فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في البادية السورية: حياة محفوفة بمخاطر الألغام ونظام الأسد يستمر بعملياته الانتقامية

نور المحمد

تشهد مناطق في البادية السورية عمليات انتقام تنفذها ميليشيات تابعة لقوات النظام بحق الأهالي وبشكل متكرر، ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة مع تنامي عمليات تنظيم داعش ضد قوات النظام، يضاف […]

تشهد مناطق في البادية السورية عمليات انتقام تنفذها ميليشيات تابعة لقوات النظام بحق الأهالي وبشكل متكرر، ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة مع تنامي عمليات تنظيم داعش ضد قوات النظام، يضاف إليها انتشار الألغام والمخلفات الحربية ما يعرض المدنيين لمخاطر متكررة.

تنوعت العمليات الانتقامية بين اعتقالات تعسفية طالت عائلات كاملة مقيمة في المناطق القريبة من نقاط الهجوم الذي ينفذه عناصر داعش، وبين قصف جوي مكثف نفذته طائرات النظام وروسيا، كما حدث في قريتي الشاكوسية والرهجان في التاسع من كانون الثاني الماضي، وقالت مراصد عسكرية في مناطق المعارضة إن طائرات الاستطلاع تحلق بشكل متواصل في سماء البادية البالغة مساحتها نحو خمسة وسبعين ألف كم مربع، وتتقاسم تبعيتها الإدارية محافظات دير الزور والرقة وحلب وحماة وحمص.

أخيراً، أخذت تلك العمليات في البادية السورية نمطاً جديداً كقتل المدنيين ونهب وحرق ممتلكاتهم لغايات وصفها ناشطو المنطقة بـ “الشخصية والكيدية”، وتمارسها قوات النظام ضد مدنيين كان لأقربائهم نشاط ثوري في تلك المناطق وتم تهجيرهم إلى مناطق شمال سوريا.

ويرى من تحدثنا معهم من أهالي المنطقة أن الشبيحة المنضمين حديثاً لقوات الأسد يسعون لتأكيد ولائهم عبر تقديمهم تقارير كيدية بحق أشخاص من المنطقة بهدف إيذائهم.

سجل ناشطو المنطقة ثمان عمليات انتقامية نفذتها ميليشيات تابعة لقوات الأسد منذ مطلع العام الجاري حتى مطلع آذار، قتل فيها جميع المستهدفين دون تمييز بين رجل وامرأة أو طفل، كان آخر تلك الهجمات في الثاني من آذار الجاري واستهدفت رعاة أغنام في قرية “الذيبة” شرقي بلدة الرهجان بريف حماة الشرقي ما أدى لمقتل شاب وجرح ثلاثة ونفوق مئات الأغنام.

كما هاجمت الميلشيات الإيرانية  قبل مدة منطقة رجم الصوان جنوبي بلدة خناصر بريف حلب الجنوبي، وقتل ثلاثة شبان من رعاة الأغنام، بحسب الناشط أحمد الشبلي والذي تمكن من توثيق أسماء مئة وستة شبان من رعاة الأغنام تم قتلهم منذ مطلع عام 2020 حتى اليوم.

يقول محمد الموسى ابن قرية الشاكوسية:  “إن المليشيات التي تهاجم المدنيين تضم عسكريين سابقين وشباناً متخلفين عن خدمة العلم، وعناصر كانوا في صفوف المعارضة السورية وانضموا مؤخراً لقوات النظام، إضافة لميليشيات إيرانية.

تتقاسم عدة مجموعات السيطرة على ريف حماة الشرقي  كميليشيات وزير الدفاع السابق في حكومة النظام فهد الفريج، ومختار قرية “الخرسان” سمعان الخرسان، إضافة إلى ميليشيات عضو مجلس الشعب السابق أحمد درويش، ومليشيات إيرانية تابعة للواء “فاطميون” وقوات دفاع وطني.

وتسبّبت الحملة العسكرية التي شنّتها قوات النظام، على مناطق ريف محافظة حماة الشرقي وريف محافظة إدلب الجنوبي الشرقي الواقعة شرقي سكة الحجاز ضد فصائل المعارضة في شهر تشرين الأول من العام 2017، بنزوح مئات الآلاف من الأهالي باتجاه الشمال السوريّ، وإفراغ  بعض القرى  والبلدات من سكانها بشكل كامل، مثل منطقة أثريا وقرية الصبورة والسعن، واستبدال السكان المحليين بعناصر من ميليشيات لواء القدس، وتتنشر نقاط قوات النظام في قرى الرهجان والحمرا والسروج  إضافة لوجود وجود نقطة مراقبة روسية في منطقة “الطليسية” ومعسكر للفيلق الخامس.

عودة محفوفة بالمخاطر

يقول ريان الأحمد من ريف حماة الشرقي إن عدداً كبيراً من سكان الريف الشرقي عادوا إلى مناطقهم التي سيطر عليها النظام لأن تربية المواشي تعتبر مصدر رزقهم الأساسي، ولتعذر وجود المراعي الواسعة في مناطق الشمال السوري، ما تركهم أمام جملة من المخاطر كالاعتقال وتعرضهم للاستفزاز من قبل قوات النظام لإجبارهم على دفع إتاوات مقابل استثمار أراضيهم، ناهيك عن كون المنطقة غير آمنه بسبب انتشار الألغام فيها.

وتشهد المنطقة الممتدة من شرق شمال السعن حتى الرهجان وصولاً إلى أوتوستراد أثريا خناصر ومنطقة وادي العزيب انتشاراً كبيراً للألغام، ما يشكل خطراً كبيراً على أهالي المنطقة، تعود تلك الألغام لفترة المعارك السابقة بين تنظيم داعش وقوات النظام قبل ثلاث سنوات، ولم يتم وضع إشارات تحذيرية تدل على أن المنطقة خطرة ومليئة بالألغام ولم تقم قوات الأسد بأي محاولة للتخلص منها.

ونشرت صفحات موالية للنظام، اليوم، أخباراً تتحدث عن مقتل ثمانية عشر مدنياً نتيجة انفجار لغم أرضي بسيارة تقل عمال زراعيين، وبحسب نشطاء في البادية السورية بلغ عدد الشهداء منذ بداية العام الجاري نحو ثلاثين مدنياً معظمهن من النساء، وأكثر من سبعة عشر جريحاً أصيبوا نتيجة انفجار ألغام بسياراتهم أثناء تنقلهم للعمل في مزارع المنطقة أو للبحث عن الكمأة التي تشتهر فيها البادية، كان آخرها بتاريخ 27 شباط الماضي حيث قتل خمسة نساء وأصيب  أحد عشر شخصاً ، بينهم إصابتين خطيرتين كانوا يستقلون سيارة نقل “هيونداي” في منطقة رسم الأحمر بريف السلمية لجمع الكمأة.

يعتبر ريف حماة الشرقي من المناطق الهامة لإمداد خطوط النظام باتجاه ريف حلب الشرقي والقواعد الإيرانية في خناصر والسفيرة، ونقطة حماية شمالية باتجاه قوات النظام المتمركزة في تدمر وأثريا وطريق خناصر ما يعزز تواجد قوات النظام في تلك المناطق والذي انعكس بشكل سلبي على حياة السكان.

عامٌ على سيطرة النظام…حي الزهراء في حلب بلا خدمات ومرافق عامة والأهالي يستغيثون

فريق التحرير

عامٌ كامل مضى على سيطرة قوات النظام السوري على حي الزهراء في مدينة حلب، بعد حصارٍ ومعاركٍ عنيفةٍ استمرت لأكثر من ثمان سنوات، تسبّبت بدمار الكثير من الأبنية وتضرّر البنية […]

عامٌ كامل مضى على سيطرة قوات النظام السوري على حي الزهراء في مدينة حلب، بعد حصارٍ ومعاركٍ عنيفةٍ استمرت لأكثر من ثمان سنوات، تسبّبت بدمار الكثير من الأبنية وتضرّر البنية التحتية، ورغم تعهد حكومة النظام بإعادة تأهيل الحي وتفعيل الخدمات فيه، إلا أن الأهالي في جمعيات الزهراء ما زلوا يعيشون واقعاً يصفونه بـ “السيء والمأساوي”.

