فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

التقسيم السوري … كأمر واقع

التقسيم السوري … كأمر واقع

هاني الاحمد .

 

كثر الحديث في الأيام القليلة الماضية وبشكل كبير عن حتمية تقسيم سوريا، بدءاً من الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية وانتهاءاً بصفحات الناشطين والتي تحدثت جميعها مابين متوجس وحاسم لفرضية التقسيم كأمر واقع .

 فمنذ انطلاق الثورة السورية منتصف أذار 2011 بدأت تدريجياً تتقلص مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام على الرغم من أن االاغلبية السكانية لاتزال تعيش في كنفه فبحسب الخبير الفرنسي في الشؤون السورية "فابرس بالاش" يعيش مابين 10/15% في مناطق تنظيم االدولة ومابين 20/25% تحت سيطرت المعارضة ومابين 5/10% تحت سيطرت القوات الكردية ومابين 50/60% للنظام".

 فمن خلال متابعة بسيطة للتطورات الميدانية نجد أن الاراضي السورية مقسمة إلى اربع اقسام, يسيطر تنظيم االدولة على القسم الاكبر منها بدءا من دير الزور شرقا وحتى ريف حلب غرباً ومن الحدود التركيا شمالا وحتى ماقبل  السويداء جنوبا ، ومن ثم قوات المعارضة والتي حققت مؤخرا انجازات كبيرة عقب سيطرتها على محافظة ادلب بزمن قياسي واجزاء واسعة من محافظة درعا ، بالاضافة الى القوات الكردية التي سيطرت مؤخراً على مدينة عين العرب " كوباني " ومدينة تل ابيض بعد معارك مع تنظيم الدولة وتقدمها باتجاه مدينة "عين عيسى" في ظل قيامها بعمليات تهجير بحق "السكان العرب" , وذلك استنادا الى لجنة تقصي الحائق التابعة للائتلاف الوطني.

 بالمقابل سيطرت تنظيم الدولة الاسلامية على مدينة تدمر وانسحبت قوات النظام منها باتجاه الساحل, ولذلك يرى دبلوماسون أن النظام السوري قد يجد نفسه مضطراً للاكتفاء بتعزيز سيطرته على المناطق الممتدة من دمشق جنوباً إلى الساحل غرباً متضمناً حمص وحماة ,وقد برر ذلك وضاح عبد ربه رئيس تحرير صحيفة الوطن المقربة من النظام " إنه امر مفهوم جداً أن ينسحب الجيش السوري لحماية  المدن الكبرى والتي تتركز فيها غالبية السكان " وأضاف ايضاً " العالم يجب أن يفكر ملياً فيما إذا كان وجود دولتين ارهابيتين يصب في مصلحته أو لا " في اشارة الى " تنظيم الدولة الاسلامية " والامارة التي المحت جبهة النصرة إلى قرب إعلانها.

لكن الواقع أثبت أنه اي تقسيم حقيقي للأراضي السورية لا يمكن أن يأخذ حيز التفعيل إلا في حال موافقة الشعب السوري نفسه والدول الإقليمية المجاورة ورؤيتهها إليه كحل مقبول ، وأن هذا التقسيم ظرفي ومؤقت أكثر مما هو واقعي وذلك لأنه يرتبط بالتوازنات السياسية  والعسكرية غير المستقرة وخاصة في ظل  عدم وجود قرارات دولية حول مستقبل سوريا.   

                                                             

داعش“ تضع المعارضة أمام مأزق تأمين الطاقة

داعش“ تضع المعارضة أمام مأزق تأمين الطاقة

يسعى ” تنظيم الدولة الإسلامية”  منذ نشأته إلى امتلاك المناطق والموارد الحيوية التي تضمن له الأستمرار كدولة، و تمكن من السيطرة على معظم حقول النفط في المناطق الشرقية من سوريا، والتي كان يقتسم السيطرة عليها كل من جبهة النصرة و الجبهة الاسلامية وبعض العشائر، ثم اتجه جنوباً ليسيطر على حقول النفط و الغاز في حمص بعد عدة معارك كر وفر بينه و بين قوات النظام .

وكان التنظيم  في أواخر 2013 قد تمكن من إنتزاع المحطة الحرارية القريبة من مدينة السفيرة من قبضة النظام وهي المغذي الرئيس للكهرباء في حلب و ريفها .

لم تأخذ المعارضة على محمل الجد إمكانية استخدام التنظيم لهذه الموارد كسلاح ضدهم حتى تموز الماضي، حيث قام التنظيم بمنع دخول المازوت والبنزين إلى مناطق المعارضة أثر الاشتباكات التي دارت بين الطرفين بعد محاولته التقدم باتجاه مدينة مارع والتي تعد من أهم معاقل المعارضة المسلحة في الريف الشمالي .

أدى ذلك إلى تضاعف أسعار البنزين والمازوت في مناطق سيطرة المعارضة، تلاه إرتفاع الأسعار بشكل عام، وشلل في حركة النقل للمدنين والعسكريين على حد سواء و نفذ معظم  مخزون الفصائل المعارضة من الوقود، كونها تعتمد بشكل رئيسي على المازوت و البنزين المكرر القادم من مناطق سيطرة “تنظيم الدولة الإسلامية”، بالأضافة إلى البنزين “النظامي” من مناطق سيطرة النظام .

