فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

شبكة “أمان سوريا”

شبكة “أمان سوريا”

حمزة اليوسف .

 

تظافرت جهود بعض النشطاء وعدد من المنظمات الفاعلة والمؤثرة في داخل سوريا وخارجها ممن يعملون لبناء السلم المحلي و الوطني في سوريا فأثمرت عن ما يعرف حالياً بـ "شبكة أمان سوريا " .

وجدت الشبكة نتيجة جهد بذله القائمين عليها ممن  يؤمنون بقيم السلم الاهلي و الحرية و الانسانية و المصداقية و الشفافية و قبول الآخر و العدالة , وهي من صنع ابنائها وهدفها بناء الثقة بين أفراد المجتمع ومكوناته , تعمل شبكة " أمان سوريا " على حل النزاعات و تجنبها و إدارتها بشكل يأتي بأقل الأضرار , وتساهم في تعزيز السلم المحلي في مناطق مختلفة من سوريا , وتنشط هذه الشبكة في حلب وادلب وحماة وجبال اللاذقية وفي ريف دمشق , وتعمل في المخيمات وبلاد اللجوء التي يتواجد فيها السوريون , وذلك بحسب احد منسقي الشبكة .

احدى تجارب شبكة " امان سوريا " كان في ريف حلب الغربي حيث عملت على ايجاد ما عرف بـ (لجان أمان المجتمعية ) , والتي عقدت مؤتمرها التأسيسي في الثاني عشر من شباط العام الحالي , تتكون هذه اللجان من وجهاء القرى والمناطق في ريف حلب الغربي حيث تتألف كل لجنة من ( 3-5 ) اشخاص في كل قرية وتم تسميتهم باللجنة الفرعية للقرية, يعمل أفراد هذه اللجنة على حل مشاكل قراهم بالتنسيق والتعاون مع اللجان الاخرى لمساعدتهم في حل المشكلة او المساهمة في التخفيف منها.

وعن اهداف وتوجهات هذه اللجان قال محمد سيد حسن عضو شبكة " أمان سوريا " في ريف حلب بأن " هذه اللجان تهدف من خلال نشاطاتها الى تعزيز السلم المحلي و فض النزعات و التركيز على القيم الايجابية في المجتمع السوري , و بناء الشراكات المجتمعية مع المنظمات والشخصيات الفاعلة في الداخل السوري " , وأضاف محمد بأن " هذه اللجان  لجان مستقلة لا تتبع لأي جهة حزبية أو حكومية ومؤلفة من شخصيات فاعلة من المجتمع السوري المحلي في المناطق المحررة , تعمل على بناء الثقة بين أفراد المجتمع ومكوناته " وأوضح  أيضاً بأن " علاقتنا مع المجلس والمنظمات و الوجهاء علاقة جيدة , ونعمل على فتح قنوات تواصل مع جميع الهيئات الموجودة من أجل تحقيق الخدمة المجتمعية و النهوض بمجتمعنا المحلي نحو الأفضل " , كما أضاف قائلاً : " نحن لسنا طرف منافس بل طرف مشجع ومصلح " .

وعن اعمال " لجان أمان المجتمعية" فقد قال محمد سيد حسن " عملت اللجان مؤخرا على حملات للتوعية حول مفاهيم قبول الآخر وعدم الاقصاء والمشاركة الجماعية , عن طريق النقاشات التي تهدف لطرح المشاكل و وضع الحلول لها بمشاركة فعاليات مؤثرة في كل قرية  على حدى " .

تنوعت آراء المواطنين في الداخل السوري عن شبكة " أمان سوريا " فقد قال أبو محمد احد سكان الريف الغربي لحلب بأنه " طالما أن القائمين عليها والأعضاء كلهم سوريين واعتقد الغالبية العظمى من الداخل , وبما انه ليس لها اجندة خاصة في تنفيذ مشروعاتها وليس لها املاءات على  شركائها  كما يبدو اراها جيدة جدا" .

ويذكر أن شبكة "أمان سوريا " قد تأسست في منتصف عام 2014 وامتدت نشاطاتها لتشمل اغلب المحافظات السورية في المناطق المحررة وقد اطلقت الشبكة و بالشراكة مع منظمة " للكل " حملة تحت عنوان " منقدر" نكون ايد وحدة  في ريف دمشق منطقة خان الشيح , وذلك من خلال نشاط ترفيهي تفاعلي استهدف 120 طفل تأكيداً على دور المنظمات السورية في تعزيز العمل المشترك  وذلك بحسب احد العاملين بها .

لذلك كان سيقتلنا

لذلك كان سيقتلنا

مصطفى حسين.

يتنهّد “وسيم” عميقاً، يبدأُ نفَسُهُ بالاضطراب؛ فيحاول جاهداً تنظيم شهيقه وزفيره، بينما عيناه تلتمعان وتدوران كأنّهما شريطٌ سينمائي يستعرض ما سُجِّل .

قبل ثلاث سنوات من الآن؛ حدث موقفٌ مريع تعرفنا خلاله على وسيم أكثر، فقد سمعنا صراخاً من الشقة التي بجانبنا في المركز الإعلامي الذي كنا نقيم فيه بحلب، كان صراخاً مشبعاً بالترجي والاستغاثة، وعلى الفور دخلنا الشقة فوجدنا “وسيم” منكباً على أحد أصدقائنا، السكين كانت قريبة من عنقه، بينما “الضحية” كان ممسكاً بيده وهو يحاول إبعادها، “وسيم” الطيب الجميل الذي نعرفه جيداً كان يحاول قتله !

أسرع أحدنا وأخذ السكين منه، وقبل أن نتمكّن من الحديث معه، وجدنا أنّ جسد “وسيم” انكمش على نفسه وخرّ يرتجف ويرتعد من الخوف ويهذي ” لا لا تضربوني .. يا سيدي والله ما عملت شي”، ثم بكى وكأنّه هو الذي كان الضحية .
صباح اليوم التالي أخبرناه بما فعله، جُنّ جنونُه بدايةً، وبعدها صار يضحك ظانّاً أنها مؤامرة تُحاكُ ضدَّه من أجل انتزاع ثمن علبة “بيبسي” منه، وحينما تأمل قسمات وجهنا الجادة والتي لم تكن تحمل أي عبث، صمت ودارات عيناه قليلاً ثم قال إنه لا يتذكر شيئاً مما حدث !

