فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

من التصدير إلى الاستيراد.. رحلة القمح السوري نحو الخسارة

حسن حسين

تراجع إنتاج القمح السوري من خمسة ملايين طن في ذروته إلى أقل من مليون طن في 2025، بسبب عوامل الجفاف وارتفاع تكاليف الزارعة وغياب الدعم، مايدفع البلاد نحو حافة انعدام الأمن العذائي

شارَفت عمليات تسليم القمح في المراكز التي حدّدتها الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية على الانتهاء، تظهر الأرقام تراجعاً كبيراً في إنتاج القمح ما سيدفع الحكومة إلى الاستيراد بشكل أكبر، ويعمّق انعدام الأمن الغذائي في سوريا التي يعتمد معظم سكانها على القمح كمادة رئيسة في غذائهم اليومي.

منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” تحدثت عن تراجع حاد في إنتاج القمح ما سيؤدي إلى “فجوة تتراوح بين 2.5 إلى 2.7 مليون طن، وتضع البلاد أمام خطر الانعدام الغذائي في العام الحالي”.

إنتاج القمح المحلي 2025 

حتى 24 من حزيران الجاري، بلغ إجمالي الكميات المستلمة في المراكز التابعة للمؤسسة السورية للحبوب في مناطق الحكومة السورية، 212826 طناً من أصل 750 ألف طن يتوقع إنتاجها، معظمها من المساحات المروية والكميات المتوقع تسويقها بين 200 ألف طن و300 ألف طن، ترافق ذلك مع قرار وزارة الاقتصاد بمنع استيراد القمح عبر جميع المنافذ البرية والبحرية خلال موسم 2025، وذلك منعاً لحالات التداخل في الشراء بين المحلي والمستورد بحسب وكالة سانا الرسمية.

افتتحت المؤسسة العامة السورية للحبوب 37 مركزاً في المحافظات السورية لاستلام القمح، بما يتناسب مع الإمكانات والظروف المتاحة، توزعت على الشكل التالي: 8 مراكز في كل من حماة وحلب، 4 مراكز في دمشق، 3 في كل من حمص والسويداء، مركزان في كل من درعا، دير الزور، إدلب، وفي منطقة الحبوب الشرقية، إضافة لمركز واحد في كل من الرقة وطرطوس واللاذقية.

استحوذت محافظة حماة على المرتبة الأولى بين المحافظات السورية بتوريدات القمح للمؤسسة العامة السورية للحبوب ، إذ بلغت 83625 طناً شكّلت 39.2% من حجم التوريدات حتى تاريخه، إذ بلغت المساحة المحصودة في سهل الغاب 42684 هكتاراً مع خروج 9738 هكتاراً من الإنتاج لهذا العام بسبب الجفاف وانحباس الأمطار إضافة إلى احتراق 32.3 هكتاراً، بحسب المكتب الإعلامي للهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب.

الكميات المسلمة بالطن من مادة القمح للحكومة السورية.
الكميات المسلمة بالطن من مادة القمح للحكومة السورية.

محافظة حلب حلّت في المرتبة الثانية بواقع 49211 طناً، شكّلت 23% من حجم توريدات هذا العام البالغة 212826 طناً، في حين كانت محافظة حلب تنتج 20% من إجمالي إنتاج القمح في سوريا، بحسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء، وتبلغ نسبة إنتاج محافظة حلب لهذا العام حتى تاريخه نحو  5% من إنتاجها قبل عام 2011.

إدلب حلّت في المرتبة الثالثة، إذ بلغ حجم الكميات المسلمة 29073 طناً، تلتها حمص بـ  18715 طناً، درعا بـ 14877 طناً، دير الزور بـ 7337 طناً، طرطوس بـ 4631  طناً، الرقة بـ 2981 طناً، دمشق وريفها بـ 2040 طناً، اللاذقية بـ 259 طناً، السويداء بـ 77طناً، بحسب المهندس حسن محمد العثمان، مدير عام المؤسسة العامة السورية للحبوب.

تظهر الأرقام تراجع محافظات الجزيرة السورية “الرقة والحسكة ودير الزور” والتي تمثل سلة سوريا الغذائية عن صدارة توريدات محصول القمح في العام الحالي، بعد أن كانت تساهم، في الأعوام السابقة بنحو  60% من إجمالي إنتاج سوريا من القمح، بحسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء. توريدات القمح في المحافظات الثلاث شكّلت نحو  7% فقط من توريدات العام الحالي، وأقل من 1% عمّا كانت تورده في السنوات السابقة.

