فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مشروع لتوزيع الغاز المنزلي في ريفي حلب (الشرقي والشمالي)

مشروع لتوزيع الغاز المنزلي في ريفي حلب (الشرقي والشمالي)

مشروع توزيع اسطوانات الغاز في مدينة الباب -خاص 

بدأت المجالس المحلية منذ أيام، في ريفي حلب الشمالي والشرقي، مشروعاً لتوزيع الغاز المنزلي (غاز الطهي) لـ 2450 عائلة متوزعين في مدن وبلدات (الباب –قباسين –بزاعة وريفها –أخترين) ولمدة ستة أشهر، وفق مذكرة تفاهم مع “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية”، ومنظمة srd الجهة المنفذة للمشروع على الأرض.

وقال مدير الحملة إن التفاهم جرى مع المجالس المحلية لتقديم أسطوانات الغاز لـ 2450 عائلة من الأرامل والأيتام وأصحاب الإعاقات (بشرط أن يكون رب أسرة) والمهجرين في المنطقة. لافتاً إلى أن المستفيد سيكون بإمكانه الحصول على أسطوانة غاز شهرياً، ولمدة 6 أشهر، وفي حال تغيب عن الحضور سيتم استبدال اسمه بمستفيد آخر بالتنسيق مع المجلس المحلي.

وعن آلية التوزيع قال إيهاب الراجح مدير الخدمات الاجتماعية في مدينة الباب “إن على المستفيد التقدم بإثبات شخصية و”كوبون” استلام غاز واسطوانة فارغة سورية، وتقوم المديرية بالتحقق من اسمه ومطابقته باللوائح والإيصالات، ويتم ختم الإيصال واستلام الأسطوانة الفارغة وتسليمه أسطوانة غاز سورية حصراً تزن 24 كيلو غراماً”، لافتاً إلى أنه لا يتم التسليم إلا لصاحب العلاقة أو زوجته أو ابنه فقط.

وأضاف الراجح أن هذه الحملة غطت نصف العائلات المحتاجة في مدينة الباب، والتي بلغت حصتها 1000 أسطوانة غاز شهرياً، يتم تسليمها في بداية كل شهر ولمدة أربعة أيام (250 جرة كل يوم)، خلال ساعات الدوام التي تبدأ في العاشرة صباحاً وتنتهي في الساعة الثالثة من ظهر كل يوم.

أثناء التسجيل على حملة توزيع الغاز في مدينة الباب -خاص 

ويتكفل متعهد بتأمين أسطوانات الغاز من معامل إعزاز وبزاعة والتي تنتج 3000 جرة يوميا (كل معمل 1500 جرة).

تأمل أم محمد (واحدة من النازحين في مدينة الباب) أن يغطي المشروع كافة عائلات الأيتام والأرامل والنازحين في المنطقة، فـ أسطوانة الغاز ضرورة في كل منزل، وأسعارها تتراوح في المنطقة بين 18000 ليرة سورية (40 دولاراً) في الشتاء حيث يزيد الطلب و4600 في الوقت الحالي (10 دولارات).

في الوقت الذي تطالب أم أسعد (من مهجري حمص) المجالس المحلية بزيادة أعداد المستفيدين الذين يبلغ عددهم بعشرات الآلاف بحسب إحصائيات في المنطقة.

                                                                                                                                                إبراهيم الحسن

 

 

 

دمار في معالم سرمين الأثرية.. ومناشدات ترميمها تبوء بالفشل

دمار في معالم سرمين الأثرية.. ومناشدات ترميمها تبوء بالفشل

الحمام الأثري في سرمين بعد تعرضه لغارة جوية من  طائرات الأسد عام 2017 -خاص 

“تُنسى كأنك لم تكن”، بهذا الاقتباس يبدأ أبو أسعد “أحد مدرسي التاريخ في بلدة سرمين (6 كم عن مدينة إدلب) حديثه عن البلدة الأثرية التي عانت خلال سنوات حكم الأسد الأب –كمعظم المعالم الأثرية في إدلب وحلب- من الإهمال والنسيان، فاندثرت معالمها وغابت حكاياتها وباتت أشبه بأكوام من التراب يرتادها الأطفال للعب، فيما ظلت قابعة

كـ حسرة في حكايات المسنين، يتبادلونها فيما بينهم كجزء من ذاكرة لا تنطفئ في مواجهة ما أسمته الحكومة السورية يوماً بـ “المدن المنسية”.

وخلال سنوات الثورة تشارك نظام الأسد مع تنظيم الدولة “داعش” في تدمير ما بقي من معالمها، فدمّر الأخير ضريحي “خولة بنت الأزور” وأخيها ضرار في عام 2014، فيما تكفلت غارات الأسد بتدمير حماماتها الأثرية الأشهر (المالحة والدرج) عام 2017، وأجزاء كبيرة من سوقها الأثري على مراحل.

ضريح خولة بنت الأزور في سرمين قبل تدميره من قبل داعش -أنترنيت

 

وبجولة سريعة على أهم المعالم الأثرية في البلدة، نجد أن معمل الصابون والنسيج الأثري قد حُول منذ قرابة ست سنوات إلى فرن لبيع الخبز “متوقف عن العمل حالياً”، بينما طال الدمار حمام المالحة المبني من الطين، يقول أبو حسن “أحد أبناء المدينة” لفوكس حلب “منذ توقف حمام المالحة عن العمل لم يجرؤ أحد من أبناء المدينة على الاقتراب منه، إذ أصبح آيلاً للسقوط في أي لحظة، ولا يمكن ترميمه لأن بناءه الأساسي من الطين وليس من الحجارة”.

