فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بازار الأربعاء في إدلب “حِجّة وحاجة”

تضيع السيدة في الزحام، أعداد المشترين كفيلة بتغيير مشاهد الوجوه كل دقيقة، بينما تبقى وجوه الباعة وأصواتهم راكوراً ثابتاً إلى نهاية اليوم.
يحاول معظم المشترين من البازار التوجه باكراً إلى السوق للحصول على البضاعة الأفضل، وينتظر قسم منهم بجانب بائعي البالة في انتظار فتح أكياس جديدة ووضعها على البسطات لتتناقلها الأيدي، بحثاً عن الجودة والمقاس المناسب.
يتعجب أبو محمد (صاحب السيارة البيضاء الكبيرة التي تحتل الركن ذاته من البازار في كل أربعاء لبيع البالة لا سيما الأوروبية) من خفة يد النساء في البحث عن أفضل القطع الملائمة، ترتفع أيديهن وتنخفض بعشوائية واضحة لإخراج خفايا الكيس بحركات متواترة، يصفها الرجل بـ “كثبان من الرمل المتحرك يعج بالألوان تحيط به أيدي النساء كيلا تقع”.

في مكان طرفي من مدينة إدلب بالقرب من مدرسة حطين في حي الجامعة وبعيداً عن أسواق المدينة الرئيسية، يتجمع السكان في سوق شعبي يعرف بـ “بازار الأربعاء”، وهو السوق الأكثر شعبية إذ ينهي دور الوسيط بين المنتج والزبون، فتصله البضائع بأسعار زهيدة ما جعله مقصداً لشريحة واسعة من أهالي المدينة والوافدين وأبناء المناطق الريفية.

يشغل البازار مساحة واسعة مسقوفة، تتوزع تحتها ملابس البالة والأحذية المستعملة، والحقائب وبسطات خاصة بالمفروشات المنزلية كالستائر والوسائد، وألعاب الأطفال والدمى القطنية، وبسطات خاصة بالقرطاسية المدرسية، والحقائب الجديدة وبعض الكتب، بينما تفرش مئات الأمتار على امتداد السوق بمختلف أنواع البضائع الأخرى من خضار وفواكه، وحبوب وبقوليات والمعلبات، وأكياس التوابل والبهارات إضافة إلى الألبان ومشتقاته، حتى المعجنات والحلويات لها نصيب من البازار.

“بازار الأربعاء” فرصة جيدة لمحدودي الدخل للحصول على مستلزماتهم بأقل كلفة، إضافة إلى أنه يوفر فرصة عمل لعدد ليس بقليل من الوافدين والمقيمين على حد سواء، ناهيك عن كونه طقساً أسبوعياً ومتنفساً للسكان، خاصة النساء اللواتي يعتبرنه يومهم الأسبوعي بامتياز، بحسب من التقيناهم في السوق.

منذ ساعات الصباح الباكر في يوم الأربعاء تمتلئ ساحة السوق الواسعة بمختلف أنواع البضائع والأدوات المنزلية، سيارات محملة بأكياس الملابس المستعملة “البالة” أكثر ما تشاهده هناك على جانبي الطريق، بينما تحمل الدراجات النارية العبء الأكبر في نقل البضائع الأخرى، يقول أبو سعيد (من مدينة أريحا) إنه يحمل على دراجته النارية عبوات المونة البلاستيكية كـ “دبس البندورة والفليفلة والمكدوس” ليبيعها في البازار، يخبرنا أن أهل المدن يفضلون بضاعته المنزلية عن تلك الموجودة في الأسواق، وإن زبائن خاصين يطلبون ما يبيعه ويترددون أسبوعياً لشرائها من البازار.

في زحمة السوق لا يصل إلى سمعك سوى أصوات الباعة للفت انتباه المشترين إلى بضائعهم، يختارون جملاً معبرة ومختصرة للدلالة على جودة وانخفاض أسعار المواد التي يبيعونها.

“قرّب يا طيب… تعا ذوق وجرب” جملة يكررها بائع الموالح وتكاد تذهب بصوته المتعب من كثرة الصياح، يحورها كيفما يريد وبنغمات مختلفة، ويستغني بعبارته التي يتبعها بالأسعار عن وضع لوائح سعرية على المكسرات التي يبيعها. تتزاحم الأيدي للحصول على الأكياس، بينما تنصح سيدة من يقف إلى جانبها من النساء “اشتري منو، بضاعتو رخيصة ومجربة”.

على الطرف المقابل لبائع الموالح تجرّ سيدة خمسينية عربة أطفال ملأتها بمختلف المشتريات، تركنها إلى جانب بسطة للخضار والفواكه، قبل أن تبدأ بشراء ما يلزمها بعد مفاصلة البائع واختيار فاكهتها قطعة قطعة، تبتسم لرؤيتنا وتشير لنا أن “الأسعار مناسبة هذا اليوم”.

تضيع السيدة في الزحام، أعداد المشترين كفيلة بتغيير مشاهد الوجوه كل دقيقة، بينما تبقى وجوه الباعة وأصواتهم راكوراً ثابتاً إلى نهاية اليوم.

يحاول معظم المشترين من البازار التوجه باكراً إلى السوق للحصول على البضاعة الأفضل، وينتظر قسم منهم بجانب بائعي البالة في انتظار فتح أكياس جديدة ووضعها على البسطات لتتناقلها الأيدي، بحثاً عن الجودة والمقاس المناسب.

يتعجب أبو محمد (صاحب السيارة البيضاء الكبيرة التي تحتل الركن ذاته من البازار في كل أربعاء لبيع البالة لا سيما الأوروبية) من خفة يد النساء في البحث عن أفضل القطع الملائمة، ترتفع أيديهن وتنخفض بعشوائية واضحة لإخراج خفايا الكيس بحركات متواترة، يصفها الرجل بـ “كثبان من الرمل المتحرك يعج بالألوان تحيط به أيدي النساء كيلا تقع”.

في نهاية القسم المخصص للملابس تقف سيدتان في العقد الرابع من العمر، تعلقان على قضبان حديدية مجموعة من الفساتين الصغيرة متنوعة المقاسات، يغلب عليها لمسة الخياطة المنزلية، تقولان إن البازار شكل لهن فرصة لعرض أعمالهن وكسب قوت يومهن، تضيف إحداهما أن “السوق والزحام أفضل الأماكن لتصريف ما يخطنه بأيديهن”.

تنوع البضائع في مكان واحد ساهم في تحول البازار إلى مقصد للسكان، لشراء كافة احتياجاتهم دفعة واحدة دون عناء التردد على أسواق مختلفة، وهو ما تفعله أم وليد الحمصي وجارتها اللتان تترافقان معاً للتسوق، تقول أم وليد إنها تقصد بداية عربات المنظفات والأدوات المنزلية لتعويض النقص في مطبخها، قبل أن تتجه إلى سوق الملابس، وتختتم جولتها بسوق الخضار والفواكه.

بينما تبحث “ولاء” (مهجرة من حلب) وسط الزحام عن بسطة الأدوات الزجاجية “المستعملة”، وبالرغم أنك لن تجد قطعتين متشابهين فيها، فكل صحن بنقشة وحجم مختلف، مع ذلك تقبل عليه السيدات كونه من الزجاج القديم المفضل لهن، فالسيدة ولاء تقول إنه يذكرها بأطقم زجاجية كانت في بيتها بحلب قبل تدميره، وله ذكرى عزيزة في قلبها.

ليس ببعيد عن الأدوات المنزلية تفترش قطع الخردة والأدوات الكهربائية المستعملة وبعض من الأدوات الزراعية مساحة من السوق، ويلتف حولها الرجال للبحث عن شيء مفيد يمكن استعماله، ولكل بسطة زوراها ولا تكاد ترى بسطة خالية من الأشخاص الذين يقلبونها رأسا على عقب.

(القطعة بـ 100 والتلاتة بـ 200) ينادي “محمود ” من على بسطته بأعلى صوته ليجذب المارة لبسطة ملابسه الولادية بسعره الرخيص وعرضه المغري، ليقضي ليلته بتلصيق قطع المئة ليرة المهترئة.

تعتبر البازارات بأي منطقة في العالم مكاناً اقتصادياً، وطقساً ملازماً لأهالي المدينة لا غنى عنه كونه ملتقى اجتماعي يعج بالحركة الحياة، لاسيما في مناطق كالشمال المحرر، التي هربت مدنه من الموت بحثاً عن بقايا حياة في أي مكان يعيد لها روحها وفرحها.