ترافق ذلك مع إنقطاع خط الكهرباء الرئيسي الذي يغذي مدينة حلب من محطة زيزون بحماه نتيجة الاشتباكات قرب الراشدين، ورفض التنظيم تزويد مناطق المعارضة بالكهرباء من المحطة الحرارية بعد أن عقد إتفاقا مع النظام بتزويده بالكهرباء مقابل قيام الأخير بزيادة مخصصات المحطة من الغاز ليتمكن من تشغيل العنفة الرابعة .

 أدى انقطاع التيار بالإضافة إلى منع دخول المازوت من قبل ” تنظيم الدولة ” إلى توقف بعض المشافي عن العمل جزئيا، واقتصر تشغيل المولدات فيها على الحالات الطارئة , وزاد من صعوبة الموقف تزامن هذه الأزمة مع قدوم شهر رمضان، إذ قام أصحاب المولدات برفع سعر “الأمبير” وبنسب متفاوتة بحجة تأرجح أسعار المازوت، دون وجود أي جهة قادرة على ضبط الأسعار، ورغم صدور عدة قرارت من “الهيئة الشرعية ومجلس القضاء الاعلى ” لضبط الأسعار إلا انها لم تدخل حيز التنفيذ لعدم وجود آلية واضحة تمكنهم من السيطرة عليها .

فصائل المعارضة بدورها قامت بمنع دخول الخضار والمواد الغذائية إلى مناطق سيطرة “داعش”، ما أدى إلى إرتفاع أسعار الخضار في كل من الباب و منبج على عكس أسعار النفط التي انخفضت بشكل ملحوظ حيث أصبح سعر برميل المازوت (10,000) ليرة مايقارب (40) دولار. بينما ارتفع سعر البرميل بمناطق سيطرة المعارضة من (15,000) ليرة إلى ما بين الـ(60,000 والـ 75,000) ليرة سورية اي ما يعادل وسطياً (250) دولار.

استمر هذا الوضع لأكثر من عشرين يوماً، سمح التنظيم بعدها بعودة دخول المحروقات إلى مناطق المعارضة، لكن ذلك لم يؤدي إلى عودة المحروقات إلى أسعارها قبل الأزمة  كما توقع سكان المنطقة، بل انخفضت بشكل طفيف، بسبب تحكم التجار بها بحجة صعوبة تأمينها وخطورة الطريق و زيادة مصاريفه .

كما لم تفلح المعارضة إلى الآن في تأمين بديل حقيقي لتزويد مناطق سيطرتها بالنفط والكهرباء في حال قيام “تنظيم الدولة الإسلامية” أو النظام بقطعها مرة أخرى، ولم يقدم حلفاؤها أي دعم لتجاوز مثل هذه الأزمة باستثناء الوعد الذي أطلقه الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان ” بأنه لن يسمح بتوقف المشافي في سوريا جراء إنقطاع المازوت ” .

. محمود عبدالرحمن

الحب في زمن الثورة

الحب في زمن الثورة

 

خرجت من البيت صباحاً عازماً على قراري، على المضي، كما في تلك اللحظة التي ألقيت بها نظرة إلى البعيد، وقلت لها وكأني أرى الهاوية والجحيم وجيوش العالم في وجهي.. "سنتزوج مهما كانت النتيجة". وقرعت الجرس، سمعت صوت القفل، مقبض الباب يتحرك، الباب يفتح، صافرة قوية، وصرخة أقوى من صرخة بعث، وصوت كأنه زج بالخطأ في هذا العالم: "برمــــيـــــــل"..

أخذ الضوء يخفت، أصوات بعيدة تبحث عن أحياء، هل أنا حي؟ هل أنا من الأحياء؟!

"لارا.. ياسمين.."

تعود الصورة كومضة كاميرا، ما الذي حدث؟

"لارا.. ياسمين.."

أُكرر هذه الأسماء وأصيح بصوت مشروخ، منهك، كشريط تسجيل قديم تآكل من الرطوبة. رفعت رأسي،

كنت ممدداً على بطني، رأسي صوب الأرض، رفعته قليلاً، بصعوبة، ثقيل جداً، والألم يضرب كإزميل من كل صوب، خيط من الدم يسيل بغزارة، هل هو من رأسي؟ حاولت أن أحدس مصدر الدم، بدا وكأن السماء تمطر دما بغزارة، دم وتراب وغبار ودموع ربما، وقيح وذاكرة مهشمة، يعترض خيط الدم شق شفتيّ يتجمع فيه، فتحت فمي، المذاق اللزج المجبول بمرارة السقوط.

– ياسمين..

الصوت المجروح والاسم الذي لا يُنسى، "ياسمين.." تمتمت، "يجب أن أجد ياسمين" مددت ذراعي، ضغط على أصابعي، هل جسدي كله معي؟ لم أكن أعلم، لم أكن أحس بأجزائي، جذبت جسدي بقوة، سعلت بحدة، ضغط الألم كجلد السياط سرى في كل جسدي، يجب أن أجد ياسمين، "ما هذا؟" توقفت، كانت ساقاً ممزقة، بركبة وقدم، قدم حافية، وساق ترتدي بقايا "بيجاما" وردية.

