فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“الرامات”.. خزانات ماء طبيعية تنعش قرى جبل الزاوية

أميمة محمد

عادت مظاهر الحياة إلى قرى جبل الزاوية جنوبي إدلب مع امتلاء الرامات بمياه الأمطار، وانتعشت المزروعات والمواشي بعد سنوات من الجفاف والغياب في موسم يوصف بـ “سنة خير”

بعد سنوات من الجفاف عادت الحياة إلى برك الماء الكبيرة التي تتوزع في قرى بجبل الزاوية جنوبي إدلب، والتي تعرف باسم “الرامات”. ذاكرة أهالي المنطقة تحتفظ بصور تلك الحفر الكبيرة المملوءة بالماء، رغم سنوات الجفاف والتهجير.

لم تغب أجواء النزهات العائلية عن مخيلة أم محمد، من بلدة كنصفرة، طيلة فترة نزوحها في مخيمات إدلب، وما إن توقفت الأمطار وسطعت شمس شهر شباط الحالي حتى بدأت بتحضير سلة المستلزمات لاصطحاب أطفالها إلى رام كنصفرة القريب.

“لا تكتمل النزهة إلا بتحضير التبولة على مشارف الرام” تقول أم محمد أثناء إعداد الخضار وبعض الأواني من صحون وإبريق شاي وبطانية ووسائد تضعها في صندوق السيارة التي ستقلّهم رفقة بعض الأقارب. هناك كان قطيع من الأغنام قد توزع على أطراف الرام لشرب الماء في مشهد تخبرنا أنها افتقدته كثيرًا.

تسيل أمطار الشتاء من الأراضي المرتفعة وتصب في “الرامات” مشكلةً خزانًا حيويًا يمدّ القرى المحيطة بحاجاتها من الماء المستخدم لأغراض غير الشرب مثل سقاية المزروعات والحيوانات.

تنتشر الرامات في عدة قرى بريف إدلب الجنوبي، منها: رام كنصفرة، بليون، الجوخي، والدعتور. إذ تشكل خزانًا طبيعيًا يجمع مياه الأمطار ويحتفظ بها إلى فصلي الربيع والصيف، في الأعوام التي تشهد أمطارًا وفيرة.

يصطحب الخمسيني، أبو محمد الخالد، وهو مربي أغنام من أهالي قرية بليون أغنامه قاصدًا الرام القريب. في جولته اليومية يخرج  للرعي رفقة القطيع المكون من 25 رأس غنم. يتوقف بهن على أطراف الطرقات المحيطة بالقرية حيث نبتت الأعشاب حديثًا بعد أن شهدت المنطقة أمطارًا وفيرة هذا العام.

“هذه السنة سنة خير” يقول أبو محمد أثناء مروره بالقطيع إلى الرام الذي يحمل اسم قريته “رام بليون” و الذي يبعد عن بيته قرابة 500 متر، يسقي أغنامه بعد أن أنهى جولة الرعي ويكمل طريقه إلى المنزل. كذلك يفعل أهالي القرية، كلٌ حسب حاجته من المياه التي تستخدم في سقاية الحيوانات والأشجار والمزروعات.

يستذكر أبو محمد صيف العام الماضي، حين تكبد مربو المواشي على وجه الخصوص، تكاليف كبيرة بسبب جفاف الرام قائلًا: يحتاج قطيع الأغنام لديّ لصهريج ماء أسبوعيًا، ثمنه 10 دولارات، أي ما يقارب 40 دولارًا في الشهر الواحد، وتزيد التكلفة مع ازدياد عدد رؤوس الأغنام لدى كل مربي.

يقدّر أبو محمد عدد رؤوس الأغنام في قريته بنحو ألفي رأس، بعضها “يجلبها صاحبها لسقايتها مباشرة عند مروره بالمكان وقت الرعي، والبعض الآخر يسحب الماء إلى صهاريج وينقلها لتوفير تكلفة الماء من الآبار”.

“قديمًا كان أهالي المنطقة المجاورة يغسلون الصوف لتنجيده وصناعة فرش من الصوف وأغطية ووسائد” يقول أبو محمد، أما اليوم فقد اندثرت هذه الممارسات، وقلّت أعداد المواشي خلال السنوات الأخيرة بفعل النزوح، إضافة إلى موجة الجفاف وما تبعها من غلاء في تكاليف تربيتها.

على الضفة الجنوبية لرام بليون ركن حسام أبو زيد صهريجًا، واستخدم المضخة لسحب الماء ونقله إلى المنزل الذي بدأ قبل شهر ببنائه بالقرب من الرام بعد رحلة  نزوح استمرت لسنوات، إذ قرر حسام البدء ببناء منزل جديد في إحدى أراضي والده على أطراف القرية، قريبًا من الرام.

يقول حسام: بعد تجمّع مياه الأمطار في الرام يصبح بإمكان أهل القرية الاستغناء عن دفع ثمن الماء، ولا يتحملون إلا تكلفة الوقود لنقلها عبر صهاريج، إذ يستخدمونها في سقاية الشتول والمزوعات الصيفية وأشجار التين والزيتون وكذلك المحلب والكرز خلال فصل الصيف.

يشير حسام إلى البيت الذي يبنيه ويتابع: “يوفر الرام الوقت والتكلفة، إذ أقوم بنقل الماء من مسافة قريبة وأفرغها داخل خزان وضعته إلى جانب العمارة ليستخدم العمال ما يريدونه خلال جبل الإسمنت وسقاية الأساسات والجدران”.

