تغطي الأشجار 78% من المساحة الإجمالية القابلة للزراعة في إدلب التي تقع ضمن منطقة الاستقرار الزراعي الأولى في القطر، ويعتبر الزيتون والكرز والتين والفستق الحلبي أهم هذه الأشجار المثمرة التي تؤمن فرص عمل ومصدر دخل لمعظم سكان المحافظة.

الأشجار المثمرة في الشمال السوري 2018

يقول المهندس عمر بدوي (مدير الإرشاد الزراعي سابقاً في محافظة إدلب) إن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في محافظة إدلب نحو 128 ألف هكتار، وعدد الأشجار المستثمرة منها نحو 13 مليون شجرة، يقدر انتاجها في عام 2018 بـ 75 ألف طن، وفي حلب 190ألف هكتار تحتوي على 19.5 مليون شجرة بمتوسط إنتاج 171 ألف طن، وفي حماه 70 ألف هكتار عدد أشجارها 760 ألف شجرة متوسط إنتاجها 46 ألف طن، بينما تبلغ المساحة المزروعة بالكرز في إدلب 5738 هكتاراً، وعدد الأشجار 1.347 ألف شجرة تنتج سنوياً نحو 20 ألف طن، وفي حلب 411 هكتاراً وعدد اشجارها 120ألف شجرة متوسط إنتاجها 1.5ألف طن، وفي حماه 175 هكتاراً، عدد أشجارها 49 ألف شجرة متوسط إنتاجها 350 طن، وذلك بحسب المجموعة الإحصائية في وزارة الزراعة (2017-2018) .

وتقدّر وزارة الزراعة المساحة المزروعة بأشجار التين في إدلب بـ 3.8 ألف هكتاراً، وعدد الأشجار بنحو 882 ألف شجرة، متوسط إنتاجها 17.5 ألف طن، وفي حلب 779 هكتاراً وعدد الأشجار 120 ألف متوسط انتاجها 1.8 ألف طن، وفي حماه 1.5 ألف هكتار وعدد الأشجار 484 ألف شجرة متوسط إنتاجها 6.8ألف طن.

أما الفستق الحلبي فتضم إدلب 13% (10.5ألف هكتار فيها 1.6 مليون شجرة) من مساحة الأراضي المزروعة بأنواع الفستق في سوريا والتي تبلغ (60ألف هكتاراً تحتوي نحو 10 مليون شجرة)، ويقدر إنتاجها بـ (16.5ألف طن) من الإنتاج السنوي (متوسط الإنتاج 55 ألف طن)، بينما يتوزع في حماه 36% من مساحة أشجار الفستق (21 ألف هكتار فيها 2.7 مليون شجرة)، ويقدر انتاجها بـ  (18.4ألف طن) من الإنتاج السنوي في سوريا، وفي حلب 45% من مساحة الفستق (23.5 ألف هكتار فيها 2.4 مليون شجرة)، ويقدر انتاجها بـ (14.5ألف طن) من الإنتاج العام.

بالعودة إلى أرقام وزارة الزراعة لعام 2011، نلاحظ تراجع إنتاج الزيتون في المناطق الثلاثة الخاضعة بأقسام كبيرة منها لسلطة المعارضة السورية بنسب تفوق 50%، إذ سجلت إحصائية 2011 إنتاج 140 ألف طن في إدلب و 57 ألف طن في حماه و 322 ألف طن في حلب، كذلك تراجعاً في إنتاج الكرز في حلب (3.2ألف طن في 2011) مع الحفاظ على الإنتاج في إدلب وحماه، وكذلك في محصول التين بنسب تقدر بـ 15% من الإنتاج، والفستق الحلبي بنسبة تقدر بـ 20% في كافة مناطق الشمال السوري.

