فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مهجرو الغوطة الشرقية (دوما والقلمون الشرقي) إلى الريف الشرقي والشمالي في حلب (الجزء الثاني)

مهجرو الغوطة الشرقية (دوما والقلمون الشرقي) إلى الريف الشرقي والشمالي في حلب (الجزء الثاني)

مخيم البل

تم التواصل مع مدير المخيم فهد حسون رئيس المجلس المحلي في قرية البل، وزودنا بالمعلومات، كما قام مراسل فوكس حلب بزيارة المخيم والاطلاع على أحواله.

منذ بداية شهر آذار تم اتخاذ القرار بإنشاء مخيم البل، بدأ العمل بإزالة الأتربة وتبحيص الأرضيات من قبل المجلس المحلي، وتجهيزه لاستقبال أهل الغوطة بإنشاء 50 خيمة في البداية.

وصل عدد الخيام في المخيم إلى 610 خيمة ومن المتوقع زيادتها في الأيام القادمة إلى 700، ويستقبل المخيم الآن 2450 مهجّراً.

تقسم الخيام إلى 18 قطاع لكل قطاع مسؤولين عنه من الأهالي أنفسهم، كما يوجد في المخيم صيوانات كبيرة خاصة للشباب، وهنكارين أحدهما للرجال وآخر للنساء للعائلات التي لم تستطع الحصول على خيمة.

يوجد في كل قطاع كرفانات مخصصة للحمامات ودورات المياه موصولة إلى صرف صحي يمتد إلى خارج المخيم في حفر كبيرة جهزت لهذا الغرض، كما يوجد في المخيم خزانان للمياه يتم استجرار المياه من بئر القرية (6 ساعات يومياً)، كما يقوم المجلس وبعض أهالي القرية بتزويد المخيم بالمياه عبر الصهاريج.

يتواجد في المخيم كادر طبي من منظمات (أطباء عبر القارات وida) بدوام رسمي منذ التاسعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، كما توجد نقطة إسعاف على مدار الساعة لتحويل المرضى إلى مشافي المنطقة ويوجد في المخيم معالج فيزيائي وطبيب عظمية.

يوجد في المخيم 50 حاوية لجمع القمامة مقدمة من لجنة إعادة الاستقرار، وتقوم البلدية بتأمين النظافة في المخيم بشكل يومي.

الصورة من مخيم البل في ريف حلب – فوكس حلب

قدمت المنظمات الإنسانية مساعدات غذائية وإغاثية وصحية ونظافة شخصية، كما يقدم للأهالي في المخيم ثلاث وجبات رئيسية يومياً من قبل الهلال الأحمر التركي وsrd وida والآفاد وبعض المتبرعين، بالإضافة إلى شباب تل رفعت الذين قدموا الأدوية وحليب وغذاء الأطفال.

هناك وعود من قبل الآفاد بتحويل المخيم إلى كرفانات مسبقة الصنع كبديل عن الخيام، ويحتاج المخيم إلى سور لحماية المكان بالإضافة إلى مدرسة، يقول فهد حسون إنها في طور التجهيز وسيكون كادرها من معلمي الغوطة المتواجدين في المخيم.

يقع المخيم غرب قرية البل التابعة لناحية صوران في منطقة إعزاز، ويجري الآن تجهيز مخيم آخر غرب القرية بسعة 400 خيمة.

يتم الدخول والخروج من المخيم عبر تسجيل الأسماء في السجلات الرسمية، وهناك 15 عائلة فقط غادرت المخيم منذ استقبال أهالي دوما فيه.

المخيم حالياً مجهز في داخل الخيام بالفرش والأغطية، ولكنه يحتاج إلى أدوات مطبخية، ونقطة صحية ثابتة، ومدارس وسور، إذ تقوم الشرطة الحرة بحماية جميع مداخله حتى الساعة.

ظاهرة في المخيم

لفت انتباه مراسل فوكس حلب وجود عائلتين في المخيم قامتا بإنشاء “بسطات” أمام الخيام لتبدأ العمل داخل المخيم، إحداهما كانت تبيع أدوات مطبخية، والأخرى كانت تبيع بعض الكراسي والأدوات البلاستيكية.

الصورة من مخيم البل في ريف حلب – فوكس حلب.

مخيم بزاعة

تم جمع المعلومات من خلال مراسل فوكس حلب وجمال عبدو مدير المخيم.

تم إنشاء المخيم في 2/2/2018 بسعة 85 خيمة مخصصة لنازحي المناطق الشرقية (دير الزور والبوكمال) الذين وصل عددهم في المخيم إلى 67 عائلة، وقدم بعض أهالي بزاعة أرض المخيم بشكل مجاني لبنائه.

بتاريخ 10/4/2018 وضمن خطة استيعاب مهجري دوما تم بناء 200 خيمة، ليصبح عدد الخيام في المخيم 275، ويجري التجهيز لبناء 100 خيمة جديدة.

استقبل المخيم 195 عائلة من مهجري دوما، إضافة للعائلات القديمة، ويضم المخيم 1600 شخصاً.

تم تجهيز كرفانات للحمامات ودورات المياه لتخديم النساء والأطفال في الكتل الجديدة (200 خيمة)، فيما يضطر الرجال للذهاب إلى المخيم القديم ريثما يتم تجهيز كرفانات خاصة بهم، ووزع المجلس المحلي حاويات القمامة في قطاعات المخيم، وتقوم البلدية بعمليات التنظيف يومياً.

الصورة من مخيم بزاعة في ريف حلب – فوكس حلب.

منظمة الإغاثة الإسلامية بنت الخيام، وتقوم منظمة الآفاد ووطن بتخديم المخيم وتقديم المساعدات الإغاثية للأهالي.

يتم إحصاء عدد الأفراد وأعمارهم والحالات الصحية منذ دخول العائلات إلى المخيم.

يقدم أهالي القرية الوجبات الغذائية للمهجرين بشكل يومي على حسابهم الشخصي، ولا يوجد في المخيم نقطة طبية، وتقوم النقطة الطبية في بزاعة بتخديم المخيم من خلال سيارة إسعاف تنقل المرضى إلى النقطة الطبية، وتحويلهم إلى المشفى عند الحاجة، ويتم تقديم اللقاح للأطفال داخل المخيم.

يحتاج المخيم إلى الإسفنج وأدوات المطبخ، وفرش أرضه بالبحص للحد من انتشار الغبار واستعداداً لأمطار فصل الشتاء، كما يحتاج إلى نقطة طبية ومدرسة، بحسب المهجرين الذين التقيناهم.

يقع المخيم في مدينة بزاعة (35 كم شرق حلب).

الصورة من مخيم بزاعة في ريف حلب – فوكس حلب.

مخيم زوغرة

تم جمع المعلومات من قبل مراسل فوكس حلب في زيارة إلى المخيم ونور محمد رئيسة مكتب الخدمات الاجتماعية والإغاثية في المجلس المحلي لجرابلس

يضم المخيم 225 خيمة فيها 830 مهجراً وجميع الخيام مجهزة بشكل كامل، وتقوم الشرطة الحرة بحماية المخيم على مدار الساعة.

المياه والكهرباء مؤمنة داخل المخيم، يوجد في المخيم 12 كتلة حمامات وتواليتات.

هناك نقطة طبية في المخيم من منظمة idal ومشفى مصغر في زوغرة وسيارة إسعاف تابعة للمخيم.

تقدم المنظمات الإنسانية وأبرزها (ihh -وقف الديانة التركي –وطن –خيرات ….) السلل الغذائية والمواد الإغاثية وسلل النظافة والصحة وأدوات المطبخ.

الصورة من مخيم زوغرة في ريف حلب – فوكس حلب.

مخيم ضيوف الشرقية

تم جمع المعلومات من قبل زيارة مراسل فوكس حلب وأبو عبدالله مدير المخيم.

مخيم ضيوف الشرقية مخيم مؤقت تم استئجاره لمدة شهرين من إدارته التي كانت تجهزه لاستقبال نازحي المناطق الشرقية (ديرالزور –البوكمال)، بجهود شخصية من قبل النازحين أنفسهم.

بدأت عملية تجهيز المخيم منذ تشرين الأول 2017، ولم يكتمل حتى تاريخ وصول أهالي دوما حيث قدمت منظمة الآفاد عقداً بتجهيز المخيم مقابل استضافة مهجري دوما لمدة شهرين.

الصورة من مخيم ضيوف الشرقية في ريف حلب – فوكس حلب.

يضم المخيم 696 خيمة، 343 خيمة صغيرة و44 هنكاراً كل منها مقسم ل 8 عوائل.

يضم المخيم 2315 مهجراً من أهالي دوما ويوجد حرس مدني على جميع مداخل المخيم، بالإضافة لوجود نقطة طبية من شباب الشرقية يعملون كمتطوعين بالتعاون مع مشفى الحكمة في مدينة الباب.

