فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

حكومة النظام ترفع أسعار المحروقات والمواطن “من الدلف لتحت المزراب”

منصور حسين

تتجدد أزمة فقدان وارتفاع أسعار المحروقات في  المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، ما ينعكس سلبياً على الحياة عامة وعلى قطاع المواصلات بشكل خاص. وبحسب مواقع موالية، فإن أزمة المحروقات الأخيرة جاءت […]

تتجدد أزمة فقدان وارتفاع أسعار المحروقات في  المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، ما ينعكس سلبياً على الحياة عامة وعلى قطاع المواصلات بشكل خاص.

وبحسب مواقع موالية، فإن أزمة المحروقات الأخيرة جاءت جراء تأخر وصول الناقلات الإيرانية المحملة بالنفط إلى مصفاة بانياس، وتخفيض إيران لكمية المحروقات المصدرة إلى سوريا، ما أدى لزيادة الاعتماد على الوقود المهرب من لبنان عن طريق المعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها حزب الله على الحدود السورية_اللبنانية.

بينما تحدث موقع “أثر برس” عن وصول ثلاث ناقلات إيرانية محملة بالنفط الخام والغاز في الثاني عشر من تموز الجاري إلى ميناء بانياس في طرطوس، وعلى متنها 2,6 مليون برميل نفط، وذلك بعد أكثر من شهر على انطلاقها من إيران.

رفع الأسعار لتخفيف الطلب

مع عجز النظام عن تلبية احتياجات السكان من الوقود، رفع أسعار المحروقات مجدداً للتقليل من حجم الطلب. وأعلنت حكومة النظام للمرة الرابعة منذ بداية العام الجاري، رفع سعر ليتر المازوت إلى 500 ليرة، بدلاً من 180 ليرة لقطاع المواصلات، و138 ليرة للمخابز، إضافة لرفع سعر ليتر البنزين من نوع “أوكتان 95” إلى 3000 ليرة بدلاً من 2500 ليرة.

الارتفاع الأخير دفع العشرات من الموظفين الحكوميين إلى تقديم استقالتهم، لعدم تناسب رواتبهم الشهرية مع نفقات النقل، فضلاً عن تضرر طلاب جامعيين وعدم قدرتهم على الوصول إلى قاعات الامتحان في الوقت المحدد نتيجة فقدان المواصلات.

بدأ موظفون في العاصمة السورية دمشق وفي عدة مناطق أخرى، إضراباً غير معلن عن العمل من خلال رفضهم التوجه إلى وظائفهم، نتيجة فقدان المواصلات وارتفاع أجورها في حال توفرت.

بلغ راتب أبو سارية وهو من سكان دمشق بعد مرسوم الزيادة الأخير ثلاثة وسبعين ألفاً مع “الحوافز والإضافي”، يقول إنه يدفع عشرين ألف شهرياً أجور نقل، وطبيعة عمله تفرض عليه شراء الخبز غير المدعوم، ما يعني  دفع حوالي أربعين ألف ليرة شهرياً ثمن الخبز، وبالتالي يخسر أكثر من ثلثي راتبه.

وأكد أبو سارية في حديثه لـ”فوكس حلب”، “أن معظم موظفي دائرته بدؤوا احتجاجاً من نوع خاص على الأوضاع الحالية ورفض الدوائر الحكومية توفير باصات نقل لهم، من خلال التغيب عن العمل والخروج قبل ساعة أو اثنتين من وظائفهم.

ويشير أبو سارية إلى سبب آخر دفع الموظفين لتعليق عملهم وتمثل بارتفاع سعر ربطة الخبز في السوق السوداء، حيث وصلت إلى ثمانمئة ليرة سورية، ما دفع الموظفين للوقوف في طوابير الانتظار أمام الأفران لتوفير ثمن الخبز غير المدعوم والذي يتجاوز ما يجنوه من وظائفهم.

وقال عضو المكتب التنفيذي في محافظة السويداء وائل جربوع، “إن فرع الشركة “السورية للاتصلات” في المدينة، أكد استقالة كثير من موظفي الشركة بسبب عجزهم عن دفع أجور النقل المرتفعة. وذلك بعد توقف الحافلات المتعاقد معها على نقل الموظفين من الريف إلى المدينة، لعجزها عن توفير مادة المازوت.

في حين لم يتمكن عدد من طلاب الجامعات من حضور امتحاناتهم نتيجة انعدام المواصلات وارتفاع أجور النقل الخاص، تقول سلام طالبة جامعية: بعد قرار رفع أسعار المحروقات زادت أجور النقل ضعفين، فطلب التكسي الذي كان ثلاثة آلاف بات اليوم تسعة آلاف .

وتضيف: هناك تساهل كبير من قبل المراقبين مع الطلاب المتأخرين، لكن قسماً كبيراً من الطلاب فضل البقاء في المنزل بسبب عدم توفر المال، وانعكاس الأوضاع السيئة على دراستهم.

قرارات تعجيزية

أعلنت وزارة الداخلية في حكومة النظام، تسيير دوريات لمراقبة الخطوط ورصد  خطوط الازدحام وملاحقة “الميكروباصات” المتغيبة لاتخاذ الإجراءات بحق سائقيها، الأمر الذي أثار غضب السائقين واعتبروه انفصاماً عن الواقع.

يقول عباس صاحب مكروباص في دمشق: إن غالبية الرسائل التي تصل لتزويد السيارات تكون من محطات خارج العاصمة دمشق، أو محطات بعيدة، وهو ما جعل قسماً كبيراً من السائقين يتوقف عن العمل ويفضل بيع حصته من المحروقات أو تركها نهائياً.

ويضيف: من تبقى من السائقين يعتمدون على السوق السوداء في الحصول على الوقود، ودفع مبلغ يصل إلى 4500 ليرة سعر ليتر البنزين، ما يعني اضطرارهم للعمل في خطوط مزدحمة وقصيرة، ورفع تعرفة الراكب إلى ثلاثمئة أو أربعمئة ليرة بدل المئتين.

لبنان مصدر المحروقات

تشير المعطيات إلى توجه حكومي نحو رفع الدعم عن المحروقات التي تعتبر عصب الحياة، وتقليص الفارق مع سعرها في السوق السوداء.
تصاعدت وتيرة عمليات تهريب الوقود من لبنان إلى الأراضي السورية، خلال الأشهر القليلة الماضية، رغم محاولات السلطات اللبنانية منع عمليات التهريب، إلا أنها لاتزال عاجزة عن فرض سلطتها على المناطق التي ينتشر فيها عناصر حزب الله.

وقال أبو جمال صاحب محل لبيع المحروقات في دمشق، إن ريف حمص القريب من الحدود السورية اللبنانية تحول إلى سوق سوداء ضخم للمحروقات، ومركز توزيع مادتي المازوت والبنزين إلى جميع المناطق السورية.

ويوضح أبو جمال، أنه قبل عدة أشهر كانت الكميات التي تدخل سوريا من مدينة القصير وقرية معربو بريف تل كلخ تتراوح بين 100_1500 خزاناً محملاً بالبنزين والمازوت والغاز، أما اليوم وبعد انتشار حرس الحدود اللبناني وملاحقتهم المهربين الذين لا يخضعون للحماية، فقد انخفضت الكميات إلى حوالي 40 خزاناً، تعبر بترفيق عناصر حزب الله اللبناني وحواجز النظام العسكرية.

 

قذائف صاروخية على مشفى الشفاء في مدينة عفرين

فريق التحرير

تحقيق مشترك: الأرشيف السوري وفوكس حلب تحقيق يتناول قصفاً صاروخياً استهدف مشفى الشفاء في مدينة عفرين حول الحادثة: مكان الضربة: حلب مدينة عفرين موقع التأثير: منازل سكنية ومشفى الشفاء التاريخ: […]

تحقيق مشترك: الأرشيف السوري وفوكس حلب

تحقيق يتناول قصفاً صاروخياً استهدف مشفى الشفاء في مدينة عفرين

حول الحادثة:

  • مكان الضربة: حلب مدينة عفرين
  • موقع التأثير: منازل سكنية ومشفى الشفاء
  • التاريخ: 12 حزيران/ يونيو 2021
  • التوقيت: رشقتان بتوقيتين مختلفين في حول الساعة 18:00 و 19:00 بالتوقيت المحلي، وفقاً لإفادات الشهود، الدفاع المدني، كوادر طبية، ناشطين إعلاميين، إبلاغات من المصادر المتاحة، تحليل فيديو
  • الضحايا: 19 قتيلاً، بينهم 6 نساء، وثلاثة أطفال، تم التأكد من هوية 18 منهم من قبل فريق التحقيقات
  • المصابون: أزيد من 43 مصاباً بينهم نساء وأطفال، تم جمعها والتأكد منها عبر المصادر المتاحة وإفادات الشهود من قبل فريق التحقيق
  • نوع الحادثة: قذائف صاروخية من راجمة
  • الذخائر المحددة:‪ قاذفة صواريخ متعددة الأسطوانات عيار 122 مم BM-21
  • المسؤول المحتمل: لم يستطع الأرشيف السوري تحديد المسؤول عن الهجوم ولكن العديد من المصادر تشير إلى أن قوات سوريا الديمقراطية (PKK -YPG) أو الحكومة السورية قد يكونا مسؤولين محتمَلين عن القصف.

مقدمة

“ما عاد في اسم بابا عالباب، بابا استشهد ما عاد فيه باب”، بهذه الكلمات رثت طفلة أنور الضاهر الذي قتل في القصف الذي استهدف مشفى الشفاء بمدينة عفرين والدها المهجر قسرياً من كفرعويد في ريف إدلب الجنوبي.

يعمل الضاهر في منظمة شفق وكان رفقة زميله ماجد كبيش الذي قتل أيضاً في زيارة إلى عفرين، وخلال إسعافهما لمريض لقيا حتفهما بالقصف رفقة أشخاص آخرين.

في صورة أخرى يظهر (أحمد الإبراهيم -35 عاماً) مصاباً في سيارة الدفاع المدني، يقول أحمد الذي لم يمض على عمله كمتطوع في الدفاع المدني سوى أربعة أشهر لفريق الأرشيف “كنت حزيناً لأنني لم أستطع إكمال مهمتي بعد أن أصبت بالقصف، كانت الجثث والأشلاء تملأ المكان، هناك الكثير من المصابين في كل مكان”.

وتظهر صور ومقطع فيديو نشرها الدفاع المدني وجه أحمد المغطى بالدماء والغبار، إثر قصف على تجمع سكني تلاه آخر على مشفى الشفاء في مدينة عفرين، بأربع عشرة قذيفة صاروخية، سقطت اثنتان منها ضمن المشفى، بينما سقطت اثنتا عشرة قذيفة على منازل سكنية مجاورة وأراض زراعية بالقرب من المشفى في 12 حزيران/ يونيو 2021، راح ضحيتها نحو 19 قتيلاً وأزيد من 43 مصاباً. إضافة لأضرار مادية جسيمة في المنازل وأقسام من المشفى وخروجه مؤقتاً عن الخدمة.

المنهجية

أجرى الأرشيف السوري تحقيقاً حول الحادثة اعتماداً على:

  1. جمع إفادات شهود عيان، كوادر طبية في المشفى، إعلاميون وناشطون شهدوا اللحظات المباشرة للقصف.
  2. حفظ، تحليل، والتحقق من 72 مقطع فيديو وصورة تم تحميلها على شبكات التواصل الاجتماعي يُدّعى أنها تظهر مكاني التأثير، إضافة إلى صور ومقاطع فيديو خاصة حصل عليها فريق التحقيقات للتأكد من مواقع سقوط القذائف.
  3. التواصل مع مصوري قسم من هذه الفيديوهات، أو الأشخاص الذين ظهروا في الفيديوهات، التأكد منهم والحصول على إفادتهم حول القصف، والحصول على الفيديوهات الأصلية لتحديد المكان والتوقيت.
  4. تحليل خرائط السيطرة ونوع السلاح المستخدم وجهة سقوطه ومداه لتحديد الأماكن المحتملة للإطلاق، والمسؤولين المحتملين.