يقول المهندس الزراعي محمد الموسى إن التراجع في انتاج الأشجار المثمرة ارتفع في العام 2019، وقلّت القوة الشرائية للأهالي بسبب الظروف الأمنية التي تعيشها المنطقة، إذ شهد موسم التين تراجعاً كبيراً قدّره الموسى بـ 60% من الإنتاج، كذلك سيشهد موسم الزيتون الأمر ذاته بعد خسارة مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية سيطرت عليها قوات الأسد مؤخراً منذ نيسان الماضي بريفي إدلب وحماه، ووجود قسم آخر من هذه المساحات في مناطق عسكرية يصعب الوصول إليها، ناهيك عن القصف والنزوح

النزوح وتغير خارطة السيطرة أحد أهم الأسباب في تراجع الإنتاج

وثّق فريق منسقو استجابة سوريا نزوح نحو مليون شخص من أرياف إدلب وحماه خلال الأشهر الستة الماضية خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي سبقها حركة نزوح داخلية مستمرة خلال العام 2018 لمئات الآلاف من العوائل، معظمهم من العاملين في القطاع الزراعي ما تسبب بتركهم لأراضيهم وإهمالهم لها دون رعاية أو عناية، واستحالة قطافها في مواسمها، كذلك عدم قدرتهم للوصول إليها بسبب سيطرة قوات النظام على قسم كبير من قرى وبلدات ريف حماه الشمالي والغربي، وإدلب الجنوبي، كان آخرها مدن خان شيخون واللطامنة وكفرزيتا ومورك، الغنية بالأشجار المثمرة، خاصة الفستق الحلبي والزيتون.

يقول أحمد الخاني إن الحملة العسكرية الأخيرة أجبرت الأهالي على النزوح، كما حرمتهم من قطاف موسم الفستق الحلبي وأدت المعارك إلى احتراق قسم كبير من الأشجار، وإقدام قوات الأسد على قطع مئات الآلاف الأشجار  في المناطق التي سيطر عليها مؤخراً، وفق مذكرة أصدرتها هيئة القانونيين السوريين تحذر من ارتكاب قوات الأسد وإيران وروسيا جريمة حرب بإطلاق يد القوات لقطع الأشجار المثمرة، ونهب معدّات الآبار الارتوازية، ومصادرة الأراضي الزراعية لمن وصفتهم بـ “الإرهابيين”.

ويكمل الخاني أن ما حصل في موسمي الفستق والتين سينسحب أيضاً على مواسم الزيتون، إذ يستحيل الوصول إلى هذه المناطق بعد تغير خارطة السيطرة، خاصة وأن معظم الأهالي قد نزحوا إلى الشمال السوري هرباً من القصف.

من جهته يقول الحاج أبو أحمد إن أهالي هذه القرى والبلدات “مصنفون كإرهابيين” بحسب نظام الأسد، ولا يمكنهم العودة إلى بيوتهم وأراضيهم خوفاً من اعتقالهم أو تجنيد أبنائهم في صفوف الجيش.

ويقول المزارع مصطفى المختار من (قرية كفر رومه بمنطقة معرة النعمان) إن قوات النظام قامت أثناء وجودها في المنطقة عام 2012 بقطع جميع أشجار الزيتون في أرضه التي اتخذوها كحاجز لهم، كما قاموا بنقل قسم كبير من تربتها لرفع السواتر ما أدى إلى تصحر الأرض.

اضطر المختار لشراء كميات كبيرة من التربة الحمراء بعد خروج قوات النظام منها، ليعيد زراعتها بكلفة وصفها بـ “الباهظة”، وتضمنت (شراء التربة والشتل وانتظارها لسنوات كي تصبح قادرة على الإنتاج بما يتطلبه هذا الوقت من رعاية وتسميد وحراثة وري).

ثمار تموت على “أمها”

لم يتمكن أحمد الخطيب (من ريف إدلب الجنوبي) من قطاف موسم التين في العام الحالي فأرضه تقع في منطقة عسكرية تفصل بين قوات النظام وفصائل المعارضة، يقول “احترق قلبي في المرة الوحيدة التي توجهت إلى المكان لأنظر إلى حبات التين الناضجة تتساقط دون قطاف”، ويكمل إنه وغيره من المزارعين الكثر يعتمدون على مواسمهم في تأمين حياتهم السنوية، يحوقل وهو يخبرنا “أن حياة أطفاله أغلى ثمناً من موسمه، وهو لن يخاطر بالذهاب إلى هناك”.

بينما تبحث السيدة “نصرة العلي” عن عمل لها ولطفلها (ثلاثة عشر عاماً) في ورش قطاف الزيتون، تقول إنها تمتلك في قريتها نحو مئة شجرة من الزيتون إلّا أن النزوح أجبرها على تركها دون قطاف، وتتحسر على تلك الأيام التي وصفتها بـ “الخيرة” مع أبناء قريتها وهم يتساعدون في موسم الزيتون على القطاف ويغنون العتابا ويتبادلون المزاح والضحك.