حمام المالحة قبل تعرضه للدمار عام 2014 – انترنيت 

تلمع عينا أبو حسن وهو يحدثنا عن الحمام وسهرات الأحبة بين جدرانه، فحمام المالحة لم يتوقف عن العمل حتى عام 2011، وكان مع حمام الدرج (الذي يأتي في المرتبة الأولى من حيث العمل والأهمية) والجامع الكبير أهم المعالم الأثرية التي صمدت خلال العصور السابقة وبقيت على “قيد الحياة”.

يشرح أبو حسن مع مجموعة من أصدقائه المسنين قصصاً عن البلدة القديمة، ويطلق شعراً كتب على باب حمام الدرج ” يا طالباً لمنال كل مرام/ من صفو عيش تلقهُ بسلام/ عرج على حمام جامعنا الذي/ تزهو برفعتها على بهرام/ تلقى بها عين الحياة فلا تعد/ تخشى من الأسقام سطو حمام/ وتظل في صفو النعيم منعماً/ مع فتية كالزهر في الأكمام/ لما تكامل في البناء أرخته فيه الشفاء وصحة الأجسام”.

 على بعد عشرات الأمتار عن حمام المالحة يقع حمام آثري أخر، وهو ذو أهمية تاريخية صمم على طريقة حمامات الشام القديمة “براني -جواني”، ويقع على مدخل السوق المعبد بالحجارة الذي يعود للحقبة الرومانية، يقول أبو أسعد “كان من المفترض أن يستقبل الحمام اليوم عشرات الزوار، ولكن طائرات الأسد استهدفته بصواريخ شديدة الانفجار حولته إلى أكوام من الردم والحجارة”.

المسجد الكبير أو مسجد التسع قباب في سرمين اليوم -خاص 

الجامع الكبير هو المعلم الوحيد التي مازال قائماً في سرمين، ويعزو مسؤول الأوقاف في المدينة السبب لعدم تعرضه لأي غارة جوية، فالمعالم الأثرية ” باتت تطوى بغارة جوية على مزاج الطيار”، إضافة إلى عمليات ترميم بسيطة قامت بها هيئة الأوقاف للحفاظ على المسجد الذي يحوي على مئذنة مربعة بنيت على الطراز الأموي، وتسع قباب، لذلك يدعى أيضاً الجامع المقبقب، وقد بُني على أنقاض كنيسة، كانت من ذي قبل معبداً وثنياً، وتم تجديد بنائه خلال العهد الفاطمي. ومن المفارقات العجيبة ما ذكره ابن بطوطة عن أهل بلدة سرمين “من العجب أن أهلها يكرهون لفظة العشرة حتى أن مسجدها بني له تسع قباب”.

الصورة لداخل المسجد الكبير في سرمين -خاص 

السوق القديم والطُرق التي ما زالت حتى الوقت الحالي مُعبدةً بالحجارة تعرضت للقصف، ولكن أصحاب المحال التجارية قاموا بترميمها على حسابهم الشخصي، فالسوق الذي يمتد بطول 200 م له العديد من المنافذ التي تنتهي إلى الحارات والأحياء التي تحيط به، وقد بنيت دكاكينه بنفس الطراز العمراني، بأبواب على شكل أقواس حجرية وأرضية من الحجر البركاني الأسود مصفوفة بشكل متقن يشبه في تنسيقه أسواق حلب ودمشق القديمة كسوق النحاسين والحميدية، أما الكهوف المحفورة في الصخر والخزانات الرومانية والصهاريج الممتدة من ناحية جبل أريحا في سوريا فقد غابت آثارها كلياً، بحسب أبو أسعد.

السوق القديم في سرمين -أنترنيت 

ولا يملك المجلس المحلي في المدينة القدرة على ترميم الدمار الحاصل في المواقع الأثرية، على الرغم من تواصله ومناشداته للجمعيات والمؤسسات المعنية بالآثار التي باءت كلها بالفشل، بحسب أبو محمد “واحد من أعضاء المجلس المحلي في سرمين” الذي عبر عن أسفه “لعدم سعي المجلس للحفاظ على ما تبقى من آثار” ليعزو السبب ” لـ ضعف الإمكانيات وعدم الاستقرار” اللذان شكلا “الأسباب الرئيسة التي ساهمت بتلاشي هذه المعالم وعدم المحافظة عليها”.

الشكل المقوس لأبواب المحلات في سوق سرمين القديم -أنترنيت

و”سرمين بلدة مشهورة من أعمال حلب قيل إنها سميت بسرمين ابن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام” بحسب ياقوت الحموي في معجم البلدان، وقد ذكر الميداني في كتاب الأمثال “أن سرمين هي مدينة سدوم التي يضرب بقاضيها المثل وأهلها اليوم إسماعيلية”، وقد ذكر اسمها في رقميات مدينة إيبلا الأثرية، التي تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت ممراً للقوافل التجارية وقوافل الحجيج قديماً لتمتعها بموقع استراتيجي وسط محافظة إدلب.

                                                                                                                                                                           شمس الدين مطعون

 

حواجز نظام الأسد تأكل “البيضة والتقشيرة”.. والمواطنون يدفعون الثمن

حواجز نظام الأسد تأكل “البيضة والتقشيرة”.. والمواطنون يدفعون الثمن

تفرض حواجز النظام إتاوات كبيرة على البضائع القادمة من مناطق سيطرتها أو عبرها إلى المناطق المحررة، تفوق أحياناً نسبة 100% من قيمة المواد بحسب تجار المنطقة، ما يؤدي إلى تضاعف أسعار هذه السلع في أسواق المناطق المحررة، مستغلين حاجة المواطن لبعض السلع الأساسية (دواء –ألبسة –بعض المنتجات الصناعية والغذائية) والتي تتركز صناعتها في المدن الرئيسية (دمشق –حلب –حمص –حماه) وتغيب في الشمال السوري وذلك للكلفة الباهظة لإنتاج هذه المواد إضافة إلى ظروف عدم الاستقرار، وابتعاد أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمارات الكبيرة في المنطقة.