هناك 50 حماماً و50 دورة مياه في المخيم موصولة إلى الصرف الصحي الرئيسي لمدينة الباب، ويوجد بئر ارتوازي تم حفره في المخيم لتغذيته بالمياه.

تقدم منظمة ساعد وجبات غذائية يومية للمهجرين في المخيم، كما تقدم منظمة وطن والمجلس المحلي والوقف التركي وihh المساعدات الإغاثية والصحية والمنظفات.

يحتاج المخيم إلى سور وأبراج إنارة كما تحتاج الهنكارات إلى حمامات ودورات للمياه.

يلاحظ مراسل فوكس حلب من خلال لقائه بالأهالي انخفاض المساعدات الإنسانية بشكل تدريجي، كما أن الكثير من العائلات تعيش في مراكز مؤقته في مخيم شبيران وضيوف الشرقية وبعض المساجد والمدارس.

يحاول الأهالي البحث عن فرص للعمل، كما يحاولون البحث عن سكن دائم، في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات في المنطقة التي تصل إلى 100 دولار وسطياً في معظم القرى والبلدات، و150 دولاراً في المدن الرئيسية (الباب –اعزاز –جرابلس –الراعي) إن وجدت.

الصورة من مخيم ضيوف الشرقية في ريف حلب – فوكس حلب.

 

 

مشروع بسمة.. دعم المرأة الريفية المعيلة

مشروع بسمة.. دعم المرأة الريفية المعيلة

تدوير عملية الإنتاج وتأمين مصدر دخل دائم للمرأة المعيلة، والانتقال بالمجتمع من مرحلة الاستهلاك إلى الإنتاج، هو الهدف الرئيسي الذي تسعى لتحقيقه المنظمات الإنسانية من خلال اجتراح حلول حقيقة لمساعدة المرأة ودعمها وتدريبها على صناعات يدوية (تستطيع القيام بها في منزلها)، لتأمين مصدر دخل يساعدها على مواجهة الظروف الحياتية، وتأمين لقمة عيشها.

مشروع “بسمة” لصناعة الألبان والأجبان واحد من هذه المشاريع الذي سعى لتدريب ثلاثين امرأة معيلة على صناعة الألبان والأجبان ومشتقاتهما.

وقال مدير المشروع أسامة اليوسف (ماجستير في الهندسة الغذائية) إن الهدف من هذا المشروع الذي بدأ في مدينة الأتارب (غرب حلب) وريفها تمكين المرأة ودعمها ورفدها بالخبرة النظرية والعملية والمعدات اللازمة للاعتماد على نفسها في تحقيق مصدر دخل قد يغطي 40% من الحاجات الأساسية للحياة.

يمتد المشروع على ستة أشهر إذ “يستقبل 5 نساء في كل شهر، يخضعن لدورة نظرية تدريبية لمدة أسبوع واحد، ثم يبدأن بالتدريب العملي على صناعة الألبان والأجبان واللبنة والزبدة والسمنة العربية”.

ويتم انتقاء النساء اعتماداً على معايير استحقاق أهمها أن تكون المرأة معيلة لأطفالها، خاصة إن كان زوجها أو أطفالها من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأضاف اليوسف “منظمة بلد هي الجهة المنفذة للمشروع بناء على مذكرة تفاهم مع المجلس المحلي في الأتارب، وبكلفة ثابتة ما يعادل 7000دولاراً، وكلفة تشغيلية وصلت إلى 80000دولار”

وعن آلية العمل يقول اليوسف “يتم استجرار الحليب من أحد الموردين بمعدل 500 لتر يومياً، يتم تصنيعها وتوريدها إلى السوق وبيعها بسعر الكلفة تقريباً، تلك العائدات توضع في صندوق الجمعية النسائية التي ستنشأ في نهاية المشروع بعد تدريب عدد من المستفيدات لمدة شهر ونصف الشهر لتشكيل الجمعية ودستورها ووضع نظامها الداخلي، إذ ستستلم هذه الجمعية رأس المال وتكمل هذه المشاريع لتدوير المنتج، بينما ينتقل مشروع التدريب إلى مناطق أخرى”.

وتحصل المستفيدة في نهاية التدريب على مبلغ 80 ألف ليرة سورية ومعدات لصناعة الألبان والأجبان و100 لتر من الحليب لمرة واحدة، لتبني مشروعها الخاص في منزلها، وتقوم المنظمة بمتابعة عملها.

يعمل المشروع على تدريب نساء نازحات بنسبة 50% ونساء من المقيمين بنسبة 50%، إلّا أن مشروع الأتارب شهد عزوفاً من النازحين فكانت نسبة النساء في المشروع 80% من المقيمات.

تصنع أم مصطفى، واحدة من المستفيدات (زوجة شهيد وأم لخمسة أطفال)، الألبان والأجبان في منزلها وتقوم ببيعها للجيران وأهالي الحي الذي تسكنه بأسعار جيدة، “سمعت بالمشروع وقبلوني وصرت أشتغل بالبيت لبن وجبنة ولبنة وقريشه، وبيعا وطعمي ولادي”.

مهجرو الغوطة الشرقية (دوما والقلمون الشرقي) إلى الريف الشرقي والشمالي في حلب (الجزء الأول)

مهجرو الغوطة الشرقية (دوما والقلمون الشرقي) إلى الريف الشرقي والشمالي في حلب (الجزء الأول)

(توزع العائلات – أعدادها – المراكز المؤقتة والدائمة –استجابة المنظمات والمجالس المحلية أهم الاحتياجات الرئيسية – لمحة عن بعض المخيمات)

تم الاستعانة في هذا البحث بمنسقي الاستجابة في الشمال السوري ومنظمة الإحسان والمصادر المفتوحة بالإضافة إلى جولات لمراسلي فوكس حلب لبعض المخيمات والمجالس المحلية.

في 7 نيسان 2018، تعرضت أحياء دوما لهجوم من قبل قوات الأسد بالأسلحة الكيماوية، أدى إلى مقتل 43 ضحية بينهم 12 طفلاً و15 امرأة و185 مصاباً نقلوا للعلاج في المشافي، بحسب إحصائية الدفاع المدني.

كان أهالي الغوطة قبل الهجوم والفصائل المسلحة هناك (جيش الإسلام) قد أخذوا قرارهم بعدم مغادرة دوما والبقاء داخلها، إلّا أن الهجوم سرّع من عملية التهجير القسري التي انتهجها نظام الأسد منذ منتصف آذار، وكانت دوما آخر المناطق التي هجّرت بعد حرستا والقطاع الأوسط، فجرى الاتفاق في 8 نيسان 2018 على إخلاء المنطقة.

 

الصورة من مخيم ضيوف الشرقية في ريف حلب – فوكس حلب.

 

أكثر من 80 ألف شخص توجهوا إلى مراكز إيواء في مناطق نظام الأسد بحسب وحدة تنسيق الدعم، بينما توجه ما يقارب 20 ألف (مدني وعسكري وعائلاتهم) إلى الريف الشرقي والشمالي من مدينة حلب.

في الوقت نفسه، اتفقت الفصائل العسكرية الموجودة في القلمون الشرقي شمال شرق دمشق مع قوات الأسد بوساطة روسية، على الخروج من البلدات باتجاه الريف الشرقي في حلب في 21نيسان 2018.

تم الوصول إلى عدد تقريبي للعائلات الموجودة في الريف الشرقي والشمالي من حلب، وهذه الأرقام تتزايد في كل يوم، ولكنها تعتبر إحصائية شبه دقيقة لأعداد العائلات وأماكن تواجدها في الجدول التالي:

 

وفي الجدول التالي نوضح تاريخ وصول الحافلات وأعداد الأفراد ومناطق نزوحهم:

غياب التنسيق والأعداد المتزايدة في المنطقة حدّت من الاستجابة الفعالة لاستقبال مهجري دوما، وتشكلت بالتعاون مع المنظمات الإنسانية والمجالس المحلية لجنة استجابة طارئة بإشراف الهلال الأحمر القطري في النقطة صفر في معبر أبو الزندين قرب مدينة الباب شرق حلب.

تم توزيع المهجرين في البداية بعد تقديم خدمات الاستجابة الطارئة الغذائية والصحية على مراكز إيواء مؤقتة في مخيم شبيران، والمنطقة الصناعية في مدينة إعزاز، واستقبلت مدينة الباب العدد الأكبر منهم في المساجد وبعض المدارس.

 

الصورة من مخيم ضيوف الشرقية في ريف حلب – فوكس حلب.

 

لتبدأ المنظمات والمجالس المحلية بإيجاد حلول دائمة من خلال إنشاء مخيمات جديدة، وتوسيع المخيمات القديمة كمخيم (البل –زوغرة –بزاعة –ضيوف الشرقية) بالإضافة إلى تأمين شقق سكنية في بعض القرى والبلدات، واستضافة بعض أهالي المنطقة لعائلات من دوما، كما قام آخرون باستئجار منازل وشقق سكنية.