عادت بي الذاكرة…

تذكرت حين انحنت قليلاً وتناولت حذاءً فضياً، "سيكون جميلاً مع فستان أسود، أليس كذلك؟". وابتسَمَتْ.. وابتسم العالم أجمع، "ما رأيكِ بالذهبي؟" اقترحتُ عليها. أومأت برأسها موافقة، تناولت الحذاء الذهبي، خلعت الآخر الذي كان في قدميها، وارتدت الذهبي، وقفتْ أمام المرآة تتأمل القدم بالحذاء، وقفتُ في جنتي أتأملها، "ما رأيك؟". "سندريلتي الرائعة.. من يضاهيك؟". قلتُ. وضحكت بغنج وحياء، مع تلك الضحكة تحديداً لطالماً حلق قلبي، وآمنت بأني خالد..

"هل أدع الساق وأمضي؟" الماضي الممزق أمامي، قطع القلب المبعثرة، واحتضنت الساق وألمي، وقلباً مليئاً بخيبات العاشقين، يجب أن أستمر بالزحف، أخذ الضوء يخفت، وكنت أتبع الصوت، أتبع القدر الذي تعلقت به منذ استيقظت على الحياة، جذبت جسدي بقوة، فتحت عيني.. كانت يداً، اليد اليسرى من الجسد.

تذكرت عندما اشتريت لها المحبس. ورفعتُ يدها، قبلتُ المحبس والإصبع. "هل سيوافق أبي؟" سألت. وطعنني السؤال، استجداء الحب مع كل حرف، صوته في قلبي، طوال سبع سنوات أطرق باب جارنا في كل مرة، "زوجني ياسمين". جاءني الرد: "لن أعطي ياسمين لمسلم لو على جثتي!". "أنت وأبي صديقان حميمان منذ 17 عاماً! أنت وأبي أعز من أخوين! لماذا الآن؟ لماذا الآن؟". في المرة الثالثة، التي عدت فيها إليه. قال: "الجواب لا، تقولون في عاداتكم الثالثة ثابتة". "ولكني أحب ياسمين!". رد "سأوافق، إن وافقت على أن يتزوج ابني كنان من شقيقتك لارا، فكر في الأمر!".

وجاء طلبه كصفعة، كدلو ماء مثلج سقط فجأة فوق رأسي، "هل كان يلوي ذراعي؟" ولم أنم تلك الليلة، "ولماذا لا أوافق على أن تتزوج شقيقتي من كنان؟" وحرّك العفن الراكد في أعماقي، "هل الأمر محرماً؟ لا لا! لم أؤمن يوماً بدسائس الأديان التي تفرق بين الناس”، وتقلبت في الفراش، "لم لا يتزوج كنان من شقيقتي؟ هل يحب كنان شقيقتي؟ مثلما أحب شقيقة كنان!". لم أكن رجلاً رجعياً في يوم، لم أؤمن بأحقاد التاريخ وصليل سيوفه، آمنت فقط في هذا العالم بفنجان قهوة وصوت الشِعر داخلي وياسمين.. والحب الذي لم أؤمن بشريعة فوقه،

"فليتزوج كنان من شقيقتي، لا، لم أفعل ذلك لأجل ياسمين، سأقول له ذلك، حتى لو رفض أن يزوجني ياسمين، سيتزوج كنان من شقيقتي”.

"ياسمين.."

وسقط رأسي على اليد، أشتم بقايا عبق حي، أراوغ قلبي، يجب أن أحمل اليد مع الساق وأصحبهما معي، كيف أدع أجزائي مبعثرة وأمضي؟ لأول مرة في حياتي ألمس قطعاً من روحي، علي أن أستمر بالزحف.. ما هذا؟ رأس بشعر كستنائي مبعثر، عينان لوزيتان محدقتان برعب على وسعهما، وفم مفتوح على صرخة، ووجدت نفسي وجها لوجه مع نفسي. مع سبع سنوات من الشغف والشوق والفرح والحزن، مع الرفض المستمر لإلتقاء الإنسان بالإنسان، مع وجه لطالما غمرته بقبلاتي، قطفت منه خلودي، أضفتُ بكل قبلة يوماً آخر فوق عمري، ونظرت أمامي، بوابة من العتمة، تشبه اللانهاية. "هل أعود؟ لأجل من؟ وكل القطع التي معي؟ لم أملكها كاملة! لم نكن يوماً بشراً كاملين.."

أردت جاهداً أن أصنع من نفسي إنساناً كاملاً، وانهمرت دموعي، تأملت العينان، لم أعشق شيئاً في هذا العالم كتلك العينين، كانتا الأرض التي أقف عليها، صلابتي وضعفي، جنوني وعقلي، خلودي وموتي، رجولتي وهزيمتي، وبما تبقى من ضوء في روحي طبعت على الرأس الذي دفع ثمن آثام وغباوات وأحقاد العالم كله قبلة، لماذا دفعت ثمن آثامهم وأحقادهم؟ أشباح تاريخهم؟ أوهامهم وضلالهم؟ كل ما أردته فنجان قهوة وقصيدة وياسمين، هل كان ذلك كثير جداً؟ هل كان ذلك أصعب من أن يتقبله العالم؟ هل كنا عبئاً كبيراً على هذه الأرض؟ هل فاقت مساحة حلمنا مساحة هذا الكون؟

