فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

من الحقل إلى المنصة.. موسم الحصاد يصطدم بتحديات إلكترونية 

بشار الفارس

شكلت آلية توريد القمح الإلكترونية من المزارعين إلى مراكز الاستلام الحكومية تحدٍ جديد مرتبط بقدرتهم على الالتزام بإجراءات الحجز ومواعيده. إذ وجد المزارعون أنفسهم أمام عقبة التوفيق بين مواعيد العمل في الحقول والمواعيد الممنوحة عبر المنصة لضمان تسليم محصولهم إلى الجهات الحكومية في الوقت المحدد

يمسك أحمد الياسين، وهو مزارع من سهل الغاب بريف حماه الغربي، هاتفه الجوال ويتنقل به من مكان لأخر باحثاً عن نقطة يلتقط فيها شبكة اتصالات، في مكان تكاد تكون التغطية شبه معدمة، تمكنه من حجز موعد على منصة رقمية خصصتها وزارة الاقتصاد لاستلام محصول القمح من المزارعين.

بعد محاولات عدة، يغلق هاتفه معبراً عن غضبه من هذه الطريقة “المعقدة” حسب وصفه، يقول “نريد طريقة بسيطة تلائم المزارعين، معظمنا لا يعرف كيفية التعامل مع هذه الإجراءات”.

أصبح الحصول على موعد مسبق عبر المنصة شرطاً أساسياً لاستقبال المحصول من المزارعين بعدما أطلقت  وزارة الاقتصاد والصناعة السورية في 21 شهر أيار الماضي، منصة إلكترونية، لتنظيم عمليات توريد القمح منهم إلى مراكز الاستلام الحكومية، وتحدد المنصة أياماً ومواعيداً معينة لاستلام الحبوب، وتربط عملية التوريد بالكامل بإجراءات الحجز الإلكتروني المسبق.

هذه التجربة هي الأولى من نوعها في التعامل مع عمليات الاستلام، إلا أن كثيراً من المزارعين في سهل الغاب وباقي أرياف المحافظات السورية واجهوا صعوبة بالغة في التسجيل مع بدء تطبيق الآلية، خاصة خلال فترة الحصاد التي تتطلب إنجاز الإجراءات بسرعة لتفادي أي تأخير في تسليم المحصول.

تتمثل التحديات أيضاً، وفق مزارعين تحدثنا إليهم، بالتعامل مع التطبيق والروابط الإلكترونية الخاصة بالتسجيل والحجز، في ظل تفاوت مستويات المعرفة التقنية بينهم، يوضح أحمد ذلك بقوله “التعامل مع المنصة ليس أمراً سهلاً على كثيرٍ من المزارعين الذين لا يملكون هواتف حديثة، ومعظمهم لا يملكون حسابات على شام كاش، وعدد منهم لا يملك هاتفاً محمولاً بالأساس”.

وتبرز مشكلة أخرى مرتبطة بآلية العمل الحالية، تتمثل في عدم التوافق بين مواعيد الحجز التي تمنحها المنصة ومواعيد الحصاد الفعلية في الحقول. يقول أحمد “في بعض الحالات يحصل المزارع على موعد قبل أن يصبح محصوله جاهزاً للحصاد، بينما تتقدم عملية الحصاد في حالات أخرى على موعد التسليم المحدد، ما يضع المزارعين أمام صعوبات مرتبطة بتخزين المحصول وانتظار دورهم في التوريد”.

يضيف، أن حجز دور يتطلب حجز آلة حصاد وجرار وهذا قد لا يتوفر خلال الموعد نفسه، أو قد يحدث عطل مفاجئ بأحدهما يفقد المزارع دوره في الحجز أو يضطر إلى نقل القمح ووضعه في المنزل إلى حين تحديد موعد حجز آخر.

مشكلة التعامل مع الحجز المسبق في المنصة واجهت أيضاً المزارع حسين الجمعة، يقول إن المنصة تكون في أغلب الأحيان شبه مغلقة، أو يكون هناك نقص في الأوراق المطلوبة، منها الثبوتيات الشخصية وشهادة منشأ تحمل ثلاثة أختام من الإرشادية والجمعية ورابطة الفلاحين، بالإضافة إلى وجود حساب شام كاش للمزارع”.

بعد التسجيل يمنح من نجح في حجز موعدٍ دوراً قد لا يتناسب مع موعد حصاد المواسم أو نوع المحصول، إذ هناك محاصيل تحتاج إلى وقتٍ كافٍ حتى يأتي موسم حصادها، وهناك محاصيل تُحصد مبكراً، يقول الجمعة إن “الجهة التي وضعت برنامج المنصة لم تمنح هذا الأمر حقه الكافي من دراسة طبيعة الأرض ونوع المحصول”.

الحجز عبر المنصة حصراً، وعدم استقبال الحبوب من المزارعين إلا عن طريقها وفي موعد محدد يحمّل المزارع أعباء إضافية ومن المحتمل أن تتعرض محاصيل القمح لأضرار إذا لم تحصد في الوقت المحدد لأن موسم القمح يكون بالنسبة للمزارع أشبه بحالة طوارئ، وهو يبادر في حصاده عند نضوجه بأسرع وقت خوفاً من أي حادث مفاجئ مثل الحرائق.

“الرزق ما بيستنى” يقول محمد وهو مزارع من قرية حيالين بريف حماة. ويضيف “صعوبة الحجز ليست فقط بالتسجيل فحسب، بل إن حجز الدور لا يتم بسهولة، فالمنصة تمنحنا موعداً قد يصل إلى عشرين يوماً فرضاً، هذا إذا تم قبول الطلب أساساً، وفي أغلب الأحيان يتم رفض الطلب بسبب نقص الوثائق، ومعظم الناس من المزارعين لا يعرفون كيفية التعامل مع هذه الأوراق إلكترونياً”.