تحاول المنظمات الإنسانية (ضمن إمكانياتها) بتقديم الدعم من خلال سلل إغاثية ونظافة وبعض الوجبات الجاهزة وتقديم الدعم الصحي لعائلات دوما، إلّا أن هذا الدعم لا يصل إلى جميع العائلات بسبب زيادة العدد وقلة الموارد.

 

 

تراجع عدد خلايا النحل في سوريا بنسبة 90% وتهديدات حقيقية بانهيارها كلياً

تراجع عدد خلايا النحل في سوريا بنسبة 90% وتهديدات حقيقية بانهيارها كلياً

حلول جدية في الريف الشرقي والشمالي لمدينة حلب

يحاول النحّال محمد رضا حمدان (معلم مدرسة ومربي نحل منذ 2002، في ناحية أخترين شمال حلب) أن يُعوّض خلايا النحل التي خسرها خلال السنتين الأخيرتين، إذ انهارت معظم الخلايا التي يملكها وعددها (108) خلايا لأسباب كثيرة أهمها: الحصار في مناطق محددة وغياب المراعي والحرب والاشتباكات الدائرة.

تراجع عدد الخلايا والإنتاج في سوريا

قُدّر حجم تراجع عدد خلايا النحل وإنتاج العسل في سوريا بنسبة تزيد عن 75%، وتصل في بعض المناطق إلى 90%، إذ تناقص عدد الخلايا بحسب إحصائية أجراها “اتحاد النحالين العرزب” في سوريا، من 700 ألف خلية في 2010 إلى 100 ألف في العام 2015، بينما تراجع الإنتاج إلى 300 طن بعد أن كانت سوريا تنتج 3000 طن في العام الواحد.

وفي الريف الشمالي والشرقي لمدينة حلب (محور الدراسة) قدّر المهندس الزراعي محمد علي، رئيس دائرة الزراعة والثروة الحيوانية في المجلس المحلي لمدينة الباب، نسبة التراجع في أعداد الخلايا والإنتاج بـ90% عن السنوات السابقة، إذ تم هذا العام إحصاء “550 خلية نحل فقط في مدينة الباب وريفها، منها 200 خلية بلدية و350خلية فنية”.

الأمر الذي أكده النحّال حمدان عضو “جمعية النحّالين الأحرار في حلب”، فقد خسر معظم النحّالين القدامى خلايا النحل خاصتهم وتراجع انتاجهم، ما استدعى البحث عن حلول جدية لاستعادة هذه الثروة التي كان يعمل بها أكثر من 35000 نحّالاً في سوريا، وما كانت تحققه من وارد مالي لإعالتهم، بالإضافة إلى الدور الكبير للنحل في التلقيح الطبيعي للأراضي الزراعية الذي قدّرته الدراسات بـ “40%-65%” من زيادة الإنتاج.

أسباب تراجع أعداد الخلايا والإنتاج

يقول النحّال محمد لفوكس حلب إن السبب الرئيسي الذي أدّى إلى هذا التراجع هو “الجوع”، فالنحل يحتاج إلى المراعي وإلى درجات حرارة معتدلة، ويغيب نشاطه في الأحوال الجوية السيئة، ومع انقسام المناطق السورية، وانعدام فرصة التنقل بين المناطق بات النحل محاصراً كالبشر، وهذا ما أدى إلى موت أعداد كبيرة من الخلايا.

سابقاً، كان النحالون يتنقلون في جميع المحافظات لسورية بحسب فصول السنة، بين اللاذقية والساحل السوري ثم إلى إدلب في موسم الكزبرة واليانسون وإلى ريف الحسكة (رأس العين وتل أبيض) وريف حلب الشرقي خلال أشهر السنة، لتأمين المراعي والظروف الجوية الملائمة.

في الوقت الذي أرجع فيه النحّال عبد الله المحمد السبب في هذا التراجع وموت النحل إلى “انعدام الخدمات، فالأدوية مفقودة أو مرتفعة السعر إن وجدت، وتراجع الزراعة بسبب ظروف الحرب، وعدم قدرة النحّالين على شراء النحل والملكات وتحسين السلالات”.

ويروي النحّالون أن الحرب والاشتباكات الدائرة ونزوح الأهالي (في المعارك مع داعش) ساهمت إلى حد كبير في موت الخلايا التي كانت تُترك لأشهر في بعض المناطق، دون القدرة على الوصول إليها لخدمتها وتقديم المياه والأدوية لها، ما أدى إلى موتها، كما أنها تعرّضت للسرقة أو الاستهداف بالقذائف والصواريخ، كما أدى صوت الانفجارات إلى موت أعداد كبيرة من النحل.

جمعية النحّالين السوريين الأحرار

تأسست الجمعية في آذار 2017، من خلال تواصل عدد من النحالين القدامى في الريف الشمالي والشرقي لمدينة حلب (جرابلس –الباب –إعزاز –أخترين –مارع –صوران).

للجمعية هيكلية إدارية رسمية مكونة من رئيس للجمعية وأمانة للسر ومكتب مالي ومكتب علاقات عامة ومكتب للتوثيق ولجنة للمراقبة والتقييم ومكتب إعلامي.

الجمعية مرخصة في المجلس المحلي لمدينة إعزاز ومحافظة حلب الحرة والحكومة المؤقتة، ويتم الانتساب لها بشرط أن يكون النحّال معروفاً من قبل بعض النحّالين القدامى، ويحصل المنتسب إليها على بطاقة نحّال ويدفع رسوماً سنوية (10 دولار).

تسعى الجمعية من خلال عملها وغرفة الواتس آب المُشكّلة من قبلها، على مساعدة النحالين وتبادل الخبرات والوقوف على أهم المشاكل والمعوقات التي تواجه تربية هذه الثروة، المجالس المحلية تسعى للحل والجمعية تراها قاصرة.

توزيع خلايا جاهزة

قال المهندس محمد علي إن المكتب الزراعي في المجلس المحلي لمدينة الباب وريفها ومجالس أخرى في الريف الشمالي لمدينة حلب، قامت باجتراح حلول لمساعدة النحالين على الاستمرار وتعويض خلايا النحل التي تضررت بالتعاون مع الحكومة التركية، وذلك من خلال تقديم خلايا جاهزة بمعدل وسطي (20 خلية للنحّالين القدامى) و (10خلايا للنحّالين الجدد) وفق مشروع دعم مجاني، وتم تغطية ما يقارب 70% من النحّالين القدامى في مدينة الباب وريفها، والبالغ عددهم (125 نحّالاً، 40 منهم من النحّالين القدامى) بحسب رئيس المكتب، الذي قال بإن الأولوية في التوزيع كانت للنحّالين القدامى من المتضررين بغية زيادة أعداد الخلايا، ومن ثم سيتم استرجاع قسماً منها وتوزيعها على نحّالين جدد.

وعن هذا المشروع يقول النحّال محمد رضا الحمدان إن هذه الخلايا الجاهزة كانت من النوع القوقازي الهجين من الفئة الثانية، وهي من سلالة جيدة تفوق السلالة التي كانت موجودة في سوريا سابقاً بنسبة بسيطة، إلّا أنها وُزعت بطريقة خاطئة “فلم يحصل سوى 25% من النحّالين القدامى على هذه الخلايا، في حين قام المجلس بتوزيع الباقي على نحّالين جدد أو بالواسطة والمحسوبيات لمن لا يعرف التمييز بين النحل والذباب”، ويرى حمدان أن هذا التوزيع غير العادل سيؤدي إلى زيادة عدد الخلايا عند النحّالين ذوي الخبرة، وموت الخلايا عند الآخرين.

ويروي حمدان أن الخلايا التي وُزعت كانت من خمسة إطارات مكتملة (ملكة وذكور وعاملات)، وقد تفاجأ برسائل على غرفة النحالين حول بعض الأمور الأساسية التي غابت عن النحالين الجدد ممن وزعت لهم الخلايا، لتبقى على حالها بعد أن جهلوا توسيع الإطارات ونزع الفلين ما جعل الخلايا تبقى على حالها، في حين تطورت عند النحالين القدامى إلى 20 إطاراً خلال 45 يوماً.

وكانت الجمعية قد طالبت الحكومة التركية تسليمها المشروع لتوزيعه بالشكل المناسب لكن الأخيرة رفضت ذلك بحجة عدم قدرتها على التعامل سوى مع المجالس المحلية!

خلايا فنية وأخرى بلدية

الخلايا الموزعة في المشروع جميعها خلايا فنية تفتح من الأعلى وتحتوي على إطارات ويسهل التحكم بها والتعامل مع النحل داخلها، في حين تعتبر الخلايا البلدية عبارة عن صندوق خشبي مغلق من الجهات الأربعة يفتح من الخلف، ويصعب التعامل مع النحل داخله وخدمته.

نبات اللافندر (خبز النحل)

مشروع النحل المقدم من الحكومة التركية قام بتقديم شتلات من نبات اللافندر(الجاذب للنحل)، والذي يقوم بمهمة (رعوية وطبية)، بحسب رئيس مكتب الزراعة في الباب.

