطقة ما قد تشكل خطراً على حياة مدنيين أيضاً وتدفعهم إلى اتخاذ قرارات غير مبنية على حقائق ووقائع، كما تعزز الأخبار الكاذبة في كثير من الأحيان خطاب الكراهية بين فئات المجتمع، وخاصة في مناطق الأزمات والحروب”.

يحاول المشاركون في المنصة العمل بأقصى جهد لـ “مكافحة التضليل الإعلامي”، يقول الخطاب الذي تمنى تعميم تجربة المنصة والتوسع في مجالات التحقق للإحاطة بكافة الموضوعات والشؤون التي يطالها التضليل، معتبراً أن أفضل الطرق لمواجهته “الشكّ وعدم التصديق بسهولة، وتجنب الأخبار والمعلومات غير المنسوبة لمصادر واضحة ذات مصداقية”.

لم يكن سقوط بلدة سبينة إعلامياً حالة فريدة، ففي كل معركة هناك مناطق يشاع خبر سقوطها رغم تواجد المقاتلين على خطوط الجبهات، كما حدث في بصر الحرير في درعا العام الفائت إبان حملة النظام على درعا، حيث كانت مدخلاً لحملة النظام والروس العسكرية، وكان لإشاعة خبر سقوطها أثراً نفسي كبيراً على المقاتلين والحاضنة الشعبية، ما جعلها البوابة لفرض خيار المصالحة وسقوط درعا والقنيطرة بيد النظام. 

بحيرة ميدانكي.. تناقض بين الموت والحياة

يحاول مصطفى تجنب الكلام عن حادثة غرق صديقه محمد في بحيرة ميدانكي، الذاكرة القريبة لغرقه تزيد من قسوة الخبر عليه، سيما وأنه كان حاضراً معه خلال الرحلة التي خططوا لها […]

يحاول مصطفى تجنب الكلام عن حادثة غرق صديقه محمد في بحيرة ميدانكي، الذاكرة القريبة لغرقه تزيد من قسوة الخبر عليه، سيما وأنه كان حاضراً معه خلال الرحلة التي خططوا لها منذ وقت، يقول “إن محمد كان يعشق المياه، ومنذ أن أصبح الوصول إلى البحيرة متاحاً بعد سيطرة الفصائل عليها، في آذار 2018، كانت تراوده فكرة السباحة فيها، لعلّه كان يختار قدره”.

محمد (25 عاماً من مدينة اعزاز) كان “سباحاً ماهراً” بحسب صديقه، إلّا أن مياه البحيرة ابتلعته أمام عجز الجميع عن إنقاذه، بعد أن خاض في المياه لمسافة طويلة، ليتم انتشال جثته من قبل فرق الدفاع المدني في المنطقة في أيار الماضي.

 

زادت عدد حالات الغرق في بحيرة ميدانكي خلال العامين الماضيين، إذ وثق الدفاع المدني في عفرين غرق 11 شخصاً، منذ بداية موسم الصيف الحالي، و26 شخصاً خلال العام 2018، خاصة مع الزيادة السكانية التي شهدتها المنطقة (من المهجرين قسرياً، خاصة وافدي الغوطة الشرقية وحمص)، وتحوّلها إلى قبلة المصطافين من أهالي الشمال السوري، كونها البحيرة الوحيدة الواقعة في المناطق المحررة.

وبحيرة ميدانكي هي بحيرة اصطناعية تشكلت خلف سد السابع عشر من نيسان (دشن في العام 2004)، ضمن مخطط اقتصادي بدئ العمل به في العام 1984، وأنشئت في العام 2000، تبعد ما يقارب 2 كم عن قرية ميدانكي (15 كم شمال شرق مدينة عفرين)، يبلغ طولها خمسة عشر كيلو متراً بعرض كيلو متر وسطي، وتخرن ما يقارب 190 مليون م3 من المياه، تحيط بها أحراج من شجر الصنوبر والزيتون، وتحيط بقرية كفرجنة (من أهم المعالم السياحية في الشمال السوري).

لا تصنف بحيرة ميدانكي من ضمن “البحيرات الصالحة للسباحة”، يقول الجيولوجي أحمد الفارس، وذلك بسبب توسيع وزيادة عمق البحيرة لتكون مكاناً لتجميع المياه وبناء السد، وليس للسباحة، إلّا أن معظم السكان يلجؤون إليها في موسم الحر للسباحة، ودون دراية بطبيعتها وعمقها والتيارات المائية فيها، وهو ما يفسر ازدياد حالات الغرق خلال العامين الماضيين.

وبحسب إبراهيم أبو الليث (مدير المكتب الإعلامي للدفاع المدني في حلب)، فإن تشكل المرجان وانتشار الأشجار في قاع البحيرة، ووجود دوامات مائية في معظم أجزائها، إضافة لارتفاع منسوب المياه فيها، ساهم في ارتفاع حالات الغرق، إضافة لعدم معرفة المدنيين، خاصة من غير أبناء المنطقة، بالأماكن الأقل خطورة للسباحة على امتداد البحيرة.