“وسيم” أصبح عنصراً خطراً منذ هذه الحادثة، لو لم يكنْ صديقنا مستيقظاً لكان قد فارق روحه، لذا كان لا بُدّ من الاحتراس، فقمنا بإخفاء السكاكين من المطبخ، وتعاملنا مع هذه المشكلة على أنها حدث عرضي .

الحالة هذه لم تكنْ تنتابه إلا في ظروف متقاطعة ومتباينة، إنّه يستيقظ من نومه ويبدأ بلعب دور “القاتل” وهو في حالة إغماء تام، كان هذا سراً لم نستطع اكتشافه، ولم نعرف الأسباب النفسية التي تدفعه للقيام بهذا الأمر .

حدث مرةً أن رافق “وسيم” عدداً من عناصر داعش إلى إحدى قرى ريف حلب الجنوبي، داعش كانت حديثة العهد في حلب ولم يكن مضى على تشكلها إلا ثلاثة أشهر، حينها عاد من رحلته حاملاً مقطع فيديو لذبح شخصَيْن اتهمهما داعش بأنهما “شبيحة” وذبحهما على مرأى من عيني وسيم الذي كان ممسكاً بكاميرته يصوّر ما يشاهده .
في تلك الليلة، عاودت وسيم الحالة ذاتها، صديقان قد تمكنا من إيقافه وتقييده، وبعد لحظات انهار باكياً وخائفاً يستجدي العون من “سيّده”، كان في حالة يُرثى لها فعلاً، إنّك لا تستطيع لدى رؤيتك إياه إلا أن تسامحه وربما تبكي معه حتى وإن كنتَ الشخص المستهدف في القتل .

صباح اليوم التالي، جلستُ معه وطلبتُ أن يحدّثني عمّا يشعر به عندما يكون بمفرده، وعن الكوابيس التي تراوده في الليل، صمتَ أولاً، ثم قال لي أيضاً إنه لا يتذكر شيئاً، قلتُ له: “حتى سيّدك الذي تناشده بألا يؤذيك أكثر؟؟”، لكنّه لم يردّ، بعد فترة طويلة من الصمت بيننا، حيث عيناه كانتا تدوران وتلتمعان، والتنهدات تسبقه قبل أن يحاول نطق أيّة كلمة، قال لي: “انسجنت أيام المظاهرات بالمخابرات الجوية، وكانوا .. كانوا يعذبوني كتير، متت لمرات عديدة تحت التعذيب .. ما عرفت شلون لهلق فيني أتنفس”، “ايه .. كمّل”، لم يتابع، واتّجه بعيداً عني .

فيما بعد عرفْتُ أنّ أهله في الفترات الأولى من إطلاق سراحه اضطُرّوا إلى حبسه في غرفة كي لا يقتل نفسه، بعد أن حاول ذلك بوسائل عديدة، ثم استعانوا بالمشايخ كي يقرؤوا عليه القرآن، وأخرجوه في نزهات عديدة كي يروّح عن نفسه، واصطحبوه إلى الصلاة، فربما كانت الطقوس الإيمانية ومواجهة الطبيعة هي الحل الأمثل لعلاجه، هذا قد خفّف عنه قليلاً، لكنّ فعل القتل قد ارتدّ على الآخرين، فهو ربما يرى في الآخرين شبح المحقق، لذلك يسعى إلى قتله بشتى الطرق .

إنهم في الأفرع الأمنية إذاً لا يكتفون بالتعذيب، إنما يحوّلون ضحاياهم إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وتردي آخرين، ثم يتركونهم معذبين طوال حياتهم .

قبل أسابيع قليلة، شاهدتُ وسيم في تركيا مصادفةً، كان بصحبة أصدقائه الذين لم أعرف منهم إلا واحداً، جلسنا في مقهى ما، وتحدثنا عن عمله الجديد، وعن أشياء تخص اليوميات في المنافي، شتيمةٌ بذيئةٌ وجهها أحد الجالسين معنا على الطاولة لصديق له، فما كان من الآخر إلا أن رد عليه بمزاح ثقيل : ” ما بدك تتهذب شوي ولاه ؟ يعني ضروري نخليك تنام شي يوم ببيت وسيم منشان تتربى !!” .

هو ما يزال يعاني إذاً !

 

روسيا دخلت الحرب لتدافع عن صورتها لا عن الأسد

مصطفى أبو شمس

روسيا دخلت الحرب لتدافع عن صورتها لا عن الأسد

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبشكل مفاجئ عن بدء سحب معظم قواته الرئيسة من سوريا اعتباراً من يوم الثلاثاء15 مارس، بعد تحقيق معظم الأهداف على حد تعبيره القرار الذي أثار موجة من الدهشة والإرباك في المواقف الدولية بشكل عام والعربية بشكل خاص .

وخلال اجتماعه بوزير الدفاع الروسي قال بوتين إن قوات البحرية والقاعدة الجوية الروسية في مدينة طرطوس ستعود للعمل كما كانت قبل التدخل العسكري الأخير.

وقال بوتين إن القوات الروسية الموجودة في سوريا حققت الجزء الاكبر من أهدافها مشيراً إلى أنها أوجدت ظروفا ملائمة للتمهيد لعملية السلام.

و طلب بوتين  من وزير الخارجية سيرغي لافروف تكثيف الدور الروسي في عملية السلام السوري .

الانسحاب الذي يتزامن مع عيد الثورة ومع اجتماعات جنيف سيضعف بلا شك حكومة الأسد , ويضعها في مأزق حقيقي بعد الانتصارات التي حققها الجيش السوري والميليشيات المقاتلة إلى جانبه تحت الغطاء الجوي الروسي, ويمارس عليها الضغط للقبول بالحل السياسي الذي ستتفق عليه كل من الولايات المتحدة وروسيا , رغم التطمينات التي قالت الأوساط السورية أن الرئيس بوتين كان قد أعطاها للرئيس الأسد من خلال اتصال هاتفي حيث أبلغه بسحب القوات الروسية, وأنه تم الاتفاق على ذلك بينه وبين الرئيس الأسد الذي قال  إنّ التعاون بين روسيا والقوّات السورّية أمّن الانتصار ضدّ الإرهاب وأعاد الأمن إلى البلاد.