منيرة بالوش

“البيرين” حل بديل لغلاء المحروقات في إدلب

عبدالحميد حج محمد

يقول إبراهيم محمد (من ريف إدلب) إنه يعتمد على البيرين في التدفئة منذ ثلاث سنوات، ويصفه بـ “الأفضل بالنسبة لظروف السكان”، وليس الأكثر جودة بين أنواع الوقود، فبسعر طنّ واحد من الحطب الجيد (متوسط سعر الطن من الحطب الجيد 75ألف ليرة) أو برميل للمازوت (يصل سعر المكرر منه إلى 65 ألف ليرة) يمكن شراء “طنّين من البيرين” تكفي لكامل أيام الشتاء، إذ يقدر سعر الطن من البيرين بـ 40 ألف ليرة، نظراً لطول مدة احتراقه وتدفئته الجيدة.

تتكدس آلاف القوالب الدائرية أسطوانية الشكل من مادة البيرين أمام معاصر الزيتون في إدلب لبيعها كوقود للتدفئة، بعد أن بات الحصول على الوقود (المازوت) يستدعي أكلافاً مادية عالية تفوق قدرة السكان، كذلك ارتفاع أسعار الحطب وما يرافق الفحم الحجري من أمراض تنفسية.

والبيرين هو لب حبة الزيتون بعد فصلها خلال عملية عصر الزيتون، وإخضاعها للمعالجة والتنشيف ليتم استخدامها كوقود للتدفئة، ازداد استخدامه في العامين الماضيين بعد أن كان يقتصر استخدامه في بعض المناطق كـ “عفرين” الغنية بالزيتون، أو لتدفئة المداجن والبيوت البلاستيكية، كذلك استخدامه بعد حرقه وتحويله إلى فحم “للنارجيلة” وفي بعض الأحيان كسماد عضوي.

يقول إبراهيم محمد (من ريف إدلب) إنه يعتمد على البيرين في التدفئة منذ ثلاث سنوات، ويصفه بـ “الأفضل بالنسبة لظروف السكان”، وليس الأكثر جودة بين أنواع الوقود، فبسعر طنّ واحد من الحطب الجيد (متوسط سعر الطن من الحطب الجيد 75ألف ليرة) أو برميل للمازوت (يصل سعر المكرر منه إلى 65 ألف ليرة) يمكن شراء “طنّين من البيرين” تكفي لكامل أيام الشتاء، إذ يقدر سعر الطن من البيرين بـ 40 ألف ليرة، نظراً لطول مدة احتراقه وتدفئته الجيدة.

يشتري السكان “البيرين” خلال الشهر الأخير من الصيف، تقول أم مصطفى إن أسعاره ترتفع مع بداية الشتاء وزيادة الطلب عليه، كذلك الأمر يتعلق بتجفيفه، إذ يعتبر البيرين الرطب بديلاً سيئاً للتدفئة بسبب رائحته الكريهة وصعوبة إشعاله.

وفرة أشجار الزيتون في إدلب ساهم في اعتماد السكان على البيرين الناتج عن مخلفات ثماره للتدفئة، كذلك افتقار المحافظة لمعامل الفرز التي كانت تهيئ زيت البيرين لصناعة الصابون، وهو ما ميز البيرين الحالي بسرعة الاشتعال والجودة العالية عن المفروز الذي تسحب منه الزيوت.

لا وجود لمعامل البيرين في المنطقة، إلّا أن أصحاب معاصر الزيتون وممتهني صناعته لجؤوا إلى استيراد المكابس من تركيا أو صناعتها محلياً، وعن آلية صناعته يقول محمود صطوف (صاحب واحدة من ورش صناعة البيرين في إدلب) إنه “يتم جمع بيرين الموسم ووضعه في أماكن مخصصة حتى الصيف، يكون عندها قد اختمر وجفّ تماماً، لتبدأ عملية كبسه من خلال آلات مخصصة على شكل قوالب اسطوانية بطول وعرض مخصص، تجمع هذه القوالب وتعرض لأشعة الشمس حتى تجف مرة أخرى ثم يتم تعبئتها بأكياس وعرضها للبيع”.

لا يحتاج البيرين إلى مدافئ خاصة، إذ بالإمكان استخدام جميع مدافئ الحطب المتوافرة، فلا فرق بين “هيكله وهيكل الحطب” بحسب أم مصطفى التي قالت إن الفارق الوحيد يكمن في الرائحة التي يصدرها والتي تزيد في حال تعرضه للأمطار والرطوبة، وتشبهها برائحة “العفونة الكريهة”، كما أن احتواءه على الزيوت يسهم في سرعة اشتعاله مقارنة بالحطب.

تعمل ورش البيرين خلال أشهر الصيف، لحاجته لأشعة الشمس القوية في التجفيف، وتوفر فرص عمل لكثير من أبناء المنطقة، إذ تحتاج كل ورشة نحو ثمانية عمال لتشغيلها، يتقاضون أجوراً “مناسبة” بحسب الصطوف.

يجترح سكان المنطقة حلولاً لمواجهة الشتاءات القاسية، كالتدفئة على ألبسة وأحذية البالة، والبلاستيك والكرتون، في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها، ويبقى البيرين أحد أفضل الحلول أمامهم، بأضرار صحية قليلة وكلفة مادية معقولة.

عبد الحميد حاج محمد

نبع الفيجة.. تعويذة “الماء والدم”: مفاوضات بين المتصارعين تهمل عطش سكان النبع التاريخي وتهجرهم

منيرة بالوش

مع خروج نبع الفيجة عن الخدمة واستمرار القصف، سارعت قوات الأسد الى اتهام الفصائل المعارضة بتدمير النبع وتلويث وتسميم مياهه، مع نفي الأخيرة لذلك وتحميلها المسؤولية لقوات النظام.
ومع تبادل الاتهامات بين المعارضة والنظام، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 14 آذار2017، تقريرًا يؤكد “إن الطيران الحكومي السوري تعمّدَ قصف نبع المياه. الذي توقّفَ عن ضخّ المياه إلى دمشق، وحُرم حوالي خمسة ملايين ونصف المليون شخص من المياه لمدة شهر كامل دارت خلاله معارك غير متكافئة بين الثوار وقوات النظام وحلفائه عانى خلالها الجانبين من توقف المياه”.
وقالت اللجنة الأممية “إن فصائل المعارضة لم تقدم على تسميم خزان المياه.. ولم تظهر مؤشرات على أشخاص يعانون من عوارض مرتبطة بتسمم المياه قبل القصف الجوي الذي أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالخزان”.

 

تجلّى الصراع على مصادر المياه خلال السنوات الأخيرة، في الثورة السورية، وبرز كواحد من أهم أهداف السيطرة، وورقة ضغط استخدمت في المفاوضات وأداة من أدوات الحصار على المدنيين لإجبارهم على المصالحة أو تهجيرهم عن مناطقهم، فيما عدّته الأمم المتحدة “جريمة حرب” ترتكب بحق السكان بهدف إخضاعهم وتعطيشهم.

تفسير المنظمة الدولية جاء اعتماداً على المادة 54 (1) و (2) من البروتوكول الإضافي للقانون الدولي الإنساني والتي تحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية وشبكـات مياه الشرب والري.

لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وصفت في 14 آذار 2017، القصف الذي استهدف مياه نبع الفيجة بـ “جريمة حرب”، إذ

تم استخدام نبع الفيجة كسلاح حرب، باعتباره أهم الينابيع التي تغذي أعداداً كبيرة من السكان بمياه الشرب، إضافة لمياه الري.

أهمية النبع تاريخياً

عرفت منطقة وادي بردى بأقدم المناطق المأهولة بالسكان في العالم، بدء من العصور الآرامية واليونانية ومن ثم الرومانية، ويعود اسم “الفيجة” في الأصل لكلمة يونانية هي “بجة” وتعني نبع الماء أو العين، ويقال إن أصلها إغريقي وتعني المنطقة المنخفضة المحصورة بين الجبال.

وتقع بلدة عين الفيجة في قلب السلاسل الجبلية بارتفاع (890) متر عن سطح البحر، يحيط بها جبل الهوات من الشرق وجبل القلعة من الجنوب ويخترقها نهر بردى الذي يُعتبر بمثابة شريان الحياة لمدينة دمشق، فهو النهر الوحيد الذي يمر بها، مغذياً البساتين والأراضي الزراعية على أطرافها من أشجار الجوز والعنب والزيتون والتين غيرها من الأشجار المثمرة، مشكلة زناراً أخضراً حول المنطقة مما زاد في جمالها ورونقها.

وتحتوي الحديقة المحيطة بالنبع على مجموعة كبيرة من القِطَع الحجريّة المشغولة منها أجزاء من أعمدة أسطوانية وقواعد وسواكف وحجارة بناء وأجران وجزء من قناة حجرية بالإضافة لوجود “مذابح صغيرة” إذ تروي الأساطير المتناقلة أن النساء الحسناوات كانت تُذبح عليها كقرابين استرضاءً لآلهة النبع وطلباً منها في استمرارية العطاء وهبة الحياة المتمثلة بمياه النبع في مشهدٍ قد يجمع الموت والحياة معاً.

