يمكن لإصابات النُّخاع الشوكي أن تكونَ مدمِّرة (spinal cord injury). ويتعرَّض مئات الناس لإصابات النخاع الشوكي سنوياً، ويعود السبب الرَّئيسي إلى حوادث السيَّارات أو السقوط أو الإصابات الناتجة عن الحروب، فقد سًجلت آلاف الحالات في سوريا بسبب الحرب. فمنهم من أصيب بشلل دائم في الذراعين، أو الساقين، أو كليهما، بسبب إصابات في النُّخاع الشوكي. يساعد هذا المقال التثقيفي على فهم أسباب إصابات النخاع الشوكي وخيارات علاجها، وكيفية تجنب مضاعفات الإصابات. النخاع الشوكي هو جزء من الجهاز العصبي المركزي والذي يبدأ من قاعدة الدماغ ويمر خلال النفق الفقري أو القناة الفقرية للعمود الفقري, وهو أنبوبي الشكل ويتكون من حزمة من الأعصاب التي تعتبر امتداداً للجهاز العصبي المركزي من الدماغ، ويحميها مجموعة من العظام تسمى العمود الفقري , ويحمي العمود الفقري مجموعة عضلات منتشرة على طول العمود الفقري . والوظيفة الرئيسية للنخاع الشوكي هي توصيل الإشارات العصبية من وإلى الدماغ حيث يقوم بتوصيل الإشارات العصبية من الدماغ إلى العضلات ، ويقوم بعمل الفعل المنعكس إذا لمس إنسان جسماً ساخناً، حيث يُصدر الأمر إلى العضلات بالتحرك قبل أن تصل إلى الدماغ، وهو محاط بثلاثة أغشية للحماية مثل الدماغ.
أسباب إصابات النخاع الشوكي: يمكن أن يُصاب النُّخاع الشوكي عند انضغاطه أو تعرضه لحرق نتيجة طلق ناري أو شظية. ويمكن لهاتين الحالتين أن تحدثا كسر فقرة أو أكثرفي منطقة الإصابة تشمل الأسباب الأكثر شيوعاً وهي الإصابات الرضية للنُّخاع الشوكي:
التعرض لطلق ناري.
التعرض لشظايا صاروخ أو براميل.
حوادث السيَّارات.
السقوط.
كما يمكن أن تنتج إصابة النخاع الشوكي بسبب إصابة غير رضية، والأمثلة تشمل:
التهاب خلايا الأعصاب الشوكية (البكتيري أو الفيروسي(.
الأكياس أو الأورام التي تضغط على النخاع الشوكي.
انقطاع تزويد الدم إلى النخاع الشوكي (مما يسبب تلف النخاع).
أسباب خلقية (أي الموجودة منذ الولادة) التي تؤثر على تركيبة العمود الفقري كالشوك المشقوق.
تسبب الإصابة بالنخاع الشوكي الأعراض التالية:
فقدان القدرة على الحركة تحت مستوى الإصابة.
فقدان الإحساس تحت مستوى الإصابة، ويشمل اللمس أو الإحساس بالحرارة، البرودة.
الشعور بآلام أو وخز في الأطراف المتضررة وتسمى هذه الآلام بالألم العصبي .
تصنيفات إصابات النخاع الشوكي:
تصنف هذه الإصابات حسب مكان الإصابة ومدى شدة تأثر النخاع الشوكي بهذه الإصابة كما تختلف الأعراض لنفس الأسباب، وعادة يستخدم مصطلحين لوصف شدة الإصابة :
الأذية الكاملة : هو المصطلح المستخدم لوصف ضرر النخاع الشوكي بالكامل ، والذي يسبب خسارة كاملة في القدرة على إرسال النبضات الحسية والعصبية الحركية وبالتالي الخسارة الكاملة للوظيفة العصبية تحت مستوى الإصابة .
الأذية غير الكاملة : هي المصطلح المستخدم لوصف الضرر الجزئي في النخاع الشوكي , ونتيجة هذا الضرر تبقى بعض الوظائف الحركية والحسية سليمة , فمثلاً يحتفظ جسدهم على بعض الأحاسيس الطبيعية لكن الحركة تكون معدومة أو قليلة ، أو يحتفظ على الحركة و يكون الإحساس معدوم أو قليل ، فالإصابات الشوكية غير الكاملة تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر.