يقع حي الزهراء غرب مدينة حلب ويضم عدداً من الجمعيات، أبرزها جمعية الزهراء والتي تعتبر أكبر جمعياته، إضافةً إلى جمعية الأطباء، جمعية الصيادلة، جمعية المحامين، جمعية المهندسين مشروع 13، جمعية قرطبة، الجمعية الشعبية، وجمعية الاتحاد النسائي.

الأهالي محرومون من الكهرباء

تعتبر الكهرباء المشكلة الأكبر التي يعاني منها أهالي حي الزهراء، أبو غسان أحد سكان جمعية المحامين التابعة لحي الزهراء، عاد قبل سبعة أشهر إلى منزله، ليتفاجأ بالدمار الكبير الذي ينتشر في أرجاء المنطقة، فقام بإجراء الإصلاحات لبعض الأجزاء المتضررة من بيته على نفقته الخاصة، وقرر السكن فيه مجدداً، بعد أن أرهقته أجرة المنزل الذي كان يقيم فيه ضمن حي الجميلية وسط حلب.

يقول أبو غسان لفوكس حلب: “يفتقر حي الزهراء لأدنى الخدمات ويتعرّض للتهميش بشكلٍ كبير، فالكهرباء لا تصل إلى البيوت سوى ساعة واحدة طوال الأربع وعشرين ساعة، وخلال هذه الساعة تنقطع الكهرباء أكثر من مرة نتيجة الحمولة الزائدة، لذلك لجأ أغلب الأهالي إلى الاشتراك بنظام الأمبيرات، ما يُحملهم أعباءً إضافية، حيث تبلغ تكلفة الأمبير الواحد خمسة آلاف ليرة سورية أسبوعياً، ما يعني أن من يريد تشغيل الأجهزة الكهربائية في المنزل، فإنه يحتاج الى الاشتراك بثلاثة أمبيرات، أي 15 ألف ليرة سورية، وهو ما يعادل كامل راتب موظف حكومي في المدينة”.

ولم تقتصر معاناة سكان جمعيات الزهراء على انقطاع الكهرباء طوال اليوم، بل يعانون كذلك من جشع أصحاب المولدات وقلة أمانتهم، ففي كل مرة يقومون برفع سعر الأمبير، بحجة ارتفاع الدولار وغلاء المحروقات وتعرّض المولدات للأعطال، وسط غياب أي رقابة عليهم من قبل “محافظة حلب” التابعة للنظام، إضافةً إلى عدم التزام أصحاب المولدات بعدد ساعات التشغيل المحددة، وانقطاع الكهرباء أكثر من مرة خلال الفترة المخصصة، دون أن يقوموا بتعويض المشتركين عن فترة الانقطاع.

يضيف أبو غسان “أغلب أصحاب المولدات في الحي من الشبيحة والمرتبطين بالنظام ولواء القدس التابع لإيران، ويكسبون أموالاً طائلة من هذه المهنة، لدرجة أن بعضهم يستغل نفوذه ويقوم باستجرار التيار الكهربائي من أحد أعمدة الكهرباء التي تغذي بعض المؤسسات الحكومية، ويقوم بتوصيلها الى الأهالي وتقاضي الأموال منهم، على أساس أنها كهرباء من المولدة”، مشيراً إلى “اندلاع أكثر من مشاجرة بين الأهالي وأصحاب المولدات في الحي، بسبب عدم التزامهم بساعات التشغيل ورفع سعر الأمبير”.

ويشتكي أهالي حي الزهراء كذلك من عدم إنارة الشوارع بالكهرباء، ولاسيما ضمن الشوارع الفرعية، ما يُسبّب حالةً من الخوف والقلق لديهم، ويمنع معظمهم من الخروج ليلاً خوفاً من السرقة والخطف.

وفي ظل نداءات الأهالي المتكررة وتذمرهم من سوء واقع الكهرباء، زعم “مجلس مدينة حلب” التابع للنظام، أنه يقوم بتنفيذ مشروعين للإنارة في منطقة جمعية الزهراء: الأول مشروع إعادة تأهيل الإنارة في شوارع غربي الزهراء، حيث يتم تأهيل الإنارة في بعض شوارع الحي، ومنها الشارع الممتد من دوار قرطبة إلى القصر العدلي، وأطراف الحديقة الدولية، ومن دوار قرطبة إلى المالية وبعض الشوارع الفرعية، أما المشروع الثاني يشمل إعادة تأهيل الإنارة في المتحلّق الثالث، حيث يتم حالياً تأهيل البنية التحتية التي تعرّضت للدمار.

وحين سألنا أبو غسان عن ذلك، أفاد أن لديه أقارب في تلك المناطق التي أدّعى “مجلس مدينة حلب” أنه يعيد الإنارة إليها، وأنهم أكدوا له أن الشوارع فيها ما تزال غارقةً في الظلام، ولم تصل أي ورشات صيانة لإنارة الشوارع بالكهرباء.

يعتبر واقع المياه أفضل نسبياً مقارنةً بالكهرباء، حيث يتم ضخ المياه لـ 20-24 ساعة كل أربعة أو خمسة أيام، وزعمت “مؤسسة مياه حلب” التابعة للنظام على صفحتها الرسمية على الفيس بوك قبل أيام، أنها ستقوم بزيادة ساعات ضخ المياه الى 36-40 ساعة في أحياء غربي حلب بما فيها حي الزهراء، لكن بعض الأهالي الذين تواصلنا معهم أفادوا أنهم لم يلمسوا أي تحسّن في وضع المياه حتى الآن.

التنقّل مشكلة تزعج سكان الحي

المواصلات هم آخر يُضاف إلى هموم أهالي حي الزهراء، فوسائل النقل قليلة للغاية ولا تكفي لتخديم كل سكان الحي، فلا يوجد سوى شركة “القمة” الخاصة للنقل، إضافةً إلى مجموعة من السرافيس، والتي تشهد ضغطاً كبيراً وتسبّب مشاكل بين الركاب.

تقول أم ياسين من أهالي جمعية قرطبة: “نعاني كثيراً من مشكلة المواصلات، فحافلات شركة القمة الخاصة لا تخدّم كل الجمعيات، ويضطر الركاب للانتظار وقتاً طويلاً حتى تأتي الحافلة، التي تكون مكتظةً بالركاب، وهو أمر غير مقبول خاصةً في ظل انتشار فيروس كورونا، أما السرافيس التي تخدّم الحي فهناك (خط شارع النيل)، لكن لا يُسمح له بالدخول إلى الحي، ويتوقف فقط عن دوار العمارة على طريق المحلق شرقي جامع الرسول الأعظم”.

تضيف أم ياسين لفوكس حلب “السرفيس الوحيد الذي يدخل حي الزهراء هو (خط جمعية المهندسين)، حيث يدخل إلى هذه الجمعية فقط المتواجدة جنوب حي الزهراء، وبالتالي يضطر الأهالي الى ركوب تكسي للوصول إلى باقي الجمعيات، وهو ما يُحملهم تكاليف باهظة، حيث أن أقل أجرة تكسي تبلغ ألفي ليرة سورية، فكيف لموظفة مثلي راتبها ستون ألف ليرة سورية شهرياً تحمّل مصاريف التكسي؟!!!. أهالي الحي مستاؤون من هذا الوضع، ويطالبون المحافظة بحل مشكلة المواصلات بأسرع وقت”.