عادت بي الذاكرة مرة أخرى.. "بماذا تحلمين يا ياسمين؟"، قالت:"أن يكون صدركَ بيتي، بماذا تحلم أنتْ؟"، "أن أسكن عينيكِ..”. وأي معنى للعودة إلى الضوء؟ جذبت الرأس إلي، إلى صدري، لعلي أحقق بعضاً من حلم، بقايا قطع منه على صدري. ربما بسبب شدة الظلمة، وجدت نفسي، لم أستطع تقدير أي مسافة، سعال منهك لبقايا روح. "لارا.. ياسمين.."، بدا الصوت يكرر بشكل آلي كلعبة بمسجل صوت تحطمت ولم يبق غير الصوت عالق على شفتي. ناديت: "أبو كنان؟"، "أجل". أجاب بوهن. وزحفتُ، تلمست جسده بيدي، ولمحت دموعه تنهمر. "أنا هنا يا أبو كنان". قلت وابتسمتُ مواساة.

وضعتُ يدها بيننا والساق والرأس، كلانا عثر عليها في الوقت الخطأ والزمن الخاطئ. أمسك بيدي، وضعها فوق يدها، وضع يده فوق يدينا، احتضن اليدان بكل ما تبقى من قوته، ابتسم بآخر وميض من حياة: – "قد زوجتك ياسمين"..

سماح الماغوش

حلب: تربية ماشية وزراعة وركوب أنعام في ظل الحرب

فريق التحرير

حلب: تربية ماشية وزراعة وركوب أنعام في ظل الحرب

في ظل البراميل المتفجرة وانتشار الدمار والقمامة بعد رفضها حكم “نظام الأسد”، تحولت الحياة في حلب، كبرى مدن سوريا، من مدنية صرفة في مرحلة ليست ببعيدة إلى مزيج غريب بين أنماط العيش البدوية والريفية وحتى البرية.

فبعد موجات الهجرة من حلب التي تتالت وازدادت تدريجياً مع زيادة قصف النظام للمدينة، واستخدامه أسلحة فتاكة ذات تدمير كبير (براميل متفجرة وصواريخ أرض أرض)، وقتل عدد كبير من المدنيين. صرت تمشي في الحي الذي كان ذات يومٍ مكتظاً بالسكان، فلا تعد الثلاثين أو الأربعين نفراً. وأكثر ما قد يشد انتباهك بعد مشاهد الخراب وأكوام القمامة، هو انتشار الكلاب والهررة، والقوارض وغيرها من مظاهر الحياة البرية، تعيش بتناغم مع السكان الذين لا يعارضون وجودها بأي حال، طالما أنها لا تشاركهم أقواتهم، فالرزق على الله وليس على غيره. وبصورة تحاكي تطور البشرية في مراحله الأولى، ترى استهجان بعض السكان لبعض الأنعام، فمنها ركوباً ومنها مما يأكلون.

وتتذكر ما درست في كتب التربية الاجتماعية عن البدو وبحثهم الدائم عن الكلأ والماء، حين ترى قطعان الماشية تجوب شوارع المدينة. في حلب المدينة، تبحث الماشية عن الكلأ في الحدائق المهجورة وفي الجزر المرورية، وكذلك عن الماء المتفجر، أعين نضاخة من شبكات مياه الشرب المخربة نتيجة القصف، وهذا يكفي ليسد حاجات البدو من الحلبين.  ولأن الطبيعة البشرية تميل للإستقرار، آوى بعض الأسر مع ماشيتها إلى بيوت، وشرًّعت بشق الأرض المشقوقة أصلاً، لتزرعها وتنتج محاصيل الخضروات من بقدونس ونعناع وبندورة وخيار وغيرها، دون إغفال زراعة الأشجار المثمرة. ولم نقف عند هذا الحد، فعمدت هذه الأسر إلى اقتناء الدجاج والفراخ لتأكل البيض واللحم الأبيض.

كل هذه التحولات التي طرأت على حلب، ناتجة عن إصرارهم في الحياة والبقاء، رغم كل الدعوات من “رجال النظام” وفتاوى من شيوخه بقصف المدينة، والتهديد المستمر من “قوات النظام” بمحاصرتها. اضطر سكان المدينة لتهجين المواشي وزراعة الأرض لاستمرار الحياة فيها.

كل هذه التحولات التي طرأت على حلب، ناتجة عن إصرارهم في الحياة والبقاء، رغم كل الدعوات من “رجال النظام” وفتاوى من شيوخه بقصف المدينة، والتهديد المستمر من “قوات النظام” بمحاصرتها. اضطر سكان المدينة لتهجين المواشي وزراعة الأرض لاستمرار الحياة فيها.

وبعدما تشكل النمط الإقتصادي الإجتماعي، القائم على التعايش السلمي بين الإنسان والحيوان، في إحدى أقدم الحضارات البشرية، يحق للحلبيين الفخر بما أنجزوا، “فالويل لأمة لا تأكل مما تزرع أو تدجن”.