إضافة لذلك، فمن المصطلحات التي تستعمل لتصف الإصابات، الشلل الرباعي (Quadriplegia)، التي يكون فيها المصاب قد فقد القدرة الحركية والحسية في أطرافه الأربعة. أما الشلل الذي يصيب الأرجل فيطلق عليه “شلل سفلي” شلل النصف الأسفل من الجسم . (Paraplegia) يحدث الشلل الرباعي في إصابات النخاع الشوكي إذا كانت الإصابة في مستوى الفقرات الرقبية , كما يحدث الشلل النصفي عند الإصابة على مستوى الفقرات الصدرية والقطنية , وعادة ما تترافق الإصابة في مستوى الفقرات الرقبية والصدرية بتشنج تحت مستوى الإصابة.
المقال القادم عن طرق تأهيل إصابات النخاع الشوكي والوقاية من مضاعفاتها.
١٥ دقيقة كانت مليئة بالأحداث، رعب وحزن وبكاء وخوف وظلم ومناظر تقشعر لها الأبدان في أحد سجون "تنظيم الدولة الإسلامية".
وصلنا مع وقت صلاة الظهر إلى سجن "تنظيم الدولة الإسلامية” في منبج بعد سفر ٣ ساعات، كانت أبواب السجن مغلقة، انتظرنا ١٠ دقائق حتى أتى أحد العناصر وفتح نافذة الاستعلامات. كان يلبس قناعاً لا يظهر منه سوى عينيه ويحمل بندقية على كتفه، فقال إن “الزيارات انتهت" وأدار ظهره، فقلت له إننا أتينا من مكان بعيد ولم نزر أخي منذ اعتقاله قبل ٤ شهور، فرد علي "قلت لا يوجد زيارات، اذهب من هنا وإلا وضعتك بجانب أخيك بالسجن"، على أي أساس لا توجد زيارات؟، "على أساسي وكيفي أنا وهذا ليس من شأنك”، وأغلق النافذة وذهب.
ثم جاء عنصر ثاني وسألني "ما تهمة أخيك؟”. إنه إعلامي. "أكيد محكوم تبادل أسرى ولا يحق لكم زيارته"، ثم ذهب. عنصر آخر سألني "ما اسم أخيك؟”. فادي. التفت إلى البواب، وقال له "دعه يزوره" ثم قال لي إن "الزيارة ربع ساعة فقط".
دخلنا من الباب الرئيسي أنا وأمي وأخي حسن (١٠ أعوام) وأخي ورد (٣ سنوات)، وكنت متردد الخطوات بدخولي للسجن لعدم ثقتي بهم، ثم دخلت إلى المبنى حيث كان مكان الزيارة عبارة عن بهو محاط بعدة غرف للمحققين والأمنيين وعدد من المقاعد. وعندما رآنا أخي، بدأ يمشي بخطوات سريعة وكان وجهه شاحب اللون وجسمه نحيل وشعره محلوق ويلبس بيجاما ممزقة وقميصاً ليس له وهو يبكي.
كان حسن الأقرب اليه، فضمه إلى حضنه بقوة وبدأ يبكي، ثم رأى أمي وأسرع إليها ممسكاً يدها ليقبلها، لكن سرعان ما ارتمى على الأرض وبدأ بتقبيل قدميها. جلست أمي ورفعته عن قدميها واحتضنته وبدأت تقبله وهو يقبلها ويبكيان كلاهما دون أن يتكلما، وعيون الموجودين وعناصر التنظيم تراقبهم.
أمسكت يديهما قائلاً : "انهضوا, صلوا على النبي، وكلوا الله، الوقت ضيق يجب أن لا نضيعه”. هنا توقف وضمني إلى صدره بقوة وقال وهو يبكي "اشتقت لكم كثيراً وكنت متأكد أني سأراك”، ثم حمل ورد بحضنه وبدء بتقبيله ونحن نمشي باتجاه مقعد وجلسنا.
وكان عناصر "تنظيم الدولة الإسلامية" يمشون بالبهو بين الناس ليسترقوا السمع.