شوارع وَعرة ومتسخة وحدائق جرداء

بقي حي الزهراء طوال ثمان سنوات خط اشتباك وساحة للمعارك، إضافةً لتعرضه للقصف العنيف من قبل النظام، ما تسبّب في حدوث دمارٍ كبيرٍ ضمن الحي، حيث تعاني الشوارع من انتشار الكثير من الحفر التي تعيق حركة السيارات، وتتحول إلى برك مائية وطينية في الشتاء تؤثر على المارة والسيارات، فضلاً عن تضرّر معظم الأرصفة.

وتعتبر “حفرة المول” الموجودة على الأوتوستراد العام، مصدر قلقٍ لأهالي حي الزهراء، كونها تمتد على مساحة كبيرة وعميقة، الأمر الذي يُشكّل خطراً على المارة وخاصةً طلاب المدارس والأطفال، إضافةً الى أنها تحوّلت لمكبٍ للنفايات، وتؤدي إلى انتشار الحشرات والروائح الكريهة في الصيف.

وتعود حفرة المول إلى ما قبل سنوات الثورة، حيث قام “مجلس مدينة حلب” حينها بإنشاء حفرة كبيرة لوضع الأساسات وبناء مول للتسوق، لكن تم إيقاف المشروع مع اندلاع الثورة، وبقيت الحفرة منذ ذلك الوقت، ومع زيادة شكاوى الأهالي، تم وضع سياج حديدي حولها لكن تمت سرقته، والى الآن تسبّب الحفرة مشكلة كبيرة لسكان الحي.

وكانت جمعيات الزهراء تشتهر بانتشار الحدائق فيها، لكنها تعرّضت للقطع الجائر والإهمال، وتحوّلت إلى مساحاتٍ جرداء ومكبٍ للنفايات، تقول أم ياسين: “نطالب بإعادة تشجير الحدائق وصيانتها، فهي المتنفس الوحيد لنا ولأطفالنا، كما نطالب بنشر حاويات القمامة في الحي وترحيل القمامة بشكلٍ يومي، فانتشار النفايات في الجمعيات أمر مزرٍ للغاية”.

غياب المؤسسات الخدمية

يفتقر حي الزهراء إلى المؤسسات الحكومية المسؤولة عن توفير الخدمات للأهالي، فعلى الصعيد الطبي لا يوجد أي مشافٍ أو مراكزٍ صحية، سوى مركز وحيد تابع “لمنظمة الهلال الأحمر”، قرب جامع كعب بن مالك في جمعية قرطبة، وبالتالي يضطر الأهالي للتوجه الى المراكز الصحية والمشافي الموجودة في الأحياء المتاخمة (الشهداء-حلب الجديدة-الفرقان).

ويشتكي السكان كذلك من عدم وجود أفران ضمن الحي، ويحصلون على الخبز عبر المعتمدين، الذين يتحكمون بسعر الخبز، إضافةً الى أن الكميات لا تكفي كل الأهالي، وجودته سيئة أحياناً، ويقوم أغلب المعتمدين بتوزيع الخبز في ساعات الصباح الأولى، وهي مشكلة تزعج سكان الحي.

ويتواجد في جمعيات الزهراء ثلاث مدارس فقط، اثنتان منها مؤهلتان (امرؤ القيس، وعليا بنت المهدي)، أما مدرسة البيروني فهي خارج الخدمة حالياً، ولا يوجد للأطفال سوى روضة واحدة خاصة، وهناك معتمد غاز واحد لكل الحي متواجد عند دوار قرطبة.

تقول أم ياسين من أهالي جمعية قرطبة: “نعاني من الارتفاع الكبير في الأسعار، وما يزيد الأمر سوء، عدم وجود صالات استهلاكية نستطيع من خلالها شراء السلع بأسعارٍ مقبولة، حيث يوجد في كامل الحي صالة استهلاكية واحدة على المحلّق الثاني غربي الحي، لكن لم يتم افتتاحها حتى الآن رغم إعادة تأهيلها قبل أشهر”.

ويعاني سكان حي الزهراء أيضاً من انقطاع الهاتف الأرضي والانترنت بشكلٍ متكرر نتيجة سرقة خطوط الهاتف، حيث يأخذ السارق الحزمة بشكلٍ كامل، فهناك حزم فيها ١٨٠٠ خط، وبعد شكاوى متكررة من السكان، حتى تقوم مؤسسة الهاتف بإعادة تركيب خطوط جديدة لإعادة تشغيل الهاتف والانترنت.

وتعرّض حي جمعية الزهراء لحصارٍ منذ عام 2012، وتحوّل لخط اشتباك بين قوات النظام وفصائل المعارضة، ورغم سيطرة الأسد على كامل حلب نهاية 2016، بقي حي الزهراء يشهد معارك متقطّعة، الى أن تمكن النظام من السيطرة عليه بالكامل منتصف شباط من العام المنصرم، بدعمٍ من روسيا وميليشيات إيران.

 

“مرضى الصرع في إدلب” معاناة مستمرة وأدوية بأسعار مرتفعة

فريق التحرير

يتنقل أبو حسام بين صيدليات إدلب بحثاً عن أحد الأدوية التي يحتاجها طفله المريض بالصرع الجزئي، دون جدوى، فالدواء مفقود ويجب الانتظار لحين وصوله من مناطق النظام أو توفر بديل […]

يتنقل أبو حسام بين صيدليات إدلب بحثاً عن أحد الأدوية التي يحتاجها طفله المريض بالصرع الجزئي، دون جدوى، فالدواء مفقود ويجب الانتظار لحين وصوله من مناطق النظام أو توفر بديل عنه.

أبو حسام واحد من عشرات الآباء الذين يعانون بشكل مستمر لتأمين أدوية لأطفالهم المريضين بالصرع ويتكلفون مبالغ يجدونها مرتفعة كثمن تلك الأدوية. إذ يراجع مشفى المحافظة في إدلب نحو مئة وخمسين مريض صرع شهرياً، وهي نسبة مرتفعة، بحسب الدكتور أحمد المطلق أخصائي الأمراض العصبية في المشفى، والذي يرى أن طبيعة الحياة في مناطق المعارضة ساهمت بارتفاع هذه النسبة مقارنة بدول الجوار.

يتعرض حسام ذو العام ونصف العام لنوبة صرع كل فترة، فيتشنج الطفل ويتوقف عن أي حركة دون أن يفقد الوعي، ويأمل والده بالعثور على الدواء لأنه يحد من هذه النوبات. يدفع أبو حسام نحو ستمئة ليرة تركية بشكل شهري ثمن أدوية طفله، وهو يعادل كامل أجر عامل مياومة في إدلب، دون وجود أدوية مجانية أو مساعدة لتوفير مثل هذه الأدوية.

ينتج الصرع عن اضطراب في كهرباء الدماغ، بحسب الطبيب المطلق، حيث يحتوي الدماغ على نواقل عصبية مثبطة ونواقل عصبية منشطة، وأي خلل بينهما يؤدي لزيادة كهرباء الدماغ، وبالتالي يتغير نشاط الدماغ  مسبباً حدوث نوبات أو فترات من السلوكيات والأحاسيس غير العادية والتي قد تصل لفقدان الوعي.

يختلف  تواتر نوبات الصرع بين نوبة واحدة كل سنة أو عدة نوبات في اليوم بحسب حالة المريض، ويمكن أن يصاب أي شخص بالصرع بغض النظر عن جنسه وعمره.
ويقسم الصرع إلى نوعين: “كامل” ويؤدي لغياب المريض عن الوعي بشكل كامل، و “جزئي” يؤدي لتوقف إحدى الأطراف عن الحركة لكن دون الغياب عن الوعي.