عبده الحجي

البتر ٢

البتر ٢

 

 

تكلمنا في المقال السابق عن إصابات البتور ومضاعفاتها وسنتحدث في هذا المقال عن تقييم مريض البتر وإدارة المضاعفات التي تحدث عند مريض البتر 

_ إعادة تأهيل مرضى المبتورين في الطرف السفلي، قسمان:-الأول قبل تركيب الطرف الصناعي،-والثاني بعده:

بالنسبة للمرحلة الأولى وهي التقويم والتأهيل قبل تركيب الطرف الصناعي

يجب إجراء تقويم دقيق من أجل تحديد الأهداف على المديين القصير والبعيد للعلاج. وعند الامكان، حل التعقيدات التي قد تُمثل مشكلة بالنسبة لعملية التركيب. وينبغي أن تتضمن تقويم الخطوات والاختبارات التالية :

١ – معلومات عن البتر

– الموقع:  بتر الفخذ أو بتر فوق الركبة ، بتر قصبي أو – بتر تحت الركبة ، الخ

– سبب البتر : يعطي تفاصيل حول التشخيص و المضاعفات المحتملة ، على سبيل المثال : مرض السكري.

– تفاصيل  البتر: الجراحة الأولى أو الثانية ، والالتهابات، الخ .

– تاريخ  البتر: تقدير متى يجب تركيب الطرف الاصطناعي.

٢- تقويم الجذمور:

 معلومات هامة لعملية التركيب ، أيضا للسيطرة على تطور التورم و ملاحظة المسافة من الإشارة إلى مجالات القياس ، لذلك سوف يكون من الممكن مقارنة القياسات في الوقت وبين مختلف المهنيين.

٣–  وجود مضاعفات للجذمور:

 على سبيل المثال : الألم، و التشوه ، هشاشة الجلد، و لون البشرة ، أعران ، ندبة المرفق، الفرق في درجة الحرارة ، الجروح ، الحساسية )عادي ، زيادة ، شديدة الحساسية (، الخ.

٤ تقويم المفاصل:

يجب أن تقاس دورياً مجموعة من حركة المفاصل الرئيسية للأطراف السفلية – باستخدام مقياس الزوايا والقياسات المشتركة.

٥. تقويم العضلات: القوة العضلية يجب أن تقاس بشكل دوري  موحد لضمان التوازن وقوة العضلات، ما يسهل السيطرة على الطرف الاصطناعي .

٢. تقويم التوازن:  التوازن الجيد مهم للمشي مع الطرف الاصطناعي ، حتى أفضل من توازن الشخص دون البتر ، لذلك يجب تقويمها باستخدام مقاييس خاصة  (كما في مقياس ميزان بيرغ) وتدريب المصاب قبل تركيب الطرف الاصطناعي.

 

 

على الشخص المبتور أن يكون في حالة بدنية ملائمة (متماسك مع التقدم في العمر والحالة العامة قبل البتر وبعده) من أجل الحصول على طرف اصطناعي. لهذا الغرض ، فإن المعالج الفيزيائي يجب أن يصمم برنامجاً للتدريب يتكيف مع كل شخص. وينبغي أن يشمل كل برنامج تدريبي على الأقل:

١. برنامج تعزيز القوة : ينبغي تصميم برنامج التعزيز خصيصا لأطرافهم المتبقية و بالنسبة لجميع الجسم والأخذ في  الاعتبار العوامل الشخصية مثل العمر و الحالة الجسدية قبل البتر وبعده، وما إلى ذلك.  

٢. توازن : زيادة تدريجية في عدد تقرير – التمرين وعدد المجموعات، لتعزيز الدافع والقدرة على التحمل. تضمين تمرين – تمديد العضلات بعد كل دورة.

٣. تمارين حركية : هدفنا الأول هو الاستقلالية عند المصاب، وبالتالي، فإن مبتوري الأطراف ينبغي أن يكونوا قادرين على التحرك مع العكازات في أقرب وقت، أو القيام بالتحويلات والنقل على الكرسي المتحرك إذا كان البتر للطرفين (تدريب التنقل على الكرسي المتحرك في هذه الحالة). لهذا الغرض، ينبغي تصميم برنامج تدريجي، بما في ذلك:

  • تمارين التوازن في – حالة الجلوس.
  • تمرين – الوقوف/ الجلوس مع الدعم.
  • تمرين – الوقوف/ الجلوس من دون دعم.
  • تمرين – التوازن في حالات الوقوف .
  • التدريب على المشي مع الوسائل المعينة على التنقل (عادة العكازات)
  • تخطي – العقبات مع / بدون الوسائل المعينة على التنقل.

4. وضع الجذمور/ إزالة التحسس : ينبغي إعداد الجزء السفلي من الجذع وأحيانا العظام على مقربة منه وخصوصا في البتر القصبي أو بتر تحت الركبة ,الأسطح المختلفة والقوام يمكن استخدامها ل زيادة التحمل من الجذمور لإغلاق الاتصال مع الطرف الاصطناعي في المستقبل : كرات القطن، وكرات الورق ، كرات من القش، كرات خشبية أو الأرز يمكن أن تتدحرج تدريجيا حول الجذع لهذا الغرض .