إلّا أن عدد الشتلات التي قدمت (بعمر سنة) كان قليلاً، ما اضطر المجلس لزراعتها في مشاتل خاصة للعناية بها وزيادة عددها ومن ثم توزيعها على النحّالين في العام القادم.

وتعتبر نبتة اللافندر مجهولة عند النحّالين السوريين سابقاً، إلّا أن النحّال محمد قال “إن الحكم على النبتة سابق لأوانه ريثما يتم إزهارها، ومن ثم نرى استجابة النحل لها”، وبحسب دراسات فـ “إن كل دونم من اللافندر يكفي لـ 100 خلية نحل” في حين “تحتاج 30 خلية من النحل إلى 10دونمات من الكزبرة على سبيل المثال”.

في الصورة نبات اللافندر في ريف حلب - فوكس حلب.
في الصورة نبات اللافندر في ريف حلب – فوكس حلب.

هندسة النحل

يحتاج النحل إلى عناية خاصة، “فهو مدلل ومو كل شخص بيقدر يربيه”، على حد قول النحال محمد، وعن أهم الأساسيات التي يجب أن تتواجد في النحّال: أن يكون على علم بالمراعي، وخبرة بمواعيد تفتح الأزهار، وخبرة بأحوال الطقس واتجاهات الرياح، واختيار الموقع المناسب لوضع الخلايا، ومعرفة بأحوال النحل وأمراضه وطرق تلقيحه وإكثاره.

وتعتبر أشهر الربيع هي الأشهر الأفضل لتكاثر النحل، إذ من الممكن أن يتضاعف عدد الخلايا خلال هذه الأشهر إلى ضعفين أو أكثر، بينما يتضاءل التكاثر في فصل الصيف وينعدم في فصل الشتاء، وتعتبر درجات الحرارة بين (20-29) الدرجات الأنسب للتلقيح والتكاثر.

وينتج النحل كميات من العسل وسطياً (15 كيلو غرام للخلية الواحدة في العام)، كما ينتج غبار الطلع والغذاء الملكي والبربوليس، ويصل سعر كيلو الغذاء الملكي إلى 1300 دولارا،ً بينما يبلغ سعر كيلو غبار الطلع 30 دولاراً، والعسل يتراوح بين 30-50دولاراً بحسب نوعه.

وإنتاج العسل عملية معقدة جداً يقوم بها مجتمع النحل، حيث يؤكد خبراء النحل أنه “للحصول على 450 غراماً من العسل يقتضي الأمر تحليق 60000 نحلة لزيارة بين 3-5 ملايين زهرة، عبر رحلات يقطع خلالها النحل مسافة تقارب 89 ألف كيلو متر، بمتوسط 24 رحلة يومياً لكل نحلة، للحصول على رحيق الأزهار وحبوب الطلع الكافية لصنع تلك الكمية من العسل، وهذا أمر يتطلب كثيراً من العمل الجماعي وكثيراً من الوقت”.

وأقصى ما تستطيع النحلة حمله من رحيق حوالي 70 ميليغراماً (85% من وزنها بينما تحلق الطائرات بحمولة تصل إلى 25% من أوزانها فقط)، ولكن متوسط ما تحمله يتراوح بين 20 إلى 40 ميليغراماً، حيث يعتمد ذلك على مدى جاذبية الرحيق للنحلة ودرجة الحرارة وخبرة النحلة في جمع الرحيق وشدة موسم الفيض، ولجمع حمولة واحدة من الرحيق تزور النحلة بين 100-1500 زهرة.

يتجهز النحّالون في ريف حلب الشرقي لنقل الخلايا إلى محافظة إدلب للاستفادة من موسم اليانسون هناك، “صار لدينا خيارات وآفاق جديدة لتحسين السلالات وزيادة الإنتاج هذا العام”، يخبرنا النحال محمد وهو يستعد للموسم الجديد.

الأيام الأخيرة…على أعتاب الغوطة الشرقية (الجزء الثاني)

الأيام الأخيرة…على أعتاب الغوطة الشرقية (الجزء الثاني)

على سطح الأرض.. أحياء ولكن

كانت المنطقة كـ “الجحيم”، يصف أبو محمد الأيام الأخيرة في الغوطة قبل التهجير القسري الأخير، بداية تم تقسيم الغوطة إلى ثلاثة قطاعات (حرستا –القطاع الأوسط –دوما) وبدأت قوات الأسد بمهاجمة القطاعات كل على حدة. القصف كان هائلاً، وتوقف جميع الأهالي عن عدّ الغارات فقد فاقت القدرة على التحمل، براميل وحاويات وصواريخ فيل وأخرى فراغية وراجمات وقنابل فوسفورية وغازات سامة، كانت تحيل ليل الغوطة إلى نهار، ونهارها إلى ليل.

لم تعد تلك البقعة من الأرض صالحة للحياة، يقول الأهالي، زاد على ذلك انقطاع الأنترنيت، فلم يعد هناك وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي، بتنا في زنزانة مغلقة، كل ما نسمعه كان صدى لخوفنا من الاعتقال، أو دخول شبيحة الأسد إلى المنطقة.

أنباء متضاربة عن سقوط قرية أو حي تجعل الجميع متأهباً للهرب نحو مناطق أخرى، تليها تطمينات من ثوار وناشطين في المنطقة، ثم ما تلبث أن تسقط عليك من السماء وريقات من قوات الأسد، تطالب الجميع بالاستسلام والعودة إلى “حضن الوطن”، مع تطمينات بعدم المساس بالمدنيين، وإعطائهم فرصة ستة أشهر لتسوية أوضاعهم.

بعض الأهالي قرروا الدخول إلى مناطق الأسد، لم يكن الخيار سهلاً، ولكنه ربما كان أقل الضررين، فإما الاعتقال والموت وإما الاستسلام، ربما يكون في الاستسلام بعض حياة للأطفال والنساء. كل الأحاديث التي كانت تدور في الأقبية حول الخلاص من هذا الجحيم بأي طريقة كانت، حتى لو كانت الاستسلام للجلاد.

يكسر قلبك ويحد قرارك “صوت طفلك الباكي جوعاً وخوفاً”، ثم ما تلبث أصوات القصف أن تعيدك إلى الواقع فتنسى ما كنت تفكر فيه، وينحصر فكرك في الطريقة التي ستموت فيها “تضم الأم أطفالها، تحاول أن تعيدهم إلى قلبها كاملين، تتحسس المناطق المكشوفة في أجسادهم، تحاول تغطيتهم، تبدو يديها كثوب ممزق، ثم تنهار بالبكاء”.

يروي حسام دركزلي “كنا في منطقة يموت فيها الإنسان فتحتاج لأكثر من 3 ساعات لتسحبه من الطريق، لا لتدفنه، فقط لتضعه في مكان بعيد عن قارعة الطريق”،

“الدفن صار رفاهية، مئات من الجثث بقيت تحت ركام المنازل، يموت من بجانبك فلا تلتفت، ربما أردت أن تودعه، ولكن قلبك لا يسعفك، والقذائف تشل يدك للتلويح”، لم يعد هناك سوى حب “السيتامول” لاستخدامه كمسكن ألم، أما الشاش فقد كان “وجوه مخدات نقطعها لنلف بها جراحنا”.

المشايخ والعلماء وقادة الفصائل الذين كانوا يزرعون الأمل في قلوبنا غابوا عن المشهد، بعضهم استسلم لقوات الأسد، بعضهم انتشرت أنباء عن خيانته، كان لهذه الأخبار أثرها في تثبيط هممنا، أكثر من 400 عنصراً عادوا إلى “حضن الوطن”، المجالس المحلية في القطاع الأوسط حموريه شعب كفربطنا جسرين عين ترما زملكا مسرابا بيت سوى لم يقفوا معنا نحن المقاتلين، كلهم أرادوا لنا الخروج من مناطقهم لتحقيق اتفاق مع قوات الأسد، عندما كان أحدنا يحاول الاعتراض كان المجلس برفقة عدد من العناصر يسكتك أو يطردك ويهددك بتسليمك للأسد.

الصورة من مخيم بزاعة في ريف حلب – فوكس حلب.

أبو منذر رئيس المجمع التربوي في الغوطة قال “حوصرنا في زملكا وعربين وعين ترما، انقسم الأهالي بين من يريد الخروج إلى مناطق بعيدة عن حكم الأسد وبين من يريد البقاء لمصالحته، كانوا خونة”.

“قامت الفصائل بسحب السلاح الثقيل من حموريه” تروي أم محمد، ولم يبق إلا بعض الأهالي للدفاع عن المدينة، ومع كل هذا القصف كان لا بد من النزوح وتسليم حموريه بعد أن “سووها بالأرض من كتر القصف”، لتتجه مع عائلتها إلى عين ترما، لتنهي حديثها “الغوطة انباعت ما سقطت”.