ويرى المطلق أن أسباب الصرع تتنوع باختلاف الظروف المعيشية للسكان، حيث أدت الحرب التي عاشتها مناطق المعارضة لرفع أعداد المرضى نتيجة الإصابات التي تؤدي في بعض الأحيان لأذية دماغية، إضافة للولادة في أماكن غير مؤهلة كالمخيمات ما يؤدي لزيادة احتمالية حدوث نقص الأكسجة عند حديثي الولادة والذي قد يؤدي بدروه للصرع.
أصيبت الطفلة سحر بقصف استهدف مكان إقامتها في ريف إدلب الجنوبي حيث تعرضت لأذية في العمود الفقري والرأس، تقول والدتها إن إصابتها كانت بالغة واستدعت نقلها إلى تركيا، “كتبت لها الحياة لكنها عادت إلى بيتها بإعاقة جسدية وعقلية ترافقت مع مرض الصرع، إذ تصيبها اليوم حالات تشنج قوية تفقد بعدها الوعي”، تعاني والدة سحر أيضاً، منذ إصابة ابنتها قبل ثلاث سنوات، ارتفاع ثمن الأدوية التي تحد من نوبات الصرع وندرتها.

يبدأ المريض نوبة الصرع بصراخ مرتفع ثم يفقد السيطرة على الأمعاء والمثانة ليدخل بعدها مرحلة التشنج ويكون غير قادر على الاستجابة للوسط المحيط ثم يفقد الوعي بشكل كامل ويستمر فقدان الوعي لعدة دقائق، قد يتبع النوبة حالة من اللاوعي المترافق مع إرهاق وصداع شديد”.
ويقول الطبيب أحمد إن “أدوية زيادة كهرباء المخ هي العلاج الأكثر استخداماً للتحكم في أعراض الصرع، وتساعد في الحد من التشنجات لدى 70% من المرضى، لكن لا يمكن اعتبارها علاجاً للصرع بشكل كامل”.
وتتنوع أدوية الصرع تبعاً لحالة المريض الصحية وعمره، ويقوم الطبيب بتحديد النوع المناسب للمريض بعد تشخيص الحالة. وتختلف خصائص النوبات بحسب المكان الذي يبدأ فيه الاضطراب ضمن الدماغ وتحدث الأعراض المؤقتة، مثل فقدان الإدراك أو الوعي، واضطرابات الحركة والإحساس (بما في ذلك الرؤية والسمع والتذوق)، والحالة المزاجية، وغيرها من الوظائف الإدراكية بحسب المطلق.

تتراوح نسبة المصابين بالصرع النشيط عالمياً بين أربعة إلى عشرة أشخاص لكل ألف نسمة، بينما ترتفع النسبة في البلاد المنخفضة الدخل لتتراوح بين سبعة إلى أربعة عشر مريض لكل ألف نسمة بحسب موقع منظمة الصحة العالمية.

ويعود ذلك في الغالب إلى زيادة مخاطر الأمراض المتوطنة مثل الملاريا وداء الكيسات المذنبة العصبي، وارتفاع معدلات الإصابات الناجمة عن حوادث المرور، والإصابات المرتبطة بالولادة، والتفاوتات في البنى التحتية الطبية، وتوافر البرامج الصحية الوقائية وإتاحة الرعاية الصحية.

مريم الإبراهيم 

“حديثو الولادة على قارعة الطريق”.. قصص متكررة في إدلب

 محمود البكور

تكررت حوادث العثور على أطفال حديثي الولادة في إدلب خلال الأشهر الماضية، اختلف التوقيت والمكان لكن محتوى الخبر كان واحداً “العثور على طفل أمام مسجد، حديقة، مشفى”. ووثق ناشطون خمس […]

تكررت حوادث العثور على أطفال حديثي الولادة في إدلب خلال الأشهر الماضية، اختلف التوقيت والمكان لكن محتوى الخبر كان واحداً “العثور على طفل أمام مسجد، حديقة، مشفى”.
ووثق ناشطون خمس حالات لأطفال حديثي الولادة تركوا في أماكن متفرقة منذ مطلع العام حتى لحظة إعداد التقرير، ثلاثة منهم فقدوا حياتهم قبل الوصول إليهم.

عثر أبو محمد “مقيم في أريحا” على طفل حديث الولادة قرب مسجد الشيخ محمد بأريحا في العشرين من الشهر الماضي، يقول “إن الطفل كان موضوعاَ ضمن كيس بلاستيكي  وقد وضع فوقه جزء عمّ”.
وثق أبو محمد لحظة العثور على الطفل بهاتفه المحمول، ونقله إلى النقطة الطبية للتأكد من سلامته الصحية، خاصة أن الطقس كان بارداً في تلك الليلة وخشي أبو محمد من تعرض الطفل للأذى، يقول:  إن عثوره على الطفل بمثابة “منحة ربانية”  لذا قرر التكفل بتربيته مع أطفاله  “رح يكون واحد من ولادي وهو أمانة عندي لموت”.

الصورة من وسائل التواصل الاجتماعي
الصورة من وسائل التواصل الاجتماعي

قبلها بيومين، وفي منطقة دركوش، لم تكتب الحياة لطفلة من حديثي الولادة توفيت قبل أن يعثر عليه أحد المارة في الثامن عشر من شباط الماضي، يقول محمد الحسين إنه عثر على الطفلة أثناء توجهه من مدينته دركوش إلى مدينة إدلب صباحاً، كانت موضوعة ضمن صندوق كرتوني على حافة الطريق قرب دركوش”. نقل الحسين الطفلة إلى المشفى في محاولة منه لإنقاذها لكن الطاقم الطبي أخبره أنها فارقت الحياة نتيجة البرد الشديد وطول مدة بقائها في الشارع.

يستهجن الحسين وجود الطفل في هذا المكان ويعتبره جريمة كاملة، يقول إن وجوده في هذا المكان سيجعله عرضة لهجوم الحيوانات المفترسة، أو الموت برداً قبل أن يعثر عليه أحد.

أسباب ودوافع

يقول حسين المحمود مرشد نفسي: “إن غياب الرقابة أدت لانتشار هذه الظاهرة بشكل ملحوظ في مناطق شمال غرب سوريا، إضافة للأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها الناس في إدلب، وعجزهم عن تأمين مستلزمات الحياة، يضاف إليها ظروف الحرب القاسية التي أدت لازدياد حالات العثور على الأطفال”.

ويرى المحمود “أن تلك الظروف تنطوي تحت بند عدم المسؤولية وعدم القدرة على تحمل ظروف الحياة ، وينبغي على الجهات المسؤولة أن تلاحق هذا الأمر وتتابع أدق تفاصيله للحد من انتشاره”.
يقول المحمود إنه يوثق شهرياً ثلاث حالات للعثور على أطفال في إدلب، يزيد الرقم في بعض الأشهر، وهناك حالات أخرى  لم توثق لغيابها عن وسائل الإعلام”.

يرى من تحدثنا معهم من المدنيين أن الأسباب المؤدية لانتشار هذه الظاهرة تتلخص بسببين: “أولهما الفقر المدقع الذي يدفع بعض الآباء للتخلي عن أبنائهم لعجزهم عن تحمل مصاريف الحياة، والسبب الثاني نتيجة العلاقات الجنسية غير الشرعية والتي قد تؤدي لحدوث الحمل، ما يدفع أصحابه للتخلي عن الطفل خوفاً من انكشاف الأمر”.

يغيب دور الجهات الحكومية في مثل هذه الحوادث ويقتصر عمل مراكز الشرطة على تنظيم ضبط بالحادثة، وتسليم الطفل إلى إحدى العوائل التي ترغب بتربيته بعد التأكد من سمعة الكفيل، وتسجيل المعلومات الشخصية ومكان سكن الكفيل لدى القسم بغية توثيق الحادثة.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه وثق سبعين حالة عثور على أطفال حديثي الولادة خلال سنة 2020، غالبية الحالات وجدت في مدينة إدلب وتوزع البقية على مدن أريحا ومعرة مصرين وسلقين وعدة قرى وبلدات من ريف إدلب.

وذكرت تقارير اليونيسف أن الأطفال في سوريا يواصلون دفع ثمن الأزمة التي ستترك علامة قاتمة بعد مرور عشر سنوات على بدئها.