 ويقوى موقف المعارضة وحلفائها التي عبرت على لسان سالم المسلط ، المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات بأن المعارضة تريد التحقق من تنفيذ القرار الروسي على الأرض .

ولعله من المبكر التكهن بالأسباب والنتائج التي أثارها هذا القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس بوتين , وإن كانت تلوح في الافق دلالات على أن الانسحاب الروسي جاء للحفاظ على المصالح الروسية , والنأي بها عن حرب طويلة الأمد ستشهدها المنطقة في حال استمرار الحرب السورية, بالإضافة إلى انقاذ الاقتصاد الروسي الذي شهد مؤخراً تراجعا كبيراً , وموقف الدول الأوربية الرافض للتدخل العسكري الروسي في سوريا , والضغط على كل من حكومة الأسد وإيران للقبول بمرحلة انتقالية , بعد التصريحات المستفزة التي صدرت عن الحكومة السورية على لسان وزير الخارجية وليد المعلم , ورئيس الوفد المفاوض ” الجعفري ” التي استبعدت فدرلة سوريا وقالت بأن الأسد ” خط أحمر” , وأن الحديث عن المرحلة الانتقالية لا يندرج في  ورقة العمل التي حملها الوفد السوري إلى مفاوضات جنيف .

علينا أن ننتظر ما تتمخض عنه اجتماعات جنيف التي بدأت في 15 الشهر الحالي , والتي قال فيها دي مستورا أن الحرب هي البديل في حال لم تتوصل الأطراف المشاركة إلى حل سياسي , وأنه سيحيل الملف السوري إلى مجلس الأمن في حال حدوث ذلك .

لا يمكن في حال من الأحوال أن تضع روسيا نفسها في مواجهة  حرب برية كان قد بدأ التحضير لها فعلياً في السعودية وتركيا وبموافقة إيران , التي توافقت مصالحها هذه المرة مع تركيا لمواجهة خطر القضية الكردية , وللعودة إلى الملف السوري بقوة بعد تهميش الروس للدور الإيراني وإقصائهم السياسي عن الملف السوري ,

وكلام لافروف عن ”  ضرورة أن يتخذ مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا دي مستورا قراراً بإشراك الأكراد في محادثات السلام ” , الأكراد الذين استطاعوا ومن خلال المساعدات الأمريكية في البداية والروسية من خلال سلاح الجو و التنسيق معه من السيطرة على ما يقارب 10 بالمئة من مساحة سوريا .

لعل الموقف الروسي الأخير عزز الخلاف الروسي الإيراني الذي أصبح واضحاً , فروسيا القلقة من التحالف الأمريكي الإيراني الذي يدار في الخفاء , والذي أطلقت فيه أمريكا يد إيران لتمد نفوذها في البلدان المجاورة كسوريا والعراق والبحرين واليمن , بالإضافة إلى تسوية ملفها النووي جعل روسيا تسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني في القضية السورية وجعله ثانوياً , وتقليص الدور الإيراني السياسي في المفاوضات بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا .

الخلاف الروسي الإيراني تجلى  واضحاً في تصريحات الرئيس الإيراني روحاني الذي قال  ” أن بلاده لا تقبل بتقسيم سوريا ” , في أول رد مباشر على ما اقترحته روسيا من إقامة اتحاد فيدرالي في سوريا قبل ايام  حيث ظهر غياب التنسيق بين حلفاء الماضي .

روسيا التي تريد الحفاظ على موطئ قدم لها في الشرق الأوسط وحماية مصالحها وقواعدها العسكرية , لا تعتبر من أولوياتها الحفاظ على الأسد كرئيس لسوريا بل معنية بالحفاظ على نظام الأسد – معه أو بدونه – لضمان هذه المصالح , وهذا ما يبرر إبقاء الروس على قواعدهم العسكرية في حميميم وطرطوس ومنظومة الدفاع الجوي المتطورة على الأراضي السورية , وخروج بوتين بما أسمته الصحف الروسية اليوم انتصاراً في كسر عزلة روسيا الأخيرة وانفتاحها على المجتمع الدولي واتفاقها مع الولايات المتحدة الأمريكية , وبذلك تكون روسيا قد استعادة قوتها ووجودها على الساحة الدولية و حفاظ بوتين على صورته وحمايتها أمام الراي العام في روسيا .

الأمر الذي ترفضه إيران لأنها تصر على بقاء الأسد ومشاركته في الانتخابات القادمة لأن خسارته تعني خسارة نفوذها في المنطقة .

تركيا التي لم يصدر عنها حتى الآن موقفاً رسمياً فيما يتعلق بقرار الانسحاب المفاجئ الذي أصدره بوتين هي أكثر المستفيدين من هذا القرار , فهو  يمهد لاستعادة روسيا للعلاقات الجيدة مع تركيا في وقت قريب من جهة , ويمثل انتصاراً للتحالف التركي السعودي وإنهاء للقضية الكردية التي اعتبرتها تركيا تهديداً لأمنها القومي .

في الذكرى الخامسة… الثابت والمتحول في الثورة السورية

في الذكرى الخامسة… الثابت والمتحول في الثورة السورية

 

 

رعد أطلي.

 

يتصدر تقويم العالم في الخامس عشر من آذار الذكرى الخامسة للثورة السورية التي لم تعد تخص السوريين فحسب، وإنما باتت الشغل الشاغل للجزء الأكبر من العالم.