سألته أمي والدموع تنهمر على وجنتيها "كيف صحتك أبني، هل قاموا بضربك أو تعذيبك، هل أنت مريض أو جوعان؟”. فأجاب أخي وهو يلتفت حوله كثيراً وعلى وجهه علامات الرعب، بنبرة حزينة وصوت متقطع وكلمات سريعة "لي ٤ شهور مسجون وكأنها ٤ سنوات، كلها تعذيب و إهانات، هم يصلبوني ويجلدوني بالجنازير".
ورفع كم قميصه لنشاهد آثار التعذيب كان جلده مسلوخ و يتخلل لحمه جراح عميقة.
تابع: "هذا أقل شيء، فإني لا أستطيع النوم على ظهري بسبب الجروح الكثيرة، فهم يريدوني أن أعترف بأي عمل قمت به ضدهم لكي يحولوني للمحكمة"
قاطعته أمي وهي تبكي وتنظر إليه "اعترف بأي شي أبني أحسن ما يعذبوك لأن جسمك ما يتحمل”. فرد باكياً: "سوف يقتلوني إن اعترفت أني عملت ضدهم، فإن اضطررت أن اعترف كذباً لعدم تحملي للعذاب ومت فسامحوني وادعوا لي”. ونظر لي وقال:"الآن اقتنعت بكلامك بعد ما كنت أحبهم وأدافع عنهم، فعلاً لا علاقة لهم بالإسلام”. و أضاف: "لا تسكنوا بمناطقهم، ولا تتعاطفوا معهم، ولا تسمحوا لأحد من عائلتنا أن يبايعهم، فهم لا يختلفون عن النظام بظلمهم وحكمهم".
فسألته أمي وهي تنظر إلى ثيابه الممزقة "أين ثيابك التي كانت معك ابني؟”. أجاب "ثيابي محجوزة عندهم بالأمانات ولم يعطوني شيئاً منها ولن يعطوني إياها لحين خروجي من السجن إليكم أو للقبر”.
نادى المنادي "انتهت الزيارة".
نهضنا، وودعّنا وطلب مني أن أكمل رسالته الإنسانية بتسليط الضوء على حال الأطفال من دون دراسة، وطلب منا أن نزوره إن سمحوا لنا، وطلب من أمي الدعاء له، وكانت أمي تبكي وتطلب منه أن يصلي ويتوكل على الله ويكثر الدعاء "ابني، إن الله معك لا تخف، إني استودعتك عند الله الذي لا تضيع عنده الودائع، وأكثر من قول اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"…
“الحر” يُهدد “معامل الدفاع” في حلب وتدمير طائرتين بصواريخ “تاو”
شهدت حلب خلال الأيام الماضي معارك مهمة وكثيرة على جبهات عدة بين قوات النظام مدعوماً بجيش الدفاع الوطني ومليشيات شيعية وبين الجيش الحر أبرزها جبهة (قرية عزيزة) التي تقدم فيها الأخير ووصفها قادته بـ"الشرسة" لشدة الاشتباكات.
و بالمقابل، تقدمت قوات النظام في جبهة “حندرات” من جهة السجن المركزي، وهي منطقة تتمتع بموقع استراتيجي نظراً لارتفاعها وإشرافها على الطريق الواصل بين حلب وريفها الشمالي، وذلك بعد تسلل بعض عناصر قوات النظام إلى القرية حيث نصبوا حاجزاً عند مفرق “باشكوي” واعتقلوا كثيراً من المدنيين والثوار.
ووصف قادة عسكريون في حلب أحداث حندرات بـ"معارك كر وفر" . وصد الجيش الحر هجوم قوات النظام المدعومة بمليشيات شيعية واستعادوا السيطرة على “مزارع الملاح” قرب المنطقة. ودمروا دبابتين للنظام واغتنموا واحدة مع مدفع عيار 23، واعتقلوا عدداً من جنود النظام ومليشياته كان بينهم مقاتل أفغاني.
وخسرت قوات النظام وميليشياته 30 عنصراً في هذه المعارك بحسب صفحة أخبار حلب المؤيدة للنظام. في المقابل، خسر الجيش الحر 26 عنصراً، بحسب موقع شهداء حلب. وقال الملازم أبو بكر الحولاني أحد قادة حركة حزم "إن هذه الجبهة ما زالت مدعومة بقوات من الثوار لمنع تقدم قوات النظام في هذه المنطقة وعدم السماح لهم بمحاصرة حلب" .
