تمدّ نهلة الطه، 43 عاماً، يدها بين أغصان شجر الكرز، تنتقي الحبات الناضجة وتضعها بخفة في الوعاء المعلّق أمامها، منذ ساعات الفجر الأولى تعمل السيدة رفقة عاملات أخريات في أحد بساتين بلدة كفرحايا بريف إدلب الجنوبي الذي عادت إليه الحياة بعد أن أنهكتها سنوات الجفاف.
في البساتين الممتدة من أريحا إلى جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، تنحني أغصان أشجار الكرز المحملةً بالثمار الناضجة. عناقيد حمراء لأنواع مختلفة تختبئ خلف أوراق شجر الكرز التي يزيحها عمال القطاف بأيديهم، يواصلون العمل لملء الصناديق استعداداً لنقلها إلى السوق، في مشهد غاب عن المنطقة لسنوات تراجع فيها الإنتاج بفعل النزوح وقلة الأمطار.
قبل أيام انتقلت نهلة، إلى أحد بساتين الكرز في كفرحايا بعد انتهاء موسم حصاد القمح، رفقة ابنها عمر، 17 عاماً، وستة عمال آخرين للعمل ضمن ورشة قطاف. داخل البستان تتشارك نهلة وعاملات أخريات مهمة قطاف الثمار وفرزها في صناديق، وفق حجمها ونوعها. توضح نهلة آلية تجهيز المحصول. تقول “نفرش قاع الصناديق بأوراق شجر الكرز وبعض الأغصان الرقيقة لحماية الثمار من التلف، ثم نعبئ كل صندوق بنوع واحد لتصبح جاهزة للبيع”.
تصنف أنواع الكرز في المنطقة إلى الربعي وأبو نقطة والتفاحي وأبو حز ويعد الطلياني أفضلها من حيث الجودة والسعر، أما الوشنة فهو الأكثر شهرة في جبل الزاوية ويدخل في صناعة المرطبات والشراب والمربيات، وفي أريحا وحلب يعد طبق اللحم بكرز من أشهر الأطعمة.
يتقاضى عمال القطاف نحو دولارين عن كل ساعة من ساعات العمل الطويلة المقسمة إلى فترتين، تبدأ الأولى من الخامسة فجراً إلى الثانية عشرة ظهراً، والفترة المسائية من الرابعة عصراً إلى غروب الشمس.
خلال ساعات الاستراحة تستغل بعض العاملات الوقت للعودة إلى منازلهن وإعداد الطعام للأسرة، تقول نهلة إنها لا تعرف معنى الراحة، فهي تواصل العمل داخل المنزل وخارجه.
إلى جانب عملها بالزراعة تعتني نهلة بقطعة أرض صغيرة تحيط بمنزلها، مزروعةً بأشجار المحلب والكرز تسد حاجة العائلة من المحصول دون أن تتمكن من التسويق لتيبس معظم الأشجار.
على عكس الأعوام الماضية التي شهدت جفافاً شديداً، ارتبطت زيادة إنتاج الموسم هذا العام بوفرة الأمطار، يقول يونس الحسن، وهو تاجر محلب وكرز من قرية كفرحايا، “حركة السوق هذا العام هي الأفضل منذ سنوات”.
تضاعف سعر الكرز في الموسم الحالي عما كان عليه العام الماضي، وتراوح سعر الكيلوغرام بين ثلاثة دولارات إلى ثلاثة دولارات ونصف الدولار، حاله حال المحلب الذي ارتفع سعره أيضاً إلى نحو 2.60 دولار للكيلوغرام، عوضاً عن 1.10 دولار العام الماضي.
ويرى الحسن أن انتعاش حركة السوق هذا الموسم يعود إلى فتح الطرق بين المحافظات بعد سقوط نظام الأسد، ما سمح للمزارعين بنقل إنتاجهم من المحلب والكرز إلى أسواق الهال في حلب ودمشق وكثير من المحافظات السورية، بعد ما كانت أسواق التصريف تقتصر على إدلب وريف حلب.
تبلغ المساحة المزروعة بالكرز في إدلب 5738 هكتاراً، وعدد الأشجار 1.347 ألف شجرة تنتج سنوياً نحو 20 ألف طن، وذلك حسب المجموعة الإحصائية في وزارة الزراعة (2017-2018).
يتولى الحسن دور الوسيط بين المزارع والتاجر في سوق الكرز مقابل عمولة تصل قيمتها إلى 4 بالمئة من قيمة المبيع. مستنداً على خبرة اكتسبها من عمله في مركز بيع لأكثر من 13 عاماً في بلدته كفرحايا. يباع المحصول، وفقاً للحسن، لحساب المزارع، ويتولى السمسار التفاوض مع التجار للحصول على أفضل سعر ممكن.
يبدأ السماسرة، ومن بينهم الحسن، باستلام صناديق الكرز من الساعة الحادية عشرة صباحاً، ثم تُجمع الكميات الواردة من داخل القرية والقرى المجاورة، والتي يقدّرها بنحو طنين يومياً، تمهيداً لبيعها مساء إما عن طريق في المزادات، أو البيع مباشرة قبل شحنها إلى الأسواق، عندما يكون السعر مناسباً. وتختلف آلية تسويق المحلب عن الكرز، إذ يتولى تجارٌ متخصصون شراءه و تجفيفه وتخزينه عكس الكرز الذي يباع طازجاً.
حمل المطر في العام الحالي بشرى لمزارعي الكرز، على حد وصف المزارع الستيني أبو رامز من قرية بلشون بريف إدلب، بعكس السنوات الماضية التي ضرب الجفاف فيها أشجار الكرز وتسبب بيباسها، يقول “أملك مائتي شجرة كرز لم يتجاوز إنتاجها 300 كيلوغرام فقط العام الماضي”.
ما يزال الإنتاج متفاوتاً بين حقل وآخر، بحسب أبي رامز، فهناك حقول مثمرة وأخرى تخلو أشجارها من الثمار، إلا أن عودة الأهالي إلى قراهم والعناية بأشجارهم ووفرة الأمطار وفتح الطرقات، جميعها عوامل تساعد في زيادة الإنتاج وعودة موسم الكرز إلى سابق عهده.
ارتفاع سعر الكرز هذا العام قد يعوض الخسارة التي تكبدها المزارعون خلال مواسم الجفاف السابقة، في المقابل جعل شراء كيلوغرام من الكرز بسعر يناهز 100 ألف ليرة سورية (نحو 8 دولارات) عبئاً على المواطن السوري الذي لا يتجاوز راتبه ثمن “فلينة من الكرز”، و لن تصبغ الوشنة أصابع أطفاله.