يقال إنَّ زنوبيا ملكة “تدمر” نقلت مياه النبع إلى البادية عبر نفق قديم مازال موجوداً إلى يومنا هذا. ويُذكر أن دمشق قديماً كانت تعتمد على مياه السيول، إلى جانب الجر اليدوي للمياه من بعض العيون الموجودة حول المدينة (عين الكرش-عين الفيجة -عين الزينبية -عين علي) إلى أن استطاع الوالي “ناظم باشا” سحب جزء من مياه الفيجة إلى دمشق بأنابيب محكمة، وتوزيعها على مناهل منتشرة في أنحاء المدينة.

وفي عام 1925 بدأ مشروع تمديد مياه الفيجة من جديد إلى دمشق وانتهى سنة 1932م. إذ تم حفر قناة في جوف الجبال الصخرية حتى الخزان الأعلى في جبل قاسيون بطول (18 كلم) وهي مؤلفة من أربعين نفقاً وثلاث قنوات مبنيّة، وأربعة جسور في الأودية الكبيرة التي يتراوح طولها بين (15-50) متراً.

ويقع نبع الفيجة ضمن ما يعرف بحوض دمشق، ويعتبر أكبر ينابيعه، ويتغذى من حوض القلمون وحتى “حسية” ويبلغ متوسط تصريفه السنوي (7.17) متر مكعب في الثانية، ويستثمر من مياهه سنوياً (4.6) متر مكعب في الثانية، لتغذية مياه شرب دمشق، وتتصف مياهه بنوعية عالية الجودة. يتدفق نبع الفيجة من سفح جبل القلعة وتبلغ غزارته نحو ثلاثين متراً مكعباً في الثانية بفصل الربيع، وتتميز مياهه بالعذوبة والنقاء، لأنها تخرج من بين الصخور الكلسية بعيداً عن مصادر التلوث.

الفيجة ورقة بيد الفصائل المسلحة

التحقت بلدات وقرى وادي بردى بالثورة السورية منذ بدايتها، وظهرت الفصائل العسكرية فيها ابتداء من شباط 2012 تحت مسمى “الجيش الحر” وأهمها لواء أبدال الشام، جيش تحرير الشام، جيش الإسلام وحركة أحرار الشام.

ومع بداية 2013 دخلت “جبهة النصرة” وقتها والتي تحول اسمها فيما بعد إلى “هيئة تحرير الشام مروراً بفتح الشام” وبسطت سيطرتها على قرى الوادي لأهميتها الاستراتيجية، وقربها من مناطق الزبداني وسرغايا، وبالدرجة الأهم السيطرة على نبع الفيجة، لتمسك منذ ذلك الوقت بورقة رابحة في وجه النظام، خاصة وأن النبع يمثل شريان المياه الذي يسقي دمشق وضواحيها، فهو خزان العاصمة الذي يبعد عنها (15كلم) ويزودها بثلثي حاجتها من مياه الشرب.

أبقت النصرة على المهندسين والفنيين الذين يعملون في النبع على رأس عملهم، وفي ذات العام فرضت قوات النظام حصاراً على بعض البلدات في الوادي والزبداني ومنعت إدخال المواد الغذائية إليهم، خاصة بلدتي مضايا وبقين، تطور ذلك الحصار في تموز 2015 إلى قطع كافة الطرق المؤدية إلى دمشق، ومنع إدخال المواد الغذائية والطبية ومنع الناس من الدخول أو الخروج من هذه البلدات، دام الحصار قرابة خمسة أشهر وسط ظروف إنسانية سيئة، ما دفع الفصائل العسكرية لاستخدام عين الفيجة للمرة الأولى كورقة ضغط على قوات الأسد لفتح الطرقات وإدخال الطحين والمواد الغذائية، تم بالفعل فتح الطريق في 24/12/2015، ودخلت ورشات الصيانة وأصلحت خط المياه مقابل ذلك.

استخدمت ورقة نبع الفيجة مرات عديدة، وهددت الفصائل بقطع ضخ المياه نحو العاصمة، وصدرت تصريحات من قبل بعضها بتلغيم أنفاق في حرم النبع، وذلك عند موجات القصف الشديد واستهداف المدنيين في المنطقة أو حصارهم، ويقول أبو عمر الفيجاني (55 عاماً) وهو أحد أبناء بلدة عين الفيجة إن الفصائل العسكرية فاوضت مرات عديدة قوات النظام لإطلاق سراح معتقلين من صفوفها تم اعتقالهم عند حاجز الأشرفية كرهائن مقابل ضمان وصول المياه، أو لفتح الطرقات ومنع قصف المدنيين.

بداية الدم والحصار

في نهاية 2016 وتحديداً في 23 كانون الأول، شنت قوات النظام حملة عسكرية في منطقة الوادي، مع إطباق للحصار على المنطقة، وكان أول استهداف لها لمنشأة عين الفيجة بالصواريخ والبراميل المتفجرة، ويظهر فيديو نشرته الهيئة الإعلامية في وادي بردى دماراً في المنشأة ومحيطها وأضراراً جسيمة في البناء واشتعال للنيران.

ويظهر فيديوهان آخران تم نشرهما في الثالث عشر والرابع عشر من كانون الثاني استهداف النبع مرة أخرى، واحتراق سيارات ورش الصيانة وأصوات للقصف والاستهداف بالمدفعية والرشاشات الثقيلة، ناهيك عن الطيران الحربي والمروحي.

تسببت هذه الهجمات بتوقف النبع عن ضخ المياه بعد تدمير حوالي 50% من مشغلاته، وكذلك دمرت مضخات وآليات كبيرة، كما نسفت مستودعات المحروقات ومواقع تخزين كلور المياه الملاصقة للنبع، ما أدى لاختلاطها بالمياه الصاعدة من جوفه وتلوثها.

نبع عين الفيجة (المصدر: موقع كلنا شركاء)
نبع عين الفيجة (المصدر: موقع كلنا شركاء)

ومع خروج نبع الفيجة عن الخدمة واستمرار القصف، سارعت قوات الأسد الى اتهام الفصائل المعارضة بتدمير النبع وتلويث وتسميم مياهه، مع نفي الأخيرة لذلك وتحميلها المسؤولية لقوات النظام.

ومع تبادل الاتهامات بين المعارضة والنظام، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 14 آذار2017، تقريرًا يؤكد “إن الطيران الحكومي السوري تعمّدَ قصف نبع المياه. الذي توقّفَ عن ضخّ المياه إلى دمشق، وحُرم حوالي خمسة ملايين ونصف المليون شخص من المياه لمدة شهر كامل دارت خلاله معارك غير متكافئة بين الثوار وقوات النظام وحلفائه عانى خلالها الجانبين من توقف المياه”.

وقالت اللجنة الأممية “إن فصائل المعارضة لم تقدم على تسميم خزان المياه.. ولم تظهر مؤشرات على أشخاص يعانون من عوارض مرتبطة بتسمم المياه قبل القصف الجوي الذي أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالخزان”.

الناشط الإعلامي رضوان علي باشا وهو من أبناء الفيجة يقول إن “النظام استخدم أسلحة ثقيلة في قصف النبع والبلدة بشكل عام، من صواريخ” أرض، أرض” وصواريخ ” فيل” وبراميل متفجرة ذات تدمير شامل أدت إلى إحداث أضرار جسيمة في هيكل النبع وبنيته”.

ولا يُستبعد أن جزء كبيراً من مياه النبع قد غارت في باطن الأرض نتيجة لتصدّع الصخور وهذا ما يتكتّم عنه النظام أمام الإعلام كي لا يكون السبب في أي مشكلة تلحق بالنبع”

سكان عين الفيجة عطشى

يقول أبو محمود من سكان بلدة “دير مقرن” المحاذية لـ عين الفيجة وتعتمد على النبع في الشرب وسقاية المزروعات إن عائلته ومن تبقى في البلدة عانوا من شح في مياه الشرب، ما اضطرهم للعودة إلى طرق تقليدية للحصول على المياه من الآبار المحفورة في البساتين وضخها عبر مولدات صغيرة، أو الاعتماد على مياه البحيرات، غير المخصصة للشرب، والتي كانت مخصصة للمزروعات وسقاية المواشي.

في الوقت الذي نزح معظم أهالي عين الفيجة عن المكان الذي بات في مرمى القناص الحراري الذي لم يوفر “حتى قطط الشوارع” بحسب بعض من التقيناهم، وبات الوصول إلى النبع لتأمين مياه الشرب مغامرة لا يمكن النجاة منها.

