فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أطفال المدارس في إدلب ينتظرون أيلولهم الأسود

منيرة بالوش

تقول أم يوسف إن طفلتها قدمّت لها “حصالتها” التي جمعت فيها النقود لعام كامل، قالت إنها كانت تحرم نفسها من كل ما يشتهيه الأطفال، أرادت شراء حقيبة زهرية اللون عليها أميرة وأرنب وحقل أخضر، على مضض قبلت الأم، بينما راحت الطفلة الصغيرة تنام مع حقيبتها في فراش واحد، وفي الصباح ترتدي حقيبتها الفارغة وتخرج أمام قريناتها في الخيام بحذاء مهترئ.

ترى أم يوسف إنه من المستحيل تلبية لوازم الدراسة كاملة، “نحتال لتمر السنة الدراسية بسلام”، وتأمل أن تستطيع تعليم أطفالها الأربعة، “خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا سوى تعليمهم كحلّ أخير”، حالها كحال الجميع تقول السيدة، وهو ما وافق عليه أبو عمر، فكسوة أطفاله الثلاثة تتطلب ما يزيد عن دخله الشهري، لذلك “اكتفى بشراء حقيبتين وثلاثة دفاتر وبعض الأقلام”.

يحلم (عدنان) ذو العشر سنوات، بحقيبة جديدة، غير تلك التي تلبسها أخته، وتصل إليه بالتقادم، وحذاءً وملابس جديدة، لا يهمه إن كان اللباس موحداً أم لا، هو لم يعتد ذلك في سنوات الدراسية الماضية، ويريد أقلاماً ملونة ودفاتر بأوراق بيضاء ناصعة، تشبه تلك المعروضة في المحلات التجارية والتي يقول أصحابها إنهم يخرجونها في كل عام ويقومون بترتيبها علّها تباع، ويصفونها بـ “البضاعة الكاسدة”.

لن يتأخر العام الدراسي في الوصول، أيلول يعلن قدومه، تقول الأمهات “انتظروا قليلاً علنا نرتي لهم بقايا اللباس القديم ونحيك لهم من بقاياه حقائب مدرسية”، بينما يطالب الآباء بفسحة صغيرة من الوقت وبضعة أمتار تتسع لأمتعة الوافدين، في الأرض المزروعة بزيتون مغبر تنحني طفلة على حضن والدتها لتخبرها أنها الآن في السادسة وبعد أيام سيكون يومها الأول في المدرسة.

اعتدنا في السنوات الماضية مشاهدة صور ومقاطع فيديو للوح خشبي ومقاعد مدرسية في واحدة من الخيام الكثيرة المنتشرة على طول الشريط الحدودي، بمبادرة فردية من معلّم متحمس لزراعة الأمل في أعين الطلبة، مدارس من قماش لكافة الصفوف، بعد خروج ما يزيد عن 650 مدرسة عن الخدمة لتعرضها للقصف في إدلب، في الأشهر الثلاثة الأخيرة زادت الحصيلة عن مئتي مدرسة، بحسب “منسقو استجابة سوريا”، ما أدى لحرمان مئتي ألف طالب من حقهم في التعليم.

مدارس أخرى غصّت بالساكنين لا الطلبة، بعد أن تحولت إلى ملاذ من الحرب، أخرى امتلأت ساحتها بالشهداء، بعضها تحوّل إلى ملاعب لأطفال يعبثون بالأنقاض، أما ما تبقى منها فلأطفال يحلمون بحقائب جديدة، بلباس مدرسي يتخيلون لونه وشكله وحذاء يسير بهم نحو مستقبلهم لا يمّر الماء من خلاله، ولا يترك الشتاء آثاره على أصابعهم الباردة.

يأتي الحلّ هذا العام من وزارة التربية في حكومة الإنقاذ، يقول قرارها بوجوب “توحيد اللباس المدرسي” دون إشارة لاستيعاب الطلبة الجدد وقسائم المازوت الدافئ وخيام للساكنين على مقاعد أطفالهم ولو بخيمة، والأهم من ذلك دون الحديث عن ثمن هذا اللباس وتبعاته على العائلات المرهقة الهاربة من الموت.

تبدو فكرة” اللباس الموحّد” لكافة طلاب المدارس بجميع المراحل، خطوةً جيدة لو كانت في ظروف عادية وفي دولة مكتملة الحقوق ، بعيدا ًعن الحرب والنزوح، ليساهم “الزيّ الواحد “في إلغاء الفروق المادية بين الطلبة ، ويُشعر بالمساواة والالتزام بقوانين المدرسة كما في باقي الدول ، إلاّ أن القرار كما أيلول جاء متسرعاً، ولاسيما في هذا الوقت بالذات في بلد لم ينجُ أهله من دفع ضرائب الحرب منذ تسع سنين، ليدفع ثمن ملابس المدرسة التي قد ترهق أي عائلة لديها أكثر من طفلين في المدرسة. يقول من التقيناهم “الأجدر بالحكومة أن توزّع اللباس بالمجان على الطلبة مع الحقائب والقرطاسية كاملة كنوعٍ من دعم العملية التعليمية وتحمل جزء من الأعباء المادية عن الأهالي في هذه الظروف السيئة”.

