ما إن تصل إلى مشارف قرية قلعة المضيق في ريف حماة الغربي، حتى تستقبلك على امتداد سهل الغاب، بين جبلين، مسامك تلمع تحت أشعة الشمس. أحواض مائية بأحجام مختلفة، صغيرة وكبيرة، تنتشر على مساحات واسعة من القرى والبلدات الممتدة على جانبي الطرقات الضيقة.
لكن هذا المشهد، الذي يبدو من بعيد علامة على عودة الحياة، يخفي واقعاً أكثر قسوة. فخلال سنوات الحرب، دُمّرت هذه المسامك كما دُمّرت المنازل المحيطة بها، واختفت قنوات الري، ولم يعد يُستدلّ على بعضها إلا بأعواد القصب ونقيق الضفادع. أما الآبار، فتعطّل كثير منها، إلى جانب منظومات الطاقة الشمسية التي تُركت خارج الخدمة.
“نبدأ من نقطة الصفر”، بهذه العبارة يختصر من تحدثنا إليهم من أصحاب المسامك حالهم بعد عودتهم من رحلة التهجير القسري. عادوا ليحاولوا تعويض خسائرهم، وإحياء مهنة رافقتهم لعقود، لكن من دون دعم فعلي، كما يقولون، حتى على مستوى القرارات التي قد تعيدهم إلى المنافسة في سوق بات فيه “السمك المجمّد المستورد ينافس السمك الطازج على موائد سوريين يبحثون عن السعر الأقل”.
ويُعد سهل الغاب أحد أهم مناطق الإنتاج السمكي في سوريا، إلى جانب محافظات اللاذقية وطرطوس وحلب ودرعا والقنيطرة، لكنه يحتفظ بثقله الأكبر في هذا القطاع. وتشير إحصائيات إلى أن مسامك الغاب كانت تنتج نحو ستة آلاف طن من الأسماك، من مزارع خاصة وحكومية، تتوزع على نحو 350 مزرعة تمتد على مساحة 6400 دونم، وتنتج أنواعاً أبرزها الكرب والسلور والمشط. لكن الحرب والإهمال دمّرا معظم هذه المسامك، ولم يبق من كثير منها سوى حدود الملكيات وآثار تدل على وجودها، تحيط بها أعواد القصب.
العودة إلى الأحواض
كان عماد الرجب (اسم مستعار)، من قرية الحويز، من أوائل من أعادوا تأهيل مسمكتهم في القرية بداية العام الماضي. يقول إنه استنزف كل ما يملك من مال وطاقة في هذه المحاولة، شأنه شأن كثير من أصحاب المسامك في المنطقة.
عند عودته، لم يجد أي أثر فعلي لمزرعته. الجدران كانت مهدّمة وسُرق حديدها، والأحواض وقنوات الري امتلأت بالزلّ والشجيرات والأعشاب بسبب الإهمال وطول المدة، فيما تعطّل البئر الارتوازي عن العمل بالكامل. يوضح الرجب أنه اضطر إلى تنظيف المسامك وقنوات الري باستخدام “البواكر”، ثم أعاد حفر البئر الارتوازي، وزوّده بمحرّك يعمل على الديزل، إلى جانب منظومة طاقة شمسية لتأمين التشغيل.
وفي قرية الحمرا، أعاد عبد القادر رموض وصديقه تأهيل حوض سمك يملكانه معاً. يبتسم وهو يخبرنا أن وقت الصيد قد حان، وفي الوقت نفسه عملا على تجهيز حوضين آخرين قرب منزله لزراعة “الأصبعيات”، وهي أسماك تجاوزت مرحلة الحساسية الشديدة، مع حلول شهر نيسان الذي يُعد الفترة المناسبة لزراعتها.
استأنف الصديقان عملهما بعد عودتهما إلى القرية التي هُجّرا منها قبل سبعة أعوام، ويؤكدان أن “ارتباطهما بهذه المهنة يشبه حاجة السمك إلى المياه”.
مهنة باهظة الكلفة
تختلف تكلفة إنشاء الأحواض السمكية بحسب مساحتها وتجهيزاتها، لكن مزارعي الأسماك يوضحون أن مزرعة بمساحة ثلاثة دونمات تحتاج إلى نحو 1500 سمكة من نوع الكارب، بتكلفة تقارب ألفي دولار.
ولا تتوقف النفقات عند هذا الحد، إذ تحتاج المزرعة إلى تجهيزات أساسية لضخ المياه، من بينها محرك كهربائي يعمل بالطاقة الشمسية، بتكلفة تشغيلية تصل إلى نحو 1500 دولار، إضافة إلى محرك ديزل احتياطي تُقدّر كلفته بنحو 700 دولار، لضمان استمرار العمل عند انقطاع الكهرباء.
كما يحتاج المربون إلى أدوات أخرى لا غنى عنها، مثل شباك الصيد، وسلال تعبئة الأسماك، وميزان للوزن، بتكلفة تقارب 400 دولار، فضلاً عن كلفة المراقبة اليومية والصيانة الدورية لمحركات الكهرباء والديزل، وتنظيم عملية تصريف المياه للحفاظ على بيئة مناسبة للإنتاج.