يعرف المزارعون قوانين حددوها بأنفسهم، يلتزمون بها، اكتسبوها من خبرتهم في عملهم بالزراعة. يقول محمد  “إذا حُصدت الأراضي المجاورة لحقلي فأنا مضطر إلى الحصاد معهم، فلا أستطيع ترك محصول القمح وحده خوفاً من سرقته أو اشتعال الحرائق فيه وأنا أنتظر موعد حجزي الذي قد يمتد لعشرين يوماً مثلاً”.

يؤكد من تحدثنا إليهم من مزارعي سهل الغاب أن هذه الطريقة لا تناسب قسماً من المزارعين، يقول أحدهم “هذه المنصة تحتاج إلى خريجي جامعات للتعامل معها، مقترحاً حلولاّ، أولها إلغاء المنصة، ثم ضمان توريد الموسم والاستلام عن طريق ورقة المنشأ، والعمل ثلاث ورديات في المراكز لتجنب الضغط والازدحام”.

آلية التوريد الإلكترونية ليست القضية الوحيدة التي أثارت اعتراض المزارعين خلال الموسم الحالي، إذ سبق أن أثار تحديد سعر شراء طن القمح الذي حددته وزارة الاقتصاد والصناعة جدلاً بينهم بعد أن حددت سعر الطن بمبلغ 46 ألف ليرة سورية جديدة، يسلم إلى مراكز ومستودعات المؤسسة السورية للحبوب، ولجان التسويق العائدة لها، ومواقع الصوامع، في كل المحافظات السورية.

وعبر المزارعون عن استيائهم من التسعيرة مؤكدين أنها لا تدع لهم هامش ربح يتناسب مع تكاليف الإنتاج. لاحقاً تم إصدار مرسوم رئاسي يمنح مكافأة “تشجيعية” قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة، لكل مزارع يقوم بتسليم محصول القمح إلى المؤسسة السورية للحبوب.

يرى نور الطويل، مدير التقانة والتحول الرقمي للمؤسسة السورية للحبوب يرى أن الهدف من إطلاق المنصة تسهيل أمور المزارعين، وتنظيم أدوار التسليم، وتخفيف الأعباء والجهود عنهم، إضافة لضبط مواقيت الاستلام بدقة والحد من الرِشى.

وتضمن هذه الطريقة، وفق قوله، منع ابتزاز المزارعين بغية تسبيق الأدوار كما كان في السنوات السابقة. أما اليوم، فإن عملية تنظيم وتوزيع الأدوار تدار إلكترونياً بشكل كامل دون أي تدخل أو علاقة للمراكز بها عبر نظام الأتمتة الرقمي. يضيف: “أما الإشكاليات المرتبطة بالأدوار اللاحقة التي شهدت تأخيراً، يتم تأمين أدوار استثنائية للمزارعين، ومعالجة هذه الحالات وتحويلها إلى المراكز الشاغرة والقادرة على الاستيعاب الفوري لعمليات التسليم”.

كذلك وجدت المديرية، وفق الطويل، حلاً لصعوبة الحجز من خلال فتح نوافذ في مراكز الشراء لإنشاء حسابات للمزارعين بشكل مباشر ليتمكنوا من حجز أدوار على المنصة، والذي يتطلب فقط حضور المزارع وإحضار الهوية الشخصية.

ويجري الطويل مقارنة بين آلية استلام القمح من المزارعين هذا العام وبين العام الماضي، يقول “كان المزارعون يضطرون للانتظار أربعة أو خمسة أيام متواصلة أمام أبواب مراكز الاستلام التي قد تغلق فجأة بسبب امتلائها، وتمتد طوابير الشاحنات والجرارات لمسافات تتراوح بين 5 إلى 6 كيلومترات، وهو ما كان يشكل عبئاً حقيقياً على المزارعين، معتبراً أن هذه الخطوة ساهمت في إنهائها”.

التحديات لم تواجه المزارعين فحسب، بل واجهت مراكز التسجيل في مديريات الزراعة بعدة مناطق، منها تأخر توزيع شهادات المنشأ في منطقة القامشلي، والتي يؤكد الطويل أنهم تمكنوا من تجاوزها بالكامل، إضافة إلى غياب شبكة الاتصالات السورية عن بعض المناطق والمحافظات مثل الحسكة وبادية دير الزور وبعض أرياف حلب.

إضافة إلى تحديات أخرى تواجه المديرية، حسب قولها، تتمثل في عدم الالتزام بالموعد بعد حجز دور ويؤدي ذلك إلى استهلاك الطاقة الاستيعابية اليومية للمراكز وحرمان آخرين من التسجيل. يوضح ذلك الطويل بقوله “عندما يتقدم مزارع جديد لحجز موعد يجد السعة ممتلئة بالكامل، وعندما يتخلف أحدهم عن الحضور في موعده المحدد يحرم غيره من فرصة التسجيل بالموعد ذاته”.

يستمر موسم الحصاد هذا العام، تحت ضغط الوقت وآليات التوريد الجديدة على المزارعين، والتي تصفها مؤسسة الحبوب بأنها تضمن إنهاء الفوضى والمحسوبيات في عمليات تسليم القمح بينما يراها المزارع طريقةً معقدة لا تناسب ظروفهم ومواسمهم.