ولصخور مجرى نهر عفرين طبيعة قاسية مشكلة من الصخور الكلسية، وهو ما يؤدي إلى اختلاف مستوى انحدار النهر، تلك الطبيعة شكلت في السابق شلالات ميدانكي التي غابت بعد إنشاء السد والبحيرة في مجرى النهر وارتفاع منسوب المياه، ويفسر تباين الانحدارات على أطراف البحيرة، والتي تتشكل من تربة رملية متدرجة في مناطق معينة، وأخرى من صخور حادة على مسافة لا تزيد عن المترين، تليها انحدارات بأعماق متفاوتة خطرة.

حالات الغرق المتكررة دفعت كثيراً من الراغبين بارتياد المكان إلى العزوف عنه، واللجوء إلى أماكن أخرى قريبة كمنطقة النبي هوري ذات الطبيعة الجبلية والتي يتخللها أحد أفرع نهر عفرين، كذلك غياب الأماكن السياحية كالمطاعم والمقاهي وتراجع عددها في الآونة الأخيرة حول أطراف البحيرة، والتي كانت تشكل معلماً سياحياً ومصدراً اقتصادياً لعائلات كثيرة من أبناء المنطقة، قلل من مرتادي البحيرة، لتقتصر على بعض صيادي السمك والراغبين بالسباحة رغم مخاطرها، يقول عمار الرشيد (من مدينة إعزاز) إن فكرة زيارة البحيرة تراوده بين الحين والآخر، خاصة وأنها مرتبطة بذاكرة قديمة حين كان يزورها في الماضي، إلّا أن حالات الغرق المتزايدة “تزيد من تردده في كل مرة يقدم فيها على الرحلة”.

لا توجد قوانين رادعة للسباحة في البحيرة، وبالرغم من حملات التوعية الجوّالة والبروشورات التعريفية بالبحيرة وأخطارها، والتي يقوم بها الدفاع المدني، ونشر ما يزيد عن خمسين شاخصة حول البحيرة تحذر من “السباحة في مياهها”، إلّا أن الأهالي لا يكترثون لهذه التعليمات، وتظهر الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي عائلات تسبح بالقرب من اللافتات، وكأن الأمر لا يعنيهم، فيما تقوم فرق التدخل السريع والإسعاف المتواجدة في محيط البحيرة بمحاولة الإنقاذ في حال حدوث أي طارئ.

على الجسر الروماني المطلّ على البحيرة يقف الناس للتمتع بجمال المنظر الأخاذ، فيما تمر البحيرة من تحته حاملة معها غرق عشرات الأشخاص، وسط غياب للوعي من قبل الأهالي، والحلول الجدية من قبل المسؤولين عن المنطقة لتأمين المكان والحدّ من زيادة أعداد الغرقى.

أحمد الأحمد

 

المواسم الزراعية مناسبات فرح وحب في تراث إدلب

 محمود يوسف السويد

“على إيامنا كان يجي تمر من العراق نوع ممتاز، وكان صاحب الأرض يقدم إلنا تمر وشنينة (لبن مخلوط بالماء)، ونقعد نص ساعة على الفطور بوقت الضحى ومن بعدها نكمل حصاد […]

“على إيامنا كان يجي تمر من العراق نوع ممتاز، وكان صاحب الأرض يقدم إلنا تمر وشنينة (لبن مخلوط بالماء)، ونقعد نص ساعة على الفطور بوقت الضحى ومن بعدها نكمل حصاد للمغرب”.

بعبارات موجزة ومفردات بسيطة راح الحاج حسن أبو خالد (87عاماً) من بلدة معرتحرمة بريف إدلب الجنوبي، يستذكر أيام الحصاد الماضية، أيام شبابه أي ما يزيد عن ستين سنة ماضية، وقتها كانت العملية تتم بمعدّات يدوية، وتعتمد على القوة والخبرة، وتغيب عنها الحصادات الآلية التي لم تكن قد عرفت في المنطقة. يصنف الحاج حسن الحصاد في فئتين “حصاد باليد للكمون والعدس وخلافه، وحصاد المنجل للقمح والشعير طويل السنابل”.

وعلى خلاف الفلاح الذي يحرث الأرض بالأجرة ويضطر للانتظار حتى انتهاء الموسم لتحصيلها على شكل نسبة مما أنتجته الأرض، فإن ورشة الحصاد كانت تتقاضى أجرها بعد الانتهاء من حصاد كل قطعة أرض مباشرة، وتكون في الغالب نقوداً، كما أوضح ذلك الحاج حسن نفسه.

موسم الحصاد في ريف إدلب كان يحظى بمكانة مميزة لدى فلاحين المنطقة، فهو نتاج عمل شاق طيلة أشهر السنة تبدأ من فلاحة الأرض وبذار الحب، إلى انتظار هطول المطر وظهور براعم الزرع فوق التربة، والحصاد يعني للفلاح نقوداً جديدة ستمكنه من سد ديون الموسم الماضي من ثمن بذار وأجرة فلاح، ومصاريف شتاء طويل قضى جله دون عمل أو مصدر رزق آخر، وهذه كانت حال معظم فلاحي المنطقة، في تلك الفترة.