يقول أبو محمود إنه وبعد مرور أربعة أسابيع من الحصار الخانق، ودخول فصل الشتاء القاسي في المنطقة الجبلية المغطاة بالثلوج، كان عليهم التسلل ليلاً لإحضار المياه من البحيرة الآسنة بالأوعية والجرار الصغيرة على دفعات لملء برميل يكفيهم ليوم واحد، ويمتنعون عن الخروج نهاراً خوفاً من القناص.

وفي السابع من كانون الأول 2017، توصلت قوات الأسد والفصائل المعارضة إلى حل مبدئي يقضي بدخول ورشات الصيانة إلى عين الفيجة بهدف صيانة مضخات المياه، إلّا أن ذلك لم يحدث واستؤنفت العمليات العسكرية وانسحبت الفصائل من منطقة عين الفيجة ووصلت قوات الأسد إلى قوسها بتاريخ 28 كانون الأول 2017 لتبدأ مفاوضات جديدة حول تسوية وادي بردى وحرب المياه.

التسوية نصت على دخول ورشات الصيانة وإصلاح تجهيزات النبع تمهيداً لإعادة ضخ المياه إلى دمشق، بالإضافة إلى خروج أكثر من (700) من عناصر الفصائل مع عوائلهم بسلاحهم الفردي إلى إدلب وذلك خلال 48 ساعة، وتم تنفيذ الاتفاق بالفعل.

ويؤكد الباشا أن هناك بلدة بعمر التاريخ كانت جنة حاضرة على الأرض، دُمرت ومسحت من قبل قوات الأسد، إذ بلغت نسبة الدمار في المنطقة اليوم  90% من المنازل والمرافق والبنى التحتية في قرى وبلدات الوادي، ليحولها بعد استيلائه عليها إلى منطقة عسكرية بدء من “قرية البسيمة وحتى دير مقرن” بحجة الحفاظ على النبع، فيما بسطت الحكومة سيطرتها على أراضي شاسعة وفق القانون رقم (1) لعام 2018 القاضي بإنشاء حرم حول “نبع الفيجة” الذي صدر بناء على مقترح من مجلس الشعب نهاية كانون الأول 2017، وعليه تم الاستيلاء على الأراضي المحيطة بالنبع المائي ويتراوح عرضها بين 10 إلى 20 متر على امتداده وتحويلها إلى أملاك دولة.

المنصات التعليمية عبر الإنترنيت “يالله المهم شهادة”

فداء الصالح

يرى غيث محمد “مهجر إلى الشمال السوري” أن ما تقدمه المنصات من فرص دراسية للطلاب تحمل الكثير من السلبيات التي لا يمكن التغاضي عنها إذ تفتقد المنصات التعليمية إلى الجانب الاجتماعي “الإنساني” في العملية التعليمية، وضعف التفاعل المباشر مع المعلم، وغياب الدور الحقيقي له ما يؤثر على دافعية الطالب للتعلم وتراجعها مع الوقت تدريجياً في غالب الأحيان، كما أن المادة العلمية غالباً ما تعتبر ضعيفة وسطحية ولا تحمل القدر الكافي من المعلومات التفصيلية، وخفض مستوى الإبداع والابتكار خاصة في إجابات الامتحان، ومن أكثر نقاط الضعف التي تؤثر على مصداقية الشهادة أن الطالب قادر على إعادة الامتحان بشكل مباشر في حال فشل في تجاوزه عدة مرات بدون تغيير الأسئلة، وتلعب التقنية الحديثة الدور الأبرز في هذا النوع من التعلم ولا تزال ضعيفة نسبياً في سوريا كضعف الإنترنت والأجهزة المستخدمة غالباً هي الهواتف الذكية التي لا تساعد كثيرا في هذا الأمر.

وجدَ كثير من الشباب السوري الذي يسكن مناطق المعارضة في “التعلم عن بعد” طريقاً لإكمال تحصيلهم العلمي، بعد أن حالت الظروف الأمنية والعسكرية من متابعة دراستهم في المعاهد والجامعات الواقعة تحت حكم النظام، خوفاً من الاعتقال أو السوق إلى خدمة العلم ليلجؤوا إلى التعليم الافتراضي عن طريق منح تعليمية مجانية أو بحسومات كبيرة على الرسوم تصل أحياناً إلى 90% من قيمتها، أو عن طريق المنصات التعلمية التي راجت في الآونة الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

والمنصات التعليمية المفتوحة عبارة عن مواقع إنترنيت تتيح للمتعلمين دراسة مقررات تعليمية يطلق عليها (مساقات أو كورسات) وفق فترة زمنية محددة بساعات أسبوعية، ويمكن للمستفيدين منها الدراسة في أي وقت عبر محاضرات مرئية مسجلة مصحوبة بنظام التعليقات والدردشة والأسئلة بين المحاضر والمتعلم، أو بين المتعلمين أنفسهم، وتحتوي على اختبارات أسبوعية أو شهرية ونظام علامات، إضافة إلى نظام تقييمي للزملاء في بعض هذه المنظمات. وينتهي المساق بشهادة نجاح إلكترونية ترسل على إيميل المشترك أو يحصل عليها بشكل نسخة كرتونية بعد دفع الرسوم عبر البريد.

يقول تيسير محمد (أحد المهجرين من دمشق وطالب سابق في معهد شرعي) إن عدم إمكانية مواصلة التعليم في الجامعات والمعاهد سواء في مناطق النظام لأسباب أمنية أو حتى في مناطق المعارضة لأسباب اقتصادية تتمثل في بعد المكان وصعوبة التنقل والأكلاف المالية، إضافة إلى ضياع معظم أوراق الطلبة أو استحالة الحصول عليها من أماكن دراستهم القديمة بعد اشتراط الحضور الشخصي، زاد من توجه الطلبة نحو المنصات التعليمية التي غالباً ما تقدم منحاً مجانية للطلبة السوريين.

ويرى محمد أن إمكانية التسجيل في هذه المنصات بعيداً عن تعقيدات وصعوبات الالتحاق بالجامعات والمعاهد العامة، خاصة فيما يتعلق بموضوع الشهادات التعليمية والتي بات الحصول عليها دون الحضور الشخصي المشروط يتطلب دفع مبالغ كبيرة كرشى تتجاوز 600 دولاراً، ساهم في زيادة الطلب والالتحاق بها، كما أنها أي الكورسات عبر المنصات مفتوحة ومتاحة في أي وقت ومكان، بحسب ظروف المتعلم، مع قدرته على اختيار الكورس الذي يرغب بدراسته بعيداً عن تخصصه الجامعي الذي تفرضه معدلات شهادته الثانوية.

بعض المنصات تقدم المساقات عبر جامعات ذات شهرة عالمية ما يجعل من الدراسة فيها والحصول على شهادة إلكترونية ممهورة من تلك الجامعات، دافعاً قوياً لدى الشباب الراغب بإكمال تحصيه العلمي. تلك الشهادات أصبحت تستخدم ضمن السيرة الذاتية للطالب أثناء التقديم على فرصة عمل جديدة رغم محدودية الاعتراف بها، ويستطيع الطالب اتباع مساق كامل “عدة كورسات” في مجال واحد ما يعطيه نوعاً من التخصص الدراسي في هذا المجال.

بالمقابل يرى غيث محمد “مهجر إلى الشمال السوري” أن ما تقدمه المنصات من فرص دراسية للطلاب تحمل الكثير من السلبيات التي لا يمكن التغاضي عنها إذ تفتقد المنصات التعليمية إلى الجانب الاجتماعي “الإنساني” في العملية التعليمية، وضعف التفاعل المباشر مع المعلم، وغياب الدور الحقيقي له ما يؤثر على دافعية الطالب للتعلم وتراجعها مع الوقت تدريجياً في غالب الأحيان، كما أن المادة العلمية غالباً ما تعتبر ضعيفة وسطحية ولا تحمل القدر الكافي من المعلومات التفصيلية، وخفض مستوى الإبداع والابتكار خاصة في إجابات الامتحان، ومن أكثر نقاط الضعف التي تؤثر على مصداقية الشهادة أن الطالب قادر على إعادة الامتحان بشكل مباشر في حال فشل في تجاوزه عدة مرات بدون تغيير الأسئلة، وتلعب التقنية الحديثة الدور الأبرز في هذا النوع من التعلم ولا تزال ضعيفة نسبياً في سوريا كضعف الإنترنت والأجهزة المستخدمة غالباً هي الهواتف الذكية التي لا تساعد كثيرا في هذا الأمر.

لا يمكن الاعتماد على الشهادات المقدمة من المنصات بشكل رئيسي حيث أنها لا تحمل اعترافاً، وكثير من المنظمات باتت ترفضها، إضافة إلى الآن المجدين في هذا النوع من التعليم قد يحصلون على عدة شهادات في مساقات مختلفة شهرياً ما يجعل إمكانية تصديقها ضعيفة لكثرتها وتعدد اختصاصاتها، كما أن ثقافة التعليم الذاتي ما تزال ضعيفة في مجتمعاتنا ولم تتجاوز التقيد بالنظام التقليدي، يكمل غيث.

