فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مزارعي إدلب

ارتفاع منسوب العاصي يحرم مزارعي إدلب من موسمهم الزراعي

أميمة محمد

إغلاق قنوات الصرف من الجانب التركي يغمر الأراضي بمياه الأمطار ويعطّل النشاط الزراعي.

يستيقظ سليمان الأحمد “أبو صالح”، مع ساعات الصباح الباكر، يخرج من خيمته التي يقيم فيها منذ دمر زلزال شباط 2023 منزله في قرية دلبيا الحدودية، الواقعة على بعد نحو كيلومترين عن مدينة سلقين.

يتأمل أغصان الأشجار المحيطة بخيمته، يقلّم المتيبسة منها، أحيانًا يقتلع الشجرة بالكامل بعد أن يتأكد من موتها نتيجة الغمر الطويل بالمياه التي لم تنحسر إلا جزئيًا منذ بداية فصل الشتاء لهذا العام، تاركة وراءها أشجارًا غرقى وجذورًا تتعفن شيئًا فشيئًا.

أبو صالح واحد من مزارعي قرى وبلدات حوض نهر العاصي القريبة من الحدود مع تركيا، والذين خسروا محاصيلهم الزراعية وقسماً من أشجارهم المثمرة، إثر الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة، وفيضان النهر بعد إغلاق قنوات التصريف من الجانب التركي. ما أدى لارتفاع مناسيب المياه  في فترات الهطول الغزير وتسرّب الفائض إلى الأراضي الزراعية المحيطة متسببًا بغمرها.

جذور المشكلة ترجع إلى مرحلة وضع الجانبين السوري والتركي لحجر أساس سد الصداقة عام 2011، قبل أن يتوقف العمل فيه دون استكماله بسبب الحرب. في تلك المرحلة، استخدمت شبكات التهريب بعض قنوات تصريف المياه كمسارات عبور غير نظامية نحو الأراضي التركية، ما دفع السلطات التركية إلى إغلاق هذه القنوات.

أسفر إغلاق قنوات المياه عن خلل في منظومة تصريف المياه ضمن حوض العاصي، وباتت المياه المتدفقة من المجاري الرئيسة، وفي مقدمتها وادي الدرية ووادي العثمانية، إضافة إلى مياه الأمطار الموسمية والينابيع الصغيرة تتجمع في قنوات السد المعروف أيضًا بأسماء أخرى مثل: سد العلّاني، الدرية، والدويسات الواقع في بلدة العلاني قرب بلدة دركوش غربي إدلب، دون تصريف كافٍ باتجاه الأراضي التركية.

يقول أبو صالح إن هذا السد تسبب بقطع أرزاق كثير من المزارعين وكبدهم خسائر فادحة منذ إنشائه حتى اليوم، إذ يجد المزارعون أنفسهم عاجزين عن إنقاذ أراضٍيهم الغارقة بالمياه، وأشجارهم التي تموت أمام أعينهم.

كل ما استطعنا فعله اقتصر على “مطالبات متكررة بفتح قنوات التصريف، وإيجاد حلول مشتركة بين الدولتين للحدّ من تفاقم الخسائر، إلا أن أحدًا لم يستمع لمطالبنا رغم لقائنا بمدير منطقة حارم أكثر من مرة”، بحسب أبو صالح.

تتوزع القرى والبلدات المتضررة من وجود السدّ على امتداد سهل حوض نهر العاصي، وتشمل العلاني، شكارة، الصفصافة، دلبيا، مزرعة هنانو، الحمزية، الحمرة، فتيا، عزمارين، الرمادية، الغزالة، والحفرية، وصولًا إلى أطراف دركوش. ويؤكد الأهالي أن المشكلة بدأت بالظهور بعد فترة قصيرة من إنشاء السد، إذ ارتفع منسوب المياه فوق معدلاته الطبيعية نتيجة تجمع المياه وعدم تصريفها، ما تسبب بغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

يُعدّ سهل العاصي من أبرز المناطق الزراعية في ريف إدلب، إذ يحتضن تنوعًا كبيرًا من المحاصيل، مثل القمح والشعير والفول، إضافة إلى “الفليفة الحمراء المعروفة محليًا بـ”قرن الغزال”، فضلًا عن الأشجار المثمرة مثل اللوزيات والرمان والجوز. غير أن هذا التنوع بات مهددًا في ظل استمرار مشكلة الغمر المائي وموت الأشجار وغياب الحلول الفعالة.