وكان هذا التحقيق خلاصة مراحل متعددة من التحليل للمصادر المتاحة. زوّدت المصادر، المتكاملة فيما بينها، الفريق بمعلومات مرتبطة بتاريخ الهجوم، توقيته، موقعه، الإصابات والأضرار الناجمة عنه. عبر فحص جميع المعلومات المتاحة حول الهجوم، طوّر فريق التحقيقات فهمًا للحادثة وللمسؤولين المحتملين.

مشفى الشفاء في عفرين

صورة حصل عليها فريق التحقيقات وتظهر بوابة مشفى الشفاء في عفرين
صورة حصل عليها فريق التحقيقات وتظهر بوابة مشفى الشفاء في عفرين

يقع مشفى الشفاء في الجهة الغربية من عفرين في شارع الفيلات، ويعد من أكبر المنشآت الطبية في المدينة، تدعمه الجمعية الطبية السورية الأمريكية سامز، وهو مشارك ضمن الآلية الإنسانية لتجنب النزاع التي تقودها الأمم المتحدة.

يضم المشفى أقساماً للتوليد والعمليات الجراحية بمختلف أنواعها، كذلك قسماً للعينية والأطفال والحواضن والرعاية الصحية والعلاج الفيزيائي والنفسي والأسنان والعيادات الخارجية، إضافة لصيدلية ومخبر وقسم للأشعة، ويقدر عدد المراجعين اليومي للمشفى بنحو 500 شخص، بحسب ما صرح به الطبيب حسام حمدان (مدير المشفى)، والذي أضاف أن جميع هذه الخدمات مجانية، وأن المشفى توقف مؤقتاً بشكل كامل عن العمل بعد القصف الذي طاله. وورد في تقرير نشرته سامز على موقعها أن المشفى يقدم نحو 15 ألف خدمة شهرياً، إضافة لنحو 350 ولادة و250 عملاً جراحياً.

تعرض المشفى للاستهداف ثلاث مرات سابقاً، منذ عام 2019، بحسب تقرير للأمم المتحدة، وجاء في التقرير على لسان مبعوث الأمم المتحدة الخاص بسوريا غير بيدرسن “مثل هذه الهجمات المروعة على المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك، مرافق الرعاية الصحية والعاملين غير مقبولة، ويجب أن تتوقف”، ودعا جميع الأطراف إلى “الامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك، حماية المدنيين والأعيان المدنية”.

يقع مشفى الشفاء، بحسب ما وصل إليه فريق التحقيق وإفادات الشهود، ضمن مربع يضم مؤسسات عسكرية وحكومية، أهمها مقر الشرطة المدنية والسياسية ومحكمة عفرين، وتحيط بكتل المشفى من ثلاث جهات.

خريطة من غوغل إيرث تظهر مواقع الشرطة المدنية (بالأحمر) وفرع الأمن السياسي (بالأخضر) ومحكمة عفرين (بالأزرق) بالقرب من مشفى الشفاء المحدّد بالعلامة الحمراء
خريطة من غوغل إيرث تظهر مواقع الشرطة المدنية (بالأحمر) وفرع الأمن السياسي (بالأخضر) ومحكمة عفرين (بالأزرق) بالقرب من مشفى الشفاء المحدّد بالعلامة الحمراء

ماذا حدث (ومتى)؟

في 12 حزيران/يونيو 2021 ، قصف صواريخ مدينة عفرين على دفعتين يفصل بينهما زمنيًا نحو الساعة. وأصيب مشفى الشفاء في القصف الثاني.

وابل الصواريخ الأول

أظهرت فيديوهات نشرت عبر المصادر المتاحة لقطات للاستهداف الأول والأدخنة المتصاعدة من خمسة مواقع على الأقل، في نهاية شارع فرع الأمن السياسي في عفرين، بالقرب من المشفى وعلى بعد أقلّ من 200 متر منه، إضافة لقذائف صاروخية سقطت على الأراضي الزراعية، وتحدثت المصادر عن سقوط قتلى وإصابات في القصف الذي قدر وقت حدوثه بين الساعة 18:03 إلى الساعة 18:10 من مساء 12 حزيران/ يونيو.

تحقّق الأرشيف السوري من صحة الفيديوهات، ومكان التقاطها من قبل شهود في المنطقة، ومن خلال المعالم البارزة الظاهرة فيها. يظهر في مقطع الفيديو الذي صور الاستهداف الأول لافتة مطعم طيبة وفي نهاية الشارع كان الدخان يتصاعد بفعل الاستهداف، حيث المسافة بين مكان سقوط القذائف والمشفى أقل من 200 متر. كذلك تم التأكد من تطابق الأراضي الزراعية الظاهرة في الصور ومقاطع الفيديو مع الأراضي الزراعية غربيّ المشفى، عند ما يعرف بطريق المازوت في المنطقة، يضاف إلى ذلك التلال التي تظهر في الفيديو والتي تتطابق مع صور الأقمار الصناعية.

تتطابق المعالم البارزة الظاهرة في صورة نُشرت على تويتر للقصف على أراض زراعية غرب عفرين مع ما يظهر في صور الأقمار الصناعية، حيث يمكن ملاحظة قرب مكان القصف في الاستهداف الأول من المشفى

تبعد أماكن سقوط القذائف في الاستهداف الأول على مسافة أقل من 200 متر شرقيّ المشفى باتجاه مطعم طيبة، وغربه باتجاه الأراضي الزراعية

تتطابق الظلال الظاهرة في صورة استهداف الأراضي الزراعية غربيّ المشفى مع موقع الشمس نحو الساعة 18:00 في عفرين في 12 يونيو 2021، وذلك حسب أداة SunCalc. وهو ما يعزّز التوقيت المذكور في إبلاغات الصحفيين والوكالات الإخبارية وإفادات الشهود

وابل الصواريخ الثاني

بعد ساعة من القصف الأول؛ سقطت قذائف صاروخية جديدة بالقرب من مشفى الشفاء في المدينة، وأصابت اثنتان منها، بشكل مباشر، أقساماً في المشفى خلال إسعاف المصابين من القصف الأول. .

جاء في تقرير سامز أن قذيفتان صاروخيتان سقطتا مباشرة في المشفى، أصابت الأولى غرفة الطوارئ بينما دمرت الثانية غرفة الولادة تدميراً كاملاً، وتسببت بأضرار جزئية في العيادات الخارجية.

حدد التقرير زمن القصف في الساعة 19:15 مساء يوم السبت 12 حزيران/يونيو 2021، مؤكدا مقتل عدد من كوادر المشفى وسائقي سيارات الإسعاف، وإصابة 11 عاملاً في المشفى بجروح بينهم “قابلة قانونية” في حالة حرجة. سبق استهداف المشفى قذائف صاروخية على مسافة قريبة منه في الساعة 18:10، بحسب سامز.

توالت الإبلاغات عن القصف الذي طال مشفى الشفاء على وسائل تواصل إجتماعي ومواقع إخبارية وتلفزيونات محلية، محددة وقت الهجوم بين الساعة 19:03 وحتى 19:15 من يوم 12 يونيو 2021. أظهر مقطع فيديو نشرته قناة TRT عربي لقطات لإسعاف الجرحى من داخل المشفى بعد القصف، كما بثت وكالة شام مقطع فيديو يتضمن مقابلات مع عنصر من الدفاع المدني وأحد الكوادر العاملة في المشفى، واللذَين أكدا على القصف الذي ظهر في خلفية اللقطات، وتحدثا عن القصف والقتلى والمصابين والدمار في المكان.

كما حدد تلفزيون “أورينت” في مقابلة مع أحد الشهود الوقت الفاصل بين الاستهدافين بنحو 45 دقيقة، وأضاف أن القصف طال كلاً من قسم الإسعاف والمخبر وقسم النسائية والعيادات الخارجية والعلاج الفيزيائي.

وأظهر مقطع فيديو للدفاع المدني استجابة عناصره للقصف وإسعاف الجرحى، كذلك ظهر قسم الإسعاف المدمر في فيديو آخر، والجثث والمصابين الذين يتم إسعافهم من المكان، نحو مشافٍ أخرى في عفرين.

تحقق الأرشيف السوري من المكان، وتأكّد من وقوع استهداف على مشفى الشفاء، وذلك من خلال التحقق من الفيديوهات المنشورة وموقع المشفى، إضافة لشهادات خاصة.

حصل الأرشيف السوري على النسخة الأصلية من مقطع فيديو يوثق لحظات ما بعد القصف على المشفى، حيث أظهر إصابات وقتلى ودمار في المكان، إضافة للدخان والغبار في المكان، وتُظهر البيانات الوصفية للفيديو أنه تم التقاط الفيديو في الساعة 16:02:41. يكون “تاريخ الإنشاء” للفيديو، الذي يتبع تنسيق ملف [وسائط ISO / IEC] القياسي ، بالتوقيت العالمي المنسق‪(UTC‪). بعد تعديله وفقًا للفرق البالغ 3 ساعات بين التوقيت العالمي المنسق والتوقيت المحلي السوري ، يكون الفيديو قد التُقط في الساعة 19:02:41، ما يتوافق مع ما حدده معظم الشهود والإبلاغات في المصادر المتاحة

صورة للبيانات الوصفية الخاصة بالفيديو، حيث يظهر وقت التقاط الفيديو الساعة 16:02:41 UTC)19:02:41 بالتوقيت المحلي)

إفادات الشهود

تم تصوير الفيديو أعلاه من قبل الممرض سمير أغواني (أحد كوادر مشفى الشفاء الطبية والذي كان متواجداً في المشفى لحظة القصف) والذي قال لفريق الأرشيف السوري:

“خلال عملي سمعت عدة صواريخ وانفجارات متتالية في تمام الساعة 18:05 من يوم السبت 12 حزيران/ يونيو، على الفور توجهت إلى غرفة الإسعاف بعد وصول نداء استغاثة بوقوع إصابات في شارعي الفيلات والسياسية، وبدأت سيارات الإسعاف بنقل المصابين إلى مشفى الشفاء الأقرب من مكان القصف. وخلال تقديمنا للإسعافات الأولية ودخول عدد من الأطباء إلى غرف العمليات لإجراء التداخلات الطبية، وبعد مرور نحو ساعة من القصف الأول، تم استهداف المشفى بصاروخين، سقط أحدهما في غرفة الإسعاف مكان تواجدي، أما الثاني فسقط وسط المشفى، فقدت السيطرة ومررت بلحظات لهول المشهد قبل أن أعود لرشدي وأفتح هاتفي المحمول، وثقت ما جرى، ثم توجهت لإسعاف المصابين، الدماء كانت تملأ المكان وكذلك الجثث وقمت مع أصدقائي وفرق الدفاع المدني بإسعاف الجرحى”.

أكد مدير المشفى حسام الحمدان في حديثه لفريق الأرشيف الوقت والتاريخ للقصف أيضاً، ومكان سقوط القذائف الصاروخية التي دمرت أقسام الإسعاف والتوليد والعمليات والعيادات بشكل كامل.

نعيم القاسم (مدير مركز الدفاع المدني في عفرين) قال في حديثه مع الأرشيف السوري إنه “عند الساعة 18:05 تعرضت عفرين لاستهداف صاروخي، تركز القصف في محيط مشفى ابن سينا، ومشفى الشفاء، في منازل للمدنيين، وقام الدفاع المدني بالتوجه إلى المكان، كانت حصيلة القصف قتيلًا واحد وأربعة مصابين قمنا بنقلهم إلى مشفى الشفاء، ومصاب واحد إلى مشفى عفرين، وعند عودة الآليات، ونحو الساعة 19:00 تعرضت المدينة لاستهداف ثانٍ، كان من بين الأماكن المستهدفة مشفى الشفاء، وتعرض فريق الإسعاف التابع للدفاع المدني والمتواجد في المشفى للإصابة، كذلك قسم من الكوادر الطبية، إضافة لمدنيين، تم إسعافهم ونقل الجثث من المكان، كانت الحصيلة الأولية نحو 15 قتيلاً و 43 مصاباً، إضافة لأضرار جسيمة في المشفى والأبنية السكنية، وآلية الدفاع المدني.”