شهدت الثورة خلال سنواتها الخمس العديد من التغييرات التي تبدلت فيها المواقف من درجة الصفر حتى درجة المئة وثمانين على مختلف المستويات والأصعدة، وكانت تلك السنوات الخمس كفيلة بالمنعطفات الحاسمة التي دفعت بالوصول إلى تلك التناقضات، وقد يتصدر تلك المتغيرات على المستوى السياسي مقدار التعاطي مع العملية التفاوضية مع النظام، فقد انطلقت الثورة السورية على وهج النار التي أشعلها جسد البوعزيزي في كامل المنطقة العربية، وعلى صوت القذافي الذي كان يستجدي معذبيه ويطالبهم بالرحمة التي ضن بها عليهم طيلة فترة حكمه الدموية الطويلة، فأشرق الأمل في قلب السوريين وانتفضوا للكرامة التي لم يتخاذلوا يوماً في النضال من أجلها مالئين سجون النظام طيلة عهده وشاغلين مشانقه العديدة، وجاهزين لمواجهة همجيته ووحشيته منذ مجازر حماه ودمشق وحلب وغيرها إلى اليوم الذي انطلقوا فيه في ثورتهم معلنين أن الشعب السوري لن يذل بعد هذه اللحظة، وبعد أن ملأ الثوار الشوارع وصدحوا بحناجرهم ليعلو صوتهم فوق أزيز الرصاص كان لا بد من جسد سياسي يعبر عن تلك المطالب ويؤطرها ببرنامج سياسي يجعل منها خطة عمل لإنتاج العقد الاجتماعي الجديد، وجاء المجلس الوطني يعبر عن أمل الثوار، والذي لم يكتسب كيان سياسي إلى اليوم ما اكتسبه من شرعية تمثيلية للثوار في بداية تشكيله، حيث خرجت مظاهرات عارمة في مختلف المحافظات السورية في يوم الجمعة ٧ تشرين الأول 2011 تحت مسمى "جمعة المجلس الوطني يمثلني"، وحاول المجلس الوطني حينها أن يتماشى مع مطالب الشارع فتبعه لاهثاً ينادي بمطالبه في الوقت الذي عجز عنه في تأطيرها بالبرنامج السياسي القادر على تنفيذه، لكنه أعلن أنه غير قابل للتفاوض مع النظام بأي شكل من الأشكال، وأن الثورة ماضية حتى تكفل تحقيق هدفها الرئيس في إسقاط كافة أركانه، ولم يربط هذه المقولة بالحراك الدبلوماسي والسياسي وحتى الاجتماعي على المستوى المحلي اللازم لتحقيق ذلك الهدف، ولم يكن عنده تلك الرؤية لكيفية العمل على ذلك، كما أنه لم يدرس أدواته وقدراته التي تمكنه من اتخاذ هكذا موقف، وإنما قال ذلك نزولاً عند رغبة الشارع، ذلك الشارع الذي تطلع إليه على أنه جسد قائد للثورة وممثل لها، فتفاجأ به يلهث وراءه مستجدياً  إياه تابعاً عاجزاً عن القيادة، وبدأت شعبية ذلك المجلس تتناقص تدريجياً حتى بات تهميشه واستبداله بالائتلاف الوطني حينها أمراً دولياً خالصاُ لا علاقة للثوار وعموم الشعب السوري به بعد أن يأس من ذلك العجز المدوي، ولم يأت الائتلاف الوطني بأحسن مما كان عليه المجلس الوطني، لكنه شكل منعطفاً مختلفاً في الثورة السورية على المستوى السياسي عندما قبل فيما سمي الحل السياسي في مؤتمر جنيف الأول في 30 حزيران من عام 2012 الذي نص على حكومة انتقالية دون حضور وفود ممثلة للنظام السوري حينها والمعارضة، وإنما اقتصر المؤتمر على دول مجموعة العمل من أجل سوريا، وكانت حينها المعارضة ما زالت مصممة على عدم التفاوض مع النظام السوري وعلى رأسه بشار الأسد، وكانت كلما انخفضت نسبة الثقة والتواصل بين الشارع والقوى السياسية المعارضة، ازدادت تلك المعارضة المشتتة تقبلاً للحل التفاوضي، ليأتي جنيف 2 في نهاية 2014 ويشكل أول عملية تفاوضية بين النظام والمعارضة السورية، ومن ثم تم تجميد العمل السياسي حول الثورة السورية بشكل أو بآخر حتى بداية العام الجاري. وتأتي ذكرى الثورة هذه الأيام في ظل مماطلة النظام وتصريحاته في عدم اكتراثه في حضور المؤتمر وإصرار المعارضة على حضوره مشكّلة تغيراً في حده الأقصى في النظرة للعملية التفاوضية.  لمست أيضاً عملية التفاوض تغيراً على مستوى الشارع الثوري الذي كان رافضاً تماماً لمنطق المفاوضات في بدايات الثورة في حين يقبل به الآن على أساس مجموعة رئيسية من المطالب على رأسها عدم وجود الأسد في السلطة في فترة الحكم الانتقالي. طرأ تغير كذلك على القبول بشخصيات كان لها دور سابقاً في المنظومة الديكتاتورية وانشقت عنها، الأمر الذي كان مرفوضاً تماماً في المراحل السابقة، بينما يترأس هيئة التفاوض الحالية رئيس الوزراء المنشق عن النظام في حين يكون الناطق الرسمي وزير الثقافة في حكومة سابقة تحت ظل الأسد، بل على العكس هذا أعطاهم نقاطاً إضافية لدى الشارع حول الخبرة في العمل السياسي بعد أن يأس من فشل السياسيين السابقين الذين تصدوا للموقف، بينما حقق هؤلاء بعض النجاح في إعلانهم تمسكهم بثوابت معينة للشارع الثوري، (ونتحدث هنا بعيداً عن مدى ذاتية أو موضوعية الأمور التي أدت لنجاح هذا وفشل ذاك) وبذلك يكون العمل السياسي بعنوانه العريض قد اتخذ في الثورة منحىً مغايراً تماماً لما كان عليه في بدايتها .

على المستوى الميداني شهدت الساحة الثورية ضمن رقعتها الأصيلة في الداخل السوري  أيضاً العديد من التغيرات، فقد بدأت الثورة سلمية نادى بها مدنيون عزل من مختلف أنحاء سوريا ومختلف أطيافها يطالبون بالحرية والعدالة والكرامة، ولجور ذلك النظام واستخدامه القتل والدم معبراً عن علاقته التاريخية مع الشعب، انشق العديد من الضباط الذين احتاجوا لما يحميهم، وحمل العديد من المدنيين السلاح دفاعاً عن أبنائهم وعائلاتهم ومدنهم وقراهم التي قرر النظام الانتقام منها لإصرارها على تلمس طريق الحياة الكريمة، وكان شعار الدفاع عن النفس الذي لا يمكن أن يتحقق إلا برحيل النظام هو ما يمنح ذلك السلاح شرعيته.