5. تمارين تحمل الوزن : ينبغي استخدام الجذمور لتحمل الوزن قبل تركيب الطرف الاصطناعي ، وهذا سوف يقدم لنا معلومات حول المضاعفات المحتملة ) ألم، عرن ، وجود الخراجات تحت الندبة ( ، من شأنه أن يساعد أيضا المستفيد على إدارة مشاكل الألم و الألام الوهمية ، وإعداد الجذع للطرف الاصطناعي. يمكن أن تمارس تحمل الوزن في الكراسي والأرائك عندما يتم شفاء الجرح ، وزيادة تدريجية لصلابة الأسطح في حال ظهور ندبة مفتوحة ، لا ينصح تحمل الوزن حتى أن يتم إغلاقه مرة أخرى.

 

أنس الصوفي

 

الطفل السوري محمود.. رقم: ……

الطفل السوري محمود.. رقم: ……

 

"لم أعد اليوم طفلاً يشاهد الرسوم المتحركة ويخرج للعب في الحديقة المجاورة كباقي الأطفال، لست اليوم سوى رقم من أرقام كثيرة تُعرض على شاشات التلفزة، أنا رقم من أعداد الرازحين تحت القصف، ورقم من الذين أصبحوا في صفوف المتخلفين عن الدراسة ورقم عند المنظمات الإغاثية".

مُحدّثك الآن هو محمود طفل في العاشرة من عمره، وكهل في المئة من روحه، وبهذه التركيبة الغريبة أستطيع أن أخبرك عن إنسانية قضت نحبها، وطفولة تنتظر. "دوماً ما تصفني والدتي بأنني فضولي, ولعل فضولي هذا يساعدك على معرفة ما يلم بنا من نوائب على مستوى اليوم.. لا الشهر ولا حتى السنة، فالمأساة هنا تتبعها مأساة، وتتكاثر الهموم لتسقط كما البراميل على أفئدة البشر".

"كنت في السادسة من عمري حين سمعت للمرة الأولى هتافات المظاهرات التي إنطلقت من مسجد قريب من منزلي، دقائق معدودة وعبّر الرصاص عن غضبه مصيباً عدداً من المتظاهرين الذين كان من ضمنهم والدي، وفي الوقت الذي أتوا به إلى منزلنا لسحب رصاصة كانت قد اخترقت قدمه اقتحمت قوات الأمن منزلنا وأوسعت أبي ضرباً وشتماً قبل أن يعتقلوه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها كيف يقهر الرجال”.

"صورة أخرى عالقة برأسي من سنوات لا تكاد تفارقه، صورة الطفل حمزة الخطيب، في ذلك الوقت ورغم صغر سني  كنت مصراً جداً على تكرار رؤية صوره في كل نشرة أخبار تتحدث عنه، وبالرغم من أنني لم أكن أعي ما حدث فعلاً بجثته, ظللت فترة طويلة بعدها ملاصقاً لأمي ومتعلقاً بها لشدة خوفي مما رأيت”. "تطورت الأحداث بسرعة كبيرة لا تتناسب أبداُ مع مقدار فهمي لما يحصل".

"الثوار تلك الكلمة التي طالما أطربتنا في المسلسلات التي تتحدث عن شجاعة الثوار وقوتهم، باتت تشكل خطراً علينا إن تجرأنا على لفظها، وخصيصاً بعدما سمعت عمي يتحدث همساً وبسعادة كبيرة مع بعض رفاقه عن إقتراب الثوار من دخول منطقتنا لتحريرها، ونظراً لإنبهاري بتلك الكلمة ظننت أن ملائكة من السماء ستهبط علينا لتقضي على الأشرار الذين يقتلون ويدمرون ما أرادوا، ويخلصون أبي من السجن، الذي فُقد من لحظة اعتقاله ولا ندري بأي سجن أو فرع أمني موجود، ولا نعلم إن كان على قيد الحياة أم مات تحت التعذيب في أقبية النظام المخصصة للتفنن في التعذيب، أبي لم يكن من بين شهداء النهر، وهذا ما يجعل الأمل في لقائه موجود. ومنذ دخول الثوار لحينا صب النظام غضبه علينا بشتى أنواع القتل العام لسكان الحي فهو يقصف المدنيين فقط ومقرات الجيش الحر لا تمسها القذائف ولا البراميل ولا الصواريخ!!".

"أما عن المدرسة التي لم أبق فها مدة طويلة، فأنا اليوم مشتاق جداً إليها، 4 سنوات مرت يفترض أن أكون اليوم في الصف الرابع إلا أنني لا أعرف سوى كتابة بضع أحرف وأرقام تعلمتها سابقاً، الأمر الذي كان يقلق والدتي كثيراً، ثم ما لبثت أن تجاهلته بعدما شاهدت قصف عدة مدارس في المدينة من قبل النظام. الأمر الذي جعلها تفضل أن نموت معاً على أن تخرج للبحث عن جثتي بين جثث شوهتها البراميل".

"وبدلاً من أن أكون في صفي، أمارس "حقي" في التعليم الإلزامي –بحسب النظام الذي يقتلنا- أجلس يومياً لأتدرب على قدرتي على التنفس في حال كنت يوماً تحت الأنقاض، فأقرب مكتباً صغيراً من سريري ثم أحشر نفسي بينهما وآخذ شكل القوقعة، وأتفق مع أختي أن تلقي عليّ الكثير من الوسائد والأغطية لأقدر كم من الزمن يمكنني المكوث بهذا الشكل".