تمرّ هذه البضائع ذهاباً وإياباً عبر معابر اتفق النظام مع فصائل المعارضة على فتحها، لتأمين الاحتياجات الأساسية، إلّا أن المزارعين والصناعيين في المناطق المحررة يشعرون بالغبن تجاه عمليات (التصدير والاستيراد الحاصلة)، فمعظم المواد التي تخرج من مناطق سيطرة المعارضة، يستفيد منها تجار النظام الذين يقومون بدور المرابح، ولا تنعكس إيجاباً على حياة المزارعين والصناعيين في المنطقة.

يبيع تجار المناطق المحررة الفائض من الخضراوات والمنتجات الزراعية (التين –الكرز-الفستق الحلبي –زيت الزيتون….) والمحروقات إضافة لأصناف عديدة من البضائع التركية القادمة عبر المعابر، وتفرض عليها ضرائب بسيطة لا تتجاوز في كثير من الأحيان 1 بالألف من قيمة البضائع، ويتم هذا الأمر عبر مكاتب شحن تقوم بدور الوسيط، إذ تقوم هذه المكاتب بكفالة مرور البضائع المطلوبة عبر حواجز النظام عن طريق دفع مبالغ مالية يحددها “مزاجياً” الضباط القائمين على هذه الحواجز، يقول صفوان سيد يوسف (صاحب مصنع في ريف إدلب) “كل شيء هنا قابل للبيع إلى مناطق النظام، فالأخير بحاجة لجميع هذه البضائع، كما أنه يقوم بدور المرابح الذي يكسب على جميع الأحوال”، ويكمل اليوسف “كل ما على التاجر فعله هو الاتفاق مع مكتب لشحن البضائع يتواجد في إدلب أو في مناطق النظام، هذا المكتب يتعهد بإيصال البضائع إلى مخازن التاجر لكن المبالغ تكون كبيرة”، وهذا ما يؤدي إلى انخفاض سعر المواد وهامش الربح بالنسبة للمزارعين والصناعيين وذهاب معظمه لمكاتب الشحن و جيوب عناصر الحواجز.

من جهته يقول “أبو حسن” الذي يدير مكتباً للشحن في إدلب، إن المكاتب تقوم بشراء منتجات المزارعين من ريف إدلب ثم بيعها إلى دمشق عبر معبر مورك. ويشرح أبو حسن “ندفع أموالاً كبيرة لقاء سلامة هذه البضاعة وإيصالها إلى التجار في دمشق”.

تلك الإتاوات والرشى تضع الفلاح أمام خيارين “أحلاهما مرّ” على حسب قول أبو سعيد (مزارع) فإما أن “تموت الثمار على الأشجار، فالسوق الداخلية لا تستوعب الكميات التي تنتجها الأراضي، وبالتالي سيتعرض المحصول للتلف، ولن يأتي بثمن قطافه ونقله” أو “أن نبيع المحصول للتجار بأي ثمن، وهم بدورهم يبيعونه إلى مناطق النظام، ويضيفون علينا ما تتقاضاه الحواجز ويخصمونها من السعر”.

ويعطي اليوسف مثالاً عن ما يحصل أثناء إرسال البضائع إلى مناطق النظام “تتقاضى حواجز النظام عن كل 1 طن من التين الطازج ما يعادل 150 ألف ليرة سورية (3.57 دولار لكل 1 كغ)، في الوقت الذي نشتري به كيلو التين من الفلاح بما يعادل 100 ليرة (2.3 دولار) –الرشى أكبر من سعر التين-  يضاف إلى ذلك أرباح المكتب وكلفة سيارة الشحن”

ويقارن أبو سعيد بين سعر التين هذا العام وسعره في العام الماضي إذ لم يقل سعر الكيلو غرام في العام الفائت عن 450 ليرة بينما لم يتخطى هذا العام سعره حاجز الـ 100 ليرة!

في الجهة المقابلة يقبل الصناعيون والتجار على شراء السلع واحتياجات معاملهم من مناطق النظام (الأدوية –الخيوط والأقمشة –الجلود للأحذية ومواد التصنيع –الدهانات –المعلبات –السمنة….) كونها تتصف بجودة تفوق المنتوجات التركية (بحسب التجار)، ليدفعوا ثمنها مضاعفاً مرة أخرى إذ تتراوح الإتاوات والرشى بين 30% و150% تحددها طبيعة هذه المواد وقيمتها وحاجة المنطقة لها.

يقول “أبو محمد” وهو صاحب متجر ألبسة في سراقب بريف إدلب لفوكس حلب “إن الملابس السورية تتفوق على نظيرتها التركية لكن الإتاوات التي تدفع لتمريرها عبر حواجز النظام كبيرة جداً ما يتسبب بتضاعف أثمانها”. وتابع أبو محمد بينما أتى العديد من الزبائن واشتروا ثياباً للأطفال صنعت في دمشق “هذه الملبوسات تباع في دمشق بـ 3 آلاف ليرة للطقم الواحد لكني هنا مضطر لبيعها بـ 6 آلاف ليرة”.

ويرى علي الهادي (يملك ورشة أحذية) في ريف حلب الغربي إن المستفيد الرئيسي هو عناصر حواجز الأسد ويصفهم (بالمنشار بياكل بالروحة والرجعة) بينما يتحمل المواطن عبئاً إضافياً، يضاف إلى البطالة وانخفاض الدخل، إذ يعيش 86.7% من سكان سوريا (في مناطق المعارضة والنظام) تحت خط الفقر، بحسب إحصائية صادرة عن مركز الدراسات فيريل 2017.