في السنة الثانية للثورة بدأت لعنة السلطة والقوة التي يمنحها السلاح – والتي ليست حكراً على التجربة السورية دون غيرها من تجارب الشعوب – بدأت تلك اللعنة تدب في أنحاء الجسد الثوري، لتتمايز في صيف 2012 العناصر المسلحة ضمن مجموعات مختلفة على أساس مناطقي أو عرقي يضاف إلى ذلك التمايز العقائدي، ليستتبعها في السنة الثالثة ظهور مشاريع مختلفة لتلك المجموعات تصل لمرحلة التصادم فيما بينها وتحاول أن تفرضها على الأرض، وكان المشروع الأكثر فجاجة مشروع مايسمى "تنظيم الدولة" الذي شهد حرباً داخلية قبل ذلك أدت إلى تمايز عناصره عن جبهة النصرة ليشكلوا مشروعهم في إعلان دولة الخلافة، محاربين كل الخارجين عن إطار ذلك المشروع، وكذلك تشكلت مشاريع فئوية تحاول أن تجعل من نفسها مثالاً يحتذى مثل مؤسسة التوحيد والجبهة الإسلامية ومشروع أمة، لكن لم يكتب لها النجاح لأنها في الشق الرئيسي لم تحقق الهدف الأول في إسقاط النظام وأدت إلى خلافات بينية بين عناصر الجيش الحر وباتوا جيوشاً ودولاً،  إلى مرحلة بات اسم الجيش الحر فيها خلال منتصف 2013 وحتى نهايات 2014 شيئاً أشبه بالتهمة لصاحبه، كما لم يعد علم الثورة في تلك المرحلة إلا راية نادرة في ساحة الرايات المتصارعة، ولم تؤدِ تلك المشاريع لتحقيق نجاحات تكسبها شرعيتها وتكسبها حواضن شعبية حقيقية، فعادت تتراجع أمام أهداف الثورة الرئيسية في الحرية والعدالة للجميع، وعاد علم الثورة للظهور تدريجياً منذ بدايات عام 2015 ليعود الممثل الرئيسي للثورة والثوار، ورجع بريق اسم الجيش الحر يلمع في عيون الثائرين , كما حدث تغيير أيضاً في النظرة للعناصر المقاتلة الوافدة على سوريا والتي كانت في بدايات الثورة مصدر ترحيب عند الكثيرين، في حين اليوم بات الجمهور الأكبر يحسون بعبءٍ ما حول تلك المجموعات التي تحمل مشروعاً خاصاً بها بعيدة عن المطالب الرئيسية للثورة السورية، وأدى ذلك إلى تحول حتى في المنحى العقائدي لبعض الكتائب المقاتلة مثل حركة "أحرار الشام " التي تحولت من "الجهادية السلفية" إلى "مشروع أمة" إلى "ثورة شعب" لتعترف في المرحلة الأخيرة عبر تصريحات قاداتها في دفاعهم عن رفع علم الثورة في المظاهرات الأخيرة من الشهر الماضي وبدايات شهر آذار ضد من حاول إنزاله وقمع تلك المظاهرات، لتعترف بأن الشعب هو الأول والأخير المخول بتقرير مصيره ومصير دولته, وعلى جانب آخر فإن العملية التفاوضية الآن تضم في الفريق المفاوض ممثلين عن المجموعات المقاتلة على الأرض الذين منحوا قوة للمفاوض وشرعية سياسية لأنفسهم بعد أن كانت الثورة في بدايتها تشهد طلاقاً ثورياً بين الطرفين .

على المستوى الدولي والإقليمي فإن الثورة السورية أدت إلى مزج الأوراق في العلاقات الدولية في العالم بطريقة مشوِشة حتى لكبرى الدول , في بداية الثورة كانت شأناً سورياً بحتاً له ارتداداته الإقليمية والدولية والتي دأب المجتمع الدولي على احتوائها، وكان النظام السوري في بداية الثورة هو المستأسد ضد شعب أعزل من المفروض أنه شعبه، فأعمل القتل والتعذيب والخطف فيهم دون طائل، بل كان يقفز متفادياً سقوطاً ليقع في سقوط آخر حتى سقط في السلة الإيرانية كما أراد نظام الملالي، وتحول من حليف استراتيجي موسوم بالتبعية لإيران لطرف ممثلٍ لاحتلال دولة أجنبية ينفذ ما تريده في الإقليم المحتل، ولكن ولعجز الإيرانيين عن حمايته رغم كل ما قدموه فإنه استعان من الرمضاء بالنار، فقدمت روسيا حامية للمصالح الأمريكية قبل كل شيء، مطبقة حالة من الاحتلال أشد وطأة وصلت إلى وسم النظام السوري بأنه ذيل كلب غير قادر على التحرك خارج الفضاء الروسي، في حين شكلت أزمة اللاجئين في أوروبا تحدياً للقادة الأوروبيين ليس على المستوى الإنساني فحسب، بل على مستوى العلاقات الداخلية بين دول الاتحاد، وتحولت المشكلة التي أفرزها صمت أوروبا تجاه جرائم الأسد إلى مشكلة أوروبية داخلية تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، وتحولت الثورة السورية خلال السنوات الخمس من ثورة محلية يحاول المجتمع الدولي احتواء مفرزاتها والتكسب من خلفها، إلى أزمة عالمية تهدد شكل العلاقات على المستوى الدولي، وخاصة في شكل العلاقات بين الدول الإقليمية التي تستشعر الخطر الأكبر مما يجري في سوريا والقوى الرئيسية في المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة التي كانت في بداية الثورة قادرة على إظهار نفسها صديقة وداعمة للثورة السورية، تلك الثورة  التي وضعت الأمريكان في مأزق في علاقاتها مع دول حليفة استراتيجياً لها كالسعودية وتركيا، وتمكنت من كشف النقاب عنها كأحد الأعداء الرئيسيين لثوار سوريا، بل وشكلت أزمة داخلية في الولايات المتحدة في صعود نجم المرشح دونالد ترامب، الجمهوري الأحمق حسب ما تصفه الكثير من الصحافة الأمريكية، والذي استفاد من التطرف الذي يمارس على السوريين قبل غيرهم، ومن أزمة اللجوء الأوروبية ليكسب أصواتاً توصله للتنافس على كرسي الرئاسة رغم تطرفه المعلن واضعاً الولايات المتحدة وجهاً لوجه أمام زيف ادعاءاتها حول أنها الحامي الرئيسي للديمقراطية والتعددية والتنوع في العالم .