“رضينا بالجوع والحصار والقصف وكل شيء ولم نكن لنسقط، ولكن ظلم الفصائل وخيانة بعضها هو من أسقط الغوطة” يحكي أبو هيثم الرجل الستيني وهو يلف سيجارته مسنداً رأسه على حائط مركز الإيواء في مدينة الباب، ينفث الدخان بعيداً “25 شب من لواء أبو موسى وقفوا الجيش بحموريه”، يطرق برأسه “بس شو الواحد لازم يحكي”.

ليلة الكيماوي

شهادات لناجين من القصف

يروي أبو رشيد من دوما

لم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها نظام الأسد الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية وغيرها من المناطق السورية، ولكنها ترافقت هذه المرة مع هجمات شرسة وتطمينات للأهالي بمنشورات كتب عليها (رح نرجع نعمر البلد ونمسح الدمعة –من رمى الفتنة أصبح خارج البلاد)، هذه التطمينات بالإضافة إلى إشاعات عن وقف إطلاق النار للتفاوض في دوما، جعل المساجد للمرة الأولى في يوم الجمعة 6/4/2018 منذ زمن، تقيم صلاة الجمعة في وقت واحد وفي موعدها المحدد، سابقاً كانت المساجد تصلي الجمعة في مواقيت مختلفة وغالباً ما كانت تقام في الصباح الباكر.

ترافق ذلك مع خروج بعض الأهالي إلى مراكز الإيواء في دمشق، بعض الذين كان لهم أقرباء في دمشق، اتصلوا بهم، كان الحديث عن البقاء والعودة إلى دوما بعد المصالحة يشغل بال الكثيرين من أهلها، بعضهم كان متخوفاً، آخرون صدقوا ربما (فحين تكون الخيارات معدومة تزين الحلول الموجودة وتلبس ثوب القناعة).

بعد الانتهاء من صلاة الجمعة (قبل يوم واحد على ضربة الكيماوي)، اشتعلت المنطقة من جديد، راجمات وصواريخ وقذائف، كلها سقطت على حينا (حي المساكن حارة أبو بكر الصديق جانب جامع النعمان) في وقت واحد.

لجأ الجميع إلى ما تبقى من مداخل الأبنية، أو إلى الأقبية القريبة منه، صار الوصول إلى منزلي على بعد 300 متر أمراً مستحيلاً، وحين هدأ القصف اتجهت نحو منزلي لأمضي الليلة مع عائلتي في أحد الأنفاق.

في اليوم التالي 7/4/2018 وقبيل صلاة المغرب، وبعد قصف بالحاويات حوّل المباني المحيطة بالنفق إلى ركام، سمعنا صوت صاروخ لكنا لم نسمع صوت انفجاره، الأصوات التي أتت من بعض من خرج النفق كانت تصرخ (كيماوي)، كان علينا الخروج من النفق فالبقاء فيه يعني الموت حتماً، إن دخلت الغازات إلى الداخل.

جميع من في النفق حاول الخروج في وقت واحد، تزاحمت الأرجل والأكتاف، بعضهم يبحث عن أطفاله، وآخرون يتدافعون علّهم يصلون إلى باب النفق، عجائز تسقط وآباء وأمهات يجرون أطفالهم.

عند باب النفق كانت الرائحة كريهة جداً، والهواء يشوبه لون أصفر، ركضنا لا نعرف وجهتنا. في الطريق كانت الناس تسقط، فجأة يسقط طفل من يدك، تحاول جرّه، لا تسعفك يدك، لتتركه وتكمل مسيرتك.

ثلاثين شخصاً أو أكثر مررنا فوقهم، وحين ابتعدنا قليلاً كان الدفاع المدني يحاول أن ينقذ المصابين، الماء وبخاخ الربو هو كل عتادهم، عائلات بأكملها قتلت، لا يعلق بذاكرتي سوى كلام أبو سليم لابنه، حين وصل إلى المشفى من مكان رباطه على الجبهة، سأل طفله الوحيد الناجي (15عاماً) “كان جبت معك شي وحدة من أخواتك، الصغيرة ما بتعذبك”، ليجيبه طفله “والله يا بي ما قدرت، ما شفتون وكنت دايخ من الريحة” ليجهشا معاً في لحظة عناق وبكاء.

أبو محمود الصيداوي (أحد الناجين من الكيماوي أب لأربعة أطفال)

في الحارة الثانية بعد جامع النعمان وفي منتصف الشارع كان يسكن أبو محمود وعائلته، في قبو المبنى وقبل المغرب وصلت رائحة تشبه الكلور إلى داخل القبو، حملت أطفالي وحملت زوجتي طفلي الصغير وخرجنا من القبو، “كانت الدنيا سودا” من أثر القصف الذي سبق الصواريخ الكيماوية، صعدت إلى الطابق الثالث، كان شبه مهدم بلا جدران ولا نوافذ، كنت أعرف أن علينا أن نرتفع عن الأرض فغاز الكلور أثقل من الهواء.

رائحة الكلور العفنة كانت تصل إلى أنوفنا ونحن نصعد درج المبنى، وحين وصلنا وضعنا قماشاً مبلولاً بالماء على فمنا لنتنفس من خلالها، وأشعلت ناراً من أشياء موجودة في المكان، لا أعرف لماذا فعلت ولكني كنت بحاجة لعمل أي شيء أنقذ به أطفالي، ربما بلا جدوى ولكنه كان الخيار المتاح أمامي.

الجلوس في طابق المبنى الأخير يعرضك للقصف، ويجعل موتك أكثر سلاسة، كأن تموت دفعة واحدة، دون أن تختنق هكذا فكرت وأنا أجلس بقرب أطفالي.

صاروخ آخر سقط في المكان، لون الغاز كان أخضراً وأنا أشاهده من مكاني، مات جميع من استنشق الغاز، رأيتهم يتشنجون ويخرج الزبد من أفواههم، كان اختناقاً وصراعاً على نفس واحد، قبو كامل أيضاً بمن فيه مات، علمت ذلك بعد أن نزلت في صباح اليوم التالي.

كان السعال يرافقنا خلال ليلتنا كاملة، وبدأ الجلد بالانتفاخ، وحرقة بالعين واحمرار ودموع، طفلتي تحول بياض عينها إلى اللون الأسود وما زال كذلك حتى الآن.

صباح اليوم التالي نزلنا إلى المشفى الذي لا يبعد عنا سوى كيلو متر واحد، قاموا برش الماء علينا وإعطائنا الحقن، وجلسات الارزاز، ما زالت حلوقنا جافة حتى الآن، ونوبات من السعال المتكرر ترافقنا.

ابو محمود الصيداوي أحد الناجين من الكيماوي – فوكس حلب.

بشار شيخ بزامة (مسعف -20 عاماً)

سقطت الصواريخ، بين الأول الذي يحتوي على مادة الكلور والثاني الذي لم نعرف ما يحتويه من غازات قرابة ثلث ساعة، لم يكن غاز الكلور، فلونه الأخضر وطريقة موت الناس وتشنجهم وخروج الزبد من أفواههم كان يوحي بمادة أخرى، اعتدنا على الكلور، فـ دوما نالت حظها منه في مرات كثيرة، لم تتجاوز أعراضه حالات ضيق في النفس، وكانت كمامة من قماش وماء تفي بالغرض، هذه المرة كان الغاز مختلفاً، أكثر من 150 شخصاً قضوا خلال دقائق، آخرون قضوا في الطريق ونحن نسعفهم، أما أكثرهم حظاً كان أولئك البعيدين عن الرائحة، فمعظم من استنشقها قتل.

في الحافلات.. الطلقة كانت في بيت النار

بدأ التهجير القسري لأهالي الغوطة الشرقية في منتصف آذار 2018، باتفاقيات مصالحة جرت بين قادة الفصائل وروسيا، كان الخيار الأصعب الذي عاشه الأهالي بين البقاء في ظل قوات الأسد التي حاصرتهم وقتلت أبنائهم، وبين أن يقتلع الإنسان من جذوره، من مكانه الذي عاش وقاتل من أجله.

“كان التنظيم عشوائياً ومهينا” يقول أبو هيثم، ولكني بفكرة خروجي من الغوطة لم أعد أهتم لشيء، كل ما كنت أريده أن أخرج ب “ديني وعرضي” من هناك.

عند وصول الحافلات كانت المقولة السائدة “اللهم أسألك نفسي”، كل يحاول أن يصل إلى الحافلة قبل الآخر، الفصائل قامت أيضاً هذه المرة باحتكار الحافلات الأولى بقوة السلاح، آلاف الطلقات في الهواء لتفريق المدنيين، كان نظام الأسد يرسل حافلات قليلة، ربما أراد أن يمعن في إذلالنا وإهانتنا، يروي حسام دركزلي.

هناك من أصيب بالطلقات النارية وهو يحاول الصعود في الحافلة، هذه المرة كانت إصابته من الفصائل ولم تكن من قوات الأسد، “هذا ما يحز في النفس”، أيام كأيام الحشر، مع فارق بسيط، هو انعدام الرحمة، فالقوي يأكل الضعيف، والعسكري يأخذ مكان المدني.