"من النافذة، كل يوم كنت أراقب ما يحدث في الخارج، كثيراً ما كنت أرى أطفالاً تحمل المناديل الورقية وأشياء أخرى خفيفة لتبيعها للسيارات والمارة، وعندما سمعت بقصة الطفل مصطفى صاحب الإبتسامة الجميلة الذي كان يبيع البسكويت في أحد الأحياء حيث طالته شظايا أحد البراميل ليموت على أثرها، بدأت أتوقع نهايات لكل الأطفال الذين يتجولون، فأحدهم سيقتل ربما برصاصة قناص وآخر بقصف للطائرات، وكلما أخبرت والدتي بهذه الأفكار التي باتت تسيطر علي، أراها تهدئ من روعي وتخبرني أن الأطفال الذين ماتوا أصبحوا اليوم طيوراً في الجنة، و دائماً ما أتخيل منظرهم بل وأحسدهم على ذلك، باتوا بأجنحة يستطيعون التحليق متى أرادوا ويستطيعون اليوم أن يتفادوا البراميل ويحلقوا بعيداً عنها، وتركوني وحيداً أحيا حياة الموت".

"نعم، ضلت الحياة طريقها عنا، في وسط هذا الموت اليومي لم نعد نرى إلا القليل من الأمل في قدرة رجال الدفاع المدني على استخراج أحدهم حياً من تحت الأنقاض، وما عدا ذلك لم يتبق لدينا أية توقعات لمستقبل يخلو من القصف، نحن الذين ظننا يوماً أن تحرير مناطقنا سيجعلنا بمأمن من ظلم النظام، لكننا نسينا أن تحرير الأرض لا يقدر على مواجهة قذائف الموت المصوبة إلينا من السماء".

"أنا اليوم رقم، وربما غداً سأكون مجموعة من الأشلاء, تبكون عليها قليلاً بحكم العادة، دقائق قليلة ثم تعودون لتكملوا يومكم بطريقة طبيعية”.

رودس

إعادة الأمل في سوريا بعد حزم اليمن

إعادة الأمل في سوريا بعد حزم اليمن

 

هبت عاصفة دولية على اليمن في 26 اذار/مارس نفذتها عشرة دول ضد الحوثيين وقوات الرئيس اليمني الاسبق علي عبد الله صالح، وذلك بناء على طلب تقدم به الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لايقاف تمدد الحوثيين الذين بدؤا هجوماً واسعا على المحافظات الجنوبية واصبحوا على وشك الإستيلاء على مدينة عدن التي انتقل إليها الرئيس هادي بعد إنقلاب الحوثيين عليه ،  بدأت بقصف المواقع  التابعة لميلشيات الحوثي والدفاعات الجوية ونظم الإتصالات العسكرية و"مطارات الحوثيين". بالمقابل أيضا كان السوريون يعيشون عاصفة  مع إختلافها عن عاصفة الحزم اليمنية , التي أتت لتقضي على حياتهم ولتدمر سوريا وتحرقها من قبل النظام منذ اربع سنوات، في حين كان السوريون ينظرون بعيون الأمل إلى عاصفة الحزم لعلها تطالهم فتخخف من ظلام سوريا وغيومها المتلبدة لاسيما بعد إستلام الملك سلمان الحكم في السعودية والتقارب السعودي التركي والذي تم برعاية قطرية، فبحسب مصدر سعودي " أن المملكة العربية السعودية تستعد لأداء دور أكبر بعد الإنتهاء من الأزمة اليمنية ويتمثل ذلك في إنهاء المأساة السورية ، ففي الوقت الذي تؤمن فيه المملكة بعدم جدوى الحل السياسي مع نظام الأسد كما أنها لم تعد تقبل باستمراره هناك" وأضاف المصدر " أنه حتى الآن لايوجد إتفاق على شكل التدخل العسكري إلا أنه من الممكن أن يكون فرض منطقة حظر جوي أو توجيه ضربة جوية ومدفعية على أهداف الأسد إضافة إلى تزويد المعارضة المعتدلة بأسلحة نوعية تمكنها من حسم المعركة على الأرض، وأن أي حل للازمة السورية لابد أن يكون بوجود تركيا". ومما زاد في أمل السوريين بقرب  عاصفة حزمهم  كلمة السفير السعودي في الأمم المتحدة عبد الله المعلمي في جلسة مجلس الامن التي عقدت لمناقشة القضية الفسلطينية حيث قال "أن السعودية التي أثبتت أن لديها القدرة على الحسم والحزم ونصرة الأشقاء لن تأجل جهداً في سبيل مساعدة الشعب السوري على تحقيق تطلعاته" الأمر الذي يرى فيه مراقبون على أنه تلميح بإمكانية تنفيذ المملكة في المستقبل لـ "عاصفة حزم جديدة" لنصرة الشعب السوري ونهاية نظام الرئيس الأسد , لاسيما بعد التطورات الكبيرة التي حصلت على الأرض لصالح "المعارضة المسلحة " والتي سيطرت على عدة مناطق استراتيجية بادلب وفي درعا وحلب الأمر الذي يدل على زيادة الدعم الذي تتلقاه المعارضة من قبل المحور التركي السعودي القطري.