حسام وأبو محمد ليسا وحدهما من يستفيدا من مياه الرام في تلبية احتياجاتهما، إنما معظم من التقينا بهم من أهالي القرية ينظرون إلى مشهد الرامات الممتلئة بعين التفاؤل، فالأشجار والشتول والمزروعات الصيفية مثل البندورة والخيار ستروى جيدًا هذا العام، على خلاف العام السابق حين اضطروا لشراء الماء وسقاية الأشجار بأجور مرتفعة.

لا تخلو رحلة أهالي المنطقة إلى الرامات من المخاطر، خاصة على الأطفال في الأماكن المنحدرة والعميقة، كذلك المارّة والقادمين من خارج القرية وليس لديهم معرفة بتضاريس المنطقة وأماكن الخطر، خاصة أن حوافها تكون على مستوى الأرض وغير مسيجة.

وليد أصلان، قائد عمليات فريق الدفاع المدني، فرع إدلب، أكّد أن الرامات المنتشرة في ريف إدلب من الأماكن التي يقصدها الأهالي بشكل دائم، سواء للتنزه أو للاستفادة من مياهها، ما يدفع الدفاع المدني إلى إيلاء هذه المواقع اهتمامًا خاصًا لضمان سلامة المدنيين.

يخبرنا أن السنوات الماضية، شهدت مخاطر متزايدة في بعض الرامات، أبرزها وجود أماكن عميقة وتغير مفاجئ في منسوب المياه، الأمر الذي يشكل خطرًا حقيقيًا، لا سيما مع تسجيل حالات انزلاق وغرق، خصوصًا عند وجود أطفال دون رقابة كافية.

وأوضح أصلان أن من أبرز السلوكيات الخاطئة التي يمارسها المدنيون السباحة في أماكن غير آمنة، والقفز المباشر في المياه، والاقتراب من الرامات أثناء ارتفاع منسوبها، إضافة إلى استخدام مضخات سحب المياه دون تأمين الموقع. وللحد من هذه المخاطر، دعا الأهالي إلى مراقبة الأطفال بشكل دائم والابتعاد عن الأماكن العميقة أو غير المعروفة.

وأشار أصلان إلى أن مديرية الدفاع المدني في إدلب نشرت فرقًا إشرافية خلال فصل الصيف الماضي لمتابعة هذه المواقع والتدخل عند الحاجة. يقول: “ننصح الأهالي بضرورة توعية أطفالهم لأن الانتباه خط الدفاع الأول لحماية الأرواح”.

يخبرنا حسام بأن عدة حالات غرق حصلت خلال سنوات ماضية لشبان أو أطفال كانوا يسبحون في الرام مشيرًا إلى أن أهالي القرية طالبوا مرارًا بتعيين حارس وتسييج طرفي الرام الشرقي والجنوبي، لما يشكلانه من خطر على الأطفال والكبار.

الخبير والباحث الجيولوجي ثابت الكسحة، يشرح مفهوم الرام بوصفه خزانًا مائيًا مفتوحًا، قد يكون طبيعيًا أو صناعيًا. يتشكل في الأماكن المنخفضة سواء في المناطق السهلية أو الجبلية، ويستخدم لتجميع مياه الأمطار والسيول. ومع تراجع مصادر المياه النظامية، تحولت هذه الرامات إلى حل بديل يعتمد عليه الأهالي في سقاية المزروعات والمواشي، إضافة إلى بعض الاستخدامات المنزلية.

“مدة احتفاظ الرام بالمياه لا تتحدد بكمية الأمطار وحجمه فقط، إنما تلعب طبيعة التربة دورًا حاسمًا في ذلك”، يقول الكسحة، فقيعان الرامات وجدرانها قد تكون نفوذة أو كتيمة أو متوسطة النفاذية، وأكثر الرامات قدرة على الاحتفاظ بالمياه هي تلك التي تتميز بتربة غضارية حمراء غنية بـ “الهيماتيت”، وهي تربة كتيمة تتشبع بالماء وتمنع تسربه، ما يجعل المياه فيها تدوم لفترات أطول، رغم شيوع الاعتقاد بعكس ذلك.

كما تختلف الرامات فيما بينها بحسب طبيعة الصخور المكوّنة لها، إذ تؤثر هذه الصخور بشكل مباشر في سرعة تسرب المياه ومدة بقائها، كما تتناسب كمية المياه طردًا مع عمق الرام وشدة انحداره.

ولا تقتصر أهمية الرامات على دورها الخدمي المباشر، بل تمتد لتشمل دورا بيئيًا أوسع بحسب الكسحة. فالرامات، إلى جانب الأنهار الجارية والسدود التخزينية، تسهم بشكل مباشر في تغذية المياه السطحية، وتساعد على تحقيق توازن بين التغذية والسحب، ما ينعكس على التوازن المائي العام في المنطقة.

عودة مياه الأمطار والسيول إلى مجاريها هذا الموسم أعاد الحياة  إلى سكان القرى القريبة من الرامات لتكون خزانًا طبيعيًا ومنهلًا للمياه يسد رمق حيواناتهم و يطفئ عطش أشجارهم وبساتينهم بعد انتهاء موسم الأمطار.