الصورة من مخيم زوغرة في ريف حلب – فوكس حلب.

على حاجز التفتيش الأول للمخابرات الجوية في مخيم الوافدين، كان الانتظار يدوم لساعات في بعض الأحيان، ضباط بكلام معسول كانوا يحاولون أن ينزلونا من الحافلات والعودة إلى “حضن الوطن”، تكلموا عن المصير المجهول الذي ينتظرنا، تكلموا عن الخيانة التركية وكيف أنا سنوصم بالخيانة إن نحن خرجنا، وسنساعد المحتلين على جيشنا،

يضحك دركزلي، جيشنا الذي قتلنا بكل أنواع الأسلحة وهجرنا من بيوتنا وحاصرنا وجوعنا.

قاموا بتهديدنا، فإدلب لن تكون بمعزل عن القصف، و”الدور جايي على إدلب”، هكذا قالوا لنا، أجابهم أحد الركاب “ناطرينكون”.

على الطريق كانت مجموعات من الشبيحة والموالين على جنبات الطريق، تطلق علينا السباب وأقذع الشتائم، يشيرون لنا بإشارات بذيئة، يرمون الحافلات بالأحذية والحجارة، كانوا يعبرون عن أنفسهم بطريقتهم التي يعرفونها.

اتفق الجميع في الحافلة وتعاهدنا على الموت إن مس أحد الجنود أو الحواجز “شعرة من رأس أحد”، سلاحنا الفردي كان جاهزاً و “الطلقة ببيت النار”، لم نكن متيقنين من الوصول إلى وجهتنا التي لا نعرفها أصلاً، قالوا لنا أنا سنذهب إلى مدينة الباب أو إدلب، 99% من الفكرة التي كانت تدور في عقولنا كانت “أن نموت هنا، وأن الاشتباك مع الحواجز والشبيحة لن يطول”، كنا “أمواتاً فوق الأرض”.

فريق عمل فوكس حلب.

الأيام الأخيرة…على أعتاب الغوطة الشرقية (الجزء الأول)

الأيام الأخيرة…على أعتاب الغوطة الشرقية (الجزء الأول)

الحصار الخانق وويلاته التي عاشها أهل الغوطة منذ خمس سنوات، لم تُفلح في كسر عزيمة أهلها الذين راهنوا على البقاء والانتصار، وأوجعوا الأسد وقواته في قلب العاصمة دمشق، حتى باتت جوبر وحرستا ودوما وغيرها من المناطق أساطير من الصمود، وحيكت فيهم القصص والحكايات، وكابوساً على قوات النظام يقض مضجعهم.

لمحة عامة

باكراً استيقظت الغوطة الشرقية على وقع الثورة السورية لتشارك في كافة مفاصلها من خلال مظاهرات عمت المدن والبلدات، كان لها الدور الأكبر في تشكيل فصائل عسكرية من أهالي الغوطة أنفسهم، على شكل كتائب أو سرايا كـ “سرية الإسلام أيلول 2011 ـ ولواء البراء آب 2012″، شكلت النواة الحقيقة فيما بعد لتشكيل جيش الإسلام وفيلق الرحمن أكبر فصائل الغوطة العسكرية، والمسيطران على معظم مساحتها، بالإضافة إلى “هيئة تحرير الشام وأحرار الشام وجيش الفسطاط”.

“خمسة أشهر كانت كفيلة بتحرير معظم الغوطة الشرقية”، أيام وصفها حسام دركزلي (مقاتل في الغوطة منذ سبع سنوات) بـ “العظيمة”، إذ كان هم الفصائل جميعها الوقوف في وجه نظام الأسد وتحرير المنطقة، رغم الخلافات التي كانت تنشأ بين هذه الفصائل إلّا أنها كانت متفقة فيما بينها أن تحرير دمشق من قوات الأسد هو الهدف الأهم، والدافع الأكبر لوجودها.

شهد عام 2013 بداية تشكل جيش الإسلام في مدينة دوما وما حولها، والذي يضم أكثر من عشرة آلاف مقاتل، وفيلق الرحمن في القطاع الأوسط الذي يضم مدناً عدة أبرزها حموريه وعربين وأجزاء من جوبر ويضم في صفوفه ما يقارب تسعة آلاف مقاتل.

يقول دركزلي “إن الفصائل بدأت بالتراجع منذ عام 2013، وبات الاقتتال والاحتراب فيما بينها سمة عامة، وبدأ الأسد بقضم الكثير من مناطقها تدريجياً”، لتبدأ مرحلة الحصار الخانق على الغوطة بقطاعاتها الثلاثة، قبل إطلاق حرب الإبادة الأخيرة التي انتهت بتهجير معظم أهلها قسرياً، إما إلى مراكز إيواء داخل دمشق أو إلى مناطق المعارضة في الشمال السوري (إدلب وريف حلب الشرقي)، ضمن اتفاقيات منفردة جرت بين الفصائل وروسيا منذ آذار 2018.

فصائل وتجار

أثارت أعمال الفصائل واقتتالها فيما بينها وتضييقها على الحاضنة الشعبية في الغوطة حفيظة وغضب الأهالي، الذين حمّلوا قادة الفصائل المسؤولية الكبرى في زيادة ويلات الحصار عليهم، فـ “جميع الفصائل لم تسمع مناشدات الأهالي”، على حد قول أبو هيثم ليلى من حموريه. وتحتاج العائلة المكونة من خمسة أفراد إلى “15000 ليرة” للبقاء على قيد الحياة، وتأمين “كاسة شاي” لأطفالك بات حلماً هناك، مع انعدام الكهرباء والوقود والغذاء وفرص العمل والتعليم، في الوقت الذي “كانت فئة من قادة الفصائل وأعوانهم وتجار المدينة يعيشون في رغد وبحبوحة”.

ويروي أبو هيثم قصة “المنفوش” وهو صلة الوصل بين قادة الفصائل والنظام، يُبرم الصفقات التي تتضمن كل ما تريد من المواد الغذائية والتموينية والوقود، ويُمررها عبر الأنفاق بمساعدة الفصائل الموجودة (التي كانت شريكته في مص دم أهل الغوطة)، الذين كان عليهم أن يدفعوا الثمن بعد أن فرضوا مبلغ “2000ليرة” على كل كيلو غرام من هذه المواد كزيادة في السعر، ولم يكن هناك خيار لنا سوى أن ندفع، فآخر صفقة تمت قبل التهجير بفترة قصيرة قام المنفوش بإدخال 500 طن من المواد الغذائية، أي ما يعادل “مليار ليرة سورية”، كان علينا نحن أهل الغوطة أن ندفعها لنبقى على قيد الحياة.

استنفد الحصار كل مدخرات الأهالي، لجأوا إلى بيع بيوتهم وأراضيهم وبقايا المصاغ الذهبي الذي كان لنسائهم، “لم يرحمنا أحد، فقادة الفصائل تحولوا إلى تجار، والتجار استطاعوا شراء الفصائل” يقول حسام دركزلي، الذي رأى أن تلك المعادلة أفرغت الثورة من محتواها، “كيف يمكن للمقاتل أن يرابط على الجبهات وعائلته في العراء بلا طعام” يكمل دركزلي، فإيجار البيوت مرتفعة وخاصة بعد أن فُرض على كثير من العائلات ترك قراهم في الخطوط الأولى والتوجه نحو مناطق أكثر أمناً.

ومع اقتتال الفصائل فيما بينها وفي كثير من الأحيان قُطّعت أوصال هذه المناطق، فهناك من لم يرَ أهله لأعوام، فقط لأنهم يعيشون في منطقة تقع تحت حكم فصيل آخر.

 

في الأقبية.. هناك من يحسد الأموات

على “عمق يزيد عن عشرة أمتار وبعرض لا يتجاوز 70سم”، كان آلاف من الناس يعيشون حياتهم هناك، حين غدا الضوء نعمة مفقودة، والهواء ضالة الجميع. “لم نرَ سطح الأرض لأيام، وكل طعامنا كان رغيفي خبز مصنوع من الشعير”. هي ليست زنزانات تحت الأرض بناها نظام جائر، فلا بد إذن من ثقوب للضوء فيها، حيث يمارس المعتقل حقّه في النوم بعد حفلات التعذيب، والطعام المرمي بقصعة مليئة بالتراب والحشرات، وهي ليست أيضاً جزء من رواية أو مشهداً من فيلم سينمائي تمارس فيه الكاميرا ذلك الإيهام البصري بالكثير من أدوات التجميل والتقنيات الحديثة، هي تلك الحقيقة القابعة في أنفاق حموريه في الغوطة الشرقية، التي تشابهت (وإن اختلفت بسنتيمترات قليلة) غيرها من المناطق المجاورة الثائرة.