                                                                                                                                                                                                                                       محمد كساح

أطفال الريف الشمالي في حلب يسابقون النحل للحصول على رحيق نبتة الجيجان

أطفال الريف الشمالي في حلب يسابقون النحل للحصول على رحيق نبتة الجيجان

تبدأ نبتة الجيجان بالإفراز الرحيقي لأزهارها في الفترة الممتدة من نهاية شهر تموز إلى أوائل شهر آب، ومع بداية هذا الإفراز يتسابق “النحّالون” مع الأهالي للاستفادة من هذا الرحيق، ففي الوقت الذي تعدّ فيه هذه النبتة واحدة من أهم المراعي للنحل في المنطقة لإنتاج عسل الجيجان ذي الجودة العالية، والمرغوب به لنكهته الممتازة ولونه الفاتح الذي يميل إلى حد ما إلى الأصفر، نظراً للون زهرة “الجيجان”، يعمل الأهالي إلى قطف النبتة ومعالجتها لتنكيه “قطر” المربى، فيكتسب طعماً أشبه بطعم العسل.

والجيجان نبات حولي ذو ساق رفيعة جرداء ملساء، أوراقه جرداء بيضوية منعكسة مثلثية أو ملعقية أو منفرجة بطول 1-3 سم صغيرة التسنن، وأوراقه صفراء اللون باهتة، ويحدث الإثمار في النبتة خلال شهري حزيران وتموز. وله أسماء عديدة بحسب المنطقة: فيسمى في المنطقة الشمالية “جيجان” وفي الشرقية “البقلة” وفي الجنوبية “الحلاب” ويطلق عليه البعض “الحلبوب” أو “حليب البوم” أو “حلبوب الشمس”.

يقول محمد أبو رضا “أحد مربي النحل في الشمال السوري” إن أفضل أنواع الجيجان هو ذاك الذي يكون شكله كـ “الدولاب في تدويره وتكبيسه على بعض”، وينبت في الأراضي الحمراء والسوداء، وينتشر بكثرة في أراضي العدس والكمون ويظهر في أراضي الشعير والحنطة عندما يكون المطر وفيراً في فصل الربيع.

ويتواجد الجيجان بكثرة في أراضي الخط العاشر من سهل الغاب والروج والعمق مروراً بإدلب ثم الريف الشمالي والشرقي، ويظهر في بداية فصل الربيع منتصف شهر آذار، ويبدأ الافراز الرحيقي من 25/7 حتى 5/8 في هذه المناطق، وهي الفترة التي يستفيد منها النحالون من نبتة الجيجا، وخصوصاً في الساعة العاشرة صباحاً إذ يكون الإفراز في أوجه، هذا الإفراز يكون بشكل مادة حليبية، تحتوي على مواد سامة ومطاطية وصمغية وقد استعمل قديماً لإزالة مسامير اللحم والثآليل، وإذا تعرضت له العين أو الجفون أحدث فيها التهابات خطيرة، ولا تأكله المواشي، ويسبب حرقة في الفم وتورم اللسان وآلام معوية والدوخة وفي الغالب الموت.

وتكون أرض الجيجان مرعى أساسياً للنحل، ويُعدّ عسله من أكثر الأنواع تسويقاً (متل الدولار شقد في عندك عسل التاجر بياخد) ويستفيد النحالين من النبتة لمدة 45 يوماً،

بينما يعتمد الأهالي منذ القدم على نبات الجيجان لتطعيم المربيات ودبس العنب، يقول محمد أبو رضا نقلاً عن جدته ” من حد وكدي كانت امي بتحطو للمربى ودبس العنب”.

وعن كيفية استخدامه تحكي أم محمد “بعد ان أقطف التين أرتبه بإتقان في طنجرة كبيرة على طبقات، بين كل طبقة ترش القليل من السكر، فكل كيلو من ثمار التين يحتاج إلى نصف كيلو سكر، وبعد الانتهاء من رش السكر أضيف له ملعقة من حمض الليمون ليعقد القطر، ويصبح لونه فاتحاً، وأغلق الطنجرة حتى صباح اليوم التالي، أُشعل النار من جديد تحت الطنجرة في الصباح الباكر حتى يبدأ قطر التين بالغليان، ثم أحضر الجيجان بعد ربطه كباقة من النعناع، وأقوم بتحريك المربى به لمدة ربع ساعة، ثم أزيله وأطفئ النار، ويكتسب وقتها اللون الأحمر، وأقوم بتبريده ثم تصفيته وأضعه تحت أشعة الشمس لمدة أسبوع كامل، ثم أقوم بتعبئته في (قطرميز) من البلور”.

ولنبتة الجيجان مهمة أخرى بحسب الحجة سلوى التي قالت إن أهالي القرية كانوا يجدلون سوق النبتة وأوراقها ويحولونها إلى “مقشة” لتنظيف الأراضي.

كما أورد الغافقي في كتابه عن الطب القديم أن نبات الجيجان كان يستخدم سابقاً لأغراض طبية في معالجة مرض “الكتام” إذ أن حليب النبتة يسبب الإسهال وينفع في الاستسقاء.

 

طلّاب إدلب المحررة يطالبون بدورة تكميلية.. واللجنة العليا للامتحانات تدرس إمكانية إقامتها

طلّاب إدلب المحررة يطالبون بدورة تكميلية.. واللجنة العليا للامتحانات تدرس إمكانية إقامتها

“ناقصني كم علامة وبدخل كلية الصيدلية” تعيش هبة محمد، واحدة من الطالبات اللواتي تمكنّ من الحصول على الشهادة الثانوية بفرعها العلمي هذا العام، حالة من القلق في انتظار استصدار قرار بإجراء الدورة التكميلية في إدلب المحرّرة، فعلى الرغم من تحصيلها العالي إلّا أن درجاتها لا تؤهلها لدخول الكلية التي تحلم بها مقارنة بمفاضلة العام السابق، وتأمل هبة من مديرية التربية الإسراع بالإعلان عن الدورة التكميلية التي تراها “ضرورة” لمعظم الطلبة الذين يتابعون تحصيلهم العلمي في ظروف معيشية وحياتية وصفتها بـ “القاسية”.

حال “حسن”، طالب أنهى دراسته الإعدادية لم يتمكن من النجاح هذا العام لرسوبه بمادة “اللغة العربية”، ليس بأفضل من حال هبة، فقد منعته ظروف المنطقة من الوصول إلى مكان امتحانه في الوقت المحدد في مادة اللغة العربية ما أدى لرسوبه، بالرغم من درجاته الجيدة في باقي المواد “أتمنى أن يكون هناك دورة تكميلية لأستطيع تقديم مادة اللغة العربية، لا أريد خسارة سنة كاملة من حياتي، وأتمنى من مديرية التربية تقدير ظروف الطلبة” يقول حسن.

وكانت مديرية التربية قد أصدرت، منذ أيام في 28 تموز الفائت، نتائج الامتحانات وقد بلغت نسبة النجاح في شهادة الثانوية العامة الفرع العلمي /71.7/ حيث نجح /2426/ طالباً من أصل /3383/ طالباً تقدموا للشهادة. كما بلغت نسبة النجاح في الفرع الأدبي /53,5/ حيث تقدم /3017/ طالباً للشهادة ونجح /1616/ طالباً.  بينما تمكن /6755/ طالباً من الحصول على شهادة التعليم الأساسي من أصل /12815/طالباً تقدموا لها لتبلغ نسبة النجاح /53,7/، بحسب الأستاذ ياسين ياسين مدير تربية إدلب، الذي قال “إن نسبة النجاح مقبولة هذا العام مقارنة بالأوضاع التي تعيشها المنطقة من قصف وتهجير وتهديدات مستمرة”.

وعن قرار إجراء دورة تكميلية يقول مدير التربية “”نسعى جاهدين لتنظيم دورة تكميلية لطلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية، ولكننا ننتظر دراسة اللجنة العليا للامتحانات”.

وتعمل اللجنة العليا للامتحانات على دراسة بيانات الامتحانات والمفاضلة العامة، لتخلص إلى قرار بخصوص الدورة التكميلية.

ويرى هؤلاء الطلبة أنه من الإنصاف إعلان مديرية التربية عن دورة تكميلية في أسرع وقت ممكن. فالظروف التي يعيشها الطلاب في إدلب لا تشكل أجواء مناسبة للامتحانات، ووجود دورة تكميلية ضروري جداً حسب “معاذ” أحد طلاب الشهادة الثانوية.

يتابع معاذ لا يوجد منطقة مستقرة بشكل كامل وقد يصادف امتحان إحدى المواد مع ظرف أمني خاص في المنطقة التي يعيش فيها، الأمر الذي قد يمنع أحد الطلاب من حضور الامتحان بشكل كامل، ناهيك عن الأذية النفسية التي يتعرض لها الطلاب والتي ستؤثر على امتحان الطالب في مثل هذه الظروف.

من جهته يقول الأستاذ نور الدين اسماعيل “مدرس” إن مستويات الطلاب خلال العام الدراسي الحالي كانت جيدة، ولم تكن النتائج عادلة حسب المستويات التي كنا نراها أثناء العام. ومن الضروري إجراء دورة تكميلية نظراً للظروف التي أثرت على امتحانات الطلبة في بعض المواد، وهذا الأمر لا يعطي صورة صحيحة عن مقدرة الطالب، لذلك ستمنح الدورة التكميلية فرصة للطلاب المقصرين لإثبات أحقيتهم بالنجاح.

تكتم هبة ابتسامة قلقة حين يناديها أهلها بـ “الدكتورة”، متمنية على مديرية التربية أن تقف إلى جانبها وزملائها ومساعدتهم لتحقيق آمالهم بالحصول على نتائج مرضية تتوافق مع تعبهم وجهدهم، ومنحهم فرصة لإثبات جدارتهم.

                                                                                                                                                                                                                                                                                       محمد الأسمر

 

 

 

 

 

 

 

السلاح الشخصي في مدينة الباب.. تراخيص وغرامات وملاحقات قضائية

السلاح الشخصي في مدينة الباب.. تراخيص وغرامات وملاحقات قضائية

حدّد المجلس المحلي في مدينة الباب انتهاء مهلة ترخيص السلاح الشخصي في المنطقة بيوم الثلاثاء القادم 1/8/2018، تحت طائلة المصادرة ودفع الغرامة المالية، ومنح من يضبط بحوزته سلاحاً دون ترخيص مهلة أسبوع واحد لاستكمال أوراق الترخيص، وفي حال تكرار المخالفة يتم إحالة الموقوف مع السلاح إلى القضاء.

قال محمد فارس رئيس المكتب القانوني في المجلس المحلي لمدينة الباب “بعد الأول من آب القادم وحتى رأس السنة يمنع حمل السلاح غير المرخص وحيازته منعاً باتاً، وفي حال المخالفة يصادر السلاح مؤقتاً ويعطى صاحبه مهلة أسبوع لترخيص سلاحه مع تغريمه بـ 10000ليرة سورية. وعند انقضاء مهلة الاسبوع يصادر السلاح بشكل دائم. وستتم مصادرة أي سلاح وإحالة صاحبه إلى القضاء، دون مهلة، ابتداء من رأس السنة الميلادية 1/1/2019”.

وكان المجلس المحلي بالتعاون مع قيادة الشرطة الحرة قد أصدر قراراً يلزم سكان المدينة وريفها بترخيص أسلحتهم الشخصية خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، بدأت بتاريخ الأول من أيار 2018 وتنتهي بالأول من آب 2018، وفق شروط معينة.

وعن نوعية الأسلحة القابلة للترخيص قال الملازم أول خالد الخطيب رئيس قسم الأسلحة والتراخيص لفوكس حلب “إن هذه الأسلحة تقتصر على كل من: البندقية الحربية، المسدس الحربي، بندقية صيد أوتوماتيك، بندقية صيد فوهتين، بندقية صيد فوهة واحدة”.

 وتحددت أسعار الحصول على الرخصة من ستة آلاف ليرة سورية حتى 60 ألف للأسلحة، و200 ألف ليرة سورية كترخيص لمحلات بيع الأسلحة في المدينة و100 ألف ليرة في الريف، وقام القسم المسؤول عن الترخيص، والذي افتتح في مخفر الشرطة في المدينة، بترخيص ما يقارب 200 سلاح شخصي ومحل واحد لبيع الأسلحة خلال الفترة الماضية، ولا يُعفى من الرسوم أي شخص، سواء كان مدنياً أو عسكرياً، بحسب رئيس القسم.

ويشترط لترخيص السلاح ألا يقل عمر الطالب للترخيص عن 21 عامًا، وغير محكوم عليه بعقوبة جنائية أو عقوبة الحبس لمدة سنة واحدة في جريمة الاعتداء على النفس أو المال. وأن يكون غير محكوم في أي جريمة استخدم فيها السلاح، ولا يكون من المتشردين أو المشتبه بهم أو الموضوعين تحت الرقابة. وأن تتوافر فيه اللياقة لصحية لحمل السلاح مع تقديم إثبات يؤكد عدم إصابته بمرض نفسي أو عقلي، وأن يكون ملماً باحتياطات الأمن عند حمل السلاح، وتقديم مبررات كاملة وجدية للترخيص.

ويقدم طالب الترخيص إضبارة، ويحضر سلاحه لتسجيله بالرقم والمواصفات، وأربعة صور شخصية، وتقرير طبي يفيد بلياقة المتقدم (باطنياً -نظر) مع المؤهل العلمي أو شهادة محو أمية لمن هم دون سن الخامسة والثلاثين، ويعفى من تقديمها ما يزيد على ذلك.

تتم دراسة الطلب أمنياً والبحث في السجل العدلي عن اسم المتقدم بالطلب ومناقشة مبررات الترخيص، وتمنح الرخصة خلال فترة أسبوع من تقديم الطلب، ويلزم بالتوقيع على التعهدات اللازمة لحمل السلاح وأهمها: يعتبر الترخيص شخصياً، ويتحمل الحاصل على الترخيص كامل المسؤولية الجزائية والمدنية جراء استخدام السلاح من غيره، وخصوصاً القاصر الذي قد يعرض نفسه للمساءلة الجزائية.

ويعتبر الترخيص صالحاً في ريف حلب الشمالي والشرقي إضافة إلى مناطق الجيش الوطني في ريف حلب الغربي وإدلب، لمدة ثلاث سنوات.

أما عن سلاح الفصائل المتواجد بين المدنيين في الشوارع فذكر الخطيب أنه تم مناقشة الأمر مع قادة الفصائل، واتفق على مصادرة سلاح أي عنصر بين المدنيين حتى مجيء قائد الفصيل واعترافه بالسلاح، فضلاً عن مطالبته بعدم حمله أثناء التجوّل في المدينة، دون مبرر، أو إبراز “مهمة” صادرة عن الجهة التابعة لها، مما سيخفف تواجد السلاح في المدن.

كما يمنع استخدام السلاح في المناسبات، حتى إن كان مرخصاً، وستسحب الجهات المختصة الرخصة من المخالفين في حال التكرار، فبحسب المشفى الميداني في المدينة يتراوح عدد الإصابات أسبوعياً (إصابة أو اثنتين) خلال فترة الصيف جرّاء إطلاق العيارات النارية في الأعراس.

ويطالب ناشطون في المدينة الجهات المختصة التعامل بحزم وتطبيق العقوبات بحق المخالفين، نظراً للانتشار الكثيف للأسلحة بين المواطنين والعسكريين، وما يخلفه من توتر أمني وانتشار لحالات السرقة والاغتيالات.

 

 

تقسيمات على وجع درعا

محمد الأسمر

تقسيمات على وجع درعا

سانداً ظهره على جدار من تعب، علّ برودة ما تصل إلى قلبه المليء بالذاكرة، يجلس الرجل الخمسيني “أبو محمد” في بيت مضيفه، بعد أن خلّف وراءه مدينته درعا التي أمضى فيها 53 عاماً، مع بعض أصدقاء الرحلة والمكان. يجول بعينيه في السماء ويحاول جاهداً امتلاك زمام الحديث ليحكي ما يجول في خاطره، حاله كحال آلاف المهجرين “على قلق كأن الريح تحتي”. ينظر إلى الشمال رحلته القادمة للبحث عن مكان يأوي إليه كـ “أمر واقع” بينما قلبه يتجه إلى الجنوب، حيث كل حياته.

تتسع حدقتا الرجل وتأخذ لون تراب حوراني مائل للسواد، تغرورق عيناه بدمعة تأبى النزول، كـ عادة الرجال بملامحهم القاسية. هو لا يبكي ورشة “سحب الألمنيوم” وبساتينه وسيارته، التي تركها عند أحد معارفه في القنيطرة، وإنما يسيطر عليه وجع المكان، درعا، وقبور الشهداء التي خلّفها وراءه، والكرامة التي عاش يحملها على كتفيه طيلة حياته، ودفعته وأبناءه للانخراط في ركب الثورة منذ الصيحات الأولى، يقول أبو محمد.

يُعدّل أبو محمد من جلسته، عيون الجميع في المكان تنتظر أن تتلقف شيئاً من كلامه، “كنا مصممين ع الصمود ورافضين التهجير وكانم الشباب باصمين بالدم، بس.. لعنة الله على كل خاين”. يتصبب وجه أبو محمد عرقاً وكأنه استرجع شريط الذكريات أمام عينيه كيف دارت المعركة، وبدأ القصف الشدي،د ورحلة النزوح من مكان لآخر بين درعا والقنيطرة، ثم مفاوضات قصيرة ليجد نفسه اليوم في إدلب.

بملامح حادة يخبرنا أبو محمد أن الأمر كان محسوماً، فـ “إسرائيل” تريد حارساً أميناً على حدودها، ومن كـ “بشار الأسد” يصلح لهذه المهمة، فخيوط اللعبة تكشّفت، ولم يكن مصير مناطقنا أفضل حالاً من سابقتها، كان اليأس قد بدأ بالتسرب إلى صفوف الناس، ومع بدء المصالحات كان علينا أن نتخذ القرار، فاخترنا طريق “اللاعودة”، كما اخترناه وقت أول صرخة للحرية، ولا يشرفنا البقاء في أرضنا بوجود “الاحتلال الروسي ودميته الأسدية”، فما نفع بلاد وأرض لا كرامة لأهلها فيها، وكيف يطيق الإنسان رؤية قاتله يعبث على تراب أرضه ويتجول فيها وهو مكبل الأيدي سوى من التصفيق.

عشرون ساعة أمضتها القافلة التي حملت أبو محمد ومئات من أهالي المنطقة، رافقهم فيها شعور وحيد بالخوف من غدر “قليلي الذمة” كما وصفهم، مئات من الشتائم رشقها الجبناء الذين مرت القافلة بقراهم الموالية “هم عبيد ولن يعرفوا طعم الحرية يوماً”، إضافة لاستهداف الحافلات بالحجارة، كان على الجميع كظم غيظه “النساء والأطفال المرافقين لنا في الحافلة صعّبوا الأمر علينا، وخفنا من عمل وحشي كعادة الشبيحة، بس كنا جاهزين لأي أشي الشباب بواريدهم ملقمة وأصابعهم على الزناد”.

الطريق كان طويلاً، والهلال الأحمر المرافق للرحلة وزرع بعض الطعام والأدوية والماء على المهجّرين، الجميع كان يغصّ بالماء في تلك اللحظة التي لم يعد يستطيع الانسان فيها الالتفات إلى الوراء، هو الرحيل من أثقل قلوب الرجال، وفرض عليهم الصمت.

ساد صمت ثقيل في المكان، بدت ابتسامة مصطنعة على وجه الرجل كـ شقّ في جدار، إلى أن اخترق جدار الصمت هذا صوت الصغيرة مريم وهي تبكي باحثة عن جدها أبي محمد، تلقفها ليضعها على ذراعيه، “مريم حفيدة أبو محمد التي استشهد والدها في واحدة من المعارك، كانت حفيدته من ابنته التي زوجها خلال الثورة، ولم تكمل مع زوجها سوى شهرين ليأتيها نبأ استشهاده، تاركاً زوجة تحمل بطفلته مريم التي لم يتح لها أن ترى والدها”، سكت بكاء الصغيرة، أحد الحاضرين قطع حزن الجميع بكلماته ” حياكم الله ماقصرتوا وأنتوا اعملتوا اللي  عليكم وأكثر”، لتسري لحظات من الفخر على معالم أبو محمد، فيضم حفيدته الصغيرة ويقبل رأسها .

يرتشف أبو محمد شفة من كوب الشاي الذي برد أمامه، يحاول التقاط أنفاسه، يوجّه حديثه إلى زوج ابنته الأخرى عن رغبته بشراء دراجة نارية للتنقل، كل الأحاديث توصلك إلى درعا “كان عنا خمس متورات.. شو بدنا نعمل” يطلق زفيراً حارقاً من قلبه وهو يحكي عن حواجز التفتيش الروسية التي كانت “متساهلة إلى أبعد الحدود”، “كانوا بدهم يطفشونا بأي شكل، ناس شالت كتير غراض، أدوات كهربائية وألواح طاقة وغيرها ….، يا ريت طالعنا غراضنا أحسن ما نتركها لهالكلاب”، أما شبيحة الأسد على الحواجز فقد كانوا كأحجار شطرنج، تحركهم روسيا وإيران كما تريد، بدت عيونهم حاقدة ولو ترك الأمر لمارسوا إجرامهم وقتلهم، ولكنهم كانوا بلا أنياب “عبيد مأمورين”. اكتفى أبو محمد وعائلته المؤلفة من ثمانية أشخاص ببعض الملابس وسلاحهم الخفيف ” خليت كل واحد من ولادي يشيل بارودة وجعبة، والله هذا ابني مؤيد البارودة كانت أطول منو”.

لحظة وصل مهجري القنيطرة إلى معبر مورك -انترنيت 

رحلة أبو محمد خلت من المفاجآت التي طالت قوافل أخرى، قال إيهاب المحاميد أحد المهجرين من درعا، فالقافلة التي كان يستقلها إيهاب تعرضت للحصار من قبل “ميليشيات إيرانية”، بالقرب من مدينة حمص، دون معرفة سبب إيقافها وحصارها، استعد الجميع للاشتباك، والتفوا حول القافلة لحمايتها، طردت الميليشيات قوات الأسد من المكان، ورفضت الاستجابة للطلب الروسي بفك الحصار، إلّا أن التحرك الشعبي في الجنوب أرغمها على الانسحاب بعد سبع ساعات.

“الأمر يستحق المجازفة” قال إيهاب الذي اختار التهجير على البقاء والجلوس مع قاتل صديقه وأخيه وجاره، “كنت على يقين بأن قراري بالخروج من درعا هو القرار الصائب الذي يحافظ على كرامتي التي خرجت في هذه الثورة من أجلها”.

يتوزع أكثر من ثمانية آلاف مهجر من درعا والقنيطرة في الشمال السوري اليوم، بانتظار عائلات جديدة في طريقها للوصول، يراودهم حلم العودة، وتتقاسم وسادات نومهم صور مدنهم التي تركوها خلفهم. رن هاتف أبي محمد، على الطرف الآخر من الخط كان الرجل الذي ترك أبو محمد عنده سيارته يخبره أن الشبيحة عفشوا سيارته وأغراضه. ابتسم الرجل بعد أن اكتمل مشهد المعاناة الأخير وهو يخبرنا عن عزمه السفر غداً إلى الشمال (الحدود التركية) للبحث عن مكان جديد يغرس فيه جذوره، ليكمل دورة الحياة.

مي سكاف.. شتان بين الفخر والشماتة

فريق التحرير

مي سكاف.. شتان بين الفخر والشماتة

هناك تزاوج بين الفن والثورة، تلك حقيقة شهدتها الثورات على مرّ العصور، يحمل الفنان عبأها الإنساني ويصير لزاماً عليه الوقوف إلى جانبها لتجسيدها ونقل سردياتها وقصصها، ليشبعها وصفاً وكتابة وشعراً وغناء وتمثيلاً وموسيقى.

والفنان ذلك الإنسان المبدع الذي ينخرط بمكنونات المجتمع ليلتقط صورة لا تبدو نمطية لما يجري، وإنما يحاول بحساسيته المفرطة أن يعبّر بفنه عن ذلك المجتمع، ليقول ما يجول في خواطرنا حين تنعقد ألسنتنا وتعجز عن التعبير، وتتيبس أصابعنا فنعجز عن العزف.

في الثورة السورية، وعلى عكس طبيعة الفن ودوره، انخرط معظم الفنانين إلى جانب القاتل ليكونوا جزء من تركيبة وبنية نظام الأسد، ويساهموا إلى حدّ كبير بتوجيه الرأي العالم لصالح نظرياته في “المؤامرات الكونية والممانعة والصمود”، وبات عملهم وشغلهم الشاغل تلميع صورته، فباتوا ضيوفاً “أغبياء” في حوارات سياسية لا يفقهون عنها شيئاً، ورسموا لأجل انتصاراتهم الزائفة لوحاتهم وأقاموا معارضهم على جثث مجتمعهم، وغدت صفحاتهم الشخصية أشبه بأبواق لأخبار كاذبة وترهات، وصعد إلى السطح ممثلون وفنانون ومطربون لم يسعفهم الحظ سابقاً ليكونوا “كومبارساً أو مطربي ملاهٍ ليلية” ليكونوا وجه سوريا النظام وشكله القادم.

وبالرغم من قتامة موقف الفنانين السوريين، إلّا أن بعضهم آثر الوقوف إلى جانب إنسانيته وثورته، فوقف في الخندق المقابل لأصدقائه وزملائه القدامى، لينزلوا إلى الشارع ويندمجوا مع مكونات المجتمع السوري ناقلين صوتهم ومطالبهم المحقة، معيدين للفن ألقه وروحه ودوره الحياتي، وكانت مي سكاف التي ودعتها الثورة السورية اليوم واحدة

من قاماتها العظيمة التي توفيت في باريس، ومي واحدة من أهم الفنانات السوريات من مواليد دمشق 1969، تخرجت من كلية الأدب الفرنسي، والتحقت بالمسرح الجامعي، ولها العديد من المسرحيات التي لفتت الأنظار إليها لتدخل عالم السينما والتلفزيون بالعشرات من الأعمال التي علقت في ذهن المشاهد السوري.

ومع بداية الثورة السورية حسمت الفنانة مي سكاف موقفها، لتكون إلى جانب أبناء مجتمعها رافضة ممارسات قوات الأسد الهمجية والوحشية، لتعتقلها قوات الأسد مرتين في عام 2011 و2013 لتهرب سرّاً بعدها إلى فرنسا، محافظة على نهجها الثوري فتلك الثورة “ثورتي حتى موتي” على حد قولها.

حياة مي سكاف في الثورة مليئة بالمواقف التي تعبر عن عمقها وملامستها لحياة الناس في سوريا الثائرة، تحكي عن وجعهم وتتألم لمصابهم، وتجلد ذاتها أمام كل خذلان، وترفع صوتها ضد كل ظالم، فهي من أخبر جلادها أن يكتب في التحقيق “لا أريد لطفلي أن يحكمه ابن بشار الأسد” دون خوف من مصير مجهول أو موت محتم، وهي نفسها من رفعت صوتها دائماً للتأكيد على مدنية الثورة وأحقيتها، وهي من كتبت من منفاها في باريس قبل أيام من موتها “لن أفقد الأمل … لن أفقد الأمل… إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”، ليكون لها أمنية لن تتحقق “ما بدي موت برات سوريا.. بس”.

رحلت أم المساكين والضعفاء كما كان يطلق عليها ناشطو الثورة، لتترك المجال مفتوحاً للانقسام بين السوريين، هذه المرة على موتها، بين الشامتين بموتها من الموالين، والفخورين بحضورها الدائم وحياتها في الذاكرة من الثوار، وشتان ما بين الشعور بالفخر والشعور بالشماتة.