محمد اليوسف (سائق سيارة إسعاف) قال لفريق الأرشيف السوري “تلقينا نداء استجابة طارئة في تمام الساعة 18:05 عن حالات إصابات بين المدنيين في شارع السياسية بالقرب من الفيلات برمايات صاروخية، على الفور توجهنا الى هناك وكنا أول الفرق الواصلة للمكان. بقينا في سيارة الاسعاف حيث كانت هناك إصابات خطرة تستدعي نقلها إلى الأراضي التركية، وبعد مرور ساعة من القصف الأول حدث الاستهداف الثاني، وهنا حدثت المجزرة المروعة حيث سقطت الصواريخ على المشفى بشكل مباشر، كانت أعداد الأهالي كبيرة جداً. الممرض المرافق لسيارة الإسعاف معي كان داخل غرفة الإسعاف العاجل في المشفى، وأنا كنت خارج المشفى. كثافة الدخان المتصاعد والشظايا والأصوات التي بدأت أسمعها توحي كأننا في يوم القيامة، أغلب الناس المتواجدة أصبحت بين شهيد أو مصاب، تداركنا الموقف وحاولنا إنقاذ المصابين وانتشالهم من بين الركام. ما شاهدته كان قاسيا جداً. شاهدت طفلاً صغيراً على كرسي متحرك كان قد فارق الحياة جراء القصف، نساء، وأطفالاً وشباباً وفرق اسعاف وممرضين وأطباء، هذه هي أصعب اللحظات التي عشتها خلال عملي كسائق إسعاف منذ عامين إلى الآن”.

أحمد الإبراهيم المتطوع في الدفاع المدني والذي أصيب في القصف قال لفريق الأرشيف السوري إن الاستهداف الأول كان نحو الساعة السادسة مساء، وأنه قام رفقة اثنين من زملائه (إسماعيل نعسان قائد القطاع والسائق زاهر حمشو) بإسعاف المصابين إلى مشفى الشفاء، ثم إلى مشفى عفرين المركزي، وعند عودتهما إلى مشفى الشفاء سقطت الصواريخ على المشفى وتعرض وزملاؤه للإصابة.

أحد الإعلاميين والشهود على القصف قال في تسجيلات صوتية للأرشيف السوري “كان القصف الأول في الساعة 18:03على أراض زراعية ومنازل للمدنيين،‪” قتل في القصف “غيث عباس” أحد المقاتلين من مدينة حمص وأصيب مقاتلان أيضاً، إضافة لمدنيين آخرين. وأضاف الإعلاميّ أنه في تمام الساعة 19:04 استهدف مشفى الشفاء بقذائف صاروخية من راجمة، قتل في الهجوم بعض العناصر من المقاتلين، كذلك مستخدمتان تعملان في المشفى واثنان من العاملين في منظمة شفق، وفني تخدير، إضافة لمدنيين آخرين بينهم نساء وأطفال. وفي شهادته الصوتية للأرشيف السوري قال أبو تيم الحلبي ناشط إعلامي يقيم في عفرين على بعد نحو ٥٠ متر من المشفى إن سبع إلى ثمان قذائف صاروخية سقطت في القصف الأول، وإنه عاين المكان، محدداً سقوطها بين منازل سكنية وأراض زراعية في شارع الفيلات، وإنه استطاع تصوير أحد المصابين في المكان. وبعد نحو ساعة، وعند وصوله إلى منزله سمع رمايات جديدة بأصوات انفجار عالية، كانت بالقرب من منزله، وحين توجهه إلى المكان شاهد العديد من المصابين الخارجين من المشفى، وقام بإسعافهم، وعند عودته من جديد وجد دماراً كبيراً في المشفى، يقول إنه رأى على الأقل جثثاً لستة أشخاص في المكان، الشرطة أيضاً كانت متواجدة، ولذلك شعر بالخوف من توثيق المشاهد التي رآها خوفاً من المساءلة.

يخبرنا أبو تيم أنه التقط صورة من بعيد للرجل بجانب زوجته التي قُتلت أثناء حملها من عناصر الدفاع المدني لنقلها من المكان، وإنه طلب من النقيب الموجود توثيق ما يجري فسمح له بذلك، كان الكادر الطبي منهاراً، وكان المشهد مأساوياً “شفت أشلاء وجثث.. ايدين ورجلين متفرقة.. جثث مقطعة”. وأضاف الإعلامي: “بعد دقائق قام أحد الأشخاص يتكلم اللغة التركية بمنعنا من التصوير، وتم إخلاء الإعلاميين الآخرين أيضاً.”

القتلى والمصابون

استطاع فريق الأرشيف السوري التأكد من 18 قتيلاً في القصف الذي استهدف منازل ومشفى الشفاء في عفرين 12 يونيو 2021، وهم:

أصيب أكثر من 43 شخصًا ، وفقًا لمقابلات ومعلومات مفتوحة المصدر تم جمعها من قبل الأرشيف السوري.

الدمار الناتج عن القصف

صورة متحركة من مقطع فيديو نشرته سامز على تويتر تظهر الدمار داخل غرفة الإسعاف والحواضن

يظهر مقطع فيديو نشرته سامز على حسابها في تويتر الدمار الذي طال المشفى وخروجه عن الخدمة، غرفة الإسعاف والحواضن، تحطم الجدران في ممر يؤدي إلى العيادة النسائية والمخبر وغرفة الأشعة، كذلك قسم العيادات الخارجية.

لقطات من فيديو نشرته سامز تظهر الدمار في قسم العيادات الخارجية جراء القصف على مشفى الشفاء في عفرين

تفاصيل الدمار نقلها مقطع فيديو لوكالة الأناضول، يظهر أثر الدمار الواسع الذي خلفه القصف على المشفى، تهدم أجزاء من السقف، تضرر في البنية التحتية للمكان، نقّالات الإسعاف، كرسي متحرك، أجهزة طبية محطمة ويعلوها الغبار والأنقاض المنتشرة في المكان جراء سقوط مساحات من السقف والجدران، دمار كامل في قسم العمليات، التوليد، العيادات. كما نقل مقطع فيديو نشره أنس معراوي على حسابه في تويتر الدمار في المخبر، فيما نقلت مديرية صحة إدلب صوراً للدمار الحاصل في المشفى. كذلك وثق الدفاع المدني، وقناة الجزيرة، وتلفزيون سوريا، وتلفزيون حلب اليوم، وقاسيون، وموقع SY، بعد يوم من القصف على المشفى الأضرار الجسيمة التي طالت المكان. وأخرجته عن الخدمة. كما تضررت منازل مدنيين جراء القصف، ومنها منزلي فني التخدير أمين قوشو الذي قتل في الهجوم وعزت أبو كمال، بالقرب من المشفى.

صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين
صور  متداولة لآثار القصف على مشفى الشفاء في عفرين

إدانات دولية وادّعاءات

أدانت منظمة “سامز” الهجوم على المشفى واعتبرت استهداف المشافي “جريمة تعطل العمل الإنساني”، كذلك أصدرت منظمة شفق، وفريق منسقو الاستجابة ، والدفاع المدني، والخارجية الأمريكية بيانات أدانت فيها الهجوم على مشفى الشفاء، ودعا فريق منسقو الاستجابة أعضاء المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالوقوف أمام مسؤولياتهم والتزاماتهم بتوفير الحماية للمدنيين والمنشآت والبنى التحتية، والتدخل الفوري والعاجل لوقف مسلسل الجرائم التي يتعرض لها المدنيون.

اتهمت مجموعات دولية وأطراف النزاع ومنظمات غير حكومية ثلاثة أطراف رئيسية في النزاع بمهاجمة مشفى الشفاء:

الادّعاء الأول: قوات سوريا الديمقراطية

بعد أن سقطت الصواريخ على مشفى الشفاء، ادّعى عدد من أطراف النزاع السوري أن قوات سوريا الديمقراطية – وهي تحالف من الأكراد (معظمهم من مقاتلي وحدات حماية الشعب) وميليشيات عربية في شمال سوريا – هي المسؤولة عن الهجوم. حمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوات سوريا الديمقراطية، حزب الـ بي كا كا المسؤولية عن الهجوم، في مؤتمر صحفي متوعداً بمحاسبتهم، كذلك نقل موقع (تي ار تي عربي) عن ولاية هاتاي التركية، في بيان لها اتهام “مسلحي بي كا كا ويي بي جي” بإطلاق صواريخ من نوع غراد انطلقت من منطقة بالقرب من مدينة تلرفعت التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية أصابت مشفى الشفاء في مدينة عفرين.

من جانبها حملت الحكومة السورية المؤقتة ووزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية “بي كا كا ويي بي جي” المسؤولية عن القصف الذي طال مدينة عفرين ومشفى الشفاء فيها.

كما تداولت وسائل إعلام محلية وتركية أخباراً حول القصف، محملة المسؤولية لقوات سوريا الديمقراطية عن القصف.

مع تمركز الحكومة السورية المؤقتة في تركيا والهجمات التي نفذتها تركيا في الفترة الأخيرة ضد قوات سوريا الديمقراطية وميليشيات وحدات حماية الشعب في الشمال السوري؛ فإن الأطراف المذكورة أعلاه لديها مصلحة كبيرة في إلقاء اللوم على قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية في الهجوم على مشفى الشفاء. نفت قوات سوريا الديمقراطية الاتهامات الموجهة إليهم. بدورها؛ نفت قوات سوريا الديمقراطية الاتهامات التي طالتها ومسؤوليتها عن القصف، على لسان فرهاد الشامي (مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية)، والذي نفى وجود قوات لهم في تلك المناطق. كذلك أكدت صفحة قوات سوريا الديمقراطية في فيس بوك نفيها لوجود قوات تابعة لها في المنطقة، واستهدافها للمشفى، داعية، على حد قولها، وسائل الإعلام تحري الدقة والصدق في نقل الأخبار.

لم يتمكن الأرشيف السوري من العثور على معلومات متاحة بشكل علني تدعم الادعاءات المقدمة بشأن مواقع مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية والاتهامات بأنهم استهدفوا مشفى الشفاء في 12 يونيو. في محاولة لفهم الاتهامات ضد قوات سوريا الديمقراطية بشكل أفضل، تحدث الأرشيف السوري إلى مسؤولين عسكريين من الجيش الوطني السوري. لم يتمكن الأرشيف السوري من التحقق بشكل كامل من ادعاءات يوسف الحمود والنقيب أمين، وهما مسؤولان من الجيش الوطني السوري قابلهما فريق التحقيق.

تواصل الأرشيف السوري مع يوسف حمود، الناطق العسكري باسم الجيش الوطني – وهو جيش مدعوم من قبل الحكومة التركية- والذي قال عبر تسجيل صوتي إنهم استطاعوا تحديد مكان إطلاق الصواريخ وعددها 14 صاروخاً من نوع “غراد”. وفقًا للحمود، فقد تم إطلاق ستة صواريخ في الرشقة الأولى نحو الساعة 18:00، وثمان صواريخ في الرشقة الثانية نحو الساعة 19:00. بحسب الحمود أُطلقت هذه الصواريخ من منطقة أحراش شمال جلبل، ومن منطقة باصوفان، كلتا المنطقتان تخضعان لقوات سوريا الديمقراطية.