“إن أردت أن تمشي في تلك الأنفاق، فعليك أن تدوس على مئات الأيدي والأرجل لتصل إلى نهايته”، يقول أبو هيثم ليلى من حموريه “لم يكن هناك كهرباء، ضوء القداحة الصغير هو دليلنا في المكان الذي لا نعرف له نهاية”.

على سطح الأرض كانت قوات الأسد وحلفاؤها تحرق كل شيء، استخدمت منذ بداية الحملة الأخيرة كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً (النابالم –الفوسفور الأبيض –الغازات السامة) أما البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والراجمات فكانت رفاهية تستخدم على مدار الوقت.

خمسة عشر يوماً أمضتها أم محمد (أم لأربعة أطفال يتامى) في نفق في حموريه، كل ما كان يشغل تفكيرها أن لا يموت أطفالها اختناقاً من الغازات السامة، تمنت لو أن صاروخاً يصيبهم جميعاً (إن كان لا بد من الموت)، الموت جوعاً كان الهاجس الآخر لأم محمد وهو ما دفع الكثير من العائلات وأم محمد للمجازفة بالخروج من النفق، والتوجه إلى بيوتهم علّهم يحظون ببعض الطعام يحضرونه لأطفالهم. تحتال الأمهات لتأمين قوت يوم، عليها أولاً أن تطحن الشعير (إن وجد)، ثم تبدأ رحلة البحث عن بقايا الملابس القديمة والاسفنج وبعض الحطب لإيقاد نار لخبز الشعير، “بعض النساء كسرت غرف نومهن وجلوسهن، أخريات استعنّ بملابس أبنائهن وبقايا الأغطية، والأدوات البلاستيكية” تقول أم محمد.

المغامرة الكبرى كانت في أن ترى طائرات الاستطلاع الدخان المتصاعد من أحد المنازل، لتبدأ الطائرات باستهدافه، “كانت صناعة الخبز إنجازاً، وكان على النساء أن يصنعن الحياة بأرواحهن”.

لم تحفر تلك الأنفاق على عجل، بل كانت حصيلة تعب وجهد كبيرين، يقول أبو منذر من النشابية في الغوطة الشرقية، فبعض المؤسسات والداعمين قاموا بتجهيز الأقبية بنسبة 40%، بينما تكفل السكان بإكمال ما تبقى من عمليات حفر وتجهيز، كان على السكان إيصال تلك الأنفاق ببعضها بحيث يصبح لكل نفق أكثر من مخرج، فالطائرات التي كانت تستهدف الأنفاق والمباني المحيطة كانت تردم الكثير من أبواب هذه الأنفاق، وإن لم تكن هناك مخارج أخرى فسيموت الناس تحت الردم.

تجمّع في هذه الأقبية أكثر من 1000 شخص أحياناً في كل قبو، ومع بدء الحملة الأخيرة لقوات الأسد، ونزوح بعض أهالي الغوطة إلى مناطق داخلية أخرى، كانت الأعداد تتزايد في هذه الأقبية حتى ضاقت بساكنيها، زاد على ذلك انعدام كل فرص الحياة، الطعام والماء والكهرباء والأدوية والتواصل مع العالم الخارجي من خلال وسائل الاتصال، كل ذلك فُقد في الأيام الأخيرة، وكان البقاء على قيد الحياة مسألة وقت ليس إلّا.

كان على أم محمد أن تحسم أمرها بالخروج من حموريه مع تقدم نظام الأسد، وما أشيع حول بدء دخوله إلى البلدة، حملت أطفالها، خرجت من النفق ليلاً تحاول الوصول إلى عين ترما، القذائف كانت تسقط حولها من كل جانب، الطريق الذي ضاعت معالمه لكثرة الأبنية المدمرة أرغمها على الوقوف مرات كثيرة، لم يسعفها عتم الليل لإكمال طريقها، مشت أحياناً وركضت أحياناً، صرخت في الليل دون مجيب، سقطت وتعثرت بالركام المنتشر في الطريق، و”حين وصلت وجدت نفسها وأطفالها حفاة بلا أحذية”.

في سقبا كان الأمر أكثر إيلاماً، يقول حسام دركزلي (أحد مقاتلي الغوطة من المروج) “بات علينا أن ندفع إيجار الأقبية والأنفاق، ونحن نرابط على الجبهات”.

إيران…إلى الوراء در

فريق التحرير

إيران…إلى الوراء در

لعلّ ما يُفهم من كلام نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأخير، وكشفه عن وثائق سرية حول ملف إيران النووي، واتهامه لإيران بالكذب بهذا الخصوص -تزامن ذلك مع كلام الرئيس الأمريكي ترامب حول إعادة النظر في الاتفاق النووي الذي توصل إليه الإيرانيون مع الدول الست في عام 2015، وأنه سيتخذ قراراً بخصوص هذا الاتفاق في12 أيار القادم- سيفضي بالنتيجة إلى ضرب مواقع إيرانية سواء في العمق الإيراني أو في سوريا، وهو ما يدل صراحة على انتهاء الدور الإيراني فيها، ضمن موافقة روسية خفية تجلّت في تهميش الدور الإيراني خلال الأشهر الماضية فيها.

لم يعد الكلام سراً فالتصريحات “الإسرائيلية” حول منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، ورفضها تزويد حليفها حزب الله بأسلحة نوعية، كانت محور الحديث في الصحف “الإسرائيلية” خلال الأيام الماضية، وأن “إسرائيل” لن تقف مكتوفة الأيدي جراء ما يحدث، وهو ما ترجمته فعلاً إلى ضربات عسكرية طالت مواقع في سوريا للميليشيات الإيرانية  خلال الشهر الماضي على مطار التيفور العسكري ومواقع في حماه وحلب(اللواء 47 ومطار النيرب العسكري)،  قُتل فيها بحسب إعلام النظام 8 جنود بينهم إيرانيين، إلّا أن صفحات التواصل الاجتماعي الموالية تحدثت عن أعداد تفوق ذلك الرقم بكثير، ورجحت المصادر أن المواقع المستهدفة تحتوي على مخازن أسلحة بعضها صواريخ أرض أرض وأن الخسائر ثقيلة وغير مسبوقة، وسط نفي إيراني لضرب مواقعها في سوريا على الرغم من تأكيد النظام السوري لها.

هذا التحرش “الإسرائيلي” بإيران يستدعي رد فعل إيراني منتظر تترقبه “إسرائيل”، وتغلق حدودها الجوية وتستنفر قواتها التي تتوقع ضربة إيرانية محتمله في هضبة الجولان، أو في أي مكان تختاره إيران، بحسب الخبير العسكري عاموس هاريئيل.

التصعيد “الإسرائيلي” الأخير يستوجب التحليل، ويجعلنا نقف أما تساؤل هام، لماذا اختار “الإسرائيليون” هذا التوقيت بالذات؟ وهل هناك اتفاق ضمني بين الدول الكبرى حول القضية الإيرانية، سواء بإحداث تغيير جذري في إيران نفسها، أو بقص أجنحتها وتحجيم دورها الساعي للسيطرة على المنطقة عبر ذراعها العسكري حزب الله وحليفها بشار الأسد؟

بدأت خلال الأشهر الأخيرة تتصاعد أصوات إيرانية حول الخلاف الروسي الإيراني في سوريا حول مناطق النفوذ والثروات الباطنية، وصلت إلى حد اتهام صحيفة “قانون” المقربة من التيار الإصلاحي في إيران الأسد بالتخلي عن إيران التي ثبتته في الحكم، ووصفه بالجبان والمخنث وناكر الجميل.

كما لوحظ غياب إيران في اتفاقيات المصالحة الأخير التي كانت روسيا عرابتها الوحيدة، متجاهلة الدور الإيراني الذي انتهت مهمته، فروسيا لن تزج بقواتها البرية في معارك الأسد، وكان لا بد من بديل استطاع الأسد تأمينه من خلال إيران والميليشيات الشيعية وحزب الله، ومع تغير واقع السيطرة على الساحة السورية وسيطرة قوات الأسد على معظم المناطق السورية وخاصة تأمين العاصمة دمشق بعد اتفاق المصالحة الأخير في الغوطة الشرقية، لم تعد لتلك القوات والميليشيات أي ضرورة، وكان على روسيا أن تفرض سيطرتها على الوضع، وترك الإيرانيين وميليشياتهم لقدرهم في مواجهة ما سيحدث خلال الأيام القادمة، ما سيؤدي إلى انسحابهم من سوريا كخيار بديل عن مواجهة أمريكية “إسرائيلية” أوروبية محتملة، قد تمتد إلى الداخل الإيراني إن حصلت.

ومع الحديث عن اتفاق سياسي في سوريا، فلن يكون هناك أي دور محتمل لإيران العدو الرئيسي للسعودية ومن خلفها دول الخليج، السعودية التي كانت المحطة الأولى في زيارة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ليكيل السباب والشتائم للاتفاق النووي مع إيران، وتعهده للتصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا ما يرجح أن يكون قرار ترامب القادم ضد إيران باستهداف برنامجها النووي وربما الصاروخي أيضاً.