محاولات.. وواقع معقّد
في المقابل، تقول الجهات الرسمية إنها بدأت خطوات لإعادة تنشيط القطاع. علاء المواس، مدير الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، أكد أن العمل بدأ لإعادة تأهيل المزارع الحكومية في سهل الغاب ووضعها في الخدمة مجدداً، مشيراً إلى أنه جرى خلال العام الحالي تأهيل معظم أحواض مزارع شطحة وعين الطاقة وقلعة المضيق.
وأضاف أن الهيئة أعادت أيضاً تأهيل المفرخ السمكي في قلعة المضيق، ليكون جاهزاً لإنتاج اليرقات بطاقة أعلى من السابق، إلى جانب العمل على دراسات لتطبيق الزراعة السمكية المكثفة بهدف زيادة الإنتاجية.
وبحسب المواس، يجري التواصل مع منظمات دولية لتأمين دعم للمربين يشمل الأصبعيات والأعلاف ومصادر الطاقة البديلة، إضافة إلى خطة مشتركة مع برنامج الغذاء العالمي لإنشاء سوق سمك في المنطقة، بما يساعد على تسويق الإنتاج. لكن هذه الجهود، بحسب المزارعين، لا تزال غير كافية أمام حجم المشكلات المتراكمة على الأرض.
يوضح المواس أن قطاع تربية الأسماك في سهل الغاب تعرّض لانتكاسة كبيرة بعد نزوح السكان في ربيع عام 2018، حيث خسر المربون مزارعهم وأصولهم الإنتاجية، ما أدى إلى فجوة واضحة في الإنتاج المحلي، خاصة أن مزارع الغاب تشكل ركناً أساسياً في إنتاج أسماك المياه العذبة.
مياه ملوّثة وخسائر متكررة
إلى جانب الدمار، يواجه المزارعون مشكلة لا تقل خطورة، تتعلق بنوعية المياه نفسها. فبحسب ما يؤكده مربو الأسماك، أدّت ممارسات خاطئة لبعض المربين إلى تلويث قنوات الري والينابيع التي يعتمدون عليها، ولا سيما في مناطق مثل “عين الطاقة” و”عيون الحمرا”. إذ يلجأ بعضهم إلى تربية أعداد كبيرة من سمك السلور في برك صغيرة، وتغذيتها بمخلفات الدجاج، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الفوسفور وتلوّث المياه التي يعاد ضخها في قنوات الري.
هذا الواقع يضع المزارعين أمام خيارات صعبة، فإما الاعتماد على مياه ملوثة، وهو ما أدى خلال العام الماضي إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك وتكبّد خسائر قاسية، أو التوجه إلى مياه الآبار، رغم تكلفتها المرتفعة والقيود القانونية التي تعيق حفرها.
يقول عماد: “نحتاج، إضافة إلى تكلفة الحفر، إلى منظومة طاقة شمسية للتشغيل في النهار، ومولدات ديزل ليلاً، لأن عملية تبديل المياه مستمرة، والأسماك تحتاج نسبة عالية من الأوكسجين كي تعيش في بيئة مناسبة”.
قيود الترخيص ومخالفات بلا رادع
يرجع المواس بقاء عدد كبير من المزارع خارج الخدمة إلى “صعوبات مالية وإدارية”، في مقدمتها عدم القدرة على ترخيص الآبار الارتوازية، التي تعد شرطاً أساسياً لترخيص المزارع، إضافة إلى وقوع عدد من هذه المزارع ضمن أو قرب المخططات التنظيمية.
في المقابل، يقول المزارعون إن إبلاغ الجهات المعنية بهذه المشكلات لم يؤدِّ إلى حلول ملموسة. وبحسب من التقيناهم، فإن اتفاقاً جرى مؤخراً مع مربي سمك السلور لمنحهم مهلة أخيرة والتوقف عن تلويث المياه، لكن من دون وجود قرارات ملزمة أو غرامات واضحة بحق المخالفين.
هذا الفراغ الرقابي يدفع بعض المربين إلى الاستمرار في استخدام وسائل تغذية رخيصة، مثل فضلات الدجاج، بدلاً من الأعلاف الصحية، لتقليل التكاليف، رغم آثارها السلبية على البيئة والإنتاج.
ورغم أن دوريات الشرطة تلاحق أحياناً تجار أعلاف بقايا الفروج وتضبط بعض السيارات المخالفة، إلا أن الرقابة على مجاري الأنهار وقنوات الري تبقى ضعيفة، ما سمح بتوسع المخالفات من دون رادع فعلي، على حساب بقية المزارعين الذين يعتمدون على مياه نظيفة للإنتاج.
مخاطر صحية وأمراض مجهولة
يحذّر المواس من أن استخدام مخلفات المسالخ في تغذية الأسماك قد يؤدي إلى نقل أمراض مثل السالمونيلا، حتى وإن لم تُسجّل إصابات حتى الآن، مؤكداً أن استخدام هذه المواد دون معالجة حرارية يُعد مخالفاً للمعايير الدولية.