يطالب المزارعون إدارة الموارد المائية في محافظة إدلب بالتوصل لحل مع الجانب التركي لفتح الممرات المائية والقنوات المخصصة لتصريف المياه الزائدة وتوسيعها، إلى جانب إجراء أعمال تنظيف دورية لقنوات الصرف وفتح قنوات إضافية، بما يضمن انسياب المياه نحو مجراها الطبيعي، ويخفف الضغط عن الأراضي الزراعية التي تواجه خطر التدهور المستمر وتلحق خسائر مادية بالمزارعين.

“صرنا في شهر أيار ولم نستطع زراعة أي نوع من الخضروات الصيفية” يقول أبو صالح وهو ينظر إلى أرضه الأخرى التي تبعد عن مكان سكنه مايقارب نصف كيلو متر، وقد غمرتها المياه بأكثر من عشرين سنتمترًا. يشير إلى أن نهر العاصي كان قبل بناء السد يفيض لمرات معدودة خلال العام، وما يلبث أن يعود إلى مجراه الطبيعي خلال أيام. أما بعد إحداث السد، فقد أصبحت المياه غير منتظمة، وتغرق المحاصيل دون قدرة على التصريف.

خصوبة أراضي المنطقة كانت بيئة مناسبة لزراعة أصناف متعددة من المنتجات الزراعية، إلا أن سنوات من تشبع التربة بالمياه ألحقت أضرارًا جسيمة بالأشجار والمحاصيل، إذ خسر أبو صالح ومزارعون آخرون تدريجيًا آلاف الأشجار، لا سيما من المانغا واللوزيات، ما دفعهم إلى التحول نحو زراعة أنواع أكثر مقاومة مثل الرمان والسفرجل والخوخ البري والتفاح وغيرها من الأشجار التي تُعرف بقدرتها النسبية على تحمل الماء.

لكن هذه البدائل لم تحقق النتائج المرجوة، إذ أن بقاء الأراضي مغمورة لفترات طويلة خلال العام، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، أدى إلى تلف الجذور وتيبّس أكثر من 50% من الأشجار. أما المحاصيل الحقلية والحبوب، فقد تضررت بشكل أكبر، وباتت زراعتها شبه متوقفة مقارنة بالسنوات السابقة.

لتخفيف الأضرار عن الأراضي الزراعية وأشجارها يرى المهندس المدني بسام هاشم، أن المعالجة تتطلب حلولًا فنية و تنظيمية متكاملة، مثل: “إنشاء أقنية تصريف فنية مدروسة تصب في القناة الرئيسة لمنفذه سابقًا، وذلك بعد صيانتها، وتنفيذ عبّارات بجانب المعبر المؤدي إلى ساحة سد الصداقه لتصريف أكبر لمياه النهر، والتفكير بتنفيذ سد أو أكثر لضخ المياه الزائده إليها لاستثمارها وقت الحاجة”. فـ “مياه الأمطار ثروة يجب ألا تهدر” يقول الهاشم.

مديرية الموارد المائية في إدلب قالت إن “تنفيذ مشروع سد في المنطقة كان ضمن اتفاقية تعود إلى ما قبل الثورة، إلا أن العمل به قد توقف”. وأشارت المديرية “وجود جسر مزوّد بعبّارات تعمل بكامل طاقتها لتصريف المياه، في حين أن منسوب المياه في الجانب التركي أعلى مع ورود كميات مائية كبيرة، مما يزيد من صعوبة التحكم بالتدفق”.

يناشد أبو صالح ومزارعون في حوض العاصي إدارة الموارد المائية للتدخل العاجل لفتح ممرات مائية فعالة، من شأنها تخفيف الأضرار، وتمكين الأهالي من استعادة قدرتهم على استثمار أراضيهم، وإنقاذ ما تبقى من الأشجار المغمورة بالمياه والمعرضة للغمر كلما هطلت الأمطار.