كثير من المتغيرات حدثت في الثورة السورية أو أدت إليها وصلت إلى مرحلة التناقض كما أسلفنا، إلا أن هناك ثابتاً وحيداً لم يتبدل، ثابت غير قابل أصلاً للتبدل، متعلق بالروح، وبالأصالة، وبالضمير، وبالحلم، وبالحقيقة ، إنها الثورة روح الشعب الذي يغير ولا يتغير.

بدأت الثورة في سوريا بمظاهرات سلمية راحت تتسع شيئاً فشيئاً لتعم كافة البلاد، ثورة سلمية طامحة حالمة بسوريا الآمنة وسوريا العادلة وسوريا الحرة للجميع، ارتفع علم الاستقلال فيها معبراً عن رحلة تحررية جديدة للشعب السوري، وملأت الشوارع أصداء السوريين الذي نادوا بالحرية والكرامة صفاً واحداً يداً بيد، وفي معمعة السلاح وأزيز الرصاص لم يعد من الممكن أن تسمع صوت الثائر الحقيقي، ذلك البسيط الذي ألهاه عن مشواره وحلمه دفن شهيد أو إطعام رضيع أو علاج مصاب، ذلك الذي ما زال يسكن البيت المدمر أو المحاصر أو المرصود بقناصٍ ما ينتظره أن يعبر من غرفة لغرفة ليقتله بتهمة التنقل في منزله ، اختفى هذا السوري القح في تلك اللوحة الكبيرة، وظنه الجميع إما أنه مات أو في دربه للموت، لكنه ما إن شعر بلحظة سلام، ما إن تذكر نفسه وتفرغ لها، نفض عن كتفيه غبار الرماد الذي خلفه دمار منزله فوقه، ومسح عن يديه ووجهه دماء شهدائه الذي دفنهم للتو، ثم حمل علم ثورته عالياً وخرج للشارع يصرخ بأعلى صوته ضاحكاً رغم الأسى، متعالياً على جراحه، راقصاً على أنغام حلمه، مواجهاً العالم بعبارته المتجددة "لسا بدنا حرية"، مسقطاً زيف ووهم كل من أراد القضاء عليه، معلناً أن طائر الفينيق المنتفض من تحت الرماد ليس أسطورة، وإنما حقيقة سورية خالصة، مصمماً على ثورته لأنه لا يراها حدثاً تاريخياً كما يراها غيره، وإنما يراها قدراً لشعبه لا بد أن يمر به.

تعيش الثورة السورية عامها الخامس كثيراً من التغيرات على مختلف الأصعدة، إلا أنها أبت إلا أن تظهر للعالم ثابتها الوحيد على أنها مستمرة ثورة شعب مسالم سيناضل حتى أقصى ما يمكنه من النضال ليسقط الاستبداد بمختلف أشكاله، ويحقق الحرية لبلاده تحت ظل الراية الخضراء المرصعة بنجوم التضحية الحمراء.

حول “القضية الكردية”عدوى القومية (1)

مصطفى أبو شمس

حول “القضية الكردية”عدوى القومية (1)

تعد القضية الكردية اليوم من أبرز القضايا التي ينقسم المجتمع الدولي في النظر إليها والبحث عن حلول حقيقة تقوم على تحقيق تطلعات الشعب الكردي من جهة , وبين الحفاظ على وحدة البلاد التي يعتبر الشعب الكردي جزء من نسيجها , وكثيراً ما استخدمت الأطراف المتصارعة الورقة الكردية لتعميق الخلافات بين الأطراف المتناحرة .

القضية الكردية منذ ظهور التقسيمات التي افتعلتها القوى الاستعمارية في بداية القرن العشرين على  الأسس القومية :

مع بداية القرن العشرين بدأ الإسلام كغطاء سياسي يحتوي في داخله على هذا التنوع الكبير من الديموغرافيات، ويصهرها في بوتقة العقيدة الواحدة، ويحتويها في كيان سياسي موحد بالانحسار والتراجع لصالح الأفكار القومية، والتي بدأت تظهر بشدة على السطح لتحلّ في الدرجة الأولى، متجاوزة التقسيمات الدينية والمذهبية والتي وجدتْ ضالّتها في نشوء الأحزاب القومية التي عملتْ أوروبا على تصديرها للفكرة القومية واعتمدتْها في القرون الوسطى كوسيلة أساسية للخلاص من سلطة الكنيسة، فظهرت القومية في أوروبا للخروج من الواقع الشنيع الذي تكابده المجتمعات من الذل والخوف والقتل الجماعي والأحكام الجائرة التي تركزت في أيدي رجال الكنيسة في ذلك العصر .

ولأن التقدم والحضارة لا يتماشيان مع فكرة القومية، أدركت أوروبا الساعية إلى الهيمنة على مقدرات العالم وخصوصاً “الشرق الأوسط” إلى لفظ الفكرة القومية، وتصديرها للعالم العربي والإسلامي .

بدأت الأفكار القومية بالانتشار في الشرق مع بداية القرن التاسع عشر، لتكونَ بديلاً للأفكار الإسلامية، ونتيجةً لحالة الضعف السائدة؛ ظهرت التقسيمات الجديدة بناء على تلك الأفكار، وتبلورتْ الأيديولوجيات القومية لتأخذ شكلها النهائي في قوميات متصارعة (الفارسية – العربية – التركية ) تسعى من خلالها و”لأسباب تتعلق بالمصالح السياسية والاضطهاد الديني” إلى إجراء تغييرات ديموغرافية وجيوسياسية، جعلت التعدد القومي أو الديني مهدداً بالزوال، ومارست اشكالاً من الاضطهاد القومي أو الديني او المذهبي لخلق انكسارات في العقل السياسي في الشرق، وبناء ديكتاتوريات سعت إلى إثارة تلك القوميات، لتصبح مشكلة حقيقية تجابهها تلك الدول من خلال طمس الهوية القومية للأقليات التي تختلف عن الأكثرية الحاكمة في تلك البلدان .