وقال النقيب أمين، مسؤول رصد الطيران والمدفعية في الجيش الوطني بعفرين، في تسجيل صوتي مع الأرشيف السوري إن قذائف صاروخية من راجمة وقذائف من مدفع 130 أطلقت من قبل حزب “حزب بي كا كا” على عفرين ومشفى الشفاء في المدينة. وأضاف أنه كان قد حذّر من استهداف مشفى الشفاء في عفرين مرتين، بعد أن رصد عن طريق أجهزة التنصت مقاتلين من “بي كا كا” يتحضرون لاستهداف المشفى براجمة صواريخ قبل ربع ساعة من الاستهداف. حدد النقيب أمين مكان الراجمة بالقرب من منطقة العلقمية غرب مطار منغ، وأنه وبعد الرشقة الأولى التي سقطت صواريخها بالقرب من المشفى، رصد حديثاً حول تصحيح الإحداثيات، لتبدأ الرشقة الثانية وتصيب المشفى. وأضاف النقيب أمين إن الضربة الأولى كانت في الساعة18:10، وإنه حذر في الساعة 18:23 دقيقة من استهداف المشفى في الرشقة الثانية بناء على ما رصده، وأن القصف الأول كان من منطقة كشتعار فيما حدد مكان القصف الثاني من منطقة العلقمية، وهما منطقتان تقعان تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

زودنا النقيب أمين، بصورة لمحادثة عبر واتس آب، في مجموعة يطلق عليها اسم “شبكة أخبار المعرك تحرير” تظهر التحذير الذي كتبه حول استهداف المشفى، في تمام الساعة 18:23، إضافة لإحداثيات النقاط التي انطلق منها القصف، وصورة توضيحية تظهر المسافة بين مكان الإطلاق والمشفى بمسافة تصل إلى 12.8 كم. كما قدم النقيب أمين صورة توضح المواقع المزعومة وأماكن تواجد “بي كا كا” وتجمعاته.

مجدّدًا، لم يتمكن الأرشيف السوري من العثور على معلومات تؤكد أو تدعم ادعاءات الحمود والنقيب أمين.

الادعاء الثاني: الحكومة السورية

لمسؤوليتها السابقة عن العديد من الهجمات على المنشآت الطبية سابقا، والتي تم توثيقها في قاعدة بيانات الأرشيف السوري استهداف الصحة، حملت عدة جهات الحكومة السورية المسؤولية عن الهجوم، وتحدث تقرير نشرته قناة روناهي نقلاً عن مواقع إعلامية أن قذائف مصدرها بلدتي نبل والزهراء؛ الخاضعتان لسيطرة النظام السوري، سقطت على مشفى وتجمع سكني في مدينة عفرين.

كذلك ألقى المرصد السوري لحقوق الإنسان بمسؤولية القصف على الحكومة السورية، وقال إن قذائف، ادّعى أنها كراسنوبول، قد انطلقت من مواقع في الزيارة وإبين الخاضعتين لسيطرة الحكومة السورية.

لم يتمكن الأرشيف السوري من دحض أو تأكيد الادعاءات التي تفيد باستخدام صواريخ كراسنوبول في الهجوم. على الرغم من أنه، كما سيُذكر تاليًا في التحقيق، عُثر على بقايا قذائف BM-21 من عيار 122 ملم في عفرين بالقرب من مواقع القصف على المدينة.

الادعاء الثالث: القوات التركية

أخيرًا ، اتهمت جماعات الحكومة التركية بقصف مشفى الشفاء في عفرين. حيث نُشر تسجيل صوتي للنقيب أمين على وسائل تواصل اجتماعي يحذر فيه من استهداف المشفى، بناء على معلومات “تركية”، بحسب التسجيل، إلا أن الأرشيف السوري لم يتمكن من التحقق من توقيت تسجيل المقطع الصوتي. وادّعت وسائل إعلام مؤيدة لقوات سوريا الديمقراطية أن التسجيل جاء قبل ربع ساعة من القصف، ما يدل على علم الأتراك بالقصف، واحتمالية مسؤوليتهم عنه. كما زعمت مصادر أن روسيا أبلغت تركيا بهجوم وشيك على المدينة في وقت سابق لتنفيذها القصف.

كما تحدث المرصد الكردي لحقوق الإنسان عن التسجيل الصوتي نفسه. وذكر المرصد أن القوات التركية تلقت معلومات عن القصف قبل وقوعه وأخلت مقارها العسكرية بالقرب من المشفى. كما ألقت صفحات مؤيدة لقوات سوريا الديمقراطية على فيسبوك باللوم على الحكومة التركية، متهمة إياها باستهداف المنشأة من مقاطعة كيليس التركية.

وجد الأرشيف السوري أن موقع الإطلاق المزعوم من ولاية كيليس التركية يقع خارج نطاق صاروخ BM-21 122 ملم المستخدم في الهجوم. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنه بسبب الصراع التركي الكردي، فإن وسائل الإعلام والمجموعات المؤيدة لقوات سوريا الديمقراطية لها مصلحة كبيرة في إلقاء اللوم على الحكومة التركية في الهجوم.

الجناة المزعومون

يُدرج الجدول التالي الجناة المزعومين، وفقًا لجهة الادّعاء، والمناطق التي زُعم إطلاق الصواريخ منها، والجهات التي تسيطر عليها، إضافة إلى بعدها عن مشفى الشفاء في عفرين:

جهة الادّعاء مكان الإطلاق المزعوم تحت سيطرة البعد عن موقع التأثير (كم)
ولاية هاتاي التركية منطقة بالقرب من مدينة تلرفعت قوات سوريا الديمقراطية 21,59
يوسف حمود/ الجيش الوطني أحراش شمال جلبل قوات سوريا الديمقراطية 10.29
يوسف حمود/ الجيش الوطني منطقة باصوفان قوات سوريا الديمقراطية 18.96
النقيب أمين /الجيش الوطني القصف الأول: كشتعار قوات سوريا الديمقراطية 14.38
النقيب أمين القصف الثاني: العلقمية غرب مطار منغ قوات سوريا الديمقراطية 15.05
فرهاد الشامي مدير المركز الاعلامي لقوات سوريا الديمقراطية نبل النظام السوري 19.18
فرهاد الشامي مدير المركز الاعلامي لقوات سوريا الديمقراطية الزهراء النظام السوري 21.50
المرصد الكردي لحقوق الانسان الزيارة النظام السوري 16.44
المرصد الكردي لحقوق الانسان إبين النظام السوري 13.16
مصادر إعلامية كردية كيليس تركيا 32.40

حلّل الأرشيف السوري صور الأقمار الصناعية وبحث في المصادر المفتوحة في محاولة للتحقق من الادعاءات حول الجناة المحتملين للهجوم. نحن غير قادرين على تحديد الطرف المسؤول عن الهجوم من بين الجهات الثلاثة المزعومة. رغم ذلك، فإن تحديد الذخيرة المستخدمة وتحليل اتجاه الإطلاق قد يضيّق نطاق الجناة المحتملين.

نوع السلاح المستخدم في الهجوم على المشفى

يساعد تحديد نوع الذخيرة التي يُزعم استخدامها في الهجوم في تحليل المزاعم المرتبطة بمرتكب الضربات في عفرين. إن كلًا من محادثات واتساب التي رصدها الأرشيف السوري وكذلك منصات التواصل الاجتماعي تضمّنت صورًا تظهر صواريخ يُزعم أنها استخدمت في الهجمات على البلدة. تم التحقق من صورة واحدة فحسب على أنها التُقطت في عفرين في حدود التوقيت المقدر للهجوم. تتطابق زعانف الصاروخ ذات النابض مع صور أخرى تُظهر صاروخ BM-21 عيار 122 ملم كما هو موضح في الصورة أدناه. بالنظر إلى أن صورتين فقط تظهران بقايا ذخيرة من الهجوم في عفرين، لا يمكن للأرشيف السوري التحقق من أن صواريخ BM-21 عيار 122 ملم هي الصواريخ الوحيدة التي استُخدمت في قصف المدينة. كما لا يستطيع الأرشيف السوري التحقق من أن صواريخ BM-21 عيار 122 ملم فقط هي ما أصاب مشفى الشفاء

صور نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر بقايا صاروخ يزعم أنه قد استخدم في الهجوم على عفرين. لم يتمكن الأرشيف السوري من التحقق من موقع الصورة الأولى، إلا أنه تمكن من تحديد الموقع الجغرافي لالتقاط الصورة الثانية غربي عفرين.

مقارنة بين بقايا صاروخ BM-21 من عيار 122 مم. في الأعلى صورة للذخيرة التي ضربت عفرين في 12 يونيو. يمينًا صورة نُشرت من قبل سامز لصاروخ BM-21 عيار 122 مم ضرب إحدى منشآتها في الغوطة الشرقية عام 2017.

يُستخدم صاروخ BM-21 في جميع أنحاء سوريا من قبل الأطراف الرئيسية في النزاع. تظهر مقاطع الفيديو والصور والتقارير على الإنترنت استخدام صواريخ BM-21 من قبل كل من القوات الحكومية السورية و قوات سوريا الديمقراطية ، و القوات التركية و الجيش السوري الوطني أثناء عام 2016 وبعده. إن الاستخدام الواسع لصواريخ BM-21 يصعّب تحديد الجاني بثقة. رغم ذلك، فإن الإمكانيات المحدودة لصواريخ BM-21 عيار 122 مم ، وتحديداً مداها، تستبعد بعض الادعاءات الواردة في شهادات وبيانات جمعها الأرشيف السوري.

زعمت صفحات كردية على الإنترنت أن الحكومة التركية هي المسؤولة عن الهجوم بعد أن أطلقت صواريخها من مقاطعة كيليس بجنوب تركيا. رغم ذلك، فإن المشفى والحقول التي أصيبت بوابل من الصواريخ التي أطلقت باتجاه عفرين تقع خارج المدى المتوسط لصاروخ BM-21 عيار 122 ملم. إذ أن أقصى مدى لصاروخ BM-21 هو 20.127 كم. إلا أن المواقع التي ذكرها النقيب أمين من الجيش الوطني السوري في عفرين تقع جميعها ضمن مدى BM-21. يشمل ذلك منطقة العلقمية (غرب مطار منغ) ومنطقة كشتعار. إضافة إلى ذلك؛ ادعى المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن قوات الحكومة السورية أطلقت الصاروخ من زيارة وإبين، وهي مناطق تقع ضمن مدى الصاروخ. كما أن بلدة نُبّل التي زُعم أيضًا أنها نقاط إطلاق الحكومة السورية للصواريخ، تقع ضمن المدى المقدر للصاروخ. إلا أن بلدة الزهراء، التي يُزعم أنها إحدى نقاط إطلاق الصواريخ المحتملة من قبل الحكومة السورية، تقع خارج النطاق المقدر للصاروخ.

تشير الدائرة الحمراء على صورة الاقمار الصناعية من Google Earth إلى مدى صاروخ BM-21 عيار 122 مم. نقاط العلام الصفراء هي مواقع الإطلاق التي ذُكرت ضمن الشهادات والمعلومات المتاحة عبر الإنترنت التي جمعها الأرشيف السوري.

جهة سقوط القذائف على المشفى

قام الأرشيف السوري بداية برسم خريطة توضيحية لمدى قذائف BM-21 عيار 122 مم، في دائرة نصف قطرها 20 كم ومركزها مشفى الشفاء في عفرين، وتحديد القوى العسكرية المتواجدة في هذا النطاق.

تظهر الخريطة وجود مناطق خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية، إضافة لقوات النظام في بلدتي نبل والزهراء وإبين والزيارة، ويستثنى وصول هذه القذائف من ولاية كيليس التركية باعتبارها خارج مدى قذائف BM-21.

خريطة السيطرة على المناطق المحيطة بعفرين، يشير اللون الأخضر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة و/أو الحكومة التركية و قوات تابعة لها. يشير اللون الأحمر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية. يشير اللون الأصفر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. مصدر البيانات Syria Live UA Map.

وفقًا للشهود الذين قابلهم الأرشيف السوري، وللمعلومات المتاحة للعموم عبر الإنترنت؛ قُصف مشفى الشفاء بقذيفتي BM-21، اخترقت إحداهما الجدار الشرقي لقسم العيادات، فيما سقطت الثانية في ممر ضيق بين قسم النسائية وقسم الإسعاف . يشير سقوط الصاروخ في الممر الشرقي-الغربيّ إلى أن الصواريخ يمكن أن تكون قد أُطلقت إما من الشرق أو من الغرب، نظرًا إلى أن عرض الممر حوالي 3 أمتار ويتجه نحو الشرق والغرب، لذا، فإنه من غير المرجح أن يكون موضع سقوط لقذيفة تم إطلاقها من شمال أو جنوب عفرين.