يعود تراجع مساهمة محافظات الجزيرة في توريد القمح المحلي إلى تراجع الإنتاج في العام الحالي، إضافة لإجبار المزارعين على تسليم القمح إلى مجلس الاقتصاد والزراعة التابع للإدارة الذاتية في (قسد).

وكانت لجنة الصوامع والمطاحن التابعة للإدارة الذاتية  قد أعلنت عن استلام 115 ألف طن قمح من المزارعين ضمن المراكز التي أنشأتها في مناطق سيطرتها، أبو فاس ومراكز الـ 10 كم والصورة ومرقدة والشدادة وتل برك واليعربية وأبو راسين وعامودا وصوامع: الهلالية و الرقة و مطحنة الفرات، بحسب الناشط إبراهيم المحمد من دير الزور.

يمثل الإنتاج المتوقع في العام الحالي 37.5% من إنتاج العام الماضي البالغ 2 مليون طن، وهي تماثل نسبة الانخفاض في الكميات المسوقة بين عامي 2024 و 2025، ورغم أن الأرقام السابقة لا تعتبر نهائية رغم بلوغها حدود الكميات المتوقع تسويقها في سوريا إلا أنها تشير إلى نقص كبيرة في تأمين احتياج سوريا، بحسب، حسن الأحمد، مدير دائرة الإعلام في وزارة الاقتصاد والصناعة.

مناخ قاس

وصفت “الفاو” الموسم الزراعي الحالي في سوريا بـ “الأسوأ” منذ نحو 60 عاماً، إذ تضرر جراء الظروف المناخية نحو 2.5 مليون هكتار من المساحات المزروعة بالقمح، بحسب هيا أبو عساف، مساعدة ممثل منظمة الأغذية والزراعة في سوريا.

وفق أبو عساف، أثرت الظروف المناخية على نحو 75 بالمئة من المساحات المزروعة إذ شهدت سوريا موسم شتاء قصير وانخفاضاً في مستوى الأمطار، وجراء ذلك تضرّر وتأثّر قرابة 95 بالمئة من القمح البعل، بينما انخفض إنتاج القمح المروي بنسبة 30 إلى 40 بالمئة عن المعدل المعتاد، وفق مؤشرات “فاو”.

وترافقت موجة الجفاف، غير المسبوقة، بتراجع في نسبة الهطولات المطرية التي لم تتجاوز 50% من كمية الهطولات في العام السابق في عموم مناطق سوريا، وتراوحت بين 9 و 30% في مناطق مختلفة منها عين العرب وتل أبيض وسراقب ومنبج وجرابلس وعفرين وتفتناز وتلمنس وسرمدا وخان شيخون وحمص وغيرها من المدن الزراعية الرئيسة في سوريا، بحسب ما نشر المهندس أنس رحمون.

كميات الإنتاج والاستيراد من مادة القمح في سوريا بين عامي 2012 و 2025.
كميات الإنتاج والاستيراد من مادة القمح في سوريا بين عامي 2012 و 2025.

انعكست الظروف المناخية التي وصفت بـ “القاسية” على إنتاج القمح في سوريا، إذ لم يصل القمح البعلي، بحسب من تحدثنا معهم من مزارعين، إلى مرحلة الحصاد، وضمّنه المزارعون إلى مربي الماشية، في حين تراجع إنتاج الأراضي المروية، لقلة المياه وارتفاع تكاليف الوقود.

ويقدّر متوسط إنتاج الهكتار من القمح المروي بين (4 إلى 5 طن، قد تصل إلى 7 في بعض الأراضي) بينما يقدّر متوسط إنتاج القمح البعلي (1إلى 3 طن)، وتختلف هذه النسب بين منطقة أخرى، لكن مزارعون تحدثنا معهم في مناطق سورية مختلفة أكدوا عدم تجاوز إنتاج القمح البعلي في العام الحالي طناً واحداً، في أفضل الأحوال، والمروي ثلاثة أطنان.