تمثَّلَ الأكرادُ حالةً من الإسلام العقائدي، ولم يتأثروا بكل الأفكار المذهبية التي طغت على القوميات التي تؤلف العالم الإسلامي في العصور القديمة حتى بداية تشكل الوعي القومي الذي تحدّثْنا عنه، فبدأتْ عدوى القومية تصيب القومية الكردية، وسعت أوروبا إلى ترسيخ هذه الأفكار من خلال الاحتكاك المباشر، وتحريض العشائر الكردية ضد الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين خاصة ثم الإيرانية لتتمكن من إضعافهما , ودخلت القضية الكردية منعطفاً جديداً، حيث وجدتْ نفسها مقسمّةً بين أربع دول (تركيا – إيران – العراق – سوريا ) .

المحاولات الأوروبية وجدت لها مكاناً  عند بعض الأكراد الباحثين عن حل للقضية الكردية على الأسس القومية التي سادت في ذلك الوقت، ووجدت الفرصة سانحة بعد خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى، وبداية تقسيم السلطنة المنهكة من قبل بريطانيا وفرنسا فيما عرف باتفاقية (سايكس- بيكو ) .

أصابت اتفاقية (سايكس – بيكو) )التي كانت عام 1916 على شكل تفاهمات بين فرنسا والمملكة المتحدة ” بريطانيا ” وبموافقة القيصرية الروسية   (الأكراد في مقتل فقد عمق  المجتمعون من تعقيد المشكلة الكردية، وحطموا الآمال في تحقيق حلمهم في تقرير المصير حين استُثنِيَ الأكرادُ من تلك التقسيمات في تحقيق “كردستان”، البلد القومي الذي كانوا يحلمون به، والذي وقع جزء كبير منه تحت السيطرة العثمانية .

الخريطة التي قدمها الاكراد لمؤتمر سيفر وتوضح حدود كردستان كما طالب بها الوفد الكردي برئاسة شريف باشا (انترنت).

اعتمد الأكراد على الجهود الدبلوماسية لنيل مطالبهم وإيصال صوتهم إلى (مؤتمر الصلح 1919) , وقدم الممثل الكردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكردستان إلى المؤتمر, وطالب بتشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات , ثم استطاع شريف باشا إدخال ثلاثة مواد تتعلق بالقضية الكردية في ما عرف بمعاهدة (سيفر1920)  التي أبرمها الحلفاء في باريس .

البند 62 :  تتولى هيئة تتخذ مقرها في اسطنبول مكونة من ثلاثة أعضاء تعينهم حكومات كل من بريطانيا وفرنسا وايطاليا ، التحضير أثناء الأشهر الستة الأولى التي تعقب تنفيذ هذه الاتفاقية ، لوضع خطة لمنح حكم محلي للمناطق التي تسكنها غالبية من الأكراد والتي تقع إلى شرق الفرات والى جنوب الحدود الأرمينية التي ستحدد فيما بعد ، والى شمال الحدود بين تركيا وسورية وبلاد ما بين النهرين ، وفي حالة عدم توافر إجماع في الآراء بصدد أي قضية ، يحيل أعضاء الهيئة المذكورة كل إلى حكومته , ينبغي أن توفر الخطة ضمانة كاملة لحماية الآشوريين والكلدانيين والجماعات العرقية أو الدينية الأخرى في المنطقة ، ولهذا الغرض ستزور المنطقة هيئة مكونة من ممثلي بريطانيا وفرنسا وايطاليا وبلاد فارس والأكراد لكي تتولى تحديد أي تعديل – أن وجد – ينبغي إدخاله على الحدود التركية أينما تلتقي مع الحدود الفارسية وذلك على النحو الموضح في هذه المعاهدة .

البند 63: توافق الحكومة العثمانية من الآن على قبول وتنفيذ القرارات التي تتخذها الهيئتان المقرر تشكيلهما في المادة 62 أعلاه خلال ثلاثة أشهر من تاريخ أخطارها بتنفيذ تلك القرارات .

البند 64: وإذا ما طلب السكان الأكراد في المناطق المحددة في المادة 62 في غضون سنة واحدة من تاريخ تنفيذ هذه الاتفاقية من مجلس عصبة الأمم وأعربت غالبية سكان تلك المناطق عن رغبتها في الاستقلال عن تركيا ، وإذا ما ارتأى المجلس أن هؤلاء السكان مؤهلون للاستقلال وأوصى بمنحهم إياه توافق تركيا من الآن على قبول مثل هذه التوصية ، وتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في تلك المنطقة ، وستكون تفاصيل هذا التنازل موضوعا لاتفاقية خاصة تعقد فيما بين تركيا والدول الحليفة الكبرى . وإذا تم التنازل ، لن تعترض الدول الحليفة الكبرى إذا ما سعى الأكراد الذين يقطنون في ذلك الجزء من كردستان والذي يقع حاليا ضمن ولاية الموصل لأن يصبحوا مواطنين في الدولة الكردية المستقلة حديثا .

وكانت النتيجة أنِ اصطدمت البنود الثلاثة برفض “مصطفى كمال” الذي اعتبرها بمثابة حكم الإعدام على تركيا ووضع العراقيل لمنع تطبيقها .

وكان لصعود نجم مصطفى أتاتورك، والتقاء أفكاره بالمصالح الأوربية، الأثر الأكبر في إضعاف احتمال تمكين الأكراد من الحصول على استقلالهم فلم ترَ المعاهدة النور، وألغى أتاتورك كل المعاهدات التي أبرمتها الأستانة بما فيها معاهدة سيفر .

بريطانيا كانت صاحبة اليد الطولى في القضاء على فكرة “كردستان ” من خلال اتفاقية (لوزان 1923)، التي نصّتْ على أن تتعهد أنقره بمنح سكان تركيا الحماية التامة والكاملة، وضمان الحريات دون تمييز من غير الإشارة إلى الأكراد في أي من بنودها، وعملتْ على إلحاق جنوب إقليم كردستان بالعراق بعد استفتاء شكلي في عصبة الأمم المتحدة .

ولعلّ اتفاقية (لوزان) شكلت بداية الماسأة الكردية الحقيقية، حيث شكلت وثيقة التقسيم لكردستان وإلحاقها بالدول الأربعة مع غياب الأكراد عن الاجتماع واتفاق لوزان الذي ضم ( بريطانيا- فرنسا – ايطاليا- اليابان- اليونان – رومانيا – الصرب والكروات- سلوفينيا ) من جهة،  وتركيا من جهة ثانية .