 

الحيوانات الشرسة تهدد حياة سكان مناطق غربي إدلب

حسن كنهر الحسين

يضطر إياد عاشور “مقيم في بلدة التلول على الحدود السورية التركية” للمبيت في مقر المنظمة التي يعمل بها في مدينة كفر تخاريم شمالي إدلب، ليتجنب المسير على الطرقات المؤدية لقريته […]

يضطر إياد عاشور “مقيم في بلدة التلول على الحدود السورية التركية” للمبيت في مقر المنظمة التي يعمل بها في مدينة كفر تخاريم شمالي إدلب، ليتجنب المسير على الطرقات المؤدية لقريته ليلاً، إذ تخلو تلك الطرق من العابرين بعد غروب الشمس وتتجول بها الحيوانات الشرسة التي تشكل خطراً على حياة الإنسان، كالكلاب البرية والضباع والخنازير.

وتشكل منطقة حوض العاصي الممتدة على الحدود السورية التركية بيئة مناسبة لتلك الحيوانات الشرسة بسبب كثافة الأشجار الحراجية التي تسمح لها بالتنقل من الغابات التركية إلى الجانب السوري، ما زاد مخاوف سكان تلك المنطقة.

يقول العاشور “إنه تعرض لمطاردة الخنازير البرية والكلاب عدة مرات أثناء عودته ليلاً إلى منزله، وتسببت له آخر مطاردة بحادث سير أدى لكسر يده، ما دفعه للامتناع عن السير على هذا الطريق ليلاً”.

يشاهد أبناء بلدة دلبيا الواقعة على أطراف نهر العاصي حيوانات مفترسة تتوغل في المنطقة مع بدء الظلام، وفي مقدمتها الخنازير البرية والكلاب، إضافة لأنواع متعددة من الطيور، حيث تكثر تلك الحيوانات في فصل الشتاء مع بدء الهطولات المطرية وفيضان نهر العاصي ويصل أغلبها من الأراضي التركية.

أحد الحيوانات الشرسة بالقرب من الحدود السورية التركية
أحد الحيوانات الشرسة بالقرب من الحدود السورية التركية

تسير تلك الحيوانات على شكل مجموعات، وتتواجد قرب الطرقات العامة بعد حلول الظلام الأمر الذي جعل منها طرقات غير آمنة وخاصة بالنسبة لأصحاب الدراجات النارية والمشاة حيث تبادر تلك الحيوانات لمهاجمتهم.

أثناء عودة عماد ياسين من مدينة حارم باتجاه قريته الفاروقية المجاورة لنهر العاصي، شاهد ضبعاً يقف على حافة الطريق ويصدر أصواتاً مخيفة فبادر الياسين لإطلاق النار عليه من مسدسه لكنه لم يتمكن من إصابته.

سعيد عز الدين ابن مدينة كفرنبل كان أسوء حظاً من الياسين، فقد تعرض لهجوم من كلاب برية أثناء إسعاف ابنته التي أصيبت بنوبة اختلاج إلى أحد مستشفيات سلقين ما أدى لوقوعهم عن الدراجة النارية، يقول سعيد “من حسن حظي أن أحد الأشخاص سمع صراخنا فقام بإطلاق عدة عيارات نارية في الهواء، فخافت الكلاب وابتعدت عنا”.

كذلك الأمر بالنسبة لأم أحمد والتي تقطن أحد المخيمات العشوائية فقد تعرض ولدها البالغ من العمر تسع سنوات لعضة كلب في منطقة الساق أثناء لعبه رفقة عدد من أصحابه قرب المخيم.

أسعف الطفل إلى مشفى سلقين وضمدت جراحه وتم وتزويده بالأدوية اللازمة ثم وضع تحت المراقبة خشية ظهور مضاعفات أخرى. كذلك الأمر بالنسبة للطفل أحمد من قرية المنصورة بريف حماة الغربي شمال سهل الغاب، إذ تعرض لهجوم خنزير بريّ أثناء عمله برعي الأغنام قرب النهر ما أدى لإصابته بجروح متفاوتة، حيث أسعفه فريق الدفاع المدني السوري إلى أحد مشافي المنطقة.

تزداد معاناة الأهالي نتيجة خلو المنطقة من أي نقطة طبية، ما يجبرهم على نقل المصابين لمسافة تقارب تسع كيلومترات للوصول لأقرب مشفى.

يقول الطبيب محمد اليونس “أحد كوادر مشفى حارم”: تتكرر مراجعات المصابين بهجوم حيوانات شرسة إلى المشفى وخاصة الكلاب، حيث يتم تقيم الحالة على أن الكلب مسعور ويتم معالجتهم على ذلك الأساس بإعطائهم اللقاح وحقنة كزاز، ويتم تنظيف الجرح مرات عديدة وإيقاف النزيف مع مراعات إبقاء الجرح مفتوحاً خشية وجود جرثومة داخله، ويترك المريض تحت المراقبة لعدة ساعات”.
ويتابع الطبيب “تظهر أعراض الإصابة بجرثومة الكلب على الشخص المصاب على شكل اضطرابات عصبية وارتفاع في درجات الحرارة وألم في الرأس وضيق في التنفس وحركات غير اعتيادية يرافقها أصوات غريبة، حيث يتم نقل المصاب إلى العناية المشددة بشكل فوري وإعطائه لقاحاً مضاداً للكلب ولقاحات حيوية مضادة للفيروس، مثل dokse seclen وهو مضاد حيوي فعال لعضة الكلب”.

يرجع الأهالي سبب الانتشار الواسع للحيوانات الشرسة لطبيعة المنطقة الحراجية الممتدة داخل الأراضي التركية وقلة العمران وتفرقه في تلك المناطق، وقربها من نهر العاصي إضافة لكونها منطقة حدودية مفتوحة على الأراضي التركية، ويقول من التقيناهم إنهم يخشون إطلاق النار على تلك الحيوانات لأنهم يعيشون في منطقة قريبة من الحدود، ويخشون من رد عناصر الجندرما التركية على مصادر النيران.

في سلقين: الازدحام المروري مستمر والطرقات تضيق بسالكيها

 محمود يوسف السويد

يستغرق أبو محمد (من مدينة سلقين) نحو نصف ساعة يومياً للوصول إلى محله التجاري الذي يبعد نحو كيلو مترين عن منزله. يقول إن الازدحام المروري في المدينة يعرقل وصول الناس […]

يستغرق أبو محمد (من مدينة سلقين) نحو نصف ساعة يومياً للوصول إلى محله التجاري الذي يبعد نحو كيلو مترين عن منزله. يقول إن الازدحام المروري في المدينة يعرقل وصول الناس إلى أعمالهم، واستعمال الدراجة النارية لم يفِ بالغرض.

شوارع ضيقة وتساهل في تطبيق القوانين

تتلاصق الأبنية في مدينة سلقين تاركة بينها طرقاً ضيقة لا تتناسب مع الكثافة السكانية التي تشهدها المدينة، ويقول أحمد حاج أمين “أحد أعيان سلقين” “إن المدينة اليوم تغص بالجرارات وصهاريج المياه، وتحولت ساحة الساعة لموقف لسيارات الأجرة وساهم التهاون في تطبيق القوانين الرادعة، في زيادة الازدحام مخلفاً اختناقات مرورية على مدار اليوم”.

بينما تم تلافي مشكلة ازدحام الطرق في وقت سابق عبر تخصيص طرقات للذهاب وأخرى للإياب، كما مُنعت الجرارات الزراعية والشاحنات الكبيرة من دخول للمدينة، وغير سائقوها خط سيرهم وانتقلوا لاستعمال المحلق الجنوبي، بحسب الحاج أمين.

ينفي أبو علي “سائق سيارة عمومي” أن تكون السيارات العامة قد ساهمت بإشغال ساحة الساعة، لأن مواقف السيارات لا تتعدى على مساحات الطريق، بل تتخذ من الأرصفة مكاناً لها وذلك  بسبب عدم وجود كراج مخصص لوقوفها”.