يتداول الشباب السوري قضية المنصات المفتوحة فيما بينهم، وغالباً ما تمثل الهالة وأسماء الجامعات الكبيرة المحيطة بهذه المنصات إغراء للتسجيل في صفوفها، لسان حالهم يقول “يالله المهم شهادة أحسن من بلا”، عسى أن يتم الاستفادة منها أو قبولها في واحدة من فرص العمل النادرة في المنطقة.

“الدُبيركة” لبن الفقراء في شتاء إدلب

محمد جميل

تقول المدرّسة هدى إنها تشتري سنوياً ما يقارب خمسة عشر كيلو غراماً من الدبيركة لعائلتها المكونة من أربعة أشخاص، بعض العائلات “تمون أربعين أو خمسين كيلو” بحسب عدد أفراد العائلة والاعتماد عليها كغذاء يومي، ترى هدى أن هذه الأكلة حلّاً لغلاء الأسعار في الشتاء وضرورة لصناعة الأطباق التي تحتاج إلى الألبان التي تتضاعف أسعارها مرتين خلال الأشهر الأولى منه.
لطالما مثلت هذه الأطباق حلّاً لأهالي المنطقة لتعويض نواقص الخضار في الشتاء، كذلك الظروف الاقتصادية التي يعيشونها، يقول الحاج صطوف (70 عاماً) إن الدبيركة طبق قديم يعرفه منذ كان طفلاً، ورافقه خلال سنوات حياته، وإنها شكلت غذاء أساسياً لعائلته، إضافة لطقوس ما زال يذكرها عن تجمع العائلة حول المدفأة والخبز “المقمر” عليها، يرافقه صحن زيت الزيتون والدبيركة والكثير من الحكايات والأحاديث.

تنفرد أرياف إدلب ببعض الأطباق التي يألفها سكّان المنطقة، ولاقت قبولاً جيداً عند الوافدين إليها من مناطق مختلفة، إلّا أنها تعدّ سمة مميزة في حياة سكانها ومطابخهم ومؤونتهم، وتعدّ “الدبيركة” وهي “عبارة عن لبن يطبخ وقت موسمه ويغلى على النار ويضاف إليه الملح بكمية معينة ليتحول إلى مزيج صلب تستخدمه ربات المنازل في صناعة المأكولات شتاء، ويأكل منفرداً بعد إضافة الزيت والفليفلة الحمراء” أحد أهم هذه الأطباق التي لا يمكن الاستغناء عنها في المنطقة.

يقول أبو محمد من قرية زردنا بريف إدلب إنه يحتفظ بثلاثة مواشي من الماعز ليستفيد من حليبها ولبنها، إلّا أن السبب الأهم “صناعة الدبيركة” لاستخدامها شتاء، حيث تتناقص الخضار الطازجة وتقل كميات الحليب في المواشي لصناعة اللبن، على حد قوله فـ “الدبيركة بحليب الماعز أفضل وأكثر جودة من باقي الأنواع”.

محمد (30 عاماً) يقول إن أصدقاءه في السكن الجامعي بدمشق حين دراسته بالجامعة استساغوا طعمها، وكانوا دائمي السؤال عن مكوناتها، غالباً ما كانوا يشبهونها بـ “السوركي أو الشنكليش”، إلّا أنها تختلف في المذاق وطريقة الصنع.

وتعتمد بعض ربات المنازل على صناعة “الدبيركة” كمصدر رزق بعد ترك الكميات اللازمة للمونة، تقول أم محمد إنها تبيع الفائض عن حاجتها سنوياً للراغبين بشرائها، أو للنساء اللواتي اعتدن طعمها دون أن يتوفر لديهن الوقت والخبرة لصناعتها، إذ تقوم بتجميع الحليب رفقة جاراتها من أصحاب المواشي، كل مرة في منزل واحدة منهن، لفترة أسبوعـ ثم يقمن بـ “ديرها” وهي عملية التحضير التي تعتمد على تحريك اللبن في القدر بعد وضعه على الموقد لوقت يتجاوز الساعة حتى “تتطاير منه الفقاعات نتيجة الغليان”، وتمليحه وتجهيزه قبل أن يوضع في عبوات بلاستيكية أو زجاجية لتموينها أو بيعها.

الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

وتتميز الدبيركة بأنها لا تفسد وتتحمل ظروف الجو الطبيعية دون الحاجة للتبريد، ولمدة تزيد عن عام وذلك من خلال غمرها بزيت الزيتون في عنق الجام الزجاجي الذي يحتويها، إضافة لكونها تحوي نسباً عالية من الملح في تكوينها وهو ما يشكل مادة حافظة وطبيعية، وتبرز أهميتها في الظروف الحالية مع الانقطاع الكبير للكهرباء.

تقول المدرّسة هدى إنها تشتري سنوياً ما يقارب خمسة عشر كيلو غراماً من الدبيركة لعائلتها المكونة من أربعة أشخاص، بعض العائلات “تمون أربعين أو خمسين كيلو” بحسب عدد أفراد العائلة والاعتماد عليها كغذاء يومي، ترى هدى أن هذه الأكلة حلّاً لغلاء الأسعار في الشتاء وضرورة لصناعة الأطباق التي تحتاج إلى الألبان التي تتضاعف أسعارها مرتين خلال الأشهر الأولى منه.

لطالما مثلت هذه الأطباق حلّاً لأهالي المنطقة لتعويض نواقص الخضار في الشتاء، كذلك الظروف الاقتصادية التي يعيشونها، يقول الحاج صطوف (70 عاماً) إن الدبيركة طبق قديم يعرفه منذ كان طفلاً، ورافقه خلال سنوات حياته، وإنها شكلت غذاء أساسياً لعائلته، إضافة لطقوس ما زال يذكرها عن تجمع العائلة حول المدفأة والخبز “المقمر” عليها، يرافقه صحن زيت الزيتون والدبيركة والكثير من الحكايات والأحاديث.

محمد حمروش 

المرأة السورية والعمل

رفيف السيد

قدر “منسقو استجابة سوريا” نسبة النساء العاملات في إدلب بـ 15%، وهي إحصائية تخص العاملات بمجال التوظيف فقط، دون إيراد ذكر للعاملات في الزراعة أو المهن الحرة الأخرى، ويرى بعض النساء الإداريات في مراكز وتجمعات إدلب اللواتي التقيناهن أن النسبة أكبر من ذلك، إلّا أنه ومع ازدياد هذه النسبة برأيهن يبقى دور المرأة العاملة ضئيلاً، إذا ما أُخذ بالحسبان “زيادة عدد النساء مقابل الذكور في المنطقة بفعل المعارك والقصف والاعتقال والهجرة”، ووجوب الاعتماد عليهن في الأدوار المستقبلية بشكل أكبر، ليس فقط لتعويض النقص الحاصل بل لما يمتزن به من قدرة علمية وعملية، وترجع أهم أسباب تراجع نسبة العاملات في إدلب إلى طبيعة المجتمع المحافظة التي تمنع النساء، غالباً، من المشاركة في الكثير من المجالات، خاصة السياسية وبعض المكاتب الخدمية والأعمال التي تحتاج إلى التنقل والسفر والجهد العضلي، كذلك ظروف الحرب وما خلفته من غياب لفرص العمل، غالباً ما يفضل أرباب العمل الذكور عن الإناث في إنجاز الأعمال، ناهيك عن النزوح واللجوء إلى السكن في المخيمات (نساء كثيرات يعشن وحدهن في هذه المخيمات بعد فقدان أزواجهن، ويضطررن للبقاء لتربية الأطفال) التي تغيب فيها كافة أشكال وأنواع المهن والوظائف، باستثناء التعليم والصحة.