المزارع عبد الله الفهد من محافظة القنيطرة التي لم يسجل بها أي توريدات قمح حتى تاريخه قال إن أغلب مزارعي القمح في القنيطرة يعتمدون على الزراعة البعلية وإن الجفاف الذي ضرب المنطقة أجبر المزارعون على تضمين القمح كمراع للماشية.

جمعة العبد الله مزارع من ريف حماة قال إنه وبسبب ارتفاع تكاليف المحروقات عمد المزارعون إلى تقليل مرات الري ما أثر على إنتاجية القمح للهكتار الواحد والتي لم تتجاوز 2.5 إلى 3 طن.

فواز الفارس، مزارع في ريف حلب الشرقي، وصف موسم القمح البعلي في المنطقة بـ “الصفر”، إذ “لم يصل مرحلة الحصاد لعدم وجود سنبلة، ولم يتجاوز طول الزرع أربعة أصابع نتيجة الجفاف وقلة الخصوبة. أما المروي فلم يتجاوز إنتاج الهكتار فيه  350 كيلو غراماً”. 

إبراهيم المحمد من دير الزور وصف موسم بادية الزور والرقة بـ “المضروب”، أما في بقية المناطق فلم يتجاوز إنتاج هكتار القمح نصف ما كان عليه في السابق، مرجعاً السبب إلى  “قلة العناية الزراعية عموماً ونقص السماد وعدم مكافحة الآفات، وغياب وسائل الزراعة الحديثة خاصة في موضوع الري”.

القمح زراعة خاسرة في سوريا

 حددت وزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية سعر شراء طن القمح في العام الحالي بين 290 إلى 320 دولار تبعاً للنوعية، تضاف إليه مكافأة تشجيعية قدرها 130 دولاراً عن كل طن قمح يتم تسليمه إلى المؤسسة السورية للحبوب، وفق المرسوم 78 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في الحادي عشر من الشهر الجاري. في حين حدّدت قسد سعر شراء القمح في مناطق سيطرتها بـ 420 دولاراً للطن الواحد.

ورغم ارتفاع سعر طن القمح الذي حددته الحكومة السورية وقسد في العام الحالي، لكنه ما يزال دون تحقيق ربح للمزارع أو تعويض خسارته، وهو ما يدفع، عاماً بعد عام، المزارعون إلى التخلي عن زراعة القمح لصالح الأشجار المثمرة أو محاصيل أخرى، بتكلفة أقلّ وأرباح أكبر.

يشرح فواز الفارس أن التكلفة تختلف من منطقة إلى أخرى، لكن متوسط تكلفة هكتار من القمح البعلي تزيد عن خمسمائة دولار، منها 125 دولاراً ثمن بذار، 60 دولاراً حراثة الأرض، 200 دولار للأسمدة الربيعية (يوريا)، 150 دولاراً للأسمدة الشتوية، ناهيك عن تكلفة الحصاد.

يقول الفارس إن مزارعاً من أصل عشرة من يلتزمون الإرشادات الزراعية، خاصة فيما يتعلق بالأسمدة، إذ لا يتناسب الإنتاج مع التكلفة، وفي العام الحالي ضمّنت هكتارات القمح للماشية بأسعار تتراوح بين 30 إلى 50  دولار للهكتار الواحد، ما يعني خسارة تتراوح بين  150 دولار (الأراضي غير المسمدة) و 400 دولار في (الأراضي المسمدة).

تزيد التكلفة في الأراضي المروية إلى نحو 1300 دولار للمزارعين الذي يعتمدون على الوقود في الري، في السنوات الخصبة، أما في سنوات الجفاف، مثل العام الحالي، فتحتاج الأرض لري مضاعف بين 7  إلى 8 مرات ما يزيد التكلفة لنحو 2000 دولار، ويفسّر ضعف الإنتاج المروي في العام الحالي لعدم تلقيه الري المناسب.

ويضيف فواز، في العام الحالي لم يتجاوز إنتاج القمح المروي في ريف حلب الشرقي نصف طن، في حين يبلغ متوسطه في الأعوام الماضية نحو 4 أطنان.  دون دعم سيخسر المزارع حتى مع إنتاج جيد، وهو ما سيجبر مزارعون على التخلي عن زراعة القمح والشعير، يقول فواز “بدأ مزارعون بزراعة الأشجار المثمرة عوضاً عن القمح، هناك مئات الهكتارات في المنطقة تحوّلت، ومع الظروف الحالية ستتفاقم المشكلة”.

