وقفة في خان العسل احتجاجاً على الأيام الدامية الأخيرة
نظمت مؤسسة “شباب التغيير” مساء اليوم الأربعاء، وقفة احتجاجية بحضور عدد من الفعاليات الثورية والمدنية في قرية خان العسل الواقعة في الأطراف الجنوبية الغربية لمدينة حلب، وذلك احتجاجاً على القصف الروسي للمناطق المحررة، والالتزام بأفكار الثورة ومبادئها، والتأكيد على حق الشعب السوري بالحرية وتقرير المصير.
الصورة من الوقفة الاحتجاجية في خان العسل.
وقال أنس الدبس منسق قطاع حلب المدينة في مؤسسة شباب التغيير، لمراسل فوكس حلب “إن هذه الوقفة التي دعونا إليها في خان العسل، جاءت احتجاجاً على القصف الذي استهدف المنشآت الحيوية والإنسانية في المناطق المحررة”.
وأضاف الدبس “إن القصف المكثف من قبل القوات الروسية والذي استهدف في الأيام الأخيرة أغلب المراكز الإنسانية والحيوية كالمشافي والمدارس ومراكز الدفاع المدني، جاء بعد اجتماع الأستانة الأخير، والتسريبات التي تحدثت عن الهدنة ومناطق خفض التصعيد”، موضحاً أن الهدف من الوقفة هو “الاحتجاج على القصف، ورفض المواثيق الدولية المنتهَكة من قبل الروس ونظام الأسد، والضمانات الوهمية والخلبية من الدول الراعية لهذا الاتفاق، وصمتهم عن المجازر المرتكبة”.
الصورة من الوقفة الاحتجاجية في خان العسل.
من جهته قال نشأت هاشم رئيس مجلس خان العسل، لمراسل فوكس حلب “جئنا لنلبي دعوة شباب التغيير بوقفة احتجاجية، ولنقول للعالم إن الثورة مستمرة ولن تموت، وإننا ما زلنا على مطالبنا في إسقاط النظام وتحقيق أهداف الثورة “، وندد هاشم “بالقصف الروسي على المدارس والمشافي والمنشآت بشكل عام”.
الصورة من الوقفة الاحتجاجية في خان العسل.
عضو الهيئة السياسية لمحافظة حلب ياسين منصور، قال لفوكس حلب “إن هذه الوقفة الاحتجاجية جاءت تلبية لدعوة شباب التغيير، للتأكيد على ثوابت الثورة وحق الشعب السوري في تقرير مصيره”.
الصورة من الوقفة الاحتجاجية في خان العسل.
أما علي حاج جاسم من ثوار مدينة حلب، فقد قال “نحن ماضون بثورتنا المباركة، ومصممون على الاستمرار حتى اسقاط النظام المجرم وحلفائه، وفضح ممارساتهم ضد شعبنا الأعزل، من خلال القصف الممنهج على البنى التحتية والمراكز الإنسانية والخدمية”، موجهاً رسالة إلى المجتمع الدولي “كفاكم استهزاء بنا، كفاكم التعاطي مع قضيتنا على أنها قضية إرهاب، نحن لسنا إرهابيون، نحن ثوار، نحن شعب له مطالب، نحن خرجنا لننال حريتنا ولن نتراجع حتى اسقاط النظام ومحاسبة المجرم ومحاسبة رموزه”.
في ريف حلب الشمالي: الشوارع “زفت” والمجالس المحلية تلجأ للإسمنت كبديل
بدأت المجالس المحلية في ريف حلب الشمالي منذ شهر أعمال ترميم وترقيع الطرقات المتهالكة في القرى والمناطق التابعة لها، بالاعتماد على مادة الإسمنت والرمل الفراتي كبديل عن “الزفت”، المادة الأساسية التي يعتمد عليها لتعبيد الطرقات في جميع أنحاء العالم، نظراً لعدم وجود “المجابل”، وعدم استجابة الحكومة التركية لطلبات “التزفييت” المقدمة من المجالس المحلية، بحجة “أنه ليس وقت التزفييت المقرر من قبل الحكومة”.
وقال طاهر الجاسم رئيس مجلس قرية الزيادية في ريف حلب الشمالي “إن مناقصة ترميم الطرقات بالإسمنت جاءت نتيجة للضرورة القصوى، فالشارع الوحيد في القرية لا يصلح للمشي فكيف لمرور السيارات، بعد الكسور والحفر التي ملأته نتيجة الحمولة الكبيرة للسيارات التي تمر من خلاله، بالإضافة إلى القذائف والصواريخ التي أحدثت اضراراً كبيرة في الشارع، وحفراً بأحجام كبيرة، ناهيك عن شكاوى المواطنين التي تتزايد في كل يوم”.
وكان المجلس في قرية الزيادية قد أعلن عن مناقصة لترميم الطريق بكلفة (1,5) مليون ليرة سورية، منذ بداية شهر أيلول، جرى من خلالها ترميم 57متراً مكعباً في الطريق الرئيسي للقرية.
استخدم في عملية الترميم “الرمل الفراتي والإسمنت” إضافة إلى “الحديد” في ترميم الحفر الكبيرة، ويحتاج كل متر مكعب إلى (متر مكعب من الرمل و7 أكياس من الإسمنت لترميمه) حيث بلغت كلفة المتر المكعب الواحد 21000 ليرة سورية.
واعتبر الجاسم أن هذا “الحل مبدئي ريثما يتم تزفييت الطرقات في خطة العمل للصيف القادم، بعد أن راسلنا والي كلس من أجل التزفييت، ليأتينا الرد على لسان نائبه “أن هذا الوقت هو ليس وقت تزفييت الطرقات المقرر من قبل الحكومة”.
الصورة لجانب من أعمال ترميم الطرقات في قرية الزيادية.
الصورة لجانب من أعمال ترميم الطرقات في قرية الزيادية.
محمد العلي مدير مدرسة الزيادية قال لمراسل فوكس حلب “إن طرق القرية كانت محفرة بشكل كبيرة، وكان هناك حفرة كبيرة أمام المدرسة بمساحة 200 متر مربع أمام باب المدرسة تعيق دخول الطلبة صيفاً، أما في الشتاء فيصبح الدخول مستحيلاً” كما وشكر العلي المجلس لقيامه بترميم الطرقات.
الصورة من أمام مدرسة الزيادية بعد انتهاء عملية ترميم الطريق.
من جهته اعتبر السيد محمد أحد أهالي قرية الزيادية أن “عملية الترميم ناقصة”، فالإسمنت لا يفي بالغرض على حد قوله “بكرا بتمر سيارتين محملات بينكسر الطريق وبترجع حليمة لعادتا القديمة”.
ليست حال طرق قرية تركمان بارح في ريف حلب الشمالي بأفضل من طرق الزيادية، وهذا ما دفع مجلس القرية أن يحذو حذو مجلس الزادية بتقديم خطة عمل لترميم الطرقات بطريقة “صب البيتون”، وقال رئيس المجلس “إن هناك 45 متراً مكعباً من طرقات القرية بحاجة إلى ترميم” وقدر رئيس المبلغ الكلفة ب “859500 ليرة سورية” وأضاف رئيس المجلس “بالإضافة إلى قدوم فصل الشتاء فإن الطرق المحفرة دفعت الكثير من الأهالي لتغطيتها بالتراب، وهذا ما أدى إلى انتشار الغبار الكثيف وحصول العديد من الحوادث”.
الصورة لطريق الزيادية بعد الانتهاء من عملية الترميم.
المهندس أحمد الخلف قال لمراسل فوكس حلب، “إن الإسمنت وحده لا ينفع لتعبيد الطرقات بدون شبكة من مادة الحديد، وذلك لأن الإسمنت قصِف -أي لا يمتلك مرونة- كي يستعمل في الطرقات وهذا ما سيؤدي إلى تكسّره خلال فترة قصيرة، وخاصة إن مرّت فوقه سيارات محملة بأوزان ثقيلة، بالإضافة إلى أن تأثر الإسمنت بالعوامل الجوية تكون أكبر من مادة الزفت و سيتفتت إن لم يتم وضع فواصل مطاطية لامتصاص التأثيرات الناتجة عن عملية التمدد والتقلص”.
تواصلت فوكس حلب مع مجبل الزفت الوحيد الذي فتح في المنطقة منذ أيام، وأكد لنا أن “تكلفة المتر المربع من الزفت بسماكة 5سم مع الدحل 9دولارات” أي ما يعادل ربع تكلفة المتر المربع من البيون!!!.
كان الكردي الستيني يضع أكياساً من التبغ أمام أحد المحلات الصغيرة على طريق الباسوطة، ولكن “الترفيق” بين شطري مناطقنا المحررة من إعزاز وحتى إدلب، يمنعنا نحن عابرو الترانزيت أصحاب الختم الأحمر من ترجي السائق أن يقف لدقيقة، دقيقة واحدة كانت ربما تكفي لتعيد لي أبي من جديد بعد أن فقدت حضوره ولو مناماً منذ سنتين، حين كنت دائما ما أعيشه بتفاصيله الصغيرة التي اقتصرت على نظارة كبيرة يقرأ من خلالها، وكيساً أزرقاً للتبغ، ومشرباً من الخشب العادي، وكأساً أبيض يضع فيه قهوة باردة يكتفي بها كغذاء صباحي حتى المساء، وهو جالس بعد أن أُقعد من عمله على تلك الكنبة في شرفة منزلنا في حي مساكن هنانو العمالية، ليراقب العمال الذين كانوا يبدون ككتل الإسمنت تلك التي كانت تبدو من شرفتنا، أبي كان يستمتع بالمشهد لأنه عاش في معمل الاسمنت منذ ستينات القرن الماضي، إلى الدرجة التي بدا الاسمنت بنظره حنوناً عليه أكثر من منظر الحدائق، لذلك كان نادراً ما يغادر البيت تحت أي ظرف.
ملامح الكردي بدت قاسية جداً، هي تشبه تلك الملامح التي كانت لصورة جدي المعلقة في صدر البيت، ربما كانت شراكة الجبال من وحّد تلك الخطوط المتعبة على جباههم وربما كان الظلم الواقع على الكرد يشبه إلى حد ما القرى المنسية التي كنا نعيش فيها، وحدها أمي كانت تنظر إلى أبيها المعلق على السقف بجانب زوجته القصيرة جداً فتلمع عيناها، كلنا كنا نخافه، وتآمرنا مرات كثيرة لإنزاله من على الجدار، لولا نظرات أمي بعينيها الصغيرتين التي كانت تشكل حالة من الرهبة تفوق بمرات صورة والدها.
الصورة تعبيرية من مدينة حلب 2015 – تصوير: جلال المامو.
قال لي أبي “على الجهة الشمالية من بيتنا كانت أمي تزرع التبغ، كان الانتاج تأخذه مؤسسة الريجة، مرّة استطاع تهريب بعضها ليبيعه في مدينة معرة النعمان، عندما أخرج الورقة من كيس الخيش كانت تصل حتى خصر أمك، قالها وضحك “أمك تشبه والدتها القصيرة جدا”.
للتبغ حكاياته التي لا تنتهي، كان أقسى ما سمعته قبل أن أحضر تلك الجلسة لشبانِ كانوا محاصرين في مدينة حلب، أن أهل قريتي الذين يزرعون التبغ، يشتلونه ويسقوه، ثم يقطفوه، يمر التبغ بمراحل كثيرة منها النشر والتنشيف بعد القطاف وحتى الغربلة والفرم ليسلموه أخيراً لمؤسسة التبغ، يلف الموظف سيجارة عشوائية ليحدد نوع الدخان ومرتبته وسعره الذي يتناسب طرداً مع النقود التي يضعها الفلاح في جيبه كرشوة، وأن النساء كانت تعمل ليل نهار لتجني في نهاية العام ثمناً أقل من الكلفة والتعب، أما أجملها فتلك اللمة التي طالما تحدثت لي والدتي عنها، والأغاني التي كانت القرويات تدندنها أثناء العمل، بفطرة سوية كن يعملن في زراعة الدخان دون أن يعرفن فعلاً إن كان ما يقمن به حلال أم حرام.
كل الرجال كبار السن كانوا يدخنون، لم أذكر يوماً أني رأيت سيجارة بيد الخالد حافظ الأسد، وهذا ما أفقده عندي الكاريزما التي أحاطت بجمال عبد الناصر وكاسترو وجيفارا وغيرهم من المدخنين، وهذا ما جعلني أيضاً غير مؤمن بثورة الثامن من آذار والحركة التصحيحية، فكيف تكون هناك ثورة لا يدخن صاحبها، ليعزز واكيم ومحمد الماغوط وجهة نظري تلك، حين كنت أتعلق بالتلفاز لمتابعة حركة أيديهم وهم يحملون سجائرهم بيدهم اليسرى، ويشعلون طرفاً منها لتتوهج، كثيراً ما حاولت تقليدهم وحاولت أن أتعلم كيف يدخن الإنسان حين يصحو من نومه كرأفت الهجان دون أن يشعر بجفاف في الحلق، متجاهلاً أن الإضاءة هي من تجعل المشهد يبدو وكأن الوقت يتغير كيفما يريد المخرج.
تلك الليلة التي أمضيتها في الأتارب مع رجال الحصار في مدينة حلب كانت مؤلمة للدرجة التي نسيت فيها أن أدلي بدلوي أنا الثرثار، ودون أن أسأل أي سؤال، بفم مفتوح ودهشة وكلمة “يا الله” كحسرة لأني لم أعش مثل تلك التجربة التي يحكيها روادها كمقطوعة موسيقية محزنة بابتسامة كبيرة، “كنت قد ندرت أن أشتري كروز دخان وتوزيعه على الناس بعد خروجنا” قال أحد الشباب الذي بدأ حديثه عن تلك الأيام، وهو يرمي بالسجائر للموجودين كيفما اتفق، من نوع مانشيستر أحمر، ذلك النوع الرديء الذي لم نسمع به إلا في الآونة الأخيرة، “شراب أستاذ، هي السيجارة كانت تنباع بـ 5000 أيام الحصار” ابتسمت لحديثه “السيجارة السيجارة مو الباكيت” ليقاطعه أحد الموجودين “الراحة –نوع من الدخان- كان ينباع بـ 7500”.
الصورة خلال فترة حصار مدينة حلب – تشرين الأول/ 2016 – ت: اسماعيل عبدالرحمن.
خرجت من فمي كلمة “مارلبورو” قهقه الجميع، وأدركت خطئي مباشرة، بدا منظري كرجل غبي فتقوقعت على نفسي، لينهي حصة الضحك تلك قال مضيفنا أبومحمد “انتشرت دلالة الدخان في حلب خلال فترة الحصار، سيجارة من البائع وسيجارة من المشتري لكل باكيت، كنت أستطيع تأمين ثلاث سيجارات كل يوم بعد كل وجبة طعام من خلال الدلالة، في أحد المرات أمنت بيع كروز كامل من الدخان كانت حصتي باكيت كامل عشرون سيجارة، وزعت تسعة سجائر على الموجودين وتلذذت يوماً كاملاً بما تبقى بحوزتي”. تخطى سعر كروز الدخان ال 2000دولاراً، وظهر نوع جديد من الدلالة، بعض الشباب أخذوا على عاتقهم بيع باكيت من الدخان لصاحبه مقابل سيجارتين، كان يطلب صاحب الدخان” 120 ألفاً ثمنا للباكيت أما الباقي فأنت وشطارتك”.
جميع الموجودين نظروا إلى أبو أسعد الذي يجلس مستمعاً كمن يداري شيئاً في زاوية الغرفة، قهقهوا حتى نزلت دموعهم، “باع السوزوكي بكروز دخان” ليكملوا نوبة الضحك، انتفض الرجل” نعم حديدة وبعتا، كان رح ياخدا النظام، يعني هيك أحسن”، ثم أطرق في أرض الغرفة، انتظرت أن يقول شيئاً آخر، عم صمت قاتل في المكان، صوت أنفاسه وصل إلينا وهو ينفث سيجارة قد نسيها بيده “يا ريت ما طلعنا من حلب، صحيح هون الدخان متوفر، بس موب وقتو ولا بمكانو ولا بزمانو، لما رجعت عالبيت ما كنت زعلان عالسوزوكي الي راحت، كنت فرحان بالدخان، كنت بحلب عبنفخ لفوق، كنت يمكن عبتحدى الحصار والموت وكل شي، كنت وقتا حر”.
“ورق الباذنجان”، كان أكثر أنواع الدخان البديلة شيوعاً، “أثبت هذا الباذنجان أنه أصيل” وكان يضاف إليه “بعض الفحم الحجري لتعديل طعمه”، صارت السيجارة “تطقطق في الفم كمفرقعات العيد” وانتشرت “بسطات الدخان الباذنجان في الأسواق، كانت الناس تجتمع حول البسطات تلف سيجارة تتذوقها ثم تحكم” كموظفي الريجة سابقاً، “الربع كيلو كان بـ 6000 ليرة” قال أبو محمد ليكمل القصة “الناس لفت الشاي التركي وشربتو وورق النعناع والورق الفاضي، لم يبق شيء لم نحوله إلى دخان”، وكان الورق المستخدم “ورق تخطيط القلب”، أية مفارقة تلك، أن يكون الداء والدواء ملفوفاً في سيجارة واحدة، “كان أفضل من ورق الشام وكنا نشتريه بالمتر”.
يتابع أبو محمد “مرّة حصلت على ثلاثة سيجارات من جيب أحد الشبيحة الذين قتلوا في معركة حندرات، المرابطون هناك ليسوا مدخنين، عندما فتشوا جيوبه وجدوا علبة سجائر حمراء طويلة، فيها ثلاث سيجارات، عندما انتهت نوبتهم ليلاً، جاؤوني بالسجائر، قالوا لي : اغتنمالك كنز”.
الصورة أثناء تهجير أهالي حلب – كانون الأول/ 2016 – ت: اسماعيل عبدالرحمن.
ابراهيم روى لنا قصة كاملة عن تعاطف بعض الأهالي في مناطق النظام مع المحاصرين، دهشت للحظة وأنا استمع له، كيف كانوا يضعون السجائر في علبة بيبسي فارغة، يحكمون إغلاقها، ويرمونها في نهرقويق، لتصل إلى الجهة المقابلة في حي بستان القصر، كان الشباب هناك يلتقطونها بالشبكات ويوزعونها، أو يبيعونها، أما في الخطوط الأمامية فقد كانت تجري صفقات تجارية بين الطرفين، السلعة كانت الدخان والثمن كان آلافاً كثيرة.
كنت قد أنهيت سيجارتي ورميتها من نافذة حافلة الترفيق التي أقلتني إلى مدينة اعزاز، التفت إلى بائع الدخان، لم أرى شيئاً، لم أعرف الوقت الذي أمضيته وأنا أستعيد كل تلك التفاصيل، ما أعرفه أن مرارة سرت في حلقي، على الفور قمت بإشعال سيجارة أخرى كيلا أتوقف عن التدخين.
“اليد الماهرة” دعم مادي ومعنوي للمرأة في سوريا الحرة
أقام اتحاد نسائم سوريا بالتعاون مع مركز اسكندرون يوم أمس الجمعة معرض “اليد الماهرة” في مدينة حارم، لتسويق وترويج الأشغال اليدوية ومنتجات المهن الحرفية، بالإضافة إلى الوسائل التعليمية، وذلك للوقوف إلى جانب النساء والفتيات في المناطق المحررة، لعرض نتاجهم والتعريف بتلك الأعمال كوجه من أوجه الثقافة الإبداعية الموروثة، ناهيك عن المال الذي تتقاضاه النساء من خلال عملية بيع هذه المنتجات، والذي يعود ريعه بالكامل لصاحبات الشأن، دون أن يقتطع الاتحاد أو المركز جزء من هذا الثمن.
الصورة من معرض “اليد الماهرة” – تصوير: احمد عزيزة.
قالت الآنسة نسيم توتنجي مديرة اتحاد نسائم سوريا، لمراسل فوكس حلب “إن اتحاد نسائم سوريا وبالتعاون مع مركز اسكندرون التابع للهيئة السورية للمشاريع والتنمية، قد أقام معرض “اليد الماهرة”، الذي يتضمن عرض منتجات المراكز المشاركة والمعنية بشؤون المرأة وحمايتها من جميع المناطق المحررة، إضافة للنساء والفتيات مالكات المشاريع الصغيرة، في مجالات الأشغال اليدوية والمهن الحرفية ووسائل التعليم”.
الصورة من معرض “اليد الماهرة” – تصوير: احمد عزيزة.
وقد دعا الاتحاد “جميع المنظمات والمؤسسات العاملة في الداخل السوري”، لحضور هذا المعرض، الذي يهدف إلى “عرض منتوجات النساء ضمن برامج التمكين المهني، وتسويقها، وضمان وصولها لشريحة واسعة من المجتمع”، بحيث يعود “الريع الكامل للمعرض لصاحبات المشاريع -فكل قطعة تباع يعود ثمنها لصاحبة الشأن- اللواتي أثبتن جدارة المرأة وقدرتها على العمل، رغم الظروف القاسية التي يعشنها”.
الصورة من معرض “اليد الماهرة” – تصوير: احمد عزيزة.
وأعرب الأستاذ مراد اسطنبولي، مدير جمعية الزاهد الخيرية في سلقين، أحد المدعوين إلى المعرض عن “أهمية هذا العمل في تحريك الوضع السائد في البلاد، واعتبره خطوة رائعة للتعريف بثقافتنا، من خلال المهن الموجودة والحرف اليدوية” وعدّ اسطنبولي المعرض “سنداً مادياً ومعنوياً للأسرة، وحافزاً للمرأة العاملة المبدعة في ظل هذه الظروف”.
الصورة من معرض “اليد الماهرة” – تصوير: احمد عزيزة.
من جانبها قالت الآنسة مريم شيروطن العضو في منظمة “زوم إن” وإحدى المشاركات في “اليد الماهرة”، لمراسل فوكس حلب ” إن المعرض يمثل فرصة لعرض المنتجات التي تقوم المرأة بصنعها، سواء من خلال إبداعها في المراكز التدريبية التي تعمل على تنمية الحرف والأعمال اليدوية وتسويقها”، ف “دائماً ما يكون هناك انتاجاً كبيراً، ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في تسويق هذا الإنتاج”.
أما ضياء، أحد الحضور في المعرض فقد رأى “أن الأعمال اليدوية وخاصة ما يتعلق بالفلين وإعادة التدوير، شيء مميز يستحق التقدير” وعن “المنتجات الفنية واليدوية، اكتفى أحمد الأسعد أحد الحضور، بالقول “كتير حلوة، ولازم الكل يشتريها، فيها صنعة وفيها ريحة البلد”.
الصورة من معرض “اليد الماهرة” – تصوير: احمد عزيزة.
وكان مركز اسكندرون للتدريب والتأهيل التابع للهيئة السورية للمشاريع والتنمية، قد استضاف في مقره الواقع على الطريق بين مدينتي حارم وسلقين معرض “اليد الماهرة”، وقال أحمد نوار مدير المركز لفوكس حلب “المعرض عبارة عن انتاج أكثر من عشرة مراكز في الشمال السوري، بالإضافة إلى أشخاص يعملون في الحرف اليدوية، سواء أساليب التعليم أو الصوف أو قطع الزينة أو الخياطة، بغرض تسويقها”، وأعرب عن استعداد المركز الذي يحتوي على صالتين للتدريب” تقديم المساعدة لأي مركز أو مؤسسة مجتمع مدنين، تقدم خدمة للمجتمع”.
الشمال السوري: أيام دامية و”بازارات” فارغة وخلاف في الرأي حول المعارك الأخيرة
على عكس عادة يوم الأحد في سوق الأتارب، حيث يقام اسبوعياً في هذا اليوم “بازاراً”، تؤمه الناس من المدينة والقرى المحيطة بها، فتمتلئ الأسواق بالبضائع وبسطات الخضار والألبسة والزحام، بدا السوق في هذا اليوم شبه فارغ، بعد أن عاود طيران الأسد وحلفائه الروس استهداف القرى والبلدات في مدينة إدلب وريفها والريف الغربي لمدينة حلب، حيث استهدفت الطائرات صباح اليوم قرى “كفر حلب وكفر حمرة وأطراف مدينة الأتارب والفوج 46” لأول مرة منذ شباط الماضي، بعد اتفاق خفض التصعيد الذي أقر في مؤتمر الآستانة 2.
الصورة من “بازار” مدينة الأتارب.
وقال، مراسل فوكس حلب “إن الطائرات الروسية، شنت صباح اليوم عدة غارات، على قرى كفر حمرة والفوج 46 وكفر حلب، مخلفة شهيداً وعدداً من الجرحى” بحسب احصائيات الدفاع المدني.
وأفاد ناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي، أن الطائرات الروسية “وسعت نطاق غاراتها الجوية لليوم السادس على التوالي، لتشمل ” مدينة جسر الشغور وقرى الزعينية وبداما والغسانية المحيطة بها” وقرية “خان السبل” التابعة لمدينة سراقب، ما أسفر عن سقوط عدد من الجرحى، كما استهدف الطيران قرى “تفتناز ومعارة وأورم” في ريف إدلب الشمالي، و”كفر سجنة” في ريف إدلب الجنوبي، بالإضافة إلى “خان شيخون وأرمنايا وسكيك وعطشان”.
وفي مقابلات أجراها مراسل فوكس حلب في مدينة الأتارب، للحديث عن الضربات الجوية الأخيرة، قال الأستاذ شام العلي “المشكلة تكمن في أن الفصائل المسلحة قد بدأت المعركة الأخيرة دون تحضيرات سابقة، حيث اكتفت بالهجوم من نقطتين – الريف الجنوبي لإدلب وبعض قرى حماه-، ما أعطى مسوغاً لطيران الأسد بقصف القرى والبلدات المشمولة باتفاق خفض التصعيد، وخاصة أن المعركة أتت بعد اتفاق الآستانة 6” واعتبر العلي “أن المعركة خدمت قوات الأسد”، الأمر الذي أيده الشيخ محمد العلي، حيث قال لمراسل فوكس حلب “أنا لست مؤيداً للمعركة العسكرية الأخيرة، حتى لو استطعنا الحصول على بعض النقاط من قوات الأسد، فالضغط الجوي الذي نتعرض له أكبر بكثير من طاقتنا على الاحتمال، وخاصة أن هذه الطائرات استهدفت مراكز الدفاع المدني والمشافي والنقاط الطبية، وليس من المستبعد أن تستهدف المدارس، كعادة طيران الأسد سابقاً” وأكمل الشيخ محمد العلي، المهجر من مدينة حلب “نحن أكثر الناس معرفة بوحشية نظام الأسد، فحين نخفق في أي عمل عسكري سيستهدف المدنيين أينما وجدوا، الناس هجرت من بيوتها في حلب، فأين ستذهب من جديد؟”.
أما أحمد أبو العز، فقد رأى “أن نظام الأسد لا يفهم إلا بلغة القوة، ولن ينصاع ويجلس إلى طاولة مفاوضات تعطينا بعض حقنا، إلاّ من خلال عمل عسكري قوي على الأرض يتواكب مع الحل السياسي، وهو لن يقبل بأي حل سياسي، وسيواصل تقدمه في المناطق المحررة إن لم نستطع الوقوف في وجهه وتحرير أراضينا”.
ويقف أبو العز مع “كل مقاتل على الأرض السورية يقف في وجه النظام أيّاً كان الفصيل الذي ينتمي إليه، مطالباً بفتح جميع الجبهات لإشغال النظام وإجباره على القبول بحل سياسي، يكون رحيل الأسد أول شروطه وأولوياته”.
في حين يرى خالد الخالدي أبو صالح “مفاوضات الأستانة مخجلة بحق السوريين، فهي لا تحتوي إلا على التنازلات ثم التنازلات والتنازلات من جانب الثوار” ويعتبر “العمل العسكري هو النهج الصحيح الذي يجب أن يلتزم به ثوار اليوم، بشرط أن يكون مدروساً ولا يخدم مصالح أو مكاسب شخصية لأي أمير أو قائد أو فصيل”.
إلى ذلك رأى الأستاذ علي مروح أبو أحمد “أن المفاوضات لن تحقق طموحات الشعب” وقال “إن الشعب سيحتمل كل القصف والضربات الجوية والنزوح، المهم أن نحرر الأرض، ونحافظ على المناطق التي دخلها الثوار مؤخراً”.
سألت جدتي وأنا أجلس في حضنها، وقتها كنت صغيراً، أثناء سفرنا من الكراج الشرقي في مدينة حلب باتجاه بلدة المنصورة في ريف الرقة الغربي، حيث يقطن أخوها المريض، كيف يحفظ سائق السرفيس كل تلك الطرقات إلى المنصورة حيث المسافات الطويلة، دون أن يضيع مثلي في كومة أقمشة قسَمت أرضاً ترابية إلى سوق أُطلق عليه اسم سوق الجمعة، كنت أنا أتوه بين أكوام الأقمشة المهترئة وهو يجد طريقه عبر الطرقات الطويلة !.
أشارت جدتي بإصبعها نحو لوحة طرقية كتب عليها (الرقة ١٠٠ كيلو متر)، مررنا بالقرب منها بسرعة البرق واستطعت تمييز سهم أبيض فيها كإشارة للدلالة على الطريق، قالت لي: “هوا يظل راكظ وين ما تاشرلو هذي ونو موصل الجرية”، لم يقنعني جوابها وقبل أن تعود لصمتها، سألتها بسرعة: ” طيب قبل اللوحة هي شلون كان يندل وقبل ما تصير السيارة؟؟؟؟ لما جنتي كدي شلون جنتم تروحون من مطرح لمطرح؟؟ “.
بدأت تشرح لي عن الزمن الذي لم يكن يحتوي على مبان وطرقات معبدة ولوحات طرقية، حدثتني عن ندرة الباصات في قريتها، حيث كانت تمر في وقت محدد من كل أسبوع، وأحياناً قليلة كانت تزور القرية ليومين متتاليين، سالكة طريقاً كانت الناس سابقاً تستخدمه، حين كانت الدواب وسيلة النقل الوحيدة، والذي تم تعبيده لاحقاً.
كانت مزارات مشايخ الصوفية وبعض آبار المياه والتلال الترابية هي العلامات التي يتخذها الناس خلال وجهتهم لمعرفة الطريق ” ياما ناس ظيعت بعظ” في متاهات هذه الطرق اليائسة، ليستقروا مع بعض العائلات في أرض لم تأخذ اسم قرية بعد، ولتتشكل الكثير من القرى من ضائعين قد تاهوا في الطريق إلى ديارهم، ليسكنوا أرضاً كانت منذ وقت قليل أرضاً فارغة، “يستثنى من ذلك العرب الرحل ( البدو)” استدركت جدتي أثناء حديثها عن طفولتها ، لتخبرني أن البدو لا يضيعون في الأرض كغيرهم، فالشمس والماء والأرض جدران بيوتهم، وأخذت تسرد لي القصص وبيدي ” شعيبية” ( قطعة حلوى) تلحس بأصبعها القَطر الذي يسيل من الورقة على يدي، أشرد بكلامها، سألتها بعد أن وقفت على قدماي التي نَمّلت من كثرة الجلوس وبعدما عدت لأجلس في حضنها: “ايمتى نوصل طولنا … بدي اسبح بالفرا”.
مرت قرابة السبعة عشر عاماً على هذه الحادثة وأنا أفكر في الطرق المعبدة و الحمير التي تسير والحكومات التي تتقاعس بالبحث عن طرق مختصرة وجديدة وعريضة وإصدار قرار بتعبيد الطرق التي وطأها حافر الحمار، فلماذا إذن نجد مفارق وطرق مقوسة مزفتة في أرض زراعية شاسعة وما هو التبرير المنطقي لوجودها؟
بحثت عن المُعبِّد الأول للطرق في سورية، لم أجد من تعب أكثر من الحمار وصاحبه، وبعدها كان للعثمانيين نصيب وللفرنسيين نصيب وللحكومات المتعاقبة، ولحكومة البعث نصيب أخر.
سَهلت اللوحات الطرقية التي كُتِبَت تارة بخط اليد من قبل رجل ضجر من طرق بابه وسؤاله عن القرية الفلانية أو كلمات كُتِبَت على حائط عريض على طريق لتُشير للركاب أن هذه الأرض تُسمى كذا وبعدها أرض بيت فلان، إلى أن تم حساب المسافات بين المدن وكتابتها على الطرقات.
الصورة تعبيرية للوحات طرقية في مدينة حلب كانون الثاني/ ٢٠١٥ – ت: جلال المامو.
وبعد اندلاع الثورة السورية (آذار ٢٠١١) وبداية الحراك المسلح وتقاسم المناطق وتدخل الدول وتلوين سورية عبر موقع livemap)) إلى اللون الأخضر الذي يُشير لمناطق سيطرة فصائل الجيش الحر، واللون الأحمر الذي يشير إلى مناطق سيطرة قوات الأسد، واللون الأسود الذي أتى فيما بعد ليأخذ اسم مناطق سيطرة تنظيم الدولة، ولون أصفر سمي بمناطق سيطرة قوات وحدات الحماية التي سميت فيما بعد بقوات سورية الديمقراطية ” قسد”.
ورسمت الحدود بالسواتر الترابية أو بالخنادق، ليسمح لفئات محددة من الشعب بدخول هذه المناطق دون غيرهم، وفرض إتاوات مالية ورشى للمرور إلى بعض هذه المناطق دون تلك، ولتصبح اللوحات الطرقية مرمى لهدف رصاص النشوة والانتصار للجهة التي سيطرت على هذه اللوحة.
ولكن ماذا لو تمت إعادة كتابة اللوحات الطرقية وتحديد المسافة والزمان للوصول إلى محافظة ما، حتما ستتحول اللوحة إلى عبارات أُخرى , وأسماء جديدة ومسافات مختلفة، بحسب الجهة ا التي تسيطر عليها، فالمسافة بين مدينة الباب شرقي حلب والتي تسيطر عليها فصائل الجيش الحر وبين مدينة حلب المسيطر عليها من قبل قوات الأسد، تقدر وبحسب لوحة طرقية في مدينة الباب ب ( ٤٠ كيلو متر) مكتوبة بخط الثلث وباللون الابيض، اللوحة القديمة كانت سابقاً تقول الحقيقة، ولكن اليوم إن تم نصب لوحات طرقية جديدة ستكون المسافة : ( حلب ١٢٠ كيلو متر من طريق عفرين أو ١٤٠ كيلو متر من طريق منبج + تأجيل لخدمة العلم وهوية نظامية للشباب والنساء بشكل عام الطريق سالك ويستثنى من دخول حلب كل مواطن تلطخت يده بالدم).
وللوصول إلى مدينة الرقة ستمر بلوحة طرقية سيكتب عليها 🙁 الرقة ٢٠٠ كيلو متر + اتفاقيات دولية وتفاهمات تركية أمريكية تسمح لمقاتلي الجيش الحر بدخولها ومسموح للنساء والأطفال ينصح بعدم ارتداء أسواره علم الثورة وتنظيف الموبايل من صور تدل إلى الانتساب لفصائل الجيش الحر).
في طفولتي طفرتُ، ووقفت على قدماي المُنَمّلة لطول الطريق من حلب إلى بلدة المنصورة، أما اليوم ماذا سيسأل طفل بعمري وقتها جدته أثناء سفرهم من مدينة إلى مدينة، وهل ستشير جدته إلى لوحة طرقية تخبره بأنه ربما يكون مطلوباً لهذه الجهة المسيطرة أو تلك؟.
ماذا لو أثبت العلم وجود حياة أخرى؟ فيلم «الاكتشاف» يسأل ويُجيب
تطرّق فيلمٌ أتاحتهُ مؤخراً للمشاهدة عبر الإنترنت خدمة «Netflix» بعنوان «The Discovery» (الاكتشاف) إلى قضيّة أزليّة، لكنّها الآن تكاد تكون محط أنظار معظم أشكال الأطروحات العلميّة أو الفنّية المعنية بالجوانب النفسية لدى الإنسان، وهي قضية (الانتحار)، أو بمعنى آخر قضيّة أن تكون لديك فكرة ثابتة وغير قابلة للشك فيما يخص ما سيأتي مستقبلاً.
الفيلم على الرغم من كونه لم يصنَّف بأكثر من ٦.٣ من ١٠ حتى الآن على موقع IMDB الشهير -وهو تصنيف قليل مقارنةً مع أفلام أخرى- إلا أنه يحتّم علينا بشدة أن نأخذ موضوعه وفكرته وطرحَه الفريد على محمل الجديّة المطلَقة.
في المشهد الأول.. الطبيب توماس (Robert Redford) يجري مقابلة تلفزيونية على إحدى القنوات بعد مضي عامين على انتحار ملايين الشبان في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك إثر إثبات الطبيب علمياً وجود حياة أخرى بعد الموت.
أربعة ملايين شاب قتلوا أنفسهم، والأعداد تتزايد تباعاً بعد إعلان توماس عن اكتشافه الخالي من أية مسؤوليّة تجاه نفسه والعالم… إحدى حالات الانتحار تلك تمت على الهواء مباشرةً، قام خلالها أحد تقنيّي الصوت من طاقم المحطة بشُكر الطبيب عقب المقابلة التي أُجريت معه، وقتلَ نفسه.
مريضة بسرطان دماغي اعتبرت هذا الاكتشاف من الدكتور توماس هو بمثابة «ورقة يانصيب رابحة» إذ ستمكّنها الحياة الأخرى من العيش بسعادة، ما دفعها إلى قتل نفسها… شاب آخر كان (عامل جو) أكثر متعة، تمثّلَ بجرعة زائدة من مادة مخدّرة… إلخ؛ لك أن تتخيّل أشكالاً لا متناهية من طرق «الخلاص» أو حسب رأيي يمكنك أن تتخيّل أشكالاً لا متناهية من طرق «الهروب».
من ناحية أُخرى وسط هذا الكرنڤال الدموي الصاخب بصرخات المغادرة إلى العالَم الجديد، يشير الفيلم إلى أن عمليات الانتحار الجماعي تلك كان لها جانب إيجابي إذ ساهمت في تعزيز علاقة الناس بأقربائهم أكثر مما كانت عليه، ودفعت الكثيرين إلى إعادة وضع الاعتبار لأنفسهم ولخياراتهم في الحياة، وجمَعَت ضمن علاقة عاطفية ابنَ الدكتور توماس بفتاة حاولت الانتحار بعد فقدانها لابنها غرقاً.
بالعودة إلى جوهر مقتضى الفيلم، نراه يعالج عبر أسئلة وأجوبة كثيرة وكبيرة خطورةَ (الحقائق غير القابلة للطعن) التي من شأنها أن تودي بحياة الناس، أو تهدد الوجود البشري في ذاته، أو تتعهّد بإزالة الفوارق الكبرى بينه وبين الحيوان، إلى ما هناك من مفاهيم الخير والشر، الخطأ والصواب.. وهنا أتذكّر حواراً دارَ بين الطبيبين توماس وابنه، أقتبس منه جملة على لسان ابن الطبيب توماس يقول: «إننا مخطئون يا والدي، مخطئون لأن الملايين من البشر ماتوا.. لقد تحوّل اكتشافك هذا إلى عقيدة… أنتَ من يقتل هؤلاء».
ما فعله الدكتور توماس عملياً عبر اكتشافه هو جريمة قتل جماعيّة، لا بل هو «عقيدة» بكل ما للكلمة من معنى، إذ اشتغلَ الطبيب على اختيار البعض ممن حاولوا الانتحار، وأسكنهم في منزله بعد حوار أجراه معهم وفقاً لأسئلة محددة، وأطلعهم في غرفة خاصة على فيديو لـ «الآخرة» حسبما قال أحد الحضور في الفيلم، والذي رفضَ الحديث بتفصيل عما شاهده… كان هؤلاء المُختارون في غرفة الدكتور توماس بمثابة مبشِّرين بالاكتشاف، أو دعاة، أو سمّهِم أبواق، أو حتى “شبّيحة” إذا ما أردتَ استخدام كلمات معاصرة.
إن لهذا الفيلم ضرورة ملحّة تدفعنا للحديث عنه، خصوصاً إذا ما لاحظتَ هنا وهناك في مجتمعنا تَوق الكثيرين ورغبتهم أو حتى حاجتهم للموت، للنيزك، للمسيح الدجال، للمهدي المنتظر، لديكتاتور مجنون كدونالد ترامب عسى أن يحرق العالم بمن فيه، لا بل يعتبرون هذا خلاصاً -وهو ما يستثمره المستثمرون ببيع تذاكر المغادرة لمن يرغب- في حين لا تتعدى تلك الرغبة هاجس الهرب وإغواءاته بكل ما تحمله تلك الإغواءات والإغراءات من عجائب وغرائب… إن تلك الرغبة ليست تعبّر إلا عن السخط والسعار الدامس الكامن في قلب الإنسان على نفسه وعلى الآخرين من حوله… إنها فتنة زوال العقل والتسليم بحقيقة لا مجال للشك فيها، إنها بهجة غياب المسؤولية، نشوة حريّة الأحلام بعيداً عن الوقائع غير الرحيمة.. إنها لذّة توقّف العالم كلياً وانتهائه في لحظة بوهيميّة.
في النهاية، عقب مشاهدتك للفيلم (ساعة و٤٢ دقيقة) لا بد أن يتهافت إلى رأسك سؤال واحد على الأقل… ماذا لو لم يكن ثمة حياة أخرى وأنني أعيش وأختار في هذه الحياة وفي هذا العالم الكبير تحديداً.. ما الذي سأختاره؟ وأي طريق سأسلك؟؛ أرجو أن تُسعفك الإجابة…
ختاماً، يُذكَر أن الماركسيين كانوا يحتقرون الانتحار ويعتبرونه فعلاً برجوازياً، وهذا بالتأكيد لا ينطبق على مجتمعاتنا الشرق أوسطية؛ من جهة أخرى يقول كاتب القصص القصيرة الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس إن «المنتحرين يفعلون ذلك ليعاقبوا أهلهم على إنجابهم في مثل هذا العالم»؛ أما درويش فيقول: «وأعشق عمري لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي» … تعالوا نخجل من دموع أمّهاتنا.
مدينة الباب: مياه معقمة وحلول إسعافية و”صهاريج بتعبي مي بالنخوة”
“المياه ممتازة ومعقمة وطعما كويس، والشاي يا عين رواق” هكذا عبّر عبد الحميد خزمة، أحد أهالي مدينة الباب الذي “يقف منذ أربع ساعات“، على حد قوله، في قارعة الطريق باحثاً عن صهريج يقبل الذهاب معه ليملأ له “براميله العشرة“، نظراً لأزمة المياه التي يعيشها أهل المدينة بعد أن قطعت قوات الأسد مياه الفرات عن المدينة، ولجوء المجلس المحلي في الباب إلى حلول إسعافية، حسّنت إلى درجة كبيرة توافر المياه وجودتها وتعقيمها، إلاّ أن ضعف الإمكانيات حال دون وجود حلول جذرية للمشكلة.
يحتاج الفرد بحسب دراسات ضمن المعايير العالمية، وبحسب مؤسسة المياه إلى “100 لتر من الماء” للشخص الواحد، إلاّ أن مدير دائرة المياه في المجلس المحلي لمدينة الباب، قال لفوكس حلب “إن واقع المناطق المحررة في سوريا وكوننا في مناطق منكوبة، فإن المجلس حدد الكمية ب 35 لتر للشخص الواحد”، وعليه وبعد عمليات حسابية إحصائية فإن “مدينة الباب تحتاج إلى 4000 متراً مكعباً من المياه بشكل يومي، بعد أن كانت محطة الخفسة سابقاً تضخ 10000متراً مكعباً إلى المدينة كل 13 ساعة، يتم توزيعها على جزء من أحياء الباب بالتناوب”.
الصورة لخزان تجميع الياه في الباب – أيلول/ ٢٠١٧ – ت: ابراهيم حسن.
حلول إسعافية للمياه في مدينة الباب
قام المجلس المحلي منذ أيام بإنشاء خزانين للمياه في المدينة سعة كل منها 400 متر مكعب، وقال رئيس الدائرة محمد ناجي “إنه سيتم تعبئة هذه الخزانات ثلاث مرات يومياً، الأمر الذي سيغطي 65% من حاجة المدينة وتحقيق الاكتفاء المائي للأهالي وذلك مع بعض الظروف الأخرى المساعدة، فبعض السكان لديهم آباراً في بيوتهم، كما يمتلك معظم أصحاب الأراضي آباراً في أراضيهم، الأمر الذي سيؤدي إلى تخفيف الضغط عن المدينة”.
يعمل على ملء هذه الخزانات بحسب رئيس الدائرة ” أربعة صهاريج تخص المجلس المحلي، اثنان منهما بسعة 60 برميلاً، وواحد بسعة 50 برميلاً وآخر بسعة 42 برميلاً، وقدمت الحكومة التركية للمجلس أربعة صهاريج أخرى، ونقوم حالياً بشراء المياه من آبار في قرية سوسيان التي تبعد 10كم عن المدينة، بعد أن نملأ الخزانات نقوم بتعقيمها وتوزيعها على صهاريج خاصة صغيرة، لتقوم بتخديم الأهالي في المدينة”.
ويعمل سائقي هذه الصهاريج “من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الثامنة مساء، بساعات عمل إضافية مأجورة، لنستطيع تخديم العدد الأكبر من سكان المدينة، كما تقوم الصهاريج بالتوزيع المباشر للمدارس وتجمعات النازحين والمساجد والدوائر الرسمية في المدينة، ما يشكل عبئاً إضافياً، هذا بالإضافة إلى المسافة التي تقطعها هذه الصهاريج 24كم ذهاباً وإياباً من البئر وحتى الخزانات ستة مرات يومياً”.
وكانت دائرة المياه في المجلس المحلي قد لجأت إلى شراء المياه من آبار خارج المدينة “لأن معظم آبار مدينة الباب نزحت ولم تعد هناك مياه كافية، هذا بالإضافة إلى أن الآبار الجنوبية والشرقية في المدينة ملوثة بمياه الصرف الصحي وغير صالحة للشرب حتى لو عقمت بالكلور، ويجري الاعتماد عليها لاستخدامات أخرى كري المزروعات والشطف والبناء، ونزوح البئر الذي تم حفره من قبل المجلس في وادي غرة” بحسب رئيس الدائرة.
ويعتمد المجلس على مياه الآبار الصالحة للشرب في قرية سوسيان بعد تحليلها في المخابر التركية وإثبات صلاحيتها للشرب وخلوها من الجراثيم وبالرغم من ذلك يقوم المجلس “بتعقيم المياه بمادة الكلور كإجراء إضافي لضمان تقديم مياه صالحة للشرب للمواطنين” على حد قول محمد ناجي الذي أضاف بأن الدائرة “تعتمد على القاعدة العامة في التعقيم، وهي ظهور النسبة الملائمة من الكلور الزائد في تحاليل العينات المخبرية، وهذا يعني أنها صالحة للشرب بنسبة 99%”.
ويعتمد المجلس على مادة الكلور في التعقيم على الرغم من وجود طرق أخرى “كالتعقيم بالأشعة فوق البنفسجية والتعقيم بالأوزون”، إلا أن “الطريقة الأسهل والأسرع هي التعقيم بمادة الكلور المتوفرة بكميات كبيرة، وقد كان المجلس سابقاً يمتلك كميات كبيرة من الكلور السائل كان يوزعها على الأهالي وأصحاب الصهاريج، ولكنه في الفترة الأخيرة صار يعتمد على حبة الكلور التي تعقم كل واحدة منها 9000 لتراً من المياه، وخوفاً من إساءة استخدامها، أو أن تتكلور المياه بنسبة كبيرة، لا يتم توزيعها على الأهالي، وتقوم الدائرة بتعقيم المياه في الخزانات التابعة لها”.
الصورة تعبيرية لأبناء المخيم يقومون بتعبئة المياه من صهريج ماء داخل المخيم ريف حلب الشمالي أيار/ ٢٠١٤ – ت: جلال المامو.
حدد المجلس المحلي سعر البرميل الواحد من المياه الصالحة للشرب بـ 75 ليرة سورية للصهاريج الصغيرة في المدينة التي تقوم بإيصالها إلى الأهالي بسعر 150 ليرة للبرميل، ويقول عبد الحميد خزمة من أهالي المدينة “في البداية كانوا يبيعون البرميل الواحد بـ 50 ليرة للصهريج الذي يوصله لنا بـ 100 ليرة، ولكنهم رفعوا السعر فجأة، لا نعرف السبب وراء هذا الارتفاع إن كان من المجلس أم من أصحاب الصهاريج؟؟”, رئيس دائرة المياه أوضح لفوكس حلب سبب ارتفاع سعر البرميل وقال “إن المجلس يدفع مبلغ 3000 ليرة ثمن 60 برميلاً لصاحب البئر، هذا بالإضافة إلى المصاريف التشغيلية من موظفين ووقود وتصليحات، وعلى الرغم من رفع السعر ما زال المجلس خاسراً ويقوم بدعم المياه لتصل بأسعار مقبولة إلى المواطن”.
لا يوجد في مدينة الباب سوى محطة معالجة مياه صغيرة، على أحد الآبار في قرية صوبيران تعالج “2000 لتر يومياً” يقوم المجلس بتوزيعها “على العائلات المسجلة في الحالات الاجتماعية وبعض النازحين من خلال عبوات سعة كل منها 10 ليترات، حيث نعاني من مشاكل في نقل هذه العبوات ولذلك سيتم نقلها إلى بئر في الحديقة العامة وسط المدينة لزيادة عدد المستفيدين من هذه المياه مستقبلاً”، حيث يحتاج بناء محطة معالجة المياه تغطي حاجة المدينة إلى “مبالغ مالية طائلة، بالإضافة إلى مصدر مياه غزير ودائم، في انتظار مياه نهر الفرات”
لم يشتكِ عبد الحميد خزمة وأبو محمد للمجلس المحلي رفض بعض سائقي الصهاريج الذهاب معهم إلى منازلهم لتعبئة بالمياه “فأصحاب الصهاريج ما بيقولوا ما منعبيلك بيقولوا ماسكين عشرة عالدور” بحسب أبو محمد الذي أضاف “نحنا الي بيوتنا بعيدة الصهاريج ما بتروح معنا، قال ما بتوفي معهون” تاركين الأمر “لنخوة أحد أصحاب الصهاريج بلكي بيعبيلون”.