في الأسواق تخطف لوائح الأسعار المرتفعة نظر الأهالي قبل معاينة جودتها، سريعاً يتنقلون أمام الواجهات التي يبدأ فيها سعر أي حقيبة بـ 2500 ليرة ولا ينتهي عند حدود، مثلها أسعار الحذاء والقميص والبنطال والقرطاسية، إذ لا تقل كلفة لوازم طالب واحد في الحد الأدنى عن 12 ألف ليرة ثمن “حقيبة من النوع الردي وبدلٍ واحد من الألبسة ودفتر وبضعة أقلام”.

تقول أم يوسف إن طفلتها قدمّت لها “حصالتها” التي جمعت فيها النقود لعام كامل، قالت إنها كانت تحرم نفسها من كل ما يشتهيه الأطفال، أرادت شراء حقيبة زهرية اللون عليها أميرة وأرنب وحقل أخضر، على مضض قبلت الأم، بينما راحت الطفلة الصغيرة تنام مع حقيبتها في فراش واحد، وفي الصباح ترتدي حقيبتها الفارغة وتخرج أمام قريناتها في الخيام بحذاء مهترئ.

ترى أم يوسف إنه من المستحيل تلبية لوازم الدراسة كاملة، “نحتال لتمر السنة الدراسية بسلام”، وتأمل أن تستطيع تعليم أطفالها الأربعة، “خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا سوى تعليمهم كحلّ أخير”، حالها كحال الجميع تقول السيدة، وهو ما وافق عليه أبو عمر، فكسوة أطفاله الثلاثة تتطلب ما يزيد عن دخله الشهري، لذلك “اكتفى بشراء حقيبتين وثلاثة دفاتر وبعض الأقلام”.

يحلم (عدنان) ذو العشر سنوات، بحقيبة جديدة، غير تلك التي تلبسها أخته، وتصل إليه بالتقادم، وحذاءً وملابس جديدة، لا يهمه إن كان اللباس موحداً أم لا، هو لم يعتد ذلك في سنوات الدراسية الماضية، ويريد أقلاماً ملونة ودفاتر بأوراق بيضاء ناصعة، تشبه تلك المعروضة في المحلات التجارية والتي يقول أصحابها إنهم يخرجونها في كل عام ويقومون بترتيبها علّها تباع، ويصفونها بـ “البضاعة الكاسدة”.

تجترح بعض الأمهات حلولاً لإسعاد أطفالهن، كما تفعل (سميرة) وهي أم لثلاثة أطفال باستعارة الملابس والحقائب المستعملة من أطفال أقاربها الذين يكبرونهم سناً، وبعض الدفاتر المتبقية من العام الماضي، أو كجارتها (رهام) التي حاكت لابنتها حقيبة من قماش بنطال جينز قديم لتوفر ثمن شرائها! بينما تستسلم

(عفاف) للأمر الواقع ولا تكترث بالحقائب الجديدة، والملابس الزاهية فهي مشغولة بتحضير مونة الشتاء لتشبع أولادها السبع ومستعدة لإرسال أبنائها بملابسهم البيتية، المهم بالنسبة لها أن يتعلموا ويلحقوا بما فاتهم من تقصير في السنين الماضية، بدل أن يبقوا بلا تعليم، كما حدث مع كثير من العائلات، التي تخلّت عن فكرة التعليم واستسلمت للأمر الواقع.

غابت عن قرارات مديرية التربية معالجة مشاكل التسرّب الدراسي وعمالة الأطفال، وانشغلت باختيار اللون البني الذي فرضته (لصدرية) طلاب المرحلة الابتدائية، لتعيد ذاكرتنا إلى أيامٍ خلت، كنا فيها طلاباً صغاراً في طلائع البعث، نلبس الزي البني والفولار البرتقالي ونردّد شعار الوحد والحرية والاشتراكية! ونقف باحترام وإجلال للعلم الأحمر الذي يُقتل أطفالنا اليوم برعاية حماته وحامليه، فهل سنُلبس أطفالنا ذات اللون متناسين “حقبة التدجين” التي حرصوا على تلقيننا إياها منذ الصغر لنهتف باسم القائد الخالد بكرة وعشية.