المهندس الزراعي الموسى قال إن عدم جني المحصول سيؤثر سلباً على الإنتاج في الأعوام اللاحقة، خاصة فيما يخص الزيتون، كذلك فقدانه سيتسبب بزيادة معاناة مئات الآلاف من العائلات النازحة التي لا تملك وسيلة أخرى للحياة، مع فقدان فرص العمل وظروف النزوح السيئة.

الإهمال يقتل الأشجار

مئات من الهكتارات المتروكة دون عناية تتوزع في قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، الحشائش اليابسة وأفرع الأغصان غير المقلمة سمة عامة في أراضي أرياف إدلب الجنوبي، وهو ما تسبب بانتشار الحرائق وزيادة أضرارها، كذلك نوعية الثمار ونضجها وكميتها.

وتحتاج الأشجار المثمرة إلى عناية دائمة من الحراثة والري (5% من الأراضي مروية بحسب المهندس البدوي) والأسمدة والمبيدات الحشرية والتقليم، بحسب أبو أحمد مزارع من ريف حلب الجنوبي، والذي فرّق بين أنواع الأشجار من حيث الكلفة، إلّا أنها تشترك في كلفة الحراثة (نحو 100 دولار سنوياً) والري (قيمة صهريج المياه 2200 ليرة يكفي لسقاية دونم واحد ولمرة واحدة)، والسماد العضوي والكيماوي والذي تختلف أسعاره بحسب الأنواع (نحو 30 دولار للدونم) والمبيدات (25-30 دولار للدونم)، ناهيك عن مصاريف القطاف (أجرة العامل في قطاف الزيتون 2500 ليرة يومياً)، والنقل للتسويق (بحسب المسافة)، وكلفة العصر (1000 ليرة لكل 100 كيلو من الزيتون) بحسب المهندس الزراعي أحمد الخلف (من ريف إدلب الجنوبي ويملك صيدلية زراعية في المنطقة).

يقول الخلف إن الطلب على السماد والمبيدات قلّ بنسبة كبيرة من قبل المزارعين، وقدرها بـ (55%) عن الأعوام السابقة، ويرجع السبب إلى خوف الأهالي من التهجير وانعدام الأمن والاستقرار، كذلك الحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها السكان، وانخفاض الأسعار، كما أن القصف الكثيف ساهم في هجر كثير من المزارعين لأراضيهم، سواء الذين نزحوا أو الذين بقوا في قراهم وتركها دون رعاية، وموت قسم كبير من الأشجار الصغيرة.

 

وتتراوح أسعار زيت الزيتون للعام الحالي بين (1-1.5 دولار للكيلو غرام)، بحسب الخلف، وهو ما أكده (أبو محمد تاجر زيت من أريحا)، في حين وصل في الأعوام السابقة إلى (3-3.5 دولار)، كما انخفض سعر الكرز عن دولار واحد للعام الحالي في الأسواق، أما التين ولقلة كمياته فوصل سعر الأخضر منه إلى (نصف دولار) أما المجفف فيتراوح بين (1.5-2 دولار)، أما الفستق الحلبي فيتراوح سعره بين (1.5-2 دولار).

يقول أبو محمد إن سبب تراجع الأسعار يعود إلى ضعف القوة الشرائية في السوق المحلية كذلك منع التصدير الخارجي لبعض الأصناف كالزيت، والإتاوات المفروضة من حواجز النظام عليها (تدفع السيارة الواحدة بين 150 -300 دولار بحسب المنتج كرشى للحواجز)، ناهيك عن أجور النقل إذ يتقاضى أصحاب الشاحنات الصغيرة نحو (400 دولار للوصول إلى حلب، و700 دولار إلى دمشق)، كذلك إغلاق العديد من معاصر الزيتون ما يضطر المزارع لدفع كلفة إضافية لنقلها إلى مناطق أبعد.