ويشير إلى أن الهيئة تعمل حالياً على تشغيل معمل لإنتاج أعلاف مخصصة للأسماك، من المتوقع أن يبدأ العمل قريباً، بهدف تقليل التكاليف وتحسين جودة الإنتاج.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الأعلاف الملوثة وحدها، فبحسب المزارعين، شهدت المنطقة خلال الفترة الماضية نفوق كميات كبيرة من الأسماك لأسباب غير واضحة، ما كبّدهم خسائر إضافية، من دون تعويض أو دعم فعلي.
حين تنافس المستورد
بالنسبة إلى كثير من المربين، لا تتوقف الخسائر عند حدود الأمراض أو المياه أو كلفة التشغيل، بل تمتد إلى السوق نفسها. يقول عماد الرجب إن المربين خسروا خلال الفترة الماضية أطناناً من الأسماك بسبب نفوقها المفاجئ، من دون أن يعرفوا الأسباب بدقة، ومن دون أن يحصلوا على أي تعويض أو دعم من الجهات الحكومية.
لكن ما زاد شعورهم بالخسارة، بحسب قوله، هو دخول السمك المستورد إلى الأسواق بأسعار أقل، في وقت كانوا يحاولون فيه بالكاد استعادة جزء من قدرتهم على الإنتاج.
ويؤكد علاء المواس أن استيراد الأسماك المجمدة بأسعار منخفضة ينعكس مباشرة على المنتج المحلي، موضحاً أن تكلفة إنتاج الطن الواحد من الأسماك المحلية تتراوح بين 3000 و4000 دولار، بينما يباع السمك المستورد بنحو 2.5 دولار للكيلوغرام.
ويضيف أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة على تنظيم أوقات الاستيراد بما لا يضر بالمربين خلال موسم التسويق، في محاولة لتخفيف أثر المنافسة على المنتج المحلي.
من البيوض إلى السوق
تمر دورة تربية السمك بعدة مراحل متتابعة، تبدأ من تفقيس البيوض الملقحة في حاضنات خاصة، ثم نقل الزريعة إلى أحواض ترابية تنمو فيها لمدة ثلاثة أشهر قبل بيعها.
وفي العام التالي تبدأ مرحلة التسمين، حيث يُزرع نحو ألفي فرخ في الدونم الواحد، وتصبح الأسماك جاهزة للبيع بعد نحو ثمانية أشهر. وعندها تُجرى عملية الصيد عبر تخفيض منسوب المياه داخل الأحواض، ثم تُنقل الأسماك إلى السوق أو تُباع مباشرة للتجار.
يقول عبد العزيز، وهو تاجر سمك وصاحب مركز “أفاميا” للبيع بالجملة والمفرق في باب الطاقة بريف حماة، إن الأسعار تُحدد عادة وفقاً للسوق وبالاتفاق بين الطرفين، موضحاً أن “سعر سمك الكرب يصل إلى نحو 6 دولارات، بينما يباع سمك السلور بنحو 1.4 دولار، أما سمك المشط فيختلف سعره بحسب حجمه، إذ يرتفع كلما كانت السمكة أكبر”.
مطالب لاستعادة المهنة
في مواجهة هذه التعقيدات، يطالب مزارعو الأسماك بجملة من الإجراءات التي يرونها ضرورية لإنعاش القطاع واستعادة جزء من قدرته على الاستمرار. في مقدمة هذه المطالب، يضعون الحد من استيراد الأسماك لحماية المنتج المحلي، وتأمين الكهرباء للمزارع بسعر مدعوم، والسماح بإصلاح الآبار المتضررة ومدّ خطوط توتر كهربائي جديدة.
كما يطالبون بتوفير الأعلاف والديزل والأدوية البيطرية بأسعار مدعومة، وتأمين زريعة مقاومة للأمراض وسريعة النمو، إضافة إلى فتح مراكز صحية مزودة بمخابر لعلاج الأسماك.
ولا تتوقف المطالب عند ذلك، إذ يشدد المزارعون أيضاً على ضرورة تقديم قروض ميسّرة من دون فوائد، وتعويض المراكز الكهربائية المسروقة، وتأمين المعدات اللازمة بالتقسيط، والسماح باستخدام آليات هيئة تطوير الغاب لخدمة المزارع مقابل تكاليف تشغيلها فقط.
استعادة مسامك سهل الغاب لمكانتها السابقة لا تبدو مسألة وقت فقط، بل معركة يومية مع الكهرباء والمياه والطاقة والتلوث والكلفة، في منطقة تحاول أن تعيد تشغيل واحدة من مهنها القديمة بعد سنوات من الانقطاع والدمار.
وإلى أن تتوفر حلول أكثر جدية، يواصل مربو الأسماك العمل ضمن إمكانياتهم المحدودة، واضعين ثقتهم في موسم قد ينجو من الأمراض والمياه الملوثة والسمك المجمّد، ويمنحهم فرصة جديدة للبقاء.. وقد لا ينجو.
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.