حافظت بعض النساء في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة على عملهن في مجالات عدة أهمها (المراكز الصحية والمشافي والتعليم إضافة لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات لإنسانية)، بينما فقدت أخريات دورهن في العمل كـ (المهندسات والحقوقيات..) وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة هذه المناطق وغياب المشاريع والمؤسسات العامة لممارسة أعمالهن، يردف ذلك البيئة المحافظة التي يعشن فيها أو اضطررن للانتقال إليها، بينما تبقى المرأة العاملة في المجال الزراعي خارج الاهتمام والإحصائيات المنطقة، كما سجل حضور المرأة في العمل السياسي غياباً ملحوظاً اقتصر على مشاركتهن في بعض المكاتب الخدمية كالتعليم والمرأة.
قدر “منسقو استجابة سوريا” نسبة النساء العاملات في إدلب بـ 15%، وهي إحصائية تخص العاملات بمجال التوظيف فقط، دون إيراد ذكر للعاملات في الزراعة أو المهن الحرة الأخرى، ويرى بعض النساء الإداريات في مراكز وتجمعات إدلب اللواتي التقيناهن أن النسبة أكبر من ذلك، إلّا أنه ومع ازدياد هذه النسبة برأيهن يبقى دور المرأة العاملة ضئيلاً، إذا ما أُخذ بالحسبان “زيادة عدد النساء مقابل الذكور في المنطقة بفعل المعارك والقصف والاعتقال والهجرة”، ووجوب الاعتماد عليهن في الأدوار المستقبلية بشكل أكبر، ليس فقط لتعويض النقص الحاصل بل لما يمتزن به من قدرة علمية وعملية، وترجع أهم أسباب تراجع نسبة العاملات في إدلب إلى طبيعة المجتمع المحافظة التي تمنع النساء، غالباً، من المشاركة في الكثير من المجالات، خاصة السياسية وبعض المكاتب الخدمية والأعمال التي تحتاج إلى التنقل والسفر والجهد العضلي، كذلك ظروف الحرب وما خلفته من غياب لفرص العمل، غالباً ما يفضل أرباب العمل الذكور عن الإناث في إنجاز الأعمال، ناهيك عن النزوح واللجوء إلى السكن في المخيمات (نساء كثيرات يعشن وحدهن في هذه المخيمات بعد فقدان أزواجهن، ويضطررن للبقاء لتربية الأطفال) التي تغيب فيها كافة أشكال وأنواع المهن والوظائف، باستثناء التعليم والصحة.

تتباين المواقف من عمل المرأة في الشمال السوري، بين من يراه حقاً لها وبين من يعتبره ضرورة فرضتها الظروف الحياتية، أو أولئك الرافضين بشكل مطلق لانخراطها ببعض المهن، والذين حمّلوا المرأة مسؤولية منافستهم في سوق العمل وحصولهم على تلك الوظائف.

نقول الدكتورة لينا خياط (مديرة منظمة رابطة الياسمين) إن الأمر غير تنافسي بل فرضه الواقع والسعي وراء لقمة العيش، وتوضح أن المنظمات الإنسانية، على سبيل المثال، تطلب موظفات إناث بحسب اللوائح المنصوص عليها، كما أن مهناً أخرى لا تعتبر حكراً على الرجال، خاصة تلك التي تعتمد على العقل لا الجهد العضلي، كالتدريس والمحاسبة وغيرها، وترى أن بعض الأسر المحافظة سمحت لبناتها بالعمل بسبب غلاء المعيشة والظروف الاقتصادية السيئة ايضاً، كذلك فقدان كثر من النساء للمعيل، وهو ما أدى بوجهة نظرها “لنقص فرص العمل عند الذكور”، لتخلص إلى القول “لا نجد امرأة تعمل في البناء أو كميكانيكية أو سائقة شاحنة وغيرها من المهن، بالمقابل توازن المنظمات بين الذكور والإناث، وعليه فإن عمل المرأة بما يتناسب مع قدرتها الجسدية ضرورة لا بدّ منها”.

من جهة أخرى يرى بعض من التقيناهم إن المرأة تنافس الرجل وتأخذ منه فرص هو أولى وأحوج لها، وتأتي المنافسة من أن الكثير من الفرص الحالية تعطي أهمية كبرى لوجود المرأة، باعتبار “المنظمات تعمل بنظام غربي مرحب بوجودها”.

ويرى الدكتور محمد صديق رئيس الجمعية الدولية للإغاثة والتنمية ومنسق أعمال شبكة حماية المرأة، أن عمل المرأة أصبح ضرورة أكثر من أي وقت مضى، ففي ظل الأوضاع الراهنة في سوريا أصبح سوق العمل يتطلب المزيد من الأيدي العاملة، وخاصة بعد استنزاف شريحة مهمة من الشباب، بالإضافة الى صعوبات الحياة، وفقدان المعيل في كثير من الأحيان، وغلاء الأسعار والحاجة المادية، يستلزم المشاركة الكاملة بين الزوجين في تغطية نفقات الأسرة.

وأضاف الصديق “عندما تختار المرأة المهن التي تتوافق مع طبيعتها الفيزيائية، وتستلزم وجودها، أكثر من الرجل، لا تكون منافسة، أما المنافسة تكون ربما المهن المناسبة للرجل بشكل أكبر، لكن الضرورة حالياً تستلزم كلا النوعين في الدخول في كل المجالات، مع الانتباه للمناسبة في العمل لكلا الطرفين، لتأمين الحد الأدنى للكفاف”.

أما لؤي العواد (شاب باحث عن فرصة عمل) يرى أن دعم المرأة واجب، ولكن ليس على حساب بطالة العنصر الذكوري، مما يتسبب بحالة منافسة ضارة في المجتمع. إذ تأتي حساسية المنافسة، بالوظائف التي تشغلها الإناث غير المحتاجات للعمل مادياً، وتأخذ فيها مكان الذكور، فـ كل وظيفة تشغلها بهذه الحالة، ستتسبب في بطالة رجل، وسيكون ذلك تهديداً لاستقرار أسرة كاملة.

سيطرة العنصر النسائي على العمل في المنظمات سبب مشكلة كبيرة لكثير من الشباب الباحثين عن عمل، وخاصة إن كانت هذه الأعمال تناسبهم بشكل أكبر لما تتطلبه من جهد كالتوزيع والإحصاء وغيرها، يقول العواد الذي رأى أن هناك الكثير من الأعمال التي تتطلب أن يكون القائم فيها من النساء كالطبيبات، والممرضات، والقابلات، والعاملات في المراكز الصحية التي تعتني بالمرأة والطفل، والتعليم الخاص بمجال الإناث، وعدة مجالات أخرى.

بات مشهد المرأة السياسية والمنقذة والشرطية والإعلامية مألوفاً في الشمال السوري، وإن كان بأعداد قليلة مقارنة بالمعلمة والطبيبة، يرى بعض من التقيناهم إن هذا الأمر “طبيعي” ويفترض أن يفعل بشكل أكبر، خاصة مع ما قدمته المرأة السورية خلال سنوات الثورة من خلال تحملها العبء الأكبر والمسؤولية تجاه عائلتها ومجتمعها، إضافة للأثر الإيجابي الذي تركته خلال ممارستها لهذه الأعمال، وإثبات قدرتها في ذلك. كذلك نضالها للحصول على ما هو “حق لها” سابقاً، خاصة في تغيير النظرة السلبية لعمل المرأة من قبل المجتمع، والتي وصلت أحياناً لحرمانها من التعليم، تقول الصيدلانية أم سعيد إن “هناك فئة تعتبر عمل المرأة عيباً أخلاقيا، وخاصة إذا وجد اختلاط بالرجال، ومن المؤكد أن هذا يعود إلى العادات والتقاليد، التي تؤمن بأن دور المرأة يقتصر على حدود معينة ضمن الدائرة الأسرية، وانشغالها بمنزلها وأولادها، إلا أن هذه الفئة تتناقص بشكل ملحوظ مع مرور الزمن، رغم وجودها، اليوم نحن بمجتمع متقبل لعمل المرأة بالعموم”.

تتعرض المرأة خلال عملها لبذل جهود إضافية في التوفيق بين الأعمال المنزلية والوظيفية وتلبية احتياجات الأطفال، إضافة لمخاطر الطريق وبعد المسافات، ناهيك عن الضغوط النفسية ومحاولات الاستغلال والنظرة المشوهة أحياناً من قبل بعض الفئات الاجتماعية، إلّا أنها تلقى دعم فئات أخرى، إضافة للمؤسسات والمنظمات لإثبات جدارتها واستحقاقها ولتحمل دورها في الحياة الاجتماعية العامة، لا على سبيل المحاصصة بل من خلال الكفاءة، وهو ما بتنا نشهد ملامحه في المنطقة بعد الثورة. 