الازدحام المروري في سلقين
الازدحام المروري في سلقين

ويقول شاكر حاج أمين (رئيس المجلس المحلي في سلقين) إن المجلس يسعى لتأمين قطعة أرض لاستعمالها ككراج لسيارات الأجرة، أسوة بكراج النقل الخارجي الذي حل مشكلة “السرافيس وباصات النقل المتوسطة الحجم”، في حين يصعب على المجلس منع جرارات نقل المياه من دخول المدينة، لأن محطة المياه غير قادرة على تأمين كفاية الناس من المياه، ما يجعل الاستغناء عن تلك الصهاريج أمراً مستحيلاً، كذلك وبسبب الطبيعة الجبلية لسلقين لا يمكن الاعتماد على السيارات الصغيرة لحمل أوزان ثقيلة من المياه ما يجبر المجلس على السماح باستخدام الجرارات الزراعية لهذا الغرض”.

كثافة السكان وإشغال الطريق فاقما الأزمة

يحمل ناشطون في سلقين المجلس المحلي مسؤولية الازدحام المروري، يقول الناشط الإعلامي فارس وتي “إن على المجلس المحلي تحمّل  مسؤولية تنظيم  المرور، وتأمين مساحات لركن السيارات، وتنفيذ توسعة للسوق الرئيسي ما يساهم في حل أزمة المرور”.

ويرى حسين الناعم أن الطرق الضيقة والازدحام السكاني واقع يصعب تغييره، لكن يمكن القيام ببعض الإجراءات التي تحد من المشكلة، كمنع أصحاب المحال من ترك سياراتهم أمام المحلات، ومنع المارة من إيقاف سياراتهم وسط الطرق بهدف التبضع، ويتم هذا الأمر بتخصيص ساحات عامة كمواقف للسيارات وتفعيل الضبوط المرورية بحق المخالفين”.

يقول رئيس المجلس المحلي إن “عدد سكان سلقين ارتفع من خمسين ألف نسمة في سنة 2011 إلى ثلاثمئة وسبعين ألفاً هذا العام، مشكلاً ضغطا كبيراً على شوارع المدينة التي شهدت موجات نزوح متعاقبة، ساهمت في زيادة أعداد السكان ومركباتهم التي يستقلونها ما شكل ضغطاً على القطاع الخدمي في سلقين ، إضافة لضعف التنظيم المروري في المدينة”.

خصص المجلس المحلي ساحة قريبة من مركز المدينة لركن السيارات وتم تعيين حراس على الساحة على مدار اليوم ليستفيد أصحاب المحال منها ويخفف الضغط على الطرق الرئيسية، لكن تعاون الناس مع المجلس المحلي كان محدوداً ما ساهم باستمرار الأزمة المرورية بحسب رئيس المجلس.

تجاوز مقصود على الطرقات

يبحث المارة وسائقو السيارات عن أي ثغرة لتجنب الازدحام المروري في شوارع سلقين، حيث تنتشر لوحات الإعلانات وبقايا مواد البناء والبسطات أمام المحال التجارية، لتضيق الطرق بالعابرين وتزدحم السيارات التي تنتظر دورها في العبور.

يقول محمد حسحوس “تاجر” “إن بعض التجار يضعون لوحات إعلانية أمام محلاتهم لمنع السيارات من التوقف أمام المحل أو للترويج عن بضائعه بشكل أكبر، بينما يفرش آخرون بضائعهم أمام محلاتهم على الأرصفة”، ويحمل الحسحوس المجلس المحلي مسؤولية متابعة هذه التجاوزات ومنعها.
كما تشكل بقايا مواد البناء شكلاً آخر من أشكال التعدي على الطرق يقول محمد دركوشي “مقيم في سلقين” إن قيام من يرغبون ببناء منازل جديدة أو ترميم القديم منها بوضع مواد البناء في الطرقات، ما يضيق مساحتها للدرجة التي لا تسمح بمرور سيارتين في آن واحد.

ويرى الصيدلاني وجدي زيدو البكرو أن الحل لمشكلة الازدحام المروري لا يكون بفرض المجلس المحلي ضرائب كعقوبة على إشغال الأرصفة والطرق، لأن الضريبة ستمنح تلك التجاوزات وجهاً قانونياً يسمح ببقائها فتستمر الأزمة ويدفع المواطن ثمن هذه القرارات”.

الازدحام المروري في سلقين
الازدحام المروري في سلقين

رئيس المجلس المحلي في سلقين قال “إن المجلس خصص ساحة مفتوحة لاستعمالها من قبل أصحاب البسطات لعرض بضائعهم طيلة أيام الأسبوع، وأعفي النازحون من أي رسوم أو ضرائب لإشغال مكان بسطاتهم، على أمل أن تساهم هذه الخطوة بإنهاء ظاهرة إشغال الطرق لكن المشكلة استمرت عند المتجاوزين على الأرصفة من أصحاب المحلات”.

بدوره أكد فاخر بريدي رئيس المجلس المحلي لبلدة اسقاط التابعة لسلقين على ضرورة إزالة مخلفات البناء من الشوارع، لدورها في خلق أزمات مرورية وتسببها بحوادث مرورية في بعض الأوقات، لكن المجلس عاجز عن تطبيق قوانين صارمة بحق المخالفين بسبب غياب أي جهة تنفيذية تساعد المجلس بتطبيق القانون، إذ يملك مخفر سلقين ثلاثين عنصراً لا يمكنهم تغطية المدينة وريفها.

يرى من التقيناهم من أهالي المدينة أن هذه الظاهرة تحتاج لتضافر جهود الجميع في حلها، سواء من الجهات الرسمية أو المواطنين، من التزام الموطنين وأصحاب السيارات والمحلات التجارية بقوانين السير والتوقف وعدم إشغال الطرقات، وزيادة عدد العاملين في شرطة المرور، وسن قوانين رادعة بحق المخالفين، مع إيجاد حلول للمشكلات التي تتعلق بصهاريج المياه والشاحنات الكبيرة وأماكن توقف السيارات الصغيرة.

مواد التدفئة البديلة تزيد أعداد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي في إدلب

رشا عبدالرحمن

تجمع أم يحيى بقايا الأواني البلاستيكية التالفة مع بعض الأحذية المهترئة في صندوق كرتوني بزاوية غرفتها لتستعمل تلك المواد في المدفئة، إذ أدى ارتفاع أسعار المحروقات المستمر منذ عامين لعجز […]

تجمع أم يحيى بقايا الأواني البلاستيكية التالفة مع بعض الأحذية المهترئة في صندوق كرتوني بزاوية غرفتها لتستعمل تلك المواد في المدفئة، إذ أدى ارتفاع أسعار المحروقات المستمر منذ عامين لعجز أم يحيى عن استعمال المازوت كوسيلة للتدفئة، متجاهلة مخاطر الجهاز التنفسي التي قد تصيبها نتيجة استعمال تلك المواد.

أصيبت أم يحيى بالتهاب القصبات الهوائية، وراجعت الطبيب مع أحفادها عدة مرات هذا العام بعد معاناتها من ضيق التنفس والنزلات صدرية التي لا تهدأ إلا بالاعتماد على جلسات إرذاذ توسع القصبات الهوائية دون أن ينتهي المرض، نتيجة استمرارهم باستنشاق الدخان الملوث بحسب كلام الطبيب، لكن “ما باليد حيلة”.

تضيق أنفاس أم يحيى “مقيمة في مخيمات أطمة” لحظة خروجها من منزلها نتيجة استنشاقها للأدخنة الناجمة عن استعمال أم يحيى وسكان المخيم لتلك المواد.

تقول “إن تلك المواد سريعة الاشتعال وتمنح الدفء للعائلة، لكن روائحها المزعجة تدخلك في نوبة سعال مستمرة”.