وفجر الثوار دبابة تابعة للنظام على جبهة الشيخ نجار، وطائرتين بمطار النيرب باستخدام صواريخ تاو، وعربة فوزليكا في المنطقة الصناعية بالشيخ نجار وقتل طاقمها.
وفي هذه الأثناء، أطلقت فصائل من “الجيش الحر” وأهمها "الجبهة الإسلامية" معركة "زئير الأحرار" في خناصر، لاقتحام معامل الدفاع التي يصنع فيها النظام الأسلحة والذخيرة والبراميل المتفجرة.
و سيطروا على 7 قرى بينها العدنانية المحاذية لمعامل الدفاع، ودمروا مروحية ومنعوا المروحيات من التحليق أو الهبوط في المعامل للتزود ونقل الأسلحة والذخيرة لقوات النظام منها.
وفي الريف الشمالي، استهدف “التحالف الدولي” مواقع "جبهة النصرة". وقصف أيضاً مواقع لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" في الريف الشرقي وكانت الضربات استهدفت مناطق (منبج والباب ودير حافر) بأكثر من 20 غارة أدت إلى مقتل العديد من عناصر التنظيم، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان .
وقد دمر التحالف بإحدى غاراته رتلاً لـ"تنظيم الدولة الإسلامية" في مدينة عين العرب (كوباني) بعد تقدم الأخير في محاولة للسيطرة عليها، في ظل دفاع قوات "حزب حماية الشعب” ( P Y D) وحزب العمال الكردستاني p k k” عنها.
وفي سياق متصل، قصف النظام أحياء سكنية عديدة في حلب كان منها (الصاخور وقاضي عسكر والحيدرية ومساكن هنانو وباب الحديد وصلاح الدين وتل الزرازير والسكري والحيدرية)، مستخدماً الطيران الحربي والمروحي وصواريخ أرض أرض، قتل على أثرها أكثر من 85 مدنياً، بحسب موقع “شهداء حلب”.
من عمق ألبانيا، تلك البلادُ المجبولة بالعقل الصخري والعاطفةِ الجانحة كالريح، المجهولةِ المعالم بطرقها الوعرةِ وجبالها الجرداء السامقة، ينبش الروائي الألباني (اسماعيل كاداره) عالماً خفياً، يُفترضُ على البشر تناسيهِ ليستطيعوا أن يكملوا حيواتهم دون احساس بالقهر والذل. عوالم أمواتٍ بُكمٌ، ليضعها أمام التشريح النظري للأحياء، ويُحيي في الروح ما يحاول البشر نسيانه دائماً .. إنها قضية موتْ.يسرد كادراه منذ البداية بسلاسة الأسلوب وصفاً دقيقاً لما ستتحدث عنه الرواية، ليدخلنا إلى عوالم إنسانية خاصة:
على هذا النحو يسرد كاداره عمله بسلاسة كبرى وبخط واضح لشكل العمل الأساسي دون ان يفصح عما يختلج في داخله من ألم لفكرة تعانده وتمنعه من اكمال قصة تجاوزت حدود رجل يبحث عن أموات.
تلك الاحداث اللحظية، الروتينية، الهادئة، المثقلة بالفراغ مثل أراضي ألبانيا التي لا تشتمُّ في صفحات ذلك العمل غير الموت الذي لا ينتهي، بلغتها البسيطة وتركيب شخصياتها المُعقّدة.
من ذلك السرد الروتيني والبسيط، يلوح في أفق الصفحات سؤال مثل السراب، يصفع وجه القارئ بلحظة خاصة، ويجعله يعيد النظر بقضية هامة هي من اهم قضايا الوجود.بماذا كان يحلم أولئك الاموات ؟ كيف عاشوا في الحرب ؟ كيف ماتوا ؟ والاهم من كل ذلك .. من أجل ماذا ؟.
كان المواطن السوري يحصل منذ ولادته على دفتر بطاقات تموينية تخوله شهرياً استلام كيلوغرام واحد من السكر المدعوم من المؤسسات الاستهلاكية. يسميها السوريون “دفاتر البونات”، وهو الدعم الوحيد التي تقدمه الحكومة للمواطن السوري، لكنها اليوم باتت مصدر تجارة تتجاوز حدود الصراع المسلح والخلافات السياسية، وتدر الملايين لأصحابها. تصدر المؤسسات الاستهلاكية كل ثلاثة أو ستة أشهر لائحة بأرقام البطاقات المستحقة لصرف المخصصات التموينية فيصطف المواطنين في طوابير طويلة لاستبدال بطاقاتهم بهذه الكيلوغرامات من السكر المدعوم بسعر وصل بعد آخر قرار لوزير التجارة الداخلية السوري الى 50 ليرة سورية.