أطفال الشمال السوري يعيشون رهابهم النفسي

عبد الرزاق الشامي

“ماما معو بارودة” يستقبلنا الطفل عمر (3 سنوات) في واحد من مخيمات ريف حلب الشمالي، يعيدها مرّات كثيرة وهو يختبئ خلف والدته باكياً في الوقت الذي ترتجف يداه الصغيرتان، يومئ بيده إلينا مشيراً إلى “كاميرا التصوير” التي نحملها وسط دهشتنا ومحاولتنا فهم ما يريد.
عمر طفل فتح عينيه على الحياة ليجد نفسه جزء من مخيم أُجبر على الحياة داخله، وشكّل ما يراه تصوراته الجديدة وخياله الطفولي، فباتت كل قطعة سوداء في نظره بندقية!
ليس عمر الطفل الوحيد الذي نقل لنا ما يحمله من خوف، تقول المدرسة هيفاء (أستاذة التاريخ بواحدة من مدارس ريف إدلب الجنوبي) إنها تحاول جاهدة تهدئة الأطفال كلّما سُمعت أصداء طائرة في الأجواء. غالباً ما يفشل المدرسون بذلك، وتحكي لنا قصة آلاء (9 أعوام من قرية كفرومه بريف إدلب الجنوبي) والتي تبدأ بالصراخ ما إن تسمع عبر أجهزة اللاسلكي قدوم أي طائرة، تقول إنها تصاب بـ “الرعب” وتركض بين الصفوف في المدرسة وفي الممرات، وكلما حاول أحد تهدئتها تزداد خوفاً وصراخاً حتى يغيب الصوت.
والدة هبة (6 سنوات من مدينة إدلب) تقول إن لطفلتها معاناة أخرى، فما إن تسمع صوت صفارة الإنذار حتى تصاب بـ “حالة اختلاج كاملة”، تضع يديها على أذنيها وتختبئ تحت السرير، ترافقها دوماً عبارة “ما بدي موت” بصوت يشبه الصراخ.
أما عبد الرحمن (وهو طفل مهجر من الغوطة الشرقية فقد ساقه بقذيفة استهدفت باحة المدرسة) فلم تفلح جميع المحاولات التي قامت بها الطبيبة “أماني بلور” مديرة مشفى الكهف في الغوطة الشرقية التي عالجت إصابته سابقاً بإقناعه للعودة إلى صفوف المدرسة، تقول إن كلمة “مدرسة” تحمل له “الرعب والهلع”، وإنه يعاني من صدمة نفسية، إذ ما يزال المشهد حاضراً في ذاكرته، وتخشى أن تستمر مدى الحياة.

تختلط أحلام الصغار الذين ولدوا خلال سنوات الحرب وشهدوا آثارها وتبعاتها من قصف وموت وتهجير ونزوح، ويحملون الجزء الأكبر مما تركته من اضطرابات نفسية وخوف، دخلت في تكوين شخصياتهم ما ينذر بجيل جديد صبغته آلة الحرب بصبغتها التي سيكون من الصعب تفاديها، وستحتاج إلى زمن طويل وخطة منهجية لإيقاف تداعياتها وسط صعوبة المعالجة التي اتفق الأطباء والاختصاصيون النفسيون على أنها ستكون أكبر لدى الأطفال، لأنهم لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم بسهولة ولا يمكنهم فهم المغزى وراء ما يشاهدونه، ولأنهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم بواسطة الكلمات فيلجؤون إلى طرق مختلفة للتعبير تتبدى في سلوكهم على شكل حركة زائدة أو تصرفات عدوانية أو بكاء متكرر.

“ماما معو بارودة” يستقبلنا الطفل عمر (3 سنوات) في واحد من مخيمات ريف حلب الشمالي، يعيدها مرّات كثيرة وهو يختبئ خلف والدته باكياً في الوقت الذي ترتجف يداه الصغيرتان، يومئ بيده إلينا مشيراً إلى “كاميرا التصوير” التي نحملها وسط دهشتنا ومحاولتنا فهم ما يريد.

عمر طفل فتح عينيه على الحياة ليجد نفسه جزء من مخيم أُجبر على الحياة داخله، وشكّل ما يراه تصوراته الجديدة وخياله الطفولي، فباتت كل قطعة سوداء في نظره بندقية!

ليس عمر الطفل الوحيد الذي نقل لنا ما يحمله من خوف، تقول المدرسة هيفاء (أستاذة التاريخ بواحدة من مدارس ريف إدلب الجنوبي) إنها تحاول جاهدة تهدئة الأطفال كلّما سُمعت أصداء طائرة في الأجواء. غالباً ما يفشل المدرسون بذلك، وتحكي لنا قصة آلاء (9 أعوام من قرية كفرومه بريف إدلب الجنوبي) والتي تبدأ بالصراخ ما إن تسمع عبر أجهزة اللاسلكي قدوم أي طائرة، تقول إنها تصاب بـ “الرعب” وتركض بين الصفوف في المدرسة وفي الممرات، وكلما حاول أحد تهدئتها تزداد خوفاً وصراخاً حتى يغيب الصوت.

والدة هبة (6 سنوات من مدينة إدلب) تقول إن لطفلتها معاناة أخرى، فما إن تسمع صوت صفارة الإنذار حتى تصاب بـ “حالة اختلاج كاملة”، تضع يديها على أذنيها وتختبئ تحت السرير، ترافقها دوماً عبارة “ما بدي موت” بصوت يشبه الصراخ.

أما عبد الرحمن (وهو طفل مهجر من الغوطة الشرقية فقد ساقه بقذيفة استهدفت باحة المدرسة) فلم تفلح جميع المحاولات التي قامت بها الطبيبة “أماني بلور” مديرة مشفى الكهف في الغوطة الشرقية التي عالجت إصابته سابقاً بإقناعه للعودة إلى صفوف المدرسة، تقول إن كلمة “مدرسة” تحمل له “الرعب والهلع”، وإنه يعاني من صدمة نفسية، إذ ما يزال المشهد حاضراً في ذاكرته، وتخشى أن تستمر مدى الحياة.

تحضر أوصاف الدمار والعنف والتهجير في حياة الأطفال السوريين بنسب عالية، وفقاً لمنظمة “أنقذوا الأطفال” التي أجرت استبياناً على 365 طفلاً خلصت فيه من خلال تقرير عنونته بـ “غداً أفضل.. للأطفال السوريين كلمتهم” إلى أن نصف المبحوثين الذين شملهم الاستبيان وصفوا العنف ودمار المنازل والبنى التحتية وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة بالتحديات التي تواجههم وتواجه مجتمعاتهم.

وأشار التقرير إلى إن 30 بالمئة من الأطفال المشاركين في الاستبيان يشعرون بانعدام الأمان بشكل دائم، بينما قال 57 بالمئة منهم إن الحرب وانعدام الأمن هو التحدي الأول لهم، لتصل المنظمة عبر تحليل البيانات إلى أن نصف الأطفال في سورية نشؤوا وهم لا يعرفون شيئًا سوى الصراع والنزوح، مشيراً إلى طفل عمره أقل من 16 سنة، عاش طفولته في ظل الحرب أكثر مما كان يعيش خارجها، ودعا التقرير إلى العمل على تجنيب الأطفال السوريين تلك الانتهاكات.

يقول الطبيب النفسي موفق عموري (في إدلب) إن المشاكل النفسية التي قد تصيب الأطفال نتيجة المشاهد التي تعرضوا لها متدرجة ومتنوعة، تبدأ من مشاكل سلوكية وصعوبة في النطق إضافة للتبول اللاإرادي وقد تصل إلى كرب ما بعد الصدمة التي تؤدي لاحقاً الى استعادة ذكرى الصدمة بشكل قسري، مخلفة طفلاً مختلفاً عن أقرانه يميل دائماً إلى العزلة ويرفض الانخراط في الأنشطة التي يقوم بها الأطفال، سواء الدراسية أو الترفيهية، ومحاولة تجنب كل ما له علاقة بذكرى الصدمة والهرب من استحضارها.

ينصح الطبيب باللجوء إلى العيادات النفسية أو الاستشارية لتشخيص حالة الأطفال الذين تظهر عليهم اضطرابات نفسية أو عدوانية زائدة، ووضعها تحت الدراسة وإيجاد طرق لمساعدتهم على التخلص منها، كذلك يطالب الأهالي باستيعاب مشاعر الأطفال ونقل الشعور بالأمن لهم، وإتاحة الفرصة للأطفال من أجل تفريغ ما يجول في خواطرهم، خاصة في الحالات التي تظهر عليها اضطرابات نفسية بسيطة، وهو ما أكدت عليه المستشارة النفسية نارمين خليفة (من إدلب) والتي قالت إنها ومن خلال جلسات الدعم النفسي التي يقوم بها المركز الذي تعمل به لاحظت أهمية هذه الجلسات في تعزيز الثقة والشعور بالأمن لدى الأطفال، كذلك ثقتهم بأنفسهم وانخراطهم في الأنشطة المختلفة مع أقرانهم.

تطالب خليفة أهالي الأطفال بعدم إظهار مشاعر الخوف والقلق أمام الأطفال، وإعطائهم معلومات حقيقة لكنها غير مخيفة، بحسب مستوى فهمهم وفئتهم العمرية، والإنصات لهم وتجنب كبت مشاعرهم، كما تنصح في بعض الحالات مراجعة الأطباء الاختصاصيين وعزل الطفل عن مشاهد العنف سواء على أرض الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الأطفال هم الفئة الأكثر استضعافاً بين ضحايا الحروب، خاصة وأن أكثر من خمسة ملايين طفل سوري يعانون من آثار الحرب خلال السنوات الماضية، بحسب تقارير الأمم المتحدة، لتبقى الآثار النفسية أكثرها دواماً، بعد أن شكلت مشاهد الخوف والموت والدمار جزء كبيراً من وعيهم وسلوكهم، ومن المحتمل أن تشكل مستقبلهم أيضاً إن لم يتسنى معالجتها بالشكل الأمثل.