لم تكن عائلة علي العلي المقيم في مدينة إدلب أوفر حظاً رغم اعتمادهم في التدفئة على المازوت المكرر بدائياً، فقد أصيب أطفاله بالتهاب القصبات الشعري نتيجة استنشاق الغازات المنبعثة من المازوت الذي يضم عدة أنواع من الزيوت والمواد النفطية الأخرى بحسب ما أخبره الطبيب.

يقول العلي “إنه يزور الطبيب بشكل متكرر لعلاج أطفاله بعد كل نزلة صدرية تصيبهم، لكن الالتهاب يعود مجدداً بمجرد استنشاقهم لأي رائحة”

يرجع الدكتور نضال الحسن المختص بأمراض الأنف والأذن والحنجرة سبب التهاب الجيوب والقصبات التحسسي، لاستنشاق الغازات المنبعثة من المدافئ التي يستعمل أصحابها المازوت المكرر والمواد البلاستيكية، يقول إنه استقبل في يوم واحد خمسة وثلاثين مريضاً يعانون من التهاب الجيوب وتحسس القصبات.

إن استعمال المواد البلاستيكية في التدفئة واستنشاق الأدخنة الصادرة عنها يفاقم الأمراض الرئوية وخاصة الربو والتوسع القصبي والتهاب القصبات المزمن، كما قد يؤدي استنشاق تلك الانبعاثات إلى الإصابة بالربو والتهاب القصبات المزمن الانسدادي بحسب الدكتور عبد الرؤوف حاج يوسف أخصائي الأمراض الصدرية، ويرى أن التعرض لمدة طويلة وكميات كبيرة من تلك الأبخرة والغازات، يتسبب بازدياد حالات ذات الرئة عند الأطفال بسبب تراجع حركة الأهداب التنفسية في القصبات”.

يترك استنشاق تلك الغازات أثراً مباشراً على صحة الجهاز التنفسي ينتج عنه هجمات حادة وخطيرة من الربو عند الأطفال خاصة والتهاب القصبات المزمن الانسدادي عند الكبار، وتتطلب نقل المريض للمشفى.
وتأثيرات طويلة المدى كحدوث سرطان القصبية والرئوية إضافة لتأثيرات سلبية على القلب لأنها مسبب للتصلب الشرياني، بحسب الحاج يوسف.

تزداد الحالات خطورة بحسب نوع الالتهاب ودرجة الإصابة به، كما تختلف أنواع الأدوية وطريقة العلاج بحسب الحاجة إليها وعمر المريض.

ظهرت أعراض المرض عند الطفلة آية مع بداية فصل الشتاء، يروي محمد الشحود معاناته مع مرض طفلته التي لم تتجاوز الأربعة أشهر والتي تراجعت صحتها مع بداية فصل الشتاء واستعمال المدافئ، حيث بدأت أعراض المرض بسعال خفيف وارتفاع بالحرارة، لتتفاقم ويصاحبها ضيق تنفس وتراكم مفرزات على الصدر وسيلان أنفي مستمر ما أدى لصعوبة رضاعة الطفلة والذي انعكس بشكل سلبي على صحتها حيث نقص وزنها وشحب وجهها.

بدأ علاج آية بجلسات الإرذاذ وسحب المفرزات من الأنف عن طريق أنابيب صغيرة تصل لنهاية فتحتي الأنف، مع استعمال دواء موسع القصبات الأدرينالين، وبعد علاج استمر لأكثر من خمسين يوماً انتكست صحة الطفلة مجدداً بعد تعرضها للغازات المنبعثة من المحروقات المستخدمة.

التنقية البدائية للمحروقات

يتوفر في إدلب صنفان من المحروقات: الأولى مستوردة والثانية مكررة محلياُ بالاعتماد على مواد بدائية، إذ لجأ العاملون في مجال النفط لاستخلاص المازوت عن طريق التقطير الجزئي البدائي، أي استحصال قطفات النفط عبر التسخين ويتم الاعتماد عليها في التدفئة.

يقول أحمد القدور مهندس بيتروكيميائي “إن الاعتماد على هذه الطريقة لا يسمح بفصل المركبات الضارة من النفط الخام، ولا يتم استخلاصها بشكل منفصل مثل الكبريت وبعض المركبات العطرية والراتنجية الضارة لصحة الإنسان، كما أن التكرير البدائي لا يفصل المنتجات البترولية “الكاز، المازوت والبنزين” عن بعضها بشكل كامل وأي خلل في عملية التكرير يؤدي لاختلاط صنفين معاً كالبنزين والمازوت”.

يرى القدور أن احتراق المخلفات النفطية ينتج عنها عدة أنواع من الغازات تترك أثرها على الجهاز التنفسي مثل غاز Co”” ثاني أكسيد الكربون وهو غاز خانق بالنسبة للإنسان، ويحدث في حال حدوث احتراق كامل للمنتج النفطي أي بوجود كمية مناسبة من الأكسجين.

أما في حالة الاحتراق غير الكاملة ينتج غاز أول أكسيد الكربون وهو غاز سام وخانق ويتسبب بأمراض تنفسية خطيرة من الممكن أن تصل لأمراض سرطانية.

 

النجاة من معبر الموت العالق في ذاكرة الحلبيين وحكاياتهم

فريق التحرير

في هذا البرزخ ( معبر الموت) كان قناص مزاجي يمارس هوايته في إهداء الموت والحياة للعابرين منذ نحو تسع سنوات، قُسمت حلب إلى شطرين يصل بينهما معبر يفصل بين عالَمين. […]

في هذا البرزخ ( معبر الموت) كان قناص مزاجي يمارس هوايته في إهداء الموت والحياة للعابرين

منذ نحو تسع سنوات، قُسمت حلب إلى شطرين يصل بينهما معبر يفصل بين عالَمين. معبر بستان القصر أو “الموت”، كلا التسميتان كانتا مألوفتان لدى السكان، وكان قناص القصر البلدي يحدد في كل يوم هوية القتلى، يعتقد في قرارة نفسه أنه يمارس دور  الإله، ويترك المارة أمام خيار العبور الأخير أو الموت المؤجل لعبور آخر.

هوية، جواز سفر، حذاء

كنت أحد استثناءات هذا العبور، فالموت بالنسبة لي كان خيار القناص كالجميع، ذلك أن خيارات الأخير محكومة بشكل صباحه وطبيعة الرهان مع أصدقائه على الدريئة.

يضاف إليها موتان محتملان على الحواجز في طرفي المعبر، شرقيه وغربيه، فخانة “هويتي” تشير دون لبس إلى مذهبي “العلوي” الذي وُلدت به، وجواز سفري منحني هوية مواربة أوسع تشير إلى حماة، هنا يمكن أن أكون “علوية أوسنية أومسيحية أو مرشدية أو اسماعيلية”، هذا الوُسع يمنح شيئاً من الأريحية والقدرة على المشي فوق خيوط النجاة.

“الهوية” كانت الوثيقة التي أعبر من خلالها حاجز النظام، وجواز السفر كان الوثيقة التي أعبر فيها حاجز المعارضة، خطأ واحد في اختيار الوثيقة المناسبة عند الحاجز المناسب قد يكلفني حياتي.

في أول عبور لي، احترت أين أخفي “الهوية” و “جواز السفر”، ودون عناء اخترت حذائي، أضع فيه جواز سفري حين أمر على حاجز النظام، وحين يكون الناس مشغولين بالنجاة من القناص كنت أحرص على تبديل سريع، بقلق وخوف لا يقل عن خوفي وقلقي من القناص، أدس هويتي في حذائي، وانتشل جواز السفر لأبرزه عند حاجز المعارضة.

في معبر الموت، وفي لحظة خاطفة، كانت الهويتان –البطاقة الشخصية و جواز السفر – تلتقيان في حذائي, ترى هل قالا شيئا لبعضهما البعض، هل وبخا حذائي مثلاً على هذا الفرز القاتل، ربما حدث و لم أسمعه لانخطاف أنفاسي من القناص، هو أيضا كغيره ارتبط في ذاكرتنا بالبسطار، الحذاء العسكري.