إلا أن هذه المؤسسات توقفت عن العمل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام نتيجة تعرضها للنهب والتدمير، وقرار رسمي بقطع التموين عنها.
وجعل اغلاق هذه المؤسسات المهمة حصول المواطن السوري المقيم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، على هذه المخصصات أمراً صعباً جداً، وبخاصة بعد اغلاق معبر كراج الحجز وانقسام حلب الى ثلاث دويلات يتقاسم السيطرة عليها كل من النظام وتنظيم “الدولة الاسلامية” والثوار. وبات العبور بين حلب الخاضعة لسيطرة النظام والخارجة عن سيطرته يستغرق أكثر من عشر ساعات بسبب طول الطريق وعشرات الحواجز التي يعبرها المسافر، وما يرافق ذلك من مخاطر الاعتقال والخطف والقصف.ونتيجة اغلاق هذه المؤسسات، لجأ سكان هذه المناطق الى استبدال هذه البطاقات من دكاكين السماسرة الذين يستغلون الأزمة لشراء المواد بأسعار زهيدة.
يستبدل سكان حلب القديمة هذه البطاقات من عند “أبو جميل” بكيلو واحد من السكر عن كل ثلاثة أشهر بتسعيرة المؤسسات الاستهلاكية نفسها، أي 50 ليرة، فيما يباع السكر في الأسواق بـ120 ليرة فتكون الفائدة التي يحققها الفرد من هذه البطاقات 70 ليرة كل ثلاثة أشهر.
يقول “أبو جميل” إن غايته “مساعدة” الناس الذين لا يستفيدون من هذه البطاقات بسبب عدم قدرتهم على صرفها من المؤسسات الاستهلاكية، في حين يعتقد “الجميع” بأنه يحقق أرباحاً كبيرة من هذه العملية. لكن “الواقع”، بحسب “أبو جميل”، أنه يبيعها الى تاجر آخر بربح لا يتجاوز 10 ليرات لكل كيلو.
وهذا السعر “الزهيد” يجعل المستفيد الاكبر هو التاجر الذي يشتري كميات كبيرة من هذه البطاقة ويستبدلها من إحدى المؤسسات الاستهلاكية بعدما يحصل مدير المؤسسة على حصته، أو “رزقته”، كما يحلو له تسميتها.
الفساد “عابر للمناطق”
وفي مدن الساحل حيث لا يجد المواطنون عادة صعوبة في صرف هذه البطاقات كون المؤسسات ما زالت قائمة وتمارس عملها بشكل اعتيادي، يلجأ التجار الى تزوير هذه البطاقات عن طريق شبكة تتوزع بين مدن الساحل وتركيا وريف حلب حيث تعززت هذه الظاهرة بشكل واسع النطاق. تتكون هذه الشبكة من بعض التجار المقيمين في الساحل، وترتبط غالبيتهم ببعض المسؤولين أو الشبيحة ووسيط يقيم في تركيا ومزورين يمارسون عملهم بكل حرية في أرياف حلب.
يعمل مصطفى وسيطاً بين التجار في الساحل ويسميهم “زبائن” وبين المزورين في ريف حلب. يتلقى الطلبية من “زبونه” وتتضمن عدد البطاقات المطلوب والرقم الخاص بالشهر الذي يريد صرفها خلاله وينقلها الى المزور الذي يطبعها بحيث تصبح “طبق الأصل” عن بطاقات الحكومة. يطبعها المزور على صفحات تحوي كل واحدة منها سبع بطاقات تحمل كلها الرقم نفسه، وفقاً لطلب “الزبون”، ومن فئات متعددة (شخص-شخصان – خمسة) تباع كلها بالسعر نفسه. يشتريها مصطفى من المزور بـ20 ليرة ثم يبيعها لزبائنه بـ70 ليرة للبطاقة الواحدة، محققاً ربحاً قياسياً بنسبة ٢٥٠٪.