كل تلك الأسباب دفعت المزارع إلى تقليص تكاليف العناية بالأرض، يقول مصطفى الإبراهيم (من ريف إدلب) إن هذه الأسعار تسببت بخسارة كبيرة للمزارع الذي لم يعد “محصوله يغطي كلفته”، ما دفع الابراهيم لترك الأرض “كما هي” على حد وصفه، فليس بالإمكان أن “اصرف عليها وعلى أبنائي في وقت واحد دون تعويض للخسارة”، ويوضح الإبراهيم إنه أربعة دونمات من التين يملكها أنتجت في العام الماضي رغم العناية الكبيرة بها والتي زادت كلفتها عن (600 دولار) طناً واحداً من التين باعه بنحو (850 دولار)، بينما أنتجت في العام الحالي (550 كيلو غرام) باعها بنحو (800 دولار) دون أن يعتني بها، فقط قام بحراثتها بكلفة (70 دولاراً).

يقول الخلف إن الأمر لا يحسب بهذه الطريقة، خاصة إذا أخذنا بالحسبان فارق السعر في السنة الحالية، وتضرر الأشجار لاحقاً، وضعف الإنتاج الذي سيتناقص تدريجياً وقلة الأمطار وانتشار الأمراض، والتي ستتسبب في تناقص الإنتاج تدريجياً، وقلة خصوبة التربة ويباس الأشجار.

انخفاض الأسعار والضمان يترك آثاره السلبية على الأشجار

“لا يهتم المتضمنون للأراضي بالأشجار” تقول أم محمد (النازحة إلى مخيمات أطمه)، والضمان هو تسليم الأراضي لأشخاص بغرض جني المحصول وفق اتفاق بنسبة مئوية غالباً ما تكون (الثلث للمتضمن والثلثين لمالك الأرض).

تكمل أم محمد إنها قامت بتضمين أرضها المزروعة بالزيتون في العام الماضي، إلّا أنها فوجئت بعد انتهاء القطاف بتكسير أغصان كثيرة من الأغصان التي تحتاج لسنوات لتعود كما كانت، منها ما تعرض لليباس في العام الحالي، خاصة وأن المتضمنين يعتمدون على ورش من الشباب بأعمار صغيرة لا يدركون أهمية الأغصان ولا يمتلكون الخبرة، ناهيك عن “تقطيع الأوراق خلال عملية التمشيط”، والتي ستؤثر سلباً على المحصول في العام اللاحق.

وليس عرف “الضمان” جديداً في المنطقة، إلّا أن أصحاب الأراضي كانوا يرافقون المتضمن والورشات، ويفرضون عليه المحافظة على الأشجار، أما الآن وبسبب الظروف الحالية فالمتضمن هو من يتحكم بمالك الأرض، إلى الدرجة التي بات يقاسمه المحصول بـ “النصف”، وأحياناً بـ “الثلثين للمتضمن وثلث لصاحب الأرض”.

ويقول جعفر الحسين (أحد متضمني الأراضي بريف إدلب) إن هذا الأمر يحصل ولكن دون تعميم، فهو يبالغ بحرصه على الحقول التي يتضمنها من أصحابها، وعن أسباب تغير شروط الضمان يقول إن الكلفة زادت خلال السنة الحالية، فأجر عامل المياومة يتراوح بين (2500-3000 ليرة) إن وجد، فمعظم العائلات نزحت والشباب هاجر إلى تركيا أو إلى أوروبا، والاعتماد الحالي في معظمه يقوم على النساء.

إن الأشجار المثمرة في الشمال السوري ستشهد أزمة حادة، ستظهر آثارها جلية في المستقبل القريب، مع غياب دور وزارة الزراعة والدعم من قبل المؤسسات والمنظمات، كذلك المراقبة على الأسمدة والمبيدات الحشرية “قليلة الفاعلية”، بحسب المهندس الخلف الذي ناشد المعنيين والمزارعين باتخاذ إجراءات سريعة للحد من المشكلة قبل أن تتفاقم، خاصة وأن أكثر من نصف سكان الشمال السوري يعتمدون على الزراعة في حياتهم، وبخسارتها ستفقد المنطقة مصدراً هاماً من الدخل، إذ كانت منتجات الأشجار المثمرة تصدر لأكثر من أربعين دولة عربية وعالمية، كذلك توسع دائرة البطالة وزيادة الهجرة بحثاً عن مصادر للرزق.

فريق فوكس حلب