صورة أقمار صناعية من ديجيتال غلوب توضح توزع الأقسام في مشفى الشفاء، قسم العيادات بالأحمر، قسم النسائية بالأخضر، قسم الإسعاف بالأصفر، المختبر بالأصفر، كما تظهر علامة x مكان سقوط القذائف وفقًا للمصادر المفتوحة ولصور حصل عليها فريق التحقيقات من مصادره على الأرض.

تظهر الصور ومقاطع الفيديو التي حصل عليها الأرشيف السوري مكان اختراق القذيفة الثانية للجدار الشرقي لقسم العيادات بالمشفى. تظهر الصور الجوية التي نشرتها وكالة فرات الإعلامية فتحة القذيفة هذه والأضرار التي لحقت بالأجزاء الشرقية والجنوبية من المنشأة بما في ذلك قسم العيادات والجانب الجنوبي من السقف القرميدي.

لتضييق نطاق الجناة المحتملين، حاول الأرشيف السوري تحديد جهة إطلاق القذائف على المشفى، بالاعتماد على صور تظهر مكان اختراق القذائف، وأوضحها صور جدار قسم العيادات في مشفى الشفاء في عفرين والذي ظهر في معظم المصادر المفتوحة. لمزيد من التحقق، حصل الأرشيف السوري على صور ومقاطع فيديو تظهر مكان اختراق القذيفة لقسم العيادات في مشفى الشفاء، حيث يمكن التأكد من جهة الحائط الشرقية. وهو ما يتوافق مع تحليل الصور الملتقطة داخل المشفى للدمار الناجم عن الهجوم والمنشورة عبر الإنترنت.

يمكن رؤية فجوة اختراق القذيفة لقسم العيادات بوضوح، فيما تعذرت رؤية الفجوة الناجمة عن القذيفة الأولى التي سقطت على الممر.

لقطة من مقطع فيديو نشرته شبكة شام تظهر مكان اختراق القذائف لجدار قسم العيادات من جهة الشرق

تحديد موقع سقوط القذيفتين على المشفى، حيث سقطت القذيفة الأولى في الممر بين قسمي الإسعاف والنسائية، أما الثانية فاخترقت الجدار الشرقي في قسم العيادات

تشير الأضرار الناجمة عن الصواريخ التي أصابت الجدار الشرقي لقسم العيادات والممر الشرقي-الغربي بين قسمي الإسعاف والنسائية إلى أن الصواريخ أُطلقت على الأرجح من الشرق.

لقطات من فيديو نشرته وكالة فرات الإعلامية ويظهر الدمار الناجم عن القذيفتين الأولى والثانية

إن فجوات اختراق القذائف والأضرار التي لحقت بجوانب شرقية من المشفى ينفيان أن تكون المنشأة قد قُصفت من جهتي الغرب أو الشمال، ويشير إلى أن الإطلاق يُرجّح أن يكون قد تم من المنطقة الواقعة في حدود 20 كم ما بين شرقي وجنوبي عفرين. من خلال خريطة السيطرة يمكن ملاحظة تواجد قوات سوريا الديمقراطية شرق عفرين، وقوات الحكومة السورية جنوبها، وبالتالي يمكن أن يكون الإطلاق قد تم من قبل قوات سوريا الديمقراطية من مواقع في المناطق الخاضعة لها، أو من قبل قوات الحكومة السورية من مواقع في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

زاوية الإطلاق المحتملة على مشفى الشفاء في عفرين ضمن مدى قذائف BM-21 عيار 122 مم، تُظهر الصورة الثانية مواقع الإطلاق المحتملة وفقًا لخريطة السيطرة في سوريا يوم الهجوم، يشير اللون الأخضر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة و/أو الحكومة التركية والقوات التابعة لها. يشير اللون الأحمر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية. يشير اللون الأصفر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية

خاتمة

من خلال المعلومات المفصّلة أعلاه؛ استطاع الأرشيف السوري التأكيد على أن قصفًا صاروخيًا استهدف مشفى الشفاء في عفرين حوالي الساعة 19:00 مساء 12 يونيو 2021، بعد نحو ساعة من استهداف المدينة برشقة أولى من الصواريخ. تسبّبت القذائف الصاروخية في مقتل 19 شخصًا بينهم أطفال، وإصابة أزيد من 43 آخرين، إضافة إلى دمار واسع في المشفى وإخراجه عن الخدمة حاليًا. بالنظر إلى محدودية التحقيقات فإن الأرشيف السوري غير قادر على تحديد الجهة المسؤولة عن هذه الضربة بشكل قاطع؛ رغم أن المعلومات مفتوحة المصدر والمواد والشهادات التي حصل عليها الأرشيف السوري تشير إلى قوات سوريا الديمقراطية أو إلى قوات الحكومة السورية كمسؤول محتمل عن هذه الحادثة.

المصل المضاد للدغات العقارب والأفاعي.. ندرة العلاج المجاني وأسعار باهظة في المشافي الخاصة

حسن كنهر الحسين

خاطرت أم محمد، وهي سيدة تقيم في قرية حرزة التابعة لناحية الدانا شمالي إدلب، بنقل ابنها الذي تعرض للدغة عقرب إلى مشفى أطمة، متجاهلة بعد المسافة بينها وبين المشفى، بهدف […]

خاطرت أم محمد، وهي سيدة تقيم في قرية حرزة التابعة لناحية الدانا شمالي إدلب، بنقل ابنها الذي تعرض للدغة عقرب إلى مشفى أطمة، متجاهلة بعد المسافة بينها وبين المشفى، بهدف الحصول على المصل المضاد لسمّ العقارب والأفاعي مجاناً.

تقول أم محمد إنها أُجبرت على المجازفة بنقل طفلها مسافة بعيدة للحصول على العلاج المجاني، لتعذر وجود المصل في المشافي المجانية القريبة من مكان سكنها، وارتفاع ثمنه في المشافي الخاصة، إذ طلب منها مبلغ مئتي ليرة تركية ثمناً للمصل إضافة لدفع كلفة الإقامة في العناية.

تفتقر غالبية المشافي العامة لهذا النوع من المضادات، ويتوفر بكميات قليلة في بعضها مثل مشفى أطمة، ويتوافر بكثرة في المشافي الخاصة وبأسعار مرتفعة لا يقوى على تحملها كثر من سكان المنطقة، ما يجبرهم على المخاطرة بحياة المصابين في رحلات طويلة بين المشافي المجانية للبحث عن المصل المضاد.

يقول عماد زهران رئيس شعبة الإعلام في مديرية الصحة “إن ندرة المصل أو غيابه عن المشافي العامة جاء نتيجة ارتفاع  ثمنه وتكاليف إنتاجه العالية، وتعمل مديرية الصحة على التواصل مع داعمين لتوفير المصل مجاناً”.

يتراوح سعر الحقنة الواحدة المضادة لسم الأفاعي والعقارب من نوع ” Anti-venom” في المشافي الخاصة، بين مئة وخمسين إلى مئتي ليرة تركية، ويقدم بشكل مجاني في بعض المشافي التي حصلت عليه عن طريق المنظمات الإنسانية.

يطلب غالبية المرضى الذين تعرضوا للدغات العقارب والأفاعي والمراجعين للنقطة الطبية في باريشا نقلهم إلى المشافي العامة رغم تدهور حالتهم الصحية للتخلص من تكاليف العلاج في المشافي الخاصة، بحسب أيمن السيد (سائق سيارة إسعاف في أحد النقاط الطبية في بلدة باريشا).

ويقول السيد “نعمل بشكل روتيني على إسعاف المصابين إلى أحد المشافي الخاصة في مدينة الدانا التي تبعد نحو ثلاثة عشر كيلو متراً عن البلدة، والتي تتوفر فيها مصول مأجورة، إلا أن ذوي المريض يطلبون من السائق متابعة الطريق إلى مشفى أطمة المجاني الذي يبعد نحو ثلاثين كيلو متراً، رغم الحالة الحرجة للمرضى”.

يتم تحديد درجة السمية التي تعرض لها المريض بعد مراقبة جملة من الأعراض، مثل الألم الشديد في المنطقة المُصابة مع تورّم واحمرار، وزيادة في نشاط الغدد اللعابية، والتعرّق وصعوبة في التنفّس وارتفاع درجة حرارة موضع الإصابة، والتقيّؤ والإسهال وارتفاع ضغط الدم وتسرع ضربات القلب وعدم انتظام نبضاته إضافة لتحرك العين والرأس والرّقبة بطريقة غير طبيعية وانقباض وارتعاش العضلات والبكاء اللا إراديّ.

اتخذت بعض إدارات المشافي الخاصة خطوات استباقية قبيل اللجوء لإعطاء المصل للمريض بهدف تجنيبه دفع قيمة المصل المرتفعة، عبر اللجوء إلى الأدوية المُسكّنة لتخفيف الألم وعلاج التشنّج العضليّ، وكذلك الحقن الطبيّة الوريدية التي تعالج ارتفاع ضغط الدم، ووضع المريض تحت المراقبة لمدة ثلاث ساعات، يراقب خلالها ضغط الدم إضافة للوضع الصحي للمريض للاطمئنان عليه قبل خروجه من المستشفى.

تستخدم تلك الخطوات مع الشبان أو الأشخاص اللذين يتمتعون ببنية جسدية جيدة، أما فيما يخص الأطفال وكبار السن فيتم إعطاؤهم المصل المضاد على الفور، بحسب الممرض عمر عساكر.

يقول عساكر إن “إعطاء المصل بشكل فوري للأطفال وكبار السن يرجع لعدم وجود مناعة كافية لديهم تمكننا من مراقبة وضعهم لساعات وحمايتهم من تدهور الأعراض، كما أن إعطاء مُضادّات السمّ تكون فعاليتها أفضل عند تقديمها بشكل مُباشر قبل ظهور الأعراض على المريض، ولذا فإن استعمالها الأساسيّ بالنسبة لتلك الشريحة يكونُ وقائيّاً”.

يتفاقم خطر الإصابة بلدغات الأقارب والأفاعي في مناطق المخيمات نتيجة توفر البيئة لوجودها وفقدان وسائل الحماية، ويعمل بعض الأهالي على مكافحتها والحد من انتشارها عبر استعمال المبيدات الحشرية والتي شكلت كلفة إضافية للسكان.

يقول الطبيب البيطري عماد الخطيب، إن أنجع طرق الوقاية تكمن في استخدام المبيدات الحشرية فيما يخص العقارب، وأهما مادة الـ “سيفين”، والتي تخلط مع “بودرة” بواقع ثلاث غرامات لكل مئة غرام، وترش حول الخيمة، ويصف الخطيب هذه المادة بـ “الآمنة”، وهي تقتل مختلف الحشرات إضافة للعقارب.

وينصح باستخدام مادة القطران حول الخيمة، ووضعها في عبوات صغيرة على كل طرف فيها، وتحتاج كل خيمة إلى نحو خمسين سنتيمتراً من القطران، توزع في أرجاء المكان فتمنع اقتراب العقارب والأفاعي، لما يصدره القطران من رائحة منفرة لهذه الآفات، وهو حل “جيد”، بحسب وصفه، خاصة وأن القطران لا يتلف ولا يتعرض للتبخر بحرارة الشمس. ويبلغ سعر الكيلو غرام من القطران نحو ثلاث دولارات ونصف الدولار، ويكفي لأربعة خيام على أقل تقدير.