هاني الاحمد.

 

هكذا تحولت باصات حلب سلاحاً في الحرب

هكذا تحولت باصات حلب سلاحاً في الحرب

محمود عبدالرحمن.

 

من مظاهر الحرب في مدينة حلب استخدام الباصات بشكل واسع كسواتر وحواجز، ما أدى الى تدمير وسائل المواصلات العامة. “فوكس حلبتحقق في الملف، وتروي تفاصيله.

بعد ٦ أعوام من إعلانه، بدأ تنفيذ القرار 7167 الصادر عن مجلس الوزراء القاضي بـ"إخراج سيارات الميكروباص (السرفيس) من المدينة واستبدالها بباصات النقل الداخلي بهدف تخفيف الأزمة المرورية وتقديم خدمة أفضل للمواطنين"، بحسب وزارة المواصلات حينها. بدأ تنفيذ القرار في مدينة حلب عام 2009 بإشراف مديرية النقل التي خدمت باصاتها خطوطاً ثم طرحت الخطوط الباقية للإستثمار عن طريق مناقصات رست بمعظمها على أعضاء مجلس الشعب أو شركاء لهم. إلا أن القرار الذي استغرقت دراسته ست سنوات لحل الأزمة المروية لم يزدها إلا تفاقماً، فحجم الباصات الكبير بالنسبة لمعظم شوارع حلب زاد الإختناقات المرورية، وبخاصة في أحياء حلب الشرقية والمدينة القديمة. كما لم تحقق الخطة النتائج المرجوة على الصعيد الشعبي بسبب تلاعب الشركات الخاصة بالأسعار وعدم إلتزامها بالمواعيد المحددة، وفقاً لدراسة أجرتها جريدة الجماهير بينت أن 100% من المواطنين شكت الإزدحام الشديد في الباصات فيما فضل 42% منهم عودة الميكروباص إلى الخدمة. وأخرج القرار الالآف من سيارات الميكرو باص عن الخدمة وبالتالي قطع موارد عائلات السائقين الذين كانوا يعتمدون عليها لتتركز في يد أصحاب شركات النقل، ما أثار نقمة في نفوس فئة واسعة. ومع بداية الحراك السلمي في مدينة حلب، زاد من نقمة الشباب الحلبي على هذه الشركات نقلها الشبيحة وتمويلها لهم ومشاركة موظفيها في فض التظاهرات بالعنف أحياناً. "لم توجد هذه الشركات لخدمتنا كما كنا نعتقد، بل لملء جيوب المستثمرين على حساب قطع أرزاق السائقين المساكين ومساعدتها النظام في قمع المظاهرات أكبر دليل على ذلك"، يقول عبدو أحد سكان حي طريق الباب الذي شهد تحطيم أول باص للنقل بعد دهس باص "شركة كدرو" الطفل بشار ابراهيم (12 عاماً) في إحدى التظاهرات. ويروي عبدو الحادثة: "في اليوم التالي لموت الطفل بشار الذي دهسه باص شركة كدرو. وبعد المظاهرة المسائية إلتقينا بأحد باصات الشركة فصاح متظاهر عار علينا أن نسمح لباصات قاتل الأطفال أن يمر في شوراعنا فأوقفنا الباص وحطمناه إنتقاماً لدم الطفل بشار". تلت ذلك حوادث تدمير وإحراق للباصات لم تكن جميعها بدافع الثورة، بل ورقة ضغط لتحقيق مطالب أخرى، كما حصل في حي الليرمون حيث أحرق بعض سكانه باصاً "لشركة الزبير" للمطالبة بالسماح للميكروباصات بالعمل إذ كان كثير منهم يعتمدون عليها لكسب لقمة عيشهم. ومع دخول الثورة السورية للمنحى المسلح وإنقسام حلب إلى مناطق يسيطر عليها النظام وأُخرى تسيطر عليها فصائل المعارضة، استخدم الطرفان هذه الباصات كـ”مساتر” لقطع الطرقات. كما أثبتت فاعليتها في بعض عمليات التفجير، ما أدى إلى تدمير عدد كبير منها بفعل الإشتباكات والقصف المدفعي والغارات الجوية. واستخدمت المعارضة الباصات التي بقيت في مناطقها وسلمت من التدمير لخدمة السكان داخل المدينة وفي بعض القرى وفي نقل الركاب إلى المعابر الحدودية. حافظ النظام على المناطق والأبنية المرتفعة في حلب حيث قتل قناصته المتمركزون فيها، المئات من سكان مناطق المعارضة، معظمهم في باب الحديد وعلى معبر “كراج الحجز” قبل إغلاقه، وهو الوحيد بين مناطق النظام والمعارضة. لحجب الرؤية عن قناصة النظام، حاول بعض الفصائل استخدام الستائر القماشية لكنها لم تصمد طويلاً أمام الرياح وطلقات الرصاص، فلجأت أخيراً إلى استخدام الباصات بوضعها فوق الأبنية العالية وملئها بأكياس الرمل. تعتمد مناطق المعارضة اليوم على الميكروباص في النقل، فيما يقتصر دور الباصات على كونها مساتر تعتلي الأبنية، ما يراه كثيرمن سكان حلب أهم من دورها في النقل.