عبد الرزاق الشامي 

المعلمون الوكلاء في عفرين خارج العملية التربوية بعد سنوات من التطوع

فداء الصالح

لم يسلم المدرسون غير الأصلاء، والذين يمتلكون الأوراق الثبوتية أو سنوات الخبرة من القرار ، إذ تضمن الشق الثاني منه والذي يحدد رواتب المعلمين حرمانهم من رواتب الأشهر في العطلة الصيفية

أنهى القرار الصادر عن مديرية التربية والتعليم في عفرين عقود عمل عشرات المدرسين الوكلاء للعام الدراسي 2019/2020 ضمن خطة تغيير الكوادر التدريسية، والذي طبق في مديرية تربية راجو في الخامس من الشهر الحالي، وناحية جنديرس في الثامن من الشهر الحالي، أصدرت بموجبه قوائم بأسماء المعلمين الذين تم فصلهم من قبل مديريات التربية في المناطق الثلاث، تطبيقاً لقرارات مديرية التربية التركية في إقليم هاتاي المسؤولة عن منطقة عفرين، والتي أوضحت شروط قبول المعلمين ضمن الكوادر التدريسية، دون أن تصدر اللوائح الإسمية في عفرين حتى الآن.

وتضمن القراران الصادران عن مديرية التربية فصل ثمانية مدرسين في راجو وستة وعشرين مدرساً في جنديرس من أصل ما يقارب مئة وثلاثين مدرساً، وينتظر آخرون قرار إنهاء عقودهم التي ستصدر عن مديرية التربية في عفرين، ما اعتبره المدرسون قراراً مجحفاً بحقهم بعد سنوات من العمل التطوعي في المجال التعليمي، وفي أوقات عصيبة سواء في المناطق التي هُجروا منها أو بعد وصولهم إلى عفرين.

وبحسب القرار الصادر عن المديرية فإن الفئة المعنية ستقتصر على فصل حملة الإجازات الجامعية من غير المختصين وطلاب الجامعات في السنة الأولى والثانية وحملة الشهادات الثانوية العامة الذين ليس لديهم سنوات خدمة في التعليم تزيد عن سبع سنوات كحدّ أدنى، في حين يتابع أصحاب الشهادات الجامعية والمعاهد الاختصاصية وطلاب الجامعات في السنة الثالثة والرابعة عملهم في السلك التربوي شريطة تقديم الأوراق الثبوتية (شهادة جامعية، كشف علامات، حياة جامعية..).

أما في المخيمات فيبدو الواقع أكثر قسوة، إذ تم إخطار المعلمين في مدرسة مخيم دير بلوط منذ أسبوع قرار الفصل شفوياً، ولم يتبقى من ضمن الكادر إلا الخريجين من الكليات والمعاهد، دون اعتبار سنوات الخبرة لباقي المدرسين من طلاب الجامعات وحملة الشهادة الثانوية.

لا يملك المعلمون الذين تم إنهاء عملهم أو الذين شملهم القرار حججاً قانونية للمطالبة بحقوقهم، وهو ما استندت عليه المديريات في قرار الفصل، فمعظم العقود التي تم توقيعها معهم كانت عقوداً للعمل التطوعي وتصرف الرواتب من خلالها على شكل “منحة” تقدم من المديرية للعاملين في السلك التدريسي، بحسب من التقيناهم، إلّا أن هناك “روح للقانون” بحسب قولهم تفترض مراعاة ما قدموا من خدمات خلال فترة النقص الكبير في الكوادر التعليمية سابقاً، وهو ما دفعهم للقول “نعرف أن الأصيل ينهي مباشرة الوكيل، إلّا أننا حملنا على عاتقنا العملية التربوية لسنوات، أحياناً دون رواتب وأخرى برواتب قليلة لا تكفي لسدّ الرمق، والآن هم يتخلون عنا دون أدنى مراعاة لما قدمناه”.

يقول بعض المدرسين إنه من المستحيل اليوم الحصول على أوراق ثبوتية من مناطق النظام، بعد أن اشترط الأخير حضور صاحب العلاقة شخصياً أو وكيل قانوني عنه أو أحد أصوله للمطالبة بأوراقه الجامعية، وهو أمر مستحيل في ظل الظروف الأمنية التي تفرضها الجامعات، كذلك إمكانية تعرضهم للاعتقال بسبب ذلك، سواء هم أو من يرسلونه بعد أن اشترطت إدارة الجامعات الحصول على موافقة أمنية لتسليم هذه الأوراق.

استحالة الحصول على هذه الأوراق تجعل مصير عشرات المدرسين عرضة للفصل، ويرى أولئك إن على مديرية التربية إجراء امتحان شفهي وتحريري للتأكد من قدرة المعلمين ومعلوماتهم يتم اعتمادها للاستمرار في العملية التربوية.

ويتساءل المدرسون عن سبب إلحاقهم بدورات تعليمية بطرائق التدريس وأساليب التعامل مع الطفل وتنمية القدرات، وبشكل إجباري خلال السنوات الماضية إن كان مصيرهم الفصل؟

لم يسلم المدرسون غير الأصلاء، والذين يمتلكون الأوراق الثبوتية أو سنوات الخبرة من القرار الأخير “المجحف” بحسب قولهم، إذ تضمن الشق الثاني من القرار والذي يحدد رواتب المعلمين حرمانهم من رواتب الأشهر في العطلة الصيفية، في حين يحصل أصحاب الإجازات الجامعية والمعاهد المختصة على رواتبهم طيلة فترة العام. الأمر الذي اعتبره معظم المدرسين مجحف بحقهم، فنسبة كبيرة منهم من المهجرين، حيث أفاد بعض المدرسين أن قطع الرواتب عنهم في فترة العطلة الصيفية سيسبب لهم مشاكل كثيرة تتمثل في دفع إيجار المنازل وحتى تأمين متطلبات المعيشة اليومية خلال العطلة من دون رواتب.

وقال أحد المدرسين الذي رفض التصريح عن اسمه: إن قطع الرواتب خلال العطلة الصيفية يزيد من معاناة المعلمين الذين يتقاضون رواتب متدنية في الأصل (700 ليرة تركية= 120 دولاراً لغير المتزوج و750 = 130 دولار للمتزوج)، ويحول دون تلبية احتياجاتهم الأساسية، وأهمها السكن إذ يتراوح متوسط سعر إيجار البيوت في المنطقة حوالي 60 دولاراً. رافق ذلك إجبار المعلمين التابعين للمديرية على توقيع عقد عمل تحت بند “التطوع” من خمسة وعشرين بنداً (صدر عن الجانب التركي وترجم إلى اللغة العربية)، أحدها يحظر على جميع العاملين في قطاع التعليم من العمل أو التعاقد مع أي جهة أخرى تحت تهديد الفصل المباشر، كذلك منع إنشاء المعاهد الخاصة وإعطاء الدروس الخصوصية من قبل التربية والذي كان يشكل مصدر دخل رديف للمدرس، يختصر المدرس كلامه عن حال المدرس بـ “ممنوعون من العمل صيفاً ومحرومون من الراتب أيضاً”.

علي طالب في السنة ثانية من كلية الحقوق مهجر من جنوب دمشق وكان يعمل كمدرس في مخيم دير بلوط يقول إن لديه خبرة تدريسية تزيد عن سبع سنوات، إلّا أن مدير المدرسة أبلغه بقرار فصله منذ أسبوع، وعند مراجعته لمدير التربية أكد له القرار متعللاً بحجة إنه ليس في السنة الثالثة من الجامعة، متجاهلاً ما صدر من قرار يوم أمس بمتابعة المدرس لعمله إن كان يملك سنوات الخبرة اللازمة، متسائلاً عن سبب إقرار فصله قبل صدور القرار، أم أن مدارس المخيم ليست من ضمن هذه القرارات!

يبقى قرار حرمان أصحاب العمل التطوعي والذين تحملوا أعباء عملهم وسط كافة ظروف القصف والنزوح مسألة شائكة، بين الاصطدام بالقرارات التي تبدو تنظيمية لتحسين الواقع التعليمي بحسب أصحاب القرار، وبين ما دفعه أولئك من تعب وجهد يجب أن يراعى، وغالباً ما يتم نسيان “الضمير” في التعامل مع جهودهم، بحسب كلامهم، مطالبين بإنصافهم بعد أن خذلوا وهجروا من مناطقهم وتركوا تحصيلهم العلمي للقيام بدورهم تجاه جيل الثورة.