خالد أبو أحمد، 84عاما، رفيق الحاج حسن وابن بلدته، يصف أيام الحصاد في تلك الفترة بقوله: “كانت كما العرس، جميع أبناء البلدة يخرجون إلى الأراضي سوية، فلا تكاد تجد في منازل القرية إلا الشيوخ الطاعنين في السن ممن لا يقدرون على الحصاد”.

يتابع أبو أحمد كما كنا نحتفل بمن يفوز بمرتبة “الطارود” (وهو أحد عمال الحصاد يتميز بسرعته أثناء الحصاد، فيسبق زملاءه في اليوم الأول). “كانت مسابقة سنوية” يقول أبو أحمد خالد، يشبهها بسباق فرسين أصيلتين والرهان عليهما، كذلك كانت تتم المفاخرة بوجود “طارود” ضمن ورشة فلان يستطيع الفوز على بقية ورش الحصاد الأخرى، و”صاحبي الحاج حسن واحد من طواريد البلدة المعدودين”.

كلمات أبي خالد أيقظت ذكريات الشباب عند رفيقه الحاج حسن، فراح يستذكر أيام حصاده في بلدة “الخوين” التي كانت تستقطب ورشات حصاد من مختلف المناطق لاتساع رقعة أراضيها الزراعية وانبساطها، ما يستدعي أيد عاملة كثيرة، تأتي من البلدات الأخرى.

تعود بالحاج حسن مخيلته لتلك الأيام التي كان يتلقى فيها الأعطيات والتكريم من قبل أصحاب الأراضي بمجرد فوزه بمرتبة الطارود، يتحدث عنها قائلاً “كانت زغاريد النسوة معنا في الفريق تملأ الفضاء لحظة وصولي لنهاية خط الحصاد أولاً، ويوزع صاحب الأرض الهريسة، ويعطيني أجرة زيادة عن أقراني مقدارها ستة ليرات سورية في اليوم، هذا عدا عن هدية ككلابية أو ما شابهها في نهاية الموسم”.

كما أن صاحب الأرض كان يجلب فرساً أصيلة فيُركب الطارود عليها، ويطوف به في شوارع البلدة وسط زغاريد النسوة و “هنهوناتهن” (نوع من الغناء الموروث المختص بالنساء الريفيات يغنى في الأعراس والاحتفالات تبدأه المؤدية بعبارة “ها هو”). بحسب ما ذكره أبو خالد.

مرتبة الطارود لم تكن حكراً على الرجال فقط بل شاركت فيها النساء أيضاً، فهن كن يشاركن الرجل كل أعمال الزراعة في تلك الفترة، وبعضهن كان ينافس الرجال ويفزن عليه أحياناً، فيصبحن “طارودات كما الرجال”.

“طاقية من الحرير الطبيعي، هي أغلى هدية حصلت عليها نتيجة فوزي بمرتبة طارود ذاك العام” يقول الحاج حسن، لم تكن الهدية من صاحب الأرض هذه المرة، بل من فتاة كانت تحصد بجانبه وتنافسه للوصول لنهاية “الأمّان” (خطين من الزرع يستلمهما الحاصد في كل مرة). يتابع الحاج حسن سرد ذكرى ذاك اليوم بالقول ” كنت منهمكاً بالحصاد، وخلفي صوت يخاطبني، بيع -بيع، أي تخلى عن أمّان حصادك لي فإني سأسبقك لنهاية الخط، التفت إلى الوراء، كان صاحب الصوت فتاة من قرية مجاورة لبلدتنا، تسابقني على الفوز”، ما إن وصلت نهاية خط الحصاد وفزت بالسباق، يتابع الحاج حسن، حتى علت زغاريدها خلفي وتقدمت مني بكل جرأة وقالت لي جهارة “سأتزوجك فقد أثرت إعجابي بطريقتك في الحصاد”.

تبادلنا الإعجاب وفي نهاية الموسم طلبت يدها للزواج إلا أن والدها رفض تزويجي بها، يكمل الحاج حسن، فودعتني والدموع في عينيها وأهدتني طاقية نسجتها لي خصيصاً من الحرير الطبيعي، وطلبت مني إخفاءها تحت ثيابي. “ما زلت أحتفظ بتلك الطاقية في صرافة المنزل، فهي تحمل ذكريات زمن جميل”.

مشقة العمل بالزراعة وانعدام الأدوات الحديثة والظروف المناخية والمعاشية القاسية التي رافقت الفلاحين في ذلك الزمن لم تمنعهم من تحويل المواسم كـ “الحصاد والقطاف والدراسة والرجاد” إلى مناسبات للفرح والبسمة والغناء، وأحياناً الدبكة، ولعلّ أهمها “الحب” الذي ينشأ بين “الطواريد والقاطفين”.