من المؤلم أن مشهد الموت ذاك، تقرر ه كل تلك الأحذية

“وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون”، رددي هذه وستكونين، بإذن الله، بمنأى عن أعين القناص، هذا ما أوصتني به سيدة في منتصف العمر تنتمي إلى حي بستان القصر، تتردد باستمرار بين المنطقتين رافقتني مرات عديدة.

بين طرفي المعبر كانت قلوب الناس كلها لا تتجه شرقاً ولا غرباً، بل إلى رب السماء، وهو التوجه المنطقي بمواجهة  كل ذاك العبث واللامنطق  الممعن في استسهال القتل المجاني، فالمسافة خلال هذا العبور بينك وبين الله قصيرة، لا تتجاوز ٣٣ ميلي متراً، وهو طول رصاصة القناص المحتملة في كل عبور.

يتجمد الزمن في عروقك في مسافة أقل من كيلو متر واحد تُشكل طول الطريق في معبر بستان القصر، أما أنا فالزمن عندي كان يتوقف حتى قبل دخول المعبر، حين أقف عند حاجز النظام أبرر عبوري وأخاف انكشاف أمري، ولا ينتهي حتى عندما يصل كل الناس إلى بر الأمان، إلى طرف المعارضة، هناك أيضا أضطر للتبرير. في إحدى المرات سألني أحد الرجال على الحاجز قائلاً: “لم صورتك في  الجواز دون حجاب”.

أجبت بعفوية ودون تردد:  لم أكن قد اهتديت حينها، كما أنا الآن وبفضلكم.

أغادر  عالم السائل المنفصل عن الواقع، إلى عالم  آخر لا يشبهه، عالم سكان حلب الشرقية الممتدة تحت سماء تُمطر قذائف وبراميل متفجرة ورصاص،  هناك يدفن الشهداء في قبورهم وادعين، بينما يرقب الجميع فرجاً بحرية مشتهاة.

الميت كان طفلاً وحاملة النعش كانت عربة خضار

في العبور أدخل حالة لا بد منها، استرجاع ما مرّ بي وأجلت التوقف عنده. كان طريق كل شيء، تاجر ينقل بضائعه، طالب تقتل رصاصة طموحاً صانه منذ الطفولة وكبر في داخله، موظف لا يملك قوت يومه يحاول الوصول إلى عمله قبل أن يفصل، مرضى، أدوية، حليب أطفال..

تلك تفاصيل تشاهدها في كل موجة عبور.. لكن أن تنقل “جثة” في معبر للموت، خلال مروري الأول، ذلك ما سيرافقني لساعات طويلة. الدفن في مسقط الرأس “جبانة العائلة” كان ما يشغل بال من يدفع العربة، ووصول الجثة كاملة كان ما يشغل من سيتسلمها في طرف المعبر الآخر، ليواريها التراب بجانب أحبائها.

على عربة الخضار، انساب الكفن عن وجه الطفل/ الجثة، ظننته يناديني، لم أكن أسمع صوته الممتزج بضجة الخوف والصراع بين الحياة والموت، وحين التفت إليه، خاطبني بـ “الغريبة”، وطمأنني “أن لا أحد سيراك غيري”.

ساكنة واجمة وتائهة أيضاً، يمكن أن أصف نفسي  خلال رحلتي الأولى، قسم مني يحاول العودة “ارجعي إلى مكانك”، آخر يخبرني “اتبعي قلبك دائماً”. اتبعي الأخير فهو بوصلتك.

هل ينتظرك في مكان قريب

كنت لم ألتقيه منذ أشهر، فصلتنا آمال ببلد حر و طموح بالانعتاق إلى غد لا مكان لعبودية أطفالنا فيه، حالت بيننا عشرات الحواجز ومخاوف لا طائل من نكرانها، كلفتنا الكثير من الشوق والحرمان وذرفنا لأجلها الكثير من الدموع.

كان صحفياً  اختار التواجد على الجانب الآخر مع أصدقائه يوثق بعدسته جرائم ووحشية كيان لا يرحم، ويخط بقلمه أوجاع الناس و آمال الضحايا التي سكبت بين أنقاض المساجد والمدارس و المستشفيات وحتى أحجار منازلهم وهم نيام. اعتقل وسجن وعذب في أقبية المخابرات، ودفعت أنا ثمنها غربة مزدوجة ووحدة في الطرف المقابل.

كنت قد التقيته في مقر عمله آنذاك جمعنا ملف فساد كانت قد وقعت عليه يدي مصادفة، أردته أن يفضح السارقين على الملأ وتتناقله الصحف الالكترونية حتى يعجزوا عن تجاوزه أو كتمانه من جديد.

أحببت نزقه، عرف عنه كتابة تحقيقات جريئة، كان نزيهاً وإنساناً، باختصار كان حينها الغريب المألوف لضالتي، كنت أبحث عنه كما كان يبحث عني.

تردد كثيراً قبل أن يقترح عبوري إليه، خاف أن يكون سبباً بأذيتي، لم يستطع قبلاً الطلب مني القيام بمغامرة كهذه، هي مقامرة على جميع الصعد، كان يقول، وأمام إصراري على المجيء، استسلم لرغبتي أخيراً، اتصل بي متردداً: يمكنك المجيء إن أردت، “ارتد شيئاً يشبه زيّ سكان تلك الأحياء، لا تلفتي انتباه أحد سأنتظرك أمام الجامع”.

أنا قادمة، قلتها بثقة مطلقة دون تردد، لا أعلم لماذا. ارتديت ثياباً مناسبة، لففت حجابي وحاولت إخفاء لهجتي قدر استطاعتي ..قلة الكلام كان الحل الذي التزمته، فتاة لا تنتمي لحلب الا بوجدانها وعاطفتها، ابنة مصياف بلباسها ولهجتها عليها أن تكون حلبية بكل ما فيها من رأسها حتى أخمص قدميها .

يبتسم الطفل المسجى على عربة الخضار  في وجوه المارة:”ربما أحدكم سيكون مكاني اليوم أو غدا”، يسرع رجل برد الكفن من جديد، تجر العربة ما تبقى من ملامح الطفل تحت ظلال القماش مختفية بين الزحام لتتلاشى عن ناظري .شعرت بغصة، كان مؤنسي الوحيد في رحلتي.

أنا الآن أحد أشباحه

أتابع رحلتي لا يرمش لي جفن وكأني ألفت الحياة في معبرها خلال دقائق، سألت إن كان يسكنني هذا الموت من قبل قبل أن أطرد الفكرة من مخيلتي.. لا يهم، لا فرق، فأنا الآن أحد أشباحه.

يستوقفني الحاجز: هويتك، أخرج جواز السفر، وسيلتي شبه الآمنة للعبور ، فهويتي تختبئ في حذائي تعقر كاحلي تقيد حرية امتداد قدمي تؤدي عملها بأمانة. يعتقني إلى سبيلي مستمراً بتفحصي وأنا أسرع الخطى مبتعدة عن ناظريه خوفاً من أن يوقفني من جديد .

ألمحه من بعيد تسلبني ابتسامته أثقال هول ما سمعته وشاهدته في رحلتي المتعبة ، تهدهدني نظراته بحنان “لا تقلقي أنت في أمان الآن”. ركبنا سيارة كان قد اشتراها حديثاً، جلسنا كالغرباء ننظر إلى بعضنا البعض دون أن ننبس بكلمة واحدة، نبتسم تارة وتغلبنا الدموع تارة أخرى، يقود بحذر مبتعداً بي عن معبر الموت، أنظر إليه في المرآة يبتعد وتبتعد عربة الطفل ..رصاصة القناص.. أحاديث لذاكرة مؤجلة.. وموت محتمل.

داليا شاعر