عدم تناسب السعر مع التكلفة، دفع مزارعون، بحسب إبراهيم المحمد، إلى محاولة تسويق محاصيلهم الزراعية في السوق السوداء أو عبر طرق التهريب إلى العراق. وهو ما يفسر الفارق بين الكميات المتوقع إنتاجها والمسلمة إلى مراكز الحبوب.

من ذروة الإنتاج إلى الاستيراد

منذ تسعينيات القرن الماضي، شغلت سوريا مرتبة متقدمة بإنتاج القمح، وحققت اكتفاء ذاتياً حتى أنها صدّرت الفائض عن حاجتها، ورغم مرورها بسنوات من الجفاف إلّا أن زراعة القمح فيها كانت تتعافى، إذ لم ينقص إنتاجها منذ عام 1992 وحتى 2010 عن ثلاثة ملايين طن سنوياً، سوى في عامي 1999 إذ بلغ 2.69 مليون طن، وفي عام 2008 بلغ 2.13 مليون طن.

بلغت المساحة المزروعة بالقمح في سوريا عام 2010، بحسب المكتب المركزي للإحصاء، مليون و599 ألف هكتار، 44% منها أراضٍ مروية و56% بعلية تعتمد على الأمطار بواقع إنتاج تجاوز 3 مليون طن.

شهد محصول القمح في سوريا تراجعًا حادًا في الإنتاج منذ 2011، حيث انخفض من 2.8 مليون طن في 2012 إلى 750 ألف طن في 2025. هذا الانخفاض الحاد ارتبط بتأثيرات الحرب على القطاع الزراعي، التغيرات المناخية والجفاف، التدمير في البنية التحتية، والتحديات الأمنية التي تحد من قدرة المزارعين على زراعة الأراضي.

الكميات المسلمة من مادة القمح في سوريا، 2025.
الكميات المسلمة من مادة القمح في سوريا، 2025.

في المقابل، زادت واردات القمح بشكل ملحوظ، إذ ارتفعت من 550 ألف طن في 2012 إلى 2.4 مليون طن في 2025. هذا التزايد في الاستيراد يعكس الاعتماد المتزايد على الخارج لتلبية احتياجات السكان الغذائية، خاصة مع استمرار تدهور الإنتاج المحلي.

ومنذ عام 2012  بدأت سورية رحلتها في استيراد القمح من دول البحر الأسود، (روسيا ورومانيا وأوكرانيا والقرم)، ثم تحولت عقود استيراد القمح الى عقود حصرية مع روسيا منذ العام 2017 بواقع مليون طن سنوياً لثلاثة أعوام 2017-2018-2019، وتجاوز هذه الأرقام في الأعوام التالية حتى عام 2024، رغم تراوح إنتاجها بين 1.2 إلى 3 مليون طن. 

نصيب المواطن السوري من القمح المحلي انخفض من 150 كغ سنوياً إلى أقل من 20 كغ، بحسب ما صرح به وزير الزراعة محمد طه الأحمد في مقابلة مع “الشرق“. أضاف الأحمد أن نسبة الاكتفاء من القمح في سوريا تقل حالياً عن 20% إذ تحولت البلاد لاستيراد 200 ألف طن شهرياً. وهو ما يعادل تقريباً ما تم استلامه من توريدات القمح حتى تاريخه.

ما استلمته مراكز الحبوب إضافة لهدية من العراق بلغت 220 ألف طن، وما استوردته وزارة الاقتصاد وفق مناقصة أجرتها في شهر نيسان عن توريد 100 ألف طن، يمكن أن تغطي احتياجات السكان بين شهرين إلى ثلاثة أشهر ما يفرض على الحكومة البحث عن مصادر قمح ستكلف خزينتها مبالغ كبيرة، خاصة مع ارتفاع السعر العالمي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، أكبر مصدرين للقمح في العالم، وينعكس على قوت السوريين الذين لاحظوا انخفاض وزن الخبز في الأشهر الأخيرة مع ثبات سعره.

يستدعي القطاع الزراعي دعماً ملحّاً، “نحن نأكل ما نزرع”، تلك عبارة توارثناها بمرور الزمن قبل أن يهجر، خلال عقود من الزمن، الفلاحون أراضيهم الخاسرة بحثاً عن رغيف خبز كانوا يبيعون فائض طحينه.