فكان على الأكراد أن يسعوا لتحقيق دولتهم القومية في مجابهة أربع دول بعد أن تم تقطيع حلمهم القومي بينها .

المقالة القادمة عدوى القومية (2) ستكون عن ” النضال السياسي الذي خاضه الشعب الكردي فيما يسمى بزمن الثورات والأحزاب السياسية “.

مصطفى أبو شمس

من مظاهرات حلب في الذكرى الخامسة للثورة

من مظاهرات حلب في الذكرى الخامسة للثورة

تظاهر ناشطون في حلب القديمة بمناسبة الذكرى الخامسة لإنطلاق الثورة السورية وقد سبق المظاهرة تزيين الشوارع و الساحات بأعلام الثورة استعداداً , اكد المتظاهرون على استمرار الثورة ونادوا بإسقاط النظام كما ورددوا عبارات الشماتة بالإنسحاب الروسي .

بيبرس مشعل أحد مؤسسي الدفاع المدني قال لفوكس حلب : " نتظاهر اليوم بعيد الثورة و نؤكد على مطلبنا الأساسي في إسقاط النظام ,الذكرى سعيدة و حزينة بالنسبة لي فهو عيد الثورة و تحررنا من نظام العبودية و محزن لما تعرض له شعبنا من قتل و قصف و تهجير و كلَي أمل ان نحتفل العام القادم بعيد الثورة و سقوط النظام ,نحن كدفاع مدني اعددنا احتفالية بسيطة سنقدمها في الايام القادمة بمناسبة ذكرى انطلاق الثورة فنحن ثوار قبل ان نكون عناصر في الدفاع المدني " .

يذكر ان ثوار حلب اعتمدوا 15-16-17-18 من آذار كأيام احتفال بذكرى الثورة و يقدم خلالها نشاطات و مظاهرات بكافة انحاء المدينة .

 

 

 

 

أول صحفية شاعرة كانت من حلب

مصطفى أبو شمس

أول صحفية شاعرة كانت من حلب

ولدت  مريانا فتح الله نصرالله بطرس مراش في مدينة حلب عام 1848 وعاشت في سورية ولبنان وبعض بلدان أوروبا.

التحقت بالمدرسة المارونية في الخامسة من عمرها، ثم أتمت تعليمها الابتدائي في مدرسة مار يوسف بحلب، بعدها انتقلت إلى المدرسة الإنجليزية في بيروت.

وكان بيت أبيها من البيوتات العريقة التي لها مشاركة بحياة الفكر والأدب، وكان لأخويها فرانسيس وعبد الله أثرهما في توجيهها نحو حياة الفكر.

وفي الخامسة عشرة من عمرها أخذ والدها  يعلمها الصرف والنحو والعروض، ثم تتلمذت على يد أخويها اللذين أشربا قلبها حب الأدب، تلقت دروسًا في الموسيقى وأتقنت العزف على القانون والبيانو.

كانت من النساء الرائدات في الصحافة، نشرت مقالات عدة في مجلة الجنان وجريدة لسان الحال، اشتهرت بجمال صوتها وشغفها بالموسيقى، كان شقيقاها فرنسيس وعبد الله مراش من أركان النهضة الأدبية التي حدثت في سوريا الشمالية، وقد سارت على غرار أخويها.

يعتبر الأثر الأكبر لمراش هو صالونها الأدبي، الذي افتتحته عقب رحلاتها إلى أوروبا ومشاهدتها للكثير من الصالونات الأدبية المقامة هناك. تشجّعت مريانا لإقامة هذا الصالون الذي أرسى دعائم الأدب الحديث في الشرق العربي، وجمع في رحابه كبار الأدباء في مدينة حلب آنذاك مثل قسطاكي الحمصي، وجبرائيل الدلاّل، وكامل الغزّي وغيرهم ، ففي بيت مريانا مراش كان يجتمع أدباء تلك الفترة، وربما كان بيتها أول صالون أدبي عرف في الشرق العربي، فكانت تعقد الاجتماعات وتطول السهرات وتكثر النقاشات.

وكانت مريانا مراش أول أديبة عربية فتحت بيتها لاستقبال الأدباء، مع أن العصر الذي عاشت في ظلاله كان عصر تزمت وتقاليد، كما أنها أول أديبة سورية كتبت في الصحف كما روى الفيكونت دي طرازي صاحب كتاب “تاريخ الصحافة العربية” ففي العام 1870 نشرت عدة مقالات في مجلة “الجنان” وفي جريدة “لسان الحال” وفي غيرهما من صحف ومجلات بيروت .

قال عنها الشاعر والمفكر قسطاكي الحمصي بأنها “إنها سليلة بيت العلم , وشعلة الذكاء والفهم، فصيحة الخطاب، ألمعية الجواب، تسبي ذوي النهى بألطافها، ويكاد يعصر الظرف من أعطافها، تحن إلى الألحان والطرب، حنينها إلى الفضل والأدب، وكانت رخيمة الصوت، عليمة بالأنغام، تضرب على القانون فتنطقه إنطاقها الأقلام”.

وصفها سامي الكيالي: «عاشت مريانا حياتها في جو من النعم والألم، عاشت مع الأدباء والشعراء ورجال الفن وقرأت ما كتبه الأدباء الفرنسيين وأدباء العرب فتكونت لديها ثقافة تجمع بين القديم والحديث».

جمعت مريانا أغلب قصائدها في ديوان شعر أسمته “بنت فكر” , وفي الفترة الأخيرة من حياتها عانت من مرض العصاب الذي قضي على حياتها في نهاية الحرب العالمية الأولى عن عمر يناهز 71 عاماُ وذلك في عام 1919.

الطيران الروسي يعاود قصف حلب

الطيران الروسي يعاود قصف حلب

قصف الطيران الروسي مبنى سكني في حي الصالحين أدى لدمار المبنى على ساكنيه معظمهم من الاطفال و النساء كما استهدف القصف احياء المعادي و المرجة و السكري .

و تمكن الدفاع المدني من انتشال رجل مسن لا يزال على قيد الحياة في حين قضى باقي افراد العائلة نتيجة القصف  .

يأتي هذا القصف قبيل ساعات من انتهاء الهدنة التي دامت 15 يوما رافقها خروقات في الريفين الغربي و الشمالي و يوم امس الخميس في حي الميسر بحلب .