صدمة العيد ترجع السوريين إلى الحياة.. مؤقتاً

تموز نجم الدين

مع صلاة عصر يوم عرفة والإعلان عن الحضور الصيفي لعيد الأضحى، تدلّت تكبيرات العيد من مآذن حلب حاملة معها ما يتوغل في النفوس من سكينة، رائحة الخراف، حزن اليتامى، أمل […]

مع صلاة عصر يوم عرفة والإعلان عن الحضور الصيفي لعيد الأضحى، تدلّت تكبيرات العيد من مآذن حلب حاملة معها ما يتوغل في النفوس من سكينة، رائحة الخراف، حزن اليتامى، أمل المتعبين ببطون ممتلئة يزورها اللحم مرة كل عام، بعد أن بنت العناكب بيوتها على أبواب “القصابين” وبطون السكان الخاوية.

أصوات الباعة والأضواء الملونة والبضائع المكدسة لخصت ليل وقفة العيد في حلب، صوتهم، أي الباعة، يتواتر في الارتفاع مع مرور المشاهدين لا الزبائن، محاولين جذب انتباه الصغار للضغط على أهاليهم، لا يمكن أن تجبر “جيباً فارغاً” على المتعة، لسان حال من تحدثت معهم لأشاركهم ما يدور في ذهني، اكتفينا بعدها بالصمت.

باب الفرج أكثر أماكن حلب ازدحاماً خلال أيام العيد
باب الفرج أكثر أماكن حلب ازدحاماً خلال أيام العيد

لم تحضر أغان العيد في ذاكرتي، واحدة منها فقط تشبثت بلساني، صوت أم كلثوم “الليلة عيد.. عالدنيا سعيد”، وبت أكررها لأؤكد فكرة وجود العيد المحتمل بعد أن تسلل الجدب إلى كل شيء، حتى إلى الأغاني!

هل يمكن أن يسقط العيد من السماء، مثل غيمة، وكيف يمكن أن نفسر هذا البرود تجاه كل شيء؟

تنتظر طفلتي العيد على الباب منذ أخبرتها مجازاً “إجا العيد”، فتحت النافذة والأبواب مرات عديدة لتؤكد أن لا أحد مرّ من هنا وطرق أبوابنا، أمام حيرتها أخبرتها أنه يدخل عبر القلوب لا الأبواب.

لم يحضر العيد بشكله الجسدي كما يفعل (بابا نويل)، ولا بروحه كما كان يدخل الأرواح فيما مضى عبر لمة الأهل والأحباب، والأصحاب، والثياب الجديدة، والأطعمة المتنوعة، وعبر زيارة المقابر بعد صلاة العيد، ومن خلال الأراجيح وألعاب الأطفال.

في ليلة العيد هذه، عرفت للمرة الأولى أن أم كلثوم ماتت بحق!

الأعياد ليست للموتى

لا يستطيع الموتى زيارة بعضهم البعض، ولا زيارة الأحياء إلا عبر رؤى بيضاء، أو صورة خليوية، أو قرص مدمج يدور في الذاكرة البعيدة.

زيارات الأحياء بدأت في الآونة الأخيرة تأخذ طابع الموتى، تبدو المسافات بعيدة بين الأحياء المحيطين بنا والقريبين منا مكانياً، أكثر من الأموات الذي يمضون موتهم الدنيوي متلاصقين، ملتزمين بأماكنهم المخصصة، يناقشون الوقت البطيء، وموعداً سوف يأتي لا محالة، من أجل الانتقال إلى مثوى الروح الأخير بكل ذراتهم، وأعمالهم الدنيوية.

قطيعة فرضتها الحياة، والظروف، وصعوبة الموت، في بلد نصب فيه ملك الموت خيامه عند المفارق والدروب والقرارات الحكومية المحنطة.

في المقابر كانت الأشباح الحية تبحث عن الأشباح الميتة التي ترسل صورها وذكراها عبر الثرى.

في حالة فائقة من الضياع والاغتراب، تبحث عن موطئ قدم تحت الأرض، بعد أن ترك أهل الأرض أبناء جلدتهم يهيمون على غير هدى في اتجاهات الدنيا كافة، هرباً نحو الحياة ببعض الكرامة.

الأموات بخير، فلا حاجة لسؤالهم عن الأحوال والعمل، يكفيهم دعاء بظهر الغيب، أو فسيلة خضراء تخفف عنهم قيظ الانتظار. لكن الأحياء يمارسون الموت التراكمي بشكل شبه يومي، على الأفران، والمؤسسات التموينية، وصرافة النقود المعطلة، والمشافي التي تعج بالإهمال، ومكاتب الموظفين المتسيبين، حتى يتم الموت عدته ودقائقه وتبدأ عملية الانتقال الرحيمة إلى الحياة الأخرى بكرامة تحت الأرض.

مدن بلا أطفال

تحيا المدن بالأطفال، بضحكاتهم، بشغبهم المتواصل في البيوت والشوارع، هم يجيدون الحياة، ويعرفون جيداً كيف ينعشون المدن بحضورهم الكثيف، وكيف يخلعون الضحكات على شفتيها.

الشوارع خالية إلا من بضعة أولاد يلهون بمسدسات بلاستيكية تطلق الماء، أو الكرات البلاستيكية الصغيرة، كي يفتحوا الأبواب للأدرينالين في أجسادهم البضة، ولكي يشعلوا الشجار والأصوات في مداخل الأبنية.

لم يعد الأطفال يحبون مدن الألعاب واللهو، فلم يعد فيها ما يغريهم ويحفزهم على الهروب إليها، من ملل البيوت والأبنية والشوارع، لقد غيرت الحرب أمزجتهم ورغباتهم، وشيفراتهم الوراثية، وحولتهم لكائنات عنيفة، تصارع الحياة. مثل آبائهم يقفون في الطوابير الكثيرة في زمن لم يعد فيه للطفولة مكان.

كوكب الخرفان

مع الصعود العمودي لأسعار الخراف، والذي تجاوز سعر الكائن البشري بأضعاف كثيرة، أصبحت التضحية بأحد الأولاد من خلال وحي منزل، أو رؤيا إلهية، أو موت متربص، حالة تسيطر على الكثير من السوريين من خلال رمي الأطفال في سوق العمل، ووأد البنات قبل نضجهن في حضن الأزواج ذوي الشعر الأبيض، يضاف إليها الكثير من نكهات الذل والهوان المصنع بأيد وطنية جداً.

شاهدت بالأمس خروفاً يلهو مع أقرانه، في الصيوان المعد لتسمينهم قبل ذبحهم، مثل أي طفل في مدينتي يجهل ما يخبئ له الزمن القادم.

 

 

الحجّ إلى جبل الزاوية أو بعيداً عنه

مصطفى أبو شمس

لم تقوَ الطفلة الجريحة في جبل الزاوية على الحياة. أرادت أن تكون رفقة أخواتها الثلاث في رحلة السماء. قبيل يوم من “أضحيات” العيد التي افتدت يوماً نبياً وسارت قرباناً سنوياً. […]

لم تقوَ الطفلة الجريحة في جبل الزاوية على الحياة. أرادت أن تكون رفقة أخواتها الثلاث في رحلة السماء. قبيل يوم من “أضحيات” العيد التي افتدت يوماً نبياً وسارت قرباناً سنوياً. في وعينا أنها ستحملنا يوماً إلى السماء، لكن الطريق إليها بات اليوم يسيراً، وبمختلف أنواع الأسلحة ودون تكبيرات.

بين عيدين، مئات الانتهاكات، عشرات القتلى، قصص ما تزال تقنعنا بأننا قادرين على الدهشة والاستغراب، هناك دائماَ ما يشعر أجسادنا بالبرد والقشعريرة.

عائلات تجاور بعضها في المقابر، عروس تودع زوجها ومهنئيها، إعلامي يوثق دمه، أم حائرة تبحث عن طفلاتها بين الأنقاض، وتتجاوز اسم الطفلة الأولى لتبحث عن ناجية بينهن، ناجية تعزز حقها في الأمومة والحياة والعيد، دون جدوى.

الطريق إلى جبل الزاوية، مسقط رأس عائلات كثيرة توزعت في المدن الرئيسية للتعلم والعمل، كان حجّاً في سنوات مضت، سيارات صغيرة وتكاسي أجرة وسوزكيات لأبناء القرى الفقيرة التي تخلو من فرصة عمل، يصلون قبل يوم ليعيشوا عيدهم بين أهلهم، يذبحون القرابين ويتبادلون زيارات قصيرة، يسهرون جماعات للعب الورق وتبادل الطرائف، يتعرفون على أطفال جدد لأقاربهم لم يتح الوقت لهم ليعرفوهم، ويجددون الالتصاق بالمكان والانتماء له.

جلابيات بيضاء، وصحون من كعك “الزرد” وحلويات العيد تتوزع بشكل صندوق مفتوح في البيوت الكبيرة مفتوحة الأبواب للقادمين، أصوات رجال خشنة، وشباب يسيرون ببطء خلف آبائهم وأعمامهم دون أن يحق لهم الجدال أو الكلام، سوى الإجابة عن أسئلة عابرة خاصة.

تتضاعف أعداد السكان في جبل الزاوية مع كل عيد. بحيرة يتساءل أشخاص عن نسب القادمين الجدد، يحاولون التشبيه عليهم، يعرفونهم من دمهم وطريقة مشيهم وكلامهم، يضحكون لكلمات تتفلت من صغارهم تقاوم اللهجة الأم لكل قرية، الآباء يخفون حرجهم بأيديهم ويمسكون قلبهم بأيديهم كلما أرادوا الكلام خشية الخروج عن النص.

تمرّ أيام العيد سريعة في جبل الزاوية، تنتهي الإجازات القصيرة قبل أن تبدأ طاحونة الحياة بقذف أبنائها إلى مدنهم وأعمالهم، يحاولون تمديدها لساعات قبل مغادرتهم، يتركون جزء من نفوسهم في المكان ويتركونه على مضض.

حياة قاسية عاشها أبناء الجبل، مواسم شحيحة في أراض جبلية تباع مواسمها بأبخس الأثمان، خدمات قليلة وطرق وعرة، غياب لمصانع أو معامل أو ورش، قسم منهم تشبث بالتعلّم للنجاة، آخرون نزحوا قبل أن يخلق هذا المفهوم في سنوات الثورة، باحثين عن لقمة العيش، أما القسم الأكبر فوجد في اللجوء إلى لبنان ضالته منذ سنوات طويلة، عملوا في القطاف والزراعة والبناء والحدادة، أملهم النجاة بأبنائهم إلى مصير مختلف.

مع بداية الثورة السورية احتمى أبناء جبل الزاوية بجبلهم، وجدوا فيه ما كان ينقصهم، صارت لإجازات طويلة غير محدودة، وبحثوا عن وسيلة للاستقرار في مكان لا يتسع لعمل الجميع، ولكنه يؤمن، على الأقل، حالة من الأمان المفقودة في مناطق أخرى.

حجّ جديد صادفه جبل الزاوية مع اشتداد القصف، مهجرون قسرياً من مختلف المدن السورية وجدوا في حجارة الجبل وأهله ما يركنون إليه لحمايتهم، وفي كل يوم كانت المجازر تزداد والجبل الآيل للسقوط يتهاوى، حتى قضمت بعض قراه في السنة الماضية.

يمثل جبل الزاوية عقدة الطريقين الدوليين، ويطل عليهما معاً، يدخل في تفاهمات السياسة ودهاليزها، ويستعصي على الخسارة، غالبية سكانه تركوه إلى الشريط الحدودي، ومع عودتهم الجزئية بعيد الهدنة التي أقرت في آذار 2020، كانوا على موعد مع موت آخر وسلاح جديد.

منذ شهرين يعيش من تبقى في جبل الزاوية حربهم وحيدين، بعيداً عن أولويات المؤسسات والمنظمات الإنسانية، بمدارس متفرقة وتعليم خجول، وبمراكز صحية متوقفة، والأهم من ذلك باستهدافات متكررة.

لم يقوَ العائدون إلى جبلهم على حياة الخيام، هناك حيث لا هواء الجبل متوافر ولا ماؤه، على أنقاض منازلهم تابعوا رحلتهم إلى البقاء، هذه المرة أيضاً، صرنا نعرفهم من دمائهم، ليست الدماء التي تحرّك الأنساب، بل المستباحة التي ملأت الطرقات، ومع عيد الأضحى حملوا حقائبهم ليغادروا المكان لا إلى جبلهم الذي ألفوه، لكن بعيداً عنه إلى مكان يحاولون فيه البقاء على قيد الحياة.