السكر “لا يدخل” المؤسسات
تزوير هذه البطاقات يكون بكميات كبيرة، إذ يقول مصطفى إن آخر “صفقة” عن طريقه شملت مئة ألف بطاقة حصل بموجبها زبونه على أكثر من 200 طن من السكر المدعوم. وعند سؤاله عن كيفية اخراج كل هذه الكمية من المؤسسة دون افتضاح الامر، أجاب ضاحكاً “مين قال انو السكر بيدخل ع المؤسسة أصلا”. وقدم شرحاً لكيفية حصول التاجر على السكر المدعوم حكومياً.
عملية التسليم بكاملها تحصل في الميناء حيث يُخزّن السكر قبل توزيعه على المؤسسات في حضور مدير أحد فروع المؤسسات الاستهلاكية وأحد موظفي الميناء. يستلم مدير المؤسسة البطاقات هناك ويُحصي الكمية المخصصة لها ثم يدمغها بختم المؤسسة وينقل موظف الميناء هذه الكمية الى اسم الزبون دون تحريكها من مكانها ليبيعها لاحقاً أو يُصدرها الى دول أخرى بأسعار مضاعفة. ويحصل كل من مدير المؤسسة وموظف الميناء على حصته من الصفقة. هكذا يحصل على “رزقته” مقابل حرمان آلاف العائلات السورية من مادة غذائية أساسية، بحسب أوساط مُطلعة على الملف.
كثير من الصفقات المشابهة تحدث في سوريا، وفقاً للأوساط ذاتها، إذ أن الفساد استطاع توحيد المناطق السورية رغم الصراع الدموي الدائر فيها وتقاسم السيطرة عليها بين فصائل مختلفة، وتتجاوز “الصفقات” كل الحدود، إيديولوجية كانت أم سياسية أم طائفية.
حلب .. أقدم مدن التاريخ، ومن أكبرها في سوريا والمشرق، باتت اليوم "المدينةَ الأخطر في العالم".
ولأنّنا نطمح إلى إعادة الدور الريادي في حلب على كافة الأصعدة الحضارية، حتّى يصبحَ لها صوتها المستقل والحر، أوجدنا مجلّة خاصة تعنى بشؤونها السياسية والثقافية والإجتماعية وهي “فوكس حلب”.
منذ انطلاقة الثورة السورية في آذار عام ٢٠١١، انعقدت الآمال على عودة الحريات الى سوريا بعد غياب نصف قرن من حكم الديكتاورية العسكرية، وسرعان ما حطتِ الحرب أثقالها، أصبحت حلب مدينةً شبهَ مدمرة، وباتت الحرب المهنة الأشهر فيها بعد أن كانت مركزاً تجارياً واقتصادياً لمنطقة الشرق الأوسط، حيث السماء تُمطر براميل حارقة، والشوارع تُنبئ بحواجز ومعابر قطّعت أوصالها.
لكنّ الحرب لم تقطع أيدي سكانها أو أوتار حناجرهم .. لهذا قررنا نحن فريق عمل “فوكس حلب” إطلاق هذه المجلة كي تكون هناك صيغة تواصل و تناقل فكري بين حلب وعموم السوريين، ولهذا سنكتب ونحلّل وننتقد لبناء غدنا الأفضل.
ولأنّ مجلة "فوكس حلب" لن تكون سياسيةً فحسب، سنتطرق فيها لمجالات متنوعة تشمل الأدب والمجتمع والطفل والصحّة .. وسنكون منبراً مفتوحاً لكلّ مَنْ يرغب في الكتابة والنشر على صفحاتنا.
ولأنّ المرأة اتّخذتْ دوراً مهماً منذ اندلاع الثورة، خصّصْنا بعضاً من صفحات "فوكس حلب" لإنتاج المرأة التي كانت ولا تزال جزءً مهماً في زمنَيْ السلم والحرب، من أجل الحصول على الحرية والحياة الكريمة.
وفي ظل ظروف المعاناة التي ما تزال تشهدها البلاد ، سنعمل على كشف ما يجري في كواليس السياسة والحياة، وسنركّز على واقع الحال المأساوي آملين تلبية طموحات وتطلعات أهالي حلب خاصةً والسوريين بشكل عام.