فهل بدأت المعركة ضد إيران فعلاً من خلال ضرب أذرعها في سوريا، وضرب خطوط إمداد حزب الله ومن ثم القواعد العسكرية لإيران في سوريا، وصولاً إلى ضربها في عقر دارها؟

سواء تمّ هذا الأمر أم لم يتم، فالأكيد، أن إيران ستخرج من سوريا خلال الأيام القادمة، وأن روسيا المتحكم الفعلي في نظام الأسد قد ربحت الجولة ضد إيران في المنطقة، وأنها -أي روسيا- لن تقف إلى جانب إيران فيما سيحدث خلال الأيام القادمة.

اللشمانيا: ظروف مواتية للانتشار وحلول قاصرة

مصطفى أبو شمس

اللشمانيا في الشمال السوري : ظروف مواتية للانتشار وحلول قاصرة

علاج اللشمانيا في مستوصف الباب الصحي -خاص فوكس حلب 

ليس جديداً انتشار مرض اللشمانيا (حبة حلب) في سوريا إذ تضم سوريا بالإضافة إلى خمسة دول أخرى 90% من عدد المصابين في العالم، إلّا أن السنوات الأخيرة في سوريا ومنذ بداية الحرب أدت إلى زيادة كبيرة في أعداد المصابين، رافق ذلك نقص في الأدوية المعالجة وغياب للطرق الوقائية، وضعف في الاستجابة من قبل مديريات الصحة والمجالس المحلية والمنظمات الإنسانية.

ومع بداية فصل الصيف وارتفاع درجة الحرارة (فترة نشاط الذبابة المسببة للمرض) يدق ناقوس الخطر في المناطق المحررة، وتنذر المؤسسات الصحية والمجالس المحلية بكارثة صحية ستطال (إن لم تتوافر الحلول) معظم المناطق السورية.

ظروف مواتية في إدلب

طفلة مصابة باللشمانيا مخيم الكمونة خاص فوكس حلب 

الزيادة السكانية التي شهدتها المناطق المحررة في الآونة الأخيرة سواء في محافظة إدلب أو أرياف حلب، والزيادة الكبيرة في عدد المخيمات خاصة المخيمات العشوائية غير المخدمة والتي أنشئت غالباً على أراضٍ مستأجرة بالقرب من مكبات القمامة أو خطوط الصرف الصحي المكشوفة، مع تواجد بقع من المياه الراكدة الآسنة، شكلت البيئة الأهم لانتشار وتكاثر ذبابة الرمل المسببة لمرض اللشمانيا. يقول أبو عمر عليوي أحد سكان المخيمات العشوائية على الطريق بين سرمدا ومعرتمصرين في إدلب “يمر بالقرب منا نهر من الصرف الصحي المكشوف، كما لا تقوم المجالس المحلية برش المبيدات الحشرية اللازمة، منذ أكثر من سبعة أشهر ونحن في المخيم ولم يأت إلينا أي من النقاط الطبية الجوالة، ولا يوجد مستوصف في المخيمات، علماً أن هناك أكثر من 30 إصابة باللشمانيا في مخيمنا وحده”.

ويحمّل أنس دغيم مسؤول اللشمانيا والمراكز الصحية في إدلب المجالس المحلية والبلديات المسؤولية في انتشار المرض وذلك بسبب عدم ترحيل القمامة وعدم بخ البؤر الموبوءة بالمبيدات الحشرية اللازمة، والقيام بمشاريع تغطية الصرف الصحي.

من جهتها حمّلت المجالس المحلية المسؤولية للمنظمات الإنسانية والخدمية، بعدم الرد على المناشدات والمشاريع التي قدّمت من خلال المجالس إليها لتغطية كلفة هذه المشاريع وتقديم المبيدات الحشرية والأدوية اللازمة. فبحسب حسن السردي ني رئيس المجلس المحلي في أرمناز” منذ خمس سنوات ونحن نتوجه إلى الجهات المسؤولة والمنظمات المحلية دون أي رد، مشروع النظافة توقف الدعم عنه منذ سنتين، وطلبنا مبيدات لبخ المناطق الموبوءة دون فائدة أو رد من أحد، وإمكانية المجالس المحدودة”.

 

الصرف الصحي المكشوف  قرب مخيم الكمونة في ريف حلب  – خاص فوكس حلب 

يضاف إلى الأسباب السابقة الدمار الذي خلّفة القصف على القرى والبلدات، والذي دمّر البنية التحتية والمنازل وحولها إلى أماكن مهجورة تكثر فيها انتشار ذبابة الرمل بالإضافة إلى القوارض التي تحمل الطفيلي المسؤول عن حبة اللشمانيا، وتدمير المشافي والنقاط الصحية.

في ريف حلب الشرقي الأعداد في ازدياد

يقول الدكتور شواخ الزرزور طبيب الأمراض الجلدية في مستوصف مدينة الباب الصحي “إن أكثر من 200 حالة تراجع المركز بشكل يومي للعلاج من اللشمانيا، منها 25 إصابة جديدة يومياً”، تلك الأرقام ستتزايد في فصل الصيف القادم، وذلك لأن الإصابات تظهر بمدة تتراوح بين شهرين إلى ست أشهر، وهذا يدلّ على أن الإصابات الحالية أتت من الفترة الماضية.

ويكمل الطبيب “لا توجد أدوية في معظم المستوصفات لعلاج اللشمانيا، ومنذ أشهر ونحن نعتمد على أدوية منتهية الصلاحية بفعالية قليلة في العلاج” وتغيب هذه الأدوية (منتهية الصلاحية) في معظم المستوصفات ويتطلب الأمر تحويل المريض إلى مناطق بعيدة للحصول على العلاج الذي يستمر لأشهر في الكثير من الحالات.

كما تغيب الأدوية عن الصيدليات في المنطقة، فمعظم الصيدليات لا تتوفر فيها الحقن العضلية اللازمة للعلاج، وإن وجدت فهي منتهية الصلاحية وتباع ب 500 ليرة للأمبولة الواحدة، إذ يحتاج المريض لكورس علاجي (21) حقنة للعلاج.

ويحصل المستوصف الوحيد لعلاج اللشمانيا في مدينة الباب على أدويته من مشفى الحكمة ومشافي المنطقة، وعلى الرغم من قيام المجلس المحلي بخطة الرش المتبعة والتي تستمر من الشهر الثالث وحتى العاشر من كل سنة، إلّا أن الإصابات في ازدياد، ويأمل عبد الله الراغب عضو المكتب الطبي في المجلس المحلي لمدينة الباب بنقص الإصابات هذا العام مع حملات الرش التي تتخذها البلدية وهي “ألمانية الصنع تقدمها بلدية عينتاب”، وقام المجلس بتخصيص رقم استجابة طارئة للمواطنين لتلبية اتصالاتهم حول البؤر التي تنتشر فيها ذبابة الرمل، كما قام المجلس بالتعاون مع مكتب التثقيف الصحي بتنظيم حملات توعوية بهذا المرض وطرق الوقاية منه وعلاجه على مستوى المعلمين والمدارس والمساجد بالتعاون مع مكتب التربية والأوقاف.

ويرى الراغب أن معظم هذه الإصابات تتركز في الأرياف وفي المخيمات العشوائية غير النظامية والتي يملك أصحابها “المواشي”، بالإضافة إلى عمل الأطفال “بلم النايلون والأدوات البلاستيكية” من القمامة ما يجعلهم عرضة للإصابة.

علاج اللشمانيا في مدينة الباب -خاص فوكس حلب 

اللشمانيا (علاج –وقاية)

اللشمانيا مرض طفيلي تنقله ذبابة الرمل وهي (ذبابة صغيرة من 1.5-4 ملم) غالباً لا ترى في العين المجردة وتنشط في الفترة المسائية وتعد الأماكن الرطبة والمهجورة ومكبات القمامة والمياه الآسنة، المكان الرئيس لتواجدها.

لا تستطيع ذبابة الرمل الطيران إلا على ارتفاعات قليلة لا تتجاوز المتر وتعتمد على القفز ولا تقطع الذبابة طيلة حياتها مسافة 100 متر بحسب الدراسات.

ذبابة الرمل 

وتنقسم اللشمانيا إلى قسمين: اللشمانيا الجلدية: وتصيب الجلد في المناطق المكشوفة على شكل حبة حمراء بيضوية أو دائرية

اللشمانيا الحشوية وتصيب الأعضاء الداخلية كالكبد والطحال ونقي العظام وغالباً ما تؤدي إلى الموت

تعالج اللشمانيا بالحقن العضلية “غلوغانتيم أو بنتوستام”، وتستخدم كحقن موضعية أو عضلية.

وتعتبر معالجة المياه الآسنة وبخ المبيدات الحشرية والامتناع عن تربية الحيوانات في المنازل ومعالجة مكبات القمامة وارتداء الملابس التي تغطي المناطق المكشوفة كاليدين والقدمين من أهم الطرق الوقائية للحد من هذا الوباء.