لا أضاحٍ ولا حجاج في جبل الزاوية اليوم، لا رسوم للكعبة والحرم على واجهات المنازل المهدمة، لا زيارات للمقابر ولا كعك “زرد” في المكان، الطريق إلى الحجّ بات مرسوماً بشكل آخر وأنت تنتظر قذيفة تحملك إلى السماء.

 

مراكز صحية بعيدة وأجور نقل مرتفعة في ريف حلب الشرقي

منصور حسين

تخلو مخيمات ريف حلب الشرقي من مراكز صحية متخصصة، وتتوزع المستشفيات العامة في المدن الكبرى بعيداً عن أماكن تواجدهم، ما حمّل قاطنو المخيمات أعباء مادية إضافية دفعتهم للتوقف عن العلاج […]

تخلو مخيمات ريف حلب الشرقي من مراكز صحية متخصصة، وتتوزع المستشفيات العامة في المدن الكبرى بعيداً عن أماكن تواجدهم، ما حمّل قاطنو المخيمات أعباء مادية إضافية دفعتهم للتوقف عن العلاج وزيارة الأطباء.

كما تغيب اختصاصات محددة عن مستشفيات مركزية في المنطقة، وتنقص في مراكز صحية المعدات والأجهزة الطبية والأدوية، في منطقة مكتظة بالسكان، إذ يقدر عددهم بنحو ثمانمائة ألف موزعين في المدن والبلدات الرئيسية “الباب، جرابلس، بزاعة، قباسين، الراعي والغندورة”، معظمهم من النازحين والمهجرين.

أجور التنقل أغلى من كشفية الطبيب

في مخيم الجبل، بريف مدينة جرابلس شرق حلب، اضطرت (منال) وهي مهجرة من مدينة حلب، إلى التوقف عن مراجعة طبيبها الخاص بمتابعة حالتها الصحية بعد حادثة إجهاض جنينها، رغم تحذيره من مضاعفات الحادثة التي تركها الإجهاض على صحتها.

وتوضح منال، وهي أم لخمسة أطفال، أن زوجها لم يعد قادراً على تحمل أعباء مراجعتها العيادة النسائية الموجودة في بلدة الغندورة بريف مدينة الباب، من أجور نقل وتكاليف الأدوية، ولذلك قررت الاكتفاء بمتابعة الطبيب لحالتها من خلال الهاتف.

وتقول أيضاً: بعد أيام عشتها مع الآلام الشديدة قام زوجي بنقلي إلى مستشفى مدينة جرابلس، وهناك أبلغوني بحملي جنيناً ميتاً، وطلبوا مني الذهاب إلى مركز مختص لإجراء الجلسات العلاجية اللازمة، بسبب افتقار المشفى للأجهزة والمعدات التي تستخدم في علاج هذا النوع من الحالات.

وتضيف: رغم مجانية الجلسات التي قدمت لي في مركز العيادات النسائية بهذا المشفى، إلا أن أجور المواصلات كانت كبيرة علينا كعائلة لاتملك مصدر دخل، حيث تصل إلى 150 ليرة تركية اسبوعياً.

وتحدث تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية عن الواقع الطبي في سوريا، كاشفاً عن مغادرة نحو 70 في المئة من العاملين في القطاع الصحي البلاد، وباتت النسبة في الشمال السوري، طبيب واحد لكل 10 آلاف مدني، حيث يضطر العاملون في هذا المجال إلى العمل لأكثر من 80 ساعة خلال الأسبوع لتغطية نقص الكوادر.

الواقع الطبي شرق حلب

يقتصر تواجد المشافي والمراكز الطبية المختصة في المدن الرئيسية “الباب، الغندورة وجرابلس”، واللافت في الواقع الطبي شرق حلب على غرار عموم مناطق الشمال السوري، تفاوت الخدامات الطبية بين منطقة وأخرى.

إذ تتواجد مراكز العيادات النسائية المختصة في بلدة الغندورة، بدعم من منظمة الأطباء المستقلين (IDA)، وتدعم منظمة “SRD” مشفى أخترين، إضافة إلى المراكز الصحية التابعة لمنظمة الأمين للمساندة الإنسانية التي تركز خدماتها على المقيمين في المخيمات النائية والقرى البعيدة عن مراكز المدن.

كما تركز المراكز الطبية النسائية في الدفاع المدني السوري على التواجد في المخيمات النائية، وتقديم خدماتها للمرضى من أصحاب الأمراض المزمنة، والمتابعة الصحية للنساء الحوامل، والأطفال وكبار السن.

في حين يتواجد مشفيان في مدينة الباب، وهما مشفى الحكمة (المشفى القديم) ويقدر عدد المراجعين إليه يومياً بما يقارب “800” مريض، إضافة إلى المشفى الجديد الذي افتتح عام 2018، ويقدم خدماته لأكثر من 300 ألف نسمة، بدعم من وزارة الصحة التركية ووزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة.

ويرجع هذا التفاوت إلى غياب البنى التحتية والأبنية الفارغة المناسبة لاستقبال المنشآت الطبية، وذلك، نتيجة الحاجة الملحة لانشاء مراكز مستعجلة، جراء حركات النزوح وانتشار المخيمات، إذ يعتبر مشفى مدينة جرابلس مثالاً على ذلك، حيث أقيم في مكان مدرسة مهجورة.

وبحسب بيانات صادرة عن وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، تهدف لتقييم الواقع الطبي ضمن مناطق سيطرة المعارضة لعام 2020، يتواجد 65 مشفى مفعلاً شمالي غرب سوريا. في حين يفترض وجود حوالي 85 مشفى لتخديم أكثر من أربعة ملايين شخص يعيشون في المنطقة.

مراكز قروية

تحاول مؤسسات ومنظمات إنسانية طبية تغطية النقص الحاصل في البنى التحتية للقطاع الصحي، من خلال مشاريع وحملات العيادات المتنقلة، وافتتاح مراكز صحية داخل المخيمات المستحدثة، إلا أنها ما تزال غير قادرة على تلبية احتياجات المرضى، وبخاصة أصحاب الأمراض المزمنة، إذ تقتصر مهامها على تقديم الإسعافات الأولية والكشف السريع.

وفي تقريرها الخاص أعلنت منظمة الأمين للمساندة الانسانية، تقديم خدماتها لأكثر من 22 ألف نسمة في مدينة الباب وريفها، ضمن المراكز الطبية المتواجدة في قرى “عين البيضا، السكرية، مركز قرى قوبري، سوسيان، مركز الباب، تل الهوى، عيادة الباب الأولى والثانية”.

عيادات متنقلة

وفي تصريح خاص لموقع “فوكس حلب” يوضح “واصل الجرك” مدير برنامج الصحة والتغذية في بعثة سوريا التابعة لمؤسسة الأمين الانسانية، أن الشمال السوري بحاجة إلى المزيد من العيادات المتنقلة والمراكز الطبية في المنطقة، جراء تزايد أعداد السكان بشكل كبير وانتشار المخيمات في المناطق النائية.

ويقول الجرك: تشغل مؤسسة الأمين خمس عيادات جوالة شمال غرب سوريا، تضم كل عيادة كادراً طبياً متكاملاً، ويبلغ عدد المستفيدين من النازحين نحو ثمانية آلاف مراجع شهرياً، تقدم لهم خدمة الفحص الطبي وتشخيص الأمراض وتقديم الأدوية المجانية.

ويضيف: هناك نقص في عدد العيادات اللازمة لتغطية المنطقة، ومعاناة في تأمين أنواع من الأدوية، والحاجة إلى تحسين البنية التحتية لهذه العيادات، من خلال بناء غرف مسبقة الصنع “كرافانات” مخدمة بالمرافق الصحية والاهتمام بنظافة المنطقة المحيطة.

ويشير الجرك إلى التحديات التي تواجه عمل المنظمات الطبية في الشمال السوري، متمثلة بعدم التمويل اللازم بشكل مستقر، ونقص أجهزة الفحص الطبي التخصصية.

وتعتبر الأمراض الداخلية والمزمنة، والأمراض الانتانية والأمراض النسائية ومتابعة الحمل، من أكثر الحالات التي تراجع العيادات المتنقلة، فضلاً عن مراجعي عيادة التغذية التي تقوم بمسح مشعر التغذية لجميع الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل، بسبب كثرة أمراض نقص التغذية، خاصة في بين سكان المخيمات.

لا تقتصر الحاجة في مناطق المخيمات على مراكز صحية باختصاصات طبية محددة، بل تعاني هذه المناطق من نقص شديد بمختلف التخصصات، فضلاً عن عجز كبير في نسبة المراكز الصحية والمشافي مقارنة بعدد السكان المرتفع هناك، نتيجة الهجرة الاضطرارية لمئات الآلاف من مختلف أنحاء سوريا وتجمعهم في شريط حدودي ضيق، ما يجعل من إيلاء القطاع الصحي في هذه المخيمات ضرورية قصوى.

كروسنوبول سلاح مدفعي جديد تستخدمه قوات النظام وروسيا ضد المدنيين في الشمال السوري

فاطمة حاج موسى

  تتعرض قرى وبلدات جبل الزاوية منذ أسابيع، لاستهداف متكرر بقذائف المدفعية الموجهة ليزرياً كروسنوبول ، من قبل قوات النظام المتواجدة في ريف إدلب ما خلف عشرات القتلى والجرحى. آخر […]

 

تتعرض قرى وبلدات جبل الزاوية منذ أسابيع، لاستهداف متكرر بقذائف المدفعية الموجهة ليزرياً كروسنوبول ، من قبل قوات النظام المتواجدة في ريف إدلب ما خلف عشرات القتلى والجرحى.
آخر الاستهدافات، كان اليوم السبت 17 تموز 2021، حيث تعرضت قرية سرجة بجبل الزاوية جنوبي إدلب لقصف مدفعي مزدوج، أسفر عن مقتل خمسة مدنيين، وعنصر من الدفاع المدني، وإصابة ستة آخرين بجروح، بحسب إحصائية الدفاع.

وأكدت مراصد عسكرية أن نظام الأسد يستهدف قرى الجبل بقذائف مدفعية من طراز كروسنوبول الموجهة ليزرياً، والتي تتلقى أوامرها من طائرة استطلاع تتواجد أثناء القصف ما يجعل إصابتها محققة، وتمنع كوادر الإسعاف من الوصول إلى المكان المستهدف خشية تكرار القصف.

من اثار القصف بقذائف كروسنوبول على قرية سرجة -إنترنت
من اثار القصف بقذائف كروسنوبول على قرية سرجة -إنترنت

يقول محمد وهو شاب من جبل الزاوية وشاهد عيان على قصف اليوم: “بعد استهداف أحد المنازل من قبل نظام الأسد توجه رفقة بعض الأهالي لمساعدة عناصر الدفاع المدني بانتشال الجرحى من تحت الأنقاض، وبعد إخراج ثلاث فتيات من أصل أربع كانوا ضمن المكان المستهدف، وأثناء نقلهم إلى سيارة الإسعاف، كرر نظام الأسد استهدافه للمكان ما أدى لاستشهاد الجدة التي وصلت لتتفقد حفيداتها اللواتي قتل ثلاثة منهن، كما قتل إعلامي الدفاع المدني في مركز بزابور (همام عاصي)، إضافة للمدني (حسين حج موسى).

يأتي هذا الاستهداف ضمن خروقات قوات النظام لاتفاق وقف إطلاق النار في شمال غربي سوريا، التي وثقها منسقو استجابة سوريا بأكثر من 189 خرقا منذ مطلع شهر تموز الجاري، ذهب ضحيتها 25 مدنياً بينهم 15 طفلاً، “في استهتار واضح لكافة الاتفاقيات والقرارات الدولية التي تنص على حماية المدنيين عموماً والأطفال خصوصاً من الاستهداف وجرائم القتل” بحسب تعبير الفريق.

وأكد تقرير منسقو الاستجابة أن وصول المساعدات الإنسانية وحده لا يكفي، لأن السلام وحماية المدنيين في جميع الأوقات من أهم الأولويات التي يجب العمل على تنفيذها، لأن كافة القوانين الدولية والتشريعات تحظر الاستهداف غير المشروع للمدنيين، وتحظر الهجوم على المدارس والمستشفيات، ويجب احترام تلك القواعد ومحاسبة من ينتهكها.

سوريا ميدان تجريب الأسلحة

ذكر موقع روسيا الحربي ميليتري فايلز أن روسيا استخدمت أكثر من 231 نوعاً من السلاح أثناء عملياتها العسكرية داخل سوريا منها قاذفات (Su-24s) وطائرات (Su-25)، و(Su-35)، ومروحيات من طراز Mi-28 إضافة إلى طائرات بدون طيار منها “أورلان 10″، وأنظمة دفاع جوي، وأنظمة الرادار المحمولة وأنظمة الحرب الإلكترونية، وعدة سفن حربية من طراز “بويان”، و”روستوف” و”كاليبر”.

ومن ضمن هذه الأسلحة القذائف المدفعية التي تستخدمها بحق المدنيين في جبل الزاوية، وهي قذائف كروسنوبول المتطورة بعيدة المدى، والتي سبق استخدامها في قصف مشفى المغارة بمدينة الأتارب بريف حلب ومناطق أخرى من البادية السورية، وهذه القذائف موجهة عبر طائرات استطلاع ترصد وتحلق وقت القصف حتى تحقق إصابة دقيقة لأهدافها، في حين وصلت مؤخراً إلى جبهات إدلب وريف حماة وعثر على مخلفاتها بعد استهداف قرية بليون بجبل الزاوية في الثالث من تموز الجاري.

ونظام المدفعية الصاروخية كروسنوبول ، هو سلاح روسي فتاك يستخدم ضد الدبابات والمدرعات ووحدات المدفعية المعادية، ويمكنه إصابة أهداف ثابتة ومتحركة بسرعة تصل إلى 36 كيلومتراً في الساعة، ويتراوح مدى قذائف المدفعية الصاروخية الروسية كروسنوبول بين 3 إلى 20 كيلومتراً، بينما يصل مدى النسخة المطورة منه “إم – 2” إلى 25 كم، وهو مخصص لاختراق التحصينات أيضاَ.

ويصل وزن القذيفة الصاروخية إلى 54 كيلوغراماً، وطولها 130 سنتيمتراً، وتمتلك أنواع مختلفة من الرؤوس التدميرية حسب الهدف، الذي يتم توجيهها نحوه، خاصة أنها تمتلك نظام توجيه بأشعة الليزر، ويمكنه استهداف حتى الملاجئ وتدميرها بضربة واحدة.

 

 

اللغة العربية المفقودة بين الاندماج وعدم الاكتراث في بلدان اللجوء

محمد جميل

فقد محمود، وهو لاجئ سوري في ألمانيا، قدرته على تمييز لهجات أبناء السوريين في ألمانيا، ومعرفة المحافظة التي ينتمون إليها بسبب هجرهم للغتهم العربية واعتماد كثير منهم على لغات بلد […]

فقد محمود، وهو لاجئ سوري في ألمانيا، قدرته على تمييز لهجات أبناء السوريين في ألمانيا، ومعرفة المحافظة التي ينتمون إليها بسبب هجرهم للغتهم العربية واعتماد كثير منهم على لغات بلد اللجوء.

العربية مهمشة أو غائبة في مدارس أوربا

يتلقى أبناء اللاجئين السوريين تعليمهم في المدارس الرسمية الأوروبية، ويتقنون لغة البلد المضيف بحكم الواقع والجغرافيا، بوصفها مفتاح اندماجهم داخله، ويرى كثير ممن تحدثنا معهم أنها حلّت محل لغتهم الأم. إذ يعجز أبناء كثير منهم عن قراءة نص عربي قصير، أو إتقان مبادئ الكتابة، في حين تغيب مادة اللغة العربية عن حقائبهم المدرسية، وإن وجدت تكون اختيارية مع لغات قد يلجأ اللاجئون إليها على حساب لغتهم الأصلية، وسط غياب لدور الأهل في الحفاظ على لغة أبنائهم الأم.

يقول محمود: “إن عدد الولايات الألمانية التي تدرّس العربية ضمن منهاجها ارتفع مؤخراً من ثلاث ولايات ألمانية إلى عشر، وبهذا خطت ألمانيا خطوة جيدة باتجاه تنمية تدريس اللغة العربية مقارنة بكل البلدان الأوروبية”.

لكن اللغة العربية لا تدخل في خانة المواد الأساسية خلال امتحان الثانوية العامة، وتُدرس بمعدل حصة واحدة أسبوعياً، ما يدفع كثير من الطلاب لتهميش لغتهم وانتقاء مادة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية.

وفي فرنسا دخلت اللغة العربية ضمن منهاج المدارس الرسمية بقرار من الحكومة سنة 2015، وقد ذكر تقرير أعده معهد مونتاني الفرنسي عام 2016 أن ثلاثة عشر ألف طالب يدرسون اللغة العربية من أصل خمسة ملايين ونصف مليون طالب، ووفقاً لأرقام وزارة التربية الوطنية بلغ عددهم أربعة عشر ألف في العام الدراسي 2019/2020، وهي نسبة قليلة، رغم أن العربية أصبحت لغة أجنبية ثانية اختيارية مع الإيطالية والإسبانية.

 اللغة العربية خارج الحوارات المنزلية

أدت رغبة اللاجئين في الاندماج ضمن مجتمعاتهم الجديدة إلى حرف ألسنتهم نحو لغة البلد المضيف، في المدرسة والطريق والسوق وفي البيت أيضاً، وخاصة أصحاب الأعمار الصغيرة أو المولدون هناك، مقابل مفردات عربية قليلة يتذكرونها وتساعدهم في الحديث مع أهلهم ممن لم يلمّوا باللغة الأجنبية بشكل جيد أو أقاربهم في سورية والدول العربية.

قبل سبع سنوات انتهي مطاف النزوح بزكي وزوجته وأولاده الثلاثة في النمسا، يقول إنه دائماً يتخذ دور المترجم عندما يتحدث أولاده مع أقاربه في سورية ومنهم والدته، لضعف مستواهم في اللغة العربية، وتوقفهم على ما اكتسبوه قبل الهجرة.

ويرجع ذلك إلى أنه وزوجته حاولا منذ البداية تعليمهم اللغة الألمانية ،”أنا وزوجتي كنا نتواصل بالعربية، لكننا انتقلنا لمشاهدة التلفاز بالألمانية وتحدثنا مع الأطفال بالألمانية فقط لنتعلم كلنا، اعتدنا على ذلك”، ما ساعد في ارتقائهم في سلم الحياة المدرسية، مقابل تراجع مستواهم في اللغة العربية، وجهلهم بمبادئ القراءة والكتابة والنحو.

تنبّه زكي مؤخراً إلى واقع أبنائه اللغوي، وحاول تدارك الأمر بإعادة تعليمهم اللغة العربية، إلا أنه بقي مقيّد اليدين، فلا مدارس تعلمهم ولا جمعيات أو بلديات تقدم لهم دروساّ في المنطقة التي يعيش فيها.

هالة العبود لاجئة سورية في ألمانية ترى الأمر من زاوية أخرى، تقول إنها غير معنية بتعليم أطفالها للغة العربية فقد أبصروا النور في ألمانيا، و يحتاجون الألمانية لفهم ما يجري حولهم ولتأمين مستقبل جيد، بينما لن يحتاجوا العربية سوى في التواصل معنا داخل المنزل فهم لن يعودوا إلى سورية أبداً.

 حلول فردية

يرى من تحدّثنا معهم أنه لا يوجد منهاج واضح لدى المؤسسات التعليمية في إدراج اللغة العربية في المدارس، يقابله إصرار كثير منهم على تعليم أبنائهم لغتهم الأم، ما دفعهم لاجتراح حلول فردية تحت قاعدة الرمد أفضل من العمى.

محمد جعدان (لاجئ سوري في النمسا) يقول إنه يخصص ساعات لتعليم أولاده العربية على مدار الأسبوع، كما يطلب من أولاده الكبار تعليم أخوتهم الصغار مبادئ القراء والكتابة،” ليس هذا فقط” يردف، حتى الموسيقى والشعر والقصص القصيرة يلقيها على مسامعهم، كما يرسلهم كل أسبوع للمسجد لتقوية لغتهم أكثر.

لم يتسنّ لجعدان فعل ذلك فور وصوله للنمسا، لكنه أحس بفجوة عميقة بين أبنائه ولغتهم حين كتب أحدهم اسمه بالعربية من اليسار إلى اليمين، ما دفعه لتعزيز وتقوية مستواهم اللغوي.

لا يريد جعدان لأولاده أن يضيعوا لغتهم، بوصفها جزء من هويتهم، لكنه يقر بصعوبة تعليم الصغار في المنزل، وفي الوقت ذاته يلقي اللوم على أولياء الأمور الذين أهملوا تعليم العربية لأولادهم، إذ يتعمد كثير منهم بذل أدنى جهد تعليمي مع الأطفال داخل المنزل، أو إرسالهم لأحد الأماكن التي تعنى بتعليم العربية في أيام العطلة، كالجمعيات والمساجد أو دورات تعليم اللغة و لا يستشعرون بخطر إهمال العربية.

ووفقاً لأرقام المجلس المركزي للمسلمين zmd يوجد نحو ألفين وخمسمائة مركز عبادة ونحو تسعمائة مسجد على عموم الأراضي الألمانية توفر تعليماً باللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن الكريم، لكن ثمة عائلات سورية تريد أن يتعلم أولادها بطريقة غير إيديولوجية أو مرتبطة بعقيدة، كما يوجد عائلات غير مسلمة أيضاً.

مبادرات إنقاذ اللغة

أطلق لاجئون مبادرات تبنّت تعليم العربية بطرق عصرية ومبتكرة، للنهوض بواقع اللغة وإنقاذها، كمبادرة “العربية لغتي” التي أطلقها مجموعة من الأكاديميين السوريين في ألمانيا، والتي اعتمدت أسلوب اللعب والتسلية لجذب الأطفال السوريين، لتشعرهم بالمتعة وتمنحهم الرغبة بالتعلم خلال أيام العطلة، وذلك بحسب تصريح مؤسسها السوري عبد القادر باقي لموقع مهاجر نيوز.

أيضاً كان هناك تجربة تعليم العربية عن بعد، كمدرسة سما أون لاين، التي قال مؤسسها إياد عطا الله المقيم في هولندا لموقع الجزيرة نت إنها تبدأ عبر خمس مستويات بتعلم مبادئ الكتابة والحروف، وتنتهي بمرحلة متقدمة من الإعراب والقراءة بشكل ممتاز.

إضافة لوجود دورات دائمة، يقوم عليها ناشطون وجمعيات، تتولى تعليم الأطفال للغتهم الأصلية مقابل مبلغ مالي لا يتجاوز مائة وخمسين دولاراً.

تقول المدرّسة حنين، بحسب ما نشره موقع مهاجر نيوز، وهي مختصة بتدريس العربية في فرنسا، إن تعلم العربية سيمكن الطفل من التواصل مع ثقافته الأم عبر مناهج علمية مدرسية صحيحة، وفي كل الأحوال سيواصل الأطفال التحدث مع أهاليهم بلغة الأصل داخل المنزل. فبدل أن تبقى مكتسباتهم المعرفية لثقافتهم الأم محدودة ومقتصرة على خبرة ومعرفة الأهل، ستمنح لهم الفرصة للإبحار داخل ثقافتهم، بتشكيل هوية ثقافية تمنحهم طمأنينة للثقافة الجديدة التي انتقلوا إليها، بعيداً